← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨)﴾ الشرح: المعنى: وكيف تصبر يا موسى على أمور تراها مني، ولم تعلم أسرارها، وبواطنها، وهي مخالفة لشرعك في ظواهرها. هذا؛ وإن المتعلم على قسمين: متعلم ليس عنده شيء من العلوم، ولم يمارس الاستدلال، ولم يتعود التقرير، والاعتراض. ومتعلم حصل العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال، والاعتراض، ثم إنه يريد أن يخالط إنسانا أكمل منه، ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حق هذا القسم الثاني: شاقّ شديد؛ لأنه إذا رأى شيئا، أو سمع كلاما، فربما يكون ذلك في الظاهر منكرا عنده إلا أنه في الحقيقة صواب حق، ويمكن أن يكون موسى-على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من القسم الثاني. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَكَيْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده، وهو مفيد للتعجب. ﴿تَصْبِرُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى﴾. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿تُحِطْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿خُبْراً:﴾ مفعول مطلق؛ لأنه مرادف لمصدر ﴿تُحِطْ﴾ وملاق له في المعنى، وأجيز اعتباره تمييزا، والجملة: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ.﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول الخضر ﵇. ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى. ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ..﴾. إلخ: أي: سأصبر إن شاء الله على ما أرى من أفعالك، وتصرفاتك، ولا أخالفك في أمر تريده، ولا أعترض عليك بشيء أراه منك. وتعليق الوعد بالمشيئة، إما للتيمن، أو لعلمه بصعوبة الأمر، فإن مشاهدة الفساد، والصبر على خلاف المعتاد أمر صعب وشاق. وفيه دليل على أنّ أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى. وقد اختلف في الاستثناء: هل يشمل عدم العصيان؟ فقيل: يشمله. وقيل: استثنى في الصبر، فصبر، وما استثنى في قوله: ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ فاعترض، وسأل. بعد هذا انظر (الصبر) في الآية رقم [٤٢] من سورة (النحل) والمحال عليها أيضا في سورة (الرعد). وانظر شرح (القول) في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [١]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿سَتَجِدُنِي:﴾ السين: حرف استقبال. (تجدني): مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول.

стр. 3362

﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن شاء الله تجدني، والجملة الشرطية معترضة بين مفعولي الفعل (تجد). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أَعْصِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩]. ﴿أَمْراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿وَلا أَعْصِي..﴾. إلخ معطوفة على ﴿صابِراً﴾ فإنّ التقدير: تجدني صابرا، وغير عاص. هذا؛ والكلام: ﴿سَتَجِدُنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠)﴾ الشرح: المعنى: قال الخضر لموسى: فإن صحبتني، ومشيت معي، فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني، ولم تعلم وجه صحته؛ حتى أبين لك وجه صحته. وهذا منه تأديب، وإرشاد لما يقتضيه دوام الصحبة، فلو صبر، ودأب؛ لرأى العجب، لكنه أكثر الاعتراض، فتعين الفراق، والإعراض. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الخضر ﵇. ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِتَّبَعْتَنِي:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والنون للوقاية، والياء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها على نحو ما رأيت في الآية السابقة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَسْئَلْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وقرئ بفتح اللام وتشديد النون فيكون مبنيا على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب: (لا) الناهية، وتكون نون الوقاية قد حذفت، وياء المتكلم مفعول به، وقرئ: «(فلا تسألن)» بحذف ياء المتكلم، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿عَنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني؛ لأنه ينصب مفعولين، ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿أُحْدِثَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. منه: متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿ذِكْراً:﴾ مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل ﴿أُحْدِثَ﴾ في تأويل مصدر في

стр. 3363

محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَسْئَلْنِي،﴾ والكلام: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١)﴾ الشرح: ﴿فَانْطَلَقا﴾ أي: يمشيان على ساحل البحر يطلبان سفينة يركبانها، فوجدا سفينة، فركباها، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، وأمروهما بالخروج، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص، ولكن أرى وجوه الأنبياء. وفي صحيح البخاري، ومسلم عن أبي بن كعب-﵁-عن النبي ﷺ مرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة؛ لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت إلخ. قال: وقال رسول الله ﷺ : «وكانت الأولى من موسى نسيانا. قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرة في البحر، فقال له الخضر: ما علمي، وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر». انتهى. واطلاق لفظ النقص هنا تجوّز، قصد به التمثيل، والتفهيم؛ إذ لا نقص في علم الله، ولا نهاية لمعلوماته. هذا؛ وعن أبي العالية: لم ير الخضر حين خرق السفينة غير موسى، ولو رآه القوم لمنعوه من ذلك. وقيل: خرج أهل السفينة إلى جزيرة، وتخلف فخرق السفينة. وقيل: غير ذلك، ومعنى ﴿إِمْراً﴾ عجبا. وقيل: منكرا. وقال أبو عبيدة: الإمر: الداهية العظيمة، وأنشد: [الرجز] قد لقي الأقران منّي نكرا... داهية دهياء إدّا إمرا وقال الأخفش: يقال: أمر أمره يأمر أمرا: إذا اشتد. هذا؛ والأهل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة، وذو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ..﴾. إلخ. والجمع: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾. الإعراب: ﴿فَانْطَلَقا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (انطلقا): ماض، والألف فاعله. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، وجملة: «يمشيان...» إلخ المقدرة في محل نصب حال. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَكِبا:﴾ فعل ماض، وفاعله. ﴿فِي السَّفِينَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿خَرَقَها:﴾ ماض،

стр. 3364

والفاعل يعود إلى الخضر، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف كالجملة الفعلية قبله، لا محل له مثلها. هذا؛ ويعتبر الأخفش في مثل هذه الآية ﴿حَتّى﴾ جارة ل: ﴿إِذا،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قول الأخفش فهي متعلقة مع مجرورها بالفعل (انطلقا) وعلى الأول: فالوقف على انطلقا ثم يستأنف ما بعده. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى. الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (خرقتها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِتُغْرِقَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، ويقرأ الفعل بتشديد الراء وتخفيفها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَهْلَها:﴾ مفعول به، ويقرأ: (ليغرق أهلها) فيكون فاعلا، و (ها): في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جِئْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، وأجيز اعتباره مفعولا مطلقا؛ أي: مجيئا إمرا، والأول: أقوى. ﴿إِمْراً:﴾ صفة شيئا، وجملة: ﴿لَقَدْ جِئْتَ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول. ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢)﴾ الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الخضر. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف جازم. ﴿أَقُلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ لَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وانظر الإعراب بكامله في الآية رقم [٦٧] وجملة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى ﵇. ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ أي: بسبب نسياني وصيتك. وقيل: معناه: بما تركت من عهدك، ووصيتك أول مرة، وفيه دليل على أنّ النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف. ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي: لا تكلفني مشقة، ولا تضيق عليّ أمري، ولا تعسر عليّ متابعتك، ويسرها بالإغضاء عما ترى مني. وانظر (النسيان) في الآية رقم [٢٤] و ﴿عُسْراً﴾ يقرأ بضمتين، وبضم وسكون. وانظر ﴿رُحْماً﴾ في الآية رقم [٨١] الآتية.

стр. 3365

الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى ﵇. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تُؤاخِذْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء نسيته، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل بما بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بنسياني وصيتك. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(لا تُرْهِقْنِي):﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) والفاعل تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿مِنْ أَمْرِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بالمصدر بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿عُسْراً:﴾ مفعول به ثان، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤)﴾ الشرح: ﴿فَانْطَلَقا﴾ أي: يمشيان في الأرض بعد خروجهما من السفينة، ومعهما يوشع، وإنما لم يذكر في الآيات الثلاث؛ لأنه تابع لموسى فالمقصود ذكر موسى، والخضر، ويكون اكتفى بذكر المتبوع عن التابع. وقيل: الأظهر: أن موسى صرف فتاه لمّا لقي الخضر، وهو ضعيف. ﴿حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ:﴾ روي: أن الخضر وجد غلمانا يلعبون، فأخذ غلاما كافرا، فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين، كما روي: أنه أخذ رأسه بيده، فاقتلعه. وروي: أنه أخذ حجرا، فضرب به رأسه؛ حتى دفعه، فقتله. قال أبو العالية: لم يره إلا موسى، ولو رأوه؛ لحالوا بينه وبين الغلام. قال القرطبي: ولا اختلاف بين هذه الأحوال الثلاثة، فإنه يحتمل أن يكون دفعه أولا بالحجر، ثم أضجعه، فذبحه، ثم اقتلع رأسه. والله أعلم بما كان من ذلك، وحسبك بما جاء في الصحيح، وهو يعني الروايتين الأولى، والثانية. هذا؛ وقد اختلف في الغلام: هل كان بالغا أم لا؟ فالجمهور على أنه لم يكن بالغا؛ ولذلك قال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً﴾ أي: لم تذنب، ولم تدرك الحنث، وهو الذي يقتضيه لفظ الغلام، فإن الغلام في الرجال يقع على من لم يبلغ، وتقابله الجارية في النساء. وقد قتله الخضر لما علم من سره، وأنه طبع كافرا، كما في صحيح الحديث، وأنه لو أدرك؛ لأرهق أبويه كفرا، وقتل الصغير غير مستحيل إذا أذن الله في ذلك، فإن الله تعالى الفعال لما يريد، القادر على ما يشاء. انتهى. قرطبي بتصرف.

стр. 3366

ومعنى ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: قتلا لم يكن قصاصا بقتل نفس مثلها، ولقد اختلف أيهما أبلغ ﴿إِمْراً﴾ أم ﴿نُكْراً﴾ فقالت فرقة من الناس: هذا قتل بين، وهناك؛ أي: إغراق من في السفينة مترقب ف: ﴿نُكْراً﴾ أبلغ. وقالت فرقة: هذا قتل واحد، وذاك قتل جماعة ف: ﴿إِمْراً﴾ أبلغ. وقال ابن عطية: ﴿إِمْراً﴾ أفظع وأهول من حيث هو متوقع عظيم، و ﴿نُكْراً﴾ بين في الفساد؛ لأن مكروهه قد وقع، وهذا بين فكانا لمعنيين مختلفين. بقي أن تعرف الفرق بين دخول الفاء بقوله: ﴿فَقَتَلَهُ﴾ وعدم دخولها بقوله: ﴿خَرَقَها﴾ قال السمين: جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتل الغلام من جملة الشرط معطوفا عليه، فإن قلت: لم خولف بينهما؟ قلت: لأن الخرق لم يعقب الركوب، وقد عقب القتل لقاء الغلام. وعن ابن عباس-﵄-أن نجدة الحروري كتب إليه، كيف جاز للخضر أن يقتل الغلام، وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل الولدان؟ فكتب إليه: إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل. انتهى نسفي. بعد هذا انظر (لقي) في الآية رقم [٦٢] وشرح (غلام) في الآية رقم [٥٣] من سورة (الحجر)، وشرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٥] من سورة (النحل)، وشرح ﴿النَّفْسَ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وانظر شرح «غير» في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد). الإعراب: ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً:﴾ انظر الآية رقم [٧٢]. ﴿فَقَتَلَهُ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الخضر، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لَقِيا غُلاماً﴾ فهي في محل جر مثلها. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿أَقَتَلْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (قتلت): فعل، وفاعل. ﴿نَفْساً:﴾ مفعول به. ﴿زَكِيَّةً:﴾ صفة ﴿نَفْساً،﴾ ويقرأ: «(زاكية)». ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل (قتلت)، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: قتلا كائنا بغير نفس. وقيل: متعلقان بمحذوف على أنه حال من الفاعل، أو من المفعول؛ أي: قتلته ظالما، أو مظلوما، كذا قدره أبو البقاء، واستبعده السمين. انتهى جمل. و (غير): مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَقَتَلْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ انظر الآية رقم [٧١] ففيها الكفاية، والجملة القسمية في محل نصب مقول القول. ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥)﴾ شرح هذه الآية وإعرابها مثل الآية رقم [٧٢] وزيد فيها هنا ﴿لَكَ﴾ توكيدا للتوبيخ؛ لأنه اعترض مرتين، وفي البيضاوي: زاد فيه ﴿لَكَ﴾ مكافحة بالعتاب على رفض الوصية، ووسما بقلة الثبات، والصبر لمّا تكرر منه الاشمئزاز، والاستنكار، ولم يرعو بالتذكير أول مرة، حتى زاد في الاستنكار ثاني مرة. انتهى.

стр. 3367

﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى متعذرا. ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ أي: بعد هذه المرة، ففارقني، ولا تصحبني معك. هذا؛ وقرئ: «(فلا تصحبني)» و «(لا تصحبنّي)». ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ أي: بلغت مبلغا تعذر به في ترك مصاحبتي. وقرئ: ﴿لَدُنِّي﴾ بقراءات كثيرة. وانظر رقم [٨٠] من سورة (الإسراء). فعن أبي بن كعب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «رحمة الله علينا، وعلى موسى» -وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه- «لولا أنه عجل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة». متفق عليه، ومعنى ذمامة: حياء وإشفاق، من الذم واللوم. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾ تقديره: «هو». ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿سَأَلْتُكَ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿عَنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿بَعْدَها:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف صفة ﴿شَيْءٍ﴾ و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُصاحِبْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، أو هو مبني على الفتح في محل جزم على القراءة الثانية، والنون للوقاية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَلَغْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ لَدُنِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿عُذْراً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و (لدن) مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ وانظر ما قيل فيه من قراءات، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿عُذْراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿قَدْ بَلَغْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الضمير، وإن اعتبرتها تعليلا للنهي فالمعنى لا يأباه. تأمل. ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧)﴾ الشرح: ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄: هي أنطاكية. وقيل: هي الأبلّة قاله قتادة، وابن سيرين، وهي أبخل قرية، وأبعدها من السماء. وقيل غير ذلك أقوال كثيرة، وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت القصة، كما رأيت في الكلام على مجمع البحرين، والله أعلم بحقيقة ذلك.

стр. 3368

﴿اِسْتَطْعَما أَهْلَها:﴾ طلبا طعاما. ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما:﴾ قال أبي بن كعب-﵁-عن النبي ﷺ : «أتيا أهل قرية لئاما، فطافا في المجالس، فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيّفوهما». وعن أبي هريرة-﵁-قال: «أطعمتهما امرأة من أهل بربر، بعد أن طلبا من الرجال، فلم يطعموهما، فدعا موسى لنسائهم، ولعن رجالهم» وعن قتادة-﵁-قال: شر القرى التي لا تضيف الضيف. انتهى. وقد قال الرسول ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». ﴿فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي: يسقط، وهذا من مجاز الكلام؛ لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب، ودنا من السقوط، كما تقول: داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها، فاستعير لها النظر، كما استعير للجدار الإرادة، وهو مستعمل في اللغة العربية نثرا، ونظما. قال الشاعر: [الوافر] يريد الرّمح صدر أبي براء... ويعدل عن دماء بني عقيل فجعل للرمح إرادة بشيء، وعدولا عن شيء آخر. وقال حسان-﵁: [الخفيف] إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل... لزمان يهمّ بالإحسان وقال الزمخشري في كشافه: وسمعت من يقول: عزم السّراج أن يطفأ، وطلب أن يطفأ. وإذا كان القول، والنطق، والشكاية، والصدق، والكذب، والسكوت، والتمرد، والإباء، والعزة، والطواعية، وغير ذلك مستعارة للجماد، ولما لا يعقل، فما بال الإرادة؟. انتهى. ﴿فَأَقامَهُ﴾ أي: سواه. وفي حديث أبي بن كعب عن النبي ﷺ : «فقال الخضر بيده هكذا؛ فأقامه». وقال ابن عباس: هدمه، وقعد يبنيه. وقال سعيد بن جبير-﵁: مسحه بيده، وأقامه فقام. قال القرطبي: وهذا هو القول الصحيح، وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، بل والأولياء. وفي بعض الأخبار: إنّ سمك ذلك الحائط كان ثلاثين ذراعا بذراع ذلك القرن، وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعا، فأقامه الخضر ﵇؛ أي: سواه بيده فاستقام. انتهى. ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً:﴾ والمعنى: أنك قد علمت أننا جياع، وأن أهل القرية لم يطعمونا، فلو أخذت أجرا على عملك؛ حتى نستدفع فيه الضرورة، ومسيس الحاجة إلى الطعام. هذا؛ وقد قيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر ﵉: إنها حجة على موسى، وعجب له، وذلك: أنه لما أنكر خرق السفينة؛ نودي: يا موسى! أين كان تدبيرك هذا، وأنت في التابوت مطروحا في اليم؟! فلما أنكر أمر الغلام؛ قيل له: أين إنكارك هذا من وكزك القبطي، وقضائك عليه؟! فلما أنكر إقامة الجدار؛ نودي: أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر؟!

стр. 3369

الإعراب: ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام إفرادا وجملا في الآية رقم [٧١] ﴿فَأَبَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْ﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُضَيِّفُوهُما:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية، وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَبَوْا..﴾. إلخ معطوفة على جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها مثله. ﴿فَوَجَدا:﴾ ماض، والألف فاعله. ﴿فِيها:﴾ متعلقان به. ﴿جِداراً:﴾ مفعول به. ﴿يُرِيدُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الجدار) والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَنْقَضَّ﴾ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿جِداراً،﴾ وجملة: (وجدا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. (أقامه): ماض ومفعوله، وفاعله يعود إلى الخضر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شِئْتَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لاتَّخَذْتَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (اتخذت): فعل، وفاعل والجملة جواب (لو)، لا محل لها. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من أجرا، كان صفة له... إلخ. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به، ولو ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقيل: إن جملة: ﴿اِسْتَطْعَما..﴾. إلخ صفة ﴿قَرْيَةٍ﴾ فيكون ما بعدها معطوفا عليها، وتكون جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ وهو كما ترى ضعيف معنى. ﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الخضر. ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي: هذا؛ وقت فراق بيني وبينك. وقيل: الإشارة إلى الاعتراض الثالث. ﴿سَأُنَبِّئُكَ:﴾ سأخبرك. ﴿بِتَأْوِيلِ:﴾ بتفسير، وشرح، وبيان الأمور التي لم تقدر أن تصبر عليها، ولم يحط علمك بها. وانظر شرح ﴿نَبَأَهُمْ﴾ في الآية رقم [١٣] وشرح (بين) في الآية رقم [٤٥] من سورة (الإسراء). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو». ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿فِراقُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿بَيْنِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول،

стр. 3370

وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سَأُنَبِّئُكَ:﴾ السين: حرف استقبال. (أنبئك): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا» والكاف مفعول به. ﴿بِتَأْوِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (تأويل): مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿تَسْتَطِعْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر، أو بمحذوف حال منه على نحو ما رأيت فيما سبق. ﴿صَبْراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَمْ تَسْتَطِعْ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (على)، وجملة: ﴿سَأُنَبِّئُكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩)﴾ الشرح: قيل: إن موسى ﵇ أخذ بثوب الخضر. وقال: أخبرني بمعنى: ما علمت قبل أن تفارقني، فقال الخضر ﵇: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ أي: التي قلعت لوحا من ألواحها بالقدوم. ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: يؤجرونها للناس في نقل بضائعهم، وكانوا عشرة إخوة منهم خمسة عجزة لا يستطيعون العمل، وخمسة أصحاء أقوياء، وهم الذين يعملون في البحر لهم، ولإخوتهم العجزة. ففي الكلام تغليب، وكانوا قد ورثوها عن أبيهم. ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ أي: أجعلها ذات عيب. يقال: عبت الشيء، فعاب: إذا صار ذا عيب، فهو معيب، وعائب. ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ﴾ أي: أمامهم. ﴿مَلِكٌ﴾ أي: جائر ظالم، اسمه الجلندى الأزدي، وكان كافرا. وقيل: كان اسمه هدد بن برد. وروي: أن الخضر اعتذر إلى القوم، وذكر لهم شأن الملك الغاصب، ولم يكونوا يعلمون بخبره. وقال: أردت أن أعيبها ليتركها؛ إذا هي مرت به، فإذا جاوزوا أرض الملك الظالم أصلحوها، وانتفعوا بها. ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ أي: صالحة، وبه قرأ ابن عباس، وعثمان بن عفان-﵃ أجمعين-فقد حذفت الصفة، ومثلها قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها﴾ التقدير: شيء سلطت عليه. وقوله تعالى حكاية عن قول قوم موسى له: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: الواضح البين؛ وإلا لكان مفهومه كفرا. وقال المرقش الأكبر: [الوافر] وربّ أسيلة الخدّين بكر... مهفهفة لها فرع وجيد الفرع: الشعر، وأصل الكلام لها فرع فاحم وجيد طويل. وقال العباس بن مرداس السلمي-﵁: [المتقارب] وقد كنت في الحرب ذا تدرأ... فلم أعط شيئا ولم أمنع

стр. 3371

إذ التقدير: فلم أعط شيئا نافعا. ﴿غَصْباً:﴾ قهرا من أصحابها. بعد هذا: فالسفينة معروفة، وتجمع على: سفين، وسفائن، ويجمع السفين على: سفن بضمتين، وجمع السفينة على سفين شاذ؛ لأن الجمع الذي يفرق بينه وبين واحده بالهاء بابه المخلوقات، مثل تمر، وتمرة، ونخل ونخلة، وأما في المصنوعات مثل سفينة وسفين فمسموع في ألفاظ قليلة. ومنهم من يقول: السفين لغة في الواحدة، وهي فعيلة بمعنى: فاعلة، كأنها تسفن الماء؛ أي: تقشره، وصاحبها: سفّان. انتهى. جمل نقلا من المصباح المنير. هذا؛ واحتج الشافعي وغيره في الآية الكريمة على أنّ المسكين أحسن حالا من الفقير، فقد سماهم الله مساكين مع كونهم عندهم سفينة يعملون في البحر، وقد بينت هذا في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة). أما (وراء) فهو هنا بمعنى: أمام، وقدّام. وقيل: هو بمعنى: خلف، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، والأول: أصح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، وفي الشعر العربي، كما يأتي بمعنى: بعد، خذ قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: من بعد إسحاق يعقوب. وقال النابغة الذبياني: [الطويل] حلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وليس وراء الله للمرء مذهب أي: وليس بعد الله ﷻ ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: من بعده. ومن مجيئه بمعنى: أمام، وقدّام قول لبيد-﵁: [الطويل] أليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع وأيضا قول سوار بن المضرب السعدي، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [الطويل] أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم والفلاة ورائيا؟ الإعراب: ﴿أَمَّا:﴾ أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل مهما يكن من شيء؛ فالأمر كذا، فأنيبت أما مناب: مهما، ويكن من شيء، فصار: أما السفينة. وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن، وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. ﴿السَّفِينَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿فَكانَتْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿أَمَّا﴾. (كانت): ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿السَّفِينَةُ،﴾ والتاء للتأنيث. ﴿لِمَساكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ في محل جر صفة (مساكين)، وجملة:

стр. 3372

﴿(فَكانَتْ...)﴾ إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿فَأَرَدْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿أَعِيبَها:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل تقديره: «أنا»، وها: مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَرَدْتُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿(فَكانَتْ...)﴾ إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿وَراءَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر كان مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَلِكٌ:﴾ اسم (كان) مؤخر. ﴿يَأْخُذُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَلِكٌ﴾. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و (كل): مضاف، و ﴿السَّفِينَةُ:﴾ مضاف إليه. ﴿غَصْباً:﴾ مفعول مطلق عامله محذوف؛ أي: يغصبها غصبا، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من فاعل يأخذ. وقيل: هو مفعول لأجله. وقيل: هو مصدر في موضع الحال؛ وقيل: مفعول مطلق عامله أخذ من معناه، وجملة: ﴿يَأْخُذُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿مَلِكٌ،﴾ وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (كانت...) إلخ فهي في محل رفع مثلها. وقيل: هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والأول: أقوى. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ إذ هي من مقول الخضر ﵇. ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠)﴾ الشرح: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ﴾ أي: الذي قتلته. ﴿فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ:﴾ وهو كافر، فقد جاء في صحيح الحديث: «أنه طبع يوم طبع كافرا» وهذا يؤيد: أنه غير بالغ. ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما..﴾. إلخ: هذا من كلام الخضر وهو الذي يؤيده سياق الكلام، والمعنى خفنا أن يكلف أبويه الكفر لشدة محبتهما له، أو يحملهما عليه حملا، وذلك مجاراة له فيما يحب ويرغب؛ لأنه مجبول على الكفر حال ولادته، وحال معيشته، وحال موته، وكأن الله قد أباح للخضر الاجتهاد في قتل الأولاد على هذه الجهة. وقيل: هو من كلام الله تعالى وعنه عبر الخضر. قال الطبري: معناه فعلمنا، وهو قول ابن عباس-﵄، وهذا يكون كما كنى سبحانه عن العلم بالخوف في قوله جل ذكره: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾. هذا؛ وجاء: «خشي» بمعنى: علم في قول الشاعر: [الكامل] ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد قالوا: معناه: علمت. هذا؛ والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن العظيم. هذا؛ والماضي: خشي، والمضارع: يخشى، والأمر: اخش، والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا. الإعراب: ﴿وَأَمَّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أما): انظر الآية السابقة. ﴿الْغُلامُ:﴾ مبتدأ. الفاء: واقعة في جواب (أما). (كان): ماض ناقص. ﴿أَبَواهُ:﴾ اسم (كان) مرفوع، وعلامة رفعه

стр. 3373

الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُؤْمِنَيْنِ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (كان...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. (خشينا): فعل، وفاعل. ﴿فَكانَ﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُرْهِقَهُما:﴾ مضارع منصوب ب ﴿فَكانَ،﴾ والفاعل يعود إلى (الغلام)، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿طُغْياناً:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَكُفْراً:﴾ معطوف عليه، وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَخَشِينا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَكانَ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، والآية معطوفة بكاملها على سابقتها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١)﴾ الشرح: ﴿فَأَرَدْنا:﴾ تكلم بنون العظمة، والمريد في الحقيقة هو الله تعالى. ﴿أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما:﴾ أن يرزقهما الله ولدا. ﴿خَيْراً مِنْهُ زَكاةً﴾ أي: دينا وصلاحا، وطهارة من الذنوب، والأخلاق الرديئة. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ أي: رحمة، وعطفا على والديه بأن يبرهما، ويشفق عليهما. قال الشاعر: [الطويل] لعلّ التفاتا منك نحوي مقدّر... يمل بك من بعد القساوة للرّحم قيل: أبدلهما الله جارية، فتزوجها نبي من الأنبياء، فولدت نبيا، فهدى الله على يديه أمة من الأمم. وقيل: ولدت اثني عشر نبيا. وقيل: غير ذلك، والمعتمد الأول. هذا؛ ويستفاد من هذه الآية تهوين المصائب بفقد الأولاد، وإن كانوا قطعا من الأكباد، ومن سلم للقضاء؛ أسفرت عاقبته عن اليد البيضاء، فليرض العبد بقضاء الله تعالى، فإن قضاءه للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب، فالغلام الذي قتله الخضر فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي حيا كان فيه هلاكهما. هذا؛ وقرئ: ﴿رُحْماً﴾ بضمتين وضم الراء وسكون الحاء قراءتان سبعيتان. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: حلم، وأسد، وعسر، ويسر... إلخ. الإعراب: ﴿فَأَرَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُبْدِلَهُما:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿رَبُّهُما:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْهُ:﴾

стр. 3374

متعلقان ب: ﴿خَيْراً﴾. ﴿زَكاةً:﴾ تمييز. ﴿وَأَقْرَبَ:﴾ معطوف على ﴿خَيْراً﴾. ﴿رُحْماً:﴾ تمييز أيضا. وقيل: مفعول لأجله، وحال، ومفعول مطلق، والمعتمد الأول. و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والآية معطوفة بكاملها على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢)﴾ الشرح: ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ﴾ أي: الذي أقامه، وسوّاه. ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ:﴾ اسمهما: أصرم، وصريم، واسم أبيهما: كاشح، واسم أمهما: دنيا. ﴿يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ:﴾ وهي القرية التي استطعما أهلها. وفيه دليل على أنّ القرية تسمى مدينة، وقد عبر عنها بالقرية فيما سبق تحقيرا لها لخسة أهلها، وعبر هنا عنها بالمدينة تعظيما لها من حيث اشتمالها على هذين الغلامين وعلى أبيهما. انتهى جمل. ﴿وَكانَ تَحْتَهُ﴾ أي: تحت الجدار. ﴿كَنْزٌ لَهُما:﴾ اختلف في هذا الكنز: فقد روى أبو الدرداء-﵁-عن النبي ﷺ : أنه قال: «كان الكنز ذهبا، وفضة». أخرجه الترمذي. وقيل: كان صحفا فيها علم. وقال ابن عباس-﵄: كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟! عجبا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن؟! عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب؟! عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يغفل؟! عجبا لمن أيقن بزوال الدنيا، وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟! لا إله إلا الله محمد رسول الله. انتهى. خازن. وفي القرطبي والبيضاوي: «عجبت» بدل «عجبا»، و «يؤمن» بدل «أيقن» وزاد القرطبي في أوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وقال الخازن: وفي الجانب الآخر مكتوب: أنا الله، لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير، وأجريته على يديه، والويل كل الويل لمن خلقته للشرّ، وأجريته على يديه. انتهى. ﴿وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً:﴾ ظاهر اللفظ: أنه أبو الغلامين المباشر، وكان من الأتقياء. قال ابن عباس-﵄: حفظا بصلاح أبيهما. وقيل: كان بينهما وبين الأب سبعة آباء. وقال محمد بن المنكدر: إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده، وولد ولده، وعشيرته، وأهل دويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم. وقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: إني لأصلي فأذكر ولدي، فأزيد في صلاتي. انتهى خازن.

стр. 3375

﴿فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما﴾ أي: يعقلا، ويدركا قوتهما العقلية، والبدنية، وهو البلوغ، أو ثماني عشرة سنة. ﴿وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما﴾ أي: من تحت الجدار، وذلك إذا بلغا، وعقلا، وقويا. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: إن استخراج الكنز من تحت الجدار بيد اليتيمين رحمة رحمهما الله بها، ونعمة سابغة أسبغها عليهما. ﴿وَما فَعَلْتُهُ﴾ أي: إقامة الجدار. أو الضمير يرجع إلى الأمور الثلاثة التي رأيتها، وهو الأقوى. ﴿عَنْ أَمْرِي﴾ أي: باختياري، وإرادتي، بل فعلته بأمر الله، وإلهامه إياي؛ لأن تنقيص أموال الناس، وإراقة دمائهم، وتغيير أحوالهم لا يكون إلا بالنص، وأمر الله تعالى، واستدل بعضهم بذلك على أنّ الخضر ﵇ كان نبيا، لأن هذا يدل على الوحي، وذلك للأنبياء، والصحيح: أنه ولي. ﴿ذلِكَ تَأْوِيلُ:﴾ شرح، وتفسير ﴿ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ أي: الأمور التي لم تقدر أن تصبر عليها، بل أنكرتها مني. هذا؛ وقد حذفت التاء من المضارع، وهي لغة في «تستطيع» كما حذفت من ماضيه في الآية رقم [٩٧] الآتية، وقد حذفت التاء منهما للخفة؛ لأن التاء قريبة المخرج من الطاء، ومثل الآية قول طرفة بن العبد في معلّقته: [الطويل] فإن كنت لا تسطيع دفع منيّتي... فدعني أبادرها بما ملكت يدي تنبيه: لقد أضاف الخضر ﵇ العيب إلى نفسه بقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ أدبا مع الله؛ لأنه إفساد في الظاهر، وأضاف إرادة البلوغ واستخراج الكنز إلى الله تعالى؛ لأنه إنعام محض، وهو في غير مقدور البشر، فقال: ﴿فَأَرادَ رَبُّكَ..﴾. إلخ، وأما ذكر القتل؛ فذكره بلفظ الجمع تنزيها على أنه من العلماء العظماء في علم الباطن، وعلوم الحكمة، وأنه لم يقدم على مثل هذا القتل إلا بحكمة عالية، فقال: ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما..﴾. إلخ وهو مثل قول إبراهيم ﵊ في سورة (الشعراء): ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ..﴾. إلخ الآية رقم [٧٨] وما بعدها. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: ومن فوائد هذه القصة: ألا يعجب المرء بعلمه، ولا يبادر إلى إنكار ما لم يستحسنه، فلعل سرا لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم، ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقال، وأن ينبه المجرم على جرمه، ويعفو عنه، حتى يتحقق إضراره، ثم يهاجر عنه. تنبيه: روي أن الخضر لما ذهب يفارق موسى. قال له موسى: أوصني. قال: كن بساما، ولا تكن ضحاكا، ودع اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تعب على الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك يا بن عمران. انتهى. قرطبي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ:﴾ انظر الآية رقم [٧٩] فهو مثلها. ﴿يَتِيمَيْنِ:﴾ صفة (غلامين) مجرور مثله، وعلامة الجر فيهما الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي الْمَدِينَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: (غلامين) أو بمحذوف

стр. 3376

حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿تَحْتَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَنْزٌ:﴾ اسم (كان) مؤخر. ﴿لَهُما:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿كَنْزٌ،﴾ وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿أَبُوهُما:﴾ اسم (كان) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿صالِحاً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. (أراد): ماض. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنْ يَبْلُغا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿فَكانَ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والألف فاعله. ﴿أَشُدَّهُما:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف... إلخ، و ﴿أَنْ يَبْلُغا:﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَرادَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَسْتَخْرِجا:﴾ مضارع معطوف على ﴿يَبْلُغا﴾ منصوب مثله، والألف فاعله. ﴿كَنزَهُما:﴾ مفعول به... إلخ. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول لأجله عامله أراد. وقيل: حال. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان برحمة، أو بمحذوف صفة له، والكاف... إلخ، الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿فَعَلْتُهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿عَنْ أَمْرِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال؛ أي: ما فعلته صادرا عن أمري، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال أيضا. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تَأْوِيلُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف ﴿ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ انظر الآية رقم [٧٨] ففيها الكفاية، بعد هذا ينبغي أن تعلم أن الآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، فهي من قول الخضر ﵊. خاتمة: فعن أبي أمامة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أحدثكم عن الخضر؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل أبصره رجل مكاتب، فقال: تصدق عليّ بارك الله فيك! فقال الخضر: آمنت بالله، ما شاء من أمر يكون! ما عندي شيء أعطيكه! فقال المسكين: أسألك بوجه الله لما تصدّقت عليّ، فإني نظرت السماحة في وجهك، ورجوت البركة عندك! فقال الخضر: آمنت بالله، ما عندي شيء أعطيكه، إلا أن تأخذني، فتبيعني! فقال المسكين: وهل يستقيم هذا؟! قال: نعم، أقول: لقد سألتني بأمر عظيم، أما إنّي لا أخيّبك بوجه ربّي». قال: «فقدّمه إلى السوق، فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري زمانا لا يستعمله في شيء، فقال: إنما اشتريتني التماس خير عندي، فأوصني بعمل. قال: أكره أن أشقّ عليك، إنك شيخ كبير ضعيف. قال: ليس يشقّ عليّ! قال: قم، فانقل هذه الحجارة، وكان لا ينقلها دون

стр. 3377

ستة نفر في اليوم، فخرج الرجل لبعض حاجته، ثمّ انصرف، وقد نقل الحجارة في ساعة. قال: أحسنت، وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه». قال: «ثمّ عرض للرجل سفر، فقال: إني أحبك أمينا، فاخلفني في أهلي خلافة حسنة. قال: وأوصني بعمل. قال: إني أكره أن أشقّ عليك. قال: ليس يشقّ عليّ. قال: فاضرب من اللّبن بيتي حتى أقدم عليك». قال: «فمرّ الرجل لسفره». قال: «فرجع الرجل، وقد شيّد بناءه. قال: أسألك بوجه الله ما سببك؟ وما أمرك؟ قال: سألتني بوجه الله، ووجه الله، أوقعني في هذه العبودية. فقال الخضر: سأخبرك من أنا، أنا الخضر الذي سمعت به، سألني مسكين صدقة، فلم يكن عندي شيء أعطيه، فسألني بوجه الله، فأمكنته من رقبتي، فباعني. وأخبرك: أنه من سئل بوجه الله، فردّ سائله، وهو يقدر وقف يوم القيامة جلدة، ولا لحم له يتقعقع. فقال له الرجل: آمنت بالله، شققت عليك يا نبيّ الله، ولم أعلم! قال: لا بأس! أحسنت، وأتقنت، فقال الرجل: بأبي أنت وأمي يا نبيّ الله! احكم في أهلي، ومالي بما شئت، أو اختر فأخلّي سبيلك. قال: أحبّ أن تخلّي سبيلي، فأعبد ربي. فخلّي سبيله، فقال الخضر: الحمد لله الذي، أوثقني في العبودية، ثمّ نجّاني منها». انتهى. والله أعلم بصحة ذلك!. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣)﴾ الشرح: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والسائل له كفار قريش بإيعاز من يهود المدينة كما رأيت في الآية رقم [٢٣] انظرها ففيها الكفاية. هذا؛ والسؤال هنا سؤال تعنت، وامتحان بخلافه في أول سورة (الأنفال) فإنه سؤال استفهام، واستفتاء، أما ذو القرنين؛ فقد قال القرطبي: قال ابن إسحاق: وكان من خبر ذي القرنين: أنه أوتي ما لم يؤت غيره، فمدت له الأسباب؛ حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها، لا يطأ أرضا إلا سلّط عليها؛ حتى انتهى من المشرق، والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق. انتهى. هذا؛ ولقد اختلف في اسمه: قيل: اسمه: مرزبان بن مرزبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. قال ابن هشام: واسمه الإسكندر، وهو الذي بنى الإسكندرية بمصر، فنسبت إليه. وقيل: هو الإسكندر الملك اليوناني المقدوني. وقيل: اسمه هرمس، ويقال: اسمه هرديس. وقيل: إنّه عربي من حمير مع اختلاف في اسمه، وهو الذي افتخر به أحد شعراء حمير حيث يقول، وهو تبّع: [الكامل] قد كان ذو القرنين جدّي مسلما... ملكا علا في الأرض غير مفنّد بلغ المشارق والمغارب يبتغي... أسباب ملك من كريم مرشد فرأى مآب الشمس عند غروبها... في عين ذي خلب وثأط حرمد

стр. 3378

الخلب: بضمتين الحمأة، وهي الطين، والثأطة: الحمأة المختلطة بالماء، فتزيد رطوبة، وتفسد، والحرمد: الطين الأسود. واختلف فيه: هل هو نبي، أو ولي، فلقد سئل علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-عنه، أكان نبيا؟ فقال: لم يكن نبيا، ولا ملكا، ولكن كان عبدا صالحا أحب الله، فأحبه، وناصح الله، فناصحه الله، واختلف في زمانه، فقيل: كان بعد موسى. وقيل: كان في الفترة بعد عيسى. وقيل: كان في وقت إبراهيم وإسماعيل، وكان الخضر ﵇ صاحب لوائه الأعظم، وكان السبب في حياة الخضر فيما حكي: أنه شرب من عين الحياة، وذلك: أن ذا القرنين دخل الظلمة لطلب عين الحياة، وكان الخضر على مقدمته، فوقع الخضر على العين، فاغتسل وشرب منها، وصلى شكرا لله تعالى، وأخطأ ذو القرنين الطريق فرجع. وذكرت لك فيما مضى: أنه قيل: إن الخضر، وإلياس حيّان يلتقيان كل سنة في الموسم؛ أي: موسم الحج. انظر الآية رقم [٦٥]. قال السهيلي: والظاهر من علم الأخبار: أنهما اثنان: أحدهما كان على عهد إبراهيم ﵇، ويقال: إنه الذي قضى لإبراهيم ﵇ حين تحاكموا إليه في بئر السبع بالشام. والآخر كان قريبا من عهد عيسى ﵇. وقيل: إنه أفريدون الذي قتل بيوراسب بن أرونداسب الملك الطاغي، على عهد إبراهيم ﵇. انتهى والله أعلم بالحقيقة. وفي الجمل: ذو القرنين الأكبر، وهو ولي الله تعالى من أولاد سام بن نوح، وكان ابن عجوز ليس لها غيره، وكان أسود اللون، وكان على شريعة إبراهيم الخليل ﵇، فإنه أسلم على يديه، ودعا له، وأوصاه بوصايا، وكان يطوف معه، وكان الخضر وزيره، فكان يسير معه على مقدمة جيشه، وهذا بخلاف ذي القرنين الأصغر فإنه من ولد العيص بن إسحاق، وكان كافرا عاش ألفا وستمائة سنة، وكان قبل المسيح بثلاثمائة سنة. انتهى. نقلا عن شيخه. هذا؛ وقد روي: أن عدد من ملك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان، وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وإسكندر ذو القرنين، والكافران: نمرود الذي ادعى الألوهية على عهد إبراهيم ﵇، وبختنصر الذي خرب بيت المقدس، وأهلك بني إسرائيل، كما رأيت في الآية رقم [٥] من سورة (الإسراء)، وسيملكها من هذه الأمة خامس لقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وهو المهديّ في آخر الزمان، وحين نزول عيسى ﵇. كذا في القرطبي. واختلف في السبب الذي لقب به ب: «ذي القرنين» فقيل: إنه كان ذا ضفيرتين من شعر، فسمي بهما، والضفائر قرون الرأس، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الكامل] فلثمت فاها آخذا بقرونها... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج وقيل: إنه سمي بذلك؛ لأنه بلغ المغرب، والمشرق، فكأنه حاز قرني الدنيا. وقيل: سمي بذلك؛ لأنه ملك فارس، والروم. وقيل: لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس. وقيل: كان

стр. 3379

لتاجه قرنان. وقيل: كان له قرنان تحت عمامته. وقيل: يحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته، كما يقال للشجاع: كبش، كأنه ينطح أقرانه. والله أعلم بالحقيقة. ﴿قُلْ سَأَتْلُوا..﴾. إلخ: أي: سأقص عليكم خبرا من حاله، وشأنه. الإعراب: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ:﴾ الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف قصة على قصة قبلها. (يسألونك): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعوله. ﴿عَنْ:﴾ حرف جر. ﴿ذِي:﴾ اسم بمعنى: صاحب مجرور ب: ﴿عَنْ،﴾ وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و ﴿ذِي:﴾ مضاف، و ﴿الْقَرْنَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿سَأَتْلُوا:﴾ السين: حرف استقبال. (أتلو): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ذِكْراً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على مثال ما تكرر معنا. ﴿ذِكْراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿سَأَتْلُوا..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥)﴾ الشرح: ﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ:﴾ قال علي كرم الله وجهه: سخر الله له السحاب، ومدت له الأسباب، وبسط له في النور، فكان الليل والنهار عليه سواء، وسهل عليه السير في الأرض، وذلل له طريقها. ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً:﴾ قال ابن عباس-﵄: من كل شيء علما يتسبب به إلى ما يريد. وقيل: من كل شيء يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك من فتح المدائن، وقهر الأعداء. وأصل السبب: الحبل، فاستعير لكل ما يتوصل به إلى شيء. ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ أي: سلك طريقا يوصله إلى ما يريد، وقدره الله له. هذا؛ وقرئ: ﴿(فَأَتْبَعَ سَبَباً)﴾ بوصل الهمزة وتشديد التاء، وهما بمعنى: واحد. قال الأخفش: تبعته، وأتبعته بمعنى، مثل: ردفته، وأردفته. انتهى. فيتعديان لمفعول واحد. وقيل: «أتبع» بالقطع متعد لاثنين حذف أحدهما، تقديره: فأتبع سببا سببا آخر. أو فأتبع أمره سببا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ ومن حذف أحد المفعولين قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ أي: أتبعوا جنودهم. واختار أبو عبيد (اتّبع) بالوصل، قال: لأنه من المسير. قال: تقول: تبعت القوم، واتبعتهم، فأما الإتباع بالقطع فمعناه: اللحاق، كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾. وقال يونس، وأبو زيد: «أتبع» بالقطع عبارة عن المجدّ المسرع الحثيث الطلب، وبالوصل يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات. انتهى. جمل نقلا عن السمين.

стр. 3380

الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. و (نا): في محل نصب اسمها. ﴿مَكَّنّا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره: أمره. ﴿لَهُ فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿مَكَّنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها. ﴿وَآتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سَبَباً﴾ كان صفة له... إلخ، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿سَبَباً:﴾ مفعول به ثان. ﴿فَأَتْبَعَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾. ﴿سَبَباً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦)﴾ الشرح: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: سار ذو القرنين بجيشه في جهة المغرب التي تغرب فيها الشمس. ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء، من: حمئت البئر إذا صارت فيها الحمأة حامية، فعن أبي ذر الغفاري-﵁-قال: كنت رديف رسول الله ﷺ على جمل، فرأى الشمس حين غابت، فقال: «يا أبا ذرّ! أتدري أين تغرب هذه؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّها تغرب في عين حمئة». وكان ابن عباس-﵄-عند معاوية، فقرأ معاوية: «(حامية)» فقال ابن عباس: ﴿حَمِئَةٍ﴾ فقال معاوية لعبد الله بن عمر: كيف تقرؤها؟ فقال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثم وجه إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة، فوافق قول ابن عباس-﵄، ولا تنافي، فجاز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعا. انتهى نسفي. هذا؛ وقال القرطبي: ويجوز أن تكون (حامية) من الحمأة، فخففت الهمزة، وقلبت ياء، وقد يجمع بين القراءتين، فيقال: كان حارة، وذات حمأة. انتهى. هذا؛ وقال القفال: قال بعض العلماء: ليس المراد: أنه انتهى إلى الشمس مغربا، ومشرقا حتى وصل إلى جرمها، ومسّها؛ لأنه تدور مع السماء حول الأرض، من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة، بل المراد: أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب، ومن جهة المشرق، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض، وكما أن راكب البحر يرى: أنّ الشمس كأنها تغيب في البحر. انتهى. وهو جيد. ﵀.

стр. 3381

﴿وَوَجَدَ عِنْدَها:﴾ عند تلك العين. ﴿قَوْماً:﴾ قيل: كان لباسهم جلود الوحش، وطعامهم ما لفظه البحر، وما نبت من الأرض، وكانوا كفارا، لذا خيره الله بين أن يعذبهم، أو يدعوهم إلى الإيمان وهم أهل مدينة: جابرس، ويقال لها بالسريانية: جرجيسا، يسكنها قوم من نسل ثمود الذين آمنوا بصالح ﵇؛ أي: وكفروا مع تطاول الزمن. هذا؛ وانظر شرح (قوم) في الآية رقم [١٣] من سورة (النحل). وانظر ما ذكرته في (مسجد) في الآية رقم [٢١]. هذا؛ وتجمع عين على: عيون، وأعين، وأعيان أيضا، والأخير غير مشهور، وقليل الاستعمال، وأعين جمع قلة، وغيره جمع كثرة، والمراد: بها هنا عين الماء كما يظهر، وتطلق على العين الباصرة، وعلى الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة؛ أي: جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء محمود عينه. وعين الشيء: خياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط] واستخدموا العين منّي، وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهمو فالمراد بالعين: ذاته، والمراد: ب: «جارية» عينه التي تجري بالدمع، والمراد: بقوله: «بها»: نقد الذهب، وهذا يسمى في فن البديع: استخداما، كما تطلق على الماء الجاري النابع من الأرض، وتطلق على المطر الهاطل من السحاب. قال عنترة: [الكامل] جادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم هذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين. ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ:﴾ هذا القول له إن كان نبيا؛ فهو وحي، وإن كان وليا؛ فهو إلهام. ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا..﴾. إلخ: خير الله ذا القرنين كما خير محمدا ﷺ ، فقال جل شأنه: ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ فقد خيره الله بين تعذيبهم وبين الإحسان إليهم بالإرشاد، وتعليم الشرائع، والعفو، والصفح عنهم؛ إن هم استجابوا لذلك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. تنبيه: لإمّا خمسة معان: أحدها: الشك، نحو: جاءني إما زيد، وإما عمرو. إذا لم تعلم الجائي منهما. الثاني: الإبهام: كما في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية رقم [١٠٦] من سورة (التوبة). الثالث: التخيير، وهو ما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ومثلها الآية رقم [٦٥] من سورة (طه). الرابع: الإباحة، نحو: (تعلّم إما فقها، وإما نحوا).

стр. 3382

الخامس: التفصيل، نحو قوله تعالى: ﴿إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾. انتهى. مغني اللبيب باختصار. أقول: والتفصيل هو المعنى الذي لا يفارقها مع كل من المعاني المذكورة. الإعراب: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها:﴾ انظر الآية رقم [٧١] ففيها الكفاية: وأضيف: أن في الآية انتصارا لمذهب الأخفش؛ إذ لا بد من تقدير فعل قبل ﴿حَتّى﴾ كما رأيت في الشرح؛ ليتم المعنى. ﴿تَغْرُبُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّمْسِ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان ل: (وجد). وقيل: هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب. ﴿فِي عَيْنٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَمِئَةٍ:﴾ صفة ﴿عَيْنٍ﴾. ﴿وَوَجَدَ﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾. ﴿عِنْدَها:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف حال من ﴿قَوْماً﴾ على مثال ما تقدم. ﴿قَوْماً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً﴾ معطوفة على جملة: ﴿وَجَدَها..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿قُلْنا:﴾ فعل، وفاعل. (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (ذا): منادى منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذا) مضاف، و ﴿الْقَرْنَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى... إلخ. ﴿إِمّا:﴾ أداة شرط، وتخيير. وقيل: تقسيم، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُعَذِّبَ﴾ في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: إما التعذيب واقع عليهم، أو هو خبر والمبتدأ محذوف، التقدير: إمّا هو تعذيبك لهم، أو المصدر المؤول في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: «إما أن توقع التعذيب عليهم» ومن شواهد الرفع قول تأبط شرا: [الطويل] هما خطّتا إمّا إسار ومنّة... وإمّا دم والقتل بالحرّ أجدر و ﴿وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ﴾ فهو مثله في التأويل والتقدير، والجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية، فهي معطوفة على ما قبلها. ﴿فِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما، أو بمحذوف حال منه كان صفة له.. إلخ. ﴿حُسْناً:﴾ مفعول به، والكلام: ﴿يا ذَا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ومثلها الآية رقم [٦٥] من سورة (طه). ﴿قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧)﴾ الشرح: ﴿قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي: نفسه بالكفر بأن أصر عليه، ولم يقبل الإرشاد، والنصح. ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أي: بالقتل. ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ﴾ أي: الموت. ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً﴾ أي: شديدا. وهو عذاب الآخرة في النار. وفحوى هذا: أنه اختار الدعوة إلى الله، وسلوك الطريقة الحسنى معهم.

стр. 3383

الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾. ﴿أَمّا:﴾ أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل. وانظر الآية رقم [٧٩] ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ظَلَمَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ ومفعوله محذوف كما رأيت. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف استقبال، وتسويف. ﴿نُعَذِّبُهُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن» والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٢٩] هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة فالجملة الفعلية بعدها صلتها، وجملة: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُرَدُّ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿إِلى رَبِّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فَيُعَذِّبُهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يعذبه): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّهِ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول مطلق. ﴿نُكْراً:﴾ صفة له، وهو يقرأ بضم الكاف وسكونها قراءتان سبعيتان. وانظر: ﴿رُحْماً﴾ في الآية رقم [٨١] والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩)﴾ الشرح: ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ﴾ أي: بالله تعالى. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ أي: عمل عملا صالحا، وهو ما يوجب الإيمان بالله تعالى، وهذا احتراس كما بينته فيما سبق. وانظر الآية رقم [١٠٧]. ﴿فَلَهُ جَزاءً:﴾ يقرأ بالنصب، والرفع بالتنوين، وعدمه. ﴿الْحُسْنى﴾ أي: المثوبة الحسنى، وتفسّر بالجنة. وقال البيضاوي: فله؛ أي: في الدارين؛ أي: فله في الدنيا الإعزاز والإكرام، وحفظ حقوقه المالية وغيرها، وله في الآخرة جنات عدن تجري من تحتها الأنهار. وانظر شرح ﴿الْحُسْنى﴾ في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء). ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ﴾ أي: لمن آمن وعمل صالحا. ﴿مِنْ أَمْرِنا يُسْراً﴾ أي: لا نأمره بالشيء الصعب الشاق عليه، ولكن نأمره بالسهل المتيسر من دفع زكاة وخراج وغير ذلك من التكاليف. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ أي: سلك طريقا يوصله إلى المشرق، بعد أن دان له المغرب، ويذكر أنه جند جيشا عظيما من أهل المغرب وتوجه به إلى جهة المشرق، وهو ما تفيده الآية التالية. وانظر الآية رقم [٨٦] وما فيها من بحث فإنه جيد، ويقرأ يسرا بضم السين وسكونها، انظر رحما في الآية رقم [٨٢].

стр. 3384

الإعراب: ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ:﴾ انظر الآية السابقة ففيها البيان الشافي، وجملة: ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ معطوفة على جملة: ﴿آمَنَ﴾ على الوجهين المعتبرين فيها، و ﴿صالِحاً﴾ صفة لمفعول به محذوف، التقدير: وعمل عملا صالحا. وقيل: المحذوف مفعول مطلق. وهو ضعيف. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَزاءً:﴾ فعلى قراءة الرفع فهو مبتدأ مؤخر، أو هو فاعل بالجار والمجرور، وعلى قراءته بغير تنوين فهو مضاف، و ﴿الْحُسْنى:﴾ مضاف إليه، وعلى قراءته بالتنوين، فالحسنى بدل منه، أو هو خبر لمبتدإ محذوف وعلى قراءته بالنصب، والتنوين، فهو منصوب على الحال من الضمير المستقر في الجار والمجرور، أو هو مفعول مطلق عامله من لفظه، وهو محذوف، أو هو تمييز، وعلى قراءته بغير تنوين فهو مثل المنون في جميع، أوجه إعرابه، ويكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين، وعليه ف: ﴿الْحُسْنى﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿فَلَهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، انظر الآية السابقة لتتمة الإعراب، والجملة الاسمية في هذه الآية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَسَنَقُولُ:﴾ الواو: حرف عطف. (سنقول): مضارع، والسين حرف استقبال، وتنفيس، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿فَلَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ أَمْرِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿يُسْراً،﴾ كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية السابقة وغيرها. ﴿يُسْراً:﴾ مفعول به، وهو على تقدير: قولا ذا يسر، أو شيئا ذا يسر، فيكون المحذوف مفعولا مطلقا، أو نائب مفعول مطلق، والآية معطوفة على ما قبلها، فهي من مقول ذي القرنين. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً:﴾ هذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ فيكون ما بينهما معترضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠)﴾ الشرح: المعنى: سار ذو القرنين بجيشه الخضم من مغرب الشمس حتى وصل، وبلغ أقصى المشرق، وهي الجهة التي تطلع منها الشمس. ﴿وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ﴾ أي: رأى ذو القرنين أقواما في أقصى المشرق، ليس بينهم وبين الشمس ستر من جبل، أو شجر، ولا يستقر عليهم بناء، فإذا طلعت عليهم الشمس دخلوا في أسراب لهم تحت الأرض، فإذا زالت عنهم الشمس خرجوا إلى معايشهم، حفاة، عراة، عماة عن الحق، يتسافدون مثل الكلاب، ويتهارجون تهارج الحمر. قيل: إنهم قوم من نسل مؤمني قوم هود ﵇، واسم مدينتهم: جابلق، واسمها بالسريانية مرقيسيا، وهم مجاورون يأجوج، ومأجوج. هذا؛ و (ستر) اسم آلة؛ فلذا كسرت السين، وقرئ ﴿مَطْلِعَ﴾ بكسر اللام، وفتحها.

стр. 3385

الإعراب: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها﴾ انظر الآية رقم [٨٦] والمحال عليها برقم [٧١] ففيهما الكفاية. ﴿تَطْلُعُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّمْسِ﴾ تقديره: «هي». ﴿عَلى قَوْمٍ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان ل: (وجد). وقيل: هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول، أو مفعوله الثاني. ﴿مِنْ دُونِها:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سِتْراً﴾ كان صفة له... إلخ، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿سِتْراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَمْ نَجْعَلْ..﴾. إلخ في محل جر صفة قوم. ﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢)﴾ الشرح: ﴿كَذلِكَ﴾ أي: أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكانة، وبسطة الملك. أو أمره في أهل المشرق كأمره في أهل المغرب من التخيير، والاختيار. ﴿وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ﴾ أي: من الجنود، والآلات، والعدد، والأسباب. ﴿خُبْراً:﴾ علما تعلق بظواهر أمره، وخفاياه، والمراد: أن كثرة ذلك بلغت مبلغا لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ أي: سلك ذو القرنين طريقا ثالثا معترضا بين المشرق، والمغرب آخذا من الجنوب إلى الشمال. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر) هذا؛ وأما ﴿لَدَيْهِ﴾ فهو ظرف بمعنى: «عند»، وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا قلبت ألفه ياء عند جميع العرب إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، ثم اعلم: أن (عند) أمكن من (لدى) من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويمتنع ذلك في لدى. ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه، والثاني: أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله جماعة. الإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: الأمر كذلك، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله (وجد) أو ﴿نَجْعَلْ﴾ والأول: أقوى، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَحَطْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿لَدَيْهِ:﴾ ظرف مكان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله بالهاء التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهو متعلق بمحذوف

стр. 3386

صلة (ما)، أو بمحذوف صفتها. ﴿خُبْراً:﴾ مفعول به. وقيل: مفعول مطلق؛ لأن في ﴿أَحَطْنا﴾ معنى: خبرنا وقيل: تمييز، وهو ضعيف، وجملة: ﴿وَقَدْ أَحَطْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿أَتْبَعَ سَبَباً﴾ معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرت الأولى حالا من فاعل الفعل: ﴿نَجْعَلْ﴾ المقدر فلست مفندا، ولا تصح الحالية على التقدير الأول. ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣)﴾ الشرح: المعنى سار ذو القرنين بجيشه العرموم حتى وصل بين السدين، وهما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان في منقطع أرض الترك، وقد قرئ بضم السين، وفتحها، انظر الآية التالية. وحكي: أن الواثق العباسي بعث بعض من يثق به من أتباعه إليه؛ ليعاينوه، فخرجوا من باب من الأبواب حتى وصلوا إليه، وشاهدوه، فوصفوه: أنه بناء من لبن حديد مشدود بالنحاس المذاب، وعليه باب مقفل. انتهى. خازن. ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِما﴾ أي: من وراء السدين. ﴿قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ قال ابن عباس ﵄: لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم؛ لأن لغتهم غريبة مجهولة، وقد قرئ الفعل ﴿يَفْقَهُونَ﴾ بفتح الياء على المعنى الأول، وبضم الياء على المعنى الثاني. الإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان... إلخ، ﴿بَلَغَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾. ﴿بَيْنَ:﴾ مفعول به، وهو في الأصل ظرف مكان مثل مغرب ومطلع، فحصل التصرف فيهن بوقوعهن مفعولا، و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿السَّدَّيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿بَلَغَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿وَجَدَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾. ﴿مِنْ دُونِهِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿قَوْماً﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما تقدم، أو هما في محل نصب مفعوله الثاني: تقدم على الأول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿قَوْماً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَجَدَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش في مثل هذه الآية ﴿حَتّى﴾ جارة ل: ﴿إِذا،﴾ وعلى قوله ف: ﴿حَتّى﴾ ومجرورها متعلقان بفعل محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَكادُونَ:﴾ مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿لا يَكادُونَ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿قَوْماً﴾. تأمل.

стр. 3387

﴿قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قالت أمة من الإنس صالحة مجاورة. وفي البيضاوي: قال مترجموهم. ﴿يا ذَا الْقَرْنَيْنِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٣] لشرحه. ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ:﴾ هما قبيلتان من ولد يافث بن نوح ﵇. وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم. ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ:﴾ قيل: كانوا يأكلون الناس. وقيل: كانوا يخرجون في أيام الربيع، فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه، وكانوا يلقون منهم قتلا، وأذى شديدا، وهم خلق كثير، لا يحصي عددهم إلا الله. قال عبد الله بن مسعود-﵁-سألت النبي ﷺ عن يأجوج، ومأجوج، فقال: «يأجوج ومأجوج أمّتان، كلّ أمة أربعمائة ألف أمة، كلّ أمّة لا يعلم عددها إلا الله، لا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف ذكر من صلبه، كلّهم قد حمل السّلاح». وقيل: هم على صنفين: طوال مفرطو الطول، وقصار مفرطو القصر. وقد ذكر القرطبي، والخازن الكثير من صفاتهم، وأحوالهم. وبالجملة: هم نادرة عجيبة في ذرية آدم ﵇. هذا؛ وقرئ: «(ياجوج ومأجوج)» بدون همز. ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً:﴾ وقرئ: «(خراجا)»، وهما بمعنى: جعلا، وقسما من أموالنا نقدمه إليك، وهو في الآية [٧٢] من سورة (المؤمنون) بمعنى: الأجر، والإثابة على عمل ما. ﴿عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ أي: حاجزا منيعا، يحول بيننا وبينهم، فلا يصلون إلينا. ف: ﴿عَلى﴾ بمعنى: لام التعليل هنا وقرئ بضم السين، وهما لغتان. وقيل: المضموم لما خلقه الله تعالى، والمفتوح لما عمله الناس. قال القرطبي: ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرءوا ﴿سَدًّا﴾ بالفتح، وقبله. ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بالضم. وقال أيضا: في هذه الآية دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدون، ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضربا، ويحبسون، أو يكلفون ويطلقون، كما فعل عمر-﵁. فائدة: قال بعضهم: مسافة الأرض بتمامها خمسمائة عام، ثلاثمائة منها بحار، ومائة وتسعون مسكن يأجوج ومأجوج، وتبقى عشرة، سبعة للحبشة، وثلاثة لجملة الخلق غيرهم. هذا؛ وأرض يأجوج ومأجوج منحصرة وراء الجبلين العظيمين، وليس لهم طريق إلى أرض العمارة إلا هذه الفتحة الموجودة بين الجبلين التي أقام فيها ذو القرنين السد، وعلى هذا فلا يزالون في العالم المجهول الذي لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى. وذكر: أن سعة الفتحة التي بين الجبلين مائة فرسخ، فيكون طول السد وامتداده على وجه الأرض مائة فرسخ، ومسيرة الفرسخ

стр. 3388

ساعة ونصف، فتكون مسيرته مائة وخمسين ساعة مسيرة اثني عشر يوما، ونصفا، فتبلغ مسافته نحو العقبة من مصر. تأمل. انتهى. جمل. وانظر الآية رقم [٩٤]. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: «دخلوا» في الآية رقم [٥٢] من سورة (الحجر). ﴿يا ذَا الْقَرْنَيْنِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٦]. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿يَأْجُوجَ:﴾ اسم (إنّ). ﴿وَمَأْجُوجَ:﴾ معطوف عليه. ﴿مُفْسِدُونَ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُفْسِدُونَ﴾. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، وتأدب، وتلطف هنا. ﴿نَجْعَلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما مفعوله الثاني: تقدم على الأول. ﴿خَرْجاً:﴾ مفعول به. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَجْعَلَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿إِنَّ﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿سَدًّا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿سَدًّا:﴾ مفعول به. هذا؛ و ﴿إِنَّ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَجْعَلَ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة ﴿خَرْجاً﴾. هذا؛ والجمل في الآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥)﴾ الشرح: ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ:﴾ المعنى قال لهم ذو القرنين: ما بسطه الله تعالى لي من القدرة، والملك خير من خرجكم، وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان؛ أي: برجال، وعمل منكم بالأبدان، والآلة التي أبني بها السد، وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة، فإن القوم لو جمعوا له خرجا لم يعنه أحد، ولوكلوه إلى البنيان، ومعونته بأنفسهم أجمل به، وأسرع في انقضاء العمل، وربما أربى ما ذكر على الخرج. انتهى. قرطبي. وقال أيضا: في هذه الآية دليل على أنّ الملك فرض عليه أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم وسدّ فرجتهم، وإصلاح ثغورهم من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده، ونظره، حتى لو أكلتها الحقوق، وأنفذتهم المؤن؛ لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم، وعليه حسن النظر لهم، وذلك بثلاثة شروط: الأول: أن لا يستأثر عليهم بشيء، الثاني: أن يبدأ بأهل الحاجة منهم. الثالث: أن يسوي في العطاء بينهم على قدر منازلهم. انتهى. باختصار.

стр. 3389

هذا؛ والردم هو السد. وقيل: الردم أبلغ من السد؛ إذ السد كل ما يسد به، والردم وضع الشيء على الشيء من حجارة، أو تراب، أو نحوه حتى يقوم من ذلك حجاب منيع، ومنه ردم ثوبه إذا رقعه برقاع متكاثفة، بعضها فوق بعض، ومنه قول عنترة: [الكامل] هل غادر الشعراء من متردّم... أم هل عرفت الدار بعد توهّم؟ أي: من قول يركب بعضه على بعض. هذا؛ وانظر شرح: (خير) في الآية رقم [٤٤] وشرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء). الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ذي القرنين. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مَكَّنِّي:﴾ ماض مبني على الفتح، وسكنت نونه، وأدغمت في نون الوقاية، وقرئ: «(مكنني)» بالفك، وياء المتكلم مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور ب: (في). ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَأَعِينُونِي:﴾ الفاء: هي حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كنت لست بحاجة إلى مال؛ فأعينوني... إلخ، وفعل الأمر هذا مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿بِقُوَّةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بَيْنَكُمْ﴾ متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿رَدْماً،﴾ كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية السابقة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿رَدْماً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ اُنْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦)﴾ الشرح: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ:﴾ أعطوني، وناولوني. هذا؛ ويقرأ الفعل بهمزة وصل فيكون معناه جيئوني بزبر الحديد، وتكون الباء الجارة محذوفة، و ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ:﴾ قطعه الكبيرة العظيمة. فأتوه بها، وبالحطب، فجعل الحطب على الحديد، والحديد على الحطب. ﴿حَتّى إِذا ساوى﴾

стр. 3390

أي: رفع البناء لمستوى الجبلين. هذا؛ و ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ هما جانبا الجبل، سميا بذلك لتصادفهما، وتلاقيهما. هذا؛ ويقال لكل بناء مرتفع: صدف تشبيها له بجانب الجبل. وقيل: لا يقال للواحد صدف، وإنما يقال: صدفان للاثنين؛ لأن أحدهما يصادف الآخر. هذا؛ وقرئ ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ بقراءات كثيرة، لم يتغير فيهما المعنى، والإعراب. ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ أي: قال للعمال: انفخوا النار في الأكوار على قطع الحديد. ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً﴾ أي: أصبحت قطع الحديد كالنار، وهذا مشاهد في الحديد إذا أحمي عليه بحرارة مرتفعة، فإنه يصير كالجمر المتقد. ﴿قالَ آتُونِي..﴾. إلخ أي: أعطوني قطرا أصب عليه، فجعلت النار تأكل الحطب، وجعل النحاس يسيل مكانه حتى لزم الحديد النحاس، والتأم، واشتد، ولصق البعض بالبعض. وهذا العمل أجراه على أدوار، وطاقات بعضها فوق بعض حتى صار السد جبلا صلدا. هذا؛ والقطر: النحاس عند أكثر المفسرين، وأصله من القطر؛ لأنه إذا أذيب قطر كما يقطر الماء. وقالت فرقة: القطر الحديد المذاب. وقالت أخرى: هو الرصاص المذاب، والمعتمد الأول، ومنه قوله تعالى في سورة (سبأ): ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ الآية رقم [١٢]. هذا؛ وفيما تقدم من العمل كرامة ظاهرة لذي القرنين؛ حيث منع الله حرارة النار عن العملة الذين ينفخون بالأكوار، ويفرغون القطر مع أنّه كالنار، ومع أنّ الحديد المصبوب عليه كالنار، أو أشد، فلم تصبهم حرارة النار مع قربهم منها، بل ولمخالطتهم لها، فكأن الله تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك العاملين حتى تمكنوا من العمل في ذلك. قال قتادة: صار السد كالبرد المحبّر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء. ويروى: أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني رأيت سدّ يأجوج ومأجوج قال: «كيف رأيته؟». قال: رأيته كالبرد المحبّر، طريقة صفراء، وطريقة حمراء وطريقة سوداء، فقال ﷺ : «قد رأيته». وقيل: إن عرضه خمسون ذراعا، وارتفاعه مائة ذراع، وطوله فرسخ. وانظر ما ذكرته برقم [٩٤]. الإعراب: ﴿آتُونِي:﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، والياء مفعول به أول. ﴿زُبَرَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿زُبَرَ:﴾ مضاف، و ﴿الْحَدِيدِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول ذي القرنين. ﴿حَتّى إِذا ساوى﴾ انظر الآية رقم [٩٣] فالإعراب فيها كاف. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل ﴿ساوى،﴾ أو هو متعلق بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وهو البناء، و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿الصَّدَفَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. قال: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ وجملة: ﴿اُنْفُخُوا﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، وعلى قول الأخفش فحتى ومجرورها يتعلقان بمحذوف، التقدير: استمر في العمل حتى إذا.. إلخ، ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي:﴾ إعراب هذا الكلام مثل سابقه

стр. 3391

بلا فارق. ﴿أُفْرِغْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قِطْراً:﴾ تنازعه كل من الفعلين السابقين ف: ﴿آتُونِي﴾ يطلبه مفعولا ثانيا، و ﴿أُفْرِغْ﴾ يطلبه مفعولا له، والأول: أولى عند الكوفيين لسبقه، والثاني: أولى عند البصريين لقربه. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] إن عاملان اقتضيا في اسم عمل... قبل فللواحد منهما العمل والثّاني أولى عند أهل البصره... واختار عكسا غيرهم ذا أسره وأعمل المهمل في ضمير ما... تنازعاه والتزم ما التزما ﴿فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧)﴾ الشرح: ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ:﴾ فلم يقدروا أن يعلوه بالصعود عليه لارتفاعه، وانملاسه، حذفت منه التاء على مثال ما رأيت في الآية رقم [٨٢]، وقرئ بقلب السين صادا ﴿وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً:﴾ وذلك لثخنه، وصلابته. هذا؛ وقرأ الأعمش الفعلين بالتاء ﴿اِسْتَطاعُوا﴾. هذا؛ وقال القرطبي: وذكر يحيى بن سلام، عن سعد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة-﵃ أجمعين-. قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ يأجوج ومأجوج يخرقون السّدّ كلّ يوم حتّى إذا كادوا يرون شعاع الشمس. قال الذين عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا فيعيده الله كأشدّ ما كان، حتى إذا بلغت مدّتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشّمس. قال الذين عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله، فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيخرقونه ويخرجون على الناس». أخرجه ابن ماجة في السنن. انتهى. قرطبي. وزاد القرطبي، والخازن أيضا: «فينشّفون الماء، ويتحصّن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فيرجع عليها الدّم، فيقولون: قهرنا من في الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله تعالى عليهم نغفا في أقفائهم، فيقتلهم بها» .. قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده! إنّ دوابّ الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم». وقال الخازن: أخرجه الترمذي. هذا؛ والنغف: دود يكون في أنوف الإبل، والغنم، فيقتلها، ويقال: شكرت الشاة، تشكر، شكرا: إذا امتلأ ضرعها لبنا. انتهى. وروي: أنهم يشربون ماء الأنهار، ويأكلون الشجر، وجميع النباتات، ومن ظفروا به من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة، والمدينة، وبيت المقدس. قال الجمل: وذلك عقب قتل الدجال، فينحاز عيسى ﵇ بالمؤمنين إلى جبل الطور فرارا منهم، ولا يصلون إلى من تحصّن منهم بورد، أو ذكر.

стр. 3392

الإعراب: ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير: فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى ذو القرنين بناء السد، وتسويته، يحاولون أن يعلوه، أو يثقبوه فما اسطاعوا... إلخ. (ما): نافية. ﴿اِسْطاعُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوفة عليها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَقْباً،﴾ كان صفة له... إلخ على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩٧]. ﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: ذو القرنين. ﴿هذا:﴾ إشارة إلى الردم السد الذي أقامه. ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على عباده؛ حيث حال هذا السد بين المؤمنين وبين القوم المفسدين، وهم قوم يأجوج، وقوم مأجوج الذين صاروا، وراء هذا السد العظيم محصورين، ولا يستطيعون اقتحامه، ولا نقبه. ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي:﴾ المراد به يوم القيامة. ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ أي: مدكوكا مبسوطا مسوّى بالأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ فعند ذلك يخرج منه قوم يأجوج، وقوم مأجوج، وقد قال جل شأنه في سورة (الأنبياء): ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ..﴾. إلخ رقم [٩٦] والمراد: فتح سد يأجوج، ومأجوج. ﴿وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أي: كائنا لا محالة؛ أي: فلا بد من قيام الساعة، وخروج يأجوج، ومأجوج من علامتها الكبرى، كما صرحت بذلك الأحاديث الشريفة، بعد هذا انظر شرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء)، وشرح (الوعد») في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد). وإلى هنا انتهى كلام ذي القرنين. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿رَحْمَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ رَبِّي:﴾ متعلقان ب: ﴿رَحْمَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَ وَعْدُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، و ﴿وَعْدُ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، فهو مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿جَعَلَهُ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي،﴾ والهاء مفعول به. ﴿دَكّاءَ:﴾ مفعول به ثان. وقيل: هو حال، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، وهو من مقول ذي القرنين

стр. 3393

أيضا. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): ماض ناقص. ﴿وَعْدُ:﴾ اسم كان، وهو مضاف، و ﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿حَقًّا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي من مقول ذي القرنين كسابقتها، أو هي في محل نصب حال من ﴿رَبِّي،﴾ والرابط الواو، وإعادة لفظ ﴿رَبِّي﴾ وكان حقه الإضمار، فأظهره للتعظيم، والتفخيم، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩)﴾ الشرح: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ..﴾. إلخ: هذا من قول العلي القدير، فيقول: تركنا قوم يأجوج ومأجوج منحصرين وراء السد يختلط بعضهم ببعض كموج بحر يلطم بعضه بعضا. وقيل: هذا عند قيام الساعة يدخل بعضهم في بعض لكثرتهم، ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى مدهوشين، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ لقيام الساعة. وفيه دليل واضح على أنّ خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة. ﴿فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ أي: جميع المخلوقات من إنس، وجنّ، يجمعون في صعيد واحد للحساب، والجزاء يوم القيامة. هذا؛ وفي قوله تعالى: يموج بعضهم... إلخ استعارة، فقد استعار الموج لهم، وهو عبارة عن حيرة الخلق، وتردد بعضهم في بعض كالمولهين لما يحيط بهم من هم، وخوف، ورعب، فشبههم بموج البحر الذي يضطرب، ويلطم بعضه بعضا. وانظر شرح: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل). أما ﴿الصُّورِ﴾ فهو قرن كهيئة البوق. قاله مجاهد، ويدل على صحته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁-قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: ما الصّور؟ قال: «قرن ينفخ فيه». أخرجه أبو داود والترمذي، وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم؟ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ؟!». وكأنّ ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله! وكيف نقول؟ فقال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا». وربما قال: «توكلنا على الله». أخرجه الترمذي. وينبغي أن تعلم أن الذي ينفخ في الصور، إنما هو إسرافيل ﵇، أحد الملائكة العشرة المقربين، وهو ينفخ نفختين بينهما أربعون عاما على الصحيح، الأولى لإماتة جميع المخلوقات، والثانية لإحيائهم، وبعثهم للحساب والجزاء، خذ قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ بعد هذا اذكر: أن الزمخشري-رحمه الله تعالى-قال: إن كل ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج، والذهاب، مثل: نفق، ونفد، ونفث، ونفش... إلخ.

стр. 3394

الإعراب: ﴿وَتَرَكْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (تركنا): فعل، وفاعل. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وإذ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وهذا التنوين عوض عن جملة محذوفة كما رأيت في شرحه. ﴿يَمُوجُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿بَعْضَهُمْ﴾. ﴿فِي بَعْضٍ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، أو هي في محل نصب حال من بعضهم، وجملة: ﴿وَتَرَكْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَنُفِخَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ في محل نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي في محل نصب حال من بعضهم، وتكون «قد» مقدرة قبلها، والرابط: الواو، والضمير في الجملة المعطوفة عليها. ﴿فَجَمَعْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿جَمْعاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠)﴾ الشرح: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ أي: أبرزناها، وأظهرناها للكافرين؛ ليشاهدوها عيانا في ذلك اليوم الطويل زمانه، العظيم شأنه. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل في هذه الآية وسابقتها لتحقق وقوع ما يحدث يوم القيامة، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة كما في الآية الأولى من سورة (النحل) وغيرها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَعَرَضْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. وانظر الآية السابقة، ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَرْضاً:﴾ مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَعَرَضْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ:﴾ مغطاة بغطاء يمنعهم النظر في الحق. ﴿عَنْ ذِكْرِي:﴾ عن النظر بآياتي، فيستدلون بها على قدرتي، فيذكروني، أو عن الإيمان، والقرآن، والهدى، والبيان، ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً:﴾ لا يقدرون أن يسمعوا آياتي التي يتلوها عليهم محمد ﷺ ، هذا هل كانوا عميا حقيقة، وصما حقيقة؟ لا، إنما كانت لهم أعين، ولكن لم يبصروا بها طريق الحق والرشاد، وكانت لهم آذان، ولكن لم يسمعوا بها النصح، والإرشاد، فكانوا كالأنعام بل هم أضل، وكل من تعامى عن الحق، وتصامم عن قبوله في هذه الأيام، فهو على شاكلتهم. وانظر الآية رقم [١٩] من سورة (الرعد). وانظر شرح «العين» في الآية رقم [٨٦]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 3395

الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ل: ﴿لِلْكافِرِينَ،﴾ أو هو بدل منه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، تقديره: أذم. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿أَعْيُنُهُمْ:﴾ اسم ﴿كانَتْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي غِطاءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَتْ﴾. ﴿عَنْ ذِكْرِي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿غِطاءٍ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَكانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله. ﴿سَمْعاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢)﴾ الشرح: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: أي: أفظن الكافرون الذين يتخذون عبادي من ملائكة، ونحو عيسى، وعزير-﵉-أربابا، وآلهة من دوني أني لا أغضب عليهم، ولا أعاقبهم على ذلك؟! أو المعنى: أفظنوا أن ينفعهم ذلك؟! لا بل إنّ من عبدوه من دوني يتبرأ منهم يوم القيامة، ويصير خصمهم. ﴿إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً﴾ أي: هيأنا، وأعددنا جهنم ضيافة، وإكراما للكافرين الذين عبدوا غير الله تعالى. قال تعالى في سورة (الواقعة) بعد أن ذكر ما أعد لهم في جهنم من العذاب الأليم: ﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ هذا؛ و (النزل) ما يقام للضيف من إكرام وحفاوة، وفيه تهكم بالكافرين، ومثله قول أبي السعد الضبي: [الطويل] وكنا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا وشتان ما بين نزل الكفار، ونزل الأبرار المذكور في الآية رقم [١٩٨] من سورة (آل عمران)، ونزل المؤمنين الذين يعملون الصالحات المذكور في الآية رقم [١٠٧] الآتية ألا فليعتبر المعتبرون، فاعتبروا يا أولي الأبصار!. الإعراب: ﴿أَفَحَسِبَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. وانظر ﴿أَفَمَنْ﴾ ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [١٧] من سورة (النحل) تجد ما يسرك. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (حسب): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَتَّخِذُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله،

стр. 3396

والألف للتفريق. ﴿عِبادِي:﴾ مفعول به أول منصوب. ﴿مِنْ دُونِي:﴾ متعلقان ب: ﴿أَوْلِياءَ؛﴾ لأنه جمع ولي، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩٣] وعلامة النصب في الأول، وعلامة الجر في الثاني: فتحة، أو كسرة مقدرتان على ما قبل ياء المتكلم على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩٨] والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ إلخ في محل نصب مفعول به أول للفعل: (حسب)، والثاني: محذوف، تقديره: أظنوا أن الاتخاذ المذكور نافعهم؟! أو لا أعذبهم عليه، ونحو ذلك. هذا؛ واعتبر السمين، وأبو البقاء المصدر سادا مسد المفعولين، ولا تقدير. هذا؛ ويقرأ: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ..﴾. إلخ على أنه مبتدأ، فيكون المصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ في محل رفع خبر، ويكون المعنى: أفكافيهم في النجاة اتخاذهم... إلخ، والكلام معطوف على مقدر، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿أَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به للكافرين متعلقان بمحذوف حال من ﴿نُزُلاً﴾ كان صفة له.. إلخ ﴿نُزُلاً:﴾ مفعول به ثان، ولم أر هذا الفعل قد نصب مفعولين في غير هذه الآية. وقيل: إن نزلا حال، والمعنى لا يؤيده، وجملة: ﴿أَعْتَدْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣)﴾ الشرح: يقول الله تعالى لمحمد ﷺ قل لهؤلاء الكفرة الفجرة الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به ثوابا، فنالوا هلاكا وخسارا. قال ابن عباس-﵄-هم اليهود، والنصارى. وقيل: هم الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع، وهم الرهبان. وقال علي بن أبي طالب-﵁: هم الخوارج، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر شرح «نبأهم» في الآية رقم [١٣]. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿نُنَبِّئُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، ﴿بِالْأَخْسَرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿أَعْمالاً:﴾ تمييز، وإنما جمع، والقياس: الإفراد؛ لتنوع الأهواء، أو؛ لأنه من أسماء الفاعلين، وجملة: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: الذين ضاع عملهم الذي يعملونه في هذه الدنيا، وذهب أدراج الرياح، فلا يجدون له نفعا في الآخرة، وهم يحسبون: أنهم... إلخ:

стр. 3397

وهم يظنون: أن عملهم حسن وجيد مقبول عند الله تعالى. هذا؛ وانظر شرح: ﴿ضَلَّ﴾ في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل)، وشرح ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [١٠٧] منها. وانظر (حسب) في الآية رقم [٩]. وانظر أعمال الكافرين في الآية رقم [٥٤] من سورة (التوبة) والآية [١٥] من سورة (هود) ﵇، وما ذكرته في الآية رقم [٣٩] من سورة (النور)، وقد جمع ما ذكرته في السورتين المذكورتين. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ هو مثل الآية رقم [١٠١]. ﴿ضَلَّ:﴾ ماض. ﴿سَعْيُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال، التقدير: حالة كونهم في الحياة. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿ضَلَّ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَحْسَبُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يُحْسِنُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿صُنْعاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿يَحْسَبُونَ،﴾ وجملة: ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (هم..) إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، وقد جاءت الحال من المضاف إليه، انظر الآية رقم [١٢٣] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى الذين ضل سعيهم... إلخ، ﴿كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ﴾ أي: جحدوا دلائل توحيده، وقدرته، وكفروا بالبعث، والثواب، والعقاب، وذلك؛ لأنهم كفروا بالنبي ﷺ وبالقرآن، فصاروا كافرين بهذه الأشياء. ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ:﴾ بطلت أعمالهم الصالحة كصدقة، وصلة رحم، ونحو ذلك، فلا يجدون لها أجرا، وثوابا في الآخرة، بسبب كفرهم المذكور. ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ أي: لا ننصب ميزانا لأعمالهم؛ لأنها لا قيمة لها، ولا اعتبار. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ والميزان ينصب لحسنات المؤمنين وسيئاتهم. قال أبو سعيد الخدري-﵁: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة، هي عندهم من العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها؛ لم تزن شيئا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾

стр. 3398

وقيل: المعنى: نزدري بهم، ونحتقرهم، فليس لهم عندنا حظّ، ولا قدر، ولا وزن، فعن أبي هريرة-﵁-عن رسول الله ﷺ : أنه قال: «إنّه ليأتي الرّجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» متفق عليه. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه، لما في ذلك من تكلف المطاعم، والاشتغال بها عن المكارم، بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الحاجة المبتغى به الترفه، والسمن، وقد قال ﷺ : «إنّ أبغض الرّجال إلى الله تعالى الحبر السّمين». ومن حديث عمران بن حصين-﵁-عن النبي ﷺ قال: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم-قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة؟ -ثمّ إنّ من بعدكم قوما يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون، ولا يؤتمنون، وينذرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن». أخرجه البخاري ومسلم. وهذا ذم، وسبب ذلك: أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل، والشره، والدّعة، والراحة، والأمن، والاسترسال مع النفس على شهواتها، فهو عبد نفسه لا عبد ربه، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام، وكل لحم تولد عن سحت فالنار أولى به، وقد ذم الله الكفار بكثرة الأكل، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ فإذا كان المؤمن يتشبه بهم، ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله، وأزمانه، فأين حقيقة الإيمان، والقيام بوظائف الإسلام؟! ومن كثر أكله، وشربه كثر نهمه، وحرصه، وزاد بالليل كسله، ونومه، فكان نهاره هائما، وليله نائما. انتهى. هذا؛ وقد ذكرت في الآية رقم [٣١] من سورة (الأعراف) أضرار كثرة الأكل، والشراب. وانظر وزن الأعمال، والميزان في الآية رقم [٨] منها أيضا. هذا؛ وإعلال ﴿نُقِيمُ﴾ مثل إعلال: ﴿مُقِيمَ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (إبراهيم) ﵇. هذا؛ وقد قرئ: «(يقيم)» على أنّ الفاعل هو الله، وقرئ: «(يقوم)» على أنّ الفاعل (وزن)، وبه قرأ مجاهد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. فائدة، وهدية لك: ضحك الصحابة لما رأوا ساق عبد الله بن مسعود-﵁ دقيقة نحيفة، وهو يصعد نخلة، فقال حبيب الحق، وسيد الخلق ﷺ : «تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض؟». وفي رواية: «تعجبون من ساق ابن مسعود؟! إنها في الميزان أثقل من جبل أحد!». فدل هذا على أنّ الأشخاص توزن يوم القيامة، كما يحتمل التمثيل والتشبيه، والله أعلم بحقيقة ذلك. الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾ على وجه فيه بعيد، وجملة:

стр. 3399

﴿كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَلِقائِهِ:﴾ معطوف على (آيات) والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿فَحَبِطَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿نُقِيمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿وَزْناً،﴾ كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩٤] ﴿وَزْناً:﴾ مفعول به هذا؛ وقد قال أبو البقاء: تمييز، أو حال، ولا وجه له؛ لأن الفعل توصل إليه بهمزة التعدية؛ لأن ماضيه: أقام. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ترك وزنهم، أو وزن أعمالهم، واحتقارهم، واستحقوا جهنم بسبب كفرهم، وعتوهم، وعنادهم، واتخاذهم آياتي التي أنزلتها على رسلي سخرية، واستهزاء، واستخفافا. هذا؛ وانظر شرح ﴿جَهَنَّمُ،﴾ ودركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر)، وشرح: ﴿آياتِي﴾ في الآية رقم [١] منها، وشرح: ﴿هُزُواً﴾ في الآية رقم [٥٦] وشرح (الكفر) في الآية رقم [٢٧] من سورة (النحل). الإعراب: في إعراب هذه الآية أربعة، أوجه ذكرها السمين، وأبو البقاء: أحدها: أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك، و ﴿جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ جملة برأسها. الثاني: أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ أول، وجزاؤهم مبتدأ ثان، وجهنم خبره، وهو وخبره خبر الأول، والعائد محذوف؛ أي: جزاؤهم به. الثالث: أنّ ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ؛ ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ بدل، أو عطف بيان، و ﴿جَهَنَّمُ﴾ خبره. الرابع أن يكون ذلك مبتدأ أيضا، وجزاؤهم خبره، وجهنم بدل، أو بيان، أو خبر مبتدأ محذوف. انتهى. جمل. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله وفاعله مستتر يعود إلى العذاب المذكور. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر جزاؤهم، ومنعه السمين للفصل ب: ﴿جَهَنَّمُ﴾ ورد بأن الخبر من معمولات المبتدأ، فليس أجنبيا عنه. انتهى. جمل. قال أبو البقاء: متعلقان بخبر ﴿ذلِكَ﴾ وهذا يكون على أحد الوجوه المعتبرة فيه. ﴿وَاتَّخَذُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، انظر الشرح لتأويل الكلام بمصادر. وقيل: الجملة مستأنفة، لا محل لها، والأول: أصح معنى وأقوى سبكا. ﴿آياتِي:﴾ مفعول به أول. ﴿وَرُسُلِي:﴾ معطوف عليه، وعلامة النصب فيهما فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿هُزُواً:﴾ مفعول به ثان.

стр. 3400

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. ﴿كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ:﴾ انظر شرح (الجنات) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد). وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (يونس) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ففيها ذكر الجنان السبع. هذا؛ وجنة الفردوس قال قتادة: الفردوس: ربوة في الجنة، وأوسطها، وأعلاها، وأفضلها وأرفعها؛ أي: فأوسطها بالنسبة للمكان، وأعلاها باعتبار الدرجات والقصورة، وأفضلها بالنسبة للنعيم الموجود فيها، وأرفعها بالنسبة لمقامها، ومكانتها. قال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. وقال النبي ﷺ : «إذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنّة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجّر أنهار الجنة». انتهى. من حديث طويل أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁. هذا؛ وقيل: الفردوس هو البستان الذي فيه الأعناب. وقيل: هي الجنة الملتفة بالأشجار التي تنبت ضروبا من النبات على اختلاف أنواعها، وهو أجود. واختلف فيه، فقيل: هو عربي. وقيل: هو رومي. وقيل: هو فارسي. وقيل: سرياني، وأقول: إنه صار عربيا لاستعمال القرآن له، كما رأيت في ألفاظ كثيرة، انظر الآية رقم [٢] و [٢٣] من سورة (يوسف) على حبيبنا، ونبينا وعليه، وآبائه، وأجداده ألف صلاة، وألف سلام تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ ولم يذكر لفظ ﴿الْفِرْدَوْسِ﴾ في غير هذه الآية، والآية رقم [١١] من سورة (المؤمنون). وقال حسان بن ثابت ﵁: [الطويل] وإنّ ثواب الله كلّ موحّد... جنان من الفردوس فيها يخلّد هذا؛ وفردوس اسم روضة في بلاد اليمامة. قال الشاعر، وهو مضرس بن ربعي الأسدي: [الطويل] وقلن على الفردوس أوّل مشرب... أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره وقال أمية بن أبي الصلت، وقد جمع الفردوس: [البسيط] كانت منازلهم إذ ذاك آهلة... فيها الفراديس والفومان والبصل هذا؛ وعطف العمل الصالح على الإيمان في الآية وغيرها يوحي بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ : «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل، كما رأيت في الآية
следующие страницы →