← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

والمنقلب: المرجع، والمآب، وهو اسم مكان، أو مصدر ميمي. هذا؛ ويقرأ: «(خيرا منهما)» بالتثنية بالرجوع إلى ﴿الْجَنَّتَيْنِ﴾. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَظُنُّ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿السّاعَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿قائِمَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿رُدِدْتُ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِلى رَبِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَأَجِدَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أجدن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْراً﴾. ﴿مُنْقَلَباً:﴾ تمييز، وجملة: ﴿لَأَجِدَنَّ﴾ جواب لأقسم، لا محل لها، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، انظر الآية رقم [٦٢] من سورة (الإسراء)، فالكلام فيها كاف واف. هذا؛ والكلام ﴿وَما أَظُنُّ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، وهو في محل نصب مقول القول مثله. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً (٣٧)﴾ الشرح: ﴿قالَ لَهُ﴾ أي: للكافر المنكر للبعث. ﴿صاحِبُهُ﴾ أي: المؤمن. وانظر المحاورة في الآية رقم [٣٥]. ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ﴾ أي: الذي ابتدأ خلقك من تراب، وهذا الخلق غير مباشر إذا كان المراد: خلق أباك آدم، وهو مباشر إذا كان المراد خلقك؛ لأن خلق الإنسان مبدؤه من النطفة التي تقذف في رحم المرأة، وهذه النطفة من الدم، والدم منشؤه من الطعام والشراب، وكلاهما مستخرج من الأرض. وانظر ما أذكره في الآية رقم [١٢] من سورة (المؤمنون) والآية رقم [٥] من سورة (الحج). ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ أي: عدلك بشرا سويا، وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال، فقد جعل كفره بالبعث كفرا بالله تعالى؛ لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿صاحِبُهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ في محل نصب حال من صاحبه، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَكَفَرْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (كفرت): فعل، وفاعل. ﴿بِالَّذِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿سَوّاكَ:﴾ ماض مبني على فتح

стр. 3327

مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿(بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ)﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿رَجُلاً:﴾ مفعول به ثان وجوزت فيه الحالية، وجملة: ﴿سَوّاكَ رَجُلاً﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿أَكَفَرْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨)﴾ الشرح: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي:﴾ هذا استدراك لقوله: أكفرت لأخيه، فالمعنى أنت كافر لكني مؤمن موحد. ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً:﴾ فيه تعريض بأخيه بأنه مشرك بالله تعالى يعبد غيره بدليل إنكاره البعث، والحساب، والجزاء. هذا؛ وأصل: ﴿لكِنَّا:﴾ لكن أنا؛ فحذفت الهمزة، ثم أدغمت النونان في بعضهما. الإعراب: ﴿لكِنَّا:﴾ (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. (أنا): مبتدأ أول. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ ثان. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ ثالث. ﴿رَبِّي:﴾ خبر الثالث: مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ رَبِّي﴾ في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ اللهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: (لكن أنا...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، والرابط في هذه الأخبار، هو ياء المتكلم. هذا؛ وأجيز اعتبار لفظ الجلالة بدلا من الضمير، أو بيانا له، والأول: أقوى. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: نافية. ﴿أُشْرِكُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِرَبِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ فهي في محل رفع مثلها، والذي لا يجيز عطف الفعلية على الاسمية يعتبر الجملة حالا من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْلا:﴾ وهلا. ﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ:﴾ المعنى: هلا قلت عند دخولك جنتك، والنظر إلى ما رزقك الله منها: ما شاء الله، اعترافا منك بأنها وكل ما فيها من خير، إنما هو بمشيئة الله تعالى وفضله. وإن أمرها بيده، وإنه إن شاء تركها عامرة، وإن شاء تركها خرابا يبابا. ﴿لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ أي: وهلا قلت: لا قوة إلا بالله، إقرارا منك بأن ما قويت به على عمارتها، وتدبير أمرها، إنما هو بمعونة الله، وتدبيره، وتأييده، ولا أقدر على حفظ مالي، ودفع

стр. 3328

شيء عنه إلا بالله تعالى. ﴿إِنْ تَرَنِ..﴾. إلخ: هذا من المؤمن رد لقول الكافر: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾. والمعنى: لأجل هذا تكبرت عليّ وتعظّمت. هذا؛ وقوله جل ذكره: (ولدا) انتصار لمن فسر ﴿نَفَراً﴾ بالأولاد. هذا؛ ويقرأ: (ترن) هنا، و ﴿يَهْدِيَنِ﴾ في الآية رقم [٢٤]، و ﴿يُؤْتِيَنِ﴾ في الآية التالية و ﴿تُعَلِّمَنِ﴾ في الآية رقم [٦٦] الآتية بإثبات ياء المتكلم وحذفها. تنبيه: ينبغي لكل من دخل بيته أن يقول: ﴿ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ فقد روي: أن النبي ﷺ قال لأبي هريرة-﵁: «ألا أدلّك على كلمة من كنوز الجنة، أو قال: كنز من كنوز الجنّة؟!». قلت: بلى يا رسول الله! قال: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله؛ إذا قالها العبد، قال الله : أسلم عبدي، واستسلم». أخرجه مسلم. وقالت عائشة-﵂: «إذا خرج الرجل من منزله، فقال باسم الله. قال الملك: هديت، وإذا قال: ما شاء الله. قال الملك: كفيت. وإذا قال: لا قوّة إلا بالله. قال الملك: وقيت». خرجه الترمذيّ. انتهى قرطبي بتصرف. هذا؛ وهذه الكلمات وقاية من العين فينبغي لكل مسلم، ومسلمة أن يكثرا منها، ولا سيما عند إرادة السفر، وعند الرجوع منه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لولا): حرف تحضيض. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿قُلْتَ﴾. ﴿دَخَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿جَنَّتَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. وانظر: ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [١٠٤] من سورة (الإسراء) والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿قُلْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر الذي شاءه الله، أو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الذي شاءه الله كائن. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) شرطية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطها، والجواب محذوف، التقدير: أيّ شيء شاء الله كان، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿قُوَّةَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: لا قوة موجودة. إلا: حرف حصر. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان ب: «موجودة» المقدّرة، وعلقهما أبو البقاء بمحذوف خبر لا، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. وهو فحوى ما تقدم. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَرَنِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، والمفعول الأول، وهو ياء المتكلم محذوف. ﴿أَنَا:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وأجيز اعتباره تأكيدا لياء المتكلم المقدرة على المحل، والأول: أقوى. ﴿أَقَلَّ:﴾ مفعول به ثان. هذا؛ ويقرأ برفعه على أنه خبر للضمير، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به، وهذا على إجراء البصرية مجرى العلمية. ﴿مِنْكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَقَلَّ﴾. ﴿مالاً:﴾ تمييز. ﴿وَوَلَداً:﴾ معطوف عليه، وجملة: ﴿تَرَنِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط ما يلي:

стр. 3329

﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠)﴾ الشرح: ﴿فَعَسى رَبِّي:﴾ هذا رجاء من المؤمن. ﴿أَنْ يُؤْتِيَنِ..﴾. إلخ: أن يعطيني في الدنيا، أو في الآخرة لإيماني بقدرته، وثقتي بعظمته، ووحدانيته أفضل من جنتك التي تفاخر بها. ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾ أي: على جنتك. ﴿حُسْباناً مِنَ السَّماءِ﴾ أي: مرامي من السماء، واحدها: حسبانة، وهي قطعة من نار. والحسبانة: السحابة، والحسبانة: الوسادة، وهي أيضا الصاعقة، والحسبان العذاب، والحسبان الجراد، وهو أيضا الحساب. قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾. ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً:﴾ أرضا بيضاء، لا ينبت فيها نبات، ولا تثبت عليها قدم لملامستها، فتكون أخبث أرض بعد أن كانت أنفع أرض. وانظر ﴿صَعِيداً﴾ في الآية رقم [٨]. الإعراب: ﴿فَعَسى:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عسى): ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبِّي:﴾ اسم عسى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُؤْتِيَنِ:﴾ منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به أول. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ جَنَّتِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْراً﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُؤْتِيَنِ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (عسى)، ويلزم تأويله باسم الفاعل، وجملة: ﴿فَعَسى..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿وَيُرْسِلَ:﴾ معطوف على ﴿يُؤْتِيَنِ﴾ منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ أيضا. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعوله الأول. ﴿حُسْباناً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿حُسْباناً﴾. ﴿فَتُصْبِحَ:﴾ الفاء: للسببية. (تصبح): مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، واسمه يعود إلى ﴿جَنَّتِكَ﴾. ﴿صَعِيداً:﴾ خبره. ﴿زَلَقاً:﴾ صفة مؤكدة لما قبلها، و «أن» المضمرة والفعل (تصبح) في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق. ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١)﴾ الشرح: ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها:﴾ ماء الجنة الجاري فيها. ﴿غَوْراً:﴾ غائرا ذاهبا، فتكون أعدم أرض للماء بعد أن كانت، أوجد أرض للماء، والغور: مصدر وضع موضع اسم الفاعل، كما يقال: رجل صوم، وفطر، وعدل، ورضا، وفضل، وزور، ونساء نوم، ويستوي فيه المذكر، والمؤنث، والتثنية والجمع. وقيل: الأصل: أو يصبح ماؤها ذا غور، فحذف المضاف على

стр. 3330

حد: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾. ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: لا تستطيع ردّ الماء الغائر، وإلى هنا انتهت مناظرة المؤمن لأخيه الكافر. وانظر شرح ﴿السَّماءِ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (النحل). الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُصْبِحَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿ماؤُها:﴾ اسم ﴿يُصْبِحَ،﴾ و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿غَوْراً:﴾ خبرها. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَسْتَطِيعَ:﴾ منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُ:﴾ متعلقان ب: ﴿طَلَباً؛﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة، انظر الآية رقم [٩]. ﴿طَلَباً:﴾ مفعول به، ولعلك تدرك معي: أن الكلام من قوله: ﴿لكِنَّا..﴾. إلخ إلى هنا كله من مقول المؤمن. تأمل، وتدبر. ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ:﴾ أهلك أمواله حسبما توقعه صاحبه، وأنذره منه، وهو مأخوذ من أحاط به العدو، فإنه إذا أحاط به غلبه، وإذا غلبه أهلكه، ونظيره أتى عليه: إذا أهلكه، من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعليا عليهم، ففي الكلام استعارة تبعية بالفعل. وانظر شرح ﴿ثَمَرٌ﴾ وما فيه من قراءات في الآية رقم [٣٤]. ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أي: فصار الكافر يضرب إحدى يديه على الأخرى ندما، وتحسرا؛ لأن هذا يصدر من النادم. ﴿عَلى ما أَنْفَقَ فِيها﴾ أي: في عمارتها وزراعتها. ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أي: ساقطة سقوفها. وقيل: إن أشجار العنب المعرشة سقطت عروشها على الأرض، ومثله في الآية رقم [٢٥٩] من سورة (البقرة). ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ..﴾. إلخ: فقد تذكر موعظة أخيه المؤمن، وعلم: أنه أتي من جهة شركه وطغيانه، فتمنى أن لو لم يكن مشركا، وهذا ندم منه حين لا ينفعه الندم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَأُحِيطَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أحيط): ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر يعود إلى مصدر الفعل، وأقوى منه تعليق ﴿بِثَمَرِهِ﴾ بنائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة. وقيل: معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فهلكت جنته بالصواعق وغور الماء، وأحيط بثمره بالهلاك أيضا. ﴿فَأَصْبَحَ:﴾ ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو». ﴿يُقَلِّبُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَفَّيْهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُقَلِّبُ﴾ أو بمحذوف حال من فاعله المستتر، وجملة: ﴿أَنْفَقَ فِيها﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: على الذي أنفقه فيها، وجملة: ﴿فَأَصْبَحَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور

стр. 3331

بفي، والرابط: الواو، والضمير. ﴿عَلى عُرُوشِها:﴾ متعلقان ب: ﴿خاوِيَةٌ﴾ لأنها اسم فاعل، وفاعلها مستتر، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَقُولُ:﴾ مضارع، فاعله مستتر فيه. (يا): حرف تنبيه، واعتبارها أداة نداء، والمنادى محذوف ضعيف أفاده ابن هشام في مغنيه. (ليتني): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها، وجملة: ﴿لَمْ أُشْرِكْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (ليت)، وجملة: ﴿يا لَيْتَنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿يُقَلِّبُ..﴾. إلخ، وأجيز اعتبارها حالا من فاعل ﴿يُقَلِّبُ،﴾ وهذا يحوج إلى تقدير مبتدأ قبلها. تأمل، وتدبر؛ لأن المضارع الواقع جملته حالا لا يقرن بالواو. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ:﴾ جماعة من عشيرة، ونحوها. هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء، والتاء قراءتان سبعيتان. ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ يمنعونه من عذاب الله، وضل عنه من افتخر بهم من الخدم والولد. هذا؛ وجمع الضمير مع كونه عائدا على ﴿فِئَةٌ﴾ لأنها اسم جمع مثل: قوم، ورهط... إلخ. ﴿وَما كانَ مُنْتَصِراً﴾ أي: ممتنعا من العذاب، فهو لا يقدر على الانتصار لنفسه. وانظر شرح الجلالة في الآية رقم [١] وشرح: ﴿دُونِ﴾ في الآية رقم [١٤]. الإعراب: ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِئَةٌ:﴾ اسم يكن مؤخر، وجملة: ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ في محل رفع صفة ﴿فِئَةٌ﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار هذه الجملة خبرا ل: ﴿تَكُنْ﴾ وعليه فالجار والمجرور: ﴿لَهُ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿فِئَةٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا.. إلخ، والوجه الأول: هو رأي: سيبويه، والثاني: هو رأي: أبي العباس المبرد، محتجا بقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَلَمْ تَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَأُحِيطَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى الكافر. ﴿مُنْتَصِراً:﴾ خبر كان، وجملة: ﴿وَما كانَ مُنْتَصِراً﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، واعتبارها حالا من الضمير المنصوب غير مستبعد، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤)﴾ الشرح: ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ﴾ أي: في ذلك المقام، وتلك الحال النصرة لله وحده، لا يملكها غيره، ولا يستطيعها سواه، هو تقرير لقوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وقيل: ﴿هُنالِكَ:﴾ إشارة للآخرة. هذا؛ ويقرأ ﴿الْوَلايَةُ﴾ بكسر الواو، وفتحها، وهما بمعنى: واحد، كالرّضاعة

стр. 3332

والرّضاعة. وقيل: ﴿الْوَلايَةُ﴾ بالفتح من الموالاة، كقوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وبالكسر: السلطان، والقدرة، والإمارة. هذا؛ ويقرأ: ﴿الْحَقِّ﴾ بالرفع، والجر. ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَواباً﴾ أي: في الدنيا، والآخرة لمن آمن به، وليس أحد ثمّ يرجى خيره، ولكنه أراد في ظنّ الجهال؛ أي: هو خير من يرجى. ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خير عاقبة لمن رجاه وآمن به، ويقرأ: ﴿عُقْباً:﴾ بضم القاف، وسكونها. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل عسر ويسر، ورحم، وحلم، ورسل... إلخ. بعد هذا انظر ﴿الْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء)، أما ﴿خَيْرٌ﴾ فهو أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في حبّ وشرّ اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما أحبب وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما، استغناء عنها بحركة الخاء، والشين، وقد يستعمل: خير، وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى: ﴿(سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ)﴾ بفتح الشين، ونحو قول رؤبة: [الرجز] يا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر وخير وشر وحب يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنهنّ بمعنى: أفعل، كما رأيت. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿هُنالِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية، أو الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْوَلايَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هو متعلق ب: ﴿مُنْتَصِراً،﴾ وعليه فالوقف على: ﴿هُنالِكَ﴾. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالولاية على الوجه الأول في الإعراب. ومتعلقان بمحذوف خبر ﴿الْوَلايَةُ﴾ على الوجه الثاني في إعراب ﴿هُنالِكَ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْحَقِّ:﴾ بالجر صفة الجلالة، وبالرفع صفة الولاية، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وأجاز أبو البقاء اعتباره خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو الحق، واعتباره مبتدأ خبره الجملة الاسمية بعده. ﴿هُوَ خَيْرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثَواباً:﴾ تمييز. ﴿هُوَ خَيْرٌ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿عُقْباً:﴾ تمييز. ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥)﴾ الشرح: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ..﴾. إلخ: أي: اذكر، وقرر لأهل مكة حال الدنيا في زهرتها، ونضارتها، وسرعة زوالها، وفنائها. وينبغي أن تعلم: أن هذا الكلام فيه التفات من الغيبة، وهي

стр. 3333

قصة الرجلين اللذين رأيت الكلام فيهما إلى الحضور والخطاب للنبي ﷺ ، ولأهل مكة المعاندين الحق، كما هو واضح للعيان. ﴿كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أي: بالماء. ﴿نَباتُ الْأَرْضِ:﴾ فالتف بسببه، وخالط النبات بعضه بعضا من كثرته، وتكاثفه، وحقه أن يكون الكلام، فاختلط بنبات الأرض، لكن لما كان كل من المختلطين موصوفا بصفة صاحبه، عكس للمبالغة في كثرته. وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (يونس) ﵇، فإنها مثل هذه الآية في التشبيه التمثيلي، وفي كل شيء. ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً:﴾ متكسرا من اليبس متفتتا بسبب انقطاع الماء عنه. ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ:﴾ تفرقه، وتذهب به، وقرئ: «(تذريه)» بضم التاء من أذرى الرباعي، وبفتحها من ذرى الثلاثي. هذا؛ وفي الآية تشبيه التمثيل، انظر سورة (يونس). ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإنشاء، والإفناء، والإحياء، والإماتة، وغير ذلك. ﴿مُقْتَدِراً:﴾ قادرا لا يعجزه شيء في هذا الكون. تنبيه: قالت الحكماء: إنما شبه الله تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على حال واحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى، ويذهب، كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أن يدخله أحد إلا ويبتل، كذلك الدنيا لا يسلم من دخلها من فتنتها، وآفتها، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا، وإذا جاوز المقدار كان ضارّا مهلكا، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع، وفضولها يضر، وفي حديث النبي ﷺ قال له رجل: يا رسول الله! إني أريد أن أكون من الفائزين. قال: «ذر الدّنيا، وخذ منها كالماء الرّاكد، فإنّ القليل منها يكفي، والكثير منها يطغي». وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ : «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه». انتهى. قرطبي بحروفه. هذا؛ وأقول: إن كل إنسان وحياته كالنبات الذي ينبت من الأرض بسبب المطر: طفولته، ومراهقته، وشبابه، وكهولته، وشيخوخته، وهرمه. كل ذلك شبيه بأطوار النبات على الأرض، ورحم الله من يقول: [البسيط] ما أنت إلاّ كزرع عند خضرته... لكلّ شيء من الآفات مقصود فإن سلمت من الآفات أجمعها... فأنت من بعد ذا لا بدّ محصود الإعراب: ﴿وَاضْرِبْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (اضرب): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَثَلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف. ﴿كَماءٍ:﴾ متعلقان بالفعل (اضرب) على أنهما مفعوله الثاني، إن كان بمعنى: صير، وأوضع منه أن تعتبر الكاف اسما بمعنى: مثل مبنيا على الفتح في محل نصب مفعوله الثاني، والكاف مضاف، و (ماء) مضاف إليه. هذا؛ وإن كان الفعل بمعنى: اذكر، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو كماء،

стр. 3334

وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب بدلا من ﴿مَثَلَ الْحَياةِ﴾. وجملة: ﴿وَاضْرِبْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة (ماء). ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب. ﴿فَاخْتَلَطَ:﴾ ماض. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان به. ﴿نَباتُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿الْأَرْضِ﴾ مضاف إليه، والجملة: ﴿فَاخْتَلَطَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿فَأَصْبَحَ:﴾ ماض ناقص، وهو بمعنى: صار، واسمه يعود إلى ﴿نَباتُ الْأَرْضِ﴾. ﴿هَشِيماً:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. هذا؛ ووجود رابط في الأولى رابط لكل ما يعطف عليها. ﴿تَذْرُوهُ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والهاء مفعول به. ﴿الرِّياحُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ثان لأصبح، وهو أقوى من اعتبارها صفة هشيما. ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بما بعدهما، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مُقْتَدِراً:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦)﴾ الشرح: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ..﴾. إلخ: يتزين بهما الإنسان في دنياه، ثم تفنى هذه الزينة، وإنما كانا زينة الحياة الدنيا؛ لأن في المال جمالا، ونفعا، وفي البنين قوة، ودفعا، فصارا زينة الحياة الدنيا، وإنما أفرد ﴿زِينَةُ﴾ مع كونها عائدة على اثنين؛ لأنها مصدر، فصح الإخبار بها عن الاثنين، وهي بمعنى: المفعول، أو هي من قبيل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ الآية رقم [٦٢] من سورة (التوبة). ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ:﴾ لقد اختلف في تفسيرها، فقال ابن عباس، وابن جبير، وأبو ميسرة، وعمرو بن شرحبيل: هي الصلوات الخمس. والصحيح: أنها كل عمل صالح من قول، أو فعل يبقى للآخرة. وقال علي-﵁: «الحرث حرثان، فحرث الدنيا: المال والبنون، وحرث الآخرة: الباقيات الصالحات، وقد جمعهن الله تعالى لأقوام». وقال الجمهور: هي الكلمات المأثور فضلها: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حول، ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم) خرجه مالك في موطئه عن عمارة بن صيّاد عن سعيد بن المسيب. وعن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فإنّهنّ الباقيات الصّالحات، وهنّ يحططن الخطايا كما تحطّ الشجرة ورقها، وهي من كنوز الجنّة». رواه الطبراني.

стр. 3335

وقال عبيد بن عمير: هن البنات، يدل عليه، أوائل الآية. قال تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ثم قال: ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ يعني البنات الصالحات، هن عند الله لآبائهن خير ثوابا، وخير أملا في الآخرة لمن أحسن إليهن. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٩] من سورة (النحل)، وخذ ما يلي: روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «لقد رأيت رجلا من أمّتي أمر به إلى النار، فتعلق به بناته، وجعلن يصرخن، ويقلن: ربّ إنه كان يحسن إلينا في الدّنيا، فرحمه الله بهنّ». هذا؛ وليس في زينة الدنيا خير، ولكنه في التحقيق ممّا يظنه الجهال: أنه خير في ظنهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الآية رقم [٧٦] من سورة (مريم) ﵍. هذا، وفي قوله تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ..﴾. إلخ فن الجمع، وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد، فقد جعل الله المال والبنين زينة الحياة الدنيا، ومنه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩٠]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ..﴾. إلخ ومنه قول الشاعر: [البسيط] آراؤه وعطاياه ونعمته... وعفوه رحمة للنّاس كلّهم وانظر المحسنات البديعية في كتاب قواعد اللغة العربية الذي شرحته، وحققته. الإعراب: ﴿الْمالُ:﴾ مبتدأ. ﴿وَالْبَنُونَ:﴾ معطوف عليه مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿زِينَةُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مجرور مثله، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف، والجملة الاسمية: ﴿الْمالُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْباقِياتُ:﴾ مبتدأ. ﴿الصّالِحاتُ:﴾ صفة لها. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، أو هي مستأنفة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿ثَواباً:﴾ تمييز. ﴿وَخَيْرٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَمَلاً:﴾ تمييز. ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧)﴾ الشرح: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾ أي: نزيلها من أماكنها من على وجه الأرض، ونسيرها كما نسير السحاب. قال تعالى في سورة (النمل): ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ و ﴿وَتَرَى:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، أو لكل واحد. ﴿بارِزَةً:﴾ ظاهرة، ليس عليها ما يسترها من جبل، أو شجر، أو بنيان. وقيل: المعنى برز ما فيها من الكنوز، والأموات، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ وقال: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ وهذا قول عطاء رحمه الله تعالى. ﴿وَحَشَرْناهُمْ:﴾ أخرجناهم من قبورهم، وسقناهم إلى المحشر جميعا برهم، وفاجرهم، إنسهم،

стр. 3336

وجنهم. ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً:﴾ فلم نترك أحدا منهم، والمغادرة: الترك، ومنه الغدر؛ لأنه ترك الوفاء. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿نُسَيِّرُ﴾ بالتاء، والبناء للمجهول، والبناء للمعلوم، ورفع الجبال معهما. هذا؛ والتعبير بالفعل الماضي في هذه الآية وما بعدها، وهو ينص على شيء يقع في المستقبل بلا ريب، إنما هو لتحقق وقوع ما يذكر، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة. هذا؛ و ﴿الْجِبالَ﴾ مفرده جبل ويجمع على: أجبل، وأجبال أيضا. الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): معطوف على الظرف ﴿عِنْدَ﴾ التقدير: وخير يوم، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: واذكر يوم.. إلخ وتكون هذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿وَاضْرِبْ..﴾. إلخ وما بينهما اعتراض. ﴿نُسَيِّرُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْجِبالَ:﴾ مفعول به، وعلى القراءتين الأخريين هو فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة يوم إليها. ﴿وَتَرَى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بارِزَةً:﴾ حال من الأرض؛ لأن الفعل بصري، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَحَشَرْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا، أو هي في محل نصب حال من الأرض على تقدير قد قبلها، والرابط: الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. لم: حرف جازم. ﴿نُغادِرْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». منهم: متعلقان بمحذوف حال من أحدا، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩] ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. والعطف هو الأقوى. ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨)﴾ الشرح: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا:﴾ قال مقاتل: يعرض الخلق صفا بعد صف كالصفوف في الصلاة، كل أمة، وزمرة صفا، لا أنهم صف واحد. وقيل: جميعا. وقيل: قياما، وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل-﵁: أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله ﵎ ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع: يا عبادي أنا الله، لا إله إلاّ أنا أرحم الرّاحمين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، يا عبادي لا خوف عليكم اليوم، ولا أنتم تحزنون، أحضروا حجّتكم ويسّروا جوابا، فإنكم مسئولون محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب». انتهى. قرطبي.

стр. 3337

﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: حفاة، عراة، لا مال معكم، ولا ولد. وقيل: فرادى كما في الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنعام)، انظرها فالبحث فيها جيد. هذا؛ وفي صحيح مسلم عن عائشة-﵂-قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر النّاس يوم القيامة حفاة عراة غرلا». قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة! الأمر أشدّ من أن يهمّهم ذلك». زاد النسائي في رواية له: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ومعنى غرلا: غير مختونين، والمراد: وجود القلفة التي تزال عند الختان، وهو تحقيق لما في هذه الآية. ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ..﴾. إلخ: بل ادعيتم باطلا، وافتراء أننا لن نجعل لكم وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الرسل من البعث، والحشر، والنشور، أو نجعل لكم مكان وعد للمحاسبة. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف تحية، وألف صلاة. الإعراب: ﴿وَعُرِضُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (عرضوا): ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى رَبِّكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿صَفًّا:﴾ حال بمعنى: مصطفين، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم مقدر. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جِئْتُمُونا:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، ونا مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول لقول محذوف واقع حالا، التقدير: مقولا لهم: لقد... إلخ. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿أَوَّلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿مَرَّةٍ﴾ مضاف إليه، وما المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: جئتمونا مجيئا كائنا مثل خلقنا إياكم أول مرة. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر، المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة معينة، وليس هذا منها. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب تستأنف بعده الجمل. ﴿زَعَمْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَلَّنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف. التقدير: أننا. (لن): حرف ناصب. ﴿نَجْعَلَ:﴾ مضارع منصوب ب: (لن) والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بموعدا بعدهما الذي هو مفعول به،

стр. 3338

وجملة: ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي زعم، وجملة: ﴿زَعَمْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩)﴾ الشرح: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ أي: نشرت كتب الأعمال؛ التي عملها بنو آدم في الدنيا. وانظر التعبير بالماضي عن المستقبل في الآية [٤٨] فقد روى القرطبي-رحمه الله تعالى-: أن عمر ﵁-قال لكعب: ويحك يا كعب! حدثنا من حديث الآخرة. قال: نعم يا أمير المؤمنين! «إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ، فلم يبق أحد من الخلائق، إلاّ وهو ينظر إلى عمله. قال: ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد، فتنثر حول العرش، وذلك قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ..﴾. إلخ. قال كعب: ثم يدعى المؤمن، فيعطى كتابه بيمينه، فينظر فيه، فإذا حسناته باديات للناس، وهو يقرأ سيئاته؛ لكيلا يقول: كانت لي حسنات، فلم تذكر، فأحب الله أن يريه عمله كلّه حتى إذا استنقص ما في الكتاب؛ وجد في آخر ذلك كلّه أنّه مغفور لك، وأنك من أهل الجنة، فعند ذلك يقبل إلى أصحابه، ثم يقول: ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ ثم يدعى بالكافر، فيعطى كتابه بشماله، ثم يلفّ، فيجعل من وراء ظهره، ويلوى عنقه، فذلك قوله: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ فينظر في كتابه، فإذا سيئاته باديات للناس، وينظر في حسناته لكيلا يقول: أفأثاب على السيئات؟!. وكان الفضيل بن عياض-رحمه الله تعالى-إذا قرأ هذه الآية، يقول: يا ويلتاه! ضجّوا إلى الله تعالى من الصغائر قبل الكبائر. ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً:﴾ مكتوبا في الصحف، أو وجدوا جزاء ما عملوا حاضرا. ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ أي: بنقص شيء من ثوابه، ولا بزيادة شيء من عقابه. وانظر الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء). هذا؛ والصغيرة: النظرة المحرمة، وكذلك: اللمسة، والقبلة، ونحو ذلك، وأما الكبيرة فهي ما تستحق حدا في الدنيا، وعقابا في الآخرة، ولا تنس: أنّ الإصرار على الصغيرة، والإكثار منها كبيرة. وخذ ما يلي: عن سهل بن سعد-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم ومحقّرات الذّنوب، فإنّما مثل محقّرات الذّنوب كمثل قوم، نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتّى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإنّ محقّرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه». رواه أحمد، وفي كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري كثير من هذا، ولا تنس: أن في المسلمين كثيرا من المجرمين والظالمين والفاسقين... إلخ، وقد بينته فيما مضى كثيرا، والله أسأل، وبنبيه أتوسل أن يهدينا جميعا سواء السبيل، فإنه خير مسئول.

стр. 3339

الإعراب: ﴿وَوُضِعَ:﴾ الواو: حرف عطف. (وضع): ماض مبني للمجهول. ﴿الْكِتابُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (ترى): مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب. ﴿مُشْفِقِينَ:﴾ حال من المجرمين؛ لأن الفعل بصري، منصوب، وعلامة النصب فيهما الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿فَتَرَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان ب: ﴿مُشْفِقِينَ؛﴾ لأنه اسم فاعل، لذا فاعله مستتر فيه. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل. ﴿يا وَيْلَتَنا:﴾ يا: قال الجلال: حرف تنبيه. (ويلتنا): قال الجلال: مصدر، لا فعل له من لفظه، وهو يعني: أنه مفعول مطلق، والتحقيق: أنه منادى، ونداء الويلة على تشبيهها بشخص يطلب إقباله، كأنه قيل: يا هلاكنا أقبل، فهذا، أوانك، ففيه استعارة مكنية، وتخييلية، وفيه تقريع لهم، وإشارة إلى أنه لا صاحب لهم غير الهلاك، وطلبوا هلاكهم، لئلا يروا ما هم فيه. انتهى جمل نقلا عن الشهاب. أقول: انظر شرح «الويل» في الآية رقم [٢] من سورة (إبراهيم) ﵇. وانظر إعراب ﴿يا وَيْلَتى﴾ في الآية رقم [٧٢] من سورة (هود) ﵇، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿ما لِهذَا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (لهذا): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (ها) التنبيه مقحمة بينهما، وهو حرف لا محل له. ﴿الْكِتابُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية، والندائية قبلها كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا، جملة: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ في محل نصب حال من ﴿الْكِتابُ،﴾ والرابط: الضمير فقط والعامل اسم الإشارة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَحْصاها:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الكتاب، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿صَغِيرَةً﴾ و ﴿كَبِيرَةً،﴾ أو هي في محل نصب مفعول به ثان؛ لأن يغادر بمعنى: يترك. ﴿وَوَجَدُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: وجدوا الذي، أو شيئا عملوه، وعلى اعتبار ﴿مِمّا﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: وجدوا عملهم. ﴿حاضِراً:﴾ حال من الضمير المنصوب المقدر، أو من المصدر عملهم، أو هو مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَوَجَدُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها، ويجب تقدير قد قبلها، وجملة: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ معطوفة أيضا، واعتبارها مستأنفة وجه صحيح، لا غبار عليه.

стр. 3340

﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ:﴾ انظر خلق آدم، وما المراد من السجود لآدم في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحجر) وما بعدها. وانظر شرح (آدم) في الآية رقم [٦١] من سورة (الإسراء). ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ:﴾ انظر شرح (إبليس) في الآية رقم [٣١] من سورة (الحجر). ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ:﴾ قال ابن عباس-﵄: كان من حيّ من الملائكة، يقال لهم: الجن خلقوا من نار السموم. وقال الحسن-رحمه الله تعالى-: كان من الجن، ولم يكن من الملائكة، فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، وكونه من الملائكة، لا ينافي كونه من الجن، بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ وذلك: أن قريشا قالت: الملائكة بنات الله، فهذا يدل على أنّ الملك يسمى جنا، ويعضده اللغة؛ لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر، فعلى هذا تدخل الملائكة فيه، فكل الملائكة جن لاستتارهم، وليس كل جن ملائكة، ووجه كونه من الملائكة أن الله تعالى استثناه من الملائكة، والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل، ويصح دخوله، وذلك يوجب كونه من الملائكة، ووجه من قال: إنه كان من الجن، ولم يكن من الملائكة قوله تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ والجن جنس مخالف للملائكة. وقوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ فأثبت له ذرية، والملائكة لا ذرية لهم، وأجيب عن الاستثناء: أنه استثناء منقطع، وهو مشهور في كلام العرب. قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً﴾ قيل: إنه كان من الملائكة، فلما خالف الأمر؛ مسخ، وطرد، ولعن. انتهى. خازن. ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ:﴾ خرج عن طاعة ربه. ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ..﴾. إلخ: فيه توبيخ، وتقريع لمن اتبع خطوات الشيطان الرجيم. ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ أي: بئس عبادة الشيطان بدلا من عبادة الله تعالى، أو بئس إبليس بدلا من الله. هذا؛ وقيل: ﴿عَنْ﴾ هنا بمعنى: بعد، انظر رقم [٦٣] من سورة (النور) تجد ما يسرك. بعد هذا لقد اختلف: هل لإبليس ذرية من صلبه. فقال الشعبي: سألني رجل، فقال: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: ذاك عرس لم أشهده، ثم ذكرت قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ﴾ فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم. وقال مجاهد: إن إبليس أدخل فرجه في فرج نفسه، فباض خمس بيضات، فهذا أصل ذريته. وقيل: إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا، وفي اليسرى فرجا، فهو ينكح هذا بهذا، فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا، وشيطانة، فهو يخرج، وهو يطير، وأعظمهم عند أبيهم منزلة أعظمهم في بني آدم فتنة. وقال قوم: ليس له أولاد، ولا ذرية، وذريته: أعوانه من الشياطين.

стр. 3341

قال القشيري أبو نصر: والجملة: أن الله تعالى أخبر: أن لإبليس أتباعا، وذرية، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم، وهم أعداؤهم، ولا يثبت عندنا كيفية في كيفية التوالد منهم، وحدوث الذرية عن إبليس، فيتوقف الأمر فيه على نقل صحيح. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح عن سلمان الفارسي ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكن أوّل من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فبها باض الشيطان، وفرّخ». وهذا يدل على أنّ للشيطان ذرية من صلبه، والله أعلم. انتهى. باختصار السند، أقول: وإذا علمت: أنّ لكل واحد من بني آدم قرينا من الشياطين، كما ذكرته لك مرارا؛ علمت: أنه لا بد من التوالد، وأنهم يموتون كما يموت بنو آدم إلا إبليس اللعين الذي طلب من الله النّظرة، والإمهال كما رأيت مرارا. وذكر الطبري وغيره: أن مجاهدا قال: ذرية إبليس: الشياطين، وكان يعدّهم: زلنبور صاحب الأسواق، يضع رايته في كل سوق بين السماء والأرض، يجعل تلك الراية على حانوت أول من يفتح، وآخر من يغلق، ويزين اللغو، والحلف الكاذب، ومدح السلع. وبتر، وهو صاحب المصائب، يزين ضرب الوجوه، وشق الجيوب، والدعاء بالويل، والثبور. والأعور صاحب الزنى ينفخ في إحليل الرجل، وعجيزة المرأة. ومطوس صاحب الأخبار الكاذبة، يلقيها في أفواه الناس، فلا يجدون لها أصلا. وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته، ولم يسم، ولم يذكر الله دخل معه، وشاركه في مبيته، وطعامه، وشرابه، انظر مشاركة الشيطان لابن آدم في الآية رقم [٦٤] من سورة (الإسراء). والولهان، وهو صاحب الطهارة يوسوس فيها. ومرة، وهو صاحب المزامير، وبه يكنى. قال ابن عطية: هذا؛ وما جانسه ممّا لم يأت به سند صحيح، ولم يمرّ بي في هذا صحيح إلا ما في كتاب مسلم من أن للصلاة شيطانا يسمى خنزب، وذكر الترمذي: أن للوضوء شيطانا يسمى: الولهان. انتهى. قرطبي. فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثمّ يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة، أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، ثمّ يجيء أحدهم، فيقول: ما تركته حتّى فرّقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت». رواه مسلم. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، فهو مبني على السكون في محل نصب. ﴿قُلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اُسْجُدُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿لِآدَمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: «اذكر...» إلخ المقدرة

стр. 3342

معطوفة على جملة: (اضرب لهم...) إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وجملة: ﴿فَسَجَدُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ وهل هو متصل، أو منقطع؟ انظر الشرح. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه، يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ﴾. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر كان، وجملة: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ في محل نصب حال من ﴿إِبْلِيسَ،﴾ و «قد» قبلها مقدرة، والرابط: الواو، والضمير، وأجيز اعتبارها تعليلا مستأنفا. ﴿فَفَسَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ﴾. ﴿عَنْ أَمْرِ:﴾ متعلقان به، و ﴿أَمْرِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿فَفَسَقَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (سجدوا...) إلخ، فهي في محل جر مثلها. وقيل: معطوفة على جملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ فهي في جملة التعليل، وهو أولى. ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. الفاء: حرف استئناف. (تتخذونه): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به أول. ﴿وَذُرِّيَّتَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب منصوب مثله وأجيز اعتباره مفعولا معه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِي:﴾ متعلقان بما قبلهما إما بالفعل، أو بمحذوف صفة ﴿أَوْلِياءَ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بعدوّ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر المبتدأ. وانظر شرحه في الآية رقم [٥٣] من سورة (الإسراء)، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من المفعول به، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. ﴿بِئْسَ:﴾ ماض جامد دال على إنشاء الذم، وفاعله مستتر فسره التمييز بعده. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَدَلاً،﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ. ﴿بَدَلاً:﴾ تمييز، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هو إبليس، وجملة: ﴿بِئْسَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١)﴾ الشرح: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ الضمير المنصوب يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ﴾ وذريته، المعنى: لم أحضرهم على خلق السموات والأرض، ولم أشاورهم بذلك، فكيف تتخذونهم

стр. 3343

أولياء من دوني؟!. وقيل: يعود الضمير إلى الملائكة. وقيل: يعود إلى الكفار أنفسهم، فكيف ينسبون إلى الله ما لا يليق بجلاله، وعظمته؟!، وقرئ: «(ما أشهدناهم)» على التعظيم. ﴿وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ولا أشهدتهم خلق أنفسهم، ولا استشرتهم في خلقها. قال القرطبي: فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين، وأهل الطبائع، والمتحكمين من الأطباء، وسواهم من كل من ينخرط في هذه الأشياء. انتهى. ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ أي: معينا، وناصرا، ومساعدا، والمراد: بالمضلين الشياطين، وأولياؤهم، وأتباعهم، وأصل العضد: العضو الذي هو من المرفق إلى الكتف. ففي الكلام استعارة، وفيه قراءات ثمانية. هذا؛ وقرئ بفتح التاء خطابا للنبي ﷺ . هذا؛ والعضد تذكر، وتؤنث. وقال اللحياني: العضد مؤنثة لا غير، وهي العضو ما بين المرفق، والكتف، وتكون بمعنى: الناصر والمعين، كما في الآية الكريمة على سبيل الاستعارة. قال أبو الشعر الهلالي، من قصيدة له مستجادة: [البسيط] كلا أخي وخليلي واجدي عضدا... في النّائبات وإلمام الملمّات وتكون بمعنى: القوة، كما في قوله تعالى: ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنقويك بأخيك. وقال طرفة بن العبد: [السريع] أبني لبينى لستم بيد... إلا يدا ليست لها عضد والعضد: قوام اليد، وبشدتها تشتد، ويقال في دعاء الخير: شدّ الله عضدك! وفي ضده: فتّ الله في عضدك! وقال تعالى لموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (القصص): ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٥]. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَشْهَدْتُهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿خَلْقَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿خَلْقَ:﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿خَلْقَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مُتَّخِذَ:﴾ خبر (كان)، وهو مضاف، و ﴿الْمُضِلِّينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الأول، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَضُداً:﴾ مفعول به ثان ل: ﴿مُتَّخِذَ﴾ وجملة: ﴿وَما كُنْتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

стр. 3344

﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢)﴾ الشرح: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أي: اذكروا يوم يقول الله تعالى. هذا؛ وقرئ الفعل بالنون، والياء قراءتان سبعيتان، فبالنون لمناسبة: ﴿وَإِذْ قُلْنا﴾ وبالياء لمناسبة: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾. ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ:﴾ ادعيتم أنهم آلهة فليمنعوكم من العذاب، وهذا القول لعبدة الأوثان يوم القيامة. ﴿فَدَعَوْهُمْ:﴾ فنادوا، واستغاثوا بهم. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أي: لم يجيبوهم، ولم يستطيعوا نصرهم. ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً﴾ أي: بين الأصنام وعبدتها مهلكا. قال أنس بن مالك-﵁: هو واد في جهنم من قيح ودم. وقال ابن عباس-﵄: هو واد في النار. وقيل: نهر تسيل منه نار وعلى حافتيه حيات مثل البغال الدّهم. وقيل: كل حاجر بين شيئين فهو موبق. وقيل: البين: تواصلهم في الدنيا، كان هلاكا لهم في الآخرة، انظر شرح: (بين) في الآية رقم [٤٥] من سورة (الإسراء)، وشرح (اليوم) في الآية رقم [١٤] منها، وشرح (القول) في الآية رقم [١٦] منها، وشرح «زعم» في الآية رقم [٥٦] منها أيضا، ومعنى ﴿شُرَكائِيَ:﴾ الذين أشركتموهم معي في العبادة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ و «موبق» اسم مكان، وياتي مصدرا ميميا أيضا، وجاء على وزن مفعل بكسر العين لأن مضارعه مكسور عينه، فهو من باب ضرب، وواوي الفاء أيضا. وانظر ما ذكرته في شرح (مسجد) في الآية رقم [٢١] و (مصرف) في الآية الآتية مثل (موبق)؛ لأن ماضيه: صرف، ومضارعه: يصرف بكسر الراء. الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، انظر، الشرح. ﴿يَقُولُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿نادُوا:﴾ أمر وفاعله، والألف للتفريق. ﴿شُرَكائِيَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا ممّا قبله، أو هو صفة له. ﴿زَعَمْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعولاه، أو ما يسد مسدهما محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، وجملة: ﴿نادُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة يوم إليها، وجملة: «اذكروا...» إلخ المقدرة مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَدَعَوْهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسْتَجِيبُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف

стр. 3345

مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو مفعول به على تفسيره ب: «وصلهم» والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مَوْبِقاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣)﴾ الشرح: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ:﴾ أبصر الكافرون النار، وما فيها. ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ أيقنوا: أنهم واقعون في جهنم، وفي الخبر: إن الكافر ليرى جهنم، ويظن: أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة، والمواقعة: ملابسة الشيء بشدة. ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً:﴾ مهربا، أو ملجأ يلتجئون إليه. هذا؛ وانظر ما ذكرته عن ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ في الآية رقم [٤٩] وانظر الظن في الآية رقم [١٠٢] من سورة (الإسراء) وهو هنا معناه اليقين؛ لأن رؤية النار يوم القيامة لا شك فيها. بعد هذا فالنار أصلها: النّور، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، وجمعها: أنور، ونيرة، ونيران، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين، والمجرمين، والظالمين... إلخ، من أبناء المسلمين. وانظر دركاتها في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر)، والفعل: نار، ينور. يستعمل لازما ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون. الإعراب: ﴿وَرَأَى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ فاعل مرفوع إلخ. ﴿النّارَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَظَنُّوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ظنوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُواقِعُوها:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وها: في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنّوا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. لم: حرف جازم. ﴿يَجِدُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله والألف للتفريق. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه اسم زمان، أو مكان، أو هو مصدر ميمي. ﴿مَصْرِفاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا..﴾. إلخ معطوفة على خبر (أنّ)، واعتبارها حالا من فاعل ﴿مُواقِعُوها﴾ المستتر لا بأس به. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٤١] من سورة (الإسراء) ففيها الكفاية. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ أي: جدالا في الباطل. قال ابن عباس-رضي الله

стр. 3346

عنهما-: أراد النضر بن الحارث، وجداله في القرآن. وقيل: أراد به أبيّ بن خلف. وقيل: أراد جميع الكفار، وهو الأولى. فعن علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-: أن رسول الله ﷺ طرقه، وفاطمة-﵂-ليلا، فقال: «ألا تصلّيان». فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت له ذلك، ثمّ سمعته، وهو مدبر يضرب فخذه، ويقول: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾. والجدل: شدة الخصومة. وهي مذمومة إلا عند الضرورة، فعن أبي هريرة ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل». ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً﴾. رواه الترمذي وابن ماجة. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٤١] و [٨٩] من سورة (الإسراء) ففيهما الكفاية. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): ماض ناقص. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ اسم (كان). ﴿أَكْثَرَ:﴾ خبر (كان)، و ﴿أَكْثَرَ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿جَدَلاً:﴾ تمييز، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الناس؛ فلست مفندا، ويكون الرابط الواو فقط، و «قد» قبلها مقدرة. ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥)﴾ الشرح: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ..﴾. إلخ: المعنى وما منع الكافرين من الإيمان بالله ورسوله وقت مجيء الهدى إليهم، وما صدهم عن استغفار ربهم، وطلب العفو منه عنهم إلا انتظارهم أن يحل بهم ما حل بالأمم السابقة، وهو عذاب الاستئصال، والهلاك، أو إلا أن يحل بهم حكم الله بالانتقام منهم. وقيل: المعنى: ما منعهم من الإيمان إلا طلبهم أن تأتيهم سنّة الأولين. فحذف. وهذا تجلى في قولهم: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً﴾ أي: عيانا، ومشاهدة. وقيل: فجأة. وهو يقرأ بضمتين، فقيل: جمع: قبيل بمعنى: أنواع. ويقرأ بفتحتين، وهو لغة فيه. وقيل: هو بمعنى: متفرقا يتلو بعضه بعضا، وقرئ: (قبلا) بكسر وفتح، وهو بالمعنى الأول: الذي رأيته، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. بعد هذا انظر شرح: (الناس) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿جاءَ﴾ في الآية رقم [٥] منها، وشرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] منها، وشرح: ﴿سُنَّةُ﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الحجر)، وشرح ﴿أَتى﴾ في الآية رقم [١] من سورة (النحل)، وشرح (أوّل) في الآية رقم [٢٤] منها.

стр. 3347

الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مَنَعَ:﴾ ماض. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو، فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل جر بحرف جر محذوف، على الخلاف بين سيبويه، والخليل. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل يؤمنوا، وعلقه الجمل بالفعل ﴿مَنَعَ﴾. ﴿جاءَهُمُ:﴾ ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْهُدى:﴾ فاعله مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا:﴾ معطوف على ﴿يُؤْمِنُوا﴾ منصوب مثله... إلخ. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والمصدر المؤول، من: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ في محل رفع فاعل ﴿مَنَعَ﴾ وهنا يجب تقدير مضاف قبل المصدر المؤول؛ أي: انتظار إتيان العذاب. وانظر الشرح، ﴿سُنَّةُ:﴾ فاعل تأتي، وهو مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والهاء مفعول به. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعل. ﴿قُبُلاً:﴾ حال من العذاب، أو من الضمير المنصوب. هذا؛ ويشبه هذه الآية في معناها وإعرابها الآيتان رقم [٥٩ و ٩٤] من سورة (الإسراء)، وجملة: ﴿وَما مَنَعَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦)﴾ الشرح: ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ:﴾ للمؤمنين الطائعين بالرحمة، والجنة. ﴿وَمُنْذِرِينَ:﴾ للكافرين، والعاصين، والمجرمين بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، في نار الجحيم. ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ:﴾ باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات، والسؤال عن قصة أصحاب الكهف، ونحوه تعنتا، ومنه قولهم للرسل: ﴿ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ و ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً،﴾ ونحو ذلك. ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ:﴾ ليزيلوا بجدالهم الحق عن مقره، ويبطلوه، وأصل الدحض: الزلق، يقال: دحضت رجله؛ أي: زلقت، ودحضت حجته دحوضا: بطلت؛ لذا في الكلام استعارة بالفعل. ﴿وَاتَّخَذُوا آياتِي﴾ أي: القرآن المنزل على قلب محمد ﷺ . ﴿وَما أُنْذِرُوا:﴾ من العقاب، والتهديد، والوعيد. ﴿هُزُواً:﴾ استهزاء وسخرية. هذا؛ وهزوا مصدر هزأ يهزأ هزأ من باب فتح، ويأتي أيضا من باب تعب، والمصدر يأتي بضم الزاي وسكونها، وتخفيف الهمزة، فتقلب واوا، وقد قرئ بهما، وهما سبعيتان. هذا؛ والاستهزاء بالناس حرام قطعا، وآية الحجر الناهية عن السخرية والاستهزاء بالناس معروفة،

стр. 3348

وأحاديث النبي ﷺ الناهية عن ذلك مسطورة، ومشهورة. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ قصر إضافي، وهو هنا قصر موصوف على صفة، وهو كثير في كتاب الله تعالى، ومطابقة أيضا بين ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ و (منذرين). تأمل. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نُرْسِلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾ حال منصوب. ﴿وَمُنْذِرِينَ:﴾ معطوف عليه فهو حال مثله، وعلامة النصب في الثلاثة الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَما نُرْسِلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وعطف المثبتة على المنفية جائز. ﴿وَيُجادِلُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يجادل): مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والمفعول محذوف أي: المرسلين. ﴿بِالْباطِلِ:﴾ متعلقان بالفعل (يجادل) والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِيُدْحِضُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل يجادل أيضا. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به. ﴿وَاتَّخَذُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتخذوا): ماض، والواو فاعله. ﴿آياتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَيُجادِلُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، واعتبارها حالا من واو الجماعة جيد أيضا، والرابط: الواو، والضمير، وقد قبلها مقدرة أيضا. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. ما: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على ﴿آياتِي﴾. ﴿أُنْذِرُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول به. ﴿هُزُواً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: واتخذوا الذي، أو شيئا أنذروا به هزوا، هذا، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل نصب معطوف على ﴿آياتِي﴾ فيكون التقدير: اتخذوا آياتي وإنذارهم هزوا. تأمل، وتدبر. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ..﴾. إلخ: أي: لا أحد أظلم لنفسه من إنسان وعظ بآيات الله، فأعرض عنها، وتركها، وتهاون بها، ولم يعمل بها. ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أي: ما عمل من

стр. 3349

المعاصي، فالنسيان هنا بمعنى: الترك. وانظر الآية رقم [٢٤] هذا؛ ونسبت الأعمال كلها للأيدي وإن كانت من أعمال القلوب، والأرجل، والعيون والآذان تغليبا للأكثر على الأقل. ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٤٥] و [٤٦] من سورة (الإسراء) ففيهما الكفاية. ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى﴾ أي: إلى الإيمان، والمخاطب بذلك النبي ﷺ . ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً:﴾ وهذا في حق أقوام علم الله منهم: أنهم لا يؤمنون. وانظر الآية رقم [١٧] والمحال عليها من سورة (الرعد) برقم [٢٧] هذا؛ وفي أول الآية مراعاة لفظ (من)، وهو الإفراد، وفي آخرها مراعاة معنى (من)، وهو الجمع بالضمائر. تأمل، وفي الآية التفات من الغيبة إلى الحضور، انظر [٢٢] (النحل). هذا؛ و ﴿يَداهُ﴾ مثنى: يد، وهما كناية عما يعمله الإنسان من أعمال، وليست كل الأعمال من عملهما كما هو معروف. هذا؛ واليد تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق، ويراد بها القوة، والقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد؛ أي: نعمة، ومعروف وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِمَّنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿ذُكِّرَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (آيات) مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿ذُكِّرَ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، وجملة: ﴿فَأَعْرَضَ عَنْها﴾ معطوفة عليها. ﴿وَنَسِيَ:﴾ ماض. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿يَداهُ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نسي الذي، أو شيئا قدمته يداه، وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿ذُكِّرَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت ألفها. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ معلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَكِنَّةً:﴾ مفعول به، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، و «لا» مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا يفقهوه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلْنا،﴾

стр. 3350

وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهية فهمهم له، فالمحذوف مفعول لأجله. ﴿وَفِي آذانِهِمْ:﴾ معطوفان على ﴿قُلُوبِهِمْ﴾. ﴿وَقْراً:﴾ معطوف على ﴿أَكِنَّةً﴾ وإن قدرت: ﴿جَعَلْنا﴾ قبلهما، وضح لك ذلك، وجملة: ﴿جَعَلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ بمنزلة التعليل لإعراضهم عن آيات ربهم، ونسيانهم ما قدمته أيديهم. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَدْعُهُمْ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِلَى الْهُدى:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَهْتَدُوا:﴾ مضارع منصوب ب: (لن) وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل، لا عمل له. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨)﴾ الشرح: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ . ﴿الْغَفُورُ:﴾ البليغ المغفرة. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ:﴾ صاحب الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء، وهي تعمّ كل مخلوق في الدنيا، وتختصّ بالمؤمنين في الآخرة. وانظر الآية رقم [١٥٥] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ أي: من الكفر، والمعاصي، والسيئات. ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ﴾ أي: في الدنيا، ولكنه سبحانه يمهل، ولا يهمل. وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (النحل). ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ أي: أجل مقدر يؤخرون إليه، كقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ فإذا حل الأجل لم يتأخر العذاب عنهم، و ﴿مَوْعِدٌ﴾ يحتمل اسم المكان، والزمان، والمصدر الميمي، ومثله: (موئل). وانظر ما ذكرته في الآية [٥٣]. ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ:﴾ من دون الله. ﴿مَوْئِلاً:﴾ ملجأ، ولا منجى، بل، ولا مهربا، يقال: وأل: إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه. هذا؛ والكلام في أهل مكة، وهو يشمل أهل الظلم، والطغيان، والمعاصي، والسيئات في كل زمان ومكان، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 3351

الإعراب: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(رَبُّكَ):﴾ مبتدأ مرفوع، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْغَفُورُ:﴾ خبر أول. ﴿ذُو:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو﴾ مضاف، و ﴿الرَّحْمَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يُؤاخِذُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (ربك)، والهاء مفعول به. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، إذ التقدير: بالذي، أو بشيء كسبوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. وجملة: ﴿يُؤاخِذُهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَعَجَّلَ:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (عجل): ماض، والفاعل يعود إلى ربك. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها، ولو ومدخولها في محل رفع خبر ثالث للمبتدإ، أو هو كلام مستأنف بالإعراض عما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَوْعِدٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب.. إلخ. ﴿يَجِدُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق... ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مَوْئِلاً﴾ كان صفة له، فلما... إلخ. انظر مثله في الآية رقم [٩]، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مَوْئِلاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَنْ يَجِدُوا..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿مَوْعِدٌ﴾. تأمّل. ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩)﴾ الشرح: ﴿وَتِلْكَ الْقُرى﴾ أي: تلك القرى التي قصصنا عليك يا محمد نبأهم، نحو قرى عاد، وثمود، ومدين، وقوم لوط، وقومك يمرون على هذه القرى في أسفارهم إلى اليمن وإلى الشام، أفلا يعتبرون؟! هذا؛ والمراد: أهل القرى بلا ريب بدليل رجوع الضمير عليهم كما ترى. ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ أي: بأنواع من العذاب كما رأيت في سورة (الأعراف) وسورة (هود) ﵇. ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ أي: كفروا، وظلموا أنفسهم بمخالفة الله تعالى. ﴿وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ أي: وقتا معلوما، لا يستأخرون عنه ساعة، ولا يستقدمون. هذا؛ ويقرأ بضم الميم وفتح اللام على زنة المفعول، ويقرأ بفتح الميم مع كسر اللام وفتح اللام، فالقراءات ثلاث سبعيات، و (موعد) يحتمل الزمان، والمكان، والمصدر. وانظر ما ذكرته في ﴿مَوْبِقاً﴾ في الآية [٥٣].

стр. 3352

الإعراب: ﴿وَتِلْكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْقُرى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَهْلَكْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان، أو في محل نصب حال من أهل القرى، والعامل في الحال اسم الإشارة. هذا؛ ويجوز أن يكون القرى بدلا من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وتبقى الجملة الفعلية خبرا لاسم الإشارة، ويجوز أن يكون: ﴿وَتِلْكَ﴾ منصوب المحل بفعل مقدر يفسره المذكور بعده، التقدير: أهلكنا أهل القرى أهلكناهم، والكلام مستأنف على جميع الاعتبارات لا محل له. ﴿لَمّا:﴾ ظرف زمان بمعنى: حين، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ على جملة الوجوه المعتبرة فيها. ﴿لِمَهْلِكِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿مَوْعِداً﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال منه على نحو ما رأيت في الآية السابقة قبلها؛ أي: في قوله: ﴿مِنْ دُونِهِ،﴾ تأمل. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله. ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى:﴾ هو ابن عمران بن قاهت بن لاوي، بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف سلام، وألف صلاة. هذا؛ وموسى في الأصل: «موشى» مركبا من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: (مو) والشجر يقال له: (شا) فعربته العرب. وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر، لمّا ألقته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و (القصص). ﴿لِفَتاهُ:﴾ هو يوشع بن نون، بن افراثيم، بن يوسف بن يعقوب، وهو صاحب موسى، وولي عهده بعد وفاته، وهو الذي قاتل الجبابرة بعد موسى، وفتح مدينة أريحا. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦] من سورة (المائدة) تجد ما يسرك، والفتى: الشاب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] من سورة (يوسف) عليه الصلاة، والسّلام. ﴿لا أَبْرَحُ:﴾ لا أزال أسير. ﴿حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: ملتقاهما ببعضهما، واختلف في البحرين، فقيل: هما: بحر فارس، والروم. وقيل: هما: بحر الأردن، وبحر القلزم. وقيل: مجمع البحرين عند طنجة، فيكون المراد بالأولين الأبيض، والأسود، وملتقاهما هو مضيق الدردنيل، والمراد: بما بعدهما الأبيض والأحمر، وملتقاهما قناة السويس، وبما بعدهما الأبيض والأطلنطي، وملتقاهما مضيق جبل

стр. 3353

طارق، والله أعلم. ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ أي: أسير زمانا، هذا؛ وقيل: الحقب ثمانون سنة. وقيل: سبعون، والجمع: أحقاب، وقافه تضم، وقد تسكن. هذا؛ والحقبة بكسر الحاء: واحدة الحقب، وهي السنون. قال تعالى في سورة (النبأ): ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾. وسبب هذه القصة ما خرجه الصحيحان عن أبيّ بن كعب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنّ موسى ﵇ قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه؛ إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا، فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ». وذكر الحديث، واللفظ للبخاري. انتهى. قرطبي. وقال ابن عباس-﵄: لما ظهر موسى وقومه على أرض مصر، أنزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار، أمره الله أن ذكرهم بأيام الله، فخطب قومه، فذكرهم ما آتاهم الله من الخير، والنعمة؛ إذ نجاهم من آل فرعون، وأهلك عدوهم، واستخلفهم في الأرض، ثم قال: وكلم الله نبيكم تكليما، واصطفاه لرسالته، وألقى عليّ محبة منه، وآتاكم من كل ما سألتموه، فجعلكم أفضل أهل الأرض، ورزقكم العز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والتوراة بعد أن كنتم جهالا. فقال له رجل من بني إسرائيل: عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟! قال: لا. فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث الله جبريل ﵇، أن يا موسى، وما يدريك أين علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك. قال علماؤنا قوله في الحديث: «هو أعلم منك» أي: بأحكام وقائع مفصلة، وحكم نوازل معينة، لا مطلقا، بدليل قول الخضر لموسى: إنك على علم علمكه الله، لا أعلمه أنا، وأنا على علم علمنيه، لا تعلمه أنت. فيصدق على كل واحد منهما: أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما، لا يعلمه الآخر، فلما سمع موسى-﵇-هذا تشوقت نفسه الفاضلة، وهمته العالية لتحصيل ما لم يعلم، وللقاء من قيل فيه: إنه أعلم منك، فعزم، وسأل سؤال الذليل ب: كيف السبيل؟ فأمر بالارتحال على كل حال. وقيل له: احمل معك حوتا مالحا في مكتل، فحيث يحيا، وتفقده؛ فثمّ السبيل، فانطلق مع فتاه لما واتاه مجتهدا طلبا قائلا: لا أبرح حتى... إلخ. انتهى قرطبي. هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وقيل: إن موسى ﵇ سأل ربه؛ أيّ: عبادك أحبّ إليك؟ قال: الذي يذكرني، ولا ينساني. قال: فأي: عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق، ولا يتبع الهوى. قال: فأي: عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدل على هدى، أو ترده عن ردى، فقال: إن كان في عبادك أعلم مني فادللني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة.

стр. 3354

قال: كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا في مكتل، فحيث فقدته؛ فهو هناك، فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت، فأخبرني، فذهبا يمشيان. انتهى. والآيات التالية تفصل وتبين ما جرى. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وجملة: ﴿قالَ مُوسى﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿لِفَتاهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَبْرَحُ:﴾ مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره: «أنا»، والخبر محذوف، تقديره: أسير. انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿أَبْلُغَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل «أسير» المقدر. ﴿مَجْمَعَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَمْضِيَ:﴾ معطوف على ﴿أَبْلُغَ﴾ منصوب مثله، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿حُقُباً:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ أي: فلما وصل موسى، وفتاه مجمع البحرين. ﴿نَسِيا حُوتَهُما:﴾ كان النسيان من يوشع وحده، فنسب للاثنين على حد قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ وإنما يخرج من الملح وحده، وإنما نسب إليهما للصحبة. ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ:﴾ طريقه. ﴿فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ أي: مسلكا يسلكه. وقيل: المعنى: دخل فيه، واستتر، وأمسك الله عنه جري الماء، فصار عليه مثل الكوة. قيل: كان عند الصخرة التي انتهى إليها موسى وفتاه عين ماء، تسمى: عين الحياة، لا تصيب شيئا إلا حيي، فلما أصاب الحوت المشوي روح الماء وبرده؛ اضطرب في المكتل، وهاج، ودخل البحر. وقيل: توضأ يوشع من عين الحياة، فانتضح الماء على الحوت، فعاش، ووثب. ومثله مروي في البخاري عن ابن عباس، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿بَلَغا:﴾ ماض مبني على الفتح، والألف فاعله. ﴿مَجْمَعَ:﴾

стр. 3355

مفعول به، وهو مضاف، و ﴿بَيْنِهِما:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وجملة: ﴿بَلَغا..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لمّا)، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها. ﴿نَسِيا:﴾ ماض، والألف فاعله. ﴿حُوتَهُما:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وجملة: ﴿نَسِيا..﴾. إلخ جواب لمّا، لا محل لها، ولمّا ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَاتَّخَذَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿حُوتَهُما﴾. ﴿سَبِيلَهُ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جواب لما لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من سبيله، كما أجيز تعليقهما بمحذوف حال من ﴿سَرَباً﴾ كان: صفة له... إلخ. ﴿سَرَباً:﴾ مفعول به ثان. ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ أي: فلما ترك موسى وفتاه المكان الذي سقط فيه الحوت في البحر، وهو مجمع البحرين. ﴿قالَ﴾ أي: موسى. ﴿لِفَتاهُ﴾ أي: يوشع بن نون. ﴿آتِنا غَداءَنا:﴾ أعطنا طعاما. ﴿لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ أي: تعبا وشدة، وذلك: أنه ألقي على موسى ﵇ الجوع بعد ما جاوز المكان الموعود فيه أن يلتقي بذلك العالم؛ ليستفيد من علمه، وذلك؛ ليتذكر الحوت، ويرجع في طلبه. هذا؛ و ﴿لَقِينا﴾ بمعنى: وجدنا، أو صادفنا، ومصدره: اللّقي بضم اللام وكسر القاف، واللّقى بضم اللام مقصورا، واللقاء بكسرها ممدودا، ومقصورا. الإعراب: ﴿فَلَمّا جاوَزا:﴾ انظر الآية السابقة والمفعول محذوف، التقدير: جاوزا المكان الموعود فيه الالتقاء بالرجل العالم. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى موسى، ﵇. ﴿لِفَتاهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿آتِنا:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به أول. ﴿غَداءَنا:﴾ مفعول به ثان، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿لَقِينا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ سَفَرِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا) في محل جرّ بالإضافة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة سفرنا، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿نَصَباً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ: جواب القسم المقدّر لا محلّ لها، ثم الكلام ﴿آتِنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. جواب لما، لا محل لها، ولما ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.

стр. 3356

﴿قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣)﴾ الشرح: ﴿قالَ:﴾ يوشع ﵇. ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ أي: أتذكر حالنا وقت التجأنا إلى الصخرة، ونمت عندها، وهي في المكان الموعود للقاء الرجل الذي ننشده، وإن الحوت قد حيي، وذهب في البحر شاقا طريقه فيه، وقد أبصرته، ولكني نسيته، ومراده بالاستفهام تعجب موسى ﵇ ممّا اعتراه هناك من النسيان مع كون ما شاهده من حياة الحوت من العظائم التي لا تنسى، وقد جعل فقدانه علامة لوجدان المطلوب. وهذا أسلوب معتاد فيما بين الناس، يقول أحدهم لصاحبه: إذا نابه خطب: أرأيت ما نابني؟! يريد بذلك تهويله، وتعجيب صاحبه منه، وأنه ممّا لا يعهد وقوعه. انتهى جمل بتصرف. ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي: ما أنساني ذكره إلا الشيطان، فهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها، لكنّه لمّا عرف أمثالها، وشاهده من معجزات موسى ﵇، وهي كثيرة؛ قلّ اهتمامه بها، أو لعله نسي ذلك لاستغراقه في التفكر، وانجذاب قلبه إلى عالم القدس، بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسب النسيان للشيطان هضما لنفسه، وتوبيخا لها. ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ:﴾ طريقه. ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَباً:﴾ روي في بعض الأخبار: كان البحر للحوت سربا، ولموسى ولفتاه عجبا. وقيل: أي: شيء أعجب من حوت يؤكل منه دهرا. ثم صار حيا بعد أن أكل بعضه؟! هذا؛ وانظر شرح النسيان في الآية رقم [٢٤] وشرح (إبليس) وجنوده في الآية رقم [٥١] وشرح: ﴿سَبِيلاً﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (الإسراء) وشرح العجب في الآية رقم [٩]. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى فتى موسى. ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتنبيه. (رأيت): فعل، وفاعل، ومفعولاه محذوفان، التقدير: أرأيت أمرنا ما عاقبته؟ هذا؛ وقدر البيضاوي الكلام كما يلي: أرأيت ما دهاني؟ وتكون الجملة الاستفهامية قد سدت مسد المفعولين. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿أَرَأَيْتَ﴾ على التقدير الأول، ومتعلق بالفعل: دهاني على التقدير الثاني. ﴿أَوَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، ﴿إِلَى الصَّخْرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿فَإِنِّي:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿نَسِيتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْحُوتَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، ومتسببة عنه. وقيل: تعليل للدهشة التي اعترتهما ممّا نابهما، والمعنى لا يؤيده. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الاعتراض. (ما): نافية.

стр. 3357

﴿أَنْسانِيهُ:﴾ مضارع مرفوع. وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، والهاء في محل نصب مفعول به ثان، وهو يقرأ بضمه وكسره. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعل، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ في محل نصب بدلا من الضمير المنصوب بدل اشتمال، وجملة: ﴿وَما أَنْسانِيهُ..﴾. إلخ معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، واعتبارها حالا من تاء الفاعل، أو من الحوت لا بأس به، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير، وإعراب: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ مثل إعراب: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ في الآية [٦٢] والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ فهي في محل رفع مثلها، والكلام ﴿أَرَأَيْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقال مكي: ﴿عَجَباً﴾ مصدر إن جعلته من قول موسى ﵊، وتقف على ﴿الْبَحْرِ،﴾ كأنه لما قال فتى موسى: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾. قال موسى: أعجب عجبا. وإن جعلت: ﴿عَجَباً﴾ من قول فتى موسى، كان مفعولا ثانيا ل: ﴿وَاتَّخَذَ﴾ وقيل: تقديره: واتخذ سبيله في البحر يفعل شيئا عجبا، فهو نعت لمفعول محذوف. وقيل: إنه من قول موسى ﵇ كله، تقديره: واتخذ موسى سبيل الحوت في البحر يعجب ﴿عَجَباً،﴾ فالوقف على عجبا في هذا التأويل حسن. انتهى. وما يقارب هذا الكلام في البيضاوي أيضا. تنبيه: في الآية الكريمة إبدال الظاهر من الضمير، ومثله الآية رقم [٨٠] من سورة (مريم) وهذا الإبدال سائغ من ضمير الغيبة مطلقا، وكذلك سائغ إن كان ضمير حاضر، والبدل بدل بعض، أو اشتمال، فالأول: كقول العديل بن الفرخ: [الرجز] أوعدني بالسّجن والأداهم... رجلي فرجلي شثنة المناسم ف: رجلي بدل بعض من ياء المتكلم، ومثال الثاني: قول عدي بن زيد العبادي: [الوافر] ذريني إنّ أمرك لن يطاعا... وما ألفيتني حلمي مضاعا ﴿قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى ﵇. ﴿ذلِكَ﴾ أي: أمر الحوت، وفقده. ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ أي: هو الذي نطلبه؛ لأنه أمارة على وجود الرجل الذي ننشده. ﴿فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً﴾ أي: فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه يقصان قصصا؛ أي: يتبعان آثارهما اتباعا. وانظر شرح ﴿نَقُصُّ﴾ في الآية رقم [١٣]. تنبيه: حذف نافع، وأبو عمرو، والكسائي ياء ﴿نَبْغِ﴾ وقفا، وأثبتوها وصلا، وابن كثير أثبتها في الحالين، والباقون من السبعة حذفوها في الحالتين اتباعا للرسم، وكان من حقها

стр. 3358

الثبوت، وإنما حذفت تشبيها بالفواصل، أو لأن الحذف يأنس بالحذف، فإن (ما) موصولة حذف عائدها،. انتهى جمل. وانظر ما ذكرته في: ﴿يَأْتِ﴾ في الآية رقم [١٠٥] من سورة (هود) ﵇، ولا تنس: أن القراءة توقيفية. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى موسى ﵇. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿نَبْغِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، أو الثابتة حسبما رأيت، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ذلك الذي كنا نبغيه، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَارْتَدّا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ارتدا): ماض، والألف فاعله. ﴿عَلى آثارِهِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿قَصَصاً:﴾ مفعول مطلق عامله: (ارتد) على المعنى، أو هو محذوف، التقدير: يقصان آثارهما قصصا، وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب حال من ألف الاثنين؛ أي: مقتصين، أو هو نفسه حال على تأويل المصدر بمقتصين، وجملة: ﴿فَارْتَدّا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً (٦٥)﴾ الشرح: ﴿فَوَجَدا﴾ أي: عند رجوعهما إلى مجمع البحرين. ﴿عَبْداً مِنْ عِبادِنا:﴾ هو الخضر ﵇ في قول الجمهور، وبمقتضى الأحاديث الثابتة، وخالف من لا يعتد بقوله، فقال: ليس صاحب موسى بالخضر، بل هو عالم آخر. وقال مجاهد: سمي الخضر؛ لأنه كان إذا صلى اخضرّ ما حوله. وروى الترمذي عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّما سمّي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتزّ تحته خضراء». الفروة هنا: وجه الأرض. قاله الخطابي، وغيره، والخضر نبي عند الجمهور. وقيل: هو عبد صالح غير نبي. والآية تشهد بنبوته؛ لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي. وأيضا: فإن الإنسان لا يتعلم، ولا يتبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي. وقيل: كان ملكا وليس بشيء، واسمه: بليا بن ملكان، وكنيته أبو العباس. قيل: كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا، وتركوا الدنيا. روي: أن موسى، وفتاه حين رجعا إلى مجمع البحرين رأيا الخضر مسجى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السّلام؟ قال: أنا موسى أتيتك لتعلمني ممّا علمت رشدا. وروي: أن الخضر كان نائما على طنفسة خضراء على وجه الماء. وقيل: على جانب

стр. 3359

البحر، وهو متشح بثوب أخضر. هذا؛ واختلف: هل الخضر حيّ اليوم، أو ميت؟ فأنكر البخاري أن يكون حيا. وفي صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ قال قبل موته: «ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي حيّة». وسئل غير البخاري من الأئمة، فتلا قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، فقال: (لو كان الخضر حيا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي ﷺ ، ويجاهد بين يديه، ويتعلم منه). هذا؛ وما نقل من سؤال الخضر للعز بن عبد السّلام في مجلس وعظه عن تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ الله أعلم بحقيقة ذلك. وقد أثبت القرطبي حياته، وحياة إلياس، وأنهما يجتمعان مرة كل موسم من مواسم الحج. ومعنى: ﴿وَعَلَّمْناهُ..﴾. إلخ أي: علما ممّا يختصّ بنا، ولا يعلم إلا بتوفيقنا، وهو علم الغيوب. هذا؛ والإضافة في قوله تعالى: ﴿عِبادِنا﴾ إضافة تشريف كما في الآية رقم [١] من سورة (الإسراء). وانظر شرح (لدن) في الآية رقم [٨٠] وانظر «نا» والكلام عليها في الآية رقم [٢١] من سورة (الحجر). الإعراب: ﴿فَوَجَدا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿عَبْداً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ عِبادِنا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿عَبْداً،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿آتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿عَبْداً﴾ أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿وَعَلَّمْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿لَدُنّا:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿عِلْماً،﴾ كان: صفة له... إلخ. ﴿عِلْماً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَعَلَّمْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿آتَيْناهُ..﴾. إلخ وجملة: ﴿فَوَجَدا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَارْتَدّا..﴾. إلخ تأمل. ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦)﴾ الشرح: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ:﴾ معناه: أتأذن لي في صحبتك. ﴿عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا..﴾. إلخ: أي: علما ترشدني به إلى ما ينفعني في ديني، ودنياي، فقد روي: أن الخضر قال لموسى: كفى بالتوراة علما، وببني إسرائيل شغلا، فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا. قال البيضاوي: ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممّن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين، وفروعه، لا مطلقا، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعا له، وسأله أن يرشده، وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله به عليه. انتهى.

стр. 3360

وقال القرطبي: في هذه الآية دليل على أنّ المتعلم تابع للعالم، وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن: أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أنّ الخضر كان أفضل منه، فقد يشذ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل لمن فضّله الله، فالخضر إن كان وليا فموسى أفضل منه؛ لأنه نبي، والنبي أفضل من الولي، وإن كان نبيا فموسى فضله بالرسالة. والله أعلم. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٣] من سورة (النحل)، ففيها مزيد فائدة. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به. ﴿مُوسى:﴾ فاعله مرفوع... إلخ. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أَتَّبِعُكَ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنا» والكاف مفعول به. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تُعَلِّمَنِ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به أول، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الكاف؛ أي: أتبعك حال كونك معلما لي. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿عُلِّمْتَ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني، وهو العائد، أو الرابط محذوف، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والتقدير: من الذي، أو من شيء علمته. ﴿رُشْداً:﴾ مفعول به ثان ل: ﴿تُعَلِّمَنِ﴾ وأجيز اعتباره مفعولا لأجله، وحالا على تأويله ب: «مرشدا». وهو يقرأ بفتحتات، وبضم الراء وسكون الشين. هذا؛ والكلام: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧)﴾ الشرح: قال الخضر لموسى ﵇: إنك لا تقدر أن ترى مني عملا، وتسكت عليه؛ لأنك على علم علمك الله إياه لا أعلمه، وأنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وهو علم الكشف، وقد ترى مني أفعالا مخالفة لشرعك، ظاهرها: أنها مناكير، وبواطنها لم يحط علمك بها. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الخضر. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَسْتَطِيعَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَعِيَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو بالمصدر بعده، أو بمحذوف حال منه. فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿صَبْراً:﴾ مفعول به.

стр. 3361

﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨)﴾ الشرح: المعنى: وكيف تصبر يا موسى على أمور تراها مني، ولم تعلم أسرارها، وبواطنها، وهي مخالفة لشرعك في ظواهرها. هذا؛ وإن المتعلم على قسمين: متعلم ليس عنده شيء من العلوم، ولم يمارس الاستدلال، ولم يتعود التقرير، والاعتراض. ومتعلم حصل العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال، والاعتراض، ثم إنه يريد أن يخالط إنسانا أكمل منه، ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حق هذا القسم الثاني: شاقّ شديد؛ لأنه إذا رأى شيئا، أو سمع كلاما، فربما يكون ذلك في الظاهر منكرا عنده إلا أنه في الحقيقة صواب حق، ويمكن أن يكون موسى-على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من القسم الثاني. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَكَيْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده، وهو مفيد للتعجب. ﴿تَصْبِرُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى﴾. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿تُحِطْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿خُبْراً:﴾ مفعول مطلق؛ لأنه مرادف لمصدر ﴿تُحِطْ﴾ وملاق له في المعنى، وأجيز اعتباره تمييزا، والجملة: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ.﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول الخضر ﵇. ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى. ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ..﴾. إلخ: أي: سأصبر إن شاء الله على ما أرى من أفعالك، وتصرفاتك، ولا أخالفك في أمر تريده، ولا أعترض عليك بشيء أراه منك. وتعليق الوعد بالمشيئة، إما للتيمن، أو لعلمه بصعوبة الأمر، فإن مشاهدة الفساد، والصبر على خلاف المعتاد أمر صعب وشاق. وفيه دليل على أنّ أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى. وقد اختلف في الاستثناء: هل يشمل عدم العصيان؟ فقيل: يشمله. وقيل: استثنى في الصبر، فصبر، وما استثنى في قوله: ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ فاعترض، وسأل. بعد هذا انظر (الصبر) في الآية رقم [٤٢] من سورة (النحل) والمحال عليها أيضا في سورة (الرعد). وانظر شرح (القول) في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [١]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿سَتَجِدُنِي:﴾ السين: حرف استقبال. (تجدني): مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول.

стр. 3362

﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن شاء الله تجدني، والجملة الشرطية معترضة بين مفعولي الفعل (تجد). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أَعْصِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩]. ﴿أَمْراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿وَلا أَعْصِي..﴾. إلخ معطوفة على ﴿صابِراً﴾ فإنّ التقدير: تجدني صابرا، وغير عاص. هذا؛ والكلام: ﴿سَتَجِدُنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠)﴾ الشرح: المعنى: قال الخضر لموسى: فإن صحبتني، ومشيت معي، فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني، ولم تعلم وجه صحته؛ حتى أبين لك وجه صحته. وهذا منه تأديب، وإرشاد لما يقتضيه دوام الصحبة، فلو صبر، ودأب؛ لرأى العجب، لكنه أكثر الاعتراض، فتعين الفراق، والإعراض. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الخضر ﵇. ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِتَّبَعْتَنِي:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والنون للوقاية، والياء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها على نحو ما رأيت في الآية السابقة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَسْئَلْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وقرئ بفتح اللام وتشديد النون فيكون مبنيا على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب: (لا) الناهية، وتكون نون الوقاية قد حذفت، وياء المتكلم مفعول به، وقرئ: «(فلا تسألن)» بحذف ياء المتكلم، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿عَنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني؛ لأنه ينصب مفعولين، ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿أُحْدِثَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. منه: متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿ذِكْراً:﴾ مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل ﴿أُحْدِثَ﴾ في تأويل مصدر في

стр. 3363

محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَسْئَلْنِي،﴾ والكلام: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١)﴾ الشرح: ﴿فَانْطَلَقا﴾ أي: يمشيان على ساحل البحر يطلبان سفينة يركبانها، فوجدا سفينة، فركباها، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، وأمروهما بالخروج، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص، ولكن أرى وجوه الأنبياء. وفي صحيح البخاري، ومسلم عن أبي بن كعب-﵁-عن النبي ﷺ مرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة؛ لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت إلخ. قال: وقال رسول الله ﷺ : «وكانت الأولى من موسى نسيانا. قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرة في البحر، فقال له الخضر: ما علمي، وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر». انتهى. واطلاق لفظ النقص هنا تجوّز، قصد به التمثيل، والتفهيم؛ إذ لا نقص في علم الله، ولا نهاية لمعلوماته. هذا؛ وعن أبي العالية: لم ير الخضر حين خرق السفينة غير موسى، ولو رآه القوم لمنعوه من ذلك. وقيل: خرج أهل السفينة إلى جزيرة، وتخلف فخرق السفينة. وقيل: غير ذلك، ومعنى ﴿إِمْراً﴾ عجبا. وقيل: منكرا. وقال أبو عبيدة: الإمر: الداهية العظيمة، وأنشد: [الرجز] قد لقي الأقران منّي نكرا... داهية دهياء إدّا إمرا وقال الأخفش: يقال: أمر أمره يأمر أمرا: إذا اشتد. هذا؛ والأهل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة، وذو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ..﴾. إلخ. والجمع: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾. الإعراب: ﴿فَانْطَلَقا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (انطلقا): ماض، والألف فاعله. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، وجملة: «يمشيان...» إلخ المقدرة في محل نصب حال. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَكِبا:﴾ فعل ماض، وفاعله. ﴿فِي السَّفِينَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿خَرَقَها:﴾ ماض،

стр. 3364

والفاعل يعود إلى الخضر، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف كالجملة الفعلية قبله، لا محل له مثلها. هذا؛ ويعتبر الأخفش في مثل هذه الآية ﴿حَتّى﴾ جارة ل: ﴿إِذا،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قول الأخفش فهي متعلقة مع مجرورها بالفعل (انطلقا) وعلى الأول: فالوقف على انطلقا ثم يستأنف ما بعده. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى. الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (خرقتها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِتُغْرِقَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، ويقرأ الفعل بتشديد الراء وتخفيفها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَهْلَها:﴾ مفعول به، ويقرأ: (ليغرق أهلها) فيكون فاعلا، و (ها): في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جِئْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، وأجيز اعتباره مفعولا مطلقا؛ أي: مجيئا إمرا، والأول: أقوى. ﴿إِمْراً:﴾ صفة شيئا، وجملة: ﴿لَقَدْ جِئْتَ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول. ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢)﴾ الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الخضر. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف جازم. ﴿أَقُلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ لَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وانظر الإعراب بكامله في الآية رقم [٦٧] وجملة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى ﵇. ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ أي: بسبب نسياني وصيتك. وقيل: معناه: بما تركت من عهدك، ووصيتك أول مرة، وفيه دليل على أنّ النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف. ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي: لا تكلفني مشقة، ولا تضيق عليّ أمري، ولا تعسر عليّ متابعتك، ويسرها بالإغضاء عما ترى مني. وانظر (النسيان) في الآية رقم [٢٤] و ﴿عُسْراً﴾ يقرأ بضمتين، وبضم وسكون. وانظر ﴿رُحْماً﴾ في الآية رقم [٨١] الآتية.

стр. 3365

الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى ﵇. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تُؤاخِذْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء نسيته، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل بما بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بنسياني وصيتك. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(لا تُرْهِقْنِي):﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) والفاعل تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿مِنْ أَمْرِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بالمصدر بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿عُسْراً:﴾ مفعول به ثان، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤)﴾ الشرح: ﴿فَانْطَلَقا﴾ أي: يمشيان في الأرض بعد خروجهما من السفينة، ومعهما يوشع، وإنما لم يذكر في الآيات الثلاث؛ لأنه تابع لموسى فالمقصود ذكر موسى، والخضر، ويكون اكتفى بذكر المتبوع عن التابع. وقيل: الأظهر: أن موسى صرف فتاه لمّا لقي الخضر، وهو ضعيف. ﴿حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ:﴾ روي: أن الخضر وجد غلمانا يلعبون، فأخذ غلاما كافرا، فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين، كما روي: أنه أخذ رأسه بيده، فاقتلعه. وروي: أنه أخذ حجرا، فضرب به رأسه؛ حتى دفعه، فقتله. قال أبو العالية: لم يره إلا موسى، ولو رأوه؛ لحالوا بينه وبين الغلام. قال القرطبي: ولا اختلاف بين هذه الأحوال الثلاثة، فإنه يحتمل أن يكون دفعه أولا بالحجر، ثم أضجعه، فذبحه، ثم اقتلع رأسه. والله أعلم بما كان من ذلك، وحسبك بما جاء في الصحيح، وهو يعني الروايتين الأولى، والثانية. هذا؛ وقد اختلف في الغلام: هل كان بالغا أم لا؟ فالجمهور على أنه لم يكن بالغا؛ ولذلك قال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً﴾ أي: لم تذنب، ولم تدرك الحنث، وهو الذي يقتضيه لفظ الغلام، فإن الغلام في الرجال يقع على من لم يبلغ، وتقابله الجارية في النساء. وقد قتله الخضر لما علم من سره، وأنه طبع كافرا، كما في صحيح الحديث، وأنه لو أدرك؛ لأرهق أبويه كفرا، وقتل الصغير غير مستحيل إذا أذن الله في ذلك، فإن الله تعالى الفعال لما يريد، القادر على ما يشاء. انتهى. قرطبي بتصرف.
следующие страницы →