تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لَمْ:﴾
حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يعلمكم الذي، أو: شيئا لم تكونوا تعلمونه.
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄: معناه: اذكروني بطاعتي؛ أذكركم بمعونتي.
وقيل: اذكروني في النعمة، والرّخاء؛ أذكركم في الشدّة والبلاء. وقال أهل المعاني: اذكروني بالتّوحيد، والإيمان؛ أذكركم بالجنان، والرّضوان، وقيل: اذكروني بالإخلاص؛ أذكركم بالخلاص، وقيل غير ذلك.
هذا؛ وقال أرباب المعاني: ربط بني إسرائيل بذكر النّعمة؛ حيث قال:
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٤٠]، وأسقطه عن أمّة محمد ﷺ ، ودعاهم إلى ذكره، فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ليكون نظر الأمم من النّعمة إلى المنعم، ونظر أمّة محمد ﷺ من المنعم إلى النّعمة. وقال بعض العارفين: عبيد النّعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكّر بني إسرائيل بنعمه عليهم؛ حتّى يعرفوا منها المنعم. فقال: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ، وأما أمّة محمد ﷺ ، فقد ذكّرهم بالمنعم، فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ليتعرفوا من المنعم على النّعمة، وشتّان ما بين الأمرين. هذا؛ وانظر الشكر في الآية رقم [٥٢]. ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ أي: لا تجحدون، وسمّي الجحود كفرانا؛ لأنه مثل الكفر في التغطية، والستر، وقلب الشيء عن وجهه.
بعد هذا فقد جعل الله لكل طاعة، وعبادة أولا وآخرا إلا الذكر، فإنّه لا أوّل له، ولا آخر، قال تعالى في سورة (الجمعة): ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٣٥]: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ أي: كثيرا، وقال فيها أيضا رقم [٤١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ وقال ابن عباس-﵄: لم يفرض الله- -على عباده فريضة إلا وجعل لها حدّا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر؛ غير الذّكر، فإنّه لم يجعل له حدّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه، إلا مغلّبا على عقله، وأمرهم به في الأحوال كلّها، فقال تعالى في سورة النساء رقم [١٠٣]: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ وقال جل ذكره: ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ يعني: باللّيل والنّهار، في البرّ والبحر، في الصّحة والمرض، في السرّ والعلانية، وقيل: الذّكر الكثير هو أن لا ينساه أبدا. وخذ ما يلي:
стр. 352
فعن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبّئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذّهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟». قالوا: بلى، قال: «ذكر الله». قال معاذ بن جبل-﵁: ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله. رواه الإمام أحمد بإسناد حسن، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم، والبيهقي.
وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من عجز منكم عن اللّيل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وجبن عن العدوّ أن يجاهده؛ فليكثر ذكر الله». رواه الطّبراني، والبيهقيّ، وغيرهما.
وعن عبد الله بن عمرو-﵁-عن النبي ﷺ : أنه قال: «إنّ لكلّ شيء صقالة، وإنّ صقالة القلوب ذكر الله، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله». قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولو أن يضرب بسيفه؛ حتّى ينقطع». رواه البيهقيّ، وغيره.
وعن ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ قال: «أربع من أعطيهنّ؛ فقد أعطي خيري الدّنيا، والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها، وماله». رواه الطّبراني.
وعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال النّبي ﷺ : «مثل الّذي يذكر ربّه، والّذي لا يذكر الله مثل الحيّ والميت». رواه البخاريّ، ومسلم.
وعن أنس-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإن ذكر الله؛ خنس، وإن نسي؛ التقم قلبه». رواه البيهقي، وغيره.
وفي التّحذير من غفلة القلب عن ذكر الله خذ ما يلي:
فعن عائشة-﵂: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ساعة تمرّ بابن آدم لم يذكر الله فيها بخير؛ إلاّ تحسّر عليها يوم القيامة». رواه البيهقي، وغيره.
وعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلّوا على نبيّهم؛ إلاّ كان عليهم ترة، فإن شاء؛ عذّبهم، وإن شاء؛ غفر لهم». رواه أبو داود، والترمذي، والبيهقي.
وتكرّم النبيّ ﷺ ، وتفضل بما يلي: «من جلس مجلسا كثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛ إلاّ غفر له ما كان في مجلسه ذلك». رواه أبو داود، والترمذي، والنّسائي عن أبي هريرة-﵁.
وعن سعد بن أبي وقاص-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير الذّكر الخفيّ، وخير الرّزق ما يكفي». رواه ابن حبّان، وأبو عوانة في صحيحيهما. نعم أفضل الذكر
стр. 353
الخفيّ، وأما الذين يذكرون الله رقصا، ودبكا، وصياحا؛ فليسوا على شيء! وانظر ما ذكرته بشأن هؤلاء الجهلة في سورة (ص) رقم [٤٤] وفي (الزّمر) رقم [٢٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا؛ وقال عبد الله بن زيد-رحمه الله تعالى-: غلطت في أربعة أشياء في الابتداء مع الله تعالى: ظننت أنّي أحبه، فإذا هو أحبني، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ،﴾ وظننت أني أرضى عنه، فإذا هو قد رضي عني، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وظننت: أني أذكره، فإذا هو يذكرني، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ -ولا تنس الآية التي نحن بصدد شرحها-. وظننت أني أتوب، فإذا هو قد تاب عليّ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾.
الإعراب: ﴿فَاذْكُرُونِي:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، (اذكروني): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب، لأنها جواب لشرط مقدر ب «إذا»، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فاذكروني. ﴿أَذْكُرْكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تذكروني أذكركم، وعليه فالفاء للاستئناف لاستحالة تقدير شرطين على مدخول واحد، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو:
حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَكْفُرُونِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للتخفيف في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (١٥٣)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر مثل هذا النداء في الآية رقم [١٠٤]. هذا؛ ولمّا فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر، وعدم الجحود للنّعم شرع في بيان الصبر، والإرشاد، والاستعانة بالصبر، والصلاة على متاعب الحياة، ومحنها، فإنّ العبد إما أن يكون في نعمة؛ فيشكر عليها، أو في نقمة؛ فيصبر عليها، كما جاء في قول النبي ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن، إنّ أمره له كلّه خير، وليس ذلك إلاّ للمؤمن، إن أصابته سراء؛ شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء؛ صبر، فكان خيرا له»، رواه مسلم عن صهيب الرّومي-﵁، وبيّن الله أنّ أجود ما يستعان به على تحمّل المصائب الصبر، والصّلاة، انظر الآية رقم [٤٥] ففيها الكفاية. ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أي: بالمعونة، والهداية، والتوفيق، والرعاية، والسّداد. هذا؛ ومعية الله على نوعين:
عامّة، وخاصّة، فالأولى: لكلّ الناس، وهي معيّة بالعلم، والقدرة، والإحاطة. والثانية:
للمؤمنين المتّقين، والمحسنين، هي: الحفظ، والنصر، والتأييد، والمعونة... إلخ، قال
стр. 354
تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
هذا، وبالإضافة لما ذكر فيما تقدم بشأن الصّلاة؛ فخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كلّ يوم خمس مرّات، هل يبقى من درنه شيء؟! قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا». رواه الستّة إلا أبا داود.
ولكن يجب أن تعلم: أنّ الصلاة يمحو الله بها الصّغائر من الذّنوب، وأما الكبائر؛ فلا يمحوها صوم، ولا صلاة، ولا حجّ، ولا زكاة، وعلى الأخص حقوق النّاس، فقد قال الرسول ﷺ :
«الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ، إذا اجتنبت الكبائر». وفي رواية: «ما لم تفش الكبائر».
الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له أقحم للتّوكيد، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من لفظ (﴿أَيُّهَا﴾)، وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿اِسْتَعِينُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها، لأنّها ابتدائية كالجملة النّدائية قبلها. ﴿بِالصَّبْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿وَالصَّلاةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و ﴿الصّابِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.
﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾
الشرح: نزلت هذه الآية الكريمة فيمن قتل من المسلمين في غزوة بدر، وكانوا أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين، وهم: عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعمير بن أبي وقاص، وعمرو بن نضلة، وعاقل بن البكير، ومهجع مولى لعمر بن الخطاب، وصفوان ابن بيضاء، وثمانية من الأنصار، وهم: سعد بن خيثمة، ومبشّر بن عبد بن المنذر، ويزيد بن الحارث، وعمير بن الحمام، ورافع بن المعلّى، وحارثة بن سراقة، وعوف، ومعوّذ، ابنا الحارث، وأمّهما اسمها عفراء-﵃ أجمعين-، كان الناس يقولون لمن قتل في سبيل الله: مات فلان، وذهب عنه نعيم الدنيا، ولذاتها، فأنزل الله هذه الآية، وهي برهان قاطع على أنّ حياة الشّهداء ليست بالجسد، ولا من جنس ما يحسّ به من الحيوانات، وإنّما هي أمر لا يدرك بالعقل، بل بالوحي. وعن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: إنّ الشهداء أحياء عند ربهم، تعرض
стр. 355
أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الرّوح، والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوّا، وعشيّا، فيصل إليهم الوجع، والألم. وفي هذه الآية دلالة على: أنّ الأرواح جواهر قائمة بنفسها، مغايرة لما يحسّ به من البدن، تبقى بعد الموت داركة. وعليه جمهور الصّحابة، والتابعين، وبه نطقت الآيات، والسّنن، وعلى هذا فتخصيص الشّهداء لاختصاصهم بالقرب من الله، ومزيد البهجة والكرامة. انتهى. بيضاوي، وغيره بتصرّف. ففيه دليل على أن المطيعين لله يصل إليهم ثوابهم. وهم في قبورهم، وكذا العصاة يعذبون في قبورهم، والنعيم والعذاب في القبر، إنما هو للروح فقط؛ لأنّ الجسد يطرأ عليه الفناء كما هو معروف. ﴿وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا ترونهم أحياء، فتعلمون ذلك حقيقة، وإنما تعلمون ذلك بإخباري إيّاكم. هذا؛ والثابت في القرآن والسنة النبوية: أن جميع المطيعين من المسلمين، يصل إليهم من نعيم الجنة في قبورهم، وإنما خص الشهداء بالذكر؛ لأنهم فضلوا على غيرهم بمزيد من النعيم، والتكريم، والتعظيم، وعلوّ الدّرجات، وكثير النفحات، والبركات. وخذ ما يلي:
فعن معاذ بن جبل-﵁: أنّه سمع النبي ﷺ يقول: «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة؛ فقد وجبت له الجنّة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا، ثمّ مات، أو قتل؛ فإنّ له أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله، أو نكب نكبة؛ فإنّها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزّعفران، وريحها ريح المسك». رواه أبو داود، والتّرمذيّ.
وعن أبي هريرة-﵁. أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ في الجنّة مائة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين، كما بين السّماء والأرض». رواه البخاريّ.
وعن أنس-﵁-عن النّبيّ ﷺ قال: «ما أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدّنيا، وإنّ له ما على الأرض من شيء إلاّ الشّهيد، فإنّه يتمنّى أن يرجع إلى الدّنيا، فيقتل عشر مرّات؛ لما يرى من الكرامة». وفي رواية: «لما يرى من فضل الشّهادة». رواه الشيخان، وغيرهما.
وعنه أيضا-﵁: أنّ الرّبيّع بنت البراء-﵂-وهي أمّ حارثة بن سراقة-أتت النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! ألا تحدّثني عن حارثة-وكان قتل يوم بدر-فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك؛ اجتهدت عليه في البكاء! فقال: «يا أمّ حارثة إنّها جنان، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى». أخرجه البخاريّ. وانظر الآية رقم [١٩٥] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين.
стр. 356
﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (من) تحتمل أن تكون موصولة وأن تكون موصوفة. ﴿يُقْتَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو، وقد راعى لفظها فيه، وراعى معناها فيما يأتي. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من نائب الفاعل العائد إلى (من)، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾
مضاف إليه. ﴿أَمْواتٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم أموات، وقد راعى فيه، وفيما بعده معنى (من). والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب ﴿أَحْياءٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف أيضا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف.
(﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة القول.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ (١٥٥)﴾
الشرح: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ:﴾ الابتلاء: الاختبار، والامتحان، ويكون في الخير، وفي الشرّ، قال تعالى في حق اليهود اللّؤماء: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقال تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ والمعنى: ولنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم، هل تصبرون على البلاء، وتستسلمون للقضاء أم لا؟ قال تعالى في سورة (محمد ﷺ : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾. ﴿بِشَيْءٍ﴾ أي: بشيء قليل، وإنّما قلّله بالنسبة إلى ما وقاهم منه ليخفف عليهم، ويريهم: أنّ رحمته لا تفارقهم، وإنّما أخبرهم به قبل وقوعه؛ ليوطّنوا أنفسهم عليه، وليظهر الطائع من العاصي، والصّابر من الجازع؛ الذي لا يصبر، ولا يرضى بما يصيبه في دنياه ﴿مِنَ الْخَوْفِ:﴾ الخوف على النفس، أو على الولد، أو على المال، أو على الكرامة هو من أعظم البلاء؛ لذا قدّمه الله تعالى بالذّكر قال الشاعر: [الطويل]
كأنّ بلاد الله وهي عريضة... على الخائف المطلوب كفّة حابل
الكفّة: بكسر الكاف ما يصاد بها الظّباء يجعل كالطّوق. والأمن على ما ذكر من أعظم أنواع السّعادة. قال الرسول ﷺ : «من أصبح معافى في بدنه، آمنا في سربه، عنده قوت يومه؛ فقد ملك الدّنيا بحذافيرها». ﴿وَالْجُوعِ:﴾ أي: المتسبب من الفقر، وهو يتسبب من الجدب، والقحط، وهو مع الخوف من أشدّ أنواع البلاء، قال تعالى في حقّ القرية الكافرة بأنعم الله: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ رقم [١٢] من سورة (النّحل)، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ﴾ بموت المواشي، وخسران التجارة، وغير ذلك، وانظر الآية رقم [١٧٦] الآتية. ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ كموت الأصحاب، والأقارب، والأحباب، وهو جمع: نفس جمع قلة. وانظر الآية رقم [٩].
стр. 357
﴿وَالثَّمَراتِ:﴾ ثمرات الزّروع، والأشجار، والخضار بسبب الآفات السّماوية التي تصيبها، وانظر الآية رقم [٢٢] وقيل: المراد بالثّمرات: الأولاد؛ لأنّ الولد ثمرة القلب، وخذ ما يلي:
فعن أبي موسى الأشعري-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات ولد العبد؛ قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك، واسترجع. فيقول: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسمّوه بيت الحمد». رواه الترمذيّ، وابن حبّان.
هذا؛ وعن الشّافعي-﵁: الخوف خوف الله، والجوع صوم رمضان، والنّقص من الأموال الصّدقات، والزّكوات، ومن الأنفس الأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد.
انتهى. بيضاوي.
أقول: سياق الآيات لا يناسب تفسير الخوف، والنقص بما ذكر. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: وعزتي وجلالي، وهو أولى من تقدير: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم.
واللام: واقعة في جواب القسم. (نبلونكم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها جواب القسم. والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿بِشَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ الْخَوْفِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (شيء)، و ﴿وَنَقْصٍ:﴾ معطوف على الخوف.
﴿مِنَ الْأَمْوالِ:﴾ متعلقان ب (نقص) لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له، وجوز أن يكونا متعلقين في محل نصب صفة لمفعول محذوف نصب بهذا المصدر المنون، التقدير: ونقص شيئا كائنا من كذا. ذكره أبو البقاء، ولا وجه له، بل هو تعسّف.
﴿وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ:﴾ معطوفان على الأموال، ﴿وَبَشِّرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿بَشِّرِ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿الصّابِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في المفرد، ولا تنس: أنه صفة لموصوف محذوف، وهو يشمل الإناث أيضا، وذكّر على التغليب، والجملة الفعلية: ﴿وَبَشِّرِ..﴾.
إلخ معطوفة على الجملة القسمية السابقة، عطف المضمون على المضمون، أي: الابتلاء حاصل لكم، وكذا البشارة، لكن لمن صبر. قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني.
﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ:﴾ المصيبة: هي كل ما يصيب المؤمن من مكروه؛ لقول النبي ﷺ : «نعم كلّ ما آذى المؤمن فهو مصيبة». وهذه الجملة قالها الرّسول ﷺ حين طفئ
стр. 358
مصباحه ذات ليلة، واسترجع، فقالت له عائشة-﵂: أوتعدّ هذا مصيبة؟ قال:
«نعم...» إلخ. هذا؛ وأصاب فلانا البلاء: وقع عليه، وأصابهم المطر: نزل عليهم. قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٤٨]: ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. وتقول:
أصاب السّهم، يصيب، فلم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه: أتى بالصواب ويأتي (أصاب) بمعنى قصد، وأراد، قال تعالى في حقّ سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾. وقال الشاعر: [المتقارب]
أصاب الكلام فلم يستطع... فأخطأ الجواب لدى المفصل
﴿قالُوا إِنّا لِلّهِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا، يتصرّف فينا كيف يشاء. فهو توحيد، وإقرار بالعبودية لله. ﴿وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ أي: في الآخرة بعد الموت، فيجازينا بأعمالنا قولا، وفعلا، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، فكل من مات، وخرجت روحه من بين جنبيه، فقد رجع إلى الله، وقد قال الرسول ﷺ : «من مات فقد قامت قيامته». والجملة إقرار بالهلاك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين: أنّ رجوع الأمر كلّه إلى الله تعالى.
تنبيه: هذه الجملة: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ لم يعطها الله لأمة قبل أمة محمّد ﷺ ، ولم يهبها لنبيّ قبل محمّد ﷺ ، ولو أطلع الله عليها يعقوب لم يقل: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ عند فقد يوسف، ثم أعادها عند فقد أخيه بنيامين، لذا فهي من الكنوز الّتي ادّخرها الله لهذه الأمّة، وخذ ما يلي:
عن أمّ سلمة زوج النبي ﷺ -﵂-قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾، اللهمّ اؤجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها إلاّ أجره الله تعالى في مصيبته، وأخلف له خيرا منها». قالت: فلمّا مات أبو سلمة؛ قلت:
أيّ المسلمين خير من أبي سلمة، أوّل بيت هاجر إلى الله، ورسوله ﷺ : ثمّ إني قلتها، فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله ﷺ . رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذيّ.
وعن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصيب بمصيبة، فذكر مصيبته، فأحدث استرجاعا-وإن تقادم عهدها-كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب». رواه ابن ماجة. فهذا تنبيه على قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ مع الاسترجاع إمّا بالخلف، كما أخلف لأم سلمة من هو خير من أبي سلمة كما رأيت، وإمّا بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، كما في حديث أبي موسى المذكور في آخر الآية السابقة. وقد يكون بهما معا، والله ذو الفضل العظيم.
تنبيه: من أعظم المصائب المصيبة في الدّين عند من يعقل، ولكن أكثر المسلمين في هذه الأيام بمعزل عن هذا، يهدم من دينهم كلّ يوم ركن، وأركان، من صوم، وصلاة، وحجّ،
стр. 359
وزكاة، ويرتكبون الجرائم من بعد عن الحق، ومحاربته، واتّباع للباطل، بل ودعمه، والدّفاع عنه. هذا؛ بالإضافة لاتّصافهم بصفات المنافقين، من كذب، وفجور، وخلف للوعد، ونقض للعهد، وخيانة للأمانة بجميع أنواعها، ولكنّ الواحد منهم إذا أصيب بمصيبة في ماله مهما كانت قليلة، أو إذا غبن في بيع، أو شراء؛ فإنه يتنغص عيشه أياما كثيرة، ويتحسّر، ويتأسّف، فصاروا كالبهائم؛ الّتي لا يهمّها إلا ملء بطنها، ورحم الله من قال: [الكامل]
أبنيّ إنّ من الرّجال بهيمة... في صورة الرّجل السّميع المبصر
فطن بكلّ مصيبة في ماله... وإذا أصيب بدينه لم يشعر
هذا؛ وذكر أبو عمر الفريابي؛ قال: حدّثنا فطر بن خليفة، قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أصاب أحدكم مصيبة؛ فليذكر مصابه بي، فإنّها من أعظم المصائب». أخرجه السّمرقندي أبو محمد في مسنده، قال أبو عمر رحمه الله تعالى: وصدق رسول الله ﷺ لأنّ المصيبة به أعظم من كل مصيبة. يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشرّ بعده بارتداد العرب، وغير ذلك من الفتن التي ظهرت بعد قتل عثمان، وفي حياته. قال أبو سعيد الخدري-﵁-وغيره: ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله ﷺ حتّى أنكرنا قلوبنا. ولقد أحسن أبو العتاهية الصّوفي-رحمه الله تعالى-حيث يقول: [الكامل]
اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
أو ما ترى أنّ المصائب جمة... وترى المنيّة للعباد بمرصد
من لم يصب ممّن ترى بمصيبة؟ ... هذا سبيل لست فيه بأوحد
وإذا أردت مصيبة تسلو بها... فاذكر مصابك بالنّبيّ محمّد
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح، وفيه أربعة أوجه: الأول: أن يكون في محل نصب على النّعت ل ﴿الصّابِرِينَ﴾. الثاني: أن يكون في محل نصب على المدح بفعل محذوف. الثالث: أن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. أي: هم الذين.
والجملة الاسمية على هذا مستأنفة لا محل لها، والرابع: أن يكون مبتدأ، خبره الجملة الاسمية بعده. انتهى جمل. نقلا عن السّمين. بتصرّف مني. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب.
﴿أَصابَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿مُصِيبَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح.
стр. 360
﴿قالُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا) اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول. ﴿إِنّا:﴾ مثل سابقتها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿راجِعُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَإِنّا إِلَيْهِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهو في محل نصب مقول القول مثلها.
﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة ل ﴿الصّابِرِينَ﴾ الذين تقدّم ذكرهم. ﴿صَلَواتٌ:﴾ مغفرة، ورحمة، وجمعها للتنبيه على كثرتها، وتنوعها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ كرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيدا، وإشباعا. كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ وفي الكشاف:
والصلاة: الحنو، والتعطف، فوضعت موضع الرأفة. وجمع بينها وبين الرحمة، كقوله تعالى:
﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ و «رؤف رحيم» والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة، ورحمة بعد رحمة. وانظر الصّلاة في الآية رقم [٤٣].
هذا؛ وروي عن عمر-﵁: أنه قال: ما أصابتني مصيبة إلا وجدت فيها ثلاث نعم: الأولى: أنّها لم تكن في ديني، الثّانية: أنها لم تكن أعظم ممّا كانت. الثّالثة: أنّ الله تعالى يجازي عليها الجزاء الكبير، ثم تلا الآية الكريمة: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ.
وعنه-﵁-قال: نعم العدلان، ونعمت العلاوة، أراد بالعدلين: الصّلاة، والرحمة، وبالعلاوة: الاهتداء. والعلاوة: ما توضع بين العدلين، وفوق حمل الجمل، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم، وزيدوا أيضا التوفيق إلى العمل الصّالح، والسير على الصّراط المستقيم، وإلى تسهيل المصائب، وتخفيف الحزن عند وقوعها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿صَلَواتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر: ﴿أُولئِكَ﴾ فيكون: ﴿صَلَواتٌ﴾ فاعلا بمتعلق الجار والمجرور؛ إذ التقدير:
أولئك ثابت عليهم صلوات، وعلى كلّ فالجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر:
﴿الَّذِينَ﴾ في الآية السابقة على وجه مرّ ذكره، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على: ﴿صَلَواتٌ﴾. ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه. (﴿أُولئِكَ﴾): مبتدأ مثل سابقه. ﴿هُمُ:﴾
стр. 361
ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُهْتَدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و ﴿الْمُهْتَدُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأوّل، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾
الشرح: ﴿الصَّفا:﴾ جمع: صفاة، وهي الصّخرة الصّلبة الملساء، وألفه منقلبة عن واو بدليل قلبها في التثنية واوا. قالوا: صفوان، والاشتقاق يدل عليه أيضا؛ لأنه من الصّفو، وهو الخلوص، والنقاء، وقيل: الذي لا يخالطه غيره من طين، أو تراب، و (المروة): الحجر الرّخو، جمعها:
مرو، ومروات، وهذا معناها لغة، والمراد بهما: جبلان صغيران قرب الكعبة المعظّمة، معروفان، يقع السّعي بينهما، وهو ركن من أركان الحجّ، والعمرة عندنا معاشر الشّافعية. ﴿شَعائِرِ اللهِ:﴾
أعلام دينه، جمع: شعيرة، وهي العلامة، والمراد بالشّعائر: تكاليف الإسلام من صوم، وصلاة، وحجّ، وزكاة. والسّعي بين الصفا والمروة من أعمال الحج، والعمرة، كما أسلفت. ﴿حَجَّ:﴾
أراد، وقصد الكعبة المعظمة لأداء النسك؛ الّذي هو أحد أركان الإسلام الخمسة. ﴿اِعْتَمَرَ:﴾
زار الكعبة المشرفة، وأعمال العمرة أعمال الحجّ ما عدا الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ومنى.
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ:﴾ لا إثم، ولا مؤاخذة عليه. ﴿يَطَّوَّفَ:﴾ أصله: يتطوّف، وماضيه:
تطوّف، قلبت التاء طاء في المضارع، وأدغمت الطاء في الطاء، والمعنى: يسعى بينهما. ﴿تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ أي: فعل طاعة فرضا كان، أو نفلا، أو زاد على ما فرضه الله عليه من حجّ، أو عمرة، أو غير ذلك. ﴿شاكِرٌ:﴾ أي: لعمله بأن يثيبه عليه. ﴿عَلِيمٌ﴾ بالعمل الصّالح الذي يعمله العبد.
هذا؛ والشكر معناه: مقابلة النعمة والإحسان بالثناء والعرفان. وهذا محال على الله؛ إذ ليس لأحد عنده يد، ونعمة، ولهذا حمله العلماء على الثّواب، والجزاء؛ أي: إنه تعالى يثيبه، ولا يضيع أجر العاملين. والصّحيح ما عليه السلف من إثبات الصفات كما وردت، فهو شكر يليق بجلاله، وكماله. وخذ ما يلي:
فقد روى الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: عن عروة بن الزبير، عن خالته الصدّيقة بنت الصديق، قال: قلت: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ..﴾. إلخ. فو الله ما على أحد جناح ألا يطوّف بهما. فقالت-﵂: بئس ما قلت يا بن أختي! إنها لو كانت على ما أوّلتها عليه؛ كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. ولكنّها إنما أنزلت أنّ الأنصار كانوا قبل أن يسلموا، كانوا يهلّون لمناة الطّاغية؛ الّتي كانوا يعبدونها عند المشلّل، وكان من أهلّ لها، يتحرّج أن يطوّف بالصّفا، والمروة، فسألوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! إنا كنا
стр. 362
نطّوّف بالصّفا، والمروة في الجاهلية، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ..﴾. إلخ. قالت عائشة-﵂: «ثمّ قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما». رواه الشيخان، وأحمد. وقال أنس-﵁: كنّا نرى: أنّهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام؛ أمسكنا عنهما، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾. وقال الشعبيّ: كان (إساف) على الصفا، وكانت (نائلة) على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرّجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية. وقال طليب: رأى ابن عباس-﵄-قوما يطوفون بين الصفا، والمروة، فقال: هذا ما أورثتكم أمّكم أمّ إسماعيل.
هذا؛ وذكّر الصّفا؛ لأنّ آدم ﵇ وقف عليه فسمي به، ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المروة، فأنّث لذلك، وزعم أهل الكتاب: أنّ إساف، ونائلة زنيا في الكعبة فمسخهما الله حجرين. فوضعوهما على الصفا، والمروة ليعتبر بهما الناس، فلما طالت المدة؛ زين الشيطان عبادتهما لهم، فعبدا من دون الله. والله تعالى أعلم.
وفي صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-: أنّ رسول الله ﷺ لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الرّكن، فاستلمه، ثمّ خرج من باب الصّفا، وهو يقول: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ ثمّ قال: «أبدأ بما بدأ الله به»، وقال: «اسعوا فإنّ الله كتب عليكم السّعي». وقد استدلّ بهذا الحديث من يرى: أنّ السّعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، كما هو مذهب الشّافعي، ورواية عن أحمد، وهو المشهور عن مالك. وقيل: إنّه واجب، وليس ركنا، فإن تركه عمدا، أو سهوا؛ جبره بدم. وهو رواية عن أحمد، وهو عند الحنفية مستحب، وقيل: واجب. واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ والقول الأوّل أرجح؛ لأنّ النبي ﷺ طاف بينهما، وقال: «خذوا عنّي مناسككم»، وبيّن الله تعالى: أنّ الطواف بين الصفا، والمروة من شعائر الله، أي ممّا شرع الله تعالى لإبراهيم، وإسماعيل في مناسك الحج.
وقد تقدم في حديث ابن عباس-﵄: أنّ أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر رحمها الله تعالى، وتردادها بين الصّفا، والمروة في طلب الماء لها، ولولدها لمّا نفد زادهما، فلم تزل تتردّد في هذه البقعة المشرّفة بين الصفا والمروة، متذلّلة، خائفة، وجلة؛ حتّى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدّتها، وأنبع لها زمزم؛ التي ماؤها (طعام طعم، وشفاء سقم) فالسّاعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره، وذلّه، وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله- -لتفريج ما هو به.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الصَّفا:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وهناك مضاف محذوف؛ إذ الأصل: إنّ طواف الصفا، فلما حذف المضاف؛ أخذ المضاف إليه محلّه في الإعراب. ﴿وَالْمَرْوَةَ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿مِنْ شَعائِرِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها من
стр. 363
الإعراب. ﴿فَمَنْ﴾ الفاء: حرف استئناف. (من) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿حَجَّ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو. ﴿الْبَيْتَ:﴾ مفعول به. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف. ﴿اِعْتَمَرَ:﴾ فعل ماض معطوف على سابقه، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، ومتعلقه محذوف؛ إذ التقدير: اعتمر فيه.
﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل إنّ. ﴿جُناحَ:﴾
اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (لا). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَطَّوَّفَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنَّ﴾ والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿بِهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. و ﴿إِنَّ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في تطوافه بهما، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿جُناحَ﴾ لأنه مصدر، أو المصدر في محل نصب بنزع الخافض. هذا؛ وقد قيل: إنّ خبر (لا) محذوف، التقدير: فلا جناح في الحجّ، وإنّ الوقف على ﴿جُناحَ﴾ وأنّ ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، والمصدر المؤوّل في محل رفع مبتدأ مؤخر، وهو وجه ضعيف، فلا حاجة إلى تكلّفه. وجملة: (لا ﴿جُناحَ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الّذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة فعل الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المعتمد عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا مبتدأ، فتكون الجملة الفعلية بعده صلته، والخبر جملة: ﴿فَلا جُناحَ..﴾. إلخ، واقترنت بالفاء؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: (من ﴿حَجَّ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿خَيْراً:﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: تطوع بخير، أو هو صفة مصدر محذوف، أي: تطوع تطوعا خيرا، وقيل: هو حال من ذلك المصدر المقدّر معرفة عند سيبويه، هو مذهبه، انتهى جمل نقلا من السمين. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ) حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ:﴾ خبران ل (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وقل فيها ما قلته بسابقتها من أوجه الإعراب. والله الموفق للحقّ والصّواب.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ (١٥٩)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ﴾ أي: يخفون ما أنزلناه من الآيات البينات، والدلائل الواضحات الدالة على صدق محمد ﷺ وثبوت نبوته. ﴿وَالْهُدى:﴾ ما يهدي إلى
стр. 364
وجوب اتباعه، والإيمان به. ﴿مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ﴾ ليتبعوه، ويهتدوا به، ويسيروا على نهجه. والذين كتموا هم: أحبار اليهود، ورهبان النصارى، كتموا أمر محمد ﷺ مع أن الإنجيل، والتوراة قد أمرهم باتباع محمد ﷺ . وموسى، وعيسى-على نبينا، وعليهما ألف صلاة وألف سلام-قد بشرا به، قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ رقم [١٥٧]. ﴿فِي الْكِتابِ﴾ المراد:
التوراة. ﴿أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ أي: الملائكة، والمؤمنون، أو كلّ شيء في السّماوات، والأرض، ويكونون قد جمعوا جمع من يعقل بالواو، والنون؛ لأنه أسند إليهم فعل من يعقل: كقوله تعالى حكاية عن قول يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:
﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ ولم يقل: ساجدات. ومثله كثير، فهو من باب التغليب.
هذا؛ واللعن: الطرد، والإبعاد من رحمة الله تعالى، ولقد كرّر الله لعن الكافرين في هذه الآية، كما لعن الظّالمين، والكاذبين، والمنافقين النّاقضين للعهد، والميثاق في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أنّ من مات على كفره؛ فقد استحقّ اللّعن من الله، والملائكة، والناس أجمعين، وأمّا الأحياء من الكفار؛ فقد قال بعض العلماء: لا يجوز لعن كافر معين؛ لأنّ حاله لا يعلم عند الوفاة، فلعلّه يؤمن، ويموت على الإيمان، وقد قيّد الله في الآية التالية إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها، وباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معيّن من الكفار بدليل قتاله. وهو الصّحيح، كيف لا؟ وقد لعن حسان بن ثابت-﵁-أبا سفيان، وزوجه هندا في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ . خذ قوله: [السريع]
لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر
وقد لعن الفاروق-﵁-أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، وغيرهم؛ الذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبيّ ﷺ الأمان على أن يكلّموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ : ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إنّ لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك. فشقّ ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، فقال الفاروق-﵁: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم، فقال: إني أعطيتهم الأمان، فقال الفاروق-﵁: اخرجوا في لعنة الله، وغضبه؛ ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك. كيف لا؟ وآية النور رقم [٧] تأمر المسلم أن يلعن نفسه؛ إن كان من الكاذبين.
وأما العصاة من المسلمين لا يجوز لعن واحد منهم على التعيين قطعا، وأما على الإطلاق فيجوز، كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات، والفاسدين، والفاسدات، والخبيثين،
стр. 365
والخبيثات... إلخ؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لعن الله السّارق يسرق البيضة، والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ : «الواشمة، والمستوشمة، وآكل الرّبا، ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك». وكلّ ذلك في الصحيح من الأحاديث، وخذ ما يلي:
عن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ العبد إذا لعن شيئا؛ صعدت اللّعنة إلى السّماء، فتغلق أبواب السّماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإن لم تجد مساغا؛ رجعت إلى الّذي لعن، فإن كان أهلا، وإلاّ؛ رجعت إلى قائلها». رواه أبو داود.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في أحبار اليهود، ورهبان النّصارى الذين كتموا ما في التوراة كآية الرّجم، ونعت محمد ﷺ ، وهي تعمّ كلّ من كتم شيئا من أحكام الدّين لعموم الحكم؛ فإنّ خصوص السّبب لا يمنع تعميم الحكم إلى يوم القيامة، والأحاديث الشريفة كثيرة في هذا الباب، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من سئل عن علم، فكتمه؛ ألجم يوم القيامة بلجام من نار». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة.
وعن أبي سعيد الخدريّ-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من كتم علما ممّا ينفع الله به النّاس في أمر الدّين؛ ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار». رواه ابن ماجة.
وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «مثل الّذي يتعلّم، ثمّ لا يحدّث به، كمثل الّذي يكنز الكنز، ثم لا ينفق منه». رواه الطّبرانيّ في الأوسط.
وعن ابن عباس-﵄: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تناصحوا في العلم، فإنّ خيانة أحدكم في علمه أشدّ من خيانته في ماله، وإنّ الله مسائلكم». رواه الطّبرانيّ في الكبير.
وهذه الآية هي التي أراد أبو هريرة-﵁-في قوله: لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدّثتكم حديثا، وقال الرسول ﷺ : «لا تمنعوا الحكمة أهلها، فتظلموهم، ولا تضعوها في غير أهلها، فتظلموها». وروي عنه ﷺ : أنّه قال: «لا تعلّقوا الدّرّ في أعناق الخنازير».
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى﴾ دلّ على أنّ ما كان من غير ذلك جائز كتمه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف، فإنّ ذلك آكد للكتمان، وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف، فقال: حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، فأمّا أحدهما؛ فبثثته، وأما الآخر؛ فلو بثثته؛ قطع هذا البلعوم.
أخرجه البخاريّ. قال العلماء: وهذا الذي لم يبثّه أبو هريرة-﵁-وخاف على نفسه من الفتنة، والقتل، إنّما هو ممّا يتعلق بأمر الفتن، والنّص على أعيان المرتدّين، والمنافقين، ونحو هذا مما لا يتعلّق بالبينات، والهدى. والله تعالى أعلم.
стр. 366
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَكْتُمُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي أو شيئا أنزلناه. ﴿مِنَ الْبَيِّناتِ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما؛﴾ ﴿وَالْهُدى:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾. ﴿ما:﴾ مصدرية، واعتبارها موصولة ضعيف B» . بَيَّنّاهُ»: فعل، وفاعل، ومفعول به. و ﴿ما﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل (بينا) أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من مفعوله. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ فعل مضارع، ومفعوله، وفاعله.
والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا، وجوز اعتبار: ﴿أُولئِكَ﴾ بدلا من ﴿الَّذِينَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ خبر (إنّ). ولا أراه قويّا، وجملة: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها على الوجهين المعتبرين فيها والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين فيها.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾
الشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا:﴾ رجعوا عن سوء فعلهم، وندموا. (﴿أَصْلَحُوا﴾) أي: عملهم بالعزم على عدم العودة إلى سوء فعلهم. (﴿بَيَّنُوا﴾) أي: ما كتموا من الحق، وهو عبارة عن الإقلاع عن سوء العمل، وهو هنا الكتمان، وهذه الآية الكريمة تشير إلى شروط التوبة النصوح المذكورة في سورة التحريم، والشروط هي: الاستغفار باللسان، والندم بالجنان، والإقلاع بالأركان، وانظر توبة آدم في الآية رقم [٣٧]. ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ:﴾ أقبل توبتهم. ﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ:﴾ انظر مثلهما في الآية رقم [٣٧]. ومعناها: المبالغة في قبول التوبة، ونشر الرّحمة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تابُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والجملتان: (﴿أَصْلَحُوا﴾) و (﴿بَيَّنُوا﴾) معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: زائدة في خبر الموصول؛ لأنه يشبه الشرط في العموم. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿أَتُوبُ:﴾ فعل مضارع،
стр. 367
والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء من الكلام السابق، واعتبار المفرد: ﴿الَّذِينَ﴾ مستثنى من الكلام السابق يجعل الجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع كونها مرتبطة بها معنى. ﴿وَأَنَا:﴾
الواو: حرف عطف. (﴿أَنَا﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَتُوبُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معترضة في آخر الكلام، وهو ما يسمّى بالاعتراض التذييلي، والغاية منه تحقيق مضمون ما قبله من قبول التوبة للتائبين.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ:﴾ أي: كفروا، واستمرّوا على الكفر؛ حتى داهمهم الموت، وهم على تلك الحالة. ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ..﴾. إلخ، أي: يلعنهم الله، وملائكته، وأهل الأرض جميعا؛ حتّى الكفار، فإنّهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا، هذا بالإضافة لما تقدم أذكر: أنه اختلف في لعن المسلم العاصي المعيّن، فذكر ابن العربي: أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتّفاقا؛ لما روي عن النبي ﷺ : أنه أتي بشارب خمر مرارا، فقال بعض من حضره: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ : «لا تكونوا عون الشّيطان على أخيكم».
أخرجه الشّيخان، فجعل له حرمة الأخوّة، وهذا يوجب الشفقة، وأجاز بعضهم لعنه. وإنّما قال ﵊ ما تقدّم في حقّ الصحابي نعيمان بن عمرو بن رفاعة، شهد العقبة، وبدرا، والمشاهد كلّها، وكان كثير المزاح، يضحك النبي ﷺ من مزاحه، وقال ذلك الرسول المعظم بعد إقامة الحد على نعيمان المذكور، ومن أقيم عليه حدّ الله تعالى؛ فلا ينبغي لعنه، ومن لم يقم عليه الحدّ؛ فلعنته جائزة، سواء سمّي أم لا؟ لأنّ النبي ﷺ لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للّعن، فإذا تاب منها، وأقلع عنها، وطهّره الحد؛ فلا لعنة تتوجّه عليه. انتهى من القرطبي بتصرف منّي. وعليه فيجوز لعن فاسق بعينه؛ لأنّ الحدود غير مقامة على أصحاب الكبائر، وهم يسرحون، ويمرحون بدون خجل، أو ارعواء.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والجملة بعدها ﴿وَماتُوا﴾ معطوفة عليها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كُفّارٌ:﴾ خبر (﴿هُمْ﴾) والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، الضمير. ﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ،
стр. 368
والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿لَعْنَةُ:﴾
مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، فيكون ﴿لَعْنَةُ﴾ فاعلا به، التقدير: أولئك مستحق عليهم لعنة، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية هذه مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَالْمَلائِكَةِ:﴾
معطوف على لفظ الجلالة مجرور مثله، وقرئ بالرفع بالعطف على محل الجلالة؛ لأنّ محلّه الرفع كما رأيت، وهذا معروف في العربية، ومشهور. ﴿وَالنّاسِ:﴾ معطوف على (﴿الْمَلائِكَةِ﴾) جرّا ورفعا.
﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد ل (﴿النّاسِ﴾) على الجر، فهو مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ وقرئ: («أجمعون») توكيد ل («الناس») على الرّفع، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. هذا؛ ومن الإتباع على المحل قول زياد العنبري، وهو الشاهد رقم [٨٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]
قد كنت داينت بها حسّانا... مخافة الإفلاس واللّيانا
ف «اللّيانا»: معطوف على محل «الإفلاس» المجرور لفظا المنصوب محلاّ؛ لأنه مفعول للمصدر، وهو: «مخافة»، ومنه أيضا قول لبيد بن ربيعة العامري-﵁: [الكامل]
حتّى تهجّر في الرّواح وهاجها... طلب المعقّب حقّه المظلوم
ف «المظلوم» صفة «المعقب» على المحل؛ لأنه فاعل بالمصدر «طلب» وأيضا قول المتنخل الهذلي: [البسيط]
السّالك الثّغرة اليقظان سالكها... مشي الهلوك عليها الخيعل الفضل
ف «الهلوك» فاعل بالمصدر «مشي» وهو مجرور لفظا، مرفوع محلاّ، و «الخيعل» و «الفضل» صفتان له على المحل.
﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾
الشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ الخلود: الدوام، والمراد: عدم الخروج أبدا. ﴿فِيها:﴾ أي: في اللعنة المذكورة، أو النار المدلول عليها باللّعنة، والإضمار قبل الذكر تفخيما لشأنها، وتهويلا، أو اكتفاء بدلالة اللّعنة عنها، وكثيرا ما وقع في القرآن: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وهو عائد على النّار ﴿يُنْظَرُونَ:﴾ يمهلون. أو لا ينظر إليهم نظر رحمة، قال تعالى في سورة (الزخرف): ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
هذا؛ وقال الإمام الفخر الرازي-رحمه الله تعالى-: قال قوم: إنّ عذاب الله للكافرين منقطع، وله نهاية، واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ وبأن معصية الظالم متناهية،
стр. 369
فالعقاب بما لا يتناهى ظلم. والجواب: إن قوله: ﴿أَحْقاباً﴾ لا يقتضي: أنّ له نهاية؛ لأن العرب يعبّرون به، وبنحوه عن الدّوام، ولا ظلم في ذلك؛ لأنّ الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيّا، فعوقب دائما، ولم يعاقب بالدائم إلا على دائم، فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا. انتهى جمل في سورة (هود) [١٠٧].
الإعراب: ﴿خالِدِينَ:﴾ حال مقدّرة من الضمير المجرور في الآية السابقة، وهو عائد على واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ،﴾ ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخَفَّفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول.
﴿عَنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَذابُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال أخرى من الضمير المجرور، وهي حال مؤكدة للحال المفردة، والرابط الضمير فقط. وقال أبو البقاء: حال من الضمير المستتر في: ﴿خالِدِينَ﴾ فتكون حالا متداخلة. ﴿وَلا:﴾
الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿يُنْظَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَلا هُمْ..﴾.
إلخ معطوفة على ما قبلها في محل نصب حال أيضا.
هذا؛ وذكرت لك: أنّ ﴿خالِدِينَ﴾ حال مقدّرة؛ إذا الحال بالنسبة للزّمان على ثلاثة أقسام:
حال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. ومنها الحال في هذه الآية، كما رأيت. وحال محكيّة، وهي الحال الماضية، نحو جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة للصفة بعدها بمعنى: أنّ المقصود الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم. خذ قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ ف (آيات) حال من الضمير المنصوب.
هذا؛ والحال أيضا على نوعين: إمّا مؤسّسة، وإما مؤكدة، فالأولى هي التي لا يستفاد معناها بدونها، نحو جاء زيد ضاحكا، ونحوه، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع مبينة هيئة فاعل، أو مفعول، والمؤكدة هي التي يستفاد معناها بدونها، وإنّما يؤتى بها للتّوكيد، وهذه ثلاثة أنواع:
الأولى: ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأولى كقوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾.
النوع الثاني: ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ رقم [٩٩] من سورة (يونس) على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
النوع الثالث: ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو
стр. 370
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ﴾ وقولك: «هو الحق صريحا أو بينا» وقول سالم بن دارة اليربوعي وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا فتح ربّ البرية: [البسيط]
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟
وهناك الحال اللازمة في قراءة من قرأ قوله تعالى: في سورة (ص) رقم [٢٩] («كتاب أنزلناه إليك مباركا») بالنّصب؛ لأنّ البركة لا تفارق الكتاب، وهو القرآن.
وأخيرا خذ الحال السببية، ولم يذكرها أحد من المفسّرين، ولا المعربين قطعا، ومثالها قوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المعارج) وفي سورة (ن): ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ ف ﴿لاهِيَةً﴾ و ﴿خاشِعَةً﴾ حال مما قبلهما في الإعراب، وعند التأمل يتبيّن لك: أنهما حالان ممّا بعدهما، وهذا كما في النعت السببي في قولك: مررت برجال كريم آباؤهم، وبنسوة كريم آباؤهن، فكريم صفة لما قبله في الإعراب، وهو في الحقيقة صفة لما بعده. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾
الشرح: (﴿إِلهُكُمْ﴾): خطاب عام لجميع الناس، أي: هو المستحقّ منكم العبادة. ﴿واحِدٌ:﴾
لا شريك له هو الذي يصح أن يعبد، أو يسمى إلها. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ تقدير للوحدانية، ودفع لأن يتوهم: أنّ في الوجود إلها آخر. سبب نزول هذه الآية: أنّ كفار قريش قالوا: يا محمد! صف لنا ربك، وانسبه! فأنزل الله هذه الآية، وسورة (الإخلاص) ومعنى الوحدة:
الانفراد، وحقيقة الواحد هو الشيء الذي لا يتبعّض، ولا ينقسم، والواحد في صفة الله: أنه واحد، لا نظير له، وليس كمثله شيء. وقيل: واحد في ألوهيته، وربوبيته، ليس له شريك؛ لأنّ المشركين أشركوا معه الآلهة، فكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ يعني: لا شريك له في مصنوعاته، وواحد في ذاته، لا قسيم له، وواحد في صفاته، لا يشبهه شيء من خلقه.
انتهى خازن.
﴿الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ:﴾ يعني: أنّه المولى لجميع النّعم، أصولها، وفروعها، فلا شيء سواه بهذه الصّفة؛ لأنّ كلّ ما سواه إمّا نعمة، وإما منعم عليه، وهو المنعم على خلقه، الرّحيم بهم، وعن أسماء بنت يزيد-﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين:
﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ..﴾. إلخ، وفاتحة آل عمران: ﴿الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ»﴾. أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وقال: حديث صحيح. وقيل: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن محمدا يقول: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ فليأتنا بآية إن كان صادقا، فأنزل الله الآية التالية. انتهى خازن. وإذا علمت: أنّ السورة مدنية؛ فلم يبق ما عزي إلى المشركين صحيحا. والله أعلم.
стр. 371
الإعراب: ﴿وَإِلهُكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِلهُكُمْ﴾): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة: ﴿إِلهٌ﴾ وهو الخبر في الحقيقة؛ لأنه محط الفائدة، ألا ترى أنه لو اقتصر على ما قبله؛ لم يفد، وهذا يشبه الحال الموطئة، كما في قوله تعالى:
﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾. والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهٌ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: كونه بدلا من اسم (﴿لا﴾) على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى.
﴿الرَّحْمنُ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿هُوَ﴾ بدلا ظاهر من مضمرة الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الرحمن، وحسّن حذفه توالي اللفظ مرتين، الثالث: أن يكون خبرا ثالثا: لقوله: (﴿إِلهُكُمْ﴾) أخبر عنه بقوله: ﴿إِلهٌ واحِدٌ،﴾ وبقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ،﴾ وبقوله: ﴿الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ وذلك عند من يرى تعدد الخبر مختلفا بالإفراد والجملة، والرابع: أن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشرطين: أن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. ﴿الرَّحِيمُ:﴾
يجري فيه ما جرى في سابقه، وإن اعتبرته بدلا من الرحمن؛ فلست مفندا، بل هو الأقوى؛ لأنهما اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى على المعتمد، والله أعلم، وأجلّ، وأكرم.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: وما فيهما. ذكر الله في هذه الآية من آثار قدرته، ودلائل عظمته ثمانية أنواع، وقدم السّماوات والأرض في الذكر هنا، وخصّهما بالذكر في كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن سبعا بدليل قوله تعالى في سورة (الطلاق) رقم [١٢]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصّفات، والآثار، والحركات، وقدّمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدّم وجودها، ولأنها متعبّد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في
стр. 372
الأرض، وأيضا: لأنها كالذّكر، فنزول المطر من السماء على الأرض، كنزول المني من الذّكر في المرأة، ولأن الأرض تنبت، وتخضرّ بالمطر. ووحّد الأرض؛ لأنها بجميع طبقاتها جنس واحد، وهو التّراب.
وآية السموات: ارتفاعها بغير عمد من تحتها، ولا علائق من فوقها، ثمّ ما فيها من الشمس، والقمر، والنجوم السائرة، والكواكب الزاهرة، شارقة وغاربة، نيّرة وممحوة آية ثانية.
وآية الأرض: مدّها، وبسطها، وما فيها من الجبال، والبحار، والمعادن، والجواهر، والأنهار، والأشجار، والثمار، وما بثّ فيها من أجناس المخلوقات: فيعلم العباد حينئذ أنّ لهما خالقا مدبّرا حكيما؛ لأنّ عظم آثاره، وأفعاله تدلّ على عظم خالقها، كما قيل: [المتقارب]
وفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه واحد
﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ:﴾ بالذهاب، والمجيء، والزيادة، والنقصان. قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ،﴾ وقال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وانظر الآية رقم [٥١] لشرحهما.
﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ:﴾ (﴿الْفُلْكِ﴾) يقرأ بضمّ الفاء وسكون اللام، وبضمّهما، وهو يطلق على المفرد، والجمع. يذكّر، ويؤنّث، قال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ فأنّث.
ويحتمل الإفراد، والجمع. قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع، وأنّث، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب، فيذكّر، وإلى السّفينة، فيؤنّث. وقد ألغز فيها الشاعر، حيث قال: [الطويل]
مكسّحة تجري ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو
فإن عطشت عاشت وعاش جنينها... وإن شربت ماتت وفارقها الحمل
ولا تنس: أنّ أول من اخترع السّفينة-وهي الفلك-نوح، على نبيّنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ومن تصميمها وشكلها أخذت البشرية تصنع السّفن، وتتطوّر جيلا بعد جيل، حتّى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر. هذا؛ وقد كانت السّفن في الزّمن الماضي تسير بواسطة الرّياح، وأما في أيامنا هذه فإنّها تسير بواسطة البخار، وفي الزّمن الماضي كان البحّارون يلقون العناء إذا اضطرب البحر، أو عاكست الرياح (١)، وقد عبّر المتنبي عن ذلك بقوله: وهو جار مجرى المثل: [البسيط]
ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه... تأتي الرّياح بما لا تشتهي السّفن
стр. 373
هذا؛ والفلك بفتحتين مدار النجوم، وبجمع على فلك بضم الفاء، وسكون اللام، وضمّهما أيضا، وعلى أفلاك أيضا، والفلك من كلّ شيء: مستداره، ومعظمه، والفلكي منسوب إلى عالم الفلك. ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ أي: الذي ينفعهم من التجارات وسائر المآرب الّتي تصلح بها أحوالهم، وقد قال من طعن في الدّين: إن الله تعالى يقول في كتابكم: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فأين ذكر التّوابل المصلحة للطعام من الملح، والفلفل، وغير ذلك، فقيل له في قوله تعالى: ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾. ﴿وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ﴾ يعني: الأمطار التي بها إنعاش العباد، وإخراج النبات، والأرزاق التي بها حياة كلّ ذي روح من الإنسان، والحيوان، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي: فأظهر الله النبات من الأرض بعد نزول المطر عليها، فأظهر حسنها، وبهجتها، ونضارتها بعد أن كانت يابسة، لا نبات فيها، قال تعالى في سورة (الحج): ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ:﴾ فرّق، ونشر، والبثّ: النشر، والتفريق، و ﴿دَابَّةٍ:﴾ ما يدبّ على الأرض، من الإنسان، والحيوان، والهوام، والطير، وغير ذلك؛ إذ كلّ ماش على الأرض دابّة، وتجمع على «دواب»، قال تعالى في سورة (الأنفال): ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ:﴾ تصريفها: إرسالها عقيما، وملقحة، وصرّا، ونصرا، وهلاكا، وحارة، وباردة، وليّنة، وعاصفة. والرّيح في الأصل الهواء المسخّر بين السماء والأرض، وهو جسم متحرّك لطيف، ممتنع بلطفه من القبض عليه، يظهر للحسّ بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه، وهو حياة كلّ نام، من إنسان، وحيوان، ونبات، مثل الماء، بل الحاجة إليه أشدّ، وأصله:
الرّوح، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع: أرواح، ورياح، وأصل رياح: رواح، فعل به كما فعل بأصل ريح، والأكثر في الريح التأنيث، كما في قوله تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ وقد تذكّر على معنى الهواء.
والرياح الأصول أربع: إحداها: الشّمال، وتأتي من ناحية الشّمال، وهي شمال من استقبل مطلع الشمس، وهذه الريح حارة في الصيف، باردة في الشتاء، والثانية: الجنوب، وهي مقابلتها، أي: تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشّمس، وهي الريح اليمانيّة، والثالثة:
الصّبا بفتح الصّاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمّى: القبول أيضا، والرابعة: الدّبور، وتأتي من مغرب الشمس، وما أتى منها من بين تلك الجهات؛ يقال لها: النّكباء، ثمّ إن خرجت من بين الجنوب، والشرق؛ قيل لها: أزيب: بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وفتح الياء، وإن خرجت من بين الشّمال، والغرب، قيل لها: جربيا: بكسر الجيم وسكون الراء، وكسر الباء، وإن خرجت من بين الشّمال، والشرق، قيل لها: صابية، وإن خرجت من بين الجنوب، والغرب، قيل لها: هيف: بفتح الهاء، وسكون الياء، وقد جمع النواحي الثمانية بقوله: [الطويل]
стр. 374
صبا ودبور والجنوب وشمأل... بشرق وغرب والتيمّن والضّدّ
ومن بينها النّكباء أزيب جربيا... وصابية والهيف خاتمة العدّ
هذا؛ وأضيف: أنّ ريح الصّبا نصر الله بها نبينا ﷺ في غزوة الخندق، حيث فعلت بقريش العجائب، فارتدّوا على أعقابهم خاسئين، كما تراه في سورة (الأحزاب)، وأن ريح الدّبور أهلك بها قوم عاد، ونبيّهم هو هود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كما تراه في سورة (الأعراف) وسورة (الشعراء) وغيرهما.
هذا؛ ولا تنس: أنّ الريح تفسر بالدّولة، والقوّة، قال تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: دولتكم، وقوتكم، شبّهت في نفوذ أمرها، وتمشّيه بالرّيح، وهبوبها، يقال: هبت رياح بني فلان: إذا دالت لهم الدولة، ونفذ أمرهم، وتقول: الريح لفلان: إذا كان غالبا في الأمر، قال الشاعر: [الوافر]
إذا هبّت رياحك فاغتنمها... فإنّ لكلّ خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها... فما تدري السّكون متى يكون
فعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «الرّيح من روح الله تعالى، تأتي بالرّحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها؛ فلا تسبّوها، واسألوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها». رواه الشّافعيّ في مسنده بطوله، وأخرجه أبو داود في المسند عنه.
وروي: أن النبي ﷺ كان إذا اشتدت الريح، وهبّت يقول: «اللهمّ اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا». ويقول: «اللهمّ إنّي أسألك خيرها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها، وشرّ ما أرسلت به».
هذا؛ ومن وحّد الريح؛ فلأنه اسم جنس يدل على القليل، والكثير، ومن جمع، فلاختلاف الجهات التي تهبّ فيها الرّياح، ومن جمع مع الرحمة، ووحد مع العذاب، فإنّه فعل ذلك اعتبارا بالأغلب في القرآن: نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ سورة (الروم) رقم [٤٦] وقوله تعالى: ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ سورة (الذاريات) فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة، مفردة مع العذاب إلا في سورة (يونس) رقم [٢٢] قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ وذلك لأنّ ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة، فلذلك هي رياح، وأفردت مع الفلك في سورة (يونس) لأن ريح إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متّصلة، ثم وصفت بالطيب، فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب.
﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ:﴾ المذلل بأمر الله تعالى يسير حيث شاء بواسطة الرياح، وسمي الغيم سحابا؛ لانسحابه في الهواء، قال تعالى: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾
стр. 375
وقال جلّ ذكره: ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ والسّحاب: الغيوم التي تراها العيون في السماء، وهو واحد في اللفظ، ولكنه جمع، وقيل: السّحاب اسم جنس، واحده:
سحابة، فلذلك وصف بالجمع، وهو ﴿الثِّقالَ﴾ في آية (الرّعد)، وتجمع السّحابة على: سحاب، وسحائب، وسحب، وهو غربال الماء، قاله عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه. هذا؛ وقيل:
السحاب: الغيم فيه ماء، أولم يكن فيه ماء، وأصل السّحب الجرّ، وسمّي السّحاب سحابا، إمّا لجرّ الريح له، أو لجرّه الماء، أو لانجراره في سيره.
فقد روى مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة-﵁، عن النبي ﷺ قال:
«بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحّى ذلك السّحاب، فأفرغ ماءه في حرّة، فإذا شرجة من تلك الشّراج قد استوعبت ذلك الماء كلّه، فتتبّع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحوّل بمسحاته، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان- للاسم الّذي سمع في السّحابة-فقال له: يا عبد الله! لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إنّي سمعت صوتا في السّحاب الّذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أمّا إذ قلت هذا؛ فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدّق بثلثه، وآكل أنا، وعيالي ثلثه، وأردّ ثلثه إلى الأرض». القرطبيّ. الحرّة: أرض ذات حجارة سود، والشّرجة: طريق الماء، وسبيله.
﴿لَآياتٍ:﴾ دلالات واضحة على وحدانية الله، وقدرته. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:﴾ يتدبرون وانظر شرح العقل في الآية رقم [٤٤].
بعد هذا؛ فقد نزلت الآية الكريمة حيث طلب المشركون دليلا على وحدانية الله المذكور في الآية السّابقة، وعن عطاء-رحمه الله تعالى-قال: أنزل بالمدينة على النبي ﷺ : ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ فقال كفار قريش بمكّة: كيف يسع الناس إله واحد؟! فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ. هذا؛ وروي: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ فيها» أي: لم يتفكر فيها، ولم يعتبر بها، ومثلها في (آل عمران) رقم [١٩٠].
وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: إنّ الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي:
القاصف، والعاصف، والصّرصر، والعقيم، وأربع منها رحمة، وهي: الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذّاريات.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي خَلْقِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، و ﴿خَلْقِ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: خلق الله السّماوات. وقال الجمل: الخلق هنا بمعنى المخلوق؛ إذ الآيات التي تشاهد إنّما هي في المخلوق، الذي هو السّماوات والأرض، وحينئذ فالإضافة بيانية. انتهى. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، ﴿وَاخْتِلافِ:﴾ معطوف على ﴿خَلْقِ﴾
стр. 376
وهو مضاف، و ﴿اللَّيْلِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَالْفُلْكِ:﴾ معطوف على: ﴿خَلْقِ﴾. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة (﴿الْفُلْكِ﴾). ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (﴿الْفُلْكِ﴾)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، التقدير:
تجري بالّذي، أو: بشيء ينفع الناس، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: تجري بنفع الناس، وفيه ضعف، لعدم ظهور فاعل الفعل: ﴿يَنْفَعُ﴾.
﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿خَلْقِ﴾. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾
فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) والعائد محذوف، التقدير: الّذي أنزله الله. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾
متعلقان بالفعل: ﴿أَنْزَلَ﴾ أو بمحذوف حال من مفعوله المحذوف. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ بدل ممّا قبلهما بدل اشتمال، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿فَأَحْيا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه، و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَثَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وقيل: ﴿مِنَ﴾ زائدة في الإيجاب على مذهب الأخفش، و ﴿كُلِّ﴾ مفعول به ل (﴿بَثَّ﴾)، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف. ﴿دَابَّةٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَتَصْرِيفِ:﴾ معطوف على ﴿خَلْقِ﴾ وهو مضاف، و ﴿الرِّياحِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر للفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: وتصريف الرياح السّحاب، أو هو من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: وتصريف الله الرّياح. ﴿وَالسَّحابِ:﴾ معطوف على ﴿الرِّياحِ﴾ وهو أولى من عطفه على: ﴿خَلْقِ﴾. ﴿الْمُسَخَّرِ:﴾ صفة له. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿الْمُسَخَّرِ﴾ لأنه اسم مفعول، أو هو متعلق بمحذوف حال من نائب فاعله المستتر فيه. و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿السَّماءِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على السماء. ﴿لَآياتٍ:﴾
اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آيات) ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صفة قوم، والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.
стр. 377
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥)﴾
الشرح: ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ: لما أثبت الله وحدانية بالدلائل السابقة؛ بيّن: أنّ بعض الناس لم يعتقدها، ولم يؤمن بها، بل سلك طريق الإشراك سفها، وغباوة، وجهلا، فقال:
﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ: أي: بعض الناس يتخذ آلهة من دون الله يعبدونها، ويقدّسونها، ويعظّمونها كما يعظم المؤمنون ربّهم، ويقدّسونه، و ﴿أَنْداداً﴾ جمع: ند، انظر الآية [٢٢]. هذا والحبّ، والمحبّة: ميل القلب، استعير لحبّة القلب، ثمّ اشتقّ منه الحبّ؛ لأنه أصابها، ورسخ فيها، ومحبّة العبد لله تعالى: إرادة طاعته، وتحصيل مراضيه، والابتعاد عن معاصيه، ومناهيه، ومحبّة الله للعبد: إرادة إكرامه، واستعماله في الطاعة، وصرفه عن المعاصي، وإغداق رحمته، وجوده، وكرمه، وإحسانه عليه، قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٥٤]: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ أي: أثبت، وأدوم على محبّته، لا يختارون على الله سواه، لا في شدّة، ولا في رخاء، ولا في سرّاء، ولا في ضرّاء، والمشركون يعدلون عن آلهتهم في الشّدائد، ويقبلون على الله، قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٦٥]: ﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ،﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (لقمان) رقم [٣٢]: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ،﴾ وكان المشركون أيضا إذا اتّخذوا صنما، ثم رأوا آخر أحسن؛ طرحوا الأوّل، واختاروا الثاني، وكان بعضهم يصنع الصّنم من الزّبد، والحلوى في أوقات السّنة، فإذا جاعوا؛ أكلوه.
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا..﴾. إلخ؛ أي: ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، والمعاصي عند رؤية العذاب حين يقذف بهم في النار؛ لعرفوا مضرّة الكفر، وأنّ ما اتّخذوه من الأصنام لا ينفعهم، وعلموا، وأيقنوا: أنّ القوة، والعزّة لله جميعا، ولشاهدوا: أنّ الأمر ليس على ما كانوا عليه من الشّرك، والجحود، واتّباع تزيين الشّياطين لهم.
قال أبو عبيد: المعنى: لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة؛ لعلموا حين يرونه:
أن القوة لله جميعا. و ﴿يَرَى﴾ على هذا من رؤية البصر، وضعّف هذا التقدير محمد بن يزيد، واستبعده؛ لأنه يجعل العذاب مشكوكا فيه، وقد أوجبه الله تعالى، ولكنّ التقدير: «ولو يرى الذين ظلموا: أنّ القوّة لله» أولى، وهو قول الأخفش، وانظر الإعراب، ولم يأت ل (لو) جواب، قال الزهري، وقتادة: الإضمار أشدّ للوعيد. هذا؛ ويقرأ بالتاء: («ترى»)، والمعنى يكون
стр. 378
تقديره: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب، وفزعهم، واستعظامهم له؛ لأقرّوا: أنّ القوة لله. وتقدير آخر: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب، وفزعهم منه؛ لعلمت: أنّ القوّة لله جميعا. وقد كان النبي ﷺ علم ذلك، ولكن خوطب، والمراد أمته، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا. انتهى قرطبي بتصرف.
هذا؛ وفائدة هذا الكلام المبالغة في تهويل الخطب، وتفظيع الأمر، فإن اختصاص القوّة به تعالى لا يوجب شدّة العذاب بجواز تركه عفوا مع القدرة عليه. انتهى جمل.
تنبيه: في هذه الآية أضيفت ﴿إِذْ﴾ لما هو مستقبل، ويحصل يوم القيامة، لكنّه لتحقّق وقوعه عبّر عنه بما يعبّر عن الماضي، وذلك؛ لأنّ خبر الله تعالى المستقبل في الصّحة كالماضي، وهو مما يتكرّر في القرآن الكريم، كقوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٧١]: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ..﴾. إلخ. وعكسه قوله تعالى في سورة (الجمعة): ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً..﴾. إلخ. انظر شرح الآيتين في محلّهما.
الإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنَ النّاسِ﴾): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخّر، هذا هو الظاهر، ولا أرتضيه، بل ولا أعتمده. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨].
﴿يَتَّخِذُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ تقديره: هو، والجملة الفعلية صلة (﴿مِنَ﴾) أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدّم على الأول، و ﴿دُونِ﴾ مضاف. و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْداداً:﴾
مفعوله الأول. ﴿يُحِبُّونَهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون في محل رفع صفة: ﴿مِنَ﴾ في أحد وجهيها، والضّمير المرفوع يعود إليها بعد اعتبار اللفظ في فاعل: ﴿يَتَّخِذُ،﴾ والثاني: أن تكون في محل نصب صفة: ﴿أَنْداداً﴾ والضمير المنصوب يعود إليهم، فهو رابط الصّفة، وإنما جمعوا جمع العقلاء؛ لأنّ المشركين يعاملونهم معاملة العقلاء. والثالث: أن تكون في محل نصب حال من فاعل:
﴿يَتَّخِذُ﴾ المستتر، وقد أفرد في الأول حملا على اللفظ، وجمع في الثاني: حملا على المعنى.
﴿كَحُبِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا. التقدير: يحبونهم حبّا كائنا كحب الله. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنّما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدّم. وإنّما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف وإقامة الصّفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. انتهى جمل نقلا من السمين. و (حبّ) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ أي: كحبهم الله.
стр. 379
﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلته. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره، ومتعلقه-وهو المفضل عليه- محذوف، تقديره: منهم، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو والضمير المحذوف مع جارّه، وهو: «منهم».
﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الاعتراض، أو حرف استئناف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يَرَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، التقدير: أنفسهم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والجملة الفعلية ﴿يَرَى الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محل لها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (﴿لَوْ﴾) محذوف. انظر تقديره في الشرح. وأقول هنا: يقدر بعد انتهاء الآية؛ أي: لما اتخذوا من دون الله أندادا، أو: لعلموا أنّ الأصنام لا تضرّ، ولا تنفع.
هذا؛ وعلى قراءة الفعل: («ترى») بالتاء خطابا للنبيّ ﷺ ، أو لكلّ من يتأتّى منه الرؤية، فيكون الفاعل مستترا تقديره «أنت» و ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به، ويكتفى به؛ لأنه بمعنى: تبصر.
﴿إِذْ:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان؛ لأنه بمعنى «إذا» هنا، كما رأيت في الشرح، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿يَرَى﴾. ﴿يَرَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع والواو فاعله.
﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة: ﴿إِذْ﴾ لها. ﴿أَنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْقُوَّةَ:﴾ اسمه. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: ﴿يَرَى﴾. وانظر ما قدّمته من أنّ المصدر المؤوّل يقع بعد جواب «لو» المحذوفة، فيكون في محلّ نصب سدّ مسدّ مفعوله، وعليه يكون مفعول ﴿يَرَى﴾ محذوفا، وأما على قراءة:
(«ترى») بالتاء فالمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأنّ القوة... إلخ، وقال القرطبي: في موضع نصب مفعول لأجله، وأنشد سيبويه قول حاتم الطائي-وهو الشّاهد رقم [٣٤٦] من كتابنا: «فتح ربّ البرية» -: [الطويل]
وأغفر عوراء الكريم ادّخاره... وأعرض عن شتم اللّئيم تكرّما
هذا؛ وقد قرئ بكسر همزة («إن»)، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع جوابا ل (﴿لَوْ﴾)، التقدير: لقالوا: إنّ القوة... إلخ، وإعراب ما بعدها مثلها على قراءتي كسر الهمزة، وفتحها، و ﴿شَدِيدُ﴾ مضاف، و ﴿الْعَذابَ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصّفة المشبهة لفاعلها.
стр. 380
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦)﴾
الشرح: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ يعني: السادة، والرّؤساء تبرءوا ممّن اتّبعهم على الكفر، ينكرون إضلالهم. وفي مختصر ابن كثير: تبرأت الملائكة الّذين كانوا يزعمون: أنّهم يعبدونهم في الدّار الدنيا، فتقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ سورة (القصص) رقم [٦٣]. ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ سورة (سبأ) رقم [٤١]، والجن أيضا تتبرأ منهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ (الأحقاف) رقم [٦]، والمعتمد الأول. ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهم الضعفاء الذين اتبعوا الأقوياء، وقلّدوهم بالكفر، والضلال. هذا؛ والتبرّؤ: الخلوص، والانفصال، ومنه: برئت من الدين، ونحوه، وهو هنا بمعنى: يتبرأ، وعبّر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، ومثله كثير في القرآن الكريم. ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ﴾ يعني: التابعين، والمتبوعين. قيل: عند تيقنهم العذاب عند المعاينة، وقيل: عند العرض والمساءلة في الآخرة، قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: كلاهما حاصل، يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان. وفي الآخرة يذوقون أليم العذاب، والنّكال. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ جمع: سبب، وهو في الأصل: ما يتصل به إلى شيء عينا كان، أو معنى، والمراد به هنا: الوصل التي كانت بينهم في الدّنيا من القرابات، والصّداقات، والمال، وغير ذلك. وأسباب السموات: أبوابها، وطرقها، قال تعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ﴾.
وقال زهير في معلّقته: [الطويل]
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه... ولو رام أسباب السّماء بسلّم
الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من سابقتها في الآية السابقة. ﴿تَبَرَّأَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾
فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿اُتُّبِعُوا﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَبَرَّأَ﴾ وجملة: ﴿اُتُّبِعُوا﴾ مع مفعوله المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ:﴾ فعل ماض وفاعله ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، وهي على تقدير: «قد» قبلها، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، وهي في محل نصب حال مثلها.
стр. 381
﴿وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ (١٦٧)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا:﴾ هم الضّعفاء الذين اتّبعوا الأقوياء، والرّؤساء في الشرك، والضلالة. ﴿لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً:﴾ رجعة إلى الدنيا. ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ:﴾ من المتبوعين. ﴿كَما تَبَرَّؤُا مِنّا:﴾ الكرّة: الرّجعة، والعودة إلى حال قد كانت، أي: قال الأتباع: لو رددنا إلى الدّنيا؛ حتّى نعمل صالحا، ونتبرأ منهم كما تبرءوا منا. وهم كاذبون في هذا، كما أخبر الله عنهم بقوله:
﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ رقم [٢٨] من سورة (الأنعام).
﴿كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي: كما أراهم الله العذاب كذلك يريهم أعمالهم. قال الربيع-رحمه الله تعالى-أي: الأعمال الفاسدة التي ارتكبوها في الدّنيا، فوجبت لهم بها النار، وقال ابن مسعود والسّدي: الأعمال الصالحة التي تركوها، ففاتتهم الجنة.
ورويت في هذا القول أحاديث. قال السّدّي: ترفع لهم الجنّة، فينظرون إليها، وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله تعالى، ثمّ تقسم بين المؤمنين، فذلك حين يندمون. وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأمّا إضافة الأعمال الفاسدة إليهم؛ فمن حيث عملوها.
﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ دليل على خلود الكفار فيها، وأنّهم لا يخرجون منها. هذا؛ وعدل عن الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية؛ إذ الأصل: «وما يخرجون» للمبالغة في الخلود، والإقناط من الخلاص والرّجوع إلى الدّنيا.
هذا؛ و ﴿حَسَراتٍ﴾ جمع: حسرة، وهي شدّة الندم، وتألّم القلب على شيء فات، وهي ساكنة السين، وفتحت في الجمع على القاعدة المتّبعة، وهي: أنه إذا جمع الاسم الثلاثي الصحيح العين، الساكنها، المؤنث المختوم بالتاء أو المجرد عنها بألف وتاء أتبعت عينه لفائه، سواء كانت فاؤه مضمومة، أو مفتوحة، أو مكسورة، فتقول في بسرة، وجمل: بسرات، وجملات. وفي حفنة، ودعد: حفنات، ودعدات. وفي كسرة، وهند: كسرات وهندات، ويجوز في العين بعد الضمة، والكسرة التسكين، والفتح، فتقول: بسرات، وبسرات، وجملات وجملات، وكسرات وكسرات، وهندات وهندات، ولا يجوز التسكين بعد الفتحة، بل يجب الاتباع.
هذا؛ وقال المرحوم مصطفى الغلاييني: وإن جمعت اسما ثلاثيّا مضموم الأول، أو مكسوره، ساكن الثاني، صحيحه، خاليا من الإدغام، مثل: خطوة، وجمل، وهند، وقطعة، وفقرة؛ جاز فيه ثلاثة أوجه: الأول: إتباع ثانيه لأوله كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثاني: فتح ثانيه كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثالث: إبقاء ثانيه على حاله من السّكون، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات.
стр. 382
أما الاسم فوق الثلاثي، كزينب، والاسم الصّفة، كضخمة، والاسم الثلاثي المحرّك الثاني كشجرة. والاسم الّذي ثانيه حرف علّة، كجوزة، والاسم الثلاثي الذي فيه إدغام كمرّة، فكل ذلك لا تغيير فيه عند جمعه جمع مؤنث سالما.
الإعراب: (﴿قالَ﴾): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله. ﴿اِتَّبَعُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف تمنّ.
﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿كَرَّةً:﴾ اسمها مؤخر. و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل بالفعل المحذوف، تقديره: يقع، أو يحصل، ونحوه. وقد اختلف: هل ل ﴿لَوْ﴾ هذه جواب؟ والمعتمد: أنّ جوابها محذوف قام مقامه الكلام الآتي. ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ الفاء: هي السببية (نتبرأ): فعل مضارع منصوب ب (أن) مضمرة بعد الفاء، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «نحن».
﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و «أن» المضمرة بعد الفاء، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيّد من الفعل السّابق، وتقدير الكلام: نتمنى رجعة إلى الدنيا، وبراءة من هؤلاء المتبوعين. وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وجملة:
(﴿قالَ..﴾.) إلخ معطوفة على جملة: (نتبرأ) فهي في محل جرّ مثلها.
﴿كَما:﴾ الكاف حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿تَبَرَّؤُا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا للفعل قبله، التقدير:
فنتبرأ منهم تبرّؤا كائنا مثل تبرّؤهم منّا. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنّما مذهبه في مثل ذلك أن يكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل السّابق، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف وإقامة الصّفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. انتهى سمين في غير هذا الموضع.
﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا للفعل بعده، التقدير: يريهم الله أعمالهم إراءة كائنة... إلخ. وانظر: ﴿كَذلِكَ يُحْيِ﴾ في الآية رقم [٧٣]. ﴿يُرِيهِمُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جرّ بالإضافة.
﴿حَسَراتٍ:﴾ مفعول به ثالث، وقيل: حال منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنّث سالم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿حَسَراتٍ﴾ لأنه جمع: حسرة، وهي مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿هُمْ﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿بِخارِجِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (خارجين): خبر:
стр. 383
(﴿ما﴾) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، وفاعله مستتر فيه: ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان ب: (خارجين) والجملة الاسمية: ﴿وَما هُمْ...﴾. إلخ في محل نصب حال من الضّمير الواقع مفعولا به، والرابط:
الواو، والضمير.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾
الشرح: لمّا بيّن الله تعالى: أنّه لا إله إلا هو، وأنّه المستقلّ بالخلق؛ شرع يبيّن: أنه الرزّاق لجميع خلقه، مؤمنهم، وكافرهم، وصالحهم، وفاسدهم، فذكر في معرض الامتنان: أنّه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالا مستطابا في نفسه، غير ضارّ للأبدان، ولا للعقول، ونهاهم عن اتّباع خطوات الشّيطان الرّجيم.
نزلت الآية الكريمة في بني ثقيف، وخزاعة، وعامر بن صعصعة، وبني مدلج فيما حرّموا على أنفسهم من الحرث، والأنعام، والبحيرة، والسّائبة، والوصيلة، والحام. انظر الآية رقم [٣] من سورة (المائدة)، والآية رقم [١٣٦] من سورة (الأنعام) وما بعدها، لترى أعمال أهل الجاهلية. وعن عياض بن حماد-﵁-عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «يقول الله تعالى: إنّ كلّ مال منحته عبادي فهو لهم حلال» وفيه: «وإنّي خلقت عبادي ضعفاء، فجاءتهم الشّياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم». رواه مسلم، ومعنى اجتالتهم: صرفتهم عن الهدى إلى الضلالة.
هذا؛ والحلال: المباح الذي أحلّه الشرع، وانحلّت عقدة الخطر عنه، وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد. والطّيب: ما يستلذّه المسلم، والمسلم لا يستطيب إلا الحلال، ويعاف الحرام. هذا؛ والأمر للإباحة، لا للوجوب، و (من) دالة على التبعيض؛ إذ لا يؤكل كل ما في الأرض، والطّيب: ما يستطيبه الشّرع، وتقبله الفطرة السّليمة، والخليقة المستقيمة، وخذ ما يلي:
فعن عبد الله بن عباس-﵄-قال: تليت هذه الآية عند رسول الله ﷺ : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ..﴾. إلخ فقام سعد بن أبي وقاص-﵁-فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدّعوة، فقال له النبي ﷺ : «يا سعد أطب مطعمك؛ تكن مستجاب الدّعوة، والّذي نفس محمّد بيده! إنّ العبد ليقذف اللّقمة الحرام في جوفه ما يتقبّل منه عمل أربعين يوما، وأيّما عبد نبت لحمه من سحت؛ فالنّار أولى به». رواه الطبراني في الصغير. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ:﴾ خطواته: زخارفه، ووساوسه، وأحابيله، وتزيينه تحليل الحرام، وتحريم الحلال.
والمعنى: لا تسلكوا سبيله، ولا تأتمّوا به، ولا تقفوا آثاره.
قال قتادة، والسّديّ: كلّ معصية لله فهي من خطوات الشّيطان، وقال مسروق-رحمه الله تعالى-أتي عبد الله بن مسعود-﵁-بضرع، وبلح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من
стр. 384
القوم، فقال ابن مسعود-﵁: ناولوا صاحبكم! فقال: لا أريده. فقال: أصائم أنت؟ قال: لا، قال: فما شأنك؟ قال: حرّمت أن آكل ضرعا أبدا! فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطعم، وكفّر عن يمينك. رواه ابن أبي حاتم عن أبي الضّحى عن مسروق، وعن ابن عباس-﵄-قال: ما كان من يمين، أو نذر في غضب؛ فهو من خطوات الشّيطان، وكفارته كفارة يمين.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ:﴾ بيّن العداوة. وقد بيّن الله لنا عداوته لآدم، ولذريته، قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [٦] ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا..﴾. إلخ، وقال في سورة (الكهف) رقم [٥٠]: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ،﴾ ومثل ذلك كثير في آيات الله، وهو غاية في التّحذير من كيده، وشرّه.
الإعراب: (﴿يا﴾): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و (ها) حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿النّاسُ:﴾ بدل من (أيّ) أو عطف بيان عليه، وانظر الآية رقم [٢١]. ﴿كُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.
﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، أو بمحذوف صفة: (ما) إن كانت نكرة موصوفة. ﴿حَلالاً:﴾ حال من: (ما) وقيل: هو مفعول به ل ﴿كُلُوا﴾. وقيل: هو صفة مصدر محذوف، أي: أكلا حلالا، وقال مكي: صفة مفعول به، التقدير: شيئا حلالا، أو رزقا حلالا. ﴿طَيِّباً:﴾ صفة: ﴿حَلالاً﴾ وهي صفة مؤكدة. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وهو مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه.
﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وانظر الآية رقم [٢٠٧]. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر: (إنّ).
﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها من الإعراب.
﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾
الشرح: (السوء ﴿وَالْفَحْشاءِ﴾): قال البيضاوي: هو ما استقبحه الشّرع، وأنكره العقل.
والعطف لاختلاف الوصفين، فإنه سوء لاغتمام العاقل به، وفحشاء باستقباحه إياه، وقيل:
السوء: من القبائح، والفحشاء: ما تجاوز الحد من الكبائر. وقيل: الأول ما لا حدّ فيه،
стр. 385
والثاني ما شرع فيه الحد. انتهى. وسمّي السّوء سوءا؛ لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه، وهو مصدر: ساء، يسوء، سوءا، ومساءة: إذا أحزنه، والسّوء: الشرّ، والفساد، والجمع: أسواء، وهو بضم السّين من: ساءه، وبفتحها المصدر، تقول: «رجل سوء» بالإضافة و «رجل السّوء» ولا تقول: الرّجل السّوء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾. هذا؛ والفحشاء أصله قبح المنظر، كما قال امرؤ القيس في معلّقته رقم [٣٢]: [الطويل]
وجيد كجيد الرّئم ليس بفاحش... إذا هي نصّته ولا بمعطّل
وقال مقاتل رحمه الله تعالى: إنّ كلّ ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزنى إلا قوله تعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ فإنّه منع الزكاة؛ أي: البخل بإنفاق المال.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا..﴾. إلخ: تفتروا على الله أشياء لا أصل لها، كاتّخاذ الأنداد، وتحليل المحرّمات، وتحريم الطيبات، وغير ذلك ممّا هو مخالف للدّين الحنيف، والشّرع الشّريف، فيدخل في هذا كلّ كافر، وكلّ مبتدع أيضا. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة مفيدة للحصر. ﴿يَأْمُرُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانِ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِالسُّوءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْفَحْشاءِ:﴾ معطوف على ما قبله. (أن): حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُولُوا:﴾
فعل مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعل، والألف للتفريق و (أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر معطوف على (السّوء ﴿وَالْفَحْشاءِ﴾).
﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة: (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لا تعلمونه.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ:﴾ وإذا قيل للمشركين: ﴿اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ على رسوله من الوحي، والقرآن، والهدى، والنور، والإيمان، واتركوا ما أنتم عليه من الجهل، والضّلال، والطّغيان. ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ..﴾. إلخ. ونظيرها الآية رقم [٢١] من سورة (لقمان)، وأيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ رقم [١٠٤] من سورة (المائدة). وإنما عدل عن الخطاب معهم للنّداء على ضلالتهم، كأنه التفت إلى العقلاء، وقال
стр. 386
لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون؟! ومعنى ﴿ما أَلْفَيْنا:﴾ ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام، وتحريم السوائب، والبحائر، وغيرها، فإنهم كانوا خيرا منّا، وأعلم، وأعقل، فلذا ردّ الله عليهم بقوله: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ..﴾. إلخ؛ أي: أيتبعون آباءهم؛ وإن كانوا سفهاء أغبياء، ليس لهم عقل يردعهم عن الشر، ولا بصيرة تنير لهم الطريق؟! والاستفهام للإنكار، والتوبيخ، والتعجيب من حالهم في تقليدهم الأعمى للآباء. وعن ابن عباس-﵄:
أنها نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ..﴾. إلخ، والأولى التعميم، وهي بالعرب الجاهليين ألزق، وألزم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: اتبعوا الذي، أو شيئا أنزل الله، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا.
﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف ما بعده على جملة محذوفة قبله، تقديرها: لا نتبع ما أنزل الله بل نتبع... إلخ، وقال أبو البقاء: ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب عن الأول، أي: لا نتبع ما أنزل الله، وليس بخروج من قصّة إلى قصة، يعني بذلك:
أنه إضراب إبطال، لا إضراب، وانتقال، وعلى هذا يقال: كلّ إضراب في القرآن المراد به الانتقال من قصّة إلى قصّة إلا في هذه الآية، وإلا في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فإنّه محتمل للأمرين. انتهى جمل بتصرف. ﴿نَتَّبِعُ:﴾ فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿ما﴾ مفعول به، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَلْفَيْنا:﴾ فعل وفاعل.
﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، تقدم على الأول. ﴿آباءَنا:﴾ مفعول به، و (نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب (على)، والجملة الفعلية: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب: (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿أَوَلَوْ..﴾. إلخ: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. الواو: فيها قولان: أحدهما-وإليه ذهب أبو البقاء، وابن عطية-: أنها للعطف، والثاني: -وإليه ذهب الزمخشري في كشافه، وتبعه البيضاوي، والنسفي-: أنها واو الحال. وللجمل كلام كثير في الجمع بين القولين، نقله عن
стр. 387
شيخه. وأرى: أنها حرف استئناف؛ لأنّ الجملة بعدها متضمنة التوبيخ، والإنكار، وأن الوقف على ﴿آباءَنا﴾ جيد، والمعنى تامّ لا يحتاج إلى تقييده بحال، وأن الاستفهام إنشاء، ولا يصح وقوعه حالا كما هو معروف، وأن تقدير معطوف عليه محذوف تكلّف لا داعي له.
(﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿آباؤُهُمْ:﴾
اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ مضارع وفاعله. ﴿شَيْئاً:﴾
مفعول به، وله متعلق محذوف، التقدير: شيئا نافعا من أمر الدين، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل نصب مثلها، والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: لا يهتدون إلى حق. وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (﴿لَوْ﴾) محذوف، التقدير: لاتبعوهم، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، كما ذكرت في الواو، وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [١٠٤] من سورة (المائدة)؛ فهي مثلها في كل شيء مع اختلاف في بعض الألفاظ، وأيضا الآية رقم [٢١] من سورة (لقمان) وهو لا يؤثر في المعنى، والإعراب. والله الموفق للحقّ والصواب.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾
الشرح: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ..﴾. إلخ: شبّه الله تعالى واعظ الكفار، وداعيهم، وهو محمّد ﷺ بالرّاعي الذي ينعق بالغنم، والإبل، فلا تسمع إلا دعاءه، ونداءه، ولا تفهم ما يقول. هكذا فسره ابن عباس-﵄-وغيره، وهذه نهاية الإيجاز. قال سيبويه-رحمه الله تعالى-:
ولم يشبهوا بالناعق، إنّما شبهوا بالمنعوق به، والمعنى: ومثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا كمثل الناعق، والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم. فحذف لدلالة المعنى عليه، وقال ابن زيد -رحمه الله تعالى-: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة من الجماد، كمثل الصّائح في جوف الليل، فيجيبه الصّدى، فهو يصيح بما لا يسمع، ويجيبه ما لا حقيقة فيه، ولا منتفع.
وقيل: المعنى: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم، كمثل النّاعق بغنمه، لا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنّه في عناء، وكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة إلا العناء.
وقيل غير ذلك، والأوّل هو الأولى بالاعتبار.
هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ تشبيه مرسل، ومجمل، مرسل لذكر الأداة، ومجمل لحذف وجه الشبه. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين عن الآية: لك أن تجعل هذا التشبيه من المركّب، وأن تجعله من التشبيه المفرّق، فإن جعلته من المركّب؛ كان تشبيها للكفار في عدم فقههم، وانتفاعهم بالغنم؛ الّتي ينعق بها الراعي: فلا تفقه من قوله شيئا غير
стр. 388
الصّوت المجرّد الذي هو الدعاء والنّداء. وإن جعلته من التشبيه المفرّق؛ فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النّعق، وإدراكهم مجرد الدّعاء والنّداء كإدراك البهائم مجرّد صوت الناعق. والله أعلم.
هذا ويقال: نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا، ونعاقا: إذا صاح بها، وزجرها. قال الأخطل في هجاء جرير: [الكامل]
فانعق كضأنك يا جرير فإنّما... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا
وبالجملة: المعنى: ومثل الكفار في عدم انتفاعهم بالقرآن، وحججه السّاطعة، ومثل من يدعوهم إلى الهدى، كمثل الراعي الذي ينعق بغنمه، ويزجرها، فهي تسمع الصّوت، والنداء دون أن تفهم الكلام، والمراد، أو تدرك المعنى الّذي يقال لها، ولكنّها لا تجيب بالقول، فهؤلاء الكفار كالدّواب، لا يفهمون ما تدعوهم إليه، ولا يفقهون، يسمعون القرآن، ويصمّون عنه.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ انظر الآية رقم [١٨] وخذ هنا زيادة على ما ذكرته هناك قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٣٩]: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٩]: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾.
الإعراب: ﴿وَمَثَلُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَثَلُ﴾): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾
مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يَنْعِقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الّذي، وهو العائد، والجملة صلة: ﴿الَّذِي﴾. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة المنفية: ﴿لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الفاعل العائد إلى (ما)، وينبغي أن تعرف: أنّ بعد هذا الإعراب حذفا، وتقدير الكلام: مثل داعي الذين كفروا إلى الهدى كمثل الناعق بالغنم، وإنما قدر ذلك ليصح التشبيه، فداعي الذين كفروا كالناعق بالغنم، ومثل الذين كفروا كالغنم المنعوق بها. انتهى عكبري بتصرف. وانظر الشرح. والجملة الاسمية: (﴿مَثَلُ الَّذِينَ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ:﴾ يجوز أن تكون هذه الأسماء أخبارا لمبتدإ محذوف، وأن تكون أخبارا لمبتدآت محذوفة، والجملة الاسمية الواحدة، أو الجمل المتعدّدة في محل نصب حال من واو الجماعة. والرابط الضمير فقط، وهو المبتدأ المقدر ب «هو»، والاستثناء ممكن، فلا يكون لها محل من الإعراب. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (هم): ضمير منفصل مبني على
стр. 389
السكون في محل رفع مبتدأ. (لا:) نافية. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ مضارع، والواو فاعله. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها، على الاعتبارين فيها. هذا؛ ومن الغريب: أنّ الواحدي في كتابه (البسيط) قد اعتبر ﴿إِلاّ﴾ زائدة في هذه الآية، وأنشد عليه قول الفرزدق: [الطويل]
هم القوم إلاّ حيث حلّوا سيوفهم... وضحّوا بلحم من محلّ ومحرم
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاُشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾
الشرح: نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة، أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان! وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وعشرين موضعا من القرآن، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطاعة، والامتثال، وإنما خصّهم الله بالنداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عما نهى الله عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.
﴿كُلُوا:﴾ الأمر مستعمل في كلّ من الوجوب، والندب، والإباحة، الأول: إذا كان لقيام البدن، والثاني: كالأكل مع الضّيف، والثالث: في غير ما ذكر. انتهى جمل بتصرف. وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك؛ إن كانوا عبّاده، والأكل من الحلال سبب لتقبّل الدّعاء، والعبادة كما أنّ الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء، والعبادة، كما جاء في الحديث الشريف من قول الرسول ﷺ : «أيّها النّاس إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء: يا ربّ! يا ربّ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب له؟!». رواه أبو هريرة ﵁، وأخرجه مسلم، وأحمد، والترمذي.
وعن ابن عباس ﵄، قال: تليت هذه الآية عند رسول الله ﷺ : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً﴾ فقام سعد بن أبي وقاص-﵁-فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدّعوة، فقال له النبي ﷺ : «يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدّعوة؛ والّذي نفس محمّد بيده! إنّ العبد ليقذف اللّقمة الحرام في جوفه، ما يتقبّل منه عمل أربعين يوما، وأيّما عبد نبت لحمه من سحت؛ فالنّار أولى به». رواه الطّبراني في الصغير.
стр. 390
والمراد من: ﴿طَيِّباتِ:﴾ حلالات، والحلال هو المراد عند الإطلاق؛ لأنّ الحرام خبيث، نجس؛ وإن كان مستلذّا عند من يأكله. وانظر الدّعاء في الآية رقم [١٨٥] الآتية.
﴿وَاشْكُرُوا لِلّهِ﴾ انظر الشكر في الآية رقم [٥٢]. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ:﴾ انظر العبادة في سورة الفاتحة، ولا تنس: أنّ تقديم المفعول يوحي بالاختصاص. وعن النبيّ ﷺ قال:
«يقول الله : أنا، والإنس، والجنّ في نبأ عظيم، أخلق، ويعبد غيري، وأرزق، ويشكر غيري!».
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر إعراب مثلها فيما تقدّم قريبا. ﴿مِنْ طَيِّباتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و ﴿طَيِّباتِ﴾ مضاف. ﴿ما:﴾ في محل جر بالإضافة وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. هذا؛ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، ومفعول: ﴿كُلُوا﴾ محذوف، التقدير: كلوا رزقكم، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وجوز الأخفش اعتبار:
﴿مِنْ﴾ زائدة في الإيجاب، وعليه ف ﴿طَيِّباتِ﴾ مجرور لفظا منصوب محلاّ. ﴿رَزَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: من طيبات الذي، أو: شيء رزقناكموه، على اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: طيبات رزقنا، وجملة: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، وجملة: ﴿وَاشْكُرُوا لِلّهِ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء: اسمه. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان).
وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مرتبط بما قبله لا محل له مثله. هذا؛ ويجيز بعض الكوفيين اعتبار (إن) بمعنى: «إذ» أي: ظرفا. وردّه ابن هشام في المغني.
﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾
الشرح: ﴿إِنَّما:﴾ كلمة موضوعة للحصر، تتضمّن النفي، والإثبات، فتثبت ما تناوله الخطاب، وتنفي ما عداه، وقد حصرت هاهنا التحريم، لا سيما وقد جاءت عقيب التحليل في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾.