← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

الضمير المنصوب، ويكون التقدير: وإذ اعتزلتموهم، وعبادتهم. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على الاستثناء، وهو على حذف مضاف؛ إذ التقدير: إلا عبادة الله، وعلى التقديرين فالاستثناء متصل على تقدير كونهم مشركين كأهل مكة، ومنقطع على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان، وعلى اعتبار (ما) نافية فإنه إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد، وتكون الجملة معترضة بين إذ وجوابها. ﴿فَأْوُوا:﴾ الفاء: قال الفراء: واقعة في جواب (إذ)، كما تقول: إذ فعلت فافعل كذا. وقيل: دليل على جوابه، التقدير: إذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف. انتهى. وهذا يفيد أن (إذ) شرطية، مع أنها بدون (ما) لا تقع شرطية، بل تكون ظرفية، أو تعليلية، وقد نقل السيوطي في «همع الهوامع» أنه قول ضعيف لبعض النحاة، أو يقال: هو تسمّح؛ لأنه بمعناه. انتهى. جمل. ﴿فَأْوُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا فعلتم ما فعلتم من الاعتزال فأووا، وبعضهم يعتبرها حرف عطف، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، (اؤووا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَى الْكَهْفِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها حسب ما رأيت الكلام في الفاء المقترنة بها. ﴿يَنْشُرْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط مقدر. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَنْشُرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء. ﴿وَيُهَيِّئْ:﴾ معطوف على ﴿يَنْشُرْ﴾ مجزوم، والفاعل يعود إلى ربكم. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ أَمْرِكُمْ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مِرْفَقاً،﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩] ﴿مِرْفَقاً:﴾ مفعول به. ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَّزوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧)﴾ الشرح: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ..﴾. إلخ: قيل هنا ثلاث جمل محذوفة، تقديرها فأووا إلى الكهف، وناموا، وأجاب الله دعاءهم حيث قالوا: ﴿رَبَّنا آتِنا..﴾. إلخ. والخطاب للنبي ﷺ ، أو لكل أحد، وليس المراد: أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى، ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو، ومعناه أنك لو رأيتهم لرأيت الشمس. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ:﴾ تتنحى وتميل، وقرئ: «(تزور)»، و «(تزّاور)»، و «(تزّوارّ)» وكلها بمعنى: الميل، والإعراب لا يتغير. ﴿ذاتَ الْيَمِينِ:﴾ جهة اليمين. ﴿وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ:﴾ تتركهم، وتدعهم.

стр. 3292

والمعنى: أنهم كانوا لا تصيبهم الشمس البتة كرامة لهم، وهو قول ابن عباس-﵄-يعني: أن الشمس إذا طلعت؛ مالت عن كهفهم ذات اليمين؛ أي: يمين الكهف وإذا غربت؛ تمر بهم جهة الشمال؛ أي: شمال الكهف، فلا تصيبهم في ابتداء النهار، ولا في آخره، وكان كهفهم مستقبل بنات نعش في أرض الروم، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة وجارية، لا تبلغهم لتؤذيهم بحرها، وتغير ألوانهم، وتبلي ثيابهم، وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من آيات الله دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك. انتهى قرطبي بتصرف. ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ:﴾ وهم في متسع من الكهف؛ أي: في وسطه بحيث ينالهم روح الهواء، ولا يؤذيهم كرب الغار، ولا حر الشمس، فيقع شعاعها على جانبيه، فيحلل عفونته، ويعدل هواءه. ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ أي: ما فعل الله بأصحاب الكهف كل ذلك من عجائب قدرته، ودلائل عظمته. ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ أي: من هداه الله للإيمان، فهو الذي أصاب الفلاح والنجاح، والمراد: به إما الثناء على أصحاب أهل الكهف، أو التنبيه على أنّ أمثال هذه الآيات كثيرة، ولكن المنتفع بها من وفقه الله تعالى للتأمل فيها، والاستبصار بها. وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء). ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ أي: ومن سبق له في حكم الله الأزلي، وتقديره الأبدي بالضلال، والجهل، فلا يوجد له نصير، أو حبيب يرشده إلى الإيمان، ولا يجدي معه وعظ، ولا نصح، ولا إرشاد مهما قدمت له من البراهين، ومهما ضربت له من الأمثلة والحجج. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد). تنبيه: ذكر الخازن: أن الملك الظالم الذي فروا منه بنى على باب الكهف سدا. وقال: لكي يموتوا جوعا وعطشا، وأن هذا السد استمر عليهم مدة لبثهم نياما، وأن الملك الصالح اجتمع بهم حين تيقظوا، وبنى على باب الغار مسجدا بعد موتهم، وصريح هاتين الآيتين يرد هذا؛ ويبطله؛ إذ لو كان باب الغار قد سد، كما ذكر لم يستقم قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ..﴾. إلخ فليتأمل ويحرر. انتهى. جمل. هذا؛ و ﴿تَزاوَرُ﴾ أصله: تتزاور، فحذفت إحدى التاءين، وهو كثير ومستعمل في الآيات القرآنية. بعد هذا انظر شرح: ﴿الشَّمْسَ﴾ في الآية رقم [٣٣] من سورة (إبراهيم) ﵇، أما ﴿ذاتَ﴾ فقد أتت في هذه الآية والتي بعدها بمعنى: الجهة. وانظر معناها بغير ذلك في الآية رقم [١] من سورة (الأنفال)، أو الآية رقم [٢] من سورة (الحج) إن شاء الله تعالى. وانظر شرح (الله) في الآية رقم [١] وإعلال (تجد) مثل إعلال (تزر) في الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء). وانظر شرح «وليا» في الآية رقم [٦٣] من سورة (النحل). أمّا (ترى) فماضيه: رأى، والقياس ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته كما في قول سراقة بن مرداس البارقي: [الوافر] أري عينيّ ما لا ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات

стр. 3293

وربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ و ﴿إِذا رَأَيْتَ﴾ إلخ «(أريتكم)» و «(أريت)» بدون همز. وقال الشاعر: [الخفيف] صاح هل ريت، أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟ وإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال ترى: أصله ترأي قلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف. الإعراب: ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف. (ترى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الشَّمْسَ:﴾ مفعول به. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، أو بالفعل بعده. ﴿طَلَعَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى الشمس، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿تَزاوَرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الشمس، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الشمس. هذا؛ وقيل: إذا شرطية وعليه ف: ﴿طَلَعَتْ﴾ شرطها، و (تزاور) جوابها، و (إذا) ومدخولها في محل نصب حال من الشمس، وهو ضعيف جدا؛ لأن ﴿إِذا﴾ للمستقبل. تأمل. ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ذاتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿ذاتَ:﴾ مضاف، و ﴿الْيَمِينِ:﴾ مضاف إليه ﴿وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي فَجْوَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَجْوَةٍ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿آياتِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك، و ﴿مِنْ آياتِ اللهِ﴾ حالا، والأول: أقوى، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ..﴾. إلخ انظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء) ففيها الكفاية؛ لأنها مثلها شرحا، وقراءة وإعرابا، والله أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨)﴾ الشرح: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ولكل واحد. وانظر (حسب) في الآية رقم [٩]. ﴿أَيْقاظاً:﴾ جمع: يقظ، ويقظان؛ أي: منتبهين؛ لأن عيونهم مفتحة. ﴿وَهُمْ رُقُودٌ:﴾ نيام

стр. 3294

جمع: راقد، مثل: راكع، وركوع، وساجد، وسجود، وقاعد، وقعود، وفي هذه الجملة طباق، ومقابلة بين أيقاظ و ﴿رُقُودٌ،﴾ وتشبيه مأخوذ من معنى (تحسب) فقد شبه الله أهل الكهف في حال نومهم بالأيقاظ، فقد جاءت أداة التشبيه هنا فعلا من أفعال الشك على حد قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ الآية رقم [١٩] من سورة (الإنسان). وقوله تعالى: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ الآية رقم [٤٤] من سورة (النمل). ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ..﴾. إلخ: أي: على جنوبهم؛ لئلا تأكل الأرض ما يليها من أجسامهم، وإن الله قادر على حفظهم من غير تقليب، ولكن جعل لكل شيء سببا في أغلب الأحوال. وقيل: إنهم كانوا يقلبون في كل سنة مرة. وقيل: يقلبون مرّتين في العام. وقيل: غير ذلك، وظاهر كلام المفسرين: أن التقليب من فعل الله، ويجوز أن يكون من فعل ملك بأمر الله، وكلّه من فعل الله، أو أمره. ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ أي: نائم، وماد ذراعيه بفناء الكهف، أو ببابه، أو بعتبته قال أمية بن أبي الصلت: [الطويل] وليس بها إلاّ الرّقيم مجاورا... وصيدهم، والقوم في الكهف همّد وكانوا إذا انقلبوا انقلب معهم، وهو مثلهم في صفة النوم، فلما ناموا نام معهم، ولما استيقظوا استيقظ معهم، ولما ماتوا مات معهم، وهو من الحيوانات التي تدخل الجنة، مثل كبش إسماعيل، وناقة صالح-عليهما الصلاة والسّلام-، وكذا كبش هابيل، وحمار عزير-﵉. هذا؛ وقالت فرقة: لم يكن كلبا حقيقة، وإنما كان أحدهم، وكان قد قعد عند باب الغار طليعة لهم، كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا؛ لأنه منها كالكلب من الإنسان ويقال له: كلب الجبار. وهو ضعيف، ولا يعتدّ به. ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً﴾ أي: لو نظرت إليهم؛ لهربت منهم. ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ أي: خوفا يملأ صدرك لما ألبسهم الله من الهيبة، أو لوحشة مكانهم، وكان الله آواهم إلى هذا المكان الموحش في الظاهر؛ لينفر الناس منهم. وقيل: الفرار، والرعب لطول شعورهم، وأظفارهم، وهذا بعيد؛ لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض: (لبثنا يوما، أو بعض يوم) وهذا يدل على أنّ أشعارهم كانت بحالها إلا أن يقال: إنما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أظفارهم وشعورهم. قال ابن عطية: والصحيح من أمرهم: أن الله حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها؛ لتكون لهم، ولغيرهم فيهم آية، فلم يبل لهم ثوب، ولم تغير لهم صفة، ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم. هذا؛ وقرئ «(لملئت)» بتخفيف اللام مع ضم العين وسكونها في (رعبا) وتشديد اللام مع تسكين العين فقط، فالقراءات ثلاث سبعية. تنبيه: روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس-﵃. قال: غزونا مع معاوية نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء

стр. 3295

نظرنا إليهم. فقال ابن عباس: قد منع الله من هو خير منك، وأراد سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، فقال له: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ فلم يسمع، وبعث ناسا، فلما دخلوا بعث الله عليهم ريحا، فأخرجتهم، وفي رواية فأحرقتهم، فظن معاوية أن هذا المعنى، وهو امتناع الاطلاع عليهم مختص بذلك الزمان الذي قبل بعثهم، وأما ابن عباس-﵄-فعلم: أن ذلك عام في جميع الأوقات. انتهى جمل. تنبيه: قال ابن عطية: وحدثني أبي-﵁-قال: سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر، يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل، وصحبهم، فذكره الله في محكم تنزيله. قلت: إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته، ومخالطته الصلحاء والأولياء، حتى أخبر الله بذلك في كتابه جل وعلا، فما ظنك بالمؤمنين الموحّدين، المخالطين، المحبين للأولياء والصالحين، بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال، والمحبين للنبي ﷺ ، وآله خير آل. روي في الصحيح عن أنس بن مالك-﵁-قال: بينما أنا ورسول الله ﷺ خارجان من المسجد، فلقينا رجل عند سدة باب المسجد، فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: «ما أعددت لها؟». قال: فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله! ما أعددت لها كثير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولكني أحب الله، ورسوله. قال: «فأنت مع من أحببت». قال أنس ﵁، فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ : «فأنت مع من أحببت». ثم قال: أنا أحب الله، ورسوله، وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم؛ وإن لم أعمل بأعمالهم. قلت: وهذا الذي قاله أنس، وتمسك به يشمل من المسلمين كل ذي نفس، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك، وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن، وإن كنا غير مستأهلين، كلب أحب قوما، فذكره الله معهم، فكيف بنا، وعندنا عقد الإيمان، وكلمة الإسلام، وحب النبي ﷺ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ الآية. انتهى. قرطبي بحروفه. أقول: وخذ قول الإمام أحمد بن حنبل ﵁-مخاطبا الشافعي-﵁: [الوافر] أحبّ الصّالحين ولست منهم... لعلّي أن أنال بهم شفاعة وأكره من بضاعته المعاصي... وإن كنّا سواء في البضاعه عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من اتّخذ كلبا إلاّ كلب ماشية، أو صيد، أو زرع، انتقص من أجره كلّ يوم قيراط». رواه البخاري، فدل هذا على جواز اقتناء الكلب لما ذكر، من غير أن ينقص من أجر من اقتناه لذلك شيء، أما النقص في أجر من يقتنيه لغير منفعة،

стр. 3296

إما لترويع الكلب المسلمين، أو تشويشه عليهم بنباحه، أو لمنع دخول الملائكة البيت، أو لنجاسته العينية، وذكرت في الآية رقم [٥] من سورة (المائدة) شروط اقتناء كلب الصيد، وحل صيده. هذا؛ ومن خاف الكلب فليقرأ: ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ فإنه يأمن شره. الإعراب: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (تحسبهم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿أَيْقاظاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ..﴾. إلخ، وما بينهما اعتراض، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ:﴾ مضارع والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿ذاتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿ذاتَ:﴾ مضاف، و ﴿الْيَمِينِ﴾ مضاف إليه، ﴿وَذاتَ الشِّمالِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ونحن نقلبهم، والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها. هذا؛ ويقرأ: «(وتقلّبهم)» بضم اللام وفتح الباء على أنه مصدر مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وترى تقلبهم، وعليه فالجملة فعلية وهي معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. ﴿وَكَلْبُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿باسِطٌ:﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذِراعَيْهِ:﴾ مفعول به لباسط منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى... إلخ وحذفت النون للإضافة والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْوَصِيدِ:﴾ متعلقان بباسط، أو بمحذوف حال من ذراعيه؛ أي: ممدودة بالوصيد، وعمل باسط مع كونه للماضي؛ لأنه حال محكية كما في الآية رقم [٦] فهو بمعنى: يبسط ذراعيه بدليل: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ ولم يقل: قلبناهم، وبهذا يندفع قول الكسائي، وابن هشام: إن اسم الفاعل الذي بمعنى: الماضي يعمل، ومعنى الحكاية: أنه يقدر الهيئة الواقعة في الزمن الماضي واقعة في حال التكلم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محل لها. لو: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿اِطَّلَعْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَوَلَّيْتَ:﴾ اللام واقعة في جواب (لو). (وليت): فعل، وفاعل، والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فِراراً:﴾ نائب مفعول مطلق؛ لأن «ولى» بمعنى: «فر». وقيل: هو مصدر في موضع الحال، وأجيز اعتباره مفعولا لأجله، وهو ضعيف، وأضعف منه اعتباره تمييزا، و ﴿لَوِ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. (ملئت): ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رُعْباً:﴾ تمييز. وقيل: مفعول به ثان، والأول: أقوى.

стр. 3297

﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩)﴾ الشرح: ﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ أي: أيقظناهم من نومهم الطويل، والمعنى: كما أنمناهم في الكهف، وحفظنا أجسامهم، بل وثيابهم من البلى على طول الزمان؛ بعثناهم من النومة التي تشبه الموت على ما كانوا عليه من هيئتهم في ثيابهم وأحوالهم. ﴿لِيَتَساءَلُوا:﴾ ليسأل بعضهم بعضا، فاللام للصيرورة والعاقبة، وليست للتعليل، فبعثهم لم يكن لأجل تساؤلهم. ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ:﴾ هو رئيسهم وكبيرهم: مكسلمينا. ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ أي: كم كان نومكم، وذلك: أنهم شعروا بطول نومهم. ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ:﴾ وذلك؛ لأنهم دخلوا الكهف أول النهار، وأيقظهم الله في آخره. ﴿قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ:﴾ قيل: إن رئيسهم لما سمع الاختلاف بينهم في مدة اللبث هو الذي قال: ربكم أعلم... إلخ. ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ:﴾ يعني: تمليخا، وهو الذي كان يأتيهم بالطعام كلما نفد زادهم قبل نومهم. ﴿بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ:﴾ الورق: الفضة مضروبة كانت، أو غير مضروبة، واسم المدينة: طرسوس كما تقدم. هذا؛ وقال أحد الكتاب المفلسين من المال يخاطب الله تعالى: [البسيط] أعطيتني ورقا لم تعطني ورقا... قل لي بلا ورق ما تنفع الحكم؟ فخذ من العلم شطرا واعطني ورقا... ولا تكلني إلى من جوده عدم فأجيب هذا القائل من هاتف يهتف به، ويقول: [البسيط] لو كنت ذا حكم لم تعترض حكما... عدلا خبيرا له في خلقه قسم هلاّ نظرت بعين الفكر معتبرا... في معدم ما له مال، ولا حكم وأنا من جانبي أتمثل بقول القائل: [الوافر] رضينا قسمة الجبّار فينا... لنا علم وللجهّال مال ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً﴾ أي: أحل طعاما. وقيل: أمروه أن يطلب ذبيحة مؤمن، ولا تكون ذبيحة من يذبح لغير الله، وكان فيهم مؤمنون يخفون إيمانهم. وقيل: أطيب طعاما، وأجوده. وقيل: أكثر طعاما، وأرخصه. ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ أي: قوت، وطعام تأكلونه. ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ:﴾

стр. 3298

وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة؛ حتى لا يغبن، أو في أمر التخفي؛ حتى لا يعرف. ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً:﴾ ولا يخبرن، ولا يعلمن بكم أحدا. تنبيه: قال النسفي وغيره: وفي حملهم الورق عند فرارهم دليل على أنّ حمل النفقة، وما يصلح للسفر هو رأي: المتوكلين على الله، دون المتكلين على الاتفاقات، وعلى ما في أوعية القوم من النفقات. وعن بعض العلماء: أنه كان شديد الحنين إلى بيت الله، ويقول: ما لهذا السفر إلا شيئان: شدّ الهميان، والتوكل على الرحمن. انتهى. والهميان: كيس تجعل فيه الدراهم، ويشد على الوسط، وجمعه: همايين، وهو أعجمي معرب. الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف (كذلك) الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: بعثناهم بعثا كائنا مثل هدايتنا لهم، وإيوائهم إلى الكهف، وإنامتهم فيه تلك المدة المتطاولة. ﴿بَعَثْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والكلام مستأنف كله. ﴿لِيَتَساءَلُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام الصيرورة، أو العاقبة، وبعضهم يعتبرها لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلى اعتبار اللام للتعليل يكون المعنى: بعثناهم ليسأل بعضهم بعضا، فيتعرفوا حالهم، وما صنع الله بهم، فيزدادوا يقينا على كمال قدرة الله تعالى، ويستبصروا أمر البعث، ويشكروا ما أنعم به عليهم. انتهى بيضاوي. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿قائِلٌ:﴾ فاعله، وفيه ضمير مستتر هو فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بقائل، أو بمحذوف صفة له. ﴿كَمْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بما بعده، والمميز محذوف لدلالة الجواب عليه، التقدير: كم يوما. ﴿لَبِثْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَبِثْنا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿يَوْماً:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿بَعْضَ:﴾ ظرف زمان معطوف على ما قبله، و ﴿بَعْضَ:﴾ مضاف، و ﴿يَوْمٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَبِثْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله... إلخ. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر وجوبا تقديره: «هو». وهو على غير بابه.

стр. 3299

﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، التقدير: ربكم أعلم بلبثكم. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، واعتبار (ما) موصولة ضعيف، لا يؤيده المعنى، إلا على تقدير: ربكم أعلم بالزمن الذي لبثتموه، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَابْعَثُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (ابعثوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب «امضوا» في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر). ﴿أَحَدَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِوَرِقِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدَكُمْ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر صفة (ورقكم)، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلَى الْمَدِينَةِ:﴾ متعلقان بالفعل (ابعثوا)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا لم تعلموا كم كان لبثكم؛ فابعثوا... إلخ. هذا؛ وإن اعتبرت الجملة معطوفة على جملة محذوفة مقرونة بالفاء الفصيحة؛ فالتقدير كما يلي: وإذا كان الحال كما ذكرنا. فدعوا التساؤل، وخذوا فيما هو أهم، وأجدى لنا في موقفنا، وابعثوا. فهو معنى جيد، وهذا الكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلْيَنْظُرْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لينظر): مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدَكُمْ،﴾ وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَيُّها:﴾ اسم استفهام مبتدأ، و (ها): في محل جر بالإضافة، وأصل الكلام: أي: أهلها، فحذف كما في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾. ﴿أَزْكى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله مستتر فيه. ﴿طَعاماً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿أَيُّها..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل قبله المعلق عن العمل فهو طالب لهذه الجملة من حيث المعنى على معنى الحرف؛ لأن نظر يتعدى بواسطة حرف الجر، تقول: نظرت فيه، ونظرت إليه. هذا؛ وأجيز في: ﴿أَيُّها﴾ أن تكون موصوله بمعنى: الذي، و ﴿أَزْكى﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الذي هو أزكى، وهذه الجملة صلة الموصول، وعليه فالضمة للبناء، والمعتمد الأول. وانظر مثله في الآية رقم [٧] وجملة: ﴿فَلْيَنْظُرْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَابْعَثُوا..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فَلْيَأْتِكُمْ:﴾ مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدَكُمْ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِرِزْقٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة رزق، وجملة: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها. (لا): ناهية. ﴿يُشْعِرَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد التي هي حرف لا محل له، والفاعل، مستتر تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَداً،﴾ كان صفة له، على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩]. ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به.

стр. 3300

﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: أهل المدينة الكفار. ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أي: يطلعوا عليكم، أو يظفروا بكم. ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ أي: بالحجارة. وقيل: يسبوكم، ويشتموكم، والأول: أقوى؛ لأن من عادتهم القتل بالحجارة لمن فارق ديانتهم، ومعبوداتهم الباطلة. ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ أي: يردوكم إلى عبادتهم كرها، وقسرا. ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً:﴾ إن دخلتم في ملتهم الفاسدة، وعبادتهم الباطلة. وانظر شرح ﴿أَبَداً﴾ في الآية رقم [٣]. هذا؛ وإعلال: ﴿يُعِيدُوكُمْ﴾ و ﴿تُفْلِحُوا﴾ مثل إعلال: ﴿تُوقِنُونَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد) بلا فارق بينهما. هذا؛ و ﴿مِلَّتِهِمْ﴾ بكسر الميم: طريقتهم، وديانتهم، وهي بفتح الميم: الرماد الحار. الإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَظْهَرُوا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَرْجُمُوكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم مثل سابقه، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (إنّ). ﴿يُعِيدُوكُمْ:﴾ معطوف على جواب الشرط، وهو مثله في إعرابه. ﴿فِي مِلَّتِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تُفْلِحُوا:﴾ مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله.. إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١)﴾ الشرح: ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أي: كما أنمناهم المدة الطويلة، وأيقظناهم؛ أطلعنا عليهم. هذا؛ و (أعثر) تعدية: «عثر»، وأصل العثار في القدم، وأعثره: أطلعه على السر وغيره.

стр. 3301

وانظر الآية رقم [١٠٧] من سورة (المائدة). ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أي: الناس الذين بعث أصحاب الكهف على عهدهم. ﴿أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي: بالبعث، والحساب، والجزاء، والمجازاة على العمل خيرا كان، أو شرا. ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿لا رَيْبَ فِيها:﴾ لا شك، ولا ارتياب في وقوعها وحصولها. ﴿إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ أي: يتخاصمون، ويتجادلون في أمر دينهم، ويختلفون في حقيقة البعث، والحشر، والنشور، فقد أنكره بعضهم، وبعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد، وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح، فقد أطلعهم الله على أصحاب الكهف؛ ليرتفع الخلاف، وليتبين: أنّ الأجساد، تبعث حية حساسة فيها أرواحها، كما كانت قبل الموت، وليوقن الناس: أن من توفى نفوس أهل الكهف، وأمسكها تلك المدة المتطاولة، حافظا على أبدانها عن التحلل، والتفتت، ثم أرسلها قادر على أنّ يتوفى نفوس جميع الناس ممسكا إياها إلى أن يحشر أبدانها، فيردها عليها. هذا؛ وقيل: إن المتنازعين هم أصحاب الكهف أنفسهم؛ أي: اختلفوا في مدة لبثهم. وليس بشيء. ﴿فَقالُوا﴾ أي: المتنازعون في شأنهم حين توفاهم الله، وقبض أرواحهم، والمراد: بهم: الملك الصالح، والمسلمون معه. ﴿اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً﴾ أي: على باب كهفهم لئلا يتطرق إليهم الناس تكريما لهم، ومحافظة على تربتهم، كما حفظت تربة رسول الله ﷺ بالحظيرة. ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ:﴾ هذه الجملة من كلام المتنازعين بشأنهم في زمانهم، أو المتنازعين فيهم على عهد الرسول ﷺ ، كأنهم تذاكروا أمرهم، وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك. قالوا: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ،﴾ أو هو من كلام الله ردّا لقول الخائضين في حديثهم. و ﴿أَعْلَمُ:﴾ بمعنى: عالم، وليس على بابه من التفضيل؛ لأن الله تعالى لا يشاركه في علمه أحد. ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ:﴾ من المسلمين، وملكهم، وكانوا أولى بهم، وبالبناء عليهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ أي: على باب الكهف، يصلي فيه المسلمون، ويتبركون بمكانهم، ويعتبرون بهم. بينما قالت الطائفة الكافرة: تبني بيعة، أو مضيفا يأوي إليه الناس الغرباء. وقد غلب المسلمون، وبنوا ما أرادوا. وروي: أن الملك الصالح أراد أن يدفنهم في صندوق من ذهب، فأتاه آت منهم في المنام، فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب، فلا تفعل، فإنا قد خلقنا من التراب، وإليه نعود، فدعنا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ولا تنس: أنّ في قوله تعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ استعارة مكنية. تنبيه: بعد أن، أوى الفتية إلى الكهف، وناموا نومتهم المتطاولة مات دقيانوس الكافر الذي ذكرت لك شأنه في الآية رقم [١٠] ومضت قرون على موته، وملك تلك المدينة رجل صالح، اسمه: بيدروس، فاختلف الناس في عهده في أمر الحشر، وبعث الأجساد من القبور، فشك في

стр. 3302

ذلك بعض الناس، واستبعدوه. وقالوا: إنما تحشر الأرواح، والجسد تأكله الأرض. وقال بعضهم: تبعث الروح، والجسد جميعا. بينما يوجد في تلك البلدة من لا يؤمن ببعث، ولا بحساب، ولا بجنة، ولا بنار، فكبر ذلك على بيدروس، وبقي حيران لا يدري كيف يتبين أمره لهم، حتى لبس المسوح، وقعد على الرماد، وتضرع إلى الله تعالى في حجة، وبيان، فأيقظ الله أهل الكهف، كما رأيت، وبعثوا تمليخا ليشتري لهم طعاما، وزادا بورقهم التي كانت معهم، وهي من ضرب دقيانوس الجبار، وقد استنكر الناس شخصه، ودراهمه لبعد العهد، فحمل إلى الملك الصالح بيدروس، وبعد نقاش طويل، وأخذ وردّ عرف شأنه، وعرفه الناس أيضا، فقال الملك: فقد كنت أدعو الله تعالى أن يرينيهم، وسأل الفتى، فأخبره، فسرّ الملك بذلك. وقال لقومه: لعل الله قد بعث لكم آية، فلنسر إلى الكهف معه، فركب مع أهل المدينة إليهم، فلما قربوا من الكهف قال تمليخا: أنا أدخل عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم، وأعلمهم بالأمر، وأن الأمة أمة مسلمة، فروي: أنهم سروا بذلك، وخرجوا إلى الملك، وعظموه، وعظمهم، ثم رجعوا إلى كهفهم. وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدثهم تمليخا ميتة الحق، ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين. انتهى. قرطبي بتصرف. بعد هذا انظر شرح (الوعد) في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد)، وشرح ﴿السّاعَةَ﴾ في الآية رقم [٨٥] من سورة (الحجر)، وشرح ﴿لا رَيْبَ﴾ في الآية رقم [٩٩] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿الْحَقُّ﴾ في الآية رقم [٨١] منها. هذا؛ ومسجد اسم مكان، وهو بكسر الجيم، والقياس فتحها لأن اسم المكان والزمان يكونان على وزن مفعل بفتح العين إن كانا مأخوذين من ماض ثلاثي يجيء مضارعه بفتح العين، أو ضمها، كمذهب، ومنظر، وبكسرها إن كانت عين المضارع مكسورة كمجلس ومنزل ومثلهما المصدر الميمي، وقد جاءت التلاوة بكسر العين كما ترى هنا وفي قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وكما خرج «مسجد» عن القياس خرج كثير مثل: المشرق، والمغرب، والمنبت، والمقسط، والمرفق، والمنخر، والمجزر، والمظنة مع أن مضارعها مضموم العين. والتحقيق: أنها أسماء نوعية، غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح. الإعراب: (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: أعثرنا الناس عليهم عثرا، أو عثارا كائنا مثل إنامتهم تلك المدة، وإيقاظهم منها. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [١٩] ومفعول ﴿أَعْثَرْنا﴾ محذوف كما رأيت. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكلام معطوف على ما قبله لا محل له. ﴿لِيَعْلَمُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.

стр. 3303

من إضافة المصدر لفاعله، ومفعولاه محذوفان. ﴿حَقٌّ:﴾ خبرها، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل قبله. ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٩٩] من سورة (الإسراء)، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ والمصدر المؤول معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿أَعْثَرْنا﴾ وهو بمعنى: حين، أو وقت. ﴿يَتَنازَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. ﴿أَمْرَهُمْ:﴾ مفعول به، أو هو منصوب على نزع الخافض؛ أي: في أمرهم، والناصب له عند البصريين الفعل، وعند الكوفيين النزع. والهاء فيهما في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿اِبْنُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به. ﴿بَنَيْنا:﴾ مفعول به؛ وقيل: مفعول مطلق، والأول: أقوى؛ لأنه بمعنى: عمارة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، إن كانت من قول المتنازعين، ومعترضة إن كانت من مقول الله تعالى. ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَنَتَّخِذَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نتخذن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَسْجِداً﴾ على مثال ما رأيت فيما مضى. ﴿مَسْجِداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم المحذوف وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢)﴾ الشرح: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ:﴾ المراد بواو الجماعة: أهل الكتاب، والمسلمون، وذلك: أنهم اختلفوا في عدد أهل الكهف هذا الاختلاف المنصوص. وقيل:

стр. 3304

المراد به: النصارى، فإن جماعة من أهل نجران حضروا عند النبي ﷺ ، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقالت اليعقوبية، كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقالت النسطورية: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة ثامنهم كلبهم. ﴿رَجْماً بِالْغَيْبِ:﴾ رميا بالخبر الخفي الذي لا مطلع لهم عليه. ففيه استعارة، أو ظنا بالغيب، والرجم: القول بالظن، يقال لكل ما يخرص ويخمن: رجم فيه، ومرجوم، ومرجم. قال زهير بن أبي سلمى المزني: [الطويل] وما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتم... وما هو عنها بالحديث المرجّم ومثله قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٥٣]: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾. ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ:﴾ أمر الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن يرد علم عدتهم إليه ، ثم أخبر: أن عالم ذلك من البشر قليل، فقال: ﴿ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ فقال ابن عباس-﵄: أنا من ذلك القليل، كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم، ثم ذكر السبعة بأسمائهم، وهم: مكسلمينا، ويمليخا، ومرطونس، وبينونس، وسارينونس، وذو نوانس، وكشفيططنونس، وهو الراعي، واسم كلبهم قطمير. وقيل في تسميتهم غير ذلك. ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً﴾ أي: لا تجادل في أصحاب الكهف إلا بظاهر ما قصصنا عليك، فقف عنده، ولا تزد عليه. وقيل: معنى المراء الظاهر أن تقول: ليس كما تقولون، ونحو هذا. وفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يبين عددهم لأحد. ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ أي: لا تسأل أحدا من أهل الكتاب عن قصة أهل الكهف، ولا عن عدتهم. وفي هذا دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم. انتهى خازن، وقرطبي بتصرف. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-والواو في قوله: ﴿وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ طريق النحويين: أنها واو العطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم لتفصل أمرهم، وتدل على أنّ هذا غاية ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام. وقالت فرقة منهم ابن خالويه: هي واو الثمانية. وحكى الثعلبي عن أبي بكر بن عياش: أن قريشا كانت تقول في عددها: ستة، سبعة، وثمانية، فتدخل الواو في الثمانية. وحكى نحوه القفال، فقال: إن قوما قالوا: العدد ينتهي عند العرب إلى سبعة، فإذا احتيج إلى الزيادة عليها، استأنف خبر آخر بإدخال الواو، كقوله تعالى: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ..﴾. ثم قال: ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ الآية رقم [١١٢] من سورة (التوبة). وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٠] من سورة (التوبة) أيضا. وقال القرطبي: يدل عليه أنه تعالى لما ذكر أبواب جهنم: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ الآية رقم [٧١] من سورة (الزمر) بلا واو، ولما ذكر الجنة. قال: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ بالواو، الآية رقم [٧٣] من سورة (الزمر). وقال: ﴿خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ..﴾. ثم قال: ﴿وَأَبْكاراً﴾ الآية رقم [٥]

стр. 3305

من سورة (التحريم)، فالسبعة نهاية العدد عندهم كالعشرة الآن عندنا، انظر الآية رقم [٨٠] من سورة (التوبة). قال القشيري أبو نصر: ومثل هذا الكلام تحكم، ومن أين السبعة نهاية عندهم؟! ثم هو منقوض بقوله تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ ولم يذكر الاسم الثامن بالواو. وقال قوم ممن صار إلى أن عددهم سبعة: إنما ذكر الواو في قوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ﴾ لينبه على أنّ هذا العدد هو الحق، وأنه مباين للأعداد الأخر؛ التي قال فيها أهل الكتاب، ولهذا قال في الجملتين المتقدمتين: ﴿رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾ ولم يذكره في الجملة الثالثة، ولم يقدح فيها بشيء، فكأنه قال لنبيه ﷺ : هم سبعة، وثامنهم كلبهم. انتهى قرطبي. هذا؛ وقد قال ابن هشام في مغنيه: واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه، ومن المفسرين كالثعلبي، وزعموا: أن العرب إذا عدوا. قالوا: ستة، سبعة، وثمانية إيذانا بأن السبعة عدد تام، وأن ما بعدها عدد مستأنف، واستدلوا على ذلك بآيات، وذكر ما ذكرته لك سابقا، وفنّد قولهم. وقال: لا يرضاه نحويّ؛ لأنه لا يتعلق به حكم إعرابيّ، ولا سرّ معنوي، وعاب على أبي البقاء على إمامته في النحو القول في آية التوبة بقول الضعفاء. انتهى. الإعراب: ﴿سَيَقُولُونَ:﴾ السين: حرف استقبال، وهو مفيد تقوية الكلام، وتحقيقه. (يقولون): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿ثَلاثَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم ثلاثة. ﴿رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ:﴾ مبتدأ، وخبر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿ثَلاثَةٌ﴾. وقيل: هي في محل نصب حال، ولا وجه له. وجملة: «هم ثلاثة...» إلخ المقدرة في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿سَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها، وإعرابها مثلها. ﴿رَجْماً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: يرجمون رجما. وقيل: عاما (يقولون)؛ لأن القول والرجم واحد. وقيل: هو مصدر في موضع الحال؛ أي: راجمين. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَجْماً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ..﴾. إلخ: الواو أي: الواقعة قبل (ثامنهم). قيل: هي حرف عطف. وقيل: هي واو الحال، وعلى هذا يقدر المبتدأ اسم إشارة؛ أي: هؤلاء سبعة ليكون في الكلام ما يعمل في الحال، ويردّ ذلك: أنّ حذف عامل الحال إذا كان معنويا ممتنع. وانظر قول من قال: إنها واو الثمانية، والمعتمد أنها زائدة مؤكدة للصوق الصفة بالموصوف، والجملة الاسمية: ﴿وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تابعة للقول بالواو. ﴿قُلْ:﴾

стр. 3306

أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبِّي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِعِدَّتِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَجْماً:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُهُمْ:﴾ مضارع والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، والجملة الاسمية: ﴿رَبِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿تُمارِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِراءً:﴾ مفعول مطلق. ﴿ظاهِراً:﴾ صفته، وجملة: ﴿فَلا تُمارِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وصحيحا فلا... إلخ، وجملة: ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿ثامِنُهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَداً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا إلخ. ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به، والكلام ﴿فَلا تُمارِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣)﴾ الشرح: قال ابن عباس-﵄: إن قريشا اجتمعوا. وقالوا: إن محمدا نشأ فينا بالأمانة، والصدق، وما اتهمناه بكذب قط، وقد ادعى ما ادعى، فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة، واسألوهم عنه، فإنهم أهل كتاب، فبعثوا جماعة إليهم، فقالت اليهود: سلوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجاب عن كلها، أو لم يجب عن شيء منها، فليس بنبي، وإن أجاب عن اثنتين، ولم يجب عن واحدة فهو نبي. فاسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول: ما كان شأنهم؟ فإنه كان لهم شأن عجيب! وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها ما خبره؟ وعن الروح. قال: فسألوا النبي ﷺ ، فقال: أخبركم بما سألتم عنه غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فلبث الوحي. قال مجاهد: اثني عشر يوما. وقيل: خمسة عشر يوما. وقيل: أربعين يوما، وأهل مكة يقولون: قد وعدنا محمد غدا، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء، حتى حزن رسول الله ﷺ من مكث الوحي، وشقّ عليه ما يقوله أهل مكة، ثم نزل جبريل ﵇ بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ..﴾. إلخ الآية، ونزل في الفتية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ..﴾. إلخ الآية رقم [٩] وما بعدها من هذه السورة، ونزل في الروح: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ..﴾. إلخ الآية رقم [٨٥] من سورة (الإسراء). انتهى. خازن في سورة (الإسراء)، ونزل في الرجل الذي بلغ مشرق الأرض ومغربها الآية رقم [٨٣] وما بعدها.

стр. 3307

هذا؛ وأضيف: أنه كان أشد الناس سخرية واستهزاء به ﷺ أم قبيح امرأة عمه أبي لهب، فكانت تقول له: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد قلاك، وهجرك. فنزل جبريل بما ذكرت، وبسورة الضحى، فلما رأى النبي ﷺ جبريل ﵇؛ قال له: «يا أخي ما حبسك عني؟ لقد اشتقت إليك!» فقال جبريل: إني كنت أشد شوقا إليك، ولكني عبد مأمور، ونزل قوله تعالى: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٦٣] من سورة (مريم) ﵍. انتهى خازن من تفسير سورة (الضحى) بتصرف مني. بعد هذا انظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٥] من سورة (النحل)، وأما ﴿غَداً﴾ فهو اليوم الذي بعد يومك على الأثر، وأصله: غدو، فحذفت منه الواو لغير علة تصريفية، وهو ما يسمى الحذف اعتباطا، وقد ردها لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في قوله: [الطويل] وما النّاس إلاّ كالدّيار وأهلها... بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، أو استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَقُولَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له في محل جزم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. إني: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿فاعِلٌ:﴾ خبر (إنّ)، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به لاسم الفاعل قبله، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿غَداً:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿فاعِلٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي فاعِلٌ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤)﴾ الشرح: ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ:﴾ فالمعنى: إذا عزمت على فعل شيء؛ فقل: إن شاء الله، ولا تقله بغير ذكر المشيئة. وقال ابن عطية: في الكلام حذف يقتضيه الظاهر، ويحسنه الإيجاز، تقديره: إلا أن تقول إلا أن يشاء الله، أو إلا أن تقول: إن شاء الله. وما قاله هو قول الكسائي، والفراء، والأخفش. وقال البصريون: المعنى: إلا بمشيئة الله. فإذا قال الإنسان: أنا أفعل هذا إن شاء الله؛ فمعناه بمشيئة الله. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ أي: نسيت الاستثناء، فقل: إن شاء الله. وقال البيضاوي: ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه. أو

стр. 3308

اذكر ربك، وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به؛ ليبعثك على التدارك، واذكره إذا اعتراك النسيان لتذكر المنسي. انتهى. ﴿وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ..﴾. إلخ: أي: قل: أرجو أن يثبتني، أو يدلني على طريق هو أقرب، وأرشد، وأظهر دلالة من خبر أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين! وقد هداه الله لأعظم من ذلك كقصص الأنبياء المتباعد عنه أيامهم من لدن آدم إلى عهده، والأخبار بالمغيبات، والحوادث النازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام الساعة، وهو كثير لا يعدّ، ولا يحصى. تنبيه: قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ يطلق عليه اسم الاستثناء. وانظر ما ذكرته آنفا، فينبغي لكل مسلم أن يقوله عند العزم على عمل من الأعمال، وهو عند الشافعي للتبرك، وعند أبي حنيفة تعليق. ويطلق الاستثناء أيضا على ما يستثنيه المسلم في تصرفاته كلها من طلاق، وعتاق، وإقرار بالديون، والحقوق، كقوله: لفلان عليّ ألف إلا مائة، ونحو ذلك. فجوزه ابن عباس-﵄-منقطعا، ولو بعد سنة. وجمهور الفقهاء على خلافه، ولو أخذنا بقوله لم يتقرر إقرار، ولا طلاق، ولا عتاق. هذا؛ وفسر الاستثناء المنسي بأمور كثيرة، والمعتمد ما ذكرته لك. هذا؛ والنسيان: مصدر نسيت الشيء أنساه، وهو مشترك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء عن ذهول، وغفلة، والثاني: عن تعمد، وقصد، وما هنا من الأول، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: إلا قائلا إن شاء الله. على قول الكسائي، والفراء، والأخفش، وهو حل معنى كما ترى، وهو في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: إلا ملتبسا بمشيئة الله، وهو قول البصريين، وهو أصح معنى، وأقوى سبكا. ﴿وَاذْكُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله مبني على السكون في محل نصب. ﴿نَسِيتَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، التقدير: إذا نسيت ذكره، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة. ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿وَاذْكُرْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلا تَقُولَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَقُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَهْدِيَنِ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم، وهي المفعول به محذوفة، ﴿رَبِّي:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله... إلخ. و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ﴿عَسى﴾. وقيل: اسم ﴿عَسى﴾ ضمير، تقديره: «هو»، وهو غير صحيح قطعا، وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ

стр. 3309

معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿لِأَقْرَبَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن: «أفعل». ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجار والمجرور متعلقان ب: (أقرب). ﴿رَشَداً:﴾ تمييز. وقيل: مفعول مطلق على تفسيره ب: «هداية»، وهو ضعيف. ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعاً (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَبِثُوا..﴾. إلخ: أي: أقاموا في كهفهم. قال الخازن: قيل: هذا خبر عن قول أهل الكتاب، ولو كان خبرا من الله عن قدر لبثهم، لم يكن لقوله: ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ..﴾. إلخ وجه، وقد رد قولهم به. والأصح: أنه إخبار من الله تعالى عن قدر لبثهم في الكهف، ويكون المعنى: إن نازعوك في مدة لبثهم في الكهف فقل أنت: الله أعلم منكم، وقد أخبر بمدة لبثهم. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إن المدة من حين دخلوا الكهف إلى يومنا هذا، وهو اجتماعهم بالنبي ﷺ ثلاثمائة وتسع سنين فرد الله عليهم بذلك. وقال ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا الله تعالى. انتهى. هذا؛ و ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ المراد: السنوات الشمسية، وهي بالقمرية تزيد تسع سنين، والمسلمون يعتمدون عليها في عبادتهم، ومعاملاتهم، وعدد نسائهم، وفي جميع أحوالهم، وتصرفاتهم. هذا، ويقرأ بتنوين «مائة»، وبغير تنوين بالإضافة لسنين، وهو ضعيف في الاستعمال؛ لأن «مائة» تضاف إلى المفرد. قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز] ومائة والألف للفرد أضف... ومائة بالجمع نزرا قد ردف وهو محمول على الأصل، والأصل إضافة العدد إلى الجمع، ويقوي ذلك أن علامة الجمع هنا جبر لما دخل السنة من الحذف، فإنها تتمة الواحد. انتهى عكبري. والذي حذف من السنة هو لامها كما هو معروف في الإعلال وهل أصلها سنة، أو سنو؟ خلاف، وجمعها على الأول: سنهات وعلى الثاني: سنوات. وكلاهما جمع مؤنث سالم، والنسبة إليها سنوي، أو سنهي، وتجمع بالواو، والنون، أو بالياء والنون على أنها ملحقة بجمع المذكر السالم، كما في الآية الكريمة، وكثير غيرها، وكسرت السين في سنين؛ لتدل على أنه جمع على غير الأصل؛ لأن كل ما جمع جمع السلامة، لا يتغير فيه بناء الواحد، فلما تغير بناء الواحد في هذا الجمع بكسر أوله، وقد كان مفتوحا في الواحد، علم: أنه جمع على غير أصله؛ لذا فإنه يلحق بجمع المذكر السالم إلحاقا. الإعراب: ﴿وَلَبِثُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لبثوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي كَهْفِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثَلاثَ:﴾

стр. 3310

ظرف زمان متعلق بالفعل (لبثوا) و ﴿ثَلاثَ:﴾ مضاف، و ﴿مِائَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿سِنِينَ:﴾ بدل من ﴿ثَلاثَ﴾ أو عطف بيان عليه، وأجاز قوم اعتباره تابعا ل: «مائة» بما ذكرته، وضعفه ابن هشام؛ لأنه إذا أقيم مقام «مائة» فسد المعنى. هذا؛ وعلى قراءته بالإضافة فهو تمييز مجرور لفظا، منصوب محلا، وعلامة النصب، أو الجر على جميع الاعتبارات الياء نيابة عن الفتحة أو عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَازْدَادُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿تِسْعاً:﴾ مفعول به، واكتفى به مع أنّ «زاد» ينصب مفعولين، كما رأيت في الآية رقم [٤١] من سورة (الإسراء)؛ لأنه لما نقل إلى باب «افتعل» نقص واحدا، واعتباره تمييزا أجازه قوم. ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦)﴾ الشرح: ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا:﴾ تقدم: أن هذه الجملة، ردّ لما كان اليهود يزعمونه من لبث أهل الكهف، و ﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى: عالم، وليس على بابه. ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: إنه لا يخفى عليه شيء من أحوال أهل السموات والأرض، فإنه العليم الخبير البصير بذلك وحده، فكيف يخفى عليه حال أصحاب الكهف؟! والغيب: ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه. قال الشاعر المسلم: [الطويل] وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ معناه: ما أبصر الله بكل موجود، وأسمعه بكل مسموع! لا يغيب عن بصره وسمعه شيء، يدرك البواطن، كما يدرك الظواهر، والقريب والبعيد، والمحجوب، وغيره، لا تخفى عليه خافية، وهو السميع البصير. ﴿ما لَهُمْ:﴾ ما لأهل السموات والأرض. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ من دون الله. ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ:﴾ لا يشرك الله علم غيبه. وقيل في قضائه ﴿أَحَداً﴾ من خلقه. هذا؛ وقرئ: «(لا تشرك...)» إلخ بتاء المضارعة، والنهي للنبي ﷺ ، والمراد: به كل واحد. هذا؛ و (الولي) بمعنى: النصير، والمعين، والمتولي شئون غيره. الإعراب: ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿لَبِثُوا:﴾ ماض، وفاعله، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ وفاعله مستتر؛ إذ التقدير: أعلم بلبثهم. وقيل: (ما) اسم موصول مجرور، التقدير: أعلم بالزمن الذي لبثوه، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَيْبُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و (غيب): مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه.

стр. 3311

﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَبْصِرْ:﴾ ماض جامد أتى على صيغة الأمر، بمعنى: ما أبصره، والهاء عائدة على الله، وهي الفاعل، والباء الجارة مزيدة فيه إصلاحا للفظ. وقيل: إن الفاعل ضمير المصدر. وقيل: هو ضمير المخاطب؛ أي: أوقع الأبصار أيها المخاطب. وقيل: هو أمر حقيقة لا تعجب، وإن الهاء تعود على الهدى المفهوم من الكلام ويعزى هذا القول للزجاج. والمعتمد الأول: من كل هذه الوجوه. ﴿وَأَسْمِعْ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله فيما رأيت، وقد حذف المتعجب منه، وهو الفاعل لزوما لدليل، وهو عطفه على ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾ المذكور معه مثل ذلك المحذوف، ومثله قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الآية رقم [٣٨] من سورة (مريم)، ومثل الآيتين -ولا ثالثة لهما-قول الشاعر: [الرجز] أعزز بنا وأكف إن دعينا... يوما إلى نصرة من يلينا وأيضا قول الآخر: [الطويل] ومستبدل من بعد غضبى صريمة... فأحر به من طول فقر وأحريا فإن التقدير في الأول: وأكف بنا، وفي الثاني: وأحريا به. والكلام: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ كله في محل نصب مقول القول، وإن اعتبرته مستأنفا فلست مفندا. ﴿بِما:﴾ نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف نفسه، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَلِيٍّ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ، والمحققون لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: نافية. ﴿يُشْرِكُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿فِي حُكْمِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلا يُشْرِكُ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها. هذا؛ وعلى قراءة النهي فالجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلِ اللهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧)﴾ الشرح: ﴿وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: اقرأ يا محمد ما أنزل الله إليك من القرآن، وآياته، ولا تلتفت لقول المشركين، والكافرين: ﴿اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ وأعرض أيضا عما يتقولونه في أصحاب الكهف. ﴿لا مُبَدِّلَ﴾

стр. 3312

لِكَلِماتِهِ: لا أحد يبدل شيئا منها بما هو أصدق وأعدل أو لا أحد يقدر أن يحرفها، كما فعل بالتوراة، والإنجيل من التحريف، والتغيير، والتبديل والتزييف. ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ:﴾ من دون الله. ﴿مُلْتَحَداً:﴾ ملجأ تلجأ إليه، وملاذا تلوذ به. الإعراب: ﴿وَاتْلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتل): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُوحِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ كِتابِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في: (ما) و ﴿كِتابِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿وَاتْلُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿مُبَدِّلَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِكَلِماتِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ في محل نصب حال من (ربك)، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لن): حرف نفي ونصب، واستقبال. ﴿تَجِدَ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُلْتَحَداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿وَلَنْ تَجِدَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨)﴾ الشرح: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ:﴾ احبسها، وثبتها. وانظر (الصبر) في الآية رقم [٢٤ - من سورة (الرعد). وشرح ﴿النَّفْسَ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ:﴾ يعبدون ربهم، ويتضرعون إليه. ﴿بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أي: طرفي النهار. وقيل: المراد: صلاة العصر، والفجر. والأولى حملها على جميع أوقاتهم، بل وعلى كل الحالات. هذا؛ والعشي، ومثله: عشية، ويراد بهما الوقت من صلاة المغرب إلى العتمة، وهو قول الجوهري. وقال: قلت: وقال الأزهري: العشي: ما بين زوال الشمس، وغروبها. انتهى. وهذا هو المعتمد. والغداة: الضحوة الكبرى، وقد قوبل العشي بالإبكار في الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران) ومثلها الآية رقم [١١] من سورة (مريم) ﵍، كما قوبل البكرة بالأصيل في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان) وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

стр. 3313

﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ:﴾ يريدون طاعته، ورضاه، وذلك بإخلاص العبادة له. وانظر (الإرادة) في الآية رقم [٤٠] من سورة (النحل). ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ:﴾ لا تنصرف عيناك عنهم، وهو بمعنى: لا تصرف عينيك عنهم، فالفعل مسند إلى العينين، وهو في الحقيقة موجه إلى النبي ﷺ . ويزيدك وضوحا قول الزجاج: إن المعنى: لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات، والزينة، وهو على فرض التقدير، مثل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ،﴾ والشرك محال في حقه ﷺ . وانظر شرح ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [١٠٧] من سورة (النحل). تنبيه: قال ابن هشام في مغنيه: إن الفعل ﴿وَلا تَعْدُ﴾ متعد، وقد جاء لازما هنا؛ لأنه بمعنى: (لا تنب عيناك عنهم) وأورد قول ذي الرمة وهو الشاهد رقم [٩٢٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها... إلى الضّيف يجرح في عراقيبها نصلي فإنه قال: ضمّن «يجرح» معنى: «يفسد» ولذا جاء لازما. وقال الزمخشري: ألا ترى كيف رجع معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ إلى قولك: ولا تقتحم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ أي: لا تضموها إليها آكلين، وكل ما ذكر إنما هو من باب التضمين؛ الذي هو إشراب لفظ معنى لفظ آخر، فيعطونه حكمه، وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين. وانظر الشاهد رقم [١١٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وهو للفرزدق: [الرجز] كيف تراني قالبا مجنّي... قد قتل الله زيادا عنّي ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ أي: جعلنا قلبه غافلا لا يقبل الهدى، ولا ينتفع بآيات القرآن، و (الذّكر) يطلق على التوحيد، والإيمان، وعلى القرآن، ومحال أن يطيع الرسول ﷺ المطبوع على قلوبهم، فهو مثل سابقه، وفيه دليل على أنّ الله خالق للعبد وعمله، خلافا للمعتزلة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد). ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ أي: ما تزينه له نفسه من الشرك، وطلب الشهوات الدنيئة، ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً:﴾ ضياعا، ضيع أمره، وعطل حياته. وقيل: ندما. وقيل: سرفا وباطلا. هذا؛ والفرط بفتحتين ما يتقدم غيره إلى الشيء، فعليه يكون المعنى متقدما على الباطل، وجريئا على ارتكابه، وإقحام نفسه فيه. هذا؛ وانظر شرح: ﴿هَواهُ﴾ في الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) ﵇. تنبيه: جاء في القرطبي، والخازن، وغيرهما: أن الآية نزلت في عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي، وغيرهما، أتوا النبي ﷺ ، وعنده جماعة من الفقراء، منهم سلمان الفارسي-﵁-وعليه شملة من صوف قد عرق فيها، وبيده خوص يشقه، وينسجه، فقال عيينة للنبي ﷺ : أما يؤذيك ريح هؤلاء، ونحن سادات مضر، وأشرافها إن أسلمنا أسلم

стр. 3314

الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء، فنحّهم حتى نتبعك، أو اجعل لنا مجلسا، فأنزل الله الآية، وما قبلها، وما بعدها، فقال النبي ﷺ بعد ذلك: «الحمد لله الّذي جعل في أمّتي من أمرت أن أصبّر نفسي معهم». أقول: وهذا يعني: أن الآيات مدنية، ولم يقل بذلك غير الجلال رحمه الله تعالى، بينما أجمع المفسرون على: أنّ سورة (الكهف) بكاملها مكية. وإذا رجعنا إلى الآية رقم [٥٢] من سورة (الأنعام) وفهمنا فحوى الآيتين هنا وهناك عرفنا: أن ذلك كان في مكة قبل الهجرة، وأن الذين طلبوا ذلك من النبي ﷺ هم زعماء قريش، والذي أغفل الله قلبه عن اتباع الحق هو أمية بن خلف، ومن على شاكلته من زعماء قريش. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ولا تنس: ما ذكر الله عن قوم نوح في هذا الصدد في الآية رقم [٢٧] من سورة (هود) على نبينا وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة وأتم تسليم. الإعراب: ﴿وَاصْبِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿نَفْسَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿مَعَ:﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالْغَداةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْعَشِيِّ:﴾ معطوف على ما قبله. وجملة: ﴿وَاصْبِرْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآيتين السابقتين لا محل لها مثلهما، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: ناهية جازمة. ﴿تَعْدُ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها. ﴿عَيْناكَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَلا تَعْدُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿تُرِيدُ:﴾ مضارع والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿زِينَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿تُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، وصح مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزؤه. قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزء ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا ﴿وَلا تُطِعْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل: أنت. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ أو

стр. 3315

صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة. ﴿عَنْ ذِكْرِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها، وجملة: ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ معطوفة على جملة: ﴿أَغْفَلْنا..﴾. على الوجهين المعتبرين فيها. وأيضا جملة: ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ معطوفة عليها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩)﴾ الشرح: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ﴾ ... ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: من ربكم الحق، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، وليس إلي من ذلك شيء، فالله يهدي إلى الحق من يشاء، وإن كان ضعيفا، ويحرمه من يشاء، وإن كان غنيا قويا، ولست بطارد المؤمنين لهواكم، فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا، وليس هذا بترخيص، وتخيير بين الإيمان، والكفر، وإنما هو وعيد وتهديد؛ أي: إن كفرتم فلكم النار، وإن آمنتم فلكم الجنة. انتهى قرطبي، وخازن بتصرف. ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً﴾ أي: هيّأنا وحضّرنا للكافرين نارا يحترقون فيها، انظر التعبير عن الكافرين بالظالمين، ونحوه في الآية رقم [١٣] من سورة (إبراهيم) ﵊. وانظر دركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر). ﴿أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها:﴾ السرادق: السور. وقال ابن عباس-﵄: هو حائط من نار، فعن النبي ﷺ قال: «سرادق النار أربعة جدر كثف، كلّ جدار أربعون سنة». أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري-﵁ وقيل: هو عنق يخرج من النار فيحيط بالظالمين كالحظيرة، والمعتمد: أنه سور، أو حائط. هذا؛ والسرادق في الأصل واحد السرادقات؛ التي تمد فوق صحن الدار، وكل بيت من قطن، ونحوه فهو سرادق. قال رؤبة. وقيل: هو للكذاب الحرمازي: [الرجز] يا حكم بن المنذر بن الجارود... سرادق المجد عليك ممدود يقال: بيت مسردق: إذا كان فيه ما ذكرت. وقال سلامة بن جندل يذكر أبرويز وقتله النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة: [الطويل] هو المدخل النعمان بيتا سماؤه... صدور الفيول بعد بيت مسردق وقال الراغب: السرادق: فارسي معرب، وليس في كلامهم اسم مفرد ثالث حروفه ألف بعدها حرفان إلا هذا. ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا:﴾ من شدة الحر، وحرارة العطش. ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ:﴾

стр. 3316

قال ابن عباس-﵄-هو ماء غليظ مثل درديّ الزيت؛ أي: عكره الذي يبقى في الأسفل، فعن أبي سعيد الخدري-﵁، عن النبي ﷺ قال فيه: «كعكر الزّيت، فإذا قرّب إليه سقطت فروة وجهه منه». أخرجه الترمذي. وقيل: المهل: الدم، والقيح. وقال أبو عبيدة: هو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد، ورصاص، ونحاس، وقزدير فتموج بالغليان، فذلك المهل. وانظر شرح الآية رقم [١٦] و [١٧] من سورة (إبراهيم) ﵊ ففيها الكفاية. ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ أي: المذموم المهل الذي يغاثون به، وقل: بئس الطعام الذي يأكلونه قياسا على الشراب، والخلاصة: أن المهل اسم جامع لكل مستقذر تتقزز منه النفس، وتتألم، وتنفر. ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ أي: ساءت النار منزلا. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: مجتمعا كأنه ذهب إلى معنى المرافقة. وقيل غير ذلك، وأصله من المتكأ، يقال منه: ارتفقت؛ أي: اتكأت على المرفق. قال الشاعر: [الرجز] قالت له وارتفقت ألا فتى... يسوق بالقوم غزالات الضّحى ويقال: ارتفق الرجل: إذا نام على مرفقه، لا يأتيه نوم. قال أبو ذؤيب الهذلي: [البسيط] نام الخليّ وبتّ الليل مرتفقا... كأنّ عينيّ فيها الصّاب مذبوح وأخيرا: قال الله تعالى: ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ لمقابلة قوله الآتي: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار، إلا بالويل والثبور، وعظائم الأمور، لطفك يا غفور، وعفوك يا عفوّ! كما أن قوله تعالى: ﴿يُغاثُوا﴾ تهكم بهم؛ حيث سمى أقسى أنواع العذاب إغاثة، والإغاثة في الحقيقة هي الإنقاذ من العذاب تهكما بهم وتشفيا منهم. بعد هذا انظر شرح (نعم) و (بئس) في الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد)، وشرح ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿رَبِّكُمْ﴾ في الآية [٨] منها، وشرح ﴿الْحَقُّ﴾ في الآية [٨١] منها. وشرح (شاء) في الآية [٢] من سورة (النحل)، وشرح (الكفر) في الآية رقم [١٠٧] منها، وشرح (ماء) في الآية رقم [١٠] منها أيضا. الإعراب: ﴿وَقُلِ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْحَقُّ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو الحق. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ﴾. هذا؛ وقيل: ﴿الْحَقُّ:﴾ مبتدأ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿شاءَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)،

стр. 3317

والمفعول محذوف، التقدير: شاء الإيمان والهداية. ﴿فَلْيُؤْمِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ليؤمن): مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة: ﴿شاءَ﴾ صلته، وجملة: ﴿فَلْيُؤْمِنْ﴾ خبره، ودخلت الفاء في خبره لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ولكن الأول: هنا أقوى وأرجح. تأمل، والجملة الاسمية مستأنفة مفرعة عما قبلها، ولكنها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ناراً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿ناراً:﴾ مفعول به. هذا؛ وقد نصب هذا الفعل مفعولين في الآية رقم [١٠٢] من هذه السورة، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿أَحاطَ:﴾ ماض. ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سُرادِقُها:﴾ فاعل، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَحاطَ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿ناراً﴾. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَسْتَغِيثُوا:﴾ فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُغاثُوا:﴾ مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم؛ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿بِماءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَالْمُهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (ماء). ﴿يَشْوِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (ماء). ﴿الْوُجُوهَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: (ماء)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، ولكنه في محل نصب مقول القول. ﴿بِئْسَ:﴾ ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿الشَّرابُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف التقدير: المذموم المهل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَساءَتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (ساءت): ماض جامد دال على إنشاء الذم، والفاعل يعود إلى (النار). ﴿مُرْتَفَقاً:﴾ تمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، هذا هو الإعراب الظاهر، وفي الحقيقة: أن الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» دل عليه التمييز بعده، وهو مرتفقا. هذا؛ وأنث الفعل ساءت مع كون الفاعل مميز بمذكر، وهو: (مرتفق) لأن المرتفق هنا عبارة عن

стр. 3318

النار، ولفظها مؤنث، فلذا جاز تأنيث فعله، ولا تنس: أنّ المخصوص بالذم محذوف، التقدير: ساءت مرتفقا هي هي، فهي الثاني: هو المخصوص. هذا؛ وأجيز في مثل هذه الآية اعتبار: (ساءت) بمعنى: أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة للمفعول، وهو هنا محذوف أي: إن النار أحزنت أصحابها وداخليها، ويكون مرتفقا تمييزا، أو حالا، وهو تكلف لا داعي له. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠)﴾ الشرح: لما ذكر الله ما أعد للكافرين من الهوان؛ ذكر أيضا ما للمؤمنين من الكرامة، والثواب، وتلك سنة الله في كتابه العظيم حيث اقتضت حكمته تعالى ورحمته، فلا يذكر التصديق من المؤمنين؛ إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا، راهبا، راجيا خائفا، والمراد: ب: ﴿(عَمِلُوا الصّالِحاتِ):﴾ الأعمال الصالحات على اختلافها، وتفاوت درجاتها ومراتبها، ولا تنس: أن عطف العمل الصالح على الإيمان يسمى في فن البديع احتراسا، وهو يفيد: أن الإيمان وحده بدون العمل الصالح قد لا يكفي، كما أن العمل الصالح بدون إيمان لا يجدي، ولا يقبل. ومن قرأ القرآن بتدبّر، وتفهّم؛ يجد العمل الصالح معطوفا على الإيمان في كثير من الآيات. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٣] من سورة (الحجر)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. فعن البراء بن عازب-﵁: أن أعرابيا قام إلى رسول الله ﷺ في حجة الوداع؛ وهو واقف بعرفات على ناقته العضباء، فقال: إني رجل مسلم، فأخبرني عن هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. إلخ فقال رسول الله ﷺ : «ما أنت منهم ببعيد، ولا هم ببعيد منك، هم هؤلاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، فأعلم قومك: أنّ هذه الآية نزلت فيهم». ذكره الماوردي. انتهى قرطبي. أقول وهي تشمل كل مؤمن، ومؤمنة قد عملا الصالحات إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وقد عرفت: أنه صفة لموصوف محذوف. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، وجملة: ﴿لا نُضِيعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿أَجْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿مَنْ﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَحْسَنَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى من، وهو العائد، أو

стр. 3319

الرابط. ﴿عَمَلاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ الأولى، والرابط محذوف؛ إذ التقدير: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، أو مستغنى عن الرابط بعموم ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً،﴾ كما هو مستغنى عنه في قولك: (نعم الرجل زيد) ووقع موقعه الظاهر، وهو (من) لأنّه بمعنى: الموصول الذي هو اسم ﴿إِنَّ﴾ هذا؛ وقيل: خبر ﴿إِنَّ﴾ الجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ وما بينهما معترض. وقيل: يجوز أن تكون الجملتان، أعني ﴿إِنّا لا نُضِيعُ..﴾. إلخ و ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ خبرين لإن الأولى عند من يرى جواز تعدد الخبر، وإن لم يكونا في معنى واحد. وقيل: الخبر محذوف تقديره: إن الذين... يجازيهم الله بأعمالهم، ودلّ على ذلك قوله: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ..﴾. إلخ، أوجه، أقواها أولها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها على الاعتبارين. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين آمنوا، وعملوا الصالحات من الرّجال وهو يشمل النساء كما ذكرته مرارا. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ:﴾ انظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد) ففيها الكفاية. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ أي: من بين أيديهم ينظرون إليها، من أعالي أسرتهم وقصورهم، وهذا أحسن في السرور، والنزهة، والفرجة. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ:﴾ قال سعيد بن جبير-﵁: على كل واحد منهم ثلاثة أسورة: واحد من ذهب، وواحد من ورق، وواحد من لؤلؤ. انتهى. وهذا منصوص عليه في القرآن، فقال هنا: ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ وقال في (الحج): ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ رقم [٢٣]، ومثلها في سورة (فاطر) رقم [٣٣]، وقال في سورة (الإنسان): ﴿وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ،﴾ وفي الحديث الصحيح: «تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء». ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً:﴾ خص الخضرة بالذكر؛ لأنها أحسن الألوان، وأكثرها طراوة، ولأن البياض يبدد النظر ويؤلم، والسواد يذم، والخضرة بينهما، وذلك يجمع الشعاع. ﴿مِنْ سُنْدُسٍ:﴾ هو الرقيق من الديباج، واحده: سندسة، والاستبرق: ما غلظ منه، وهو موشى بالذهب، واحده: استبرقة، وهل هو عربي الأصل مشتق من البريق، أو هو معرب أصله: إستبره؟ خلاف بين اللغويين، وفي سورة (الرحمن) ﴿بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ والمراد: الفرش كما ستعرفه بعونه تعالى. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ﴾ أي: يجلسون على السرر كما هو حال المتنعمين المترفين في الدنيا. هذا؛ و ﴿الْأَرائِكِ﴾ جمع: أريكة، وهي في الجنة من ذهب مكللة بالدرّ والياقوت، وأصل ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ موتكئين، واتكأ،

стр. 3320

أصله: اوتكأ، والتكأة أصلها: وكأة، فقلبت الواو تاء، وأدغمت في التاء. ﴿نِعْمَ الثَّوابُ:﴾ هو في مقابلة: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ،﴾ و ﴿(حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً):﴾ هو في مقابلة: (ساءت مرتفقا). هذا؛ وأساور جمع سوار، وهو زينة المرأة في الدنيا، ويحلى به الرجال في الجنة أيضا تكريما لهم. وقيل: جمع سوار: أسورة، وأساور: جمع الجمع، وثياب: جمع: ثوب، أصله ثواب قلبت الواو ياء، لمناسبة الكسرة، ومثله: حوض، وحياض، وسوط، وسياط. الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَنّاتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، و ﴿جَنّاتُ:﴾ مضاف، و ﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع إلخ، ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط على الاعتبارين؛ الضمير. وقيل: هي حال من ﴿جَنّاتُ﴾ أو صفة لها، ولا وجه له قطعا؛ لأنه لا يوجد فيها رابط يعود إلى ﴿جَنّاتُ﴾. ﴿يُحَلَّوْنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله. ﴿فِيها:﴾ متعلقان به. ﴿مِنْ أَساوِرَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول به ثان؛ أي: شيئا من أساور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. هذا؛ ويجوز على مذهب الأخفش اعتبار ﴿مِنْ﴾ زائدة في الإيجاب وهو مذهب الكوفيين. فيكون أساور مفعولا ثانيا مجرورا لفظا منصوبا محلا. ﴿مِنْ ذَهَبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَساوِرَ،﴾ وجملة: ﴿يُحَلَّوْنَ..﴾. إلخ تصلح للحالية، والخبرية مثل سابقتها، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ أو هي مستأنفة على حسب ما رأيت في الآية السابقة، وجملة: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها، وإعرابها، ومحلها مثلها. ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه، وعاملها محذوف؛ أي: ويجلسون متكئين. ﴿فِيها عَلَى الْأَرائِكِ:﴾ كلاهما متعلقان ب: ﴿مُتَّكِئِينَ،﴾ ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً:﴾ انظر إعراب مثل هاتين الجملتين في الآية رقم [٢٩]. ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢)﴾ الشرح: هذه الآية وما بعدها تقصّ علينا قصة رجلين كثرت أقوال المفسرين فيها بطرق متعددة، وروايات مختلفة، وها أنا ذا أذكرها لك باختصار، فالرجلان أخوان من بني إسرائيل: أحدهما كافر، اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار،

стр. 3321

فاقتسماها بالسوية، فاشترى الكافر أرضا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار، وأنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق به، ثم بنى أخوه دارا بألف، فقال: اللهم إني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق به، ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور العين، ثم اشترى أخوه خدما، ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف، فتصدق به، ثم أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه، فمر به في حشمه، فتعرض له، فرده، ووبّخه على التصدق بماله. والآيات التالية تبين لنا ما حل به وبما له من الهلاك والبوار. هذا؛ وأكثر المفسرين على أنّ هذين الأخوين هما اللذان قص الله علينا خبرهما بعد الموت في سورة (الصافات)، وذلك في قوله جل شأنه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ..﴾. إلخ الآية رقم [٥٠] وما بعدها، فبين الله حالهما في الدنيا في هذه السورة، وبين حالهما في الآخرة في سورة (الصافات). هذا؛ وقيل: إن الأخوين كانا في مكة من بني مخزوم: أحدهما مؤمن، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد زوج أم سلمة-﵄-قبل النبي ﷺ ، والآخر كافر، وهو الأسود بن عبد الأسد. وقيل: هو مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان، وصهيب، وأصحابهما، والمعتمد الأول، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. بعد هذا انظر: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً﴾ في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵊، و ﴿أَعْنابٍ:﴾ جمع عنب، وعنب: اسم جنس جمعي مثل: تمر، ويفرق بينه وبين واحده بالتاء، وهي عنبة، وتمرة، ونخل أيضا مثل عنب، ومفرده: نخلة، ونخيلة، وجمعه: نخيل، وفي المختار: النخيل، والنخل بمعنى، فهو يفيد أنهما جمعان لنخلة، وهو ما رأيته في الإسراء [٩١] تأمل، ومعنى جنتين بستانين، والزرع: ما يزرع من الحبوب على جميع أنواعها، والخضار على اختلاف أجناسها، وأشكالها. هذا؛ ووجود الأشجار العالية على جوانب البستان، ووجود الحبوب والخضار في وسطه، ممّا يزيده جمالا وروعة، مع توفر ما يحتاج إليه الإنسان من قوت، وما يشتهيه من تفكه بالفواكه، وتلذذ في الخضار. ﴿وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ:﴾ جعلنا النخل محيطا بهما من كل جانب، يقال: حفّه القوم: إذا طافوا به، وحففته بهم: إذا جعلتهم حافين حوله. وقال الرسول ﷺ : «حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النّار بالشّهوات». وفي آخر سورة (الزمر) قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾. أما (أحد) فأصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، وإنّما يحسن في المضمومة والمكسورة، مثل قولهم: وجوه، وأجوه، ووسادة، وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد، والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق

стр. 3322

بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل أحد إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم: ما في الدار أحد هو اسم لمن يعقل. ويستوي فيه الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث. قال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾. الإعراب: ﴿وَاضْرِبْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (اضرب): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمخاطب بذلك النبي ﷺ . ﴿لَهُمْ﴾ أي: لأهل مكة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَثَلاً:﴾ مفعول به. ﴿رَجُلَيْنِ:﴾ بدل من ﴿مَثَلاً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَاضْرِبْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والاستئناف أقوى فلا محل لها على الوجهين. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِأَحَدِهِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، والاستئناف أقوى فلا محل لها على الوجهين. وقيل: متعلقان بمحذوف مفعول به ثان تقدم على الأول، وهو ضعيف معنى، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿جَنَّتَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب مثل: رجلين. ﴿مِنْ أَعْنابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿جَنَّتَيْنِ،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ في محل نصب صفة رجلين. ﴿وَحَفَفْناهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب صفة مثلها. ﴿بِنَخْلٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل مفعول به ثان. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿زَرْعاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب أيضا. ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣)﴾ الشرح: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ:﴾ أعطت. ﴿أُكُلَها:﴾ هو كل ما يؤكل من ثمر النخل، والأعناب، وجميع أنواع الحبوب، ومنه قوله تعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ في الآية رقم [٣٥] من سورة (الرعد)، وقرئ: «(كل الجنتين آتى أكله)» ويقرأ: (أكلها) بضم الهمزة وضم الكاف وسكونها قراءتان سبعيتان. ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً:﴾ ولم تنقص من أكلها شيئا يعرف في البساتين، فإن الثمار تتم في عام، وتنقص في عام غالبا، وأما ثمر هاتين الجنتين فهو تام في جميع الأعوام. وقيل: المعنى لم تمتنع منه شيئا، ومن نوادر الأعراب. قيل لأعرابي: أتأكل العنب؟ قال: ما ظلمني أن آكله؛ أي: ما منعني أن آكله. وقيل منه: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً﴾. تنبيه: كلا، وكلتا مفردان لفظا مثنيان معنى، مضافان أبدا، لفظا، ومعنى إلى كلمة واحدة معرفة دالة على اثنين، إما بالحقيقة والتنصيص، كما في هذه الآية، وإما بالحقيقة والاشتراك، نحو: (كلانا)، فإن «نا» مشتركة بين الاثنين والجماعة، أو بالمجاز كقول عبد الله بن الزّبعرى: [الرمل]

стр. 3323

إنّ للخير وللشّرّ مدى... وكلا ذلك وجه وقبل ويجوز مراعاة لفظ كلا وكلتا في الإفراد، كما في هذه الآية، ومراعاة معناهما كما في الآية التالية، وقد جمع الفرزدق بينهما في قوله: [البسيط] كلاهما حين جدّ السّير بينهما... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي ففي قوله «أقلعا» راعى معنى «كلا»، وفي قوله: «رابي» راعى لفظها، وهو الإفراد. هذا؛ وإن أضيفا إلى الاسم الظاهر أعربا بحركات مقدرة على الألف كالاسم المقصور، وإن أضيفا إلى الضمير أعربا إعراب المثنى بالإلحاق، علما بأن لفظ ﴿كِلْتَا﴾ لم يرد في غير هذه الآية، ولفظ «كلا» لم يرد في غير آية الإسراء رقم [٢٣] أما في الشعر فلفظ «كلا» كثير، ومنه البيتان المذكوران، وأما لفظ «كلتا» فخذه في قول حسان-﵁: [الكامل] إن التي ناولتني فرددتها... قتلت قتلت، فهاتها لم تقتل كلتاهما حلب العصير فعاطني... بزجاجة أرخاهما للمفصل الإعراب: ﴿كِلْتَا:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و ﴿كِلْتَا:﴾ مضاف، و ﴿الْجَنَّتَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ. ﴿آتَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى لفظ ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿كِلْتَا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. لم: حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَظْلِمْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى لفظ ﴿كِلْتَا﴾ أيضا. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْئاً﴾ كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩] ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به وأجيز اعتباره نائب مفعول مطلق، والأول: أولى، وجملة: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل ﴿آتَتْ﴾ المستتر؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً﴾ الشرح: ﴿وَفَجَّرْنا:﴾ أجرينا، وشققنا، وهو يقرأ بالتشديد والتخفيف، انظر الآية رقم [٩٠ و ٩١] من سورة (الإسراء). ﴿خِلالَهُما:﴾ وسطهما. ﴿نَهَراً:﴾ ليدوم شرب الجنتين، فإن الماء سبب لإنعاش النبات على جميع أنواعه، ويزيد الأرض جمالا وبهاء. هذا؛ و (نهر) بفتح الهاء لغة في النّهر، ونهر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ هو في معنى الجمع؛ أي: أنهار. هذا؛ و «نهر» يجمع على أنهار، وأنهر، ونهر، ونهور. هذا؛ وانظر «نا» في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر).

стр. 3324

الإعراب: ﴿وَفَجَّرْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب «حفظنا» في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿خِلالَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿نَهَراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿وَفَجَّرْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، وعلى اعتبار الحالية، فيجب تقدير «قد» قبل هذه لتقربها من الحال. ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَكانَ لَهُ﴾ أي: للأخ الكافر. ﴿ثَمَرٌ:﴾ جمع: ثمرة، وهو بفتح الثاء والميم. قال في المختار: الثمرة: واحدة الثمر، والثمرات، وجمع الثّمر ثمار، مثل: جبل، وجبال، وجمع الثمار: ثمر، مثل: كتاب، وكتب، وجمع الثّمر: أثمار، كعنق، وأعناق. هذا؛ وعلى قراءة: «(ثمر)» بالضم فسر بالأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف من الذهب، والفضة وغيرهما، فيكون من: ثمر ماله: إذا جمعه، وكثره. هذا؛ و (ثمر) بضم الثاء مع ضم الميم وسكونها، و ﴿ثَمَرٌ﴾ بفتحتين، فالقراءات الثلاث سبعية. انتهى جمل. ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ أي: لأخيه المؤمن الذي أنفق ماله في سبيل الله. هذا؛ والصاحب يكون بمعنى: الصديق، والزوج، ويكون بمعنى المالك، كقولك: صاحب الدار؛ أي: مالكها، ويجمع على أصحاب، وصحب، وصحابة، وصحاب، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع: أصحاب على: أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب. ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ أي: يراجعه في الكلام، ويجادله، والمحاورة: المراجعة في الكلام بين اثنين وانظرها في سورة (المجادلة). ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً:﴾ انظر شرح «المال» في الآية رقم [٦] من سورة (الإسراء). ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أي: أقوى عشيرة، أو ولدا. وقيل: خدما، وحشما. هذا؛ و «نفر» اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: قوم، ومعشر، ورهط، ويحدد بما دون العشرة. قيل: إنه أخذ بيد أخيه المؤمن، وجعل يطوف به في الجنتين، ويريه ما فيهما، ويفاخره بما ملك من مال، وثمار، وأنهار... إلخ. تأمل، وتدبر. الإعراب: ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ثَمَرٌ:﴾ اسم (كان) مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى الكافر. ﴿لِصاحِبِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُحاوِرُهُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى الكافر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل قال المستتر، والرابط: الواو، والضمير، ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿أَكْثَرُ:﴾ خبره. ﴿مِنْكَ:﴾ متعلقان بأكثر.

стр. 3325

﴿مالاً:﴾ تمييز. ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿أَنَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥)﴾ الشرح: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أي: دخل الكافر جنته آخذا بيد أخيه المؤمن، يطوف به فيها، ويريه إياها. ﴿وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي: بكفره، وفيه دليل على أنّ العاصي لا يضر إلا نفسه، والمؤذي للناس يعود أذاه على نفسه؛ لأنه يسبب لها العقاب الشديد، والعذاب الأليم في نار الجحيم. ﴿قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ﴾ أي: تهلك، وتفنى. ﴿هذِهِ أَبَداً:﴾ وذلك أنه راقه حسنها، وغرته زهرتها، فتوهم: أنها لا تفنى أبدا، فأنكر الحشر، والنشر، وهو ما في الآية التالية، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين تنطق ألسنة أحوالهم بذلك في هذا الزمن. هذا؛ وقد قال البيضاوي: وإفراد الجنة؛ لأن المراد ما هو جنته، وهي ما متع بها في الدنيا، تنبيها على أنه لا جنّة له غيرها، ولا حظّ له في الجنة التي وعد المتقون. أو لاتصال كل واحدة من جنتيه بالأخرى، أو لأن الدخول يكون في واحدة واحدة. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَدَخَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الأخ الكافر. ﴿جَنَّتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. وانظر إعراب: ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [١٠٤] من سورة (الإسراء). وجملة: ﴿وَهُوَ ظالِمٌ﴾ في محل نصب حال من فاعل (دخل) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ متعلقان بظالم. هذا؛ وأجيز اعتبار اللام زائدة، ونفسه مفعول به لظالم، فيكون مجرورا لفظا، منصوبا محلا، وفاعل ظالم مستتر فيه، وجملة: ﴿وَدَخَلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله تقديره: «هو». ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَظُنُّ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿أَنْ تَبِيدَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن». ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَبِيدَ﴾ في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿أَظُنُّ﴾ وجملة: ﴿أَظُنُّ﴾ إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً:﴾ فهو ينفي القيامة، ولا يعتقد بوجودها. ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً:﴾ إقسام منه على أنه إن ردّ إلى ربه على سبيل الفرض، كما يزعم صاحبه؛ ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا؛ ادعاء لكرامته على رغم مكانته عنده،

стр. 3326

والمنقلب: المرجع، والمآب، وهو اسم مكان، أو مصدر ميمي. هذا؛ ويقرأ: «(خيرا منهما)» بالتثنية بالرجوع إلى ﴿الْجَنَّتَيْنِ﴾. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَظُنُّ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿السّاعَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿قائِمَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿رُدِدْتُ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِلى رَبِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَأَجِدَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أجدن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْراً﴾. ﴿مُنْقَلَباً:﴾ تمييز، وجملة: ﴿لَأَجِدَنَّ﴾ جواب لأقسم، لا محل لها، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، انظر الآية رقم [٦٢] من سورة (الإسراء)، فالكلام فيها كاف واف. هذا؛ والكلام ﴿وَما أَظُنُّ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، وهو في محل نصب مقول القول مثله. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً (٣٧)﴾ الشرح: ﴿قالَ لَهُ﴾ أي: للكافر المنكر للبعث. ﴿صاحِبُهُ﴾ أي: المؤمن. وانظر المحاورة في الآية رقم [٣٥]. ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ﴾ أي: الذي ابتدأ خلقك من تراب، وهذا الخلق غير مباشر إذا كان المراد: خلق أباك آدم، وهو مباشر إذا كان المراد خلقك؛ لأن خلق الإنسان مبدؤه من النطفة التي تقذف في رحم المرأة، وهذه النطفة من الدم، والدم منشؤه من الطعام والشراب، وكلاهما مستخرج من الأرض. وانظر ما أذكره في الآية رقم [١٢] من سورة (المؤمنون) والآية رقم [٥] من سورة (الحج). ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ أي: عدلك بشرا سويا، وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال، فقد جعل كفره بالبعث كفرا بالله تعالى؛ لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿صاحِبُهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ في محل نصب حال من صاحبه، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَكَفَرْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (كفرت): فعل، وفاعل. ﴿بِالَّذِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿سَوّاكَ:﴾ ماض مبني على فتح

стр. 3327

مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿(بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ)﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿رَجُلاً:﴾ مفعول به ثان وجوزت فيه الحالية، وجملة: ﴿سَوّاكَ رَجُلاً﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿أَكَفَرْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨)﴾ الشرح: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي:﴾ هذا استدراك لقوله: أكفرت لأخيه، فالمعنى أنت كافر لكني مؤمن موحد. ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً:﴾ فيه تعريض بأخيه بأنه مشرك بالله تعالى يعبد غيره بدليل إنكاره البعث، والحساب، والجزاء. هذا؛ وأصل: ﴿لكِنَّا:﴾ لكن أنا؛ فحذفت الهمزة، ثم أدغمت النونان في بعضهما. الإعراب: ﴿لكِنَّا:﴾ (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. (أنا): مبتدأ أول. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ ثان. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ ثالث. ﴿رَبِّي:﴾ خبر الثالث: مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ رَبِّي﴾ في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ اللهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: (لكن أنا...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، والرابط في هذه الأخبار، هو ياء المتكلم. هذا؛ وأجيز اعتبار لفظ الجلالة بدلا من الضمير، أو بيانا له، والأول: أقوى. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: نافية. ﴿أُشْرِكُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِرَبِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ فهي في محل رفع مثلها، والذي لا يجيز عطف الفعلية على الاسمية يعتبر الجملة حالا من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْلا:﴾ وهلا. ﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ:﴾ المعنى: هلا قلت عند دخولك جنتك، والنظر إلى ما رزقك الله منها: ما شاء الله، اعترافا منك بأنها وكل ما فيها من خير، إنما هو بمشيئة الله تعالى وفضله. وإن أمرها بيده، وإنه إن شاء تركها عامرة، وإن شاء تركها خرابا يبابا. ﴿لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ أي: وهلا قلت: لا قوة إلا بالله، إقرارا منك بأن ما قويت به على عمارتها، وتدبير أمرها، إنما هو بمعونة الله، وتدبيره، وتأييده، ولا أقدر على حفظ مالي، ودفع

стр. 3328

شيء عنه إلا بالله تعالى. ﴿إِنْ تَرَنِ..﴾. إلخ: هذا من المؤمن رد لقول الكافر: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾. والمعنى: لأجل هذا تكبرت عليّ وتعظّمت. هذا؛ وقوله جل ذكره: (ولدا) انتصار لمن فسر ﴿نَفَراً﴾ بالأولاد. هذا؛ ويقرأ: (ترن) هنا، و ﴿يَهْدِيَنِ﴾ في الآية رقم [٢٤]، و ﴿يُؤْتِيَنِ﴾ في الآية التالية و ﴿تُعَلِّمَنِ﴾ في الآية رقم [٦٦] الآتية بإثبات ياء المتكلم وحذفها. تنبيه: ينبغي لكل من دخل بيته أن يقول: ﴿ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ فقد روي: أن النبي ﷺ قال لأبي هريرة-﵁: «ألا أدلّك على كلمة من كنوز الجنة، أو قال: كنز من كنوز الجنّة؟!». قلت: بلى يا رسول الله! قال: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله؛ إذا قالها العبد، قال الله : أسلم عبدي، واستسلم». أخرجه مسلم. وقالت عائشة-﵂: «إذا خرج الرجل من منزله، فقال باسم الله. قال الملك: هديت، وإذا قال: ما شاء الله. قال الملك: كفيت. وإذا قال: لا قوّة إلا بالله. قال الملك: وقيت». خرجه الترمذيّ. انتهى قرطبي بتصرف. هذا؛ وهذه الكلمات وقاية من العين فينبغي لكل مسلم، ومسلمة أن يكثرا منها، ولا سيما عند إرادة السفر، وعند الرجوع منه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لولا): حرف تحضيض. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿قُلْتَ﴾. ﴿دَخَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿جَنَّتَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. وانظر: ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [١٠٤] من سورة (الإسراء) والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿قُلْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر الذي شاءه الله، أو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الذي شاءه الله كائن. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) شرطية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطها، والجواب محذوف، التقدير: أيّ شيء شاء الله كان، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿قُوَّةَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: لا قوة موجودة. إلا: حرف حصر. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان ب: «موجودة» المقدّرة، وعلقهما أبو البقاء بمحذوف خبر لا، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. وهو فحوى ما تقدم. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَرَنِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، والمفعول الأول، وهو ياء المتكلم محذوف. ﴿أَنَا:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وأجيز اعتباره تأكيدا لياء المتكلم المقدرة على المحل، والأول: أقوى. ﴿أَقَلَّ:﴾ مفعول به ثان. هذا؛ ويقرأ برفعه على أنه خبر للضمير، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به، وهذا على إجراء البصرية مجرى العلمية. ﴿مِنْكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَقَلَّ﴾. ﴿مالاً:﴾ تمييز. ﴿وَوَلَداً:﴾ معطوف عليه، وجملة: ﴿تَرَنِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط ما يلي:

стр. 3329

﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠)﴾ الشرح: ﴿فَعَسى رَبِّي:﴾ هذا رجاء من المؤمن. ﴿أَنْ يُؤْتِيَنِ..﴾. إلخ: أن يعطيني في الدنيا، أو في الآخرة لإيماني بقدرته، وثقتي بعظمته، ووحدانيته أفضل من جنتك التي تفاخر بها. ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾ أي: على جنتك. ﴿حُسْباناً مِنَ السَّماءِ﴾ أي: مرامي من السماء، واحدها: حسبانة، وهي قطعة من نار. والحسبانة: السحابة، والحسبانة: الوسادة، وهي أيضا الصاعقة، والحسبان العذاب، والحسبان الجراد، وهو أيضا الحساب. قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾. ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً:﴾ أرضا بيضاء، لا ينبت فيها نبات، ولا تثبت عليها قدم لملامستها، فتكون أخبث أرض بعد أن كانت أنفع أرض. وانظر ﴿صَعِيداً﴾ في الآية رقم [٨]. الإعراب: ﴿فَعَسى:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عسى): ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبِّي:﴾ اسم عسى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُؤْتِيَنِ:﴾ منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به أول. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ جَنَّتِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْراً﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُؤْتِيَنِ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (عسى)، ويلزم تأويله باسم الفاعل، وجملة: ﴿فَعَسى..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿وَيُرْسِلَ:﴾ معطوف على ﴿يُؤْتِيَنِ﴾ منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ أيضا. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعوله الأول. ﴿حُسْباناً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿حُسْباناً﴾. ﴿فَتُصْبِحَ:﴾ الفاء: للسببية. (تصبح): مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، واسمه يعود إلى ﴿جَنَّتِكَ﴾. ﴿صَعِيداً:﴾ خبره. ﴿زَلَقاً:﴾ صفة مؤكدة لما قبلها، و «أن» المضمرة والفعل (تصبح) في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق. ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١)﴾ الشرح: ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها:﴾ ماء الجنة الجاري فيها. ﴿غَوْراً:﴾ غائرا ذاهبا، فتكون أعدم أرض للماء بعد أن كانت، أوجد أرض للماء، والغور: مصدر وضع موضع اسم الفاعل، كما يقال: رجل صوم، وفطر، وعدل، ورضا، وفضل، وزور، ونساء نوم، ويستوي فيه المذكر، والمؤنث، والتثنية والجمع. وقيل: الأصل: أو يصبح ماؤها ذا غور، فحذف المضاف على

стр. 3330

حد: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾. ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: لا تستطيع ردّ الماء الغائر، وإلى هنا انتهت مناظرة المؤمن لأخيه الكافر. وانظر شرح ﴿السَّماءِ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (النحل). الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُصْبِحَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿ماؤُها:﴾ اسم ﴿يُصْبِحَ،﴾ و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿غَوْراً:﴾ خبرها. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَسْتَطِيعَ:﴾ منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُ:﴾ متعلقان ب: ﴿طَلَباً؛﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة، انظر الآية رقم [٩]. ﴿طَلَباً:﴾ مفعول به، ولعلك تدرك معي: أن الكلام من قوله: ﴿لكِنَّا..﴾. إلخ إلى هنا كله من مقول المؤمن. تأمل، وتدبر. ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ:﴾ أهلك أمواله حسبما توقعه صاحبه، وأنذره منه، وهو مأخوذ من أحاط به العدو، فإنه إذا أحاط به غلبه، وإذا غلبه أهلكه، ونظيره أتى عليه: إذا أهلكه، من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعليا عليهم، ففي الكلام استعارة تبعية بالفعل. وانظر شرح ﴿ثَمَرٌ﴾ وما فيه من قراءات في الآية رقم [٣٤]. ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أي: فصار الكافر يضرب إحدى يديه على الأخرى ندما، وتحسرا؛ لأن هذا يصدر من النادم. ﴿عَلى ما أَنْفَقَ فِيها﴾ أي: في عمارتها وزراعتها. ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أي: ساقطة سقوفها. وقيل: إن أشجار العنب المعرشة سقطت عروشها على الأرض، ومثله في الآية رقم [٢٥٩] من سورة (البقرة). ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ..﴾. إلخ: فقد تذكر موعظة أخيه المؤمن، وعلم: أنه أتي من جهة شركه وطغيانه، فتمنى أن لو لم يكن مشركا، وهذا ندم منه حين لا ينفعه الندم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَأُحِيطَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أحيط): ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر يعود إلى مصدر الفعل، وأقوى منه تعليق ﴿بِثَمَرِهِ﴾ بنائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة. وقيل: معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فهلكت جنته بالصواعق وغور الماء، وأحيط بثمره بالهلاك أيضا. ﴿فَأَصْبَحَ:﴾ ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو». ﴿يُقَلِّبُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَفَّيْهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُقَلِّبُ﴾ أو بمحذوف حال من فاعله المستتر، وجملة: ﴿أَنْفَقَ فِيها﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: على الذي أنفقه فيها، وجملة: ﴿فَأَصْبَحَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور
следующие страницы →