← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

والألف للتفريق. ﴿عِبادِي:﴾ مفعول به أول منصوب. ﴿مِنْ دُونِي:﴾ متعلقان ب: ﴿أَوْلِياءَ؛﴾ لأنه جمع ولي، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩٣] وعلامة النصب في الأول، وعلامة الجر في الثاني: فتحة، أو كسرة مقدرتان على ما قبل ياء المتكلم على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩٨] والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ إلخ في محل نصب مفعول به أول للفعل: (حسب)، والثاني: محذوف، تقديره: أظنوا أن الاتخاذ المذكور نافعهم؟! أو لا أعذبهم عليه، ونحو ذلك. هذا؛ واعتبر السمين، وأبو البقاء المصدر سادا مسد المفعولين، ولا تقدير. هذا؛ ويقرأ: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ..﴾. إلخ على أنه مبتدأ، فيكون المصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ في محل رفع خبر، ويكون المعنى: أفكافيهم في النجاة اتخاذهم... إلخ، والكلام معطوف على مقدر، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿أَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به للكافرين متعلقان بمحذوف حال من ﴿نُزُلاً﴾ كان صفة له.. إلخ ﴿نُزُلاً:﴾ مفعول به ثان، ولم أر هذا الفعل قد نصب مفعولين في غير هذه الآية. وقيل: إن نزلا حال، والمعنى لا يؤيده، وجملة: ﴿أَعْتَدْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣)﴾ الشرح: يقول الله تعالى لمحمد ﷺ قل لهؤلاء الكفرة الفجرة الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به ثوابا، فنالوا هلاكا وخسارا. قال ابن عباس-﵄-هم اليهود، والنصارى. وقيل: هم الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع، وهم الرهبان. وقال علي بن أبي طالب-﵁: هم الخوارج، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر شرح «نبأهم» في الآية رقم [١٣]. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿نُنَبِّئُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، ﴿بِالْأَخْسَرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿أَعْمالاً:﴾ تمييز، وإنما جمع، والقياس: الإفراد؛ لتنوع الأهواء، أو؛ لأنه من أسماء الفاعلين، وجملة: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: الذين ضاع عملهم الذي يعملونه في هذه الدنيا، وذهب أدراج الرياح، فلا يجدون له نفعا في الآخرة، وهم يحسبون: أنهم... إلخ:

стр. 3397

وهم يظنون: أن عملهم حسن وجيد مقبول عند الله تعالى. هذا؛ وانظر شرح: ﴿ضَلَّ﴾ في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل)، وشرح ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [١٠٧] منها. وانظر (حسب) في الآية رقم [٩]. وانظر أعمال الكافرين في الآية رقم [٥٤] من سورة (التوبة) والآية [١٥] من سورة (هود) ﵇، وما ذكرته في الآية رقم [٣٩] من سورة (النور)، وقد جمع ما ذكرته في السورتين المذكورتين. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ هو مثل الآية رقم [١٠١]. ﴿ضَلَّ:﴾ ماض. ﴿سَعْيُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال، التقدير: حالة كونهم في الحياة. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿ضَلَّ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَحْسَبُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يُحْسِنُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿صُنْعاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿يَحْسَبُونَ،﴾ وجملة: ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (هم..) إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، وقد جاءت الحال من المضاف إليه، انظر الآية رقم [١٢٣] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى الذين ضل سعيهم... إلخ، ﴿كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ﴾ أي: جحدوا دلائل توحيده، وقدرته، وكفروا بالبعث، والثواب، والعقاب، وذلك؛ لأنهم كفروا بالنبي ﷺ وبالقرآن، فصاروا كافرين بهذه الأشياء. ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ:﴾ بطلت أعمالهم الصالحة كصدقة، وصلة رحم، ونحو ذلك، فلا يجدون لها أجرا، وثوابا في الآخرة، بسبب كفرهم المذكور. ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ أي: لا ننصب ميزانا لأعمالهم؛ لأنها لا قيمة لها، ولا اعتبار. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ والميزان ينصب لحسنات المؤمنين وسيئاتهم. قال أبو سعيد الخدري-﵁: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة، هي عندهم من العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها؛ لم تزن شيئا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾

стр. 3398

وقيل: المعنى: نزدري بهم، ونحتقرهم، فليس لهم عندنا حظّ، ولا قدر، ولا وزن، فعن أبي هريرة-﵁-عن رسول الله ﷺ : أنه قال: «إنّه ليأتي الرّجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» متفق عليه. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه، لما في ذلك من تكلف المطاعم، والاشتغال بها عن المكارم، بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الحاجة المبتغى به الترفه، والسمن، وقد قال ﷺ : «إنّ أبغض الرّجال إلى الله تعالى الحبر السّمين». ومن حديث عمران بن حصين-﵁-عن النبي ﷺ قال: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم-قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة؟ -ثمّ إنّ من بعدكم قوما يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون، ولا يؤتمنون، وينذرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن». أخرجه البخاري ومسلم. وهذا ذم، وسبب ذلك: أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل، والشره، والدّعة، والراحة، والأمن، والاسترسال مع النفس على شهواتها، فهو عبد نفسه لا عبد ربه، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام، وكل لحم تولد عن سحت فالنار أولى به، وقد ذم الله الكفار بكثرة الأكل، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ فإذا كان المؤمن يتشبه بهم، ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله، وأزمانه، فأين حقيقة الإيمان، والقيام بوظائف الإسلام؟! ومن كثر أكله، وشربه كثر نهمه، وحرصه، وزاد بالليل كسله، ونومه، فكان نهاره هائما، وليله نائما. انتهى. هذا؛ وقد ذكرت في الآية رقم [٣١] من سورة (الأعراف) أضرار كثرة الأكل، والشراب. وانظر وزن الأعمال، والميزان في الآية رقم [٨] منها أيضا. هذا؛ وإعلال ﴿نُقِيمُ﴾ مثل إعلال: ﴿مُقِيمَ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (إبراهيم) ﵇. هذا؛ وقد قرئ: «(يقيم)» على أنّ الفاعل هو الله، وقرئ: «(يقوم)» على أنّ الفاعل (وزن)، وبه قرأ مجاهد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. فائدة، وهدية لك: ضحك الصحابة لما رأوا ساق عبد الله بن مسعود-﵁ دقيقة نحيفة، وهو يصعد نخلة، فقال حبيب الحق، وسيد الخلق ﷺ : «تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض؟». وفي رواية: «تعجبون من ساق ابن مسعود؟! إنها في الميزان أثقل من جبل أحد!». فدل هذا على أنّ الأشخاص توزن يوم القيامة، كما يحتمل التمثيل والتشبيه، والله أعلم بحقيقة ذلك. الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾ على وجه فيه بعيد، وجملة:

стр. 3399

﴿كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَلِقائِهِ:﴾ معطوف على (آيات) والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿فَحَبِطَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿نُقِيمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿وَزْناً،﴾ كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩٤] ﴿وَزْناً:﴾ مفعول به هذا؛ وقد قال أبو البقاء: تمييز، أو حال، ولا وجه له؛ لأن الفعل توصل إليه بهمزة التعدية؛ لأن ماضيه: أقام. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ترك وزنهم، أو وزن أعمالهم، واحتقارهم، واستحقوا جهنم بسبب كفرهم، وعتوهم، وعنادهم، واتخاذهم آياتي التي أنزلتها على رسلي سخرية، واستهزاء، واستخفافا. هذا؛ وانظر شرح ﴿جَهَنَّمُ،﴾ ودركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر)، وشرح: ﴿آياتِي﴾ في الآية رقم [١] منها، وشرح: ﴿هُزُواً﴾ في الآية رقم [٥٦] وشرح (الكفر) في الآية رقم [٢٧] من سورة (النحل). الإعراب: في إعراب هذه الآية أربعة، أوجه ذكرها السمين، وأبو البقاء: أحدها: أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك، و ﴿جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ جملة برأسها. الثاني: أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ أول، وجزاؤهم مبتدأ ثان، وجهنم خبره، وهو وخبره خبر الأول، والعائد محذوف؛ أي: جزاؤهم به. الثالث: أنّ ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ؛ ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ بدل، أو عطف بيان، و ﴿جَهَنَّمُ﴾ خبره. الرابع أن يكون ذلك مبتدأ أيضا، وجزاؤهم خبره، وجهنم بدل، أو بيان، أو خبر مبتدأ محذوف. انتهى. جمل. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله وفاعله مستتر يعود إلى العذاب المذكور. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر جزاؤهم، ومنعه السمين للفصل ب: ﴿جَهَنَّمُ﴾ ورد بأن الخبر من معمولات المبتدأ، فليس أجنبيا عنه. انتهى. جمل. قال أبو البقاء: متعلقان بخبر ﴿ذلِكَ﴾ وهذا يكون على أحد الوجوه المعتبرة فيه. ﴿وَاتَّخَذُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، انظر الشرح لتأويل الكلام بمصادر. وقيل: الجملة مستأنفة، لا محل لها، والأول: أصح معنى وأقوى سبكا. ﴿آياتِي:﴾ مفعول به أول. ﴿وَرُسُلِي:﴾ معطوف عليه، وعلامة النصب فيهما فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿هُزُواً:﴾ مفعول به ثان.

стр. 3400

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. ﴿كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ:﴾ انظر شرح (الجنات) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد). وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (يونس) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ففيها ذكر الجنان السبع. هذا؛ وجنة الفردوس قال قتادة: الفردوس: ربوة في الجنة، وأوسطها، وأعلاها، وأفضلها وأرفعها؛ أي: فأوسطها بالنسبة للمكان، وأعلاها باعتبار الدرجات والقصورة، وأفضلها بالنسبة للنعيم الموجود فيها، وأرفعها بالنسبة لمقامها، ومكانتها. قال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. وقال النبي ﷺ : «إذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنّة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجّر أنهار الجنة». انتهى. من حديث طويل أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁. هذا؛ وقيل: الفردوس هو البستان الذي فيه الأعناب. وقيل: هي الجنة الملتفة بالأشجار التي تنبت ضروبا من النبات على اختلاف أنواعها، وهو أجود. واختلف فيه، فقيل: هو عربي. وقيل: هو رومي. وقيل: هو فارسي. وقيل: سرياني، وأقول: إنه صار عربيا لاستعمال القرآن له، كما رأيت في ألفاظ كثيرة، انظر الآية رقم [٢] و [٢٣] من سورة (يوسف) على حبيبنا، ونبينا وعليه، وآبائه، وأجداده ألف صلاة، وألف سلام تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ ولم يذكر لفظ ﴿الْفِرْدَوْسِ﴾ في غير هذه الآية، والآية رقم [١١] من سورة (المؤمنون). وقال حسان بن ثابت ﵁: [الطويل] وإنّ ثواب الله كلّ موحّد... جنان من الفردوس فيها يخلّد هذا؛ وفردوس اسم روضة في بلاد اليمامة. قال الشاعر، وهو مضرس بن ربعي الأسدي: [الطويل] وقلن على الفردوس أوّل مشرب... أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره وقال أمية بن أبي الصلت، وقد جمع الفردوس: [البسيط] كانت منازلهم إذ ذاك آهلة... فيها الفراديس والفومان والبصل هذا؛ وعطف العمل الصالح على الإيمان في الآية وغيرها يوحي بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ : «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل، كما رأيت في الآية

стр. 3401

رقم [١٠٣] ويسمى مثل هذا في علم البديع احتراسا. وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (النحل). هذا؛ وانظر شرح (نزلا) في الآية رقم [١٠٢]. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وما بعدها معطوفة عليها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم وهو صفة لمحذوف، التقدير: الأعمال الصالحات. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بكانت، أو بمحذوف حال من ﴿نُزُلاً﴾ كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩٤] ﴿جَنّاتُ:﴾ اسم (كان)، و ﴿جَنّاتُ:﴾ مضاف، و ﴿الْفِرْدَوْسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿نُزُلاً:﴾ خبر (كان). هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها، واعتبار ﴿نُزُلاً﴾ حالا من ﴿جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ والأول: أقوى، وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها على الاعتبارين. ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨)﴾ الشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي: الذين آمنوا، وعملوا الصالحات مخلدون في جنات الفردوس، مقيمون لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يخرجون منها. ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً:﴾ لا يطلبون تحولا منها إلى غيرها، كما ينتقل الرجل من دار إلى أخرى إذا لم توافقه. هذا؛ و (الحول): مصدر سماعي ل: «تحول». وفي السمين: والحول: قيل: مصدر بمعنى: التحول، يقال: حال عن مكانه حولا، فهو مصدر كالعوج، والصّغر. انتهى. جمل. هذا؛ ومعنى ﴿كانَتْ لَهُمْ﴾ أي: في علم الله تعالى الأزلي، فإنه علم علما أزليا أنهم يعملون الصالحات مقرونة بالإيمان الصحيح، فقدرها لهم. الإعراب: ﴿خالِدِينَ:﴾ حال مقدرة من الضمير المجرور باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ متعلقان به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَبْغُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، الواو فاعله، ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿حِوَلاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ فهي حال متداخلة، أو هي حال أخرى تفيد توكيد الخلود. هذا؛ والحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة نحو قوله تعالى: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. وحال محكية، وهي الماضية، نحو: جاء زيد أمس راكبا.

стр. 3402

﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ . قال ابن عباس-﵄: قالت اليهود: يا محمد! تزعم أننا قد، أوتينا الحكمة، وفي كتابك: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ ثم تقول: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾. فأنزل الله تعالى هذه الآية. هذا؛ و (المداد): الحبر الذي يستعمل للكتابة، و ﴿(لِكَلِماتِ رَبِّي):﴾ المراد بها: علمه وحكمه. وقيل: مواعظه. وقيل: معلوماته. وقيل: عنى بها الكلام القديم الذي لا غاية له، ولا منتهى، وهو وإن كان واحدا، فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من فرائد الكلمات، ولأنه ينوب منابها، فجاءت العبارة عنها بصيغة الجمع تفخيما. قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ﴾ و ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وغير ذلك كثير. ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً:﴾ عددا، وزيادة، وعليه فالمدد غير المداد، وهو الصحيح. المعنى: لو كان الخلائق يكتبون، وماء البحر حبرا يستعملونه في الكتابة لإحصاء كلمات الله؛ لفني البحر، ولم تفن كلمات الله، ولو جئنا بمثل ماء البحر في كثرته مددا وزيادة؛ لنفد كذلك، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾. انظر شرحها هناك. والآيتان نزلتا بسبب واحد. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿الْبَحْرُ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿مِداداً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لِكَلِماتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿مِداداً،﴾ و (كلمات): مضاف، و ﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَنَفِدَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (نفد): ماض. ﴿الْبَحْرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَنْفَدَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿قَبْلَ﴾ إليه، التقدير: قبل نفاد الكلمات.. إلخ، ﴿لِكَلِماتِ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه... إلخ، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ لَوْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، و ﴿وَلَوْ جِئْنا..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير لنفد البحر ومثله معه. ﴿مَدَداً:﴾ تمييز.

стр. 3403

﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)﴾ الشرح: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا..﴾. إلخ: قال: ابن عباس-﵄-علّم الله تعالى رسوله محمدا ﷺ التواضع لئلا يزهى على خلقه، فأمره أن يقر، فيقول: أنا آدمي مثلكم، إلا أني خصصت بالوحي، وأكرمني الله به، ولا أعلم إلا ما يعلمني الله تعالى. ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ:﴾ لا شريك له في ملكه، ولا مناوئ له في سلطانه. ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ أي: يرجو رؤيته، وثوابه، ويخشى عقابه. ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً﴾ أي: من حصل له رجاء لقاء الله تعالى، وأيقن: أنه راجع إليه فليستعمل نفسه في العمل الصالح. ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ أي: لا يرائي بعمله أحدا من الناس، فعن عبد الله بن عباس ﵄-قال: قال رجل: يا رسول الله إني أقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى موطني، فلم يردّ عليه رسول الله ﷺ حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ..﴾. إلخ. رواه الحاكم، والبيهقي. قال الماوردي: قال جميع أهل التأويل: إن المراد بالآية النهي عن الرياء، كيف لا؟ وأحاديث الرسول ﷺ تصرح بأن الرياء شرك. فعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله ﵎ يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشّرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري؛ تركته؛ وشركه». أخرجه مسلم. ولغير مسلم: فأنا منه بريء هو والذي عمله. وعن سعيد بن أبي فضالة-﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الناس ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان يشرك في عمل عمله لله أحدا، فليطلب ثوابه منه، فإنّ الله أغنى الشّركاء عن الشّرك». أخرجه الترمذي، وابن ماجة. وعن شداد بن أوس-﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من صام يرائي فقد أشرك، ومن صلّى يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك». رواه البيهقي. هذا؛ وهناك أحاديث كثيرة في كتاب «الترغيب والترهيب» في هذا الباب، انظرها فيه إن شئت. بعد هذا؛ وردت أحاديث ترغب في حفظ سورة (الكهف)، وقراءتها، في جميع الأوقات، وفي يوم الجمعة وليلتها يسن قراءتها بوجه خاص، وروي: أن رجلا قال لابن عباس-﵄: إني أضمر أن أقوم ساعة من الليل، فيغلبني النوم، فقال: إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل؛ فاقرأ إذا أخذت مضجعك: ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي..﴾. إلخ: إلى آخر السورة. فإن الله تعالى يوقظك متى شئت من الليل. انتهى. قرطبي. قلت: وهو مجرب، والحمد لله! وانظر ما ذكرته في أول السورة.

стр. 3404

الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُكُمْ:﴾ صفة بشر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿يُوحى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيَّ:﴾ متعلقان به. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿إِلهُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهٌ:﴾ خبر، ﴿واحِدٌ:﴾ صفة. هذا؛ والكلام: ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل، ﴿يُوحى﴾. هذا؛ وكف (أنّ) بما عن العمل لا يخرجها عن المصدرية، وجملة: ﴿يُوحى..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿بَشَرٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر، وجملة: ﴿يَرْجُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿فَلْيَعْمَلْ:﴾ الفاء: واقعة في الشرط. واللام: لام الأمر، و (يعمل): مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى من. ﴿عَمَلاً:﴾ مفعول به. ﴿صالِحاً:﴾ صفته. وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [٨٨] فهو مثله بلا فارق، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا يُشْرِكْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِعِبادَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَداً﴾ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩٤] ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَلْيَعْمَلْ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. خاتمة: لقد ذكر الرحالة المصري محمد ثابت في كتابه: (جولة في ربوع آسيا) عن السد المذكور في هذه السورة ما يلي: السور الأعظم (سدّ يأجوج ومأجوج) لقد تحقق حلم كنت أتمناه طوال السنين، وهو أن تتاح لي الفرصة لزيارة سور الصين، أحد عجائب الدنيا، وكاد يغلب اليأس الرجاء منه، لما أن رفضت جميع شركات السياحة هناك القيام بأية رحلة إليه؛ لأن طريقه أضحى غير مأمون، وكانوا ينصحونني ألاّ أذهب خشية اللصوص، الذين اختطفوا سيارة بمن فيها من الأمريكان، ولم يمض على الحادث أسبوعان. لبثت حائرا. ثم اعتزمت الذهاب مهما كلفني ذلك، وقد وقفت إلى زميل ألماني في النّزل، هو مدرس بمدرسة خربين، حدثته عن السور، فرغب في زيارته، ركبنا قطار الضواحي الصغير زهاء ثلاث ساعات، وبعد أن اجتزنا محطة نانكاو الهامة، أخذ القطار يعلو في جبال معقدة، تكسوها الخضرة، واخترق بعض الأنفاق، حتى باغتنا السور، وكأنه إفريز، يطوق الجبال، ويتبعها علوا وانخفاضا إلى الآفاق.

стр. 3405

حللنا محطة السور الأعظم، وهناك أقلّتنا الحمير، وسارت بنا في واد كأنه وادي الملوك، صخوره نارية، وحره قائظ، أدى بنا إلى السور، فاعتليناه، فبدت روعته في تغضنه، وامتداده، إلى الآفاق، وهو يتلوّى كالأفعى، وقد لبثت أسير فوقه ساعتين، والذكريات التاريخية المجيدة تمر بالخاطر، فتكبر القوم تارة، وتحط من قدرهم أخرى؛ إذ كان يتجلّى جبروت الإنسان، وبطشه بأخيه الإنسان، وتسخيره فيما لا ينفع. وقد قرر الخبيرون: أن السور أضخم عمل أنجزته يد الإنسان، يفوق الهرم، وحدائق بابل المعلقة، وهو يطوق الصين من الشمال مبتدئا من البحر (عند شاي هاي كواي على خليج لياوتونج) إلى ممر كيايو في التيبت، وطوله في استقامة ١٢٥٥ ميلا، وبتعرجاته، وشعابه ١٥٠٠ وعلوه يتراوح بين ١٥ - ٣٠ قدما، وعرضه في أعلاه ١٥ وفي أسفله ٢٥ به ٢٥ ألف برج حربي، و ١٥ ألف برج للحراسة، وكأن الصين قد اختصت في بناء الأسوار حتى قال بعضهم: إننا لو جمعنا أسوارهم كلها لطوقنا الكرة الأرضية. أمر بإقامته الإمبراطور (شي هوانج تي) الذي اعتلى الملك سنة ٢٢١ قبل الميلاد، ومحا نظام الإقطاع، وقسم البلاد إلى مديريات، وكان كلفا بالمباني الضخمة، من بينها قصره الذي وسعت ردهته عشرة آلاف نفس، رأى هذا العاهل مناما أنذره أن الخطر مقبل من الشمال، وقد أيد التاريخ ذلك، فإن كل ما قاسته الصين من المغيرين جاء من تلك الناحية، فأرغم من الناس ثلث الرجال القادرين في الصين كلها، وكثيرا ما عاقب العلماء، وألزمهم بالعمل في السور؛ لأنهم ناوءوه. وقيل: إنه أحرق كتب العلم، وفلسفة كنفوشيوس لما أن رأى الناس يجلونها، ويكبرون العلماء أكثر من إكبارهم للبراطرة. ويطلق القوم على السور أحيانا اسم (أطول مقابر الدنيا) لكثرة من ماتوا في بنائه، ولم يتم بناء السور إلا في عهد ليوبانج من أسرة هان، وفي عهد أسر منج دعم السور، وزيد في طوابيه، ولعظيم هذا العمل أحاطه الناس في جميع العصور بخرافات، لا تزال عالقة بالأذهان، منها: أن الإمبراطور كان ساحرا ماهرا، وكان يمتطي جوادا سماويا اختط طريقه، وكان له سوط سحري، استطاع به أن يزيل الجبال، وينظم صرف مياه الهوانج هو، وكان يستخدم مردة الجن في جلب الأحجار، ويخال البعض أن كنوز البراطرة دفنت بين طياته، والكثير يعتقد: أن السور أقيم سدا في وجه الجن، لا الآدميين ويؤيدون ذلك بكثرة المعبودات البشعة، التي توضع على منافذ السور كلها، وممّا أثار دهشتي: أن السور يختط، أوعر المسالك؛ إذ يسلك الجبال، والربى العاتية، وهذا يتطلب مجهود الجبابرة. وقال البعض: إن الأبراج كانت تقام أولا، ثم يوصل ما بينهما، وعند ممر نانكاو، الذي وقفنا قبالته، كان يعلو السور فوق مستوى البحر بنحو أربعة آلاف قدم وفي البقاع التي كانت

стр. 3406

تتهددها الرمال، أقاموا سلسلة من أسوار خارج بعضها، وفي امتداده هذا غالب ثلاث صعوبات: الجبال الشاهقة، والصحارى الرملية المجدبة، وطبقات الأرض الهشة (اللويس). والعجيب: أني لما زرت مقبرة هذا الإمبراطور في مدافن أسرة منج رأيت الناس يقذفونها بالحجارة، فخلتهم يذكرونه بانتصاره على الصخور، التي أقام بها سوره العظيم، على أني علمت أنهم يأتون ذلك حطا من شأنه، واحتقارا له؛ لأنه امتهن تقاليد أجداده، وأهان العلم، وأهله حتى إنهم لم يلقبوه بباني السد، بل بمبيد الكتب العلمية، ويذهل المرء كيف استطاع الإمبراطور أن يزود السور بالجنود لحراسته، على طول امتداده، ومن العجيب: أنه لم يغن عنهم في الدفاع فتيلا؛ إذ اخترقه جنكيز خان سنة ١٩١٢، وكذلك لم يرد غارات المانشو بعد ذلك، ولا يعزو القوم ذلك إلى ضعف في السور نفسه، بل إلى خمود الروح العسكرية بين أفراد شعوب الصين الزراعية، على أني لما ألقيت على السور نظرة الوداع مرّ بخاطري مظهر الهرم الأكبر، فبدا السور بجانبه ضئيلا، لم يشعرني بالرهبة، والذهول التي يوحيها هرمنا. انتهى بحروفه. ممّا تقدم يلاحظ أنّ الرحالة أهمل ذكر السد في القرآن الكريم، وأنّ جعله دكّاء إنما هو من علامات الساعة الكبرى، بل هو من مقدماتها، وأنه استبدل اسم ذي القرنين الرجل الصالح، المختلف في نبوته المؤيد من ربه، الموفق في أعماله باسم الإمبراطور (شي هوانج تي) واستبدل زهده، وورعه، وتقواه بكلفه في المباني الضخمة، من بينها قصره الذي وسعت ردهته عشرة آلاف نفس، واستبدل التماس الناس المجاورين لقوم يأجوج ومأجوج منه إقامة السد بقهر الناس وظلمهم، واستعمالهم بالسد ظلما، وعدوانا، حتى أطلق على السد اسم (أطول مقابر الدنيا) لكثرة من ماتوا في بنائه. واستبدل حبه للعلم، وتعظيمه للعلماء بحرق كتب العلم، وفلسفة كنفوشيوس، ومعاقبته للعلماء، وإهانة العلم وأهله، حتى إن الناس لم يلقبوه بباني السد، بل بمبيد الكتب العلمية، واستبدل إتمامه للسد، وقوله: ﴿هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ بأن بناءه لم يتم إلا في عهد ليوبانج من أسرة هان، وفي عهد أسرة منج دعم السور، وزيد في طوابيه (سبحانك ربي هذا بهتان عظيم) ولولا كلمته في أول مقاله (سد يأجوج ومأجوج) ما أخذت عليه هذه الملاحظات واعتبرت مقاله عن سد غير سد ذي القرنين، واعتبرت سد ذي القرنين لا يزال في العالم المجهول، وفي علم الله الواحد الأحد، استجابة لقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ رقم [٩٦] من سورة (الأنبياء)، وقوله تعالى حكاية عن قول ذي القرنين في هذه السورة: ﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾. ولعل الرحالة لم يؤمن بما في القرآن، ولم يعتقد بيوم القيامة، وما يسبقه من علامات، بل ومن مقدمات، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبي ونعم الوكيل، عليه

стр. 3407

توكلت، وإليه أنيب، والسّلام على من اتبع الهدى، وجانب العصيان والرّدى، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين. انتهت سورة (الكهف) شرحا وإعرابا بحمد الله، وتوفيقه. **

стр. 3408

سورة مريم وهي مكية بالإجماع. وقيل: إلا آية السجدة والتي بعدها، فهما مدنيتان، وهي ثمان وتسعون آية، وثمانون وسبعمائة كلمة، وثلاثة آلاف، وسبعمائة حرف. انتهى خازن. هذا؛ وانظر شرح البسملة، والاستعاذة، وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا، وعليه، وعلى نسبه الشريف الكريم، ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿كهيعص (١)﴾ انظر الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. وأذكر هنا: أن ابن عباس-﵄-قال في هذا اللفظ: إن الكاف من: كاف، والهاء من: هاد، والياء من: حكيم، والعين من: عليم، والصاد من: صادق. وقيل: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم بهم، صادق في وعده. وقال ابن عباس أيضا: هو اسم من أسماء الله. وقيل: هو اسم للقرآن. وقيل: اسم للسورة. وقيل: هو قسم أقسم الله تعالى به. هذا؛ وفيه قراءات كثيرة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا (٢)﴾ الشرح: المعنى: هذا الذي نتلوه عليك يا محمد ذكر رحمة ربك... إلخ؛ أي: ما رحم الله به زكريا عبده. وانظر شرح: ﴿عَبْدَهُ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الإسراء). الإعراب: ﴿ذِكْرُ:﴾ قال السمين: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: فيما يتلى عليكم ذكر. الثاني: أنه خبر محذوف المبتدأ، تقديره: المتلو ذكر، أو هذا ذكر، الثالث: أنه خبر الحروف المقطعة، وهو قول يحيى بن زياد، وهو الملقب بالفراء. قال أبو البقاء: وفيه بعد؛ لأن الخبر هو المبتدأ في المعنى، وليس في الحروف المقطعة ذكر الرحمة، ولا في ذكر الرحمة معناها، و ﴿ذِكْرُ:﴾ مضاف، و ﴿رَحْمَتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ أي: ذكر الله رحمة عبده زكريا، و ﴿رَحْمَتِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله عبده، والهاء في محل جر بالإضافة.

стр. 3409

﴿زَكَرِيّا:﴾ بدل من ﴿عَبْدَهُ،﴾ أو عطف بيان عليه، منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣)﴾ الشرح: ﴿إِذْ نادى﴾ أي: دعا زكريا ربه دعاء خفيا؛ أي: في السر، وإنما أخفى دعاءه؛ لأن الإخفاء والجهر عند الله سيان، والإخفاء أشد إخباتا، وأكثر إخلاصا. قال تعالى: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ انظر الآية رقم [٥٥] من سورة (الأعراف) أو أخفى دعاءه لئلا يلام على طلب الولد مع كبر السن، أو لئلا يطلع عليه مواليه، الذين خافهم، أو لأن ضعف الهرم أخفى صوته. واختلف في سنه حينئذ، فقيل: خمس وسبعون. وقيل: ثمانون. وقيل: تسع وتسعون. وقيل: غير ذلك. وقال الجلال: كان له مائة وعشرون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿رَحْمَتِ﴾ وأجيز تعليقه ب: ﴿ذِكْرُ﴾. وقيل: هو بدل اشتمال من ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿نادى:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿نِداءً:﴾ مفعول مطلق. ﴿خَفِيًّا﴾ صفة له، وجملة: ﴿نادى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ الشرح: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي:﴾ ضعف عظمي، ورق، وإنما ذكر العظم وحده؛ لأنه عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فإذا وهن؛ تداعى، وتساقط سائر قوته، ولأنه أشد ما فيه، وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه، أوهن، ووحّده؛ لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، والمراد: أن هذا الجنس الذي هو العمود، والقوام، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، والضعف، ووهن، يهن من باب: وعد، فهو واهن في الأمر، والعمل، والبدن، ووهنته: أضعفته، يتعدى، ولا يتعدى في لغة فهو موهون البدن، والعظم، والأجود: أنه يتعدى بالهمزة، فيقال: أوهنته. ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً:﴾ هذا من أحسن الاستعارة وأجملها في كلام العرب، فقد شبه الشيب في بياضه، وإنارته بشواظ من نار، وانتشاره، وفشوه في الشعر باشتعالها، ثم أخرج مخرج الاستعارة، وأسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو مكان الشيب مبالغة، ولا ترى كلاما

стр. 3410

أفصح من هذا، ألا ترى: أن أصل الكلام: يا رب قد شخت؛ إذ الشيخوخة تشتمل على ضعف البدن، وشيب الرأس المتعرض لهما. هذا؛ والشيب، والشيبة: بياض الشعر، والمشيب عبارة عن الحيوان في زمان تكون قوته فيه غير غريزية، أما الشباب فهو الزمن الذي تكون فيه حرارة الحيوان الغريزية مشبوبة؛ أي: قوية مشتعلة. هذا قول الأصمعي. وقال الجوهري: الشيب، والمشيب بمعنى: واحد. ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: عودتني الإجابة فيما مضى، وأرجو أن لا تخيبني هذه المرة، يقال: سعد فلان بحاجته: إذا ظفر لها، وشقي إذا خاب ولم ينلها، ومن حق الكريم أن لا يخيب رجاء من قصده، وأنت يا الله أكرم الأكرمين. هذا؛ وقد كرر لفظ (رب) لمزيد التأكيد، والإلحاح في الطلب، والله يحب الملحّين في الدعاء على عكس ابن آدم الذي يغضب، إن سئل مرة بعد مرة، ورحم الله من يقول: [الكامل] لا تسألنّ بنيّ آدم حاجة... وسل الذي أبوابه لا تحجب الله يغضب إن تركت سؤاله... وبنيّ آدم حين تسأل يغضب تنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أن في حذفها من نداء الرب فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك: أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد؛ فمعناه: تعال يا زيد! أدعوك يا زيد! فحذفت (يا) من نداء الرب ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن، والكلام في نداء الرب لذلك المعنى. هذا؛ وانظر الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء) لشرحه، واشتقاقه. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿زَكَرِيّا﴾ ﵇. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، وفيه لغات، فمنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: يا ربّي، ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة، فيقول: يا ربّي، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا ربّا، ومنهم من يقول: يا ربّ بضم الباء، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الباء، دليلا عليها، فيقول: يا ربّ. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿وَهَنَ:﴾ ماض. ﴿الْعَظْمُ:﴾ فاعله. ﴿مِنِّي:﴾ متعلقان بمحذوف حال من العظم، وجملة: ﴿وَهَنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿وَاشْتَعَلَ:﴾ ماض. ﴿الرَّأْسُ:﴾ فاعله. ﴿شَيْباً:﴾ تمييز نسبة. وقيل: هو مفعول مطلق

стр. 3411

من معنى (اشتعل)؛ لأن معناه: شاب. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، والمعتمد الأول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، واسمه مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِدُعائِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَقِيًّا﴾ بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿شَقِيًّا:﴾ خبر ﴿أَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، واعتبارها حالا من ياء المتكلم يؤيده المعنى، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وبعضهم يعتبرها تفسيرا للنداء، ولا بأس به. ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)﴾ الشرح: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي﴾ أي: من بعدي، وأراد بالموالي: بني عمه، وأقاربه الذين يلونه في النسب، والعرب تسمي بني العم: موالي. قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: [البسيط] مهلا بني عمّنا، مهلا موالينا... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: خاف أن يرثوا ماله، وأن ترثه الكلالة، فأشفق أن يرثه غير الولد. وقالت طائفة: كان بنو عمه أشرار بني إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا خلافته على أمته، ويبدلوا عليهم دينهم، وقرئ: «(خفّت الموالي من ورائي)» بمعنى: قلّوا، وعجزوا عن إقامة الدين. وهي قراءة شاذة بعيدة جدا، حتى قيل: إنها لا تجوز. ﴿وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً﴾ أي: لا تلد لكبر سنها، والعاقر أيضا: التي لا تلد من غير كبر. وهو مشتق من العقر، وهو القطع لقطعه النسل، وكذلك العاقر من الرجال الذي لا يلد، ومنه قول عامر بن الطفيل: [الطويل] لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا... جبانا، فما عذري لدى كلّ محضر وهي من النوق التي لا تلد أيضا. قال لبيد-﵁: [الكامل] أدعو بهنّ لعاقر أو مطفل... بذلت لجيران الجميع لحامها أراد بالعاقر: الناقة التي لا تلد، وبمطفل: الناقة التي لها ولد. ولم تلحق الهاء عاقر؛ لأنها إنما تلحق للفرق بين المذكر، والمؤنث، فما لا يكون للمذكر لا حاجة فيه إلى علامة التأنيث، مثل حائض، وحامل، وطالق، ومرضع، فإن أتي بها، فإنما هو على الأصل. هذا قول أهل الكوفة. وقال أهل البصرة: هذا غير مستمر لأن العرب تقول: رجل أيم، وامرأة أيم، ورجل

стр. 3412

عانس وامرأة عانس مع الاشتراك. وقالوا: امرأة مصبية، وكلبة مجرية مع الاختصاص. قالوا: والصواب أن يقال: إن قولهم: حامل، وطالق، وحائض، ونحوها، أوصاف مذكرة، وصف بها الإناث، كما أن الربعة، والراوية، والخجأة، أوصاف مؤنثة وصف بها الذكور. انتهى. مختار الصحاح. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (الحج). ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا:﴾ فيه سؤال، ودعاء؛ أي: امنحني ولدا صالحا مرضيا من فضلك، وكرمك، وجودك هذا؛ و ﴿الْمَوالِيَ﴾ جمع: مولى. وانظر شرحه في الآية رقم [٧٦] من سورة (النحل). وانظر شرح (وراء) في الآية رقم [٧٩] من سورة (الكهف). وانظر شرح: ﴿وَلِيًّا﴾ في الآية رقم [٦٣] من سورة (النحل)، وشرح ﴿لَدُنْكَ﴾ في الآية رقم [٨٠] من سورة (الإسراء)، أما ﴿خِفْتُ﴾ فأصله: خوفت، فاستثقلت الكسرة على الواو لثقلها، ثم قلبت فتحة الخاء كسرة لتدل على حركة المحذوف، ولو كانت الحركة دليلا على المحذوف لكانت ضمة. الإعراب: ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (إني): حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها، وجملة: ﴿خِفْتُ الْمَوالِيَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿مِنْ وَرائِي:﴾ متعلقان بما تضمنه (الموالي) من معنى الفعل، فإن المعنى: الذين يلون الأمر من بعدي، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الموالي، أو هما متعلقان بمحذوف، التقدير: خفت فعل الموالي، أو جورهم من ورائي، وهو أصح معنى. تأمل. ﴿وَكانَتِ:﴾ الواو: واو الحال. ﴿وَكانَتِ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿اِمْرَأَتِي:﴾ اسم كان مرفوع.. إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، ﴿عاقِراً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَهَبْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط جازم مقدر. (هب): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْمَوالِيَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ لَدُنْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَلِيًّا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» ولدن مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَهَبْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك متوقعا؛ فهب... إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ الشرح: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ..﴾. إلخ: لقد اختلف في هذا الميراث، فالمعتمد: أنه ميراث العلم، والحكمة؛ لأن الأنبياء لا تورث، وأن زكريا-﵊-أراد وراثة العلم، والنبوة

стр. 3413

لا وراثة المال، لما ثبت عن حبيبنا وشفيعنا ﷺ : أنه قال: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة». هذا؛ ومن قول النبي ﷺ : «وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا، ولا درهما إنّما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث أبي الدرداء-﵁، وهو طويل. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ فإن سليمان لم يرث من داود مالا خلفه بعده، وإنما ورث منه العلم، والحكمة. هكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن، وكل قول يخالف قول النبي ﷺ فهو مدفوع مهجور، بل ويضرب به عرض الحائط. والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون؛ لأنه قد يقع في قلب الإنسان شهوة موت مورثه ليأخذ ماله. فنزه الله أنبياءه، وأهاليهم عن ذلك، ولئلا يظنّ بهم مبطل: أنهم يجمعون المال لورثتهم، ولأنهم كالآباء لأمتهم فيكون ما لهم لجميع الأمة، وهو معنى الصدقة العامة. هذا؛ وقد اختلف في المراد من يعقوب، فقيل: هو يعقوب بن إسحاق إسرائيل، وكان زكريا متزوجا بإيشاع أخت مريم بنت عمران. وقيل: إيشاع بنت فاقوذا بن قبيل، وهي أخت حنة بنت فاقوذا، وحنة أم مريم، وأبوها من ولد سليمان بن داود، وهو من ولد يهوذا بن يعقوب، وزكريا من ولد هارون أخي موسى، وهما من ولد لاوي بن يعقوب، والنبوة كانت في أولاده. وقيل: المعني بيعقوب هاهنا يعقوب بن ماثان أخو عمران، بن ماثان أبي مريم، فهما أخوان من نسل سليمان بن داود على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي: مرضيا في أخلاقه وأفعاله. الإعراب: ﴿يَرِثُنِي:﴾ مضارع. والفاعل يعود إلى ﴿وَلِيًّا﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿وَلِيًّا﴾ أو هي مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد قرئ الفعل بالجزم في جواب الطلب. ﴿وَيَرِثُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿وَلِيًّا﴾ ومفعوله محذوف، تقديره: العلم، ونحوه. ﴿مِنْ آلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿آلِ:﴾ مضاف، و ﴿يَعْقُوبَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَاجْعَلْهُ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣] ﴿مَرْضِيًّا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الندائية معترضة بين المفعولين، وجملة: ﴿وَاجْعَلْهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَهَبْ لِي..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. تنبيه: ذكرت لك أنه يجوز في جملة: ﴿يَرِثُنِي..﴾. إلخ وجهان: اعتبارها صفة، واعتبارها مستأنفة، وقد استشكل بعضهم الوجه الأول بناء على أنّ يحيى قتل قبل والده. كما ستعرفه في الآية رقم [١٤] بأن دعاء النبي قد يتخلف، وذلك؛ لأنه بموته قبله لم يرثه، ومعلوم ما يورث من الأنبياء، ورأى هذا المستشكل أن اعتبار الجملة مستأنفة أقوى، وأجيب بأن دعاء الأنبياء قد

стр. 3414

يتخلف، وقد وقع لنبينا محمد ﷺ أنه سأل ربه ثلاثة أمور. فاستجاب له في اثنين، وتأخرت الإجابة في الثالث. وجواب آخر، وهو أنه ﵊ قد صار في حياة والده مرجعا مهمّا لكل من يستفتي في الشريعة الموسوية، القائمة على التوراة. كما استشكل على اعتبار الجملة مستأنفة بأن مفاد الجملة حينئذ إخبار، وإخبار الأنبياء لا يتخلف قطعا؛ لأنه قائم مقام: (صدق عبدي في كل ما يبلّغ عنّي) وأجيب بأن هذا الإخبار باعتبار غلبة الظن؛ لأن نبي الله زكريا، لما كان مسنا غلب على ظنه أنه متى وهب له ولد يرثه. وقد ذكرت لك فيما مضى بأن المراد إرث النبوة، والعلم، وقد حصل ذلك في حياته، كما أشرت إليه. انتهى. هذا؛ والأمور الثلاثة التي سألها الرسول ﷺ ربه وردت في حديث الجمل الذي أخرجه ابن ماجة من حديث تميم الداري-﵁، وهي: «سكّن الله رعب أمتك يوم القيامة كما سكّنت رعبي، فقلت: آمين، ثمّ قال: حقن الله دماء أمّتك من أعدائها، كما حقنت دمي، فقلت: آمين، ثم قال: لا جعل الله بأسها بينها فبكيت، فإنّ هذه الخصال سألت ربّي فأعطانيها، ومنعني هذه، وأخبرني جبريل عن الله تعالى: أن فناء أمتي بالسيف». انتهى. من حديث طويل موجود في كتاب الترغيب والترهيب. ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ الشرح: ﴿يا زَكَرِيّا:﴾ المعنى فاستجاب الله له دعاءه، فقال: يا زكريا. ﴿إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ﴾ أي: بولد ذكر. وانظر شرحه في الآية رقم [٥٣] من سورة (الحجر). ﴿اِسْمُهُ يَحْيى:﴾ سماه الله بذلك؛ لأنه أحياه بالإيمان، والعلم، وإنما تولى تسميته تشريفا. وقيل: سماه يحيى؛ لأنه حيي بين أب شيخ، وأم عجوز. أو سمي بذلك؛ لأن رحم أمه قد حيي به بعد موته بالعقم. ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي: لم يسم أحد بيحيى قبله، ومنّ عليه تعالى بأن لم يكل تسميته إلى الأبوين. وقال مجاهد، وغيره: ﴿سَمِيًّا﴾ معناه: مثلا، ونظيرا، وهذا فيه بعد؛ لأنه لا يفضل على إبراهيم، وموسى، اللهم إلا أن يفضل في خاص كالسؤدد، والحصر، كما قال في (آل عمران): ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ هذا؛ ويقرأ (زكريا) بالقصر والمد «(زكرياء)»، ومعناه في العبرية: دائم الذكر، والتسبيح. الإعراب: ﴿يا زَكَرِيّا:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (زكريا): منادى مفرد علم مبني على ضم ظاهر على قراءة المد، ومقدر على الألف على قراءة القصر. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نُبَشِّرُكَ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به. ﴿بِغُلامٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿اِسْمُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة.

стр. 3415

﴿يَحْيى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل جر صفة (غلام). ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما، و ﴿قَبْلُ:﴾ مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿سَمِيًّا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَمْ نَجْعَلْ..﴾. إلخ في محل جر صفة ثانية لغلام، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. هذا؛ والآية الكريمة كلها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ الشرح: ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ:﴾ هذا استفهام عن كيفية حدوث الغلام، واستبعاد من حيث العادة، أو استعظام لشأن خلقه، أو هو تعجب من قدرة الله، لا استبعاد، وإنكار، فلا يرد كيف قال زكريا ذلك، ولم يكن شاكا في قدرة الله تعالى عليه؟. انتهى. جمل في (آل عمران). ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أي: النهاية في الكبر، ونحول الجسم، ودقة العظم، وذهاب القوى، وعتا الشيء: يبس، وقسا. وقال الشاعر: [الخفيف] إنّما يعذر الوليد ولا يع... ذر من كان في الزّمان عتيّا هذا؛ و ﴿عِتِيًّا﴾ أصله: عتوو، كقعود، فاستثقلوا توالي الضمتين والواوين، فكسرت التاء تخفيفا، وقلبت الواو الأولى ياء لمناسبة الكسرة، والثانية ياء أيضا لتدغما في بعضهما، فحصل فيه ثلاثة أعمال، وهذا كله على غير قراءة حفص، وفي قراءته بكسر العين أيضا إتباعا لكسرة التاء، كقولهم في: عصي، وقسي: عصي وقسي، فتكون الأعمال أربعة. هذا؛ والعتو: العناد، والطغيان. والعاتي: المجاوز للحد في الاستكبار، والعاتي: الجبار أيضا. وقيل: العاتي: هو المبالغ في ركوب المعاصي، المتمرد الذي لا يقع منه الوعظ، والتنبيه موقعا. انتهى. مختار، وخذ قوله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً﴾ وأما ﴿سَمِيًّا﴾ فأصله: (سميو، فاجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، وهو فعيل بمعنى: مفعول. انتهى جمل. هذا؛ وانظر (عتيا) ومعناه في الآية [٦٩]). الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (زكريا). ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام بمعنى: كيف، أو بمعنى: من أين، فعلى الأول: مبني على السكون في محل نصب حال من (غلام)، والعامل في الحال ﴿يَكُونُ﴾ وساغ مجيء الحال من النكرة

стр. 3416

لتقدمها عليها، وقد رأيته كثيرا، وعلى المعنى الثاني، فهو مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر ﴿يَكُونُ﴾ على نقصانه، ومتعلق به على تمامه. ﴿لِي:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُونُ﴾ تقدم على اسمه، وذلك على الوجه الأول: في ﴿أَنّى﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من غلام، وذلك على الوجه الثاني: في ﴿أَنّى﴾ وأيضا على اعتبار ﴿يَكُونُ﴾ تاما. ﴿غُلامٌ:﴾ اسم ﴿يَكُونُ﴾ أو هو فاعل به، وجملة: ﴿أَنّى يَكُونُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَكانَتِ:﴾ الواو: واو الحال. (كانت): ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿اِمْرَأَتِي:﴾ اسم (كان) مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿عاقِراً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير؛ و «قد» قبلها مقدرة. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَلَغْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنَ الْكِبَرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿عِتِيًّا﴾ على نحو ما رأيت في الآية رقم [٤] ﴿عِتِيًّا:﴾ مفعول به. وقيل: هو مصدر مؤكد لمعنى الفعل؛ لأن بلوغ الكبر في معناه. وقيل: هو مصدر في موضع الحال من فاعل ﴿بَلَغْتُ؛﴾ أي: عاتيا، أو ذا عتو. وقيل: هو تمييز، وعلى هذه الأوجه الثلاثة ف ﴿مِنَ﴾ مزيدة. ذكره أبو البقاء، والأول: هو الأوجه. انتهى جمل نقلا عن السمين. وقد تصرفت فيه، وجملة: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. هذا؛ والكلام: ﴿رَبِّ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله بدليل الكلام السابق، أو جبريل ﵇ هو القائل بدليل قوله تعالى بسورة (آل عمران): ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٩] ﴿قالَ رَبُّكَ هُوَ﴾ أي: خلق الولد من أبوين هرمين ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: لا أحتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب بأن أرد عليك قوة الجماع، وأفتق رحم امرأتك؛ حتى يصلح للعلوق، والحمل، وقد قال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾. ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل خلق يحيى. ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ أي: كنت في العدم وغير موجود في هذه الدنيا. هذا؛ وقد قرئ: «(وقد خلقناك)» بنون العظمة. بعد هذا فأصل ﴿هَيِّنٌ﴾ هيون، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو، والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وقل مثله في إعلال: سيد، وميت، ونحو ذلك، و ﴿خَلَقْتُكَ﴾ أصله: «تكون» فلما دخل الجازم صار: «لم تكون» فحذفت الواو لالتقاء

стр. 3417

الساكنين فصار: «لم تكن» ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال، وهذا الحذف جائز، وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من: كان، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، ولا يتصل به ضمير متحرك، كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير، وهو وارد في الكلام العربي شعرا، ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد أحد الشروط إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر: [الطويل] إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم وقول الخنجر بن صخر الأسدي: [الطويل] فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم هذا؛ وقد قرئ شاذّا قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..﴾. إلخ ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي لجريانه على القاعدة: [الطويل] دع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها فإلاّ يكنها أو تكنه فإنه... أخوها غذته أمّه بلبانها الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو»، انظر الشرح. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر كذلك. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده. وقيل: الكاف مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أفعل مثل ما طلبت. فتكون الكاف مضافا، واسم الإشارة في محل جر بالإضافة. والمعتمد الأول، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ رَبُّكَ:﴾ ماض، وفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيَّ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿هَيِّنٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، وفيها معنى التأكيد لما قبلها، أو هي تعليل للقول الأول. وانظر الآية رقم [٢٠] يتضح لك ذلك. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَقْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿خَلَقْتُكَ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). وانظر شرحه، واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿شَيْئاً:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والرابط: الواو، والضمير المذكور بسابقتها، أو هي حال ثانية، فتكون حالا متداخلة.

стр. 3418

﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: زكريا. ﴿اِجْعَلْ لِي آيَةً:﴾ علامة أعرف بها الحمل، لأستقبله بالفرح، والسرور، والشكر للرب الغفور. وانظر الآية رقم [١] من سورة (الحجر) لشرح آيات. ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ..﴾. إلخ: أي: قال الله تعالى: العلامة على حمل امرأتك عدم قدرتك على الكلام مع كونك سليما من عاهة الخرس، والبكم مدة ثلاث ليال، وإنما ذكر الليالي هنا والأيام في الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران) للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس، والتجرد للذكر، والشكر ثلاثة أيام مع لياليهن. هذا؛ وقد قال تعالى في آل عمران ﴿إِلاّ رَمْزاً﴾ أي: إشارة بيد، أو عين، أو حاجب، أو رأس. فائدة: وإنما عبر هنا بالليالي، وفي آل عمران بالأيام؛ لأن هذه السورة مكية، والمكي سابق على المدني، والليل سابق على النهار، فأعطى السابق للسابق، وسورة (آل عمران) مدنية، والمدني متأخر عن المكي، والنهار متأخر عن الليل، فأعطي المؤخر للمؤخر. انتهى. جمل عن شيخه. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى زكريا. ﴿رَبِّ:﴾ انظر إعرابه في الآية رقم [٣] ﴿اِجْعَلْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿آيَتُكَ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. ﴿تُكَلِّمَ:﴾ مضارع منصوب ب: (أن)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿ثَلاثَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿ثَلاثَ:﴾ مضاف، و ﴿لَيالٍ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿سَوِيًّا:﴾ حال من فاعل ﴿تُكَلِّمَ﴾ المستتر، وعن ابن عباس-﵄: أنه من صفة الليالي، بمعنى: أنها كاملات، فيكون نصبه على النعت للظرف. انتهى سمين. هذا؛ و (أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع خبر المبتدأ، التقدير: آيتك عدم الكلام... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ الشرح: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ﴾ أي: من الموضع الذي كان يصلي فيه، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه؛ حتى يفتح لهم، فيدخلون، ويصلون؛ إذ خرج إليهم

стр. 3419

زكريا ﵇ متغيرا لونه، فأنكروا ذلك عليه، وقالوا: مالك. ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ﴾ أي: أشار إليهم، وهو معنى ﴿رَمْزاً﴾ المذكور في (آل عمران). ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي: صلوا لله، ونزهوه، وقدسوه طرفي النهار؛ أي: في الصباح، والمساء. هذا؛ و ﴿الْمِحْرابِ﴾ مأخوذ من المحاربة، كأن ملازم يحارب الشيطان، والشهوات، ولذلك يقال لكل محل من محال العبادة: محراب. وانظر (الغداة) و (العشي) في الآية رقم [٢٨] من سورة (الكهف)، والمحال عليها من سورة (الرعد). وانظر شرح (قوم) في الآية رقم [١٣] من سورة (النحل). وينبغي أن تعلم: أن المدة التي مضت بين البشارة بيحيى ﵇ وبين حمل أمه به هي ثلاث عشرة سنة. وقال الجمل: وبين وجوده في الخارج بالفعل؛ أي: ولادته. والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿فَخَرَجَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (خرج): ماض، وفاعله يعود إلى زكريا. ﴿عَلى قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْمِحْرابِ:﴾ متعلقان به أيضا، وجملة: ﴿فَخَرَجَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (أوحى): ماض، والفاعل يعود إلى زكريا أيضا. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير. ﴿سَبِّحُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها. ﴿بُكْرَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿وَعَشِيًّا:﴾ ظرف زمان معطوف على ما قبله. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بتسبيحه. والأول: أقوى؛ لأن ﴿أَنْ﴾ مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه. ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ الشرح: ﴿يا يَحْيى..﴾. إلخ: في الكلام حذف يدل عليه المقام؛ إذ التقدير: فولد له ولد، وقال الله له: يا يحيى.. إلخ: والمراد: ب: ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة بلا خلاف، ومعنى ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد، واجتهاد. وهذا يتطلب حفظه والعمل به، والالتزام لأوامره، والكف عن نواهيه. ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي: الأحكام والمعرفة بها. روى معمر أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت. هذا؛ وقيل: كان ابن سنتين، أو ثلاث سنين حين أعطاه الله النبوة، وهذا من خوارق العادات للأنبياء. وقال ابن عباس-﵄: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن، أوتي الحكم صبيا. وروي في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن عمر ﵄-عن النبي ﷺ قال: «كلّ بني آدم يأتي يوم القيامة، وله ذنب إلاّ ما كان من يحيى بن زكريّا». وانظر شرح: ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (آل عمران).

стр. 3420

الإعراب (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (يحيى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف للتعذر في محل نصب ب: (يا). ﴿خُذِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِقُوَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿وَآتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿الْحُكْمَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿صَبِيًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب، وجملة: ﴿وَآتَيْناهُ..﴾. إلخ مستأنفة، وعند التأمل يتبين لك: أن الآية كلها في محل نصب مقول القول، انظر الشرح. ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا﴾ أي: ورحمة منا عليه، أو رحمة، وتعطفا في قلبه على أبويه وغيرهما من الناس. هذا؛ والحنان: الشفقة، والرحمة، والمحبة، وهو فعل من أفعال النفس، وأصله من حنين الناقة على ولدها، وهو محال في حقه جل ذكره بهذا المعنى. وقال أبو عبيدة: والعرب تقول: حنانك يا ربّ، وحنانيك يا ربّ بمعنى: واحد، تريد: رحمتك. وقال امرؤ القيس: [الوافر] ويمنحها بنو شمجى بن جرم... معيزهم حنانك ذا الحنان معناه: رحمتك يا رحمان! وقال طرفة بن العبد من قصيدة خاطب بها عمرو بن هند الملك حين أمر بقتله: [الطويل] أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض معناه: تحنن علينا. وقال الحطيئة يخاطب عمر-﵁: [المتقارب] تحنّن عليّ هداك المليك... فإنّ لكلّ مقام مقالا وحنة الرجل، وحنانه: امرأته لتوادهما. قال منذر بن درهم الكلبي: [الطويل] فقالت حنان: ما أتى بك هاهنا؟ ... أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف؟ ﴿مِنْ لَدُنّا:﴾ من عندنا. وانظر شرح (لدن) في الآية رقم [٨٠] من سورة (الإسراء). وانظر (نا) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر). ﴿وَزَكاةً:﴾ الزكاة: التطهير، والبركة، والتنمية في وجوه الخير والبر. ﴿وَكانَ تَقِيًّا:﴾ مطيعا لله تعالى، ولهذا لم يعمل خطيئة، ولم يهم بها كما قد رأيت. الإعراب: ﴿وَحَناناً:﴾ معطوف على الحكم. ﴿مِنْ لَدُنّا:﴾ متعلقان ب: (حنانا)، أو بمحذوف صفة له، و (لدن) مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَزَكاةً:﴾ معطوف على ما قبله، ومتعلقه محذوف اكتفاء بما قبله، وجملة: ﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾ معطوفة على جملة: ﴿وَآتَيْناهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.

стр. 3421

﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا (١٤)﴾ الشرح: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ:﴾ محسنا إليهما، لطيفا بهما؛ لأنه لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى أعظم من بر الوالدين. وفي قوله: (والديه) تغليب الأب على الأم. ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً﴾ متكبرا، طاغيا، متغطرسا. ﴿عَصِيًّا:﴾ هو أبلغ من العاصي، والمراد: وصف يحيى ﵇ بالتواضع، ولين الجانب، وخفض الجناح لأبويه، وللناس أجمعين، وأصله: عصييا بوزن فعيل، فأدغمت الياء في الياء، وأتي بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل، وليس المقصود المبالغة، بل المقصود نفي أصل العصيان. الإعراب: ﴿وَبَرًّا:﴾ معطوف على خبر (كان). ﴿بِوالِدَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما؛ لأنه اسم فاعل، وعلامة الجر الياء؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص، واسمه يعود إلى يحيى. ﴿جَبّاراً:﴾ خبر ﴿يَكُنْ﴾. ﴿عَصِيًّا:﴾ خبر ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (كان...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ الشرح: المعنى: وأمان ليحيى ﵇ من الله يوم ولد من أن يناله الشيطان، كما ينال سائر بني آدم، وأمان له يوم يموت من عذاب القبر، وأمان له يوم يبعث حيا من عذاب يوم القيامة، فأكرمه الله تعالى بالأمان في هذه المواطن كلها، وهي، أوحش ما يكون الخلق فيها، وأشد خوفا من غيرها. هذا؛ وقد قال الله هنا منكّرا. وقال في قصة عيسى ﵇ معرّفا؛ لأن ما هنا من الله تعالى، والقليل منه جل ذكره كثير، وما هنالك من عيسى نفسه، وال فيه للاستغراق، أو للعهد، كما في قوله تعالى: ﴿كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ أي: ذلك السّلام الموجه إلى يحيى موجه إليّ. انتهى. جمل. الإعراب: ﴿وَسَلامٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (سلام): مبتدأ. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان ب: (سلام) أو بمحذوف صفة له. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ واعتبر أبو البقاء ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿يَوْمَ:﴾ متعلقان بالخبر أيضا، ولكن إذا عرفت أن الخبر ما تتم به الفائدة ظهر لك: أن الأول: أحق بالاعتبار، و (يوم) مبني لإضافته لمبني. ﴿وُلِدَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (يحيى) والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَيَوْمَ﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَمُوتُ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها أيضا ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾ مثلها. ﴿حَيًّا:﴾ حال من نائب الفاعل المستتر، والجملة الاسمية هي من مقول الله تعالى.

стр. 3422

خاتمة: لقد عرفت: أن زكريا-﵇-قد شاخ، وكبر. وأن امرأته قد بلغت سن الشيخوخة، وتجاوزت سن اليأس من الحمل بالولد، وينبغي أن تعلم: أن الذي حفزه وشجعه على طلب الولد من الله هو ما رآه من إكرام الله لمريم التي كفلها، وأشرف عليها؛ حيث رآها تأكل فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فعلم: أن القادر على ذلك قادر على الإتيان بالولد على الكبر، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] من سورة (آل عمران) وما بعدها. فولد يحيى ﵇، وتولاه ربه، ورعاه برعايته، وحفظه من المعاصي والسيئات، وكمله، وجمله بأحسن الصفات، وكريم الأخلاق، وقد ساد الناس في عبادة الله، وطاعته، وقد برع في الشريعة الموسوية، وصار مرجعا مهمّا لكل من يستفتي في أحكامها، وكان أحد حكام فلسطين في عهده يقال له: هيرودس، وكانت له بنت أخ، يقال لها: هيروديا بارعة الجمال، أراد عمها أن يتزوجها، وكانت البنت وأمها تريدان ذلك، غير أن يحيى ﵇ لم يرض عن هذا الزواج؛ لأنه محرّم، فانتهزت أم الفتاة إخراج بنتها إلى عمها في زينتها، فرقصت أمامه، فسرّ منها وطلب إليها أن تقول ما تتمناه ليعمله لها، وكانت أمها قد لقنتها أن تطلب منه رأس يحيى بن زكريا في هذا الطبق إذا سألها عمها أن تقول ما تتمناه، فقال: ويحك سليني غير هذا! قالت: لا أسألك غيره، فلما أبت عليه بعث إليه، فأتي برأسه في الطبق، والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه، وهو يقول: لا تحل لك، فلما أصبح إذا دمه يغلي، ويفور، فأمر بتراب فألقي عليه، فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يغلي ويفور؛ حتى أتى بختنصر كما ستعرفه. فلما سمع زكريا ﵇ أن ابنه يحيى قد قتل انطلق هاربا في الأرض حتى دخل بستانا عند بيت المقدس فيه الأشجار، فنادته شجرة يا نبي الله إلى هنا! فلما أتاها انفتقت له الشجرة، ودخل في وسطها، وانضمت عليه، فأخذ إبليس أخزاه الله بطرف ردائه، فأخرجه من شقها، وأخذ الملك وأعوانه يبحثون عن زكريا ﵇ حتى أتوا البستان، فدلهم إبليس على الشجرة التي دخلها زكريا، وأراهم طرف ردائه، فأخذوا المناشير ونشروا الشجرة نصفين، فسلط الله عليهم أخبث أهل الأرض علجا مجوسيّا، فانتقم الله به من بني إسرائيل بدم يحيى وزكريا على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام، فقتل عظماءهم، وسبى منهم مائة وسبعين ألفا. انتهى. من قصص الأنبياء للنجار، وللثعلبي بتصرف كبير. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (الإسراء)، وهكذا كان خبث بني إسرائيل، وخروجهم عن طاعة الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقد نوّه القرآن الكريم بذلك في كثير من آياته، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. تنبيه: وينبغي أن تعلم أن قتل هذين النبيين كان في حياة عيسى، وأنهم كانوا جميعا في زمن واحد، ولم يذكر أحد عمر يحيى ﵇، غير أن عبد الوهاب النجار قال: ولما بلغ المسيح: أنّ يحيى قد قتل جهر بدعوته وقام في الناس واعظا. انتهى. وإذا علمت أن يحيى،

стр. 3423

وعيسى متقاربان في زمن ولادتهما، وأن عيسى قد رفع، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة تبين لك أن يحيى لم يعش ثلاثين عاما. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على حبيبنا، وشفيعنا محمد وعلى يحيى، وزكريا، وعيسى وجميع الأنبياء، والمرسلين، وسلم. ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الخطاب لسيد الرسل ﷺ ، ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ في القرآن. ﴿مَرْيَمَ:﴾ المراد قصة مريم، وما تضمنت من آيات، وعبر. ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها﴾ أي: تنحت، وتباعدت عن قومها. هذا؛ والنبذ: الطرح، والرمي. قال تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ والانتباذ: الاعتزال، والانفراد، وهو المراد هنا. واختلف لم انتبذت؟ قال الخازن: كان ذلك في يوم شات شديد البرد، فجلست في مشرق بيت المقدس تفلي رأسها. وقيل: تغتسل. وقيل: لتعبد الله، وهذا أحق بالاعتبار، وأولى. ﴿مَكاناً شَرْقِيًّا﴾ أي: مكانا في الجهة الشرقية، ولهذا اتخذت النصارى المشرق قبلة. قال ابن عباس-﵄: إني لأعلم النّاس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة لقوله : ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا﴾ فاتخذوا ميلاد عيسى ﵇ قبلة. وقالوا: لو كان شيء من الأرض خيرا من المشرق لوضعت مريم عيسى ﵇ فيه. واختلف في نبوة مريم، فقيل: كانت نبية بهذا الإرسال، والمحاورة للملك، والمعتمد: أنها لم تكن نبية، وإنما هي ولية. انظر ما ذكرته في هذا الصدد في الآية رقم [٤٢] من سورة (آل عمران). وانظر نذر أمها لها، وكفالة زكريا لها في الآية رقم [٣٥] وما بعدها من سورة (آل عمران) تجد ما يسرك. ومريم بالعبرية بمعنى: الخادم ثم سمي به كثير من النساء، ومريم في لسان العرب: هي التي تكره مخالطة الرجال، ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم، وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا. هذا؛ وفي القاموس المحيط: المريم هي التي تحب مخالطة الرجال، ولا تفجر، وهذا يناقض ما قبله. قال الشاعر: [الطويل] وزائرة ليلا كما لاح بارق... تضوّع منها للكساء عبير فقلت لها: أهلا وسهلا أمريم؟ ... فقالت: نعم من أنت؟ قلت لها: زير الإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف عطف قصة مريم على قصة زكريا ويحيى ﵉. (اذكر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان به. ﴿مَرْيَمَ:﴾ مفعول به، وانظر الشرح. ﴿إِذِ:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب بدلا من ﴿مَرْيَمَ﴾ لأن الأحيان مشتملة على ما فيها؛ لأن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها لوقوع هذه القصة العجيبة فيه. قاله الزمخشري. وقيل: هو منصوب بالمحذوف المضاف

стр. 3424

ل: ﴿مَرْيَمَ﴾. وقيل: هو منصوب باذكر، وذكر أبو البقاء، أوجها أربعة: أحدها: أنها ظرف العامل فيها محذوف، تقديره: اذكر خبر مريم إذ. والثاني: أن تكون حالا من المضاف المحذوف. الثالث: أن تكون منصوبة بفعل محذوف؛ أي: وبين إذ. والرابع: أن تكون بدلا من مريم بدل اشتمال. والمعتمد الأول. ﴿اِنْتَبَذَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿مَرْيَمَ﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذِ﴾ إليها. ﴿مِنْ أَهْلِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿مَكاناً:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، ويجوز أن يكون مفعولا به على أنّ معنى ﴿اِنْتَبَذَتْ﴾ أتت مكانا. أفاده السمين. ﴿شَرْقِيًّا:﴾ صفة مكانا، وجملة: ﴿وَاذْكُرْ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالواو. ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧)﴾ الشرح: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً﴾ أي: وضعت، وضربت بينها وبين قومها سترا يمنعهم من رؤيتها. وقيل: جلست وراء جدار. وقيل: قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بشيء يسترها، وكانت إذا حاضت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها امرأة زكريا، وتعود إليه إذا طهرت، فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل ﵇ متمثلا بصورة شاب أمرد، سوي الخلق لتأنس بكلامه، ولعله ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها. هذا؛ وقد عبر سبحانه عن جبريل بالروح، وأضافه إلى نون العظمة تشريفا له، وتكريما، وتمثله لها بصورة شاب حسن الصورة شبيه بتمثله للنبي ﷺ بصورة دحية الكلبي. الإعراب: (اتخذت): ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مريم. ﴿مِنْ دُونِهِمْ:﴾ متعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿حِجاباً﴾ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٤]، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اِنْتَبَذَتْ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿فَأَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، ﴿إِلَيْها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رُوحَنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿فَتَمَثَّلَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى روحنا. ﴿لَها:﴾ متعلقان به. ﴿بَشَراً:﴾ حال موطئة للصفة بعدها، وهو: ﴿سَوِيًّا،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ الشرح: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ: وقولها هذا كان حين رأت جبريل ﵇ يقصد نحوها بادرته من بعيد، والمعنى: إني أستجير بالرحمن منك أن تبتعد عني إن كنت ممّن يتقي الله ويخافه. فدل تعوذها من تلك الصورة الحسنة على شدة عفتها، وكمال ورعها، وتعوذها منه إن كان تقيا على

стр. 3425

حد قول القائل: إن كنت مؤمنا؛ فلا تظلمني. قيل: نكص جبريل فزعا من ذكر الرحمن ﵎. هذا؛ وقيل: «تقي» اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت، وليس بشيء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مريم. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَعُوذُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ﴿بِالرَّحْمنِ مِنْكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعُوذُ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها. ﴿تَقِيًّا:﴾ خبرها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فاتركني، وابتعد عني، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩)﴾ الشرح: قال جبريل ﵇: ﴿إِنَّما أَنَا..﴾. إلخ: أسند الهبة إلى نفسه، وإن كانت من الله تعالى؛ لأنه أرسل به. ﴿غُلاماً زَكِيًّا:﴾ قال ابن عباس-﵄: أي: ولدا صالحا طاهرا من الذنوب. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة، ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَسُولُ:﴾ خبره، و ﴿رَسُولُ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكِ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿لِأَهَبَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿رَسُولُ؛﴾ لأنه بمعنى: مرسول. ﴿لَكِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿غُلاماً:﴾ مفعول به. ﴿زَكِيًّا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾ الشرح: ﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ فهي تسأل: بأي كيفية يكون الغلام؟ من قبل زوج في المستقبل، أم يخلقه الله ابتداء؟ ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أي: لم يقربني زوج. ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ أي: زانية. تريد: أن الولد إنما يكون من نكاح، أو سفاح، ولم يكن هاهنا واحد منهما. هذا؛ ولم تلحق ﴿بَغِيًّا﴾ التاء؛ لأنه للمبالغة، أو للنسبة. وانظر ﴿عاقِراً﴾ في الآية رقم [٥] وانظر ﴿خَلَقْتُكَ﴾ في الآية رقم [٩] ف: ﴿أَكُ﴾ مثله. والله أعلم بمراده.

стр. 3426

الإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مريم ﵍. ﴿أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ انظر الآية رقم [٧] ففيها الكفاية. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف جازم. ﴿يَمْسَسْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿بَشَرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿أَكُ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة، واسمه مستتر تقديره: «أنا». ﴿بَغِيًّا:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والكلام: ﴿أَنّى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١)﴾ الشرح: ﴿قالَ كَذلِكِ﴾ أي: الأمر حاصل، وواقع مثل ذلك. ﴿قالَ رَبُّكِ هُوَ﴾ أي: خلق الولد من غير أب. ﴿هَيِّنٌ:﴾ غير صعب. ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أي: علامة على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر وأنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. انتهى. جمل. ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ أي: لمن تبعه على دينه الصحيح إلى بعثة محمد ﷺ ، ولكن كان خلقه نقمة وضلالا لأكثر الخلق، كما هو معروف ومشاهد، ولا تمتلئ جهنم بجميع دركاتها إلا ممن كذبه، أو أخطأ طريق الهدى والإيمان بسبب خلقه بدون أب. ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هذا؛ وقدم الجار والمجرور: ﴿عَلَيَّ﴾ على ﴿هَيِّنٌ﴾ هنا وأخّره عن ﴿أَهْوَنُ﴾ في الآية رقم [٢٧] من سورة (الروم) لقصد الاختصاص هنا بخلافه هناك، فلا معنى للاختصاص، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وأصل ﴿مَقْضِيًّا﴾ مقضويا بزنة مفعول، اجتمعت الواو، والياء، وسبقت، إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء على القاعدة، وأدغمت في الياء وكسرت الضاد لتصح الياء، وأصل بغيا بغويا فعل به مثل ما فعل ب: ﴿مَقْضِيًّا﴾ وكسرت الغين أيضا لمناسبة الياء، فلما كان بزنة فعول لم تلحقه التاء. هذا؛ وقد قال مكي: فلما أتى (بغي) بغيرها علم أنه فعول، وليس بفعيل، وهو قول المبرد. وقال ابن جني: هي فعيل، ولو كانت فعولا لقيل: بغوّ، كما قيل: فلان نهوّ عن المنكر. وقال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] ولا تلي فارقة فعولا... أصلا، ولا المفعال والمفعيلا

стр. 3427

انتهى. جمل، ولكن ما ذكرته هناك من سبب أقوى؛ لأنه بمعنى: فاعل، لا بمعنى: مفعول، كما ذكر هنا. الإعراب: ﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ انظر الآية رقم [٩] فالإعراب واحد لا يتغير. ﴿وَلِنَجْعَلَهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والهاء مفعول به أول. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به ثان، ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿آيَةً﴾ و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: ونخلقه، أو نفعل ذلك لنجعله. وقال الجلال: معطوف على ما قبله؛ لأنه بمعنى: العلة. ولا وجه له. وقيل: معطوف على محذوف، التقدير: لنبين، ولنجعله. ﴿وَرَحْمَةً:﴾ معطوف على آية. ﴿مِنّا:﴾ متعلقان ب: (رحمة)، أو بمحذوف صفة لها، وجملة: ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ مستأنفة، لا محل لها، واسم كان محذوف، التقدير: وكان خلقه من غير أب أمرا، ﴿مَقْضِيًّا:﴾ صفة أمرا. ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢)﴾ الشرح: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ أي: حملت بعيسى ﵇. قيل إن جبريل ﵇ رفع درعها؛ أي: ثوبها. فنفخ في جيبه، فحملت حين لبسته. وقيل: نفخ في كمها. وقيل: في ذيلها. وقيل: في فيها. وقيل: نفخ من بعيد، فوصل النفخ إليها. قال الطبري: وزعمت النصارى: أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وأن عيسى ﵇ عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة، وأياما، وأمّه مريم-﵍-بقيت بعد رفعه ست سنين، فكان جميع عمرها نيفا وخمسين سنة. واختلف في مدة الحمل: فقال ابن عباس-﵄-كان الحمل والولادة في ساعة واحدة. وقال القرطبي: وهذا هو الظاهر؛ لأن الله ذكر الانتباذ عقب الحمل. وقيل: كانت مدته تسعة أشهر كحمل سائر الحوامل من النساء. وقيل: كانت مدة حمله ثمانية أشهر، وذلك آية أخرى له؛ لأنه لا يعيش ولد لثمانية أشهر. وقال وهب: إن مريم لما حملت بعيسى، كان معها ابن عم لها، يقال له: يوسف النجار وكانا يخدمان المسجد، ولا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد عبادة، واجتهادا منهما، وأول من علم بحمل مريم يوسف، فبقي متحيرا في أمرها، كلما أراد أن يتهمها ذكر عبادتها، وصلاحها، وأنها لم تغب عنه، وإذا أراد أن يبرئها رأى ما ظهر منها من الحمل، فأول ما تكلم به أن قال: إنه وقع في نفسي من أمرك شيء، وقد حرصت على كتمانه، فغلبني ذلك، فرأيت أن أتكلم به أشفى لصدري. قالت: قل قولا جميلا.

стр. 3428

قال: أخبريني يا مريم، هل ينبت زرع بغير بذر؟ وهل ينبت شجر بغير غيث؟ وهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر؟ ألم تر أن الله أنبت الشجرة بالقدرة من غير غيث؟ أو تقول أن الله تعالى لا يقدر أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها. قال يوسف: أنا لا أقول هذا، ولكني أقول: إن الله تعالى قادر على كل شيء، يقول له: كن فيكون. قالت له مريم: ألم تعلم أن الله خلق آدم، وامرأته من غير ذكر، ولا أنثى، فعند ذلك زال ما عنده من التهمة، وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل، فلما دنت، ولادتها، أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك. انتهى خازن. وهذا يفيد أن مدة الحمل متطاولة، والمشهور: أن مريم ﵍، كانت مخطوبة لابن عمها يوسف المذكور، والله أعلم بحقيقة الحال. هذا؛ وانظر لشرح (انتبذت) في الآية رقم [١٦]. ﴿قَصِيًّا:﴾ بعيدا. من أهلها، وراء الجبل، إلى أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم، وإنما بعدت، وتنحت فرارا من تعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج. الإعراب: ﴿فَحَمَلَتْهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (حملته): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى مريم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي في الحقيقة معطوفة على جملة محذوفة، انظر الشرح. وانظر إعراب مثل: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا﴾ في الآية رقم [١٦] والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجار والمجرور: ﴿بِهِ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: انتبذت؛ وهو معها في بطنها. ﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ الشرح: ﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ..﴾. إلخ: أي: ألجأها شدة الطلق إلى ساق النخلة لتعتمد عليه، ولتستر به، وكان جذعا يابسا لا رأس له، ولا ورق فيه، وكان الوقت شتاء، فلما اعتمدت عليه؛ اخضر، وأطلع الجريد، والخوص، والثمر الطيب في وقت واحد، من إله قادر مقتدر، وال التعريف، إما للجنس، وإما للعهد؛ إذ لم يكن ثمة غيرها، وكانت كالمتعالم عند الناس. هذا؛ والفعل: (أجاء) منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء، والاضطرار، ونظيره: آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء، وهو منقول من: أتى بمعنى: جاء. هذا؛ ويقرأ: «(فاجأها)» من المفاجأة، ويقرأ ﴿الْمَخاضُ﴾ بفتح الميم وكسرها. ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا﴾ أي: اليوم، أو الحمل، أو الولادة، تمنت الموت استحياء من الناس، وخوفا من الفضيحة، وتعيير أهلها بها، وذلك يكون فيه هتك لكرامتهم، وحط لشرفهم. هذا؛ و ﴿مِتُّ﴾ يقرأ بكسر الميم، وضمها. ﴿وَكُنْتُ نَسْياً﴾ أي: ما من شأنه أن ينسى،

стр. 3429

والنسي في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى، ولا يتألم لفقده كالوتد، والحبل للمسافر، ونحوه. وقال الفراء: النّسيّ: ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها. وهو يعني: خرق حيضها، ويقرأ ﴿نَسْياً﴾ بقراءات كثيرة، ﴿مَنْسِيًّا:﴾ هو بمعنى: الأول، وهو في إعلاله مثل: ﴿مَقْضِيًّا﴾ في الآية رقم [٢١]. الإعراب: ﴿فَأَجاءَهَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أجاءها): ماض، و (ها): مفعول به. ﴿الْمَخاضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلى جِذْعِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَخاضُ﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، ويؤيده المعنى. تأمل، و ﴿جِذْعِ:﴾ مضاف، و ﴿النَّخْلَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿قالَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مريم. (يا): حرف تنبيه. وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، التقدير: يا قوم، ونحوه. وهو ضعيف. (ليتني): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿مِتُّ:﴾ فعل، وفاعل وفي الحقيقة: فعل ونائب فاعله؛ لأن الإنسان لا يموت بنفسه. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿قَبْلَ:﴾ مضاف، و ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة: ﴿مِتُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (ليت)، وجملة: ﴿يا لَيْتَنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا جيد، وتكون «قد» قبلها مقدرة. ﴿وَكُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. ﴿نَسْياً:﴾ خبرها. ﴿مَنْسِيًّا:﴾ توكيد لما قبله، أو هو صفة، وجملة: ﴿وَكُنْتُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿مِتُّ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ الشرح: ﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها:﴾ يقرأ بفتح الميم وكسرها. قال ابن عباس-﵄: المراد ب: (من) جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. وقاله علقمة، والضحاك، وقتادة، ففي هذا لها آية، وأمارة: أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله فيها مراد عظيم. انتهى. قرطبي. قيل: كانت على أكمة، وجبريل وراء الأكمة. وقيل: إن الذي ناداها هو عيسى ﵇. ﴿أَلاّ تَحْزَنِي﴾ أي: من أجل، ولادتك. ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا:﴾ المراد به: عيسى، والسري من الرجال: العظيم الخصال، الكريم الفعال، وكان عيسى ﵇ من أعظم الرجال، كيف لا؟ وهو من الرسل أولي العزم الكرام. وقيل: المراد به: نهرا سريا؛ أي: جاريا، وكان قد جف ماؤه، فأجراه الله لمريم ﵍ تكريما لها. وقيل: ضرب عيسى -وقيل: جبريل-برجله في الأرض، فظهرت عين ماء عذبة، وجرت. هذا؛ والسري: النهر جاء في قول لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-من معلقته: [الكامل] فتوسّطا عرض السّريّ وصدّعا... مسجورة متجاورا قلاّمها

стр. 3430

الإعراب: ﴿فَناداها:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ناداها): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وها: في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿تَحْتِها:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، وعلى اعتبار ﴿مِنْ﴾ حرف جر، فالجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وعليه فالفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى جبريل، أو إلى عيسى ﵉. و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): مفسرة. (لا): ناهية. ﴿تَحْزَنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية مفسرة للنداء لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار (أن) ناصبة، و (لا) نافية فيكون الفعل منصوبا، لا مجزوما. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جَعَلَ رَبُّكِ:﴾ ماض، وفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿تَحْتَكِ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سَرِيًّا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَناداها..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها. ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَهُزِّي..﴾. إلخ: هزي، وحركي نحوك جذع النخلة التي أحياها الله لك، فأورقت، وأثمرت وأنت تنظرين إليها في ساعة واحدة. ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ﴾ أي: يسقط عليك من ثمرها الطيب. وفي الفعل ﴿تُساقِطْ﴾ تسع قراءات. ﴿رُطَباً جَنِيًّا:﴾ الجني ما طاب، وصلح للاجتناء، وهو فعيل بمعنى: فاعل، وهو بمعنى: طريا. قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل. وقيل: إذا عسر، ولادها لم يكن لها خير من الرطب. الإعراب: ﴿وَهُزِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (هزي): أمر مبني على حذف النون، وياء المخاطبة فاعله. ﴿إِلَيْكِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه في تعليق الجار والمجرور في هذه الآية. وفي قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ الآية رقم [٢٦٠] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (القصص)، وقوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ رقم [٣٧] من سورة (الأحزاب)، وهذا كله يتخرج على التعلق بمحذوف، كما قيل في اللام في: «سقيا لك» وإما على حذف مضاف، التقدير: هزي إلى نفسك... إلخ. وانظر ما ذكرته في الشاهد رقم [٢٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب. ﴿بِجِذْعِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (جذع): مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وقيل: المفعول محذوف، والجار والمجرور حال من ذلك المحذوف، تقديره: وهزي إليك رطبا كائنا بجذع

стр. 3431

النخلة، و «جذع» مضاف، و ﴿النَّخْلَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿تُساقِطْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والفاعل يعود إلى ﴿النَّخْلَةِ﴾. ﴿عَلَيْكِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رُطَباً:﴾ مفعول به، أو تمييز على حسب القراءات، ﴿جَنِيًّا:﴾ صفة، وجملة: ﴿تُساقِطْ..﴾. إلخ لا محل لها، وجملة: ﴿وَهُزِّي..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَلاّ تَحْزَنِي..﴾. إلخ لا محل لها، وذلك على النهي. ﴿فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ الشرح: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ أي: فكلي من الجنيّ، واشربي من السّريّ، وقري عينا برؤية الولد النبي. هذا؛ وقد قرئ: (قري) بفتح القاف وكسرها، فالأولى قراءة الجمهور، والثانية لغة نجد، واشتقاقه من القرار، فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، أو من القر فإن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة. وضعّف ناس هذا. وقالوا: الدمع كله حار، فمعنى أقر الله عينه؛ أي: سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى تقر، وتسكن، وإذا أريد بهذه الجملة الدعاء، فيكون المعنى أقر الله عينه؛ أي: أسكنها بالموت، فيكون الفعل من الأضداد، وفلان قرة عيني؛ أي: نفسي تسكن بقربه. قالت ميسون بنت بحدل: [الوافر] ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٤] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ:﴾ فإما تبصرن، فالأصل فيه: (ترأيين) فحذفت الهمزة، كما حذفت من (ترى) في الآية رقم [١٧] من سورة (الكهف)، ونقلت فتحتها إلى الراء، فصار: (تريين) ثم قلبت الياء الأولى ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف المنقلبة، عن الياء وياء المؤنثة المخاطبة، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (ترين) ثم حذفت النون علامة للجزم، فبقي (ترى) ثم دخلت نون التوكيد الثقيلة، فكسرت ياء المخاطبة لالتقاء الساكنين؛ لأن نون التوكيد، بمنزلة نونين، الأولى ساكنة، فصار (ترينّ) فالأعمال فيه ستة، أو سبعة كما رأيت. ﴿فَقُولِي إِنِّي..﴾. إلخ: قبل هذه الجملة جملة محذوفة، وتقدير الكلام: إن رأيت أحدا من الناس، فسألك عن ولدك؛ فقولي... إلخ، والمخاطب لها بذلك جبريل، أو عيسى-﵉-حسبما رأيت فيما تقدم. ﴿صَوْماً:﴾ صمتا. قيل: كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم عن الطعام، فلا يتكلم حتى يمسي. هذا؛ وقد قرئ: «(صمتا)» وإنما منعت من الكلام لأمرين: أحدهما: أن يكون عيسى ﵇ هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها، وفيه دلالة على أنّ تفويض الكلام إلى الأفضل أولى.

стр. 3432

الثاني: كراهة مجادلة السفهاء، وفيه أن السكوت عن السفيه، واجب، ومن أذلّ الناس سفيه لم يجد مسافها. ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي: إنسانا من البشر، يقال: إنها كانت تكلم الملائكة، ولا تكلم الإنس. هذا؛ وقد رد ابن هشام في مغنيه بهذه الآية على الزمخشري القائل: إن «لن» تفيد التأبيد. فقال-رحمه الله تعالى-: ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ولكان ذكر الأبد في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ تكرارا، والأصل عدمه. انتهى. هذا؛ وقرئ شاذّا: «(ترين)» بياء ساكنة، بعدها نون الرفع، ذكره ابن جنّي. انظر الشاهد رقم [٤٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، فالبحث فيه جيد. الإعراب: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي:﴾ أمر مبني على حذف النون لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة. التي هي فاعله، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الأفعال، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسرة التي جيء بها لمناسبة ياء المخاطبة، وقل: مثله في نحو قولك: كلا، واشربا. والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين. وأيضا قولك: كلوا، واشربوا. والمانع من ظهور السكون الضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة التي هي فاعله. ﴿عَيْناً:﴾ تمييز محول عن الفاعل، والجمل الفعلية معطوفة على جملة: ﴿(هُزِّي)﴾ لا محل لهن مثلها. ﴿فَإِمّا:﴾ الفاء: حرف تفريع. (إما): حرف شرط جازم مدغم في (ما) الزائدة لتؤكد معنى الشرط؛ لأن معنى «إن» في الأصل الشك، فزال هذا المعنى بسبب (ما) ولذا أكد الفعل بنون التوكيد. ﴿تَرَيِنَّ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل له. ﴿مِنَ الْبَشَرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَداً﴾ كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [٤] أحدا مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وانظر الجملة المحذوفة في الشرح. ﴿فَقُولِي:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قولي): أمر وفاعله مثل ما تقدم. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿نَذَرْتُ:﴾ ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل التي هي فاعله. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا اللفظ، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وقل مثله في إعراب كل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل نذرنا، نذرن، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿صَوْماً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿نَذَرْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إني) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُولِي..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور،

стр. 3433

والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و «إن» الشرطية، ومدخولها كلام مفرع عما قبله، فهو من جملة النداء لها. تأمل. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لن): حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿أُكَلِّمَ:﴾ مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿إِنْسِيًّا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الشرطية، فمحلها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧)﴾ الشرح: ﴿فَأَتَتْ بِهِ﴾ أي: بعيسى ﵇، روي: أن مريم لما اطمأنت بما رأت من الآيات، وعلمت: أن الله تعالى سيبين عذرها؛ أتت به تحمله من المكان القصي الذي كانت قد انتبذت فيه. قال ابن عباس: خرجت من عندهم حين أشرقت الشمس، فجاءتهم عند الظهر، ومعها صبي تحمله، فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار. وقال الكلبي: ولدت حيث لم يشعر بها قومها، ومكثت أربعين يوما للنفاس، ثم أتت به قومها تحمله، فلما رأوها ومعها الصبي؛ حزنوا، وكانوا قوما صالحين. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] من الاختلاف في مدة الحمل، ويروى: أن عيسى كلمها في الطريق، فقال: يا أماه لا تحزني، وأبشري فإني عبد الله، ومسيحه. ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا:﴾ عظيما، منكرا. هذا؛ و (الفري): العظيم من الأمر، ومنه قول النبي ﷺ في وصف عمر-﵁-من حديث الرؤيا التي رآها في منامه: «فلم أر عبقريّا يفري فريه». هذا؛ و (الفري): قطع الجلد للخرز، والإصلاح، والإفراء: إفساده. هذا؛ وقال السدي، ووهب بن منبه: لما أتت به قومها تحمله تسامع بذلك بنو إسرائيل، فاجتمع رجالهم ونساؤهم، فمدت امرأة يدها إليها لتضربها، فأجف الله شطرها. وقال رجل: ما أراها إلا زنت، فأخرسه الله تعالى، فتحامى الناس من أن يضربوها، أو يقولوا لها كلمة تؤذيها، وجعلوا يخفضون إليها القول ويلينون، فقالوا: ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾. انتهى. قرطبي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَأَتَتْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أتت): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى مريم. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿قَوْمَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، ﴿تَحْمِلُهُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى مريم، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (أتت)، فهي حال متكررة، أو من الضمير المجرور بالباء، فهي حال متداخلة، وجملة: (أتت...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو

стр. 3434

الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿يا مَرْيَمُ:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب «أدعو». (مريم): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: «يا». ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، وهذا الجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. جئت: فعل، وفاعل. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به على معنى فعلت شيئا. وقيل هو مصدر مفعول مطلق على معنى جئت مجيئا. ﴿فَرِيًّا:﴾ صفة له والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها. والكلام: ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ الشرح: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ:﴾ لقد اختلف الناس في معنى هذه الأخوة، ومن هارون؟ فقيل: كان رجلا صالحا في بني إسرائيل، شبهت به في عفتها، وصلاحها، وليس المراد منه الأخوة في النسب. قيل: إنه تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا، كلهم يسمون هارون سوى سائر الناس. وقيل: كان هارون أخاها لأبيها. وقيل: إنما عنوا هارون أخا موسى؛ لأنها كانت من نسله، وبينهما ألف سنة، كما يقال: للتميمي: يا أخا تميم نسبة للقبيلة. وقيل: بل كان في زمنها رجل فاجر اسمه هارون، فنسبوها إليه على جهة التعيير، والتوبيخ، والله أعلم بحقيقة الأمر. ﴿ما كانَ أَبُوكِ﴾ أي: عمران. ﴿اِمْرَأَ سَوْءٍ﴾ أي: يفعل السوء. هذا؛ وأصل امرأ: المرء، ولما كثر استعمالهم لها، حتى أصبحت تستخدم للدّلالة على الإنسان، وعلى الحيوان مجازا، وكان الهمز في آخرها ثقيلا بعد السكون خففوها كثيرا بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الراء، فقالوا: المر، وبذلك أشبهت الراء منها النون من (ابن) في تلقى حركات الإعراب، ولإعلالهم هذه الكلمة كثيرا بحذف الهمزة شبهوها بما حذف آخره، نحو (اسم، ابن، است) فجبروها بهمزة وصل في حالة التنكير، ثم ردوا إليها الهمزة، فقالوا: امرؤ، وبذلك أصبحت تعرب من مكانين، فتظهر حركات الإعراب فيها على الراء والهمزة، فتقول: هذا امرؤ، ورأيت امرءا، ومررت بامرئ. قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ،﴾ ﴿ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ،﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. هذا؛ و (السّوء): الشر والفساد، والجمع: أسواء، وهم بضم السين من ساءه، وهو بفتحها كما هنا المصدر، وتقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ وتأنيث السّوء: السّوأى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾. ﴿وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا:﴾ زانية. وانظر الآية رقم [٢٠] لإعلاله، فمدحوا

стр. 3435

أباها ونفوا عن أمها البغاء، وعرضوا لمريم بذلك، ولذلك قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً﴾ وكفرهم معروف، والبهتان العظيم هو التعريض لها؛ أي: أنت بخلاف أبيك، وأمك حيث أتيت بهذا الولد. الإعراب: ﴿يا أُخْتَ:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (أخت): منادى منصوب، وهو مضاف، و ﴿هارُونَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿أَبُوكِ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿اِمْرَأَ:﴾ خبر كان، وهو مضاف، و ﴿سَوْءٍ:﴾ مضاف إليه، وإعراب الجملة التالية مثل إعراب هذه الجملة. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول قومها. ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ الشرح: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ أي: أشارت مريم إلى عيسى أن كلموه، وذلك أنها التزمت الصمت لما أمرت بترك الكلام، ولذا كان معنى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ.﴾. إلخ أي: أشيري إشارة. يروى: أنهم لما أشارت إلى الطفل؛ قالوا: استخفافها بنا أشد علينا من زناها، لذا قالوا لها: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ..﴾. إلخ هذا؛ والمهد: السرير. وقيل: ﴿الْمَهْدِ:﴾ الحجر، فالمراد: حجرها. هذا؛ و ﴿الْمَهْدِ:﴾ الموضع والفراش يهيأ، ويوطأ للصبي. قال الصلاح الصفدي: رأيت بخط ابن خلكان: أن مسلما ناظر نصرانيا، فقال له النصراني في خلال كلامه، متخفيا في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم! كيف كان وجه عائشة زوجة نبيكم في تخلفها عن الركب عند نبيكم، معتذرة بضياع عقدها؟ فقال له المسلم: يا نصراني كان وجهها كوجه بنت عمران لما أتت بعيسى تحمله من غير زوج، فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم اعتقدنا مثله في ديننا من براءة عائشة زوج نبينا! فانقطع النصراني، ولم يحر جوابا. الإعراب: ﴿فَأَشارَتْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أشارت): ماض، والفاعل يعود إلى (مريم) والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿نُكَلِّمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، ﴿كانَ:﴾ قال السمين في ﴿كانَ﴾ أقوال: أحدها: أنها زائدة، وهو قول أبي عبيدة؛ أي: كيف نكلم من في ﴿الْمَهْدِ﴾ و ﴿صَبِيًّا﴾ على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، الواقع صلة، والثاني: أنها تامة، بمعنى: حدث، ووجد، والتقدير: كيف نكلم من
следующие страницы →