← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

النخلة، و «جذع» مضاف، و ﴿النَّخْلَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿تُساقِطْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والفاعل يعود إلى ﴿النَّخْلَةِ﴾. ﴿عَلَيْكِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رُطَباً:﴾ مفعول به، أو تمييز على حسب القراءات، ﴿جَنِيًّا:﴾ صفة، وجملة: ﴿تُساقِطْ..﴾. إلخ لا محل لها، وجملة: ﴿وَهُزِّي..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَلاّ تَحْزَنِي..﴾. إلخ لا محل لها، وذلك على النهي. ﴿فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ الشرح: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ أي: فكلي من الجنيّ، واشربي من السّريّ، وقري عينا برؤية الولد النبي. هذا؛ وقد قرئ: (قري) بفتح القاف وكسرها، فالأولى قراءة الجمهور، والثانية لغة نجد، واشتقاقه من القرار، فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، أو من القر فإن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة. وضعّف ناس هذا. وقالوا: الدمع كله حار، فمعنى أقر الله عينه؛ أي: سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى تقر، وتسكن، وإذا أريد بهذه الجملة الدعاء، فيكون المعنى أقر الله عينه؛ أي: أسكنها بالموت، فيكون الفعل من الأضداد، وفلان قرة عيني؛ أي: نفسي تسكن بقربه. قالت ميسون بنت بحدل: [الوافر] ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٤] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ:﴾ فإما تبصرن، فالأصل فيه: (ترأيين) فحذفت الهمزة، كما حذفت من (ترى) في الآية رقم [١٧] من سورة (الكهف)، ونقلت فتحتها إلى الراء، فصار: (تريين) ثم قلبت الياء الأولى ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف المنقلبة، عن الياء وياء المؤنثة المخاطبة، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (ترين) ثم حذفت النون علامة للجزم، فبقي (ترى) ثم دخلت نون التوكيد الثقيلة، فكسرت ياء المخاطبة لالتقاء الساكنين؛ لأن نون التوكيد، بمنزلة نونين، الأولى ساكنة، فصار (ترينّ) فالأعمال فيه ستة، أو سبعة كما رأيت. ﴿فَقُولِي إِنِّي..﴾. إلخ: قبل هذه الجملة جملة محذوفة، وتقدير الكلام: إن رأيت أحدا من الناس، فسألك عن ولدك؛ فقولي... إلخ، والمخاطب لها بذلك جبريل، أو عيسى-﵉-حسبما رأيت فيما تقدم. ﴿صَوْماً:﴾ صمتا. قيل: كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم عن الطعام، فلا يتكلم حتى يمسي. هذا؛ وقد قرئ: «(صمتا)» وإنما منعت من الكلام لأمرين: أحدهما: أن يكون عيسى ﵇ هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها، وفيه دلالة على أنّ تفويض الكلام إلى الأفضل أولى.

стр. 3432

الثاني: كراهة مجادلة السفهاء، وفيه أن السكوت عن السفيه، واجب، ومن أذلّ الناس سفيه لم يجد مسافها. ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي: إنسانا من البشر، يقال: إنها كانت تكلم الملائكة، ولا تكلم الإنس. هذا؛ وقد رد ابن هشام في مغنيه بهذه الآية على الزمخشري القائل: إن «لن» تفيد التأبيد. فقال-رحمه الله تعالى-: ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ولكان ذكر الأبد في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ تكرارا، والأصل عدمه. انتهى. هذا؛ وقرئ شاذّا: «(ترين)» بياء ساكنة، بعدها نون الرفع، ذكره ابن جنّي. انظر الشاهد رقم [٤٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، فالبحث فيه جيد. الإعراب: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي:﴾ أمر مبني على حذف النون لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة. التي هي فاعله، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الأفعال، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسرة التي جيء بها لمناسبة ياء المخاطبة، وقل: مثله في نحو قولك: كلا، واشربا. والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين. وأيضا قولك: كلوا، واشربوا. والمانع من ظهور السكون الضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة التي هي فاعله. ﴿عَيْناً:﴾ تمييز محول عن الفاعل، والجمل الفعلية معطوفة على جملة: ﴿(هُزِّي)﴾ لا محل لهن مثلها. ﴿فَإِمّا:﴾ الفاء: حرف تفريع. (إما): حرف شرط جازم مدغم في (ما) الزائدة لتؤكد معنى الشرط؛ لأن معنى «إن» في الأصل الشك، فزال هذا المعنى بسبب (ما) ولذا أكد الفعل بنون التوكيد. ﴿تَرَيِنَّ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل له. ﴿مِنَ الْبَشَرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَداً﴾ كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [٤] أحدا مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وانظر الجملة المحذوفة في الشرح. ﴿فَقُولِي:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قولي): أمر وفاعله مثل ما تقدم. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿نَذَرْتُ:﴾ ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل التي هي فاعله. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا اللفظ، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وقل مثله في إعراب كل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل نذرنا، نذرن، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿صَوْماً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿نَذَرْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إني) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُولِي..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور،

стр. 3433

والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و «إن» الشرطية، ومدخولها كلام مفرع عما قبله، فهو من جملة النداء لها. تأمل. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لن): حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿أُكَلِّمَ:﴾ مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿إِنْسِيًّا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الشرطية، فمحلها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧)﴾ الشرح: ﴿فَأَتَتْ بِهِ﴾ أي: بعيسى ﵇، روي: أن مريم لما اطمأنت بما رأت من الآيات، وعلمت: أن الله تعالى سيبين عذرها؛ أتت به تحمله من المكان القصي الذي كانت قد انتبذت فيه. قال ابن عباس: خرجت من عندهم حين أشرقت الشمس، فجاءتهم عند الظهر، ومعها صبي تحمله، فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار. وقال الكلبي: ولدت حيث لم يشعر بها قومها، ومكثت أربعين يوما للنفاس، ثم أتت به قومها تحمله، فلما رأوها ومعها الصبي؛ حزنوا، وكانوا قوما صالحين. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] من الاختلاف في مدة الحمل، ويروى: أن عيسى كلمها في الطريق، فقال: يا أماه لا تحزني، وأبشري فإني عبد الله، ومسيحه. ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا:﴾ عظيما، منكرا. هذا؛ و (الفري): العظيم من الأمر، ومنه قول النبي ﷺ في وصف عمر-﵁-من حديث الرؤيا التي رآها في منامه: «فلم أر عبقريّا يفري فريه». هذا؛ و (الفري): قطع الجلد للخرز، والإصلاح، والإفراء: إفساده. هذا؛ وقال السدي، ووهب بن منبه: لما أتت به قومها تحمله تسامع بذلك بنو إسرائيل، فاجتمع رجالهم ونساؤهم، فمدت امرأة يدها إليها لتضربها، فأجف الله شطرها. وقال رجل: ما أراها إلا زنت، فأخرسه الله تعالى، فتحامى الناس من أن يضربوها، أو يقولوا لها كلمة تؤذيها، وجعلوا يخفضون إليها القول ويلينون، فقالوا: ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾. انتهى. قرطبي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَأَتَتْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أتت): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى مريم. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿قَوْمَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، ﴿تَحْمِلُهُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى مريم، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (أتت)، فهي حال متكررة، أو من الضمير المجرور بالباء، فهي حال متداخلة، وجملة: (أتت...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو

стр. 3434

الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿يا مَرْيَمُ:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب «أدعو». (مريم): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: «يا». ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، وهذا الجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. جئت: فعل، وفاعل. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به على معنى فعلت شيئا. وقيل هو مصدر مفعول مطلق على معنى جئت مجيئا. ﴿فَرِيًّا:﴾ صفة له والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها. والكلام: ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ الشرح: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ:﴾ لقد اختلف الناس في معنى هذه الأخوة، ومن هارون؟ فقيل: كان رجلا صالحا في بني إسرائيل، شبهت به في عفتها، وصلاحها، وليس المراد منه الأخوة في النسب. قيل: إنه تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا، كلهم يسمون هارون سوى سائر الناس. وقيل: كان هارون أخاها لأبيها. وقيل: إنما عنوا هارون أخا موسى؛ لأنها كانت من نسله، وبينهما ألف سنة، كما يقال: للتميمي: يا أخا تميم نسبة للقبيلة. وقيل: بل كان في زمنها رجل فاجر اسمه هارون، فنسبوها إليه على جهة التعيير، والتوبيخ، والله أعلم بحقيقة الأمر. ﴿ما كانَ أَبُوكِ﴾ أي: عمران. ﴿اِمْرَأَ سَوْءٍ﴾ أي: يفعل السوء. هذا؛ وأصل امرأ: المرء، ولما كثر استعمالهم لها، حتى أصبحت تستخدم للدّلالة على الإنسان، وعلى الحيوان مجازا، وكان الهمز في آخرها ثقيلا بعد السكون خففوها كثيرا بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الراء، فقالوا: المر، وبذلك أشبهت الراء منها النون من (ابن) في تلقى حركات الإعراب، ولإعلالهم هذه الكلمة كثيرا بحذف الهمزة شبهوها بما حذف آخره، نحو (اسم، ابن، است) فجبروها بهمزة وصل في حالة التنكير، ثم ردوا إليها الهمزة، فقالوا: امرؤ، وبذلك أصبحت تعرب من مكانين، فتظهر حركات الإعراب فيها على الراء والهمزة، فتقول: هذا امرؤ، ورأيت امرءا، ومررت بامرئ. قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ،﴾ ﴿ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ،﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. هذا؛ و (السّوء): الشر والفساد، والجمع: أسواء، وهم بضم السين من ساءه، وهو بفتحها كما هنا المصدر، وتقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ وتأنيث السّوء: السّوأى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾. ﴿وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا:﴾ زانية. وانظر الآية رقم [٢٠] لإعلاله، فمدحوا

стр. 3435

أباها ونفوا عن أمها البغاء، وعرضوا لمريم بذلك، ولذلك قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً﴾ وكفرهم معروف، والبهتان العظيم هو التعريض لها؛ أي: أنت بخلاف أبيك، وأمك حيث أتيت بهذا الولد. الإعراب: ﴿يا أُخْتَ:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (أخت): منادى منصوب، وهو مضاف، و ﴿هارُونَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿أَبُوكِ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿اِمْرَأَ:﴾ خبر كان، وهو مضاف، و ﴿سَوْءٍ:﴾ مضاف إليه، وإعراب الجملة التالية مثل إعراب هذه الجملة. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول قومها. ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ الشرح: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ أي: أشارت مريم إلى عيسى أن كلموه، وذلك أنها التزمت الصمت لما أمرت بترك الكلام، ولذا كان معنى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ.﴾. إلخ أي: أشيري إشارة. يروى: أنهم لما أشارت إلى الطفل؛ قالوا: استخفافها بنا أشد علينا من زناها، لذا قالوا لها: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ..﴾. إلخ هذا؛ والمهد: السرير. وقيل: ﴿الْمَهْدِ:﴾ الحجر، فالمراد: حجرها. هذا؛ و ﴿الْمَهْدِ:﴾ الموضع والفراش يهيأ، ويوطأ للصبي. قال الصلاح الصفدي: رأيت بخط ابن خلكان: أن مسلما ناظر نصرانيا، فقال له النصراني في خلال كلامه، متخفيا في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم! كيف كان وجه عائشة زوجة نبيكم في تخلفها عن الركب عند نبيكم، معتذرة بضياع عقدها؟ فقال له المسلم: يا نصراني كان وجهها كوجه بنت عمران لما أتت بعيسى تحمله من غير زوج، فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم اعتقدنا مثله في ديننا من براءة عائشة زوج نبينا! فانقطع النصراني، ولم يحر جوابا. الإعراب: ﴿فَأَشارَتْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أشارت): ماض، والفاعل يعود إلى (مريم) والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿نُكَلِّمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، ﴿كانَ:﴾ قال السمين في ﴿كانَ﴾ أقوال: أحدها: أنها زائدة، وهو قول أبي عبيدة؛ أي: كيف نكلم من في ﴿الْمَهْدِ﴾ و ﴿صَبِيًّا﴾ على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، الواقع صلة، والثاني: أنها تامة، بمعنى: حدث، ووجد، والتقدير: كيف نكلم من

стр. 3436

وجد صبيا؟! و ﴿صَبِيًّا﴾ حال من الضمير في ﴿كانَ﴾. الثالث: أنها بمعنى: صار؛ أي: كيف نكلم من صار في المهد صبيا، و ﴿صَبِيًّا﴾ على هذا خبرها. الرابع: أنها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع، كقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف (لم يزل). انتهى. جمل. وقال ابن الأنباري: لا يجوز أن يقال: زائدة، وقد نصبت ﴿صَبِيًّا،﴾ ولا أن يقال: بمعنى: «حدث»؛ لأنه لو كانت بمعنى: الحدوث، والوقوع؛ لاستغنى فيه عن الخبر، تقول: كان الحر، وتكتفي به، والصحيح أن ﴿مَنْ﴾ في معنى الجزاء، و ﴿كانَ﴾ بمعنى: يكن، التقدير: من يكن في المهد صبيا، فكيف نكلمه. انتهى. قرطبي. وأطال الكلام في الاستدلال لما قاله. هذا؛ وذكر أبو البقاء هذا القول، وضعفه بقوله: وقيل: ﴿مَنْ﴾ شرطية، وجوابها ﴿كَيْفَ﴾. انتهى. أقول: وضعفه ظاهر، والمعنى يأباه، والمعتمد: أنها على بابها من النقصان. ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ الشرح: ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ:﴾ قيل كان عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يرضع، فلما سمع كلام اليهود لأمه ترك الرضاعة، وأقبل عليهم بوجهه. وقال: إني عبد الله. وقال وهب: أتاها زكريا ﵇ عند مناظرتها اليهود، فقال لعيسى: انطق بحجتك؛ إن كنت أمرت بها، فقال: عند ذلك عيسى، وهو ابن أربعين يوما. وقيل: بل يوم ولد: إني عبد الله، أقر على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم لئلا يتخذ إلها. انتهى. هذا؛ وإنما نطق بذلك، وإن كانت الحاجة أشد ليزيل التهمة عن أمه، ليزيل التهمة عن الله باتخاذ الولد، وإزالة التهمة عن الله إزالة للتهمة عن أمه بطريق الأولى؛ لأن ابن الزنى لا ينطق وهو صبي. ﴿آتانِيَ الْكِتابَ﴾ أي: الإنجيل. ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا:﴾ قيل: معناه سيجعلني نبيا، ويؤتيني الكتاب، وهذا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ في قديم الأزل، كما قيل للنبي ﷺ : «متى كنت نبيّا؟ قال: كنت نبيّا، وآدم بين الروح والجسد». وقال الأكثرون: إنه، أوتي الإنجيل، وهو صغير، وكان يعقل عقل الرجال الكمل، وذكرت لك في الآية رقم [١١] أن يحيى ﵇ أعطي النبوة، وهو صبي كذلك. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى عيسى. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿عَبْدُ:﴾ خبرها، و ﴿عَبْدُ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿آتانِيَ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿اللهِ،﴾ والرابط رجوع الفاعل فقط، و «قد» قبلها مقدرة، وجملة: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ معطوفة، وهي مثلها في إعرابها ومحلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 3437

﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً:﴾ نفاعا للناس، أعلمهم الخير، وأرشدهم إلى جميل الأفعال، وكريم الأخلاق. ﴿أَيْنَ ما كُنْتُ:﴾ في أي مكان، وجدت وحللت فيه. ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ﴾ أي: أمرني بأدائهما إذا أدركني التكليف، وأمكنني أداؤهما. وقيل: إن الله صيره بالغا عاقلا مكلفا حين انفصل من أمه. ﴿ما دُمْتُ حَيًّا:﴾ فهذا يفيد: أنه مكلف في جميع أدوار حياته حين كان في الأرض، وحين رفع إلى السماء، وحين ينزل إلى الأرض في آخر الزمان، هذا، أو يراد بالزكاة المذكورة تطهير النفس من الرذائل، والأفعال الذميمة. هذا؛ والتعبير بلفظ الماضي، إما باعتبار ما سبق في قضائه تعالى، أو بجعل المحقّق وقوعه كالواقع. هذا؛ و (الصلاة) في اللغة: الدعاء، والرحمة، والعبادة، وهي في الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط وأركان، ومبطلات ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ هذا؛ ويكثر في القرآن لفظ ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ و ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ﴾ و ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ والمعنى: أدّ الصلاة كاملة في أوقاتها، وحافظ على طهارتها، وركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. أما (الزكاة) فهي في اللغة: التطهير، والنماء، وفي الشرع اسم لمال مخصوص يدفع لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة) وانظر ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ في الآية [٥٨] الآتية. هذا؛ وخص الصلاة والزكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. هذا؛ وأضيف: أن الزكاة قرينة الصلاة، فقد روي: أن أعرابيا جاء إلى ابن عباس-﵄، فقال له: يا ابن عباس، أنت حبر الأمة، وترجمان القرآن علمك الله أسرار الكتاب، وفقهك في الدين، فقل لي بربك: لماذا قرن الله الصلاة إلى الزكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية؟ فقال ابن عباس ذلك لتعلم: أن الصلاة، والزكاة توأمان، لا يقبل الله إحداهما بدون الأخرى، تلك حق الله، وهذه حق الناس. ورضي الله عن الصديق الذي سوى بين المرتدين ومانعي الزكاة في القتال، والمحاربة، كما هو مشهور، وخذ قول أحمد شوقي رحمه الله تعالى: [الوافر] ولم أر مثل جمع المال داء... ولا مثل البخيل به مصابا عجبت لمعشر صلّوا، وصاموا... ظواهر خشية وتقى كذابا

стр. 3438

وتلفيهم حيال المال صمّا... إذا داعي الزكاة بهم أهابا لقد كتموا نصيب الله منه... كأنّ الله لم يحص النّصابا ومن يعدل بحبّ الله شيئا... كحبّ المال ضلّ هوى وخابا وخذ قول أبي العتاهية الصوفي: [الكامل] أقم الصلاة لوقتها بشروطها... فمن الضّلال تفاوت الميقات وإذا اتّسعت برزق ربّك فاجعلن... منه الأجلّ لأوجه الصّدقات في الأقربين وفي الأباعد تارة... إنّ الزكاة قرينة الصّلوات الإعراب: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في محلها، وإعرابها. ﴿أَيْنَ ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون. وقيل: مبني على الفتح، و «ما»: زائدة في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر كان. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: أينما كنت جعلني مباركا، والجملة الشرطية في محل نصب حال من الضمير المستتر في مباركا، أو هي في محل نصب مفعول به من تعدد الثاني؛ لأن الخبر في الأصل يتعدد، وكذلك يتعدد حين صار مفعولا ثانيا. تأمل. هذا؛ وجملة: ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ معطوفة على جملة: ﴿آتانِيَ الْكِتابَ﴾ فهي مثلها في إعرابها وفي محلها. ﴿وَالزَّكاةِ:﴾ معطوف على الصلاة. ﴿ما:﴾ مصدرية ظرفية. ﴿دُمْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿حَيًّا:﴾ خبره، و ﴿ما﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل، (أوصاني)، وتقدير الكلام: مدة دوامي حيا، فإذا المصدر المؤول مضاف إليه الزمان المقدر. تأمل. ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا (٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ أي: مطيعا لها: محسنا إليها. قال ابن عباس-﵄: لما قال: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ ولم يقل: «بوالديّ» علم أنه من جهة الله تعالى. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً:﴾ متكبرا طاغيا متغطرسا. ﴿شَقِيًّا:﴾ خائبا من الخير، مطرودا من رحمة الله؛ إذ الشقي الحقيقي هو الذي طرد من رحمة الله تعالى. قيل: بلغ من تواضعه، ولينه، وزهده: أنه كان يأكل ورق الشجر، ويجلس على التراب، ولم يتخذ له مسكنا. قال النبي ﷺ في حق أبي ذر الغفاري ﵁: «إنّه يسير على زهد ابن مريم».

стр. 3439

الإعراب: ﴿وَبَرًّا:﴾ معطوف على ﴿مُبارَكاً،﴾ ورجح نصبه بفعل محذوف لطول الفصل. هذا؛ وقرئ شاذا بالجر عطفا على الصلاة، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه اسم فاعل، ﴿بِوالِدَتِي:﴾ متعلقان به، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم.. إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر تقديره: «هي». ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف جازم. ﴿يَجْعَلْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى (الله)، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿جَبّاراً:﴾ مفعول به ثان، ﴿شَقِيًّا:﴾ من تعدد المفعول الثاني، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من العطف على الجمل السابقة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ الشرح: شرح هذه الآية وإعرابها مثل الآية رقم [١٥] بلا فارق، انظرها هناك، ففيها الكفاية. هذا؛ وقال الجمل-رحمه الله تعالى-: وصف نفسه بصفات ثمانية: أولها: العبودية، فاعترف بها لئلا يتخذوه إلها، وآخرها تأمين الله له في أخوف المقامات، وكل هذه الصفات تقتضي تبرئة أمه. انتهى. وأقول: تقتضي أيضا تبرئته من الألوهية التي ألصقها به النصارى. تنبيه: روي: أن عيسى ﵇ إنما تكلم في طفولته بما رأيت، ثم عاد إلى حالة الأطفال: حتى مشى على عادة البشر إلى أن بلغ مبلغ الصبيان، فكان نطقه في المهد إظهار براءة أمه، لا أنه كان ممّن يعقل في تلك الحالة، وهو كما ينطق الله الجوارح يوم القيامة، ولم ينقل أنه دام نطقة في تلك الحالة، وهو ما ذكرته في الآية رقم [٤٦] من سورة (آل عمران)، ولا أنه كان يصلي، وهو ابن يوم، أو شهر ولو كان يدوم منه ما ذكر في صغره من وقت الولادة لكان مثله ممّا لا ينكتم، وكلامه في المهد أنقذ أمه من حد الزنى المقرر في التوراة، وقد أجمعت فرق بني إسرائيل أنها لم تحد. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. فائدة: قال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت عيسى ﵇ يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص في سائر آياته، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعك، فقال لها: طوبى لما تلا كتاب الله تعالى، واتبع ما فيه، وعمل به. انتهى قرطبي. ﴿ذلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أي: ذلك الذي قال: إني كذا، وكذا، هو عيسى ابن مريم، لا كما قالت النصارى: إنه إله، أو ابن الله، ولا كما يقول اليهود: إنه ابن الزنى، وإنه ابن يوسف النجار، وهو تكذيب للجميع فيما يصفونه به على الوجه الأبلغ، والطريق الأوضح.

стр. 3440

﴿قَوْلَ الْحَقِّ:﴾ وسمي: قول الحق كما سمي كلمة الله، و ﴿الْحَقِّ﴾ هو الله . وقيل: التقدير: هذا الكلام قول الحق، وليس بباطل. هذا؛ وقرئ بنصب اللام وضمها. ﴿يَمْتَرُونَ:﴾ يشكون، بل ويختلفون. هذا؛ وقرئ: «(قال الحقّ)» و ﴿(قَوْلَ الْحَقِّ)﴾ والقول والقال والقول بمعنى: واحد. وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء). هذا؛ وعيسى بالعبرية هو يسوع. وقال أبو البقاء: مأخوذ من العيس، وهو: بياض يخالطه شقرة. الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب للنبي ﷺ ، ولكل عاقل. ﴿عِيسَى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة عيسى، أو بدل منه، أو عطف بيان عليه، أو خبر ثان للمبتدإ. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿عِيسَى﴾ بدلا من ﴿ذلِكَ﴾ أو عطف بيان عليه، و (ابن) يبقى على ما تقدم ذكره، وعليه فالخبر قول بالرفع على قراءته بذلك، وعلى اعتبار ﴿عِيسَى﴾ خبر المبتدأ ف: ﴿قَوْلَ﴾ خبر ثان للمبتدإ، أو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: قول ابن مريم قول الحق، وعلى هذا فالوقف على ﴿مَرْيَمَ﴾. هذا؛ وعلى قراءة (قول) بالنصب فهو مفعول مطلق مؤكد لمعنى الجملة الاسمية. وقيل: مفعول به لفعل محذوف، والأول: أقوى، وابن مضاف، ومريم مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي، و ﴿قَوْلَ:﴾ مضاف، و ﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه مجرور. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدلا من ﴿عِيسَى﴾ أو صفة، أو هو خبر لمبتدإ محذوف؛ أي: هو الذي... إلخ وقيل: هو صفة للقول، أو صفة للحق، والمعتمد الأوجه الأولى. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَمْتَرُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿ما كانَ لِلّهِ..﴾. إلخ: ما صح، ولا يليق، ولا ينبغي لله أن يتخذ ولدا؛ لأن الولد يرغب فيه بالمعاونة، والمناصرة، والله غير محتاج لذلك، بل هو منزه عن الشريك والصاحبة والولد، ولذا نزه نفسه بقوله: ﴿سُبْحانَهُ﴾. ﴿إِذا قَضى أَمْراً:﴾ أراد أمرا من الأمور. ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: أحدث، فيحدث، وليس المراد حقيقة أمر، بل هو تمثيل لما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور والمطيع بلا توقف. بعد هذا انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٠] من سورة (النحل). وانظر شرح سبحانه في الآية رقم [١] منها. وانظر شرح: ﴿قَضى﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (الإسراء). الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ في محل رفع اسم (كان) مؤخرا، التقدير: ما

стр. 3441

كان اتخاذ الولد واقعا، وحاصلا لله. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلَدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قَضى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿أَمْراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل خبر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المرجوح، وهو المشهور. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَقُولُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كُنْ:﴾ أمر تام بمعنى: أحدث، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَيَكُونُ:﴾ مضارع تام أيضا، وفاعله يعود إلى ﴿أَمْراً﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يكون، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها، وهذا القول يعزى لسيبويه رحمه الله تعالى. وقيل: إن (يكون) معطوف على ﴿يَقُولُ﴾ وهو يعزى للزجاج، والطبري. وقيل: هو معطوف على ﴿كُنْ﴾ من حيث المعنى، وهو قول الفارسي. انتهى جمل في سورة (البقرة). هذا؛ ويقرأ يكون بالنصب على أنّ الفعل منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، وضعفه أبو البقاء، وأقول: لا يمكن سبك مصدر من «أن» المضمرة والفعل، وعطفه على مصدر متصيد من الفعل السابق؛ إذ لا يقال: يقول له: ليكن حدوث فحدوث. تأمل، وتدبر. ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ:﴾ قال الخازن: هذا إخبار عن عيسى ﵇ أنه قال ذلك. يعني ولأن الله ربي وربكم لا رب للمخلوقات سواه. ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أخبرتكم به ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي..﴾. إلخ هو الصراط المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة. هذا؛ وقد قرئ بفتح همزة (أن) وكسرها، وينبغي أن تعلم: أن الآية قد ذكرت بحروفها في سورة (آل عمران) برقم [٥١]. هذا؛ و (الصراط): الطريق، وهو مستعار هنا للدين القويم كما في سورة (الفاتحة)، وسمي الدين طريقا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة فهو طريق إليها، وهو يقرأ بالصاد والسين والزاي، ويذكر، ويؤنث، والأول: أكثر، و (المستقيم): هو الذي لا اعوجاج فيه، والأصل فيه: (مستقوم)؛ لأنه

стр. 3442

من استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، فصار (مستقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة فصار: (مستقيم). الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف، ويقرأ بدون واو. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿رَبِّي:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَرَبُّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وعلى قراءة كسر الهمزة فالجملة اسمية، وهي مستأنفة، لا محل لها. وقيل: هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قل إن الله... إلخ، بدليل قوله في سورة (المائدة): ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وعلى فتح الهمزة تؤوّل مع اسمها وخبرها بمصدر، وفي محله، أوجه: أحدها أنه على حذف حرف الجر متعلقا بما بعده، التقدير: ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ وإليه ذهب الزمخشري تابعا للخليل، وسيبويه. الثاني: أنه معطوف على (الصلاة) والتقدير: أوصاني بالصلاة وبأن الله... إلخ، وإليه ذهب الفراء. الثالث: أن يكون في محل نسقا على ﴿الْكِتابَ﴾ في قوله: ﴿آتانِيَ الْكِتابَ﴾ على أن يكون الخطاب بذلك لمعاصري عيسى ﵇، والقائل لهم ذلك هو عيسى. هذا؛ وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى: والأمر أن الله ربي، وفيه قول خامس، وهو أنه معطوف على ﴿أَمْراً﴾ ويكون المعنى: إذا قضى أمرا، وأن الله ربي... إلخ، وهذا ضعيف كما قيل على كسرة الهمزة: إن الجملة الاسمية معطوفة على قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ فهو داخل في حيز القول، ويكون ما بينهما اعتراضا، وهو من البعد بمكان. ﴿فَاعْبُدُوهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٤] (اعبدوه): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿صِراطٌ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له. ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: اختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى ﵇ فاليهود قالوا: هو ساحر وابن زنى، والنصارى ثلاث فرق: قالت النسطورية منهم: هو ابن الله. وقالت الملكانية: ثالث ثلاثة. وقالت اليعقوبية: هو الله، فأفرطت النصارى، وغلت، وفرطت اليهود، وقصرت، أما المسلمون فقد قالوا الحق: إنما هو عبد الله، وكلمته.

стр. 3443

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من اليهود، والنصارى. ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: من شهود يوم عظيم هوله، وحسابه، وجزاؤه، وهو يوم القيامة، أو من وقت الشهود، أو من مكانه، ف: ﴿مَشْهَدِ﴾ يحتمل المصدر والزمان والمكان، وكل له معنى خاص فيه، وأقواها: شهادة ذلك اليوم عليهم، وهو أن يشهد عليهم الملائكة، والرسل، وألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم بالكفر، والفسوق، والعصيان. انظر سورة (التوبة) [٣٠]. هذا؛ و ﴿الْأَحْزابُ﴾ جمع: حزب، وهو الطائفة من الناس اجتمعوا على أمر من الأمور، وكل قوم تشاكلت قلوبهم، وأعمالهم حزب، وإن لم يلق بعضهم بعضا، وحزب الشيطان: هم المتبعون وساوسه وزخارفه، ودعوته إلى الشر، والفساد، وحزب الله: هم المتبعون، أوامره، المنتهون عن مناهيه، قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ الآية رقم [٥٣] من سورة (المؤمنون) ورقم [٣٢] من سورة (الروم). الإعراب: ﴿فَاخْتَلَفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اختلف): ماض. ﴿الْأَحْزابُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿بَيْنِهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من ﴿الْأَحْزابُ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَوَيْلٌ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ويل): مبتدأ سوغ الابتداء به، -وهو نكرة-الدعاء؛ لأنه من المسوغات، سواء أكان له، أو عليه.. إلخ. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ مَشْهَدِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (ويل) بعد الخبر، وهو جائز، ولا يجوز أن يتعلقا ب: (ويل) لأجل الفصل. انتهى عكبري. وقال أبو السعود: متعلقان به على معنى: يولولون، ويضجون منه. والأول: أولى، و ﴿مَشْهَدِ:﴾ مضاف، و ﴿يَوْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة يوم، والجملة الاسمية: ﴿فَوَيْلٌ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿أَسْمِعْ..﴾. إلخ: هذا تعجب عجب الله نبيه ﷺ من اختلافهم في شأن عيسى ﵇، ووصفه بصفات الربوبية. قال الكلبي: لا أحد أسمع منهم يوم القيامة، ولا أبصر، حين يقول الله ﵎ لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. ﴿لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ أي: في الدنيا. ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ وأي ضلال أبين من أن يعتقد المرء في شخص مثله حملته الأرحام، وأكل وشرب، وأحدث، ومرض، واحتاج: أنه إله؟! ومن هذا؛ وصفه، فهو أصم، وأعمى، ولكنه سيبصر، ويسمع في الآخرة إذا رأى العذاب، ولكنه لا ينفعه ذلك. انتهى. قرطبي. هذا؛ وأظهر: ﴿الظّالِمُونَ﴾ في موضع الإضمار زيادة في التشنيع عليهم.

стр. 3444

وانظر: (ضل) في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل) وشرح «الظلم» في الآية رقم [٩٠] منها. وانظر إعلال ﴿مُبِينٍ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الحجر). الإعراب: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ انظر الآية رقم [٢٦] من سورة (الكهف)، ففيها الكفاية، وأضيف هنا أن الفعل ﴿أَسْمِعْ﴾ مبني على السكون، أو قل: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، الذي جيء به لبناء الفعل على صيغة الأمر، والباء زائدة، والهاء فاعل مجرور لفظا، مرفوع محلا. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بأحد الفعلين الجامدين على التنازع. ﴿يَأْتُونَنا:﴾ مضارع مرفوع... إلخ والواو فاعله، و (نا): مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، والكلام: ﴿أَسْمِعْ..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له. ﴿لكِنِ:﴾ حرف استدراك عطف مهمل لا عمل له. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُبِينٍ﴾ بعده. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ﴾ والجملة الاسمية: ﴿لكِنِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: خوف يا محمد الكفار من أهل مكة وغيرهم يوم الحسرة، سمي بذلك لأن المسيء يتحسر: هلاّ أحسن العمل! والمحسن: هلاّ ازداد في الإحسان! يدل عليه ما رواه أبو هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ما من أحد يموت إلاّ ندم». قالوا: ما ندمه يا رسول الله؟ قال: «إن كان محسنا؛ ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا، ندم أن لا يكون نزع». أخرجه الترمذي. هذا؛ وقال أكثر المفسرين: يعني بيوم الحسرة حين يذبح الموت. فعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة! فيشرئبّون، وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم؛ هذا الموت، وكلّهم قد رآه، فيذبح بين الجنة والنار، ثمّ يقول: يا أهل الجنة خلود بلا موت! ويا أهل النار خلود بلا موت!». ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ..﴾. إلخ الآية. متفق عليه، وزاد الترمذي في الحديث نفسه: «فلو أنّ أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة، ولو أنّ أحدا مات حزنا لمات أهل النار». انتهى خازن. وقريب منه في القرطبي. وقال: هذه الأحاديث والآية الكريمة ترد على من قال: إن صفة الغضب تنقطع، وإن إبليس ومن تبعه من الكفرة يدخلون الجنة. انتهى. بتصرف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

стр. 3445

﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فرغ الحساب، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وذبح الموت كما رأيت. ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: الكافرون غافلون عما يراد بهم، ولا تنس: أن كثيرا من المسلمين أغفل، وأضل، وأجرم من الكافرين. ﴿وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بالبعث، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أنذرهم): أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به ثان. وقيل: هو ظرف متعلق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْحَسْرَةِ:﴾ مضاف إليه، ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالحسرة، وهو بدل من ﴿يَوْمَ﴾ على اعتباره مفعولا كما رأيت. ﴿قُضِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْأَمْرُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. هم: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي غَفْلَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿فِي ضَلالٍ﴾ أو في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها على الاعتبارين فيها، وفي السمين قوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ..﴾. إلخ جملتان حاليتان، وفيهما قولان: أحدهما: أنهما حالان من الضمير المستتر في قوله: ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: استقروا في ضلال مبين على هاتين الحالتين السيئتين، والثاني: أنهما حالان من مفعول أنذرهم؛ أي: (أنذرهم) على هذه الحالة وما بعدها، وعلى الأول: يكون قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ اعتراضا. انتهى جمل. ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها﴾ أي: أن نميت أهلها، وسكانها، فلا يبقى لأحد عليها وعليهم ملك غيرنا. وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر) ﴿وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ فنجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وفي قوله: ﴿نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ استعارة. تأمل. وإعلال: ﴿نَرِثُ﴾ مثل إعلال ﴿تَزِرُ﴾ في الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء). الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَحْنُ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو تأكيد ل: (نا) على المحل، وثانيها هو ضمير فصل لا محل له، وثالثها: هو مبتدأ. ﴿نَرِثُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) على الوجهين الأولين في الضمير، وفي محل رفع خبره على الوجه الثالث فيه، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. و (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الأرض. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. و (إلينا): متعلقان

стр. 3446

بما بعدهما. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع.. إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿نَرِثُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له قطعا؛ لأن الجملة المضارعية، الواقعة حالا لا تقترن بالواو. ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١)﴾ الشرح: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ﴿فِي الْكِتابِ﴾ أي: في القرآن الكريم. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ انظر نسبه، وأولاده، وقصته مع سارة، وهاجر في الآية رقم [٣٥] من السورة المسماة باسمه. وانظر عمره وما جرى له مع الملكين اللذين بشراه بإسحاق في الآية رقم [٧١] وما بعدها من سورة (هود) ﵇. ﴿صِدِّيقاً﴾ أي: كثير الصدق، وهو مبالغة في كونه صديقا. وقيل: الصدّيق: كثير التصديق. وقيل: من صدّق الله في وحدانيته، وصدّق أنبياءه ورسله فيما جاءوا به، وصدّق بالبعث بعد الموت، وقام بالأوامر، فعمل بها، وانتهى عن المناهي وابتعد عنها؛ فهو صدّيق، ولما قربت رتبة الصديق من رتبة النبي؛ انتقل من ذكر كونه صديقا إلى ذكر كونه نبيا، و (النبي) يقرأ بالهمز، وبدونه مأخوذ من النبأ، وهو الخبر. وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهي الارتفاع؛ لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب سائر الخلق. هذا؛ والنبيّ: ذكر، حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، وإن لم يؤمر بتبليغه، وإن أمر بالتبليغ فهو رسول. هذا؛ ومعنى الآية: اقرأ يا محمد على قومك، وعلى اليهود، والنصارى أيضا في القرآن أمر إبراهيم، وقصته مع أبيه، فقد عرفوا أنهم من ذريته؛ وأنه كان حنيفا مسلما، وما كان يتخذ من دون الله إلها؛ فهؤلاء لم يتخذون آلهة من دونه؟! وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي: استمهنها، وأذلها، واستخف بها. الإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الواو: حرف عطف يعطف قصة إبراهيم مع أبيه على قصة مريم مع ابنها. (اذكر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مفعول به. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿صِدِّيقاً:﴾ خبر كان. ﴿نَبِيًّا:﴾ خبر ثان. وقيل: صفة، وليس بشيء، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢)﴾ الشرح: ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ:﴾ انظر الكلام على أبيه آزر في الآية رقم [٧٤] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك. ﴿يا أَبَتِ:﴾ انظر الكلام على هذا اللفظ في الآية رقم [٤] من سورة (يوسف) عليه

стр. 3447

السّلام، فإنّه طويل، وجيد. ﴿لِمَ:﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف: اللام الجارة، والاسم: (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كل جار، نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها،﴾ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ للفرق بين الموصولة، والاستفهامية. ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار. هذا؛ وقد وصف إبراهيم-﵊-الأصنام التي كان أبوه يعبدها بثلاثة أشياء، كل واحد منها قادح في الإلهية، وصفها بعدم السمع، وبعدم البصر، وبعدم الإغناء؛ أي: النفع في شيء من الأشياء، والعبادة هي غاية التعظيم للمعبود، فلا يستحقها إلا من له ولاية الإنعام وله، أوصاف الكمال، وهو الله تعالى، لذا فلا يستحق العبادة إلا هو. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب بدلا من إبراهيم، وما بينهما اعتراض. وقال الزمخشري: متعلق ب: ﴿كانَ﴾ وهذا على رأي: من يجيز التعليق بالأفعال الناقصة. وقيل: متعلق ب: ﴿صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿لِأَبِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (أبت): منادى منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، والمعوض عنها التاء كما رأيت في الشرح (لم) اللام: حرف جر، و ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام، وحذفت الألف الساكنة بسبب الجر، كما رأيت في الشرح، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَعْبُدُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والمفعول محذوف، تقديره: صوتا، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، وجملة: ﴿وَلا يُبْصِرُ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، وكذلك جملة: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ معطوفة عليها أيضا، ويجوز أن يكون ﴿شَيْئاً﴾ مفعولا به، وأن يكون نائب مفعول مطلق. هذا؛ والكلام: ﴿يا أَبَتِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. تأمل، وتدبر. ﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣)﴾ الشرح: ﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ أي: من اليقين، والمعرفة بالله، وما يكون بعد الموت، وأنّ من عبد غير الله عذب. ﴿فَاتَّبِعْنِي:﴾ إلى ما أدعوك إليه. ﴿أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا:﴾ أرشدك، وأدلك إلى دين مستقيم فيه النجاة، هذا فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق منه، ثم ثبطه عما كان عليه

стр. 3448

بأنه مع خلوه من النفع مستلزم للضر؛ لأنه في الحقيقة عبادة للشيطان من حيث إنه الآمر به، وهو ما يلي في الآية التالية. الإعراب: ﴿يا أَبَتِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَنِي:﴾ ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل (جاء). ﴿الْعِلْمِ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتِكَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ما، وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿قَدْ جاءَنِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فَاتَّبِعْنِي:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٤] (اتبعني): التماس من أبيه، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكرت حاصلا وصحيحا؛ فاتبعني. ﴿أَهْدِكَ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وعلامة جزمه حرف العلة... إلخ، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «أنا»، والكاف مفعوله الأول. ﴿صِراطاً:﴾ مفعوله الثاني. ﴿سَوِيًّا:﴾ صفة له. هذا؛ والآية كلها في محل نصب مقول القول. ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ الشرح: ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أي: لا تطعه فيما يأمرك به من الكفر، ومن أطاع شيئا في معصية؛ فقد عبده وانظر الآية رقم [٣١] من سورة (التوبة) تجد ما يسرك. ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا:﴾ ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص، وكل عاص حقيق بأن يسترد منه النعم، وينتقم منه، ولا تنس: أن الرضا بالمعصية معصية، والسكوت عليها ممّن يستطيع تغييرها معصية أيضا. الإعراب: ﴿يا أَبَتِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لا تَعْبُدِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الشَّيْطانَ:﴾ مفعول به. ﴿الشَّيْطانَ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الشَّيْطانَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمها يعود إلى ﴿الشَّيْطانَ﴾ تقديره: «هو». ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عَصِيًّا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿الشَّيْطانَ﴾ والجملة الاسمية تعليل للنهي. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أنه يجوز في ﴿كانَ﴾ هنا ما جاز فيها في الآية رقم [٢٨] من أوجه، ما عدا الزيادة وينبغي أن تعلم أيضا: أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول أيضا؛ إذ هي من قول إبراهيم ﵇ كالسابقة، واللاحقة.

стр. 3449

﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾ الشرح: ﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ﴾ أي: أعلم، كما في قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ من الآية رقم [٢٢٩] من سورة (البقرة). وقيل: هو على ظاهره؛ لأنه يمكن أن يؤمن، فيكون من أهل الجنة، أو يصر على الكفر، فيكون من أهل النار، فحمل الخوف على ظاهره أولى. ﴿أَنْ يَمَسَّكَ:﴾ يصيبك، ويقع عليك. ﴿عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ﴾ أي: إن مت على ما أنت عليه من الكفر، ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا﴾ أي: قرينا من النار. قال الخازن رحمه الله تعالى: واعلم: أن إبراهيم-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قد رتب الكلام في غاية الحسن، مقرونا بالتلطف والرفق، فإن قوله في مقدمة كلامه: ﴿يا أَبَتِ﴾ دليل على شدة الحب، والرغبة في صرفه عن العقاب، وإرشاده إلى الصواب؛ لأنه نبه أولا على ما يدل على المنع من عبادة الأصنام، ثم أمره باتباعه في الإيمان، ثم نبه على أنّ طاعة الشيطان غير جائزة في العقول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي، بقوله: ﴿إِنِّي أَخافُ..﴾. إلخ ثم قال: وإنما فعل إبراهيم هذا مع أبيه لأمور: أحدها: لشدة تعلق قلبه بصلاح أبيه، وأداء حق الأبوة، والرفق به، وثانيها: أن النبي الهادي إلى الحق لا بد أن يكون رفيقا لطيفا حتى يقبل منه كلامه، وثالثها: النصح لكل أحد. فالأب أولى. انتهى. كيف لا؟ وقد روى أبو هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «أوحى الله إلى إبراهيم ﵇: يا خليلي حسّن خلقك، ولو مع الكفّار تدخل مدخل الأبرار، وإنّ كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه أن أظلّه تحت عرشي، وأن أسقيه من حظيره قدسي وأن أدنيه من جواري». رواه الطبراني. الإعراب: ﴿يا أَبَتِ:﴾ انظر الآية رقم [٤١]. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَذابٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فَتَكُونَ:﴾ مضارع ناقص معطوف بالفاء على ﴿يَمَسَّكَ﴾ فهو منصوب مثله، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿لِلشَّيْطانِ:﴾ متعلقان ب: ﴿وَلِيًّا﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال منه على مثال ما رأيت في الآية رقم [٤]. ﴿وَلِيًّا:﴾ خبر (تكون). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، والآية بكاملها من مقول إبراهيم على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: أبوه. ﴿أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ﴾ أي: تاركها، وتارك عبادتها. هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-قابل استعطافه، ولطفه في الإرشاد بالفظاظة، وغلظة

стр. 3450

العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل ﴿يا أَبَتِ﴾ ب: «يا بني» وأخره، وقدم الخبر على المبتدأ، وصدّره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة، على ضرب من التعجب، كأنها ممّا لا يرغب عنها عاقل، ثم هدده، فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ أي: عن مقالك فيها، أو عن الرغبة عنها، أو عن شتمك إياها. ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: معناه: لأضربنك، أو لأقتلنك بالحجارة، أو لأشتمنك، أو لأبعدنك عني بالقول القبيح، والأول: هو الصحيح. وانظر الآية رقم [١١٦] من سورة (الشعراء). ﴿وَاهْجُرْنِي:﴾ اجتنبني. وقال ابن عباس-﵄: اعتزلني سالما، لا يصيبنك مني معرة. ﴿مَلِيًّا:﴾ دهرا طويلا، ومنه قول المهلهل: [الكامل] فتصدّعت صمّ الجبال لموته... وبكت عليه المرملات مليّا هذا؛ و (راغب) اسم فاعل من رغب، وهذا الفعل وما اشتق منه يتغير معناه بتغير الجار الذي يتعلق به، تقول: رغبت عن الشيء: إذا كرهته، ولم تحبه، ورغبت فيه: إذا أردته، وأحببته، ولذا كان قول القائل: [الطويل] ويرغب أن يبني المعالي خالد... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم محتملا للمدح والذم بسبب تقدير الجار، كما يجوز تقدير «عن»، أو «في» في قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ومثل «رغب» وما اشتق منه: «ادّعى» يقال: ادّعى فلان في بني هاشم: إذا انتسب إليهم، وادّعى عنهم: إذا عدل بنسبه عنهم، ومثله أيضا: عدل، ومال، وانحرف، وغير ذلك كثير، وهذا ممّا يدل على اتساع اللغة العربية. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى أبي إبراهيم. ﴿أَراغِبٌ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري، (راغب): مبتدأ، سوغ الابتداء به تقدم الاستفهام عليه. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل ب: (راغب) وقد سد مسد خبره، وهذا أولى من اعتباره مبتدأ، و (راغب) خبر مقدم كما ذهب إليه الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي؛ لأنه لا تقديم فيه، ولا تأخير؛ إذ رتبة الفاعل التأخير عن رافعه، ولأنه لا فصل فيه بين العامل الذي هو ﴿أَراغِبٌ﴾ وبين معموله، وهو: ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ بأجنبي، وهو: ﴿أَنْتَ﴾ إذا كان مبتدأ؛ لأن الخبر ليس عاملا في المبتدأ. انتهى. جمل. ومثل الآية الكريمة قول وداك بن ثميل المازني، وهو الشاهد رقم [٥٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] أجاعل أنت بيقورا مسلّعة... ذريعة لك بين الله والمطر؟ ﴿عَنْ آلِهَتِي:﴾ متعلقان ب: (راغب) وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (إبراهيم): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿تَنْتَهِ:﴾ مضارع

стр. 3451

مجزوم ب: (لم)، وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أرجمنك): مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم ﴿وَاهْجُرْنِي:﴾ أمر، وفاعله: أنت، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مَلِيًّا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، أو هو حال على تفسير ابن عباس من الفاعل المستتر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب القسم لا محل لها، وعطفها الزمخشري على جملة محذوفة، التقدير: فاحذرني، واهجرني، وهذا يعني: أن الفاء هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. هذا؛ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ الشرح: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ هذا سلام توديع، ومتاركة، ومفارقة، ومقابلة للسيئة بالحسنة؛ أي: لا أصيبك بمكروه، لا أقول لك بعد ذلك ما يؤذيك. وقال النقاش: حليم خاطب سفيها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام، وجوز بعضهم تحية الكافر، وأن يبدأ بها، فقال النخعي: إذا كانت لك حاجة عند يهودي، أو نصراني فأبدأه بالسلام، فظهر بذلك أن قول النبي ﷺ الذي رواه أبو هريرة-﵁: «لا تبدءوا اليهود والنّصارى بالسّلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق؛ فاضطروهم إلى أضيقه». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي؛ إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدءوهم بالسلام، من قضاء ذمام، أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة، أو جوار، أو سفر... إلخ. قال الطبري: وقد روي عن السلف: أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب، وفعل ذلك ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه. قال علقمة، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدءوا بالسلام. قال: نعم، ولكن حق الصحبة. وسئل الأوزاعي عن مسلم مرّ بكافر، فسلم عليه، فقال: إن سلمت فقد سلم الصّالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك. انتهى قرطبي بتصرف. هذا؛ وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية، أو نحوها، ينبغي أن يرد الجواب؛ لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر، وروي عن ابن عباس-﵄-أنه كان يرى رد الكتاب واجبا، كما يرى رد السّلام، والله أعلم.

стр. 3452

أقول: لم يتعرض للكلام في الرد عليهم أحد، وأذكر ما رواه أنس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم». رواه الستة إلا النسائي، وهذا يعني أن لا يرد ﵈ كاملا، ولكن في هذا العصر كثر الاختلاط بهم، وتغيرت الأوضاع كما هو معروف ومعلوم، فإذا كان قد أجاز بعض العلماء بدأهم بالسلام كما رأيت، فرد السّلام عليهم كاملا، جائز بالأحرى، ولا سيما في هذا العصر الذي ضعفت فيه الروحانية الإسلامية عند كثير من المسلمين، وكذلك ما أصاب المسلمين من ضعف وهوان في هذه الأيام، وإن أراد المسلم التبرئة من التبعة؛ فلينو بالسلام عليهم والرد عليهم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم وتصرفهم في جميع أحوالهم، وكذلك ينوي المسلمين من الجن الذين يكونون قريبا منهم. أقول هذا؛ والله ولي التوفيق، وأضيف: أنه لا يرد عليهم بالرحمة وبالبركة، بل يكتفي بقوله: وعليكم السّلام. ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي:﴾ ما أحراك أن تنظر الكلام على هذا الاستغفار في الآية رقم [١١٤] من سورة (التوبة) ففيها الكفاية. ﴿إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا:﴾ الحفي: المبالغ في البر، والرفق، والألطاف. وقال الفراء: أي: عالما لطيفا إذا دعوته يجيبني. هذا؛ و (الحفيّ) أيضا: المستقصي في السؤال، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى إبراهيم ﵇. ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به-وهو نكرة-لأن فيها معنى الدعاء، وفيها أيضا معنى التبري، والمتاركة، فلما أفادت فوائد جاز الابتداء بها. انتهى. مكي. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿سَأَسْتَغْفِرُ:﴾ السين: حرف استقبال، وتسويف. (أستغفر): مضارع وفاعله تقديره: «أنا»، والسين والتاء للطلب؛ أي: سأطلب لك المغفرة من ربي. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم.. إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿رَبِّي﴾. ﴿رَبِّي:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿حَفِيًّا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجمل ﴿سَلامٌ..﴾. إلخ كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾ الشرح: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: أفارقكم، وأفارق ما تعبدون من الأصنام، وذلك: أنه فارقهم، وهاجر إلى الأرض المقدسة. وانظر الاعتزال في الآية رقم [١٦] من سورة

стр. 3453

(الكهف)، ولا تنس: ما فعل قبل الاعتزال من تكسير الأصنام، وما فعله قومه من محاولتهم تحريقه بالنار، وقد تكفلت سورة (الأنبياء) ببيان ذلك، أوضح البيان. ﴿وَأَدْعُوا رَبِّي:﴾ أعبده وأوحّده. ﴿عَسى أَلاّ أَكُونَ..﴾. إلخ: أي: أرجو وآمل أن لا أشقى بدعاء ربي وعبادته، كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام، ففيه التواضع لله تعالى، مع التعريض بشقاوتهم، وحرمانهم من رحمة ربهم. هذا؛ وقد قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-وفي تصدير الكلام ب: ﴿عَسى﴾ التواضع، وهضم النفس، والتنبيه على أنّ الإجابة والإثابة تفضل غير واجب، وأنّ ملاك الأمر خاتمته، وهو غيب. بعد هذا انظر (دعا) في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء) وشرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] منها. وانظر شرح لفظ الجلالة في الآية رقم [١] من سورة (الكهف)، وشرح (دون) في الآية رقم [١٤] منها. والله ولي التوفيق. الإعراب: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أعتزلكم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الكاف. وقيل: في محل نصب مفعول معه، وهو ضعيف. والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا تدعونه. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَدْعُوا﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿رَبِّي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَسى:﴾ ماض جامد دال على إنشاء الترجي مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿أَكُونَ:﴾ مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِدُعاءِ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَقِيًّا﴾ بعدهما، و (دعاء) مضاف، و ﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم.. إلخ والإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: بدعائي ربي... ﴿شَقِيًّا:﴾ خبر ﴿أَكُونَ،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَلاّ..﴾. إلخ في محل رفع فاعل ب: ﴿عَسى،﴾ وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (أدعو) والرابط: الضمير فقط، والتقدير: أدعو ربي راجيا عدم شقوتي بدعائه. وياء المتكلم في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩)﴾ الشرح: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ فارقهم، وهاجر إلى الأرض المقدسة. ﴿وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ:﴾ قيل: إنه لما قصد الشام؛ أتى حران، فتزوج سارة ﵍،

стр. 3454

فولدت منه إسحاق، وولد منه يعقوب، ولعل تخصيصهما بالذكر؛ لأنهما شجرتا الأنبياء، أو لأن إسحاق أتاه على الكبر، أو؛ لأنه أراد أن يذكر إسماعيل بفضله على الانفراد. هذا؛ وقد ذكرت لك في الآية رقم [٧١] من سورة (هود) ﵇: أنه قد عاش إبراهيم، وسارة حتى رأيا يعقوب، فقرت عيناهما بالحفيد، كما قرتا بالوليد. ﴿وَكُلاًّ﴾ أي: من إسحاق، ويعقوب. ﴿جَعَلْنا نَبِيًّا:﴾ والمعنى: حين اعتزل إبراهيم أهل الكفر، والفسوق، والعصيان رزقه الله أولادا أنبياء مؤمنين. وفي الآية دليل واضح على أنّ الولد الصالح هبة، ومنحة من الله للوالدين، فلم يقل : أعطينا، ورزقنا... إلخ، وإنما قال ﴿وَهَبْنا﴾ قال الشاعر الحكيم: [الكامل] نعم الإله على العباد كثيرة... وأجلهنّ نجابة الأولاد الإعراب: ﴿فَلَمَّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٦٢] من سورة (الكهف). ﴿اِعْتَزَلَهُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بالإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ انظر إعرابه في الآية السابقة. ﴿وَهَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِسْحاقَ:﴾ مفعول به. ﴿وَيَعْقُوبَ:﴾ معطوف عليه. ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(كُلاًّ):﴾ مفعول به أول تقدم على عامله. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نَبِيًّا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله، واعتبارها حالا من ﴿إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ جيد، ويكون الرابط: الواو، والضمير الواجب ذكره بعد (كلاّ)، أو هي حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير أيضا، ويجب تقدير «قد» قبلها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر. ﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ الشرح: ﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ﴾ أي: لإبراهيم، ولذريته على نبينا وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. ﴿مِنْ رَحْمَتِنا:﴾ من فضلنا، وإنعامنا عليهم، ووهبنا لهم النبوة، والأموال الوفيرة، والأولاد الكثيرة. ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أي: ذكرا حسنا رفيعا في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة؛ حتى ادعاهم أهل الأديان كلهم، فهم يتولونهم، ويقدسونهم ويعظمونهم استجابة لدعوة إبراهيم حيث قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ والمراد: باللسان: الثناء الذي يكون عليهم به، ولسان العرب لغتهم، وإضافته إلى الصدق، ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يثنون عليهم، وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار، وتحول الدول، وتبدل الملل، ونحن المسلمين نقدسهم، ونجلهم، ونصلي عليهم في كل صلاة نصليها لله الواحد القهار؛ حيث نقول: اللهمّ صلّ على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد كما صلّيت على سيدنا

стр. 3455

إبراهيم، وعلى آل سيّدنا إبراهيم... إلخ. هذا؛ والذكر الحسن الجميل للإنسان بعد موته عمر ثان له، ورحم الله أمير الشعراء إذ يقول: [الكامل] دقّات قلب المرء قائلة له: ... إنّ الحياة دقائق وثوان فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها... فالذّكر للإنسان عمر ثان هذا؛ وانظر شرح (اللسان) في الآية رقم [٤] من سورة (إبراهيم) تجد ما يسرك أما (نا) فقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) وقوله تعالى: «جعلنا، وهبنا، نحن، إنا» لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة، وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، مع أنه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. انتهى. أقول: و (نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون والكافرون، فالله لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، فيقول: أخذنا، وأعطينا... إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن والتي ظاهرها يفيد الجمع. تأمل. الإعراب: ﴿وَوَهَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَحْمَتِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وهو أولى من قول الجمل: المال والولد تفسير للرحمة ومن للتبعيض، وقوله: يعني أن الجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿عَلِيًّا:﴾ صفة ﴿لِسانَ﴾. واعتباره مفعولا ثانيا، أو حالا من ﴿لِسانَ صِدْقٍ﴾ لا بأس به. ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١)﴾ الشرح: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى﴾ أي: اذكر في القرآن الكريم قصة موسى ﵊ من حين نشأته، وولادته إلى وفاته، وهي مذكورة ومفصلة في القرآن، وعلى الأخص في سورة (الأعراف)، وسورة (طه)، وسورة (القصص). ﴿إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً﴾ بفتح اللام؛ أي:

стр. 3456

مختارا، اختاره الله، واصطفاه لرسالته. ويقرأ بكسر اللام، على معنى: موحدا أخلص عبادته عن الشرك، والرياء، أو أسلم وجهه لله، وأخلص نفسه عما سواه. ﴿وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا:﴾ أرسله الله إلى أهل زمانه، فأخبرهم عن الله. وانظر شرحهما في الآية رقم [٤٠]. الإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٤١] وإعراب آخر الآية مثل إعراب: ﴿إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾ في الآية المذكورة. ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ الشرح: ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ أي: من ناحية يمين موسى، وكانت الشجرة التي صدر منها الصوت في جانب الجبل عن يمين موسى حين أقبل راجعا من مدين إلى مصر، وإن الجبال لا يمين لها، ولا شمال كما هو معروف، وجبل الطور معروف بين مصر ومدين. ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ أي: مناجيا، وهذا التقريب تقريب تشريف، وتكريم، شبهه الله تعالى بمن قربه الملك لمناجاته. وقال ابن عباس-﵄: قربه وأدناه حتى سمع صرير الأقلام، وأصل ﴿نَجِيًّا﴾ نجيوا؛ لأنه من نجا ينجو، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَنادَيْناهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ناديناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ جانِبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿جانِبِ:﴾ مضاف، و ﴿الطُّورِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْأَيْمَنِ:﴾ صفة ﴿جانِبِ؛﴾ لأنه تبعه في الإعراب في قوله تعالى: ﴿وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ وقيل: إنه صفة للطور. ﴿وَقَرَّبْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب (نذرت) في الآية رقم [٢٥]. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿نَجِيًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب. تأمل، وتدبر. ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ الشرح: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا..﴾. إلخ: أي: أنعمنا على موسى، وتكرمنا عليه؛ حيث منحنا أخاه هارون النبوة والرسالة، إجابة لدعوته، وذلك في قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي..﴾. إلخ وكان هارون أسن من موسى، ولم يذهب معه إلى مدين، ولم يكن معه حين ناداه الله من الشجرة في الوادي المقدس طوى. فمعنى هبته له: جعله عضدا، وناصرا، ومعينا على أعباء الرسالة.

стр. 3457

الإعراب: ﴿وَوَهَبْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَحْمَتِنا:﴾ عبارة السمين: في ﴿مِنْ﴾ هذه وجهان: أحدهما: أنها تعليلية؛ أي: من أجل رحمتنا. والثاني: أنها تبعيضية، وهو يعني على الاعتبارين: أن الجار والمجرور متعلقان بالفعل (وهبنا). وأقول: لا معنى للتعليل، ولا للتبعيض هنا، وإنما معنى ﴿مِنْ﴾ الابتداء، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿هارُونَ﴾ التقدير: حالة كونه من رحمتنا، على مثال ما رأيت في الآية رقم [٥٠] ﴿أَخاهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هارُونَ:﴾ بدل من ﴿أَخاهُ،﴾ أو عطف بيان عليه، وأجيز اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، تقديره: أعني. ﴿نَبِيًّا:﴾ حال من: ﴿هارُونَ،﴾ وجملة: ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤)﴾ الشرح: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ﴾ أي: اقرأ في القرآن على قومك قصة إسماعيل عليه الصلاة، والسّلام وما اتصف به من صفات جليلة، فإنه أبوهم الأول، وإنهم يفخرون بالانتساب إليه. ﴿إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ:﴾ خصه الله تعالى بذكر صدق الوعد، وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء من غير شك، تشريفا له، وإكراما، كالتلقيب بنحو: الحليم، والأواه والصدّيق، ولأنه المشهور المتواتر من خصاله الجليلة. واختلف في ذلك، فقيل: إنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح، فصبر حتى فدي، كما ستجده في سورة (الصافات) إن شاء الله تعالى. وقيل: وعد رجلا أن يلقاه في موضع، فنسي ذلك الرجل الوعد، فانتظره إسماعيل في ذلك الموضع اثنين وعشرين يوما، وقد فعل نبينا ﷺ مثل ذلك قبل أن يبعث فعن عبد الله بن أبي الحمساء-﵁-قال: بايعت النّبيّ ﷺ ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقيّة، فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة أيام، فجئت فإذا هو مكانه، فقال: «يا فتى لقد شققت عليّ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك». خرجه الترمذي وغيره. ﴿وَكانَ رَسُولاً:﴾ إلى قبيلة جرهم الذين نزلوا عليه وعلى أمه هاجر في مكة، وزوجوه منهم كما رأيت في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) وشريعته هي شريعة أبيه إبراهيم. هذا؛ والوفاء بالوعد حلية الأنبياء، وشعار ذوي التقى والفضل من الأصفياء، ورمز الثقة من ذوي الرأي والحكمة من العقلاء، وقد أكد الرسول المعظم ﷺ أمر العهد، وشدد في طلب الوفاء بالوعد، وبين: أن من أخلف الوعد، ونكث العهد، فقد خان الله ورسوله، وباع آخرته بدنياه، وخرج من دينه، ودخل في النفاق، فعن أنس بن مالك-﵁-قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». رواه أحمد

стр. 3458

والطبراني. وعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث؛ إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاري، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلّى وصام، وزعم أنّه مسلم». وزاد أبو يعلى من رواية أنس: «وإن صام وصلّى، وحجّ واعتمر، وقال: إني مسلم». وقال الشاعر: [الطويل] فإن تجمع الآفات فالبخل شرّها... وشرّ من البخل المواعيد والمطل ولا خير في وعد إذا كان كاذبا... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل ومن أحسن ما قيل في تشبيه من يخلف الوعد بمسيلمة الكذاب قول بعضهم: [الكامل] ووعدتني وعدا حسبتك صادقا... فبقيت من طمعي أجيء وأذهب فإذا جلست أنا وأنت بمجلس... قالوا مسيلمة، وهذا أشعب وانظر الآية [٣١] من سورة (الرعد)، إن أردت الزيادة. الإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِسْماعِيلَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٥١] لا محل لها مثلها، وإعراب باقي الآية انظر مثله في الآية المذكورة. هذا؛ و ﴿صادِقَ:﴾ مضاف، و ﴿الْوَعْدِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعله؛ إذ التقدير: صادق وعده، وإنما اعتبرت صادق صفة مشبهة؛ لأنها صفة ثابتة، وليست متجددة، مثل طاهر القلب، ونحوه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ الشرح: ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ:﴾ قال البيضاوي رحمه الله تعالى: بدأ بالأهم، وهو أن يقبل الرجل على نفسه، ومن هو أقرب الناس إليه بالتكميل. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وقال جل ذكره: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ وقال جل شأنه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ وقيل: ﴿أَهْلَهُ﴾ أمّته، فإن الأنبياء، آباء أممهم، أقول: وهو الأولى. ﴿وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ أي: قائما لله بطاعته. وقيل: رضيه لنبوته، ورسالته، وهذا نهاية في المدح؛ لأن المرضي هو الفائز في كل طاعة بأعلى الدرجات. وإعلال: ﴿مَرْضِيًّا﴾ مثل إعلال ﴿مَقْضِيًّا:﴾ في الآية رقم [٢١] هذا؛ والعندية عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان. الإعراب: ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى إسماعيل ﵇، ﴿يَأْمُرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إليه أيضا. ﴿أَهْلَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالصَّلاةِ:﴾ متعلقان

стр. 3459

بالفعل قبلهما. ﴿وَالزَّكاةِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَأْمُرُ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى إسماعيل أيضا. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمرضيا، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَرْضِيًّا:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧)﴾ الشرح: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤] ﴿إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا:﴾ انظر الآية رقم [٤١] ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ أي: بشرف الرسالة، والزلفى عند الله. وقيل: الجنة. وقيل: إلى السماء السادسة. وقيل: إلى الرابعة، وإدريس ﵇ أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب، ولبس المخيط، وأول من نظر في علم النجوم، والحساب، وسيرها، وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله تعالى، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وكان أول من أعطي الرسالة من ولد آدم بعد شيث، وقد جاء في الصحيحين في حديث الإسراء والمعراج: أن رسول الله ﷺ مر به في السماء الرابعة. هذا؛ وقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: وروى ابن جرير الطبري عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف. قال: سأل ابن عباس-﵄-كعبا، وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله تعالى في إدريس: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾. فقال كعب: أما إدريس، فإن الله، أوحى إليه: إني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملك، فأتاه خليل له من الملائكة فقال له: إن الله، أوحى إليّ كذا، وكذا، فكلّم ملك الموت حتى أزداد عملا، فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا، فكلّم ملك الموت في الذي كلّمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو على ظهري، فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت. وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قوله : ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ ورواه ابن حاتم عند تفسيرها. وعنده فقال لذلك الملك: سل لي ملك الموت كم بقي من عمري؟ فسأله وهو معه، كم بقي من عمره؟ فقال: لا أدري حتى أنظر، فنظر فقال: إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه إلى إدريس، فإذا هو قد قبض، وهو لا يشعر. قال الحافظ ابن كثير: وهذا من الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة. أقول: الأسلم تفويض علم ذلك، إلى الله تعالى. انتهى.

стр. 3460

هذا؛ وقد ذكر القرطبي، والخازن روايات، وحكايات طويلة تنص في نهايتها: أن إدريس ﵇ حيّ في الجنة. وقال الخازن. وقالوا: أربعة من الأنبياء أحياء: اثنان في الأرض، وهما الخضر وإلياس، واثنان في السماء: وهما: إدريس، وعيسى عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وقال عبد الوهاب النجار: اختلف الحكماء في مولده ونشأته، وعمن أخذ العلم، فقالت فرقة: ولد بمصر، وسموه هرمس الهرامسة. وقال هؤلاء: إن معلمه اسمه الغوثاذيمون، ومعناه: الجد السعيد. وقالوا: خرج هرمس من مصر وجاب الأرض كلها، ثم عاد إليها ورفعه الله إليه بها، وذلك بعد اثنتين وثمانين سنة من عمره. وقالت فرقة أخرى: ولد إدريس ببابل، وبها نشأ، وأنه أخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم، وهو جد جد أبيه؛ لأنه إدريس بن يارد، بن مهلائيل، بن قينان، بن أنوش بن شيث، ولما كبر إدريس؛ آتاه الله النبوة، فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة آدم، وشيث، فأطاعه أقلهم، وخالفه جلهم، فنوى الرحلة عنهم، وأمر من أطاعه منهم بذلك، ثم خرج بهم إلى مصر، وأقام إدريس ﵇ ومن معه بمصر، وأخذ يدعو الخلائق إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وطاعة الله ، وقيل: إن اسمه الحقيقي أخنوخ. ودعا إلى دين الله، والقول بالتوحيد، وعبادة الخالق، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا، وحض على الزهد في الدنيا، والعمل بالعدل، وأمرهم بصلوات ذكرها لهم على صفات بينها، وأمرهم بصيام أيام معروفة من كل شهر، وأمرهم بزكاة الأموال معونة للضعفاء بها، وغلظ عليهم في الطهارة من الجنابة، والخنزير والكلب، وحرم المسكر بجميع أنواعه. انتهى. باختصار. وأضيف ما ذكر الجمل نقلا من التحبير للسيوطي: أن إدريس ﵇ هو جد نوح، ولد في حياة آدم قبل موته بمائة سنة، وبعث بعد موته بمائتي سنة، وعاش بعد نبوته مائة وخمسين سنة، فتكون جملة عمره أربعمائة سنة، وكان بينه وبين نوح ألف سنة. انتهى. أقول: هذا يخالف ما ذكر، وأقول: إن بعث رسول ومنحه الرسالة بعد ثلاثمائة سنة من عمره لم يقل به أحد، ولم ينقل: أن نبيّا تنبأ بعد مجاوزة الأربعين من عمره. تنبيه: إعراب الآية الأولى واضح إن شاء الله تعالى، وقد مر معنا كثير مثلها. ﴿وَرَفَعْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿مَكاناً:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. ﴿عَلِيًّا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾ فهي في محل رفع مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿إِدْرِيسَ﴾ فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير و «قد» قبلها مقدرة.

стр. 3461

﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس، عليهم الصلاة والسّلام. والخطاب للرسول ﷺ . ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ:﴾ المراد به: إدريس وحده؛ لأنه أقرب الرسل إلى آدم؛ لأنه جد أبي نوح كما رأيت. ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ:﴾ المراد به إبراهيم وحده؛ لأنه من ولد سام بن نوح. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ:﴾ المراد: إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب. ﴿وَإِسْرائِيلَ﴾ أي: ومن ذرية إسرائيل، وهو يعقوب، والمراد: موسى، وهارون، وسليمان، وداود، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل، صلوات وسلامه عليهم أجمعين. فرتب الله تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب منبها بذلك على أنهم كما شرّفوا بالنبوة شرّفوا بالنسب. ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا﴾ أي: إلى الإسلام. ﴿وَاجْتَبَيْنا﴾ أي: اخترنا على الأنام. ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا:﴾ سقطوا على الأرض. ﴿سُجَّداً:﴾ ساجدين، فهو جمع: ساجد. ﴿وَبُكِيًّا:﴾ باكين جمع: باك. أخبر الله تعالى: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، كانوا إذا سمعوا آيات الله المنزلة عليهم؛ سجدوا، وبكوا خضوعا، وخشوعا، وخوفا، وحذرا، وكذلك المسلمون ينبغي لهم أن يسجدوا، ويبكوا، ويخشعوا عند سماع آيات القرآن. هذا؛ وهذه الآية من عزائم سجود القرآن فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند تلاوتها، فيقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، ويقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. وقيل: يستحب لمن قرأ آية سجدة فسجد أن يدعو بما يناسب تلك الآية، فإن قرأ آية (الإسراء)؛ قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك، الخاشعين إليك. وإن قرأ آية (مريم)؛ قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك، وإن قرأ آية ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٠] من سورة (النحل). تنبيه: لقد تبين لك من شرح الآية وتفسيرها الترتيب الزمني بالنسبة للرسل، ولكن هذا الترتيب لم يحصل بين الرسل عند تفصيل حال كل واحد منهم في هذه السورة، فيحيى، وزكريا، وعيسى وأمه هم من أحفاد أحفاد أحفاد إبراهيم ﵇، وإسماعيل يعد من أجداد موسى وهارون، وقد ذكر بعدهما، وإدريس هو من أجداد إبراهيم الأول، وقد ذكر آخرا كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن الله لم يذكرهم على حسب ترتيبهم الزمني، كما أن ترتيبهم المذكور

стр. 3462

لم يكن على حسب ترتيبهم في الفضل، والشرف، وإنما ترتيبهم في الذكر على حسب الحالة المشابهة بين السابق واللاحق، والغاية من ذلك: التبصر، والاعتبار، وهذه الظاهرة تبرز في سورة (الشعراء) أكثر ما تبرز، ويمكن القول: إن ذكر الرسل في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) ﵇، إنما هو على حسب ترتيبهم الزمني. هذا؛ وقد قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا، وابكوا، وإن لم تبكوا فتباكوا». وبكيّ أصله: بكويّ، فإعلاله مثل إعلال ﴿بَغِيًّا﴾ و ﴿مَقْضِيًّا﴾ في الآية رقم [٢٠] و [٢١]. بعد هذا انظر شرح ﴿إِسْرائِيلَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الإسراء)، وشرح (آدم) في الآية رقم [٦١] منها وشرح (البكاء) في الآية رقم [١٠٩] منها أيضا. الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. وقيل: صفة، أو هو في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب: (على) و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، وعلامة الجر الياء... إلخ. ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ:﴾ بدل ممّا قبلهما بدل بعض من كل، و ﴿ذُرِّيَّةِ:﴾ مضاف، و ﴿آدَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَمِمَّنْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وهناك مضاف محذوف؛ إذ التقدير: ومن ذرية من، و (من) اسم موصول مبني على السكون في محل جر ب: (من). ﴿حَمَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿نُوحٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، و ﴿ذُرِّيَّةِ:﴾ مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَإِسْرائِيلَ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله. ﴿وَمِمَّنْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿هَدَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: ومن الذين هديناهم: وجملة: ﴿وَاجْتَبَيْنا:﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، لا محل مثلها. وانظر إعراب: ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتُ:﴾ نائب فاعل ﴿تُتْلى﴾ وهو مضاف، و ﴿الرَّحْمنِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿خَرُّوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٢٧] لإعراب ﴿قالُوا﴾. ﴿سُجَّداً:﴾ حال من واو الجماعة.

стр. 3463

﴿وَبُكِيًّا:﴾ معطوف عليه وقيل: هو مصدر، وليس جمع باك، التقدير: خروا سجدا، وبكوا بكيا، وقرئ «(بكيا)» بكسر الباء مثل ﴿عِتِيًّا﴾ في الآية رقم [٨]، وجملة: ﴿خَرُّوا..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ﴾ على اعتبار الموصول بدلا... إلخ، ومستأنف على اعتبار الموصول خبر المبتدأ. تأمل، وتدبر. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ الشرح: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ:﴾ فجاء من بعد هؤلاء القوم الكرام، والنبيين العظام أولاد سوء. هذا؛ و ﴿فَخَلَفَ﴾ بسكون اللام يستعمل في الشر، والذم كما هنا، ويستعمل بفتح اللام في الخير والمدح، فيقال: خلف صدق وخلف سوء، واختلف في المراد هنا، فقيل: هم اليهود، والنصارى الذين حرفوا، وزيفوا شرائع الأنبياء، بل وقتلوا كثيرا منهم، وأهملوا عبادة الله من صلاة وغيرها. وقيل: هم في هذه الأمة، ولا ريب بأن كل من لم يسر على طريقة آبائه الصالحين، فهو خلف سوء. هذا؛ والخلف: القرن، أو الجيل الذي يأتي بعد ما قبله. قال تعالى في الآية رقم [١٦٩] من سورة (الأعراف): ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ..﴾. إلخ وقال البيضاوي: ﴿فَخَلَفَ﴾ مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد، وعلى الجمع. هذا؛ وخذ قول لبيد-﵁: [الكامل] ذهب الذين يعاش في أكنافهم... وبقيت في خلف كجلد الأجرب وقال النبي ﷺ : «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله». وقد يتعاوضان فيستعمل مفتوح اللام في الشر، ويستعمل ساكن اللام في الخير. قال حسان بن ثابت-﵁-مستعملا ساكن اللام في الخير يخاطب النبي ﷺ : [الطويل] لنا القدم الأولى إليك وخلفنا... لأوّلنا في طاعة الله تابع وقال آخر مستعملا مفتوح اللام في الشر: [الرجز] إنّا وجدنا خلفا بئس الخلف... أغلق عنّا بابه ثمّ حلف لا يدخل البوّاب إلاّ من عرف... عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف هذا؛ وقال اللحياني: الخلف-بفتحتين-: الولد الصالح. والخلف-بفتح فسكون-: الولد الرديء. ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ:﴾ جحدوها، أو أهملوها، أو أخروها عن وقتها، أو صلّوها غير صحيحة بإهمال شيء من شروطها، وأركانها، وواجباتها، وقد قال الرسول ﷺ للرجل المسيء صلاته: «ارجع فصل، فإنك لم تصل، ثلاث مرات». أخرجه مسلم عن أبي هريرة-﵁. قال

стр. 3464

حذيفة-﵁-لرجل يصلي، ولم يتم صلاته: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين عاما. قال: ما صليت، ولو متّ وأنت تصلي هذه الصلاة؛ لمت على غير فطرة محمد ﷺ . ثم قال: إن الرجل ليخفف الصلاة، ويتم، ويحسن. وقال ﷺ : «تلك الصلاة صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشّيطان؛ قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلاّ قليلا». وباختصار: فقد وردت أحاديث كثيرة تشدد النكير على الذي لا يحسن صلاته، أكتفي بما يلي: فعن أنس بن مالك-﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى الصّلوات لوقتها، وأسبغ لها وضوءها، وأتمّ لها قيامها وخشوعها، وركوعها، وسجودها؛ خرجت، وهي بيضاء مسفرة، تقول: حفظك الله كما حفظتني! ومن صلاّها لغير وقتها، ولم يسبغ لها وضوءها، ولم يتمّ لها خشوعها، ولا ركوعها، ولا سجودها؛ خرجت، وهي سوداء مظلمة، تقول: ضيّعك الله كما ضيّعتني، حتى إذا كانت حيث شاء الله لفّت كما يلفّ الثوب الخلق، ثمّ ضرب بها وجهه». رواه الطبراني في الأوسط. وانظر معنى الصلاة لغة وشرعا في الآية رقم [٣٠]. ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ:﴾ كشرب الخمور والزنى وسلب الأموال، والتلذذ بالفواحش، والمنكرات والانهماك في المعاصي، والسيئات، وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: من بناء المشيّد، وركوب المنظور، ولبس المشهور. ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا:﴾ قال ابن عباس-﵄ الغي: واد في جهنم، وإن، أودية جهنم لتستعيذ من حره، أعده الله تعالى للزاني المصر عليه، ولشارب الخمر المدمن له، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور. وقال كعب: (غي): واد في جهنم أبعدها قعرا، وأشدها حرا، فيه بئر يسمى البهيم، كلما خبت جهنم فتح الله تعالى تلك البئر، فتسعر بها جهنم. هذا؛ و (الغي): الشر، والضلال، والخيبة. هذا؛ وكل شر عند العرب غي، وكل خير رشاد. قال المرقش الأصغر: [الطويل] فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما هذا؛ وأصل ﴿غَيًّا:﴾ غويا، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. الإعراب: ﴿فَخَلَفَ:﴾ ماض. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: (خلف)، كان صفة له... إلخ على نحو ما رأيت في الآية رقم [٤] والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَخَلَفَ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية: ﴿(فَخَلَفَ...)﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿فَخَلَفَ﴾ وجملة: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع صفة مثلها. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: هي الفصيحة، التقدير: إن شئت أن تعلم عاقبتهم؛ فسوف. (سوف): حرف تسويف واستقبال. ﴿يَلْقَوْنَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿غَيًّا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَسَوْفَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل جزم جواب الشرط المقدر ب: «إن».

стр. 3465

﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠)﴾ الشرح: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾ أي: من تضييع الصلوات، واتباع الشهوات. ﴿وَآمَنَ﴾ أي: بالله، ورسله، وملائكته، وكتبه... إلخ، وذلك بعد الجحود والإنكار، والكفر والضلال. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ أي: الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. ﴿فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ أي: تكريما لهم، وجزاء على إيمانهم، وأعمالهم الصالحة. ﴿وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ أي: بزيادة شيء من سيئاتهم، أو نقص شيء من حسناتهم. هذا؛ ولا تنس: أن التوبة وحدها بدون إيمان، وعمل صالح لا تجدي شيئا، وأن التوبة، والإيمان بدون عمل صالح لا يغنيان فتيلا. فإذا فالثلاثة مرتبطة ببعضها، وكل واحد من الثلاثة مقرون بالآخرين، ومشروط قبوله، ونفعه بوجودهما، وهذا ما يسمى في علم البلاغة: الاحتراس، وقد نبهتك عليه كثيرا، ومثله في الآية رقم [٨٢] من سورة (طه) ﷺ . وفي الآيتين دليل على أنّ الإيمان الصحيح، المقرون بالتوبة النصوح، والعمل الصالح يجبّ ما قبله. وانظر تبديل سيئات التائبين بحسنات في الآية رقم [٧٠] من سورة (الفرقان). الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع إن كان المراد في الآية السابقة الكفار، والمتصل، إن كان المراد المؤمنين من هذه الأمة. ﴿تابَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَآمَنَ﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. وأيضا: ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ معطوفة عليها، لا محل لها، وهذا الإعراب يجعل الجملة الاسمية الآتية، غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع أنها مرتبطة به معنى، لذا فالوجه اعتبار: ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، والفاء زائدة في خبره لتحسين اللفظ؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يَدْخُلُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت إلخ، والواو فاعله. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به. وانظر إعراب: ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ:﴾ في الآية رقم [١٠٤] سورة (الإسراء) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿إِلاّ مَنْ..﴾. إلخ مستثنى من مضمون الكلام السابق، والاستثناء متصل، أو منقطع حسبما رأيت، ومثل هذه الآية في الإعراب الآية رقم [١٦٠] من سورة (البقرة)، ولا تنس: أنه روعي لفظ ﴿مَنْ﴾ في إرجاع الفاعل إليها، وروعي معناها في لفظ الإشارة، ورجوع الفاعل بعد الإشارة إليها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به ثان، أو هو نائب مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. وقيل: معترضة بين البدل، والمبدل منه.

стр. 3466

﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)﴾ الشرح: ﴿جَنّاتِ:﴾ جمع: جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسميت الجنة بذلك؛ لأنها تجن؛ أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها، وكثافتها. وانظر أسماء الجنات في الآية رقم [٢٥] من سورة (يونس) ﵇، ومعنى ﴿عَدْنٍ:﴾ إقامة وخلود يقال: عدن بالمكان: إذا أقام به، ومنه: المعدن أي: الموجود في باطن الأرض. وقال النبي ﷺ : «عدن دار الله، التي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلاّ ثلاثة: النّبيّون والصّدّيقون والشهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك». رواه الطبراني عن أبي الدرداء-﵁. ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ:﴾ المؤمنين المطيعين. والإضافة للتشريف، والتكريم. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ وعدها إياهم، وهي غائبة عنهم غير حاضرة، فصدّقوا بها، وعملوا الصالحات في الدنيا، وجدّوا، واجتهدوا في العمل للحصول عليها. وانظر شرح (الغيب) في الآية رقم [٢٦] من سورة (الكهف). ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ أي: لا خلف فيه، ومن أوفى بعهده من الله. وانظر الوعد في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد). هذا؛ وانظر ما ذكرته في كان في الآية رقم [٣] من سورة (الإسراء)، و ﴿مَأْتِيًّا:﴾ اسم مفعول أصله مأتويا، انظر إعلال مثله في الآية رقم [٢٠] وقيل: هو مفعول بمعنى: فاعل، وهو الأصح. الإعراب: ﴿جَنّاتِ:﴾ بدل من ﴿الْجَنَّةَ﴾ بدل الاشتمال، أو مفعول به لفعل محذوف، تقديره أعني، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، ويقرأ برفعه على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، و ﴿جَنّاتِ:﴾ مضاف، و ﴿عَدْنٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب، أو في محل رفع صفة ﴿جَنّاتِ﴾ وساغ ذلك لأن ﴿عَدْنٍ﴾ علم، فتعرف به المضاف، ﴿وَعَدَ:﴾ ماض، ومفعوله الأول، وهو العائد محذوف. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله. ﴿عِبادَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿عِبادَهُ﴾ وأجيز تعليقهما بالفعل ﴿وَعَدَ﴾ وجملة: ﴿وَعَدَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهذا الضمير يحتمل عوده على ﴿الرَّحْمنُ﴾ والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن؛ لأنه مقام تعظيم وتفخيم، وعلى الأول: يجوز أن يكون في ﴿كانَ﴾ ضمير هو اسمها يعود على ﴿الرَّحْمنُ﴾ ووعده بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال، ويجوز أن لا يكون فيها ضمير، بل اسمها ﴿وَعْدُهُ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، و ﴿مَأْتِيًّا﴾ خبرها على الاعتبارين، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها، وهي مقوية لوعد الله تعالى، ومؤكدة له، والجملة الاسمية: «هي جنات عدن» المقدرة على قراءة الرفع مستأنفة، لا محل لها.

стр. 3467

﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ الشرح: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً﴾ أي: في الجنة، واللغو: هو الباطل من الكلام، والذي لا ينتفع به، ومنه قول الرسول ﷺ الذي رواه عنه أبو هريرة-﵁: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة، والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت». وقال ابن عباس-﵄: اللغو: كل ما لم يكن فيه ذكر الله تعالى. ﴿إِلاّ سَلاماً﴾ أي: ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب، والنقيصة. أو إلا تسليم الملائكة عليهم، أو إلا تسليم بعضهم على بعض (على الاستثناء المنقطع) وما أحراك أن تنظر قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (يونس) ﵇. وأيضا في الآية رقم [٢٣] من سورة (إبراهيم) ﵇. وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد). هذا؛ وقيل: إن ﴿سَلاماً﴾ مستثنى من صفة ذم منفية، فهو تأكيد المدح بما يشبه الذم على حد قوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وقال النابغة الذبياني: [الطويل] ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب ﴿وَلَهُمْ﴾ أي: للذين تابوا، وآمنوا، وعملوا الصالحات. ﴿رِزْقُهُمْ﴾ أي: ما يشتهون من المطاعم، والمشارب. ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا:﴾ قال أهل التفسير: ليس في الجنة ليل، ولا نهار حتى يعرف به البكرة، والعشي، بل هم في نور أبدا، ولكنهم يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار. كعادتهم في الدنيا. وقيل: إنّهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب، وفتح الأبواب، ووقت الليل بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب. ذكره أبو الفرج ابن الجوزي، والمهدوي، وغيرهما. هذا؛ والمراد: بذكر البكرة والعشي: دوام الرزق، ودروره، لا أنهم ممنوعون من الرزق في غير هذين الوقتين المقدرين في الجنة. وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن، وأبي قلابة قالا: قال رجل: يا رسول الله! هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيّجك على هذا؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقلت: الليل بين البكرة، والعشي. فقال رسول الله ﷺ : «ليس هناك ليل، إنّما هو ضوء ونور، يردّ الغدوّ على الرّواح، والرواح على الغدوّ، وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصّلاة، التي كانوا يصلون فيها في الدّنيا، وتسلّم عليهم الملائكة». وهذا في غاية البيان لمعنى الآية. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وانظر شرح «الغداة والعشي» في الآية رقم [٢٨] من سورة (الكهف). الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَغْواً:﴾ مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿سَلاماً:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾.

стр. 3468

وانظر الشرح وقيل: بدل من ﴿لَغْواً﴾ وهو ضعيف، وجملة: ﴿لا يَسْمَعُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من ﴿عِبادَهُ﴾ والمعنى يؤيده وقيل: حال من ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ والمعنى لا يؤيده. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِزْقُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالمصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه ﴿بُكْرَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالمصدر أيضا. ﴿وَعَشِيًّا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة وهو أقوى من اعتبارها مستأنفة. ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ الشرح: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ أي: الموصوفة بما ذكر. والخطاب للنبي ﷺ ، ولكل مؤمن عاقل. ﴿الَّتِي نُورِثُ مِنْ..﴾. إلخ: ندخرها لهم، ونكرمهم بها جزاء لهم، ومكافأة على تقواهم، كما نورث الوارث مال مورثه، والميراث أقوى لفظ يستعمل في التمليك، والاستحقاق، من حيث إنه لا يعقب بفسخ، ولا استرجاع بإقالة، ونحوها، ولا يبطل بردّ، ولا إسقاط، فهو من باب التشبيه التمثيلي البليغ. وقيل: يرى المتقون من الجنة المساكن، والمنازل التي كانت لأهل النار لو آمنوا، وعملوا الصالحات، وذلك زيادة في كرامة المتقين. هذا؛ والإضافة إضافة تشريف. وانظر (نا) في الآية رقم [٤٩] وانظر (التقوى) في الآية رقم [٢] من سورة (النحل). الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْجَنَّةُ:﴾ خبره. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿الْجَنَّةُ﴾. ﴿نُورِثُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» ومفعوله الأول: محذوف، وهو عائد الموصول. ﴿مِنْ عِبادِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما ب: ﴿تَقِيًّا﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿مِنْ﴾ وهو العائد. ﴿تَقِيًّا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها، وجملة: ﴿نُورِثُ..﴾. إلخ صلة ﴿الَّتِي﴾. ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ الشرح: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ..﴾. إلخ: هذه الآية حكاية قول جبريل ﵊ حين استبطأه رسول الله ﷺ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح، ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما. وقيل: أربعين؛ حتى قال

стр. 3469

المشركون: ودّعه ربه، وقلاه، ثم نزل ببيان ذلك، فقال ﷺ : أبطأت علي يا أخي حتى ساء ظني، واشتقت إليك! فقال جبريل ﵊: «إني كنت أشوق إليك، ولكني عبد مأمور؛ إذا بعثت؛ نزلت، وإذا حبست؛ احتبست». وما أحراك أن تنظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الكهف). ﴿لَهُ﴾ أي: لربك. ﴿ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ أي: علم ما بين أيدينا. ﴿وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ:﴾ قال ابن عباس، وابن جريج: ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، وما يكون بعدنا من أمرها وأمر الآخرة، وما بين ذلك من البرزخ. وقال قتادة، ومقاتل: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ من أمر الآخرة، ﴿وَما خَلْفَنا﴾ أي: ما مضى من الدنيا، وما بين ذلك؛ أي: ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقال البيضاوي: أي: وهو ما نحن فيه من الأماكن، والأحايين، لا ننتقل من مكان إلى مكان، أو لا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمر الله، ومشيئته. وانظر الآية [١١٠] من سورة (طه). ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا:﴾ تاركا لك؛ أي: ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك، وتوديعه إياك، كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة رآها فيه. هذا؛ وقيل: إن الآية حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، والمعنى: وما ننزل الجنة إلا بأمر الله، ولطفه، وهو مالك الأمور كلها السالفة، والمترقبة، والحاضرة، فما وجدناه وما نجده من لطفه، وفضله. ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا:﴾ تقرير من الله لقولهم؛ أي: وما كان ربك ناسيا لأعمال العاملين، وما وعدهم من الثواب عليها. انتهى. بيضاوي، وعلى هذا القول فالآية متصلة بما قبلها، ومرتبطة بها، وعلى ما تقدم تكون غير متصلة بما قبلها، وشأنها مع اللاحقة لها كشأنها مع السابقة من الارتباط بها، وعدمه. تأمّل، وتدبر. بعد هذا انظر شرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء)، وشرح: ﴿بَيْنَ﴾ في الآية رقم [٤٥] منها أيضا وانظر شرح (النسيان) في الآية رقم [٢٤] من سورة (الكهف)، هذا بالإضافة لما ذكرته في تفسير ﴿أَيْدِينا﴾ أقول: ف: (اليد) تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق، ويراد بها القدرة، والقوة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كما تطلق على النعمة والمعروف، يقال: لفلان يد عندي؛ أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يدلي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نَتَنَزَّلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»: ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِأَمْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، و (أمر): مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان

стр. 3470

متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِينا:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَما خَلْفَنا:﴾ معطوف على ما قبله، فهو مثله في الإعراب. وأيضا: ﴿وَما بَيْنَ﴾ معطوف عليه أيضا، و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ ما بَيْنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿رَبِّكَ﴾ والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿رَبِّكَ:﴾ اسم كان... إلخ. ﴿نَسِيًّا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاِصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ الشرح: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ أي: ربهما، وخالقهما، وخالق ما بينهما، ومالكهما، ومالك ما بينهما، فكما إليه تدبير الأزمان؛ كذلك إليه تدبير الأعيان، ومن كان كذلك فيمتنع عليه النسيان قطعا، وفي ذلك دليل واضح على أنّ أفعال العبد مفعولة لله تعالى، كما يقوله أهل السنّة والجماعة، وهو القول الحق الذي لا ريب فيه، خلافا للمعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعاله الاختيارية. ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ:﴾ هذا خطاب للرسول ﷺ مرتب عليه: أنه لمّا عرفت ربك كما ذكر، وعرفت: أنه لن ينساك؛ فأقبل على عبادته، واصطبر عليها، ولا تتشوش بإبطاء الوحي، ولا تكترث بهزء الكافرين. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ﴾ أي: لله. ﴿سَمِيًّا﴾ أي: مثلا، ونظيرا يستحق أن يسمى إلها، أو أحدا يسمى الله، أو الرحمن، فإن المشركين وإن سموا الصنم إلها، فلم يسموه الله، أو الرحمن، وذلك لظهور أحديّته، وتعالي ذاته عن المماثلة، بحيث لم يقبل اللبس والمكابرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الآية رقم [١] من سورة (الكهف). الإعراب: ﴿رَبُّ:﴾ بدل من ﴿رَبِّكَ﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: هو رب، وذلك على القطع، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار مستأنفة، لا محل لها، و (رب): مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على لفظ ﴿السَّماواتِ﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فَاعْبُدْهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٥] (اعبده): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا فاعبده، والشرط المقدر ومدخوله
следующие страницы →