Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
﴿عُمْياً:﴾ لا يبصرون. ﴿وَبُكْماً:﴾ لا ينطقون. ﴿وَصُمًّا:﴾ لا يسمعون، وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ..﴾. إلخ وقوله جل شأنه: ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً﴾ وقوله تبارك اسمه: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ فقد قيل فيه أوجه: أحدها: قال ابن عباس-﵄: معناه ﴿عُمْياً:﴾ لا يبصرون ما يسرهم.
﴿وَبُكْماً:﴾ لا ينطقون بحجة. ﴿وَصُمًّا:﴾ لا يسمعون ما يسرهم. الثاني: قيل: معناه: يحشرون على ما وصفهم الله تعالى، ثم تعاد إليهم هذه الأشياء. الوجه الثالث: قيل: هذا معناه حين يقال لهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فيصيرون عند ذلك ﴿عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا،﴾ لا يبصرون، ولا ينطقون، ولا يسمعون. ﴿مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ:﴾ مستقرهم، ومقامهم. ﴿كُلَّما خَبَتْ﴾ أي:
سكن لهيبها وهدأت من غير أن يوجد فيها نقصان في إيلام الكفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾. ﴿زِدْناهُمْ سَعِيراً:﴾ نارا تتلهب. وقيل: وقودا لتحرقهم، وتبدل جلودهم، كما قال تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
بعد هذا ف: ﴿الْمُهْتَدِ﴾ يقرأ بحذف الياء وإثباتها. هذا؛ وقد راعى لفظ (من) في الجملة الأولى، فأفرد الضمير، وراعى معناها في الجملة الثانية في قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ فجمع الضمير. وانظر شرح (دون) في الآية رقم [١٥] من سورة (الكهف)، وشرح: ﴿وَلِيًّا﴾ في الآية رقم [١٧] منها، وإعلال ﴿تَجِدَ﴾ مثل إعلال ﴿تَزِرُ﴾ في الآية رقم [١٥] وانظر شرح ﴿الْقِيامَةِ﴾ في الآية رقم [٥٨] ﴿وَبُكْماً:﴾ جمع: أبكم، انظر الآية رقم [٧٦] من سورة (النحل). ﴿وَصُمًّا:﴾
جمع أصم، وهو الذي لا يسمع. وانظر: «مأوى» و ﴿مَثْوَى﴾ في الآية رقم [٢٩] من سورة (النحل). وانظر «زاد يزيد» في الآية رقم [٤١]. هذا؛ وأصل ﴿خَبَتْ﴾ «خبوت» بوزن: قعد؛ لأن الفعل واوي اللام، تقول: خبا يخبو، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف وتاء التأنيث، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. هذا؛ وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم، انظر الآية [٢٢] من سورة (النحل).
الإعراب: (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو مفعول به مقدم؛ لأن فعل الشرط متعد، ولم يستوف مفعوله. ﴿يَهْدِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، ومفعوله محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
هو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمُهْتَدِ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، أو الثابتة حسبما رأيت، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ
стр. 3257
الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في الآية [١٥] والجملة الاسمية: ﴿(مَنْ...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول، أو هي مستأنفة، لا محل لها على اعتبارها من كلام الله تعالى، وعلى الأول: فهي من مقول الرسول ﷺ ، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها فلا خفاء فيه. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَوْلِياءَ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والمفعول الثاني: ل: ﴿تَجِدَ﴾ محذوف، تقديره: يهدونه.
﴿وَنَحْشُرُهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نحشرهم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، التقدير: ماشين على وجوههم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عُمْياً:﴾ حال أخرى، إما بدل من الأولى وإما حال من الضمير المستقر في الجار والمجرور قبله، وما بعده معطوف عليه. ﴿مَأْواهُمْ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي حال من الضمير المنصوب، أو المجرور ﴿كُلَّما﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿خَبَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة؛ والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿جَهَنَّمُ﴾ و (ما) والفعل ﴿خَبَتْ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت خبت جهنم. وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كل). وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا. ﴿زِدْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿سَعِيراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، أو هو في محل نصب حال من ﴿جَهَنَّمُ،﴾ والعامل فيه المأوى.
﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨)﴾
الشرح: الإشارة في هذه الآية إلى ما ذكر من أنواع العذاب في الآية السابقة من كونهم يحشرون على وجوههم عميا، وبكما، وصما، وكون النار كلما هدأت زيد في وقودها ليشتد تحريق جلودهم بحرّها كل ذلك بسبب كفرهم، وتكذيبهم بآيات القرآن التي نزلت على محمد ﷺ ، وإنكارهم الحشر، والنشر، والحساب بعد الموت. وانظر الآية رقم [٤٩] ففيها الكفاية.
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ خبره، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة
стр. 3258
المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر قبلهما. هذا وجه للإعراب، ويجوز اعتبار ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ مبتدأ ثانيا، والجار والمجرور خبره، والجملة الاسمية خبر المبتدأ: ﴿ذلِكَ﴾. ويجوز اعتبار ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بدلا من اسم الإشارة؛ أو عطف بيان عليه، والجار والمجرور خبره ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ انظر الإعراب وافيا كافيا في الآية رقم [٤٩] وجملة:
﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً (٩٩)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا:﴾ أولم يعلموا. ﴿أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ..﴾. إلخ: ففيه رد لاستبعادهم البعث، والحشر بعد الموت، والمعنى: أن الذي خلق السموات والأرض كيف يستبعد منه أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم بعد الموت، وهو قادر على إهلاكهم، وخلق عبيد مطيعين له، يوحدونه، ويقرّون بكمال حكمته، وعظيم قدرته، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً﴾ أي: وقتا لإهلاكهم، لا يستقدمون عنه، ولا يستأخرون. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك فيه، ولا ارتياب، بل هو محقق الوقوع. ﴿فَأَبَى الظّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون. ﴿إِلاّ كُفُوراً:﴾ إلا جحودا، وإنكارا للبعث، والحساب، والجزاء.
بعد هذا ﴿أَوَلَمْ﴾ مثل ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [١٧] من سورة (النحل). وانظر شرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [٣] منها. وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇. وانظر التعبير عن الكافرين ب: ﴿الظّالِمِينَ،﴾ ونحوه في الآية رقم [١٣] منها أيضا. وانظر شرح «الكفر» في الآية رقم [١٠٧] من سورة (النحل)، وشرح: (أبى) في الآية رقم [٨٩]. هذا، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك فيه، تقول: رابني هذا الأمر: أوقعني في ريبة؛ أي: في شك، وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها. قال الرسول ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الترمذي، والنسائي عن الحسن بن علي-﵄-سبط رسول الله ﷺ وريحانته.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف حسب ما رأيت في الآية رقم [١٧] من سورة (النحل). (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾
مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله،
стр. 3259
والألف للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ما قبله، وهو العائد. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قادِرٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ وفاعله مستتر فيه، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿عَلى:﴾ حرف جر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿قادِرٌ﴾.
﴿وَجَعَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعل): ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِثْلَهُمْ:﴾
متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف مفعول به ثان، والأول: ما بعده. ﴿أَجَلاً:﴾
مفعول به. ﴿أَجَلاً:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿رَيْبَ:﴾ اسم لا مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿أَجَلاً،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في محل نصب صفة أجلا، وجملة: ﴿وَجَعَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾.
إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، والكلام ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له. ﴿فَأَبَى:﴾
الفاء: حرف استئناف. (أبى): ماض. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كُفُوراً:﴾ مفعول به، وجملة: (أبى...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (١٠٠)﴾
الشرح: هذا خطاب للنبي ﷺ . ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ..﴾. إلخ أي: لو ملكتم خزائن رزق الله، ونعمه؛ لبخلتم بالمال خشية إنفاقه؛ أي: نفاده، وذهابه. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ أي: بخيلا؛ لأن بناء أمره على الحاجة، والبخل بما يحتاج إليه، وترقب العوض فيما يبذله، كالذكر الجميل، والثناء الحسن عليه، إن كان من أهل الدنيا، أو لطلب الثواب والأجر من الله تعالى؛ إن كان من أهل الإيمان، والطاعة.
ولقد اختلف في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في المشركين خاصة. قاله الحسن، والثاني: أنها عامة، وهو قول الجمهور، وذكره الماوردي. انتهى. قرطبي. هذا؛ والإنفاق المراد به هنا: الفقر الناجم عن الإنفاق، فهو مثل قوله تعالى في غير ما آية: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ وانظر بعد ذلك شرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] وشرح ﴿الْإِنْسانُ﴾ في الآية رقم [١١] وانظر خشي في الآية رقم [٢١] من سورة (الرعد)، فإنه جيد.
стр. 3260
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنْتُمْ:﴾ فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، أو هو اسم ل: «كان» محذوفة، وأصل الكلام: لو كنتم تملكون، وقد كثر حذف «كان» بعد «لو»، ورد هذا القول بأن المعهود بعد «لو» حذف «كان» ومرفوعها، فقيل: الأصل لو كنتم أنتم تملكون، فحذفا. وفيه نظر للجمع بين الحذف، والتوكيد. هذا؛ وقيل: إن ﴿أَنْتُمْ﴾ توكيد للفاعل المستتر في الفعل المحذوف، الذي يفسره ما بعده، وغلط من أعرب أنتم فاعلا؛ لأن ضمير المخاطب، لا يجوز إظهاره. انتهى.
والمغلط غالط، فكيف يفعل هذا المغلط، وما يقول في قول العباس بن مرداس السلمي الصحابي، وقل أن يخلو منه كتاب نحو؟ [البسيط]
أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر... فإن قومي لم تأكلهم الضّبع
أليس الضمير المنفصل خبرا لكان محذوفة وعلى الاعتبارين كان الضمير متصلا، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، وبرز، وإنما وجب تقدير فعل؛ لأنّ «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر ك: «إن» و «إذا» الشرطيتين. ﴿تَمْلِكُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مفسرة على الاعتبار الأول، وفي محل نصب خبر «كان» على الاعتبار الثاني، وعلى التقديرين فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿خَزائِنَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿رَحْمَةِ﴾ مضاف إليه، و ﴿رَحْمَةِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب وجزاء. ﴿لَأَمْسَكْتُمْ:﴾
اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (أمسكتم): فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره الأموال، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها. ﴿خَشْيَةَ:﴾ مفعول لأجله. وقيل: حال، وهو مضاف، و ﴿الْإِنْفاقِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة:
﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ مستأنفة، لا محل لها. واعتبارها حالا من ﴿الْإِنْفاقِ﴾ ضعيف معنى وهو يحتاج إلى تقدير «قد» قبلها، والرابط: الضمير فقط على اعتبار ﴿الْإِنْفاقِ﴾ صاحب الحال.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ:﴾ لقد اختلف في هذه الآيات، فقيل: هي بمعنى: آيات الكتاب، كما روى الترمذي، والنسائي عن صفوان بن عسال المرادي: أن يهوديين
стр. 3261
قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله، فقال: لا تقل له: نبي، فإنه إن سمعك؛ صارت له أربعة أعين، فأتيا النبي ﷺ ، فسألاه عن تلك الآيات، فقال ﷺ : «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النّفس التي حرّم الله إلا بالحقّ، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الرّبا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفرّوا من الزّحف، وعليكم يا معشر اليهود خاصّة ألاّ تعدوا في السّبت» فقبّلا يديه، ورجليه. وقالا: نشهد أنك نبيّ. قال: فما يمنعكما أن تسلما؟ قالا: «إن داود دعا الله ألا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود». قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقيل: الآيات بمعنى: المعجزات، والدلالات، وأعتمد هذا، وخذ ما يلي:
قال ابن عباس، والضحاك-﵄-هي: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وانفجار الماء من الحجر، وانفلاق البحر، ونتق الطور على بني إسرائيل.
وقيل: الطوفان، والسنون، ونقص من الثمرات مكان الثلاث الأخيرة، ولا تنس: الطمس على أموالهم، وقد تقدم شرح ذلك مفصلا في سورة (البقرة) و (الأعراف)، و (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ:﴾ هذا سؤال تبكيت، وتقريع لليهود؛ ليعرفوا صحة ما يقوله محمد ﷺ . وقيل: المعنى: فاسأل يا محمد المؤمنين من بني إسرائيل، وهم: عبد الله بن سلام، وأصحابه عن الآيات ليزدادوا يقينا، وطمأنينة قلب؛ لأن الأدلة إذا تظاهرت؛ كان ذلك أقوى، وأثبت، كقول إبراهيم ﵇ ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. انتهى. كشاف.
﴿فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ أي: ساحرا بغرائب أفعالك. قاله الفراء، وأبو عبيدة، فوضع المفعول موضع الفاعل: وقيل: مخدوعا. وقيل: مغلوبا. قاله مقاتل. وقيل:
غير هذا، بعد هذا انظر قصة موسى مع فرعون بالتفصيل في سورة (الأعراف) وسورة (طه)، وسورة (القصص)، و (الشعراء) وغيرها.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا﴾ انظر الآية رقم [٤١] ﴿مُوسى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿تِسْعَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿تِسْعَ﴾ مضاف، و ﴿آياتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿تَبَيَّنَتِ:﴾ صفة ﴿آياتٍ﴾ فهو مجرور، أو صفة ﴿تِسْعَ﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فَسْئَلْ:﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك واقعا؛ فاسأل. ﴿فَسْئَلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي:﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه
стр. 3262
مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والمفعول الثاني: محذوف، تقديره: عنه؛ أي: عن موسى. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿آتَيْنا،﴾ وعليه فجملة: ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ معترضة بين الفعل ﴿آتَيْنا﴾ وما تعلق به. هذا؛ وقيل: إن التقدير: فقلنا له: اسأل... إلخ، وعليه ف: ﴿إِذْ﴾ متعلق بالفعل المقدر، وجملة: ﴿فَسْئَلْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: «فقلنا...» إلخ المقدرة معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.
هذا؛ وقد قرئ ﴿فَسْئَلْ﴾ بلفظ الماضي، فيكون الظرف متعلقا به، والفاعل يعود إلى موسى ﵇، ويكون التقدير: فسأل موسى فرعون أن يخلي بني إسرائيل، ويطلق سبيلهم، ويرسلهم معه، وقيل غير ذلك، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿(لَقَدْ...)﴾ إلخ لا محل لها مثلها.
﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): ماض. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾
فاعله. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَأَظُنُّكَ:﴾ اللام: هي المزحلقة.
(أظنك): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿يا مُوسى:﴾ يا:
حرف نداء ينوب مناب: أدعو. (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف للتعذر في محل نصب ب: (يا)، والجملة الندائية معترضة بين مفعولي (أظن)، وجملة:
﴿لَأَظُنُّكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. وقال الجمل: معطوفة على مقدر؛ أي: إذ جاءهم فبلغهم الرسالة. فقال له فرعون. هذا؛ وجملة: ﴿جاءَهُمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.
﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢)﴾
الشرح: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ﴾ أي: الآيات التسع، و ﴿أَنْزَلَ﴾ بمعنى: أوجد. ﴿إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ أي: دلالات يستدل بها على قدرة الله، ووحدانيته، وتدل على صدقي، ولكنك يا فرعون تعاند. هذا؛ و ﴿بَصائِرَ:﴾ عبر، وبينات، جمع: بصيرة. قال قس بن ساعدة الإيادي: [مجزوء الكامل]
في الذّاهبين الأوّلي... ن من القرون لنا بصائر
وله فراسة ذات بصيرة، وذات بصائر، وهي الصادقة، ورأيت عليك ذات البصائر. قال الكميت: [مجزوء الكامل]
ورأوا عليك ومنك في ال... مهد النهى ذات البصائر
стр. 3263
وقرأ الكسائي ﴿عَلِمْتَ﴾ بضم التاء، وهي قراءة علي بن أبي طالب-﵁، وروي: أنه قال: والله ما علم عدو الله، ولكن موسى هذا الذي علم، فبلغت ابن عباس-﵄-فأيد الفتح، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا،﴾ ونسب فرعون إلى العناد.
﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً:﴾ الظن هنا: بمعنى: اليقين بخلافه في الآية السابقة، فإنه بمعنى: الشك، بل بمعنى: الظن الخاطئ الكاذب الفاسد، والظن في الأصل: الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض. وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ونهى عنه النبي ﷺ بقوله: «إيّاكم والظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث». وهذا إذا كان ظن سوء، وأما الظن الحسن فلا بأس به، بل هو ممدوح، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في سورة (الحجرات).
والثبور: الهلاك والخسران. وقال البيضاوي: مصروفا عن الخير، مطبوعا على الشر.
وقيل: ملعونا. وقيل: ناقص العقل. والمعتمد الأول.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى ﵇. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْتَ:﴾
فعل، وفاعل، وهو معلق عن العمل لفظا. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والهاء: حرف تنبيه، لا محلّ له ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿رَبُّ:﴾ فاعل: ﴿أَنْزَلَ﴾ و ﴿رَبُّ:﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بَصائِرَ:﴾ حال، وفي عاملها قولان: أحدهما أنه ﴿أَنْزَلَ﴾ هذا الملفوظ به، وصاحب الحال ﴿هؤُلاءِ﴾ وإليه ذهب الحوفي وابن عطية، وأبو البقاء، وهؤلاء يجيزون أن يعمل ما قبل «إلا» فيما بعدها، وإن لم يكن مستثنى، ولا مستثنى منه، ولا تابعا له. والثاني: وهو مذهب الجمهور: أنّ ما بعد «إلا» لا يكون معمولا لما قبلها، فيقدر له عامل، تقديره: أنزلها بصائر، وقد تقدم نظيره في الآية رقم [٢٧] من سورة (هود) ﵇. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وجملة: ﴿ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعولي ﴿عَلِمْتَ﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب النفي، وجملة: ﴿عَلِمْتَ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ في محل نصب حال من تاء الفاعل على القراءتين، والرابط: الواو، والضمير، وإعرابها مثل إعراب ما قبلها في الآية السابقة.
﴿فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣)﴾
الشرح: ﴿فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أراد فرعون أن يخرج بني إسرائيل من أرض مصر، أو من الأرض مطلقا بالقتل والاستئصال. وانظر الآية رقم [٧٦] والاستفزاز:
стр. 3264
الاستخفاف. انظر الآية رقم [٦٤] ﴿فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً﴾ أي: عكسنا عليه مكره، فأخرجناه وجنوده من قصورهم، وديارهم، وأغرقناهم في البحر، ونجينا موسى، ومن معه. وانظر (نا) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر).
الإعراب: ﴿فَأَرادَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: عاطفة. (أراد): ماض، وفاعله يعود إلى (فرعون). ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَسْتَفِزَّهُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (فرعون) أيضا. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَرادَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَأَغْرَقْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب وأجيز اعتباره مفعولا معه. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعاً:﴾
حال من الضمير المنصوب، وما عطف عليه، فهي حال معناها التوكيد.
﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اُسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤)﴾
الشرح: ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد فرعون وإغراقه مع قومه. ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ أي:
الأرض التي أراد فرعون أن يخرجكم منها، والمراد: أرض الشام، ومصر؛ التي، أورثها الله بني إسرائيل بعد هلاك فرعون وقومه. ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ:﴾ المراد به: يوم القيامة الذي لا خلف فيه، ولا شك فيه. وقيل: المراد به نزول عيسى، ﵇. ﴿جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ أي:
أحييناكم، وأخرجناكم من القبور، وجمعناكم في المحشر مختلطين إياكم، وإياهم، ثم نحكم بينكم، ونميز سعداءكم من أشقيائكم، واللفيف: الجماعات من قبائل شتى. يقال: جاء القوم بلفهم، ولفيفهم؛ أي: وأخلاطهم. قال الأصمعي: اللفيف: جمع، وليس له واحد، وهو مثل الجميع، والمعنى: أنهم يخرجون من القبور كالجراد المنتشر مختلطين لا يتعارفون، ثم يميز الله بين صالحهم، وطالحهم... إلخ، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَقُلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَقُلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من (بني إسرائيل) والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿لِبَنِي:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا، وعلامة الجر الياء... إلخ، و (بني): مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾
مضاف إليه... إلخ. ﴿اُسْكُنُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿الْأَرْضَ:﴾ منصوب على الظرفية المكانية عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو
стр. 3265
منتصب انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في:
«دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت البيت» وجملة: ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٦٧]. ﴿جاءَ:﴾ ماض. ﴿وَعْدُ:﴾
فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْآخِرَةِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿جاءَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿جِئْنا:﴾ ماض و (نا): فاعله. ﴿بِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَفِيفاً:﴾ حال من الكاف، وجملة: ﴿جِئْنا..﴾. إلخ جواب (إذا)، و (إذا) ومدخولها معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥)﴾
الشرح: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ أي: ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة، وما نزل إلا ملتبسا بالحق، والحكمة لاشتماله على الهداية إلى كلّ خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق، محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم من تخليط الشياطين. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً:﴾ للمطيعين بالثواب. ﴿وَنَذِيراً:﴾ للعاصين من العقاب فلا عليك يا محمد إلا التبشير، والإنذار. وانظر شرح (الحق) في الآية رقم [٨١] وفي قوله تعالى: ﴿إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ قصر إضافي، وهو هنا قصر موصوف على صفة، وهو كثير في كتاب الله تعالى. قال الراوي:
اشتكى محمد بن السمّاك، فأخذنا ماءه، وذهبنا به إلى طبيب نصراني، فاستقبلنا رجل حسن الوجه، طيب الرائحة، نقي الثوب، فقال لنا: إلى أين؟ فقلنا له: إلى فلان الطبيب نريه ماء ابن السمّاك، فقال: سبحان الله، تستعينون على ولي الله بعدوّ الله؟! اضربوه على الأرض، وارجعوا إلى ابن السمّاك، وقولوا له: ضع يدك على موضع الوجع، وقل: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ ثم غاب عنا، فلم نره، فرجعنا إلى ابن السماك، فأخبرناه بذلك، فوضع يده على موضع الوجع، وقال ما قال الرجل، فعوفي في الوقت. وقال: كان ذلك الخضر ﵇. انتهى. نسفي.
الإعراب: ﴿وَبِالْحَقِّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (بالحق): متعلقان بمحذوف حال صاحبه الضمير المنصوب، وعامله ما بعده. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَبِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿نَزَلَ﴾ المستتر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية.
﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مُبَشِّراً:﴾ مفعول به ثان. وقال الجمل: حال من الكاف.
﴿وَنَذِيراً:﴾ معطوف على ما قبله. هذا؛ وقد قال الجمل: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ..﴾. إلخ متعلق في المعنى بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ..﴾. إلخ. وفي الخطيب: إنه معطوف على ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا..﴾. إلخ. انتهى.
وأرجح الاستئناف، والله أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 3266
﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (١٠٦)﴾
الشرح: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ﴾ أي: بينا حلاله، وحرامه، أو فرقنا بين الحق والباطل، وهو بتخفيف الراء، وقرأ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وجماعة بتشديد الراء، وفيه وجهان:
أحدهما: أن التضعيف للتكثير؛ أي: فرقنا آياته بين أمر ونهي، وحكم، وأحكام، ومواعظ، وأمثال، وقصص، وأخبار ماضية، ومستقبلة، انظر الآية رقم [١١١] من سورة (يوسف) تجد ما يسرك و [٤١] من هذه السورة. والثاني: أنه دال على التفريق، والتنجيم، ومعلوم: أن القرآن نزل مفرقا منجما في ثلاث وعشرين سنة على حسب مقتضيات الأحوال. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٤] من سورة (البقرة)، ويؤيد التفسير الثاني: قوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ:﴾ على مهل، وتؤدة، فإنه أيسر للحفظ، وأعون في الفهم. وقيل: ﴿عَلى مُكْثٍ:﴾ على ترسل في التلاوة.
قاله مجاهد، وابن عباس، وابن جريج، فيعطي القارئ القراءة حقها من ترتيلها، وتحسينها، وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن من غير تلحين، ولا تطريب مؤد إلى تغيير لفظ القرآن بزيادة، أو نقصان. هذا؛ والمكث في الأصل مصدر: مكث، يمكث، بمعنى: أقام يقيم. قال الكميت يذم ولاة السوء: [الطويل]
فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟
و (المكث) بضم الميم، وتكسر. وهذا على: أنه اسم، وأما المصدر، فإن كان فعله من باب: نصر، فهو بضم الميم أيضا، وإن كان من باب: كرم فهو بفتح الميم.
﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ أي: نجما بعد نجم، انظر الآية رقم [٨٩] من سورة (النحل) لترى الفرق بين نزلنا، وأنزلنا. وانظر (نا) في الآية رقم [٢١] من سورة (الحجر). وانظر شرح القرآن في الآية رقم [١] منها.
الإعراب: ﴿وَقُرْآناً:﴾ الواو: حرف عطف. (قرآنا) مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وآتيناك قرآنا. ﴿فَرَقْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة مفسرة على الوجه الأول، لا محل لها، وفي محل نصب صفة (قرآنا) على الوجه الثاني فيه. ﴿لِتَقْرَأَهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿عَلى مُكْثٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وجملة: ﴿وَقُرْآناً..﴾. إلخ على الاعتبارين معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَنَزَّلْناهُ﴾ معطوفة عليها.
﴿تَنْزِيلاً:﴾ مفعول مطلق.
стр. 3267
﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ . ﴿آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا:﴾ هذا على وجه التهديد والوعيد، لا على وجه التخيير. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: إن لم تؤمنوا بالقرآن، أو بمحمد ﷺ ، فقد آمن به من هو خير منكم، وهم العلماء الذين قرءوا الكتب السابقة، وعرفوا حقيقة الوحي، وأمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين المحق والمبطل، ورأوا نعتك وصفة ما أنزل إليك في تلك الكتب. وقيل: هم قوم من ولد إسماعيل، تمسكوا بدينهم، إلى أن بعث الله تعالى محمدا ﷺ ، منهم: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل. ولا وجه له البتة. ﴿إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أي: القرآن. وقيل: كانوا إذا تلوا كتابهم، وما أنزل عليه من القرآن خشعوا، وسجدوا، وسبحوا. والأول: أولى بالاعتبار. ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً:﴾ يسقطون على وجوههم تعظيما لأمر الله، وشكرا لإنجازه وعده في تلك الكتب ببعثة محمد ﷺ على فترة من الرسل، وإنزاله القرآن عليه. هذا؛ والمراد: ب: (الأذقان) الوجوه، وخصت بالذكر؛ لأن الذقن أول جزء من الوجه يقرب من الأرض عند السجود، والأذقان جمع: ذقن وهو مجتمع اللحيين.
الإعراب: ﴿قُلْ﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿آمِنُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر).
﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون
إلخ، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿أُوتُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْعِلْمَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أُوتُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. إذا: انظر الآية رقم [٦٧] ﴿يُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب فاعله مستتر يعود إلى (القرآن). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿يَخِرُّونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.
﴿لِلْأَذْقانِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿سُجَّداً:﴾ حال من واو الجماعة، وهو بمعنى: ساجدين، وجملة: ﴿يَخِرُّونَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها
стр. 3268
في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ تعليل للأمر والنهي، وهي في محل نصب مقول القول. وقيل: هي تعليل ل: ﴿قُلْ﴾ نفسه، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (١٠٨)﴾
الشرح: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: الذين، أوتوا العلم. ﴿سُبْحانَ رَبِّنا:﴾ تنزيها له تعالى عن خلف الوعد، أو تعظيما لربنا لإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة من بعثة محمد ﷺ . ﴿إِنْ كانَ وَعْدُ..﴾.
إلخ: إن الحال والشأن وعد ربنا متحقق الوقوع، لا محالة. بعد هذا انظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] وشرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] وشرح: ﴿سُبْحانَ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (النحل)، وشرح (الوعد) في الآية رقم [٣٣] من سورة (الرعد). وانظر كان في الآية رقم [٣٠].
الإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق فعله محذوف، وهو مضاف، و ﴿رَبِّنا:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سُبْحانَ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿وَعْدُ:﴾
اسمها، وهو مضاف، و ﴿رَبِّنا:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَمَفْعُولاً:﴾ اللام: هي المزحلقة.
(مفعولا): خبر ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿سُبْحانَ،﴾ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَخِرُّونَ..﴾. إلخ. هذا؛ والمعتمد: أنّ (إن) مهملة، واللام هي الفارقة بين النفي، والإثبات.
﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩)﴾
الشرح: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ:﴾ انظر الآية [١٠٧] وكرره لاختلاف الحال، أو السبب، فإن الأول: للشكر عند إنجاز الوعد، والثاني: لما أثر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية الله. ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ أي: القرآن. ﴿خُشُوعاً:﴾ خضوعا لله، واستجابة لأمره ونهيه، والخشوع:
سكون الجوارح، وخضوع القلب، واطمئنانه، وهم: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ وانظر الآية رقم [٢] من سورة (المؤمنون) لتنظر الخشوع في الصلاة. وانظر «زاد، يزيد» في الآية رقم [٤١].
стр. 3269
هذا؛ وفي الآية دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى، أو على معصيته في دين الله، وأن ذلك لا يقطعها، ولا يضرها، ذكر ابن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه. قال: «أتيت النبيّ ﷺ ، وهو يصلّي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء». انتهى. قرطبي. هذا؛ والبكا بالقصر: إسالة الدمع من غير رفع صوت، وبالمد إسالة الدمع مع رفعه. قال الخليل رحمه الله تعالى: من قصر «البكاء» ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مدّه ذهب به إلى معنى الصوت. قال كعب بن مالك الأنصاري ﵁: [الوافر]
بكت عيني، وحقّ لها بكاها... وما يغني البكاء، ولا العويل
وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (يوسف) ﵇. هذا؛ ويسن السجود في آخر هذه الآية بعد تلاوتها وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٠] من سورة (النحل)، وفي الآية رقم [٥٧] من سورة (مريم).
الإعراب: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ:﴾ انظر الآية قبل السابقة، وهذه معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿يَبْكُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، وجاءت الحال هنا فعلا لدلالته على التجدد، والحدوث، وجاءت في الآية قبل السابقة اسما لدلالته على الاستمرار، والثبوت. الواو: حرف عطف. ﴿وَيَزِيدُهُمْ:﴾ مضارع، والهاء مفعوله الأول، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى القرآن، أو البكاء، أو السجود، أو المتلو لدلالة قوله تعالى: ﴿إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾. ﴿خُشُوعاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. تأمل.
﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١١٠)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄-سجد رسول الله ﷺ ذات ليلة، فجعل يقول في سجوده: «يا الله يا رحمان». فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا عن آلهتنا، وهو يدعو إلهين، فأنزل الله هذه الآية. انتهى. خازن. وأبو جهل يعني بالرحمن مسيلمة الكذاب الذي كان يسمى رحمان اليمامة، والمخاطب بهذا الأمر النبي ﷺ . هذا؛ و ﴿تَدْعُوا﴾ هنا يحتمل أن يكون من الدعاء، وهو النداء، فيتعدى لواحد، وأن يكون بمعنى: التسمية، وعليه الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، فيتعدى لاثنين، كما في قول الشاعر: [الطويل]
دعتني أخاها أمّ عمرو، ولم أكن... أخاها، ولم أرضع لها بلبان
стр. 3270
دعتني أخاها بعد ما كان بيننا... من الفعل ما لا يفعل الأخوان
وقد حذف المفعول الأول، لقوله: ﴿اُدْعُوا﴾ ونصب الثاني: بعد حذف الجار؛ إذ التقدير:
﴿قُلِ:﴾ ادعوا معبودكم بالله، أو ادعوه بالرحمن، بمعنى: سمّوه. ﴿فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ أي:
فلله الأسماء الحسنى، وإذا حسنت أسماؤه كلها؛ فهذان الاسمان منها، ومعنى كونها أحسن الأسماء أنها مشتملة على معاني التقديس، والتعظيم، والتمجيد، وعلى صفات الجلال، والكمال، والحسنى مؤنث الأحسن الذي هو أفعل تفضيل، لا مؤنث أحسن المقابل ل: امرأة حسناء. والحسنى بالضم ضد السوأى، وقد وصف الجمع الذي لا يعقل بما توصف به الواحدة، كقوله: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ وهو فصيح، ولو جاء على المطابقة للجمع لكان التركيب «الحسن» على وزن الأخر، كقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ لأن جمع ما لا يعقل يخبر عنه، ويوصف بوصف المؤنثات وإن كان المفرد مذكرا. انتهى. جمل من هنا، وهناك.
﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها:﴾ عن ابن عباس-﵄-قال: نزلت والرسول ﷺ مختف بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به. انتهى. متفق عليه. وقالت عائشة-﵂:
نزلت في الدعاء، وهو قول النخعي، ومجاهد، ومكحول. وقال ابن سيرين: كان الأعراب يجهرون بالتشهد، فنزلت. وعنه أيضا: أن أبا بكر كان يسر بقراءته في صلاة الليل، وكان عمر يجهر بها-﵄-وأرضاهما، فسألهما رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال أبو بكر ﵁-إنما أناجي ربي، وهو يعلم حاجتي إليه. وفي رواية عنه: لقد أسمعت من ناجيت. وقال عمر-﵁: أنا أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية قال الرسول ﷺ لأبي بكر: ارفع قليلا. وقال لعمر: اخفض قليلا. ذكره الطبري، وغيره، وهذا يعني: أن الآية مدنية، والمعتمد أنها مكية، فيكون ما ذكر من أمر الرسول ﷺ لعمر بالتوسط بين الجهر والإسرار استدلالا بهذه الآية لا سببا لنزولها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. والجهر:
رفع الصوت، والمخافتة: خفضه. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ أي: اطلب، أو اقصد طريقا وسطا بين الجهر، والإسرار. وانظر شرح (بين) في الآية رقم [٤٥] وشرح ﴿سَبِيلاً﴾ في الآية رقم [٤٢].
تنبيه: عبر بالصلاة هنا عن القراءة، كما عبر بالقراءة عن الصلاة في الآية رقم [٧٨] لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر؛ لأن الصلاة تشتمل على قراءة، وركوع، وسجود، فهي من جملة أجزائها، فعبر بالجزء عن الجملة، وبالجملة عن الجزء على عادة العرب في المجاز، وهو كثير. انتهى. قرطبي.
أما بعد؛ فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، إنه وتر، يحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة، وهي: هو الله الذي لا إله
стр. 3271
إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الولي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور».
رواه الطبراني في جامعه.
وقول الرسول ﷺ : «من أحصاها». قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى-: معناه: من حفظها. هكذا فسره البخاري، والأكثرون، ويؤيده: أن في رواية الصحيح «من حفظها دخل الجنّة» وقيل: معناه: من عرف معانيها، وآمن بها. وقيل: معناه: من أحصاها بحسن الرعاية لها، والتخلق بما يمكنه من العمل بمعانيها. انتهى، نقلا عن النووي. هذا؛ والمقيت: المقتدر، فيرجع لمعنى القادر قال تعالى في الآية رقم [٨٥] من سورة (النساء): ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾. وقيل: معناه: من شاهد النجوى، فأجاب، وعلم البلوى، فكشف، واستجاب. وقيل:
هو المتكفل بأرزاق العباد. فيرجع إلى القدرة.
الإعراب: ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اُدْعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر الشرح لتقدير: مفعوله، أو مفعوليه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿اُدْعُوا الرَّحْمنَ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَيًّا:﴾ اسم شرط جازم مفعول به مقدم، والتنوين عوض من المضاف إليه؛ إذ الأصل: أي: هذين الاسمين تدعوا.
و ﴿ما:﴾ زائدة. وقيل: شرطية مؤكدة ل: ﴿أَيًّا﴾. ﴿تَدْعُوا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَسْماءُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْحُسْنى:﴾ صفة له مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: ناهية. ﴿تَجْهَرْ:﴾
стр. 3272
مضارع مجزوم ب: (لا) والفاعل تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلِ..﴾.
إلخ لا محل لها مثلها. ﴿بِصَلاتِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَابْتَغِ:﴾ أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿سَبِيلاً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة التي ذكرتها مرارا. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَابْتَغِ..﴾. إلخ معطوفة على الجمل السابقة لا محل لها أيضا.
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١)﴾
الشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذه الآية رادة على اليهود، والنصارى، والعرب في قولهم أفذاذا: عزير، وعيسى، والملائكة ذرية الله سبحانه. تعالى الله عن أقوالهم! ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ أي: لا شريك له في ملكه، ولا في عبادته. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي:
لم يذل، فيحتاج إلى ولي، ولا ناصر لعزته، وكبريائه. وقال مجاهد: المعنى: لم يحالف أحدا، ولا ابتغى نصر أحد. ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ أي: عظمه تعظيما كاملا، وقدّسه تقديسا تامّا عن أن يكون له ولد، أو شريك، أو ولي، وإذا كان منزها عما ذكر، كان مستوجبا لجميع أنواع المحامد. انتهى.
روى الإمام أحمد في مسنده، عن معاذ الجهني-﵁-عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: «آية العز: الحمد لله الذي...» إلخ وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده-﵃-قال: كان النبي ﷺ إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي..﴾.
إلخ. وقال عبد الحميد بن واصل: سمعت عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ: وقل:
الحمد لله... إلخ كتب الله له من الأجر مثل الأرض والجبال؛ لأن الله تعالى يقول فيمن زعم أنّ له ولدا: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا» وجاء في الخبر: أن النبي ﷺ أمر رجلا شكا إليه الدين بأن يقرأ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ..﴾. إلى آخر السورة، ثم يقول: توكلت على الحي الذي لا يموت ثلاث مرات. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿وَقُلِ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».
﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ثابت لله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ل: ﴿لِلّهِ،﴾ أو بدل منه، أو عطف
стр. 3273
بيان عليه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَتَّخِذْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿وَلَداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لِلّهِ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شَرِيكٌ:﴾ اسمه مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت الفعل تاما ف: ﴿شَرِيكٌ﴾ فاعله، وله متعلقان ب ﴿شَرِيكٌ،﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ، والجملة الفعلية:
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْمُلْكِ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَرِيكٌ﴾ وجملة: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وإعرابها مثل إعراب ما قبلها بلا فارق. ﴿وَكَبِّرْهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (كبّره): أمر، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت»، والهاء: مفعول به. ﴿تَكْبِيراً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:
﴿وَقُلِ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر.
انتهت سورة (الإسراء) بعونه تعالى تفسيرا وإعرابا.
**
стр. 3274
سورة الكهف
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١)﴾
الشرح: قال الخازن-﵀: أثنى الله على نفسه بإنعامه على خلقه، وعلم عباده كيف يثنون عليه، ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم، وهي الإسلام، وما أنزل على عبده محمد ﷺ من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم، وفوزهم. وخص رسول الله ﷺ بالذكر؛ لأن إنزال القرآن، كان نعمة عليه على الخصوص، وعلى سائر الناس على العموم. انتهى. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ أي: لم يجعل فيه شيئا من العوج باختلاف في اللفظ، أو اختلال في المعنى، والعوج بكسر العين، وفتحها، وقد فرق العرب بينهما، فخصوا المكسور بالمعاني، والمفتوح بالأعيان، تقول: في دينه عوج بالكسر، وفي الجدار عوج بالفتح. وقيل: العوج في المعاني كالعوج في الأعيان. وانظر الآية رقم [١٠٧] من سورة (طه) تجد ما يسرك.
стр. 3275
﴿لِلّهِ:﴾ (الله): علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال، ولم يسمّ به أحد سواه. قال تعالى:
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تعلم أحدا تسمى (الله) غير الله، وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٥] من سورة (مريم) ﵍.
الإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ثابت لله، والجملة الاسمية ابتدائية، لا محل لها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جرّ صفة لله، أو بدل منه. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿عَلى عَبْدِهِ:﴾
متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾.
إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عِوَجاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ في محل نصب حال من ﴿الْكِتابَ﴾ والرابط: الواو، والضمير، وأجيز عطفها على جملة الصلة. وقيل: هي معترضة بين الحال ﴿قَيِّماً،﴾ وصاحبها، وهو ﴿الْكِتابَ﴾ وهو ضعيف.
﴿قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢)﴾
الشرح: ﴿قَيِّماً:﴾ مستقيما معتدلا، لا إفراط فيه، ولا تفريط، أو قيما بمصالح العباد، فيكون وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال، أو قيما على الكتب السابقة يشهد بصحتها. انتهى.
بيضاوي. وقرأه العامة بالتشديد، فأصله: قيوما، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، وقرأه أبان بن تغلب: «(قيما)» بكسر القاف وفتح الياء مخففة، فأصله قوما، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦٢] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٥] من سورة (النساء)، والآية رقم [٩٧] من سورة (المائدة) وذكر الاستقامة بعد نفي العوج للتأكيد، وربّ مشهود له بالاستقامة لا يخلو عن أدنى عوج عند السبر، والصفح. هذا؛ وفي «القاموس» وغيره: القيّم على الأمر متوليه، كقيّم الوقف، والقيّم على اليتيم... إلخ، وقيّم المرأة:
زوجها، وأمر قيّم مستقيم، والديانة القيّمة المستقيمة. قال تعالى: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.
﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾ أي: لينذر الذين كفروا عذابا شديدا عاجلا في الدنيا، وعذابا أليما في الآخرة. ﴿مِنْ لَدُنْهُ:﴾ من عند الله تعالى. وانظر شرح (لدن) في الآية رقم [٨٠] من سورة
стр. 3276
(الإسراء). ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. ﴿أَجْراً حَسَناً:﴾ هو الجنة وما فيها من النعيم الدائم الذي لا ينقطع. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩] من سورة (الإسراء).
الإعراب: ﴿قَيِّماً:﴾ حال من ﴿الْكِتابَ،﴾ أو من الضمير في ﴿لِلّهِ،﴾ أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: جعله قيما. وقدره ابن هشام بقوله: (أنزله قيما) على أنّ ﴿قَيِّماً﴾ حال من مفعول الفعل المحذوف، وعلى الأول: فهو من تعدد الحال مختلفا بالأفراد، والجملة، أو من تداخلها. تأمل، وتدبر. وقال أبو حيان: ﴿قَيِّماً﴾ بدل من جملة: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً؛﴾ لأنها في معنى المفرد؛ أي: جعله مستقيما. ﴿لِيُنْذِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الْكِتابَ،﴾ والمفعول الأول: محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿بَأْساً:﴾
مفعول به ثان. ﴿شَدِيداً:﴾ صفة له. ﴿مِنْ لَدُنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل (ينذر) المستتر؛ أي: صادرا من لدنه. وأجيز تعليقهما بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿بَأْساً﴾ وتعليقهما بمحذوف حال من الضمير في ﴿شَدِيداً﴾. و (لدن) مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل (ينذر) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿وَيُبَشِّرَ:﴾ معطوف على ينذر منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿الْكِتابَ﴾. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة ﴿الْمُؤْمِنِينَ،﴾ أو بدل منه. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْراً:﴾ اسمها مؤخر. ﴿حَسَناً:﴾ صفة له، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بكونهم مأجورين... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يبشر). تأمل، وتدبر.
﴿ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً (٤)﴾
الشرح: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً:﴾ مقيمين في ذلك الأجر، وهو دار الخلود لا يموتون، ولا يخرجون منها أبدا. هذا؛ وماكث اسم فاعل من مكث، يمكث بمعنى أقام يقيم، والمصدر:
المكث. قال الكميت يذم ولاة السوء: [الطويل]
فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟
والمكث: بضم الميم، وتكسر، وهذا على أنّه اسم، وأما المصدر، فإن كان فعله من باب:
نصر؛ فهو بضم الميم أيضا، وإن كان من باب كرم؛ فهو بفتح الميم.
стр. 3277
﴿وَيُنْذِرَ:﴾ يخوف بالتهديد، والوعيد. ﴿الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً:﴾ وهم اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا: عيسى ابن الله، ومشركو العرب الذين قالوا:
الملائكة بنات الله. هذا؛ و (الأبد): الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا؛ فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر. هذا؛ وقيد سبحانه المكث بالأبد حتى لا يفهم منه المكث الطويل الذي ينقطع، ولا يدوم.
الإعراب: ﴿ماكِثِينَ:﴾ حال من الضمير في: ﴿لَهُمْ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء.. إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿ماكِثِينَ﴾. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا.
﴿وَيُنْذِرَ:﴾ معطوف على لينذر، منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الكتاب) أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾
اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني: محذوف، تقديره: عذابا شديدا، بخلاف الأول، فإنه حذف منه المفعول الأول: كما رأيت، فقد حذف من كل منهما ما ذكر في الآخر، ومثل هذا يسمى في الكلام احتباكا. ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وجملة: ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها.
﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً (٥)﴾
الشرح: ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: ليس للكافرين الذين يزعمون أن الله اتخذ ولدا، ليس لهم علم بالولد، أو باتخاذه، أو بالقول الذي يفترونه، والمعنى: أنهم يقولونه عن جهل مفرط، وتوهم كاذب، أو تقليد لما سمعوه من أوائلهم من غير علم بالمعنى الذي أرادوا به. أو المعنى:
لا يعرفون الله حق المعرفة، ولو عرفوه لما جوزوا نسبة اتخاذ الولد إليه. ﴿وَلا لِآبائِهِمْ﴾ أي:
وليس لآبائهم علم بما تقوّلوه، وافتروه من قبلهم.
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ أي: عظمت مقالتهم هذه في الكفر لما فيها من التشبيه، والتشريك، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه، ويخلفه إلى غير ذلك من الزيغ والضلال. هذا؛ وجمع ﴿أَفْواهِهِمْ﴾ على الأصل؛ لأن الأصل في: فم: فوه مثل: حوض، وأحواض. ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ أي: قولهم: اتخذ الله ولدا كذب صراح؛ لكونه في غاية الفساد، والبطلان، فكان يجري على لسانهم على سبيل التوهم، والتقليد بدون تعقل، وتفكر، وتدبر. هذا؛ والمراد: ب: ﴿كَلِمَةً﴾ الكلام الكثير. وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇.
وانظر شرح (الكذب) في الآية رقم [١٠٥] من سورة (النحل).
стр. 3278
الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿بِهِ:﴾
متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وأجيز تعليقهما ب: ﴿عِلْمٍ﴾. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها: اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿لِآبائِهِمْ:﴾ معطوفان على ﴿لَهُمْ﴾. ﴿كَبُرَتْ:﴾ ماض محول إلى باب: فعل لإنشاء الذم، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى قولهم: ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ انظر الشرح. ﴿كَلِمَةً:﴾ تمييز، ويقرأ بالرفع على أنها فاعل. ﴿تَخْرُجُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿كَلِمَةً﴾. ﴿مِنْ أَفْواهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَخْرُجُ..﴾. إلخ صفة كلمة على القراءتين فيها، وجملة: ﴿كَبُرَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر. ﴿كَذِباً:﴾ مفعول به، وجاز ذلك؛ لأنه بمعنى: كلام كثير، أو هو صفة مصدر محذوف؛ أي: قولا كذبا، وجملة: ﴿إِنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦)﴾
الشرح: ﴿فَلَعَلَّكَ:﴾ يا محمد. ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ:﴾ مهلك نفسك، وقاتلها. ﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾
من بعدهم، شبهه وإياهم حيث تولوا عنه، وأعرضوا عن دعوته، ولم يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به، وما تداخله من الحزن الشديد على توليهم برجل فارقته أحبته، فهو يتساقط حسرات عليهم، ويهلك نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم. ففي الكلام استعارة تمثيلية، والمراد:
ب: ﴿الْحَدِيثِ﴾ القرآن، كما هو في كثير من الآيات، و (الأسف) المبالغة في الحزن، ولقد أسف يعقوب على فراق ولديه، كما رأيت في الآية رقم [٨٤] من سورة (يوسف) على حبيبنا، وشفيعنا وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. وانظر شرح نفسك في الآية [٥٣] منها أيضا. وانظر شرح الإيمان في الآية رقم [٣٨] من سورة (النحل)، وبخع نفسه: قتلها غما. وقال ذو الرّمة: [الطويل]
ألا أيّهذا الباخع الوجد نفسه... بشيء نحته عن يديه المقادر
الإعراب: ﴿فَلَعَلَّكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لعلك): حرف مشبه بالفعل، والترجي هنا ليس على بابه، بل المقصود من هذا الترجي النهي؛ أي: لا تبخع نفسك؛ أي: لا تهلكها غما على عدم إيمانهم. وقيل: هو للإشفاق على بابها. هذا؛ والفرق بين الترجي، والإشفاق: أن الأول: في المحبوب، والثاني: في المكروه، وما في الآية من هذا القبيل. وقيل: لعل هنا للاستفهام، وهو رأي: الكوفيين، ومثل الآية الآية رقم [٣] من سورة (الشعراء). والكاف
стр. 3279
اسمها. ﴿باخِعٌ:﴾ خبر (لعلّ)، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿نَفْسَكَ:﴾ مفعول به ل: ﴿باخِعٌ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، ولا يعمل اسم الفاعل إلا إذا كان حكاية حال ماضية، كما في الآية رقم [١٨] الآتية، أو كان بمعنى: الحال، أو الاستقبال، ولا يعمل إذا كان بمعنى: الماضي المحض. ﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿باخِعٌ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِهذَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء حرف تنبيه، لا محل له مقحم بين اسم الإشارة والجار. ﴿الْحَدِيثِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، ويقال: صفة له.
﴿أَسَفاً:﴾ مفعول لأجله، أو هو مصدر في موضع الحال من الضمير في ﴿باخِعٌ،﴾ والعامل فيه على الاعتبارين باخع مع تباعد ما بينهما، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ إذ التقدير:
إن لم يؤمنوا... فلا تبخع نفسك عليهم. هذا؛ وقرئ بفتح همزة (أن) على اعتبارها مصدرية، تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لعدم إيمانهم، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿باخِعٌ﴾ أيضا، والجملة الاسمية: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧)﴾
الشرح: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها﴾ أي: ممّا يصلح أن يكون زينة لها، ولأهلها من زخارف الدنيا، وما يستحسن منها، فالمراد: النبات، والأشجار، والأنهار، وفي هذه الأيام:
البناء، وما يتعلق به من تقدم الحضارة، من: كهرباء، وتقدم المواصلات في الأرض، والهواء... إلخ. وقيل: أراد به الرجال خاصة، فهم زينة الأرض. وقيل: أراد به العلماء والصلحاء. وقيل: المراد: جميع ما في الأرض. وهو المعتمد، فإن قيل: أية زينة في الحيات، والعقارب، وجميع الهوام المؤذية، والشياطين من الإنس والجن، فالجواب زينتها تدل على وحدانية الله، وكمال قدرته. انتهى. خازن بتصرف.
﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي: لنعاملهم معاملة المختبر لأحوالهم كيف يعملون، فإن ما خلقه الله في الأرض زينة لها، ولهم، وأسباب، ومواد لوجود بني آدم ومعاشهم، وما تحتاج إليه أعمالهم، ودلائل، وأمارات يستدلون بها، ويستنبطون منها معرفة الواحد الأحد، فيبعثهم ذلك على الإيمان به، وإخلاص العبادة له. فعن عبد الله بن عمر-﵄: أن النبي ﷺ تلا: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ من سورة (هود)، ثم قال: «أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله». هذا؛ والابتلاء الاختبار يكون في الخير، والشر. قال تعالى: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ رقم [١٦٧] من سورة (الأعراف).
стр. 3280
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت النون، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿عَلَى الْأَرْضِ:﴾
متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿زِينَةً:﴾ أجيز اعتباره مفعولا لأجله، وحالا على اعتبار ﴿جَعَلْنا﴾ بمعنى: خلقنا، ومفعولا ثانيا إن كان بمعنى: صيرنا. ﴿لَها:﴾ متعلقان بزينة، أو بمحذوف صفة لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة. وقيل: تعليل للنهي المقصود من الترجي، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿لِنَبْلُوَهُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿أَيُّهُمْ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبره. ﴿عَمَلاً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿(أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)﴾ في محل نصب مفعول به ثان، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلْنا﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿أَيُّهُمْ﴾ اسما موصولا بمعنى: (الذي) و ﴿أَحْسَنُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والجملة الاسمية هذه صلة له، ويكون هذا الموصول في محل نصب بدلا من مفعول ﴿لِنَبْلُوَهُمْ،﴾ تقديره: لنبلو الذي هو أحسن، وعليه فالضمة للبناء، والمعتمد الأول، ويؤيده الآية رقم [٧] من سورة (هود) ﵇.
﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨)﴾
الشرح: (الصعيد): التراب، والصعيد: وجه الأرض مطلقا، وبالأول: فسر الشافعي رحمه تعالى قوله جل ذكره: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ وبالثاني: فسره أبو حنيفة رحمه الله تعالى.
وجمعه: صعد. والصعيد: الطريق، وقد جاء في الحديث: «إياكم والقعود على الصّعدات».
وعن أبي الدرداء-﵁-عن النبي ﷺ . قال: «لو تعلمون ما أعلم؛ لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله، لا تدرون تنجون، أو لا تنجون؟!».
رواه الحاكم وانظر الآية رقم [٤٠]. هذا؛ و (الجرز) الأرض التي لا تنبت شيئا، وجمعها:
أجراز، ويقال: سنة جرز، وسنون أجراز؛ أي: لا مطر فيها، وتكون فيها جدوبة، ويبس، وشدة. قال ذو الرمة يصف إبلا: [الطويل]
طوى النّحز والأجراز ما في بطونها... فما بقيت إلاّ الضّلوع الجراشع
والجروز المرأة الأكول. قال الراجز: [الرجز]
إنّ العجوز خبّة جروزا... تأكل كلّ ليلة قفيزا
هذا؛ ويستشهد بهذا البيت على نصب «إنّ» لاسمها، وخبرها. ورجل جروز: إذا كان لا يبقي شيئا إلا أكله. قال الراجز: [الرجز]
خبّ جروز وإذا جاع بكى... ويأكل التّمر ولا يلقي النّوى
стр. 3281
هذا؛ والجرز، والجرز بمعنى: واحد. هذا؛ والجرز هنا فسرناه بما رأيت، والجرز أيضا الأرض التي جرز نباتها؛ أي: قطع وأزيل، ودليله قوله تعالى في الآية رقم [٢٧] من سورة (السجدة): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ بدليل قوله تعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً﴾ وبالجملة فإن معنى الجرز: هي التي لا تنبت، أو التي أكل نباتها، وهو ما في القاموس المحيط. ومعنى الآية الكريمة: إنا لنعيد ما على الأرض من الزينة ترابا مستويا من الأرض، ونجعله كصعيد أملس لا نبات فيه. وجرزه الزمان: اجتاحه. قال تبع: [الكامل]
لا تسقني بيديك إن لم ألقها... جرزا كأنّ أشاءها مجروز
الإعراب: ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: حرف عطف. إنا: حرف مشبه بالفعل. وانظر الآية السابقة.
﴿لَجاعِلُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (جاعلون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، وفاعله مستتر فيه تقديره: «نحن». ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول ل: ﴿لَجاعِلُونَ؛﴾ لأنه اسم فاعل يعمل عمل فعله. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿صَعِيداً:﴾ مفعول به ثان. ﴿جُرُزاً:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩)﴾
الشرح: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ أي: بل أحسبت؛ أي: أظننت يا محمد أنّ قصة أصحاب الكهف والرقيم، وهذه الهمزة المقدرة للاستفهام الإنكاري مع ملاحظة معنى النهي؛ أي: لا تظن أنها عجب مستغرب دون غيرها من الآيات الدالة على قدرة الله تعالى كخلق السموات، والأرض، أو لا تظن: أنّها أعجب الآيات، بل من الآيات ما هو أعجب، وأعظم منها كخلق السموات والأرض. انتهى. جمل.
هذا؛ و (حسب) من باب: تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين، وكسرها.
والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا-من باب: قتل-بمعنى: أحصيته عددا.
وانظر شرح: (صاحب) أو (أصحاب) في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇، وشرح آيات في الآية رقم [١] من سورة (الحجر).
و ﴿الْكَهْفِ﴾ الغار الواسع في الجبل، فإن لم يتسع؛ فهو غار، والجمع: كهوف، ومن المجاز قولهم: فلان كهف قومه؛ أي: ملجؤهم، وملاذهم، و (الرقيم) هو لوح كتب فيه أسماء أصحاب الكهف، وقصتهم، ثم وضع على باب الكهف، وكان اللوح من رصاص. وقيل: من حجارة، وعن ابن عباس-﵄: إنّ الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف.
стр. 3282
وقال كعب الأحبار: هو اسم للقرية التي خرج منها أصحاب الكهف. وقيل: اسم للجبل الذي فيه أصحاب الكهف. وقيل: هو كلبهم. قال أمية بن أبي الصلت: [الطويل]
وليس بها إلاّ الرقيم مجاورا... وصيدهم، والقوم في الكهف همّد
هذا؛ وانفرد البيضاوي بقوله: وقيل: هم قوم آخرون كانوا ثلاثة خرجوا يرتادون لأهليهم، وذكر حديث الثلاثة الذين، آواهم المبيت إلى غار، وقد ذكره الحافظ المنذري رحمه الله تعالى في كتاب الترغيب، والترهيب في باب الإخلاص، وفي باب بر الوالدين، وغيرهما.
أما (العجب) بفتح العين، والجيم، فهو انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه. وقال الراغب: العجب حالة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة: «أعجبني كذا»: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. هذا؛ والعجب بضم العين وسكون الجيم رؤية النفس، وحقيقته: أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره علما، أو ورعا، أو أدبا، أو غير ذلك، ويعتقد: أن له منزلة لا يدانيه فيها سواه، وهذا هو الكبر الذي يدخل صاحبه جهنم وبئس المصير، وهذا لا يكون إلا من ضعيف الإيمان، وناقص العقل، وميت الضمير، والوجدان الإنساني، ورحم الله من يقول: [البسيط]
ملأى السنابل تنحني بتواضع... والفارغات رءوسهنّ شوامخ
الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿حَسِبْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿أَصْحابَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْكَهْفِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالرَّقِيمِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ آياتِنا:﴾
متعلقان ب: ﴿عَجَباً﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» وجوز تعليقهما بمحذوف خبر (كان) و ﴿عَجَباً﴾ خبر ثان، أو حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسدّ مفعولي (حسب)، وجملة: ﴿أَمْ حَسِبْتَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠)﴾
الشرح: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: نزلوه، وسكنوه، والتجئوا إليه. يقال: أوى إلى منزله من باب: ضرب إذا نزله بنفسه، وسكنه، و ﴿الْفِتْيَةُ:﴾ الشباب، وكانوا سبعة. وانظر الآية
стр. 3283
رقم [٦٢] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ:﴾ أعطنا من عندك. ﴿رَحْمَةً﴾ أي: رحمة من خزائن رحمتك، وجلائل فضلك، وإحسانك، وهب لنا الهداية والنصر على الأعداء. ﴿وَهَيِّئْ لَنا﴾ أي: أصلح لنا، وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء. وانظر: ﴿لَدُنْكَ:﴾
في الآية رقم [٨٠] من سورة (الإسراء).
تنبيه: ملخص قصة أصحاب الكهف: أنهم كانوا شبانا من أشراف الروم مردا، وكانوا سبعة على المعتمد، أرادهم الملك دقيانوس على الشرك، وعبادة الأوثان، كما أجبر أهل المدينة على ذلك، ومن لم يستجب له قتله، فخرج هؤلاء الفتية من مدينتهم خائفين على إيمانهم، واسم مدينتهم: أفسوس عند أهل الروم، واسمها عند العرب: طرسوس، وثبت: أنها في بلاد تركيا اليوم، فلما أمرهم الملك بالشرك ذهب كل واحد منهم إلى بيت أبيه، فأخذ منه زادا، ونفقة، وخرجوا فارين هاربين، حتى أووا إلى كهف في جبل قريب من المدينة، فاختفوا فيه، وصاروا يعبدون الله تعالى، ويأكلون، ويشربون، ويبعثون واحدا منهم خفية ليشتري لهم الطعام من المدينة كلما نفذ زادهم، وهم خائفون من اطلاع أهل المدينة عليهم، فيقتلهم دقيانوس لعدم دخولهم في دينه الفاسد، فجلسوا يوما بعد الغروب يتحدثون، فألقى الله عليهم النوم. وحادثة أصحاب الكهف كانت بعد أن مرج أمر أهل الإنجيل من النصارى، وكثرت فيهم الذنوب والمعاصي، وطغت الملوك؛ حتى عبدوا الأصنام، وذبحوا للطواغيت، وبقيت فيهم بقية على دين المسيح الصحيح متمسكون بعبادة الله وتوحيده، ومن أشدهم تمسكا بعبادة الله هؤلاء الفتية.
وفي الآيات التالية تقف على تفصيل هذه الحادثة وشرحها إن شاء الله تعالى. وانظر ما أذكره تبعا للآية رقم [٢١] الآتية.
الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت أوى... إلخ، وابن هشام يعتبره مفعولا به للفعل المقدر، وأجاز أبو البقاء تعليقه ب: ﴿عَجَباً،﴾ ولا أجيزه، ﴿أَوَى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿الْفِتْيَةُ:﴾ فاعله. ﴿إِلَى الْكَهْفِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْفِتْيَةُ﴾. التقدير: ملتجئين إلى الكهف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿فَقالُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. وانظر إعراب (رب) في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) ﵊. ﴿آتِنا:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به أول. ﴿مِنْ لَدُنْكَ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من
стр. 3284
﴿رَحْمَةً﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية السابقة. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول به ثان، والكلام: ﴿رَبَّنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَوَى..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿وَهَيِّئْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت». ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ أَمْرِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما على مثال ما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿رَشَداً:﴾ مفعول به، وجملة:
﴿وَهَيِّئْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.
﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١)﴾
الشرح: ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ أي: ضربنا عليها حجابا يمنع السماع، بمعنى: أنمناهم إنامة، لا تنبههم فيها الأصوات، فحذف المفعول الذي هو: الحجاب. ﴿سِنِينَ عَدَداً﴾ أي:
أنمناهم سنين كثيرة. قال الزجاج: أي: تعد عددا لكثرتها؛ لأن القليل يعلم مقداره من غير عدد، فإذا كثر عد، فأما قولك: دراهم معدودة فهي على القلة؛ لأنهم كانوا يعدون القليل، ويزنون الكثير، وسيأتي بيان هذه السنين في الآية رقم [٢٥]. هذا؛ وفي قوله: ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ استعارة تبعية، حيث شبهت الإنامة الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان، ثم ذكر المشبه به، وأريد المشبه، ثم اشتق منه الفعل: (ضربنا).
الإعراب: ﴿فَضَرَبْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب «حفظنا» في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر)، والمفعول محذوف كما رأيت في الشرح. ﴿عَلَى آذانِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿فِي الْكَهْفِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال؛ أي: حالة كونهم في الكهف. ﴿سِنِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (ضربنا) أيضا منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿عَدَداً:﴾ صفة ﴿سِنِينَ﴾ وهي بمعنى: معدودة، أو ذوات عدد، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: تعد عددا، وتعود الجملة صفة ل: ﴿سِنِينَ،﴾ وجملة:
﴿فَضَرَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَوَى..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها.
﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أي: أيقظناهم من نومهم. ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي: علم مشاهدة، وذلك أن الله لم يزل عالما، وإنما أراد ما تعلق به العلم، من ظهور الأمر لهم؛ ليزدادوا إيمانا واعتبارا. انتهى. خازن، وهذا ليس مرادا، بل المراد ليعلم الناس ما ذكر بالمشاهدة. ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ أي: المختلفين في شأن أصحاب الكهف. واختلف فيهما أيضا، فقيل: المراد
стр. 3285
بالحزبين: نفس أصحاب الكهف؛ لأنهم لما استيقظوا اختلفوا في مدة لبثهم، كما ستعرفه في الآية رقم [١٩]. وهذا قاله مجاهد. وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم. وقال عطاء عن ابن عباس-﵄: المراد بالحزبين:
الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك، وأصحاب الكهف. وعبارة الخازن: وذلك: أن أهل المدينة اختلفوا في مدة لبثهم في الكهف.
﴿أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً﴾ أي: أضبط، وأحفظ لما مكثوا في كهفهم نياما، واختلف في ﴿أَحْصى﴾ فاعتبره الزجاج والتبريزي أفعل تفضيل، واعتبره الزمخشري، وابن عطية فعلا ماضيا.
قال الزمخشري: فإن قلت: فما تقول فيمن جعله أفعل تفضيل؟ قلت: ليس بالوجه السديد، وذلك: أن بناءه من غير الثلاثي ليس بقياسي. وقال أبو البقاء: وجاء ﴿أَحْصى﴾ على حذف الزيادة، كما جاء: (هو أعطى للمال) و (أولى بالخير). وقال البيضاوي مثله. وقال ابن هشام في المغني: ومن الوهم قول بعضهم في: ﴿أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً:﴾ إنه أفعل تفضيل، فإن الأمد ليس محصيا، بل محصى، وشرط التمييز المنصوب بعد أفعل كونه فاعلا في المعنى، كزيد أكثر مالا، بخلاف مال زيد أكثر مال. هذا؛ و (الأمد) الغاية ومنتهى الشيء، وجمعه: آماد، يقال: طال عليهم الأمد؛ أي: الأجل.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿بَعَثْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَوَى الْفِتْيَةُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿لِنَعْلَمَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: العاقبة، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَيُّ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْحِزْبَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَحْصى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، أو هو ماض كما رأيت، فيكون فاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ،﴾ وعلى اعتباره أفعل التفضيل فاعله أيضا مستتر فيه. ﴿لِما:﴾ اللام: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور، متعلقان ب ﴿أَحْصى،﴾ وجملة: ﴿أَحْصى..﴾.
إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَمَداً،﴾ كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩] هذا؛ وقيل: اللام زائدة، و (ما) موصولة في محل نصب مفعول به لأحصى على اعتباره ماضيا، ومفعول به لفعل محذوف على اعتباره أفعل تفضيل، وهو المعتمد، وجملة: ﴿لَبِثُوا:﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: أحصى الذي لبثوه، وهو ضعيف معنى كما ترى. ﴿أَمَداً:﴾ مفعول ل: ﴿أَحْصى﴾ على اعتبار اللام أصلية، وتمييز على اعتبار اللام
стр. 3286
زائدة، والجملة الاسمية: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ..﴾. في محل نصب مفعول به ل: (نعلم) المعلق عن العمل لفظا، وقد سدت مسد المفعولين، إن كان «علم» من أفعال القلوب.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣)﴾
الشرح: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: نقرأ عليك يا محمد خبر أصحاب الكهف بالصدق. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ أي: شبان. ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أي: الذي خلقهم وأنعم عليهم بنعم كثيرة. ﴿وَزِدْناهُمْ هُدىً:﴾ إيمانا، وبصيرة ويقينا. وقال السدي: زادهم هدى بكلب الراعي حين طردوه، ورجموه مخافة أن ينبح عليهم، وينبه بهم، فرفع الكلب يديه إلى السماء كالداعي، فأنطقه الله، فقال: لم تطردونني؟ لم ترجمونني؟ لم تضربونني؟ فو الله لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه بأربعين سنة، فزادهم الله بذلك هدى. انتهى. قرطبي. والله أعلم بحقيقة ذلك. واختلف في لونه، وفي اسمه اختلافا كبيرا، فذكر ابن عباس-﵄-أن اسمه: قطمير. انتهى.
بعد هذا ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ نخبرك لتخبر قومك، واليهود الذين سألوك عن خبر أصحاب الكهف لعلهم يعتبرون، فيهتدون للإيمان. هذا؛ والقصص: تتبع الأثر، يقال: قص فلان أثر فلان؛ أي:
تتبعه؛ ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول أم موسى: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي:
اتبعي أثره، وإنما سميت الحكاية: قصة؛ لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا.
والنبأ: الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأخبار. وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق: أن يتعرى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ . هذا؛ وفعله يتعدى في الأصل لثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل من (نبأ) غير مضمن معنى أعلم، فلذلك يعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، وهو كثير في كتاب الله تعالى مثل قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾.
هذا؛ و ﴿هُدىً﴾ أصله: «هديا» بضم الهاء وفتح الدال، وتحريك الياء منونة فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف، والتنوين؛ الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: (هدى) وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء المحذوفة الأصلية، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها. وقالوا: «هدا» فلا يوجد ما يدل عليها.
بعد هذا انظر «نا» في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر)، وشرح ﴿الْحَقُّ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] منها، وشرح «زاد، يزيد» في الآية [٤١] منها أيضا. هذا؛ وفي الآية التفات من التكلم إلى الغيبة كما ترى، انظر الآية [٢٢] من سورة (النحل).
стр. 3287
الإعراب: ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نَقُصُّ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿نَبَأَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿نَقُصُّ﴾ أو من مفعوله، وجملة:
﴿نَقُصُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾
حرف مشبه، والهاء اسمها. ﴿فِتْيَةٌ:﴾ خبر (إنّ)، وجملة: ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ في محل رفع صفة فتية، وجملة: ﴿وَزِدْناهُمْ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع صفة مثلها. ﴿هُدىً:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها وقيل: تمييز، ولا وجه له البتة. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر، اقتضاه ما قبلها، فكأنه قيل: ما نبؤهم؟. تأمل.
﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤)﴾
الشرح: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: وقويناها بالصبر على هجر الوطن، والأهل، والمال، والجراءة على إظهار الحق، والرد على دقيانوس الكافر الجبار؛ حيث مثلوا بين يديه، وتوعدهم بالقتل، إن لم يعبدوا الأصنام؛ التي اخترعها وابتدعها. وفيه استعارة تصريحية تبعية؛ لأن الربط هو الشّدّ بالحبل.
وقال ابن عطية: تعلقت الصوفية في القيام والقول بقوله تعالى: ﴿إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال القرطبي: قلت: وهذا تعلق غير صحيح، هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته، وشكروه لما أولاهم من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم، خائفين من قومهم، وهذه سنة الله في الرسل، والأنبياء، والفضلاء، والأولياء، أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام، والرقص بالأكمام، وخاصة في هذا الزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد، والنسوان؟! هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء! وقال الإمام أبو بكر الطّرسوسيّ، وسئل عن مذهب الصوفية، فقال: وأما الرقص، والتواجد، فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار، قاموا يرقصون حوله، ويتواجدون، فهو دين الكفار، وعباد العجل. انتهى. قرطبي. وهذا تحامل على الصوفية كبير.
فقالوا: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ..﴾. إلخ: فيه إخلاص العبادة لله تعالى، وتبرؤ من عبادة الأصنام التي دعا إليها دقيانوس. هذا؛ والشطط: الجور، أو الكذب، أو البعد عن جادة الحق. قال أعشى بني قيس بن ثعلبة: [البسيط]
أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط... كالطّعن يذهب فيه الزيت والفتل
стр. 3288
هذا؛ ودونه: من الدنو، وهو القرب، ومنه: تدوين الكتب؛ لأنه إدناء؛ أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فقال: زيد دون عمرو؛ أي: في الشرف، والسيادة، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد. هذا؛ ويأتي «دون» بمعنى: قدام. قال الشاعر: [الطويل]
تريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
هذا؛ ومثله: أدنى، وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من: دنا، يدنو: إذا قرب، وله معنيان:
أحدهما أن يكون المعنى: ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني: أن يكون بمعنى:
القريب منكم لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أمر الله تعالى؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء حكاية عن قول موسى-﵇-لهم: ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ وقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من دنؤ، يدنؤ، فهو دنئ، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله:
أدون من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري.
الإعراب: ﴿وَرَبَطْنا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿رَبَطْنا):﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿قامُوا﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.
﴿فَقالُوا:﴾ ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والألف للتفريق. وانظر إعراب ﴿دَخَلُوا﴾ في الآية رقم [٥٢] من سورة (الحجر)، والجملة الفعلية مع مقولها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وجملة: ﴿وَرَبَطْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَوَى الْفِتْيَةُ..﴾.
إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿رَبُّنا:﴾ مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبُّ:﴾ خبر المبتدأ، و ﴿رَبُّ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه مثل سابقه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿رَبُّنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿نَدْعُوَا:﴾ مضارع منصوب ب:
﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، ومفعوله الأول: محذوف، إن كان بمعنى:
نسمي، ولا حذف إن كان بمعنى: نعبد. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من إلها كان صفة له... على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩]. ﴿إِلهاً:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿لَنْ نَدْعُوَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿قُلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل... إلخ. ﴿شَطَطاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: قلنا قولا شططا. وقال سيبويه: نصبه على الحال من ضمير مصدر ﴿قُلْنا﴾. وقيل: إنه مفعول ب: ﴿قُلْنا،﴾ لتضمنه معنى الجملة. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وهناك شرط
стр. 3289
محذوف، قدره الجلال-رحمه الله تعالى-بقوله: «لقد قلنا إذا شططا إن دعونا إلها غير الله فرضا» والكلام كله في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً (١٥)﴾
الشرح: ﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً:﴾ هذا الكلام قالوه بحضرة دقيانوس أشاروا إلى أهل مدينتهم، والمقصود هو بالذات؛ لأنه هو الذي أجبر الناس على عبادة الأصنام، ففيه تعريض له. ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ:﴾ على الأصنام، والمراد: على عبادتها، وجمعت الأصنام جمع المذكر العاقل على مثال ما رأيت في الآية رقم [٤٢] من سورة (الإسراء).
﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ:﴾ بحجة قوية ظاهرة على دعواهم. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحد أظلم، وأكفر، وأشقى. ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي: من الذي يختلق الكذب على الله، وذلك بعبادة غيره، ونسبة الشريك إليه.
الإعراب: ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿قَوْمُنَا:﴾ مبتدأ ثان، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿هؤُلاءِ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿قَوْمُنَا﴾ خبرا مفردا عن ﴿هؤُلاءِ،﴾ وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿قَوْمُنَا،﴾ والعامل اسم الإشارة، وهي على تقدير قد قبلها، كما يجوز اعتبار قومنا بدلا من ﴿هؤُلاءِ﴾ أو عطف بيان عليه، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ هي خبر ﴿هؤُلاءِ،﴾ أوجه كلها قوية، وقد مر معنا كثير من ذلك. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف مفعول به ثان قدم على الأول، إن اعتبرت الفعل متعديا لاثنين، وهو بمعنى: صيروا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:
﴿آلِهَةً﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩]. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿يَأْتُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو غير ظاهر. ﴿بِسُلْطانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَيِّنٍ:﴾ صفة (سلطان) والجملة: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا كالجملة الاسمية قبلها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء:
حرف استئناف. (من): اسم استفهام معناه النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿أَظْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِمَّنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ،﴾ و (من) اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿اِفْتَرى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها. ﴿عَلَى﴾
стр. 3290
﴿اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿كَذِباً،﴾ كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩]. ﴿كَذِباً:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَإِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً (١٦)﴾
الشرح: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ..﴾. إلخ: فالمعنى: وقال بعضهم لبعض: اذكروا حين اعتزلتم هؤلاء الكافرين واعتزلتم عبادتهم إلا عبادة الله، فأنتم متمسكون بها. والمراد: بالاعتزال:
اعتزال العقيدة، أو اعتزال الأجسام، وكلاهما قد وقع فعلا. ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ:﴾ التجئوا إلى الكهف، واختبئوا فيه. ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ..﴾. إلخ: يبسط لكم ربكم رحمة من خزائن رحمته في الدنيا، والآخرة. وقال البيضاوي: يبسط الرزق لكم، ويوسع عليكم،. انتهى وليس هذا مرادا هنا فيما أرى. ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً:﴾ يسهل لكم أموركم، وما تحتاجون إليه من أمر الدنيا، والآخرة، و (المرفق) ما يرتفق؛ أي: ما ينتفع به، وإنما قالوا ذلك ثقة بفضل الله، وقوة في رجائهم، لتوكلهم عليه، وصحة يقينهم، وسلامة عقيدتهم. هذا؛ وقرئ: ﴿مِرْفَقاً﴾ بكسر الميم وفتح الفاء، وبالعكس، فقيل: هما بمعنى: واحد، وهو ما يرتفق به، وليس بمصدر.
وقيل: بكسر الميم لليد الجارحة، وبفتحها للأمر، وهو معنوي، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، حكاه الأزهري عن ثعلب. وقال بعضهم: هما لغتان فيما يرتفق به، فأما الجارحة فبكسر الميم فقط. انتهى. جمل. وهو في اليد الموصل بين الساعد والعضد، وجمعه مرافق.
قال تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾.
الإعراب: ﴿وَإِذِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكروا، وقت... إلخ، وهذه الجملة في محل نصب مقول القول. انظر الشرح لتقدير هذا القول. ﴿اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ:﴾ ماض مبني على السكون. والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. هذا؛ واعتبر ابن هشام (إذ) في شذور الذهب حرف تعليل، وقدر الكلام كما يلي: ولأجل اعتزالكم إياهم.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): أجيز فيها اعتبارها موصولة، ونكرة موصوفة، ومصدرية، ونافية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الضمير المنصوب، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: والذي، أو: وشيئا يعبدونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب معطوف على
стр. 3291
الضمير المنصوب، ويكون التقدير: وإذ اعتزلتموهم، وعبادتهم. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اللهَ:﴾
منصوب على الاستثناء، وهو على حذف مضاف؛ إذ التقدير: إلا عبادة الله، وعلى التقديرين فالاستثناء متصل على تقدير كونهم مشركين كأهل مكة، ومنقطع على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان، وعلى اعتبار (ما) نافية فإنه إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد، وتكون الجملة معترضة بين إذ وجوابها. ﴿فَأْوُوا:﴾ الفاء: قال الفراء: واقعة في جواب (إذ)، كما تقول: إذ فعلت فافعل كذا. وقيل: دليل على جوابه، التقدير: إذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف. انتهى. وهذا يفيد أن (إذ) شرطية، مع أنها بدون (ما) لا تقع شرطية، بل تكون ظرفية، أو تعليلية، وقد نقل السيوطي في «همع الهوامع» أنه قول ضعيف لبعض النحاة، أو يقال: هو تسمّح؛ لأنه بمعناه. انتهى. جمل.
﴿فَأْوُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا فعلتم ما فعلتم من الاعتزال فأووا، وبعضهم يعتبرها حرف عطف، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، (اؤووا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَى الْكَهْفِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها حسب ما رأيت الكلام في الفاء المقترنة بها. ﴿يَنْشُرْ:﴾
مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط مقدر. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان به.
﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَنْشُرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء. ﴿وَيُهَيِّئْ:﴾ معطوف على ﴿يَنْشُرْ﴾ مجزوم، والفاعل يعود إلى ربكم. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ أَمْرِكُمْ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مِرْفَقاً،﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩] ﴿مِرْفَقاً:﴾ مفعول به.
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَّزوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧)﴾
الشرح: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ..﴾. إلخ: قيل هنا ثلاث جمل محذوفة، تقديرها فأووا إلى الكهف، وناموا، وأجاب الله دعاءهم حيث قالوا: ﴿رَبَّنا آتِنا..﴾. إلخ. والخطاب للنبي ﷺ ، أو لكل أحد، وليس المراد: أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى، ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو، ومعناه أنك لو رأيتهم لرأيت الشمس. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ:﴾ تتنحى وتميل، وقرئ: «(تزور)»، و «(تزّاور)»، و «(تزّوارّ)» وكلها بمعنى: الميل، والإعراب لا يتغير. ﴿ذاتَ الْيَمِينِ:﴾ جهة اليمين. ﴿وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ:﴾ تتركهم، وتدعهم.
стр. 3292
والمعنى: أنهم كانوا لا تصيبهم الشمس البتة كرامة لهم، وهو قول ابن عباس-﵄-يعني: أن الشمس إذا طلعت؛ مالت عن كهفهم ذات اليمين؛ أي: يمين الكهف وإذا غربت؛ تمر بهم جهة الشمال؛ أي: شمال الكهف، فلا تصيبهم في ابتداء النهار، ولا في آخره، وكان كهفهم مستقبل بنات نعش في أرض الروم، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة وجارية، لا تبلغهم لتؤذيهم بحرها، وتغير ألوانهم، وتبلي ثيابهم، وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من آيات الله دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك. انتهى قرطبي بتصرف.
﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ:﴾ وهم في متسع من الكهف؛ أي: في وسطه بحيث ينالهم روح الهواء، ولا يؤذيهم كرب الغار، ولا حر الشمس، فيقع شعاعها على جانبيه، فيحلل عفونته، ويعدل هواءه.
﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ أي: ما فعل الله بأصحاب الكهف كل ذلك من عجائب قدرته، ودلائل عظمته. ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ أي: من هداه الله للإيمان، فهو الذي أصاب الفلاح والنجاح، والمراد: به إما الثناء على أصحاب أهل الكهف، أو التنبيه على أنّ أمثال هذه الآيات كثيرة، ولكن المنتفع بها من وفقه الله تعالى للتأمل فيها، والاستبصار بها. وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء). ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ أي: ومن سبق له في حكم الله الأزلي، وتقديره الأبدي بالضلال، والجهل، فلا يوجد له نصير، أو حبيب يرشده إلى الإيمان، ولا يجدي معه وعظ، ولا نصح، ولا إرشاد مهما قدمت له من البراهين، ومهما ضربت له من الأمثلة والحجج. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد).
تنبيه: ذكر الخازن: أن الملك الظالم الذي فروا منه بنى على باب الكهف سدا. وقال:
لكي يموتوا جوعا وعطشا، وأن هذا السد استمر عليهم مدة لبثهم نياما، وأن الملك الصالح اجتمع بهم حين تيقظوا، وبنى على باب الغار مسجدا بعد موتهم، وصريح هاتين الآيتين يرد هذا؛ ويبطله؛ إذ لو كان باب الغار قد سد، كما ذكر لم يستقم قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ..﴾.
إلخ فليتأمل ويحرر. انتهى. جمل. هذا؛ و ﴿تَزاوَرُ﴾ أصله: تتزاور، فحذفت إحدى التاءين، وهو كثير ومستعمل في الآيات القرآنية.
بعد هذا انظر شرح: ﴿الشَّمْسَ﴾ في الآية رقم [٣٣] من سورة (إبراهيم) ﵇، أما ﴿ذاتَ﴾ فقد أتت في هذه الآية والتي بعدها بمعنى: الجهة. وانظر معناها بغير ذلك في الآية رقم [١] من سورة (الأنفال)، أو الآية رقم [٢] من سورة (الحج) إن شاء الله تعالى. وانظر شرح (الله) في الآية رقم [١] وإعلال (تجد) مثل إعلال (تزر) في الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء).
وانظر شرح «وليا» في الآية رقم [٦٣] من سورة (النحل).
أمّا (ترى) فماضيه: رأى، والقياس ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته كما في قول سراقة بن مرداس البارقي: [الوافر]
أري عينيّ ما لا ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات
стр. 3293
وربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ و ﴿إِذا رَأَيْتَ﴾ إلخ «(أريتكم)» و «(أريت)» بدون همز. وقال الشاعر: [الخفيف]
صاح هل ريت، أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟
وإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال ترى: أصله ترأي قلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف.
الإعراب: ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف. (ترى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الشَّمْسَ:﴾ مفعول به.
﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، أو بالفعل بعده.
﴿طَلَعَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى الشمس، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿تَزاوَرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الشمس، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الشمس. هذا؛ وقيل: إذا شرطية وعليه ف: ﴿طَلَعَتْ﴾ شرطها، و (تزاور) جوابها، و (إذا) ومدخولها في محل نصب حال من الشمس، وهو ضعيف جدا؛ لأن ﴿إِذا﴾ للمستقبل. تأمل. ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿ذاتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿ذاتَ:﴾ مضاف، و ﴿الْيَمِينِ:﴾ مضاف إليه ﴿وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.
﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿فِي فَجْوَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَجْوَةٍ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿آياتِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك، و ﴿مِنْ آياتِ اللهِ﴾ حالا، والأول: أقوى، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ..﴾. إلخ انظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء) ففيها الكفاية؛ لأنها مثلها شرحا، وقراءة وإعرابا، والله أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ولكل واحد. وانظر (حسب) في الآية رقم [٩].
﴿أَيْقاظاً:﴾ جمع: يقظ، ويقظان؛ أي: منتبهين؛ لأن عيونهم مفتحة. ﴿وَهُمْ رُقُودٌ:﴾ نيام
стр. 3294
جمع: راقد، مثل: راكع، وركوع، وساجد، وسجود، وقاعد، وقعود، وفي هذه الجملة طباق، ومقابلة بين أيقاظ و ﴿رُقُودٌ،﴾ وتشبيه مأخوذ من معنى (تحسب) فقد شبه الله أهل الكهف في حال نومهم بالأيقاظ، فقد جاءت أداة التشبيه هنا فعلا من أفعال الشك على حد قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ الآية رقم [١٩] من سورة (الإنسان). وقوله تعالى:
﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ الآية رقم [٤٤] من سورة (النمل). ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ..﴾. إلخ: أي: على جنوبهم؛ لئلا تأكل الأرض ما يليها من أجسامهم، وإن الله قادر على حفظهم من غير تقليب، ولكن جعل لكل شيء سببا في أغلب الأحوال. وقيل: إنهم كانوا يقلبون في كل سنة مرة.
وقيل: يقلبون مرّتين في العام. وقيل: غير ذلك، وظاهر كلام المفسرين: أن التقليب من فعل الله، ويجوز أن يكون من فعل ملك بأمر الله، وكلّه من فعل الله، أو أمره.
﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ أي: نائم، وماد ذراعيه بفناء الكهف، أو ببابه، أو بعتبته قال أمية بن أبي الصلت: [الطويل]
وليس بها إلاّ الرّقيم مجاورا... وصيدهم، والقوم في الكهف همّد
وكانوا إذا انقلبوا انقلب معهم، وهو مثلهم في صفة النوم، فلما ناموا نام معهم، ولما استيقظوا استيقظ معهم، ولما ماتوا مات معهم، وهو من الحيوانات التي تدخل الجنة، مثل كبش إسماعيل، وناقة صالح-عليهما الصلاة والسّلام-، وكذا كبش هابيل، وحمار عزير-﵉. هذا؛ وقالت فرقة: لم يكن كلبا حقيقة، وإنما كان أحدهم، وكان قد قعد عند باب الغار طليعة لهم، كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا؛ لأنه منها كالكلب من الإنسان ويقال له:
كلب الجبار. وهو ضعيف، ولا يعتدّ به.
﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً﴾ أي: لو نظرت إليهم؛ لهربت منهم. ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ أي: خوفا يملأ صدرك لما ألبسهم الله من الهيبة، أو لوحشة مكانهم، وكان الله آواهم إلى هذا المكان الموحش في الظاهر؛ لينفر الناس منهم. وقيل: الفرار، والرعب لطول شعورهم، وأظفارهم، وهذا بعيد؛ لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض: (لبثنا يوما، أو بعض يوم) وهذا يدل على أنّ أشعارهم كانت بحالها إلا أن يقال: إنما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أظفارهم وشعورهم. قال ابن عطية: والصحيح من أمرهم: أن الله حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها؛ لتكون لهم، ولغيرهم فيهم آية، فلم يبل لهم ثوب، ولم تغير لهم صفة، ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم. هذا؛ وقرئ «(لملئت)» بتخفيف اللام مع ضم العين وسكونها في (رعبا) وتشديد اللام مع تسكين العين فقط، فالقراءات ثلاث سبعية.
تنبيه: روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس-﵃. قال: غزونا مع معاوية نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء
стр. 3295
نظرنا إليهم. فقال ابن عباس: قد منع الله من هو خير منك، وأراد سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، فقال له: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ فلم يسمع، وبعث ناسا، فلما دخلوا بعث الله عليهم ريحا، فأخرجتهم، وفي رواية فأحرقتهم، فظن معاوية أن هذا المعنى، وهو امتناع الاطلاع عليهم مختص بذلك الزمان الذي قبل بعثهم، وأما ابن عباس-﵄-فعلم:
أن ذلك عام في جميع الأوقات. انتهى جمل.
تنبيه: قال ابن عطية: وحدثني أبي-﵁-قال: سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر، يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل، وصحبهم، فذكره الله في محكم تنزيله.
قلت: إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته، ومخالطته الصلحاء والأولياء، حتى أخبر الله بذلك في كتابه جل وعلا، فما ظنك بالمؤمنين الموحّدين، المخالطين، المحبين للأولياء والصالحين، بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال، والمحبين للنبي ﷺ ، وآله خير آل.
روي في الصحيح عن أنس بن مالك-﵁-قال: بينما أنا ورسول الله ﷺ خارجان من المسجد، فلقينا رجل عند سدة باب المسجد، فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: «ما أعددت لها؟». قال: فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله! ما أعددت لها كثير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولكني أحب الله، ورسوله. قال: «فأنت مع من أحببت». قال أنس ﵁، فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ : «فأنت مع من أحببت». ثم قال: أنا أحب الله، ورسوله، وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم؛ وإن لم أعمل بأعمالهم.
قلت: وهذا الذي قاله أنس، وتمسك به يشمل من المسلمين كل ذي نفس، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك، وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن، وإن كنا غير مستأهلين، كلب أحب قوما، فذكره الله معهم، فكيف بنا، وعندنا عقد الإيمان، وكلمة الإسلام، وحب النبي ﷺ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ الآية. انتهى. قرطبي بحروفه. أقول: وخذ قول الإمام أحمد بن حنبل ﵁-مخاطبا الشافعي-﵁: [الوافر]
أحبّ الصّالحين ولست منهم... لعلّي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من بضاعته المعاصي... وإن كنّا سواء في البضاعه
عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من اتّخذ كلبا إلاّ كلب ماشية، أو صيد، أو زرع، انتقص من أجره كلّ يوم قيراط». رواه البخاري، فدل هذا على جواز اقتناء الكلب لما ذكر، من غير أن ينقص من أجر من اقتناه لذلك شيء، أما النقص في أجر من يقتنيه لغير منفعة،
следующие страницы →