Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)﴾
الشرح: ﴿جَنّاتِ:﴾ جمع: جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسميت الجنة بذلك؛ لأنها تجن؛ أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها، وكثافتها. وانظر أسماء الجنات في الآية رقم [٢٥] من سورة (يونس) ﵇، ومعنى ﴿عَدْنٍ:﴾ إقامة وخلود يقال: عدن بالمكان:
إذا أقام به، ومنه: المعدن أي: الموجود في باطن الأرض. وقال النبي ﷺ : «عدن دار الله، التي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلاّ ثلاثة: النّبيّون والصّدّيقون والشهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك». رواه الطبراني عن أبي الدرداء-﵁.
﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ:﴾ المؤمنين المطيعين. والإضافة للتشريف، والتكريم. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾
وعدها إياهم، وهي غائبة عنهم غير حاضرة، فصدّقوا بها، وعملوا الصالحات في الدنيا، وجدّوا، واجتهدوا في العمل للحصول عليها.
وانظر شرح (الغيب) في الآية رقم [٢٦] من سورة (الكهف). ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ أي:
لا خلف فيه، ومن أوفى بعهده من الله. وانظر الوعد في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد).
هذا؛ وانظر ما ذكرته في كان في الآية رقم [٣] من سورة (الإسراء)، و ﴿مَأْتِيًّا:﴾ اسم مفعول أصله مأتويا، انظر إعلال مثله في الآية رقم [٢٠] وقيل: هو مفعول بمعنى: فاعل، وهو الأصح.
الإعراب: ﴿جَنّاتِ:﴾ بدل من ﴿الْجَنَّةَ﴾ بدل الاشتمال، أو مفعول به لفعل محذوف، تقديره أعني، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، ويقرأ برفعه على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، و ﴿جَنّاتِ:﴾ مضاف، و ﴿عَدْنٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب، أو في محل رفع صفة ﴿جَنّاتِ﴾ وساغ ذلك لأن ﴿عَدْنٍ﴾ علم، فتعرف به المضاف، ﴿وَعَدَ:﴾ ماض، ومفعوله الأول، وهو العائد محذوف. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله.
﴿عِبادَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿عِبادَهُ﴾ وأجيز تعليقهما بالفعل ﴿وَعَدَ﴾ وجملة: ﴿وَعَدَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها.
﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهذا الضمير يحتمل عوده على ﴿الرَّحْمنُ﴾ والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن؛ لأنه مقام تعظيم وتفخيم، وعلى الأول: يجوز أن يكون في ﴿كانَ﴾ ضمير هو اسمها يعود على ﴿الرَّحْمنُ﴾ ووعده بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال، ويجوز أن لا يكون فيها ضمير، بل اسمها ﴿وَعْدُهُ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، و ﴿مَأْتِيًّا﴾ خبرها على الاعتبارين، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها، وهي مقوية لوعد الله تعالى، ومؤكدة له، والجملة الاسمية:
«هي جنات عدن» المقدرة على قراءة الرفع مستأنفة، لا محل لها.
стр. 3467
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾
الشرح: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً﴾ أي: في الجنة، واللغو: هو الباطل من الكلام، والذي لا ينتفع به، ومنه قول الرسول ﷺ الذي رواه عنه أبو هريرة-﵁: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة، والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت». وقال ابن عباس-﵄: اللغو: كل ما لم يكن فيه ذكر الله تعالى. ﴿إِلاّ سَلاماً﴾ أي: ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب، والنقيصة. أو إلا تسليم الملائكة عليهم، أو إلا تسليم بعضهم على بعض (على الاستثناء المنقطع) وما أحراك أن تنظر قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (يونس) ﵇. وأيضا في الآية رقم [٢٣] من سورة (إبراهيم) ﵇. وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد). هذا؛ وقيل: إن ﴿سَلاماً﴾ مستثنى من صفة ذم منفية، فهو تأكيد المدح بما يشبه الذم على حد قوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وقال النابغة الذبياني: [الطويل]
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب
﴿وَلَهُمْ﴾ أي: للذين تابوا، وآمنوا، وعملوا الصالحات. ﴿رِزْقُهُمْ﴾ أي: ما يشتهون من المطاعم، والمشارب. ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا:﴾ قال أهل التفسير: ليس في الجنة ليل، ولا نهار حتى يعرف به البكرة، والعشي، بل هم في نور أبدا، ولكنهم يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار. كعادتهم في الدنيا. وقيل: إنّهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب، وفتح الأبواب، ووقت الليل بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب. ذكره أبو الفرج ابن الجوزي، والمهدوي، وغيرهما. هذا؛ والمراد: بذكر البكرة والعشي: دوام الرزق، ودروره، لا أنهم ممنوعون من الرزق في غير هذين الوقتين المقدرين في الجنة.
وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن، وأبي قلابة قالا:
قال رجل: يا رسول الله! هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيّجك على هذا؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقلت: الليل بين البكرة، والعشي. فقال رسول الله ﷺ : «ليس هناك ليل، إنّما هو ضوء ونور، يردّ الغدوّ على الرّواح، والرواح على الغدوّ، وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصّلاة، التي كانوا يصلون فيها في الدّنيا، وتسلّم عليهم الملائكة». وهذا في غاية البيان لمعنى الآية. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وانظر شرح «الغداة والعشي» في الآية رقم [٢٨] من سورة (الكهف).
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿فِيها:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿لَغْواً:﴾ مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿سَلاماً:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾.
стр. 3468
وانظر الشرح وقيل: بدل من ﴿لَغْواً﴾ وهو ضعيف، وجملة: ﴿لا يَسْمَعُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من ﴿عِبادَهُ﴾ والمعنى يؤيده وقيل: حال من ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ والمعنى لا يؤيده.
﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِزْقُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالمصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه ﴿بُكْرَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالمصدر أيضا.
﴿وَعَشِيًّا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة وهو أقوى من اعتبارها مستأنفة.
﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾
الشرح: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ أي: الموصوفة بما ذكر. والخطاب للنبي ﷺ ، ولكل مؤمن عاقل.
﴿الَّتِي نُورِثُ مِنْ..﴾. إلخ: ندخرها لهم، ونكرمهم بها جزاء لهم، ومكافأة على تقواهم، كما نورث الوارث مال مورثه، والميراث أقوى لفظ يستعمل في التمليك، والاستحقاق، من حيث إنه لا يعقب بفسخ، ولا استرجاع بإقالة، ونحوها، ولا يبطل بردّ، ولا إسقاط، فهو من باب التشبيه التمثيلي البليغ. وقيل: يرى المتقون من الجنة المساكن، والمنازل التي كانت لأهل النار لو آمنوا، وعملوا الصالحات، وذلك زيادة في كرامة المتقين. هذا؛ والإضافة إضافة تشريف.
وانظر (نا) في الآية رقم [٤٩] وانظر (التقوى) في الآية رقم [٢] من سورة (النحل).
الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْجَنَّةُ:﴾ خبره. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿الْجَنَّةُ﴾. ﴿نُورِثُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره:
«نحن» ومفعوله الأول: محذوف، وهو عائد الموصول. ﴿مِنْ عِبادِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما ب: ﴿تَقِيًّا﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿مِنْ﴾ وهو العائد. ﴿تَقِيًّا:﴾
خبر ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها، وجملة: ﴿نُورِثُ..﴾. إلخ صلة ﴿الَّتِي﴾.
﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾
الشرح: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ..﴾. إلخ: هذه الآية حكاية قول جبريل ﵊ حين استبطأه رسول الله ﷺ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح، ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما. وقيل: أربعين؛ حتى قال
стр. 3469
المشركون: ودّعه ربه، وقلاه، ثم نزل ببيان ذلك، فقال ﷺ : أبطأت علي يا أخي حتى ساء ظني، واشتقت إليك! فقال جبريل ﵊: «إني كنت أشوق إليك، ولكني عبد مأمور؛ إذا بعثت؛ نزلت، وإذا حبست؛ احتبست». وما أحراك أن تنظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الكهف).
﴿لَهُ﴾ أي: لربك. ﴿ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ أي: علم ما بين أيدينا. ﴿وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ:﴾
قال ابن عباس، وابن جريج: ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، وما يكون بعدنا من أمرها وأمر الآخرة، وما بين ذلك من البرزخ. وقال قتادة، ومقاتل: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ من أمر الآخرة، ﴿وَما خَلْفَنا﴾ أي: ما مضى من الدنيا، وما بين ذلك؛ أي: ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة.
وقال البيضاوي: أي: وهو ما نحن فيه من الأماكن، والأحايين، لا ننتقل من مكان إلى مكان، أو لا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمر الله، ومشيئته. وانظر الآية [١١٠] من سورة (طه).
﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا:﴾ تاركا لك؛ أي: ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك، وتوديعه إياك، كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة رآها فيه.
هذا؛ وقيل: إن الآية حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، والمعنى: وما ننزل الجنة إلا بأمر الله، ولطفه، وهو مالك الأمور كلها السالفة، والمترقبة، والحاضرة، فما وجدناه وما نجده من لطفه، وفضله. ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا:﴾ تقرير من الله لقولهم؛ أي: وما كان ربك ناسيا لأعمال العاملين، وما وعدهم من الثواب عليها. انتهى. بيضاوي، وعلى هذا القول فالآية متصلة بما قبلها، ومرتبطة بها، وعلى ما تقدم تكون غير متصلة بما قبلها، وشأنها مع اللاحقة لها كشأنها مع السابقة من الارتباط بها، وعدمه. تأمّل، وتدبر.
بعد هذا انظر شرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء)، وشرح: ﴿بَيْنَ﴾ في الآية رقم [٤٥] منها أيضا وانظر شرح (النسيان) في الآية رقم [٢٤] من سورة (الكهف)، هذا بالإضافة لما ذكرته في تفسير ﴿أَيْدِينا﴾ أقول: ف: (اليد) تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق، ويراد بها القدرة، والقوة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كما تطلق على النعمة والمعروف، يقال: لفلان يد عندي؛ أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يدلي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نَتَنَزَّلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»: ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِأَمْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، و (أمر): مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان
стр. 3470
متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِينا:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَما خَلْفَنا:﴾ معطوف على ما قبله، فهو مثله في الإعراب. وأيضا: ﴿وَما بَيْنَ﴾ معطوف عليه أيضا، و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ ما بَيْنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿رَبِّكَ﴾ والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿ما:﴾
نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿رَبِّكَ:﴾ اسم كان... إلخ. ﴿نَسِيًّا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاِصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾
الشرح: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ أي: ربهما، وخالقهما، وخالق ما بينهما، ومالكهما، ومالك ما بينهما، فكما إليه تدبير الأزمان؛ كذلك إليه تدبير الأعيان، ومن كان كذلك فيمتنع عليه النسيان قطعا، وفي ذلك دليل واضح على أنّ أفعال العبد مفعولة لله تعالى، كما يقوله أهل السنّة والجماعة، وهو القول الحق الذي لا ريب فيه، خلافا للمعتزلة الذين يقولون:
إن العبد يخلق أفعاله الاختيارية.
﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ:﴾ هذا خطاب للرسول ﷺ مرتب عليه: أنه لمّا عرفت ربك كما ذكر، وعرفت: أنه لن ينساك؛ فأقبل على عبادته، واصطبر عليها، ولا تتشوش بإبطاء الوحي، ولا تكترث بهزء الكافرين. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ﴾ أي: لله. ﴿سَمِيًّا﴾ أي: مثلا، ونظيرا يستحق أن يسمى إلها، أو أحدا يسمى الله، أو الرحمن، فإن المشركين وإن سموا الصنم إلها، فلم يسموه الله، أو الرحمن، وذلك لظهور أحديّته، وتعالي ذاته عن المماثلة، بحيث لم يقبل اللبس والمكابرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الآية رقم [١] من سورة (الكهف).
الإعراب: ﴿رَبُّ:﴾ بدل من ﴿رَبِّكَ﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: هو رب، وذلك على القطع، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار مستأنفة، لا محل لها، و (رب): مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على لفظ ﴿السَّماواتِ﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فَاعْبُدْهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٥] (اعبده): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا فاعبده، والشرط المقدر ومدخوله
стр. 3471
كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَاصْطَبِرْ:﴾ أمر، وفاعله: أنت، وأصل الفعل: «اصتبر» فثقل الجمع بين الصاد والتاء لاختلافهما، فأبدل من التاء طاء، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وهناك من يجيز اعتبار: ﴿رَبُّ﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ﴾ في محل رفع خبره، وهذا على رأي: الأخفش الذي يجيز زيادة الفاء في الخبر، ولنا كلام طويل على مثل ذلك في الآية رقم [٤١] من سورة (المائدة)، والآية رقم [١٥] من سورة (النساء)، وسأعيده في الآية رقم [٢] من سورة (النور) إن شاء الله تعالى. ﴿لِعِبادَتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، ﴿تَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُ:﴾
متعلقان بما بعدهما. ﴿سَمِيًّا:﴾ مفعول به. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾
الشرح: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ:﴾ المراد به: جنس الإنسان بأسره، فإن المقول مقول فيما بينهم، وإن لم يقله كلهم، كقولك: بنو فلان قتلوا فلانا، والقاتل واحد منهم، والمراد: الكفار الذين ينكرون الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، أو المراد به أبيّ بن خلف الجمحي، وكان منكرا للبعث، وجد عظما باليا فتته بيده، وجاء به إلى النبي ﷺ . وقال له: يا محمد أبعث أنا بعد أن أصير عظما باليا، كما صرحت به آية سورة (يس). ﴿أَإِذا ما مِتُّ﴾ أي: وصرت عظما باليا.
﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا:﴾ قاله استهزاء، واستنكارا، فكأنه قال: أحقا أنّا سنخرج من القبور حين يتمكن فينا الموت، والهلاك؟! هذا؛ وقرئ بدون همزة الاستفهام كما قرئ: «(أخرج)» بالبناء للمعلوم. وانظر شرح: ﴿الْإِنْسانُ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الإسراء).
الإعراب: ﴿وَيَقُولُ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(يَقُولُ الْإِنْسانُ):﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَإِذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف زمان متعلق بفعل محذوف يدل عليه ﴿أُخْرَجُ﴾ الآتي، ولا يتعلق به؛ لأن ما بعد لام التوكيد لا يعمل فيما قبلها. وقال الجلال: اللام زائدة، وعليه يصح التعليق بالفعل بعدها، هذا؛ واعتبرها ابن هشام واقعة في جواب قسم محذوف، وعلق (إذا) بالفعل ﴿أُخْرَجُ﴾. وقال: وإنما جاز تقديم الظرف على لام القسم، لتوسعهم في الظرف، وأورد قول الأعشى، وهو الشاهد رقم [٢٦٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
رضيعي لبان ثدي أمّ تحالفا... بأسحم داج عوض لا نتفرّق
أي: لا نتفرق أبدا، و «لا» النافية لها الصدر في جواب القسم. انتهى. مغني. ثم قال:
وقيل: العامل محذوف؛ أي: أإذا ما مت أبعث لسوف أخرج. ﴿ما:﴾ صلة. ﴿مِتُّ:﴾ فعل، وفاعل، وهو في المعنى والحقيقة فعل ونائب فاعله؛ لأن الإنسان لا يموت بنفسه، والجملة
стр. 3472
الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿لَسَوْفَ:﴾ اللام: هي لام الابتداء مفيدة للتوكيد.
(سوف): حرف استقبال صرفته اللام للحال. ﴿أُخْرَجُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، أو للمعلوم حسب ما رأيت، والفاعل، أو ونائبه مستتر تقديره: «أنا». ﴿حَيًّا:﴾ حال من الفاعل، أو من نائبه، والكلام كله في محل نصب مقول القول.
﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧)﴾
الشرح: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ﴾ أي: الذي ينكر الحشر، والنشر، بمعنى: أولا يتنبه، ويعلم علم اليقين؟! ويقرأ: «(يذّكّر)» بتشديد الذال، والكاف بمعنى: يتفكر، ويتدبر. ﴿أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل الحالة التي هو فيها. ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئاً:﴾ بل كان شيئا معدوما. والمعنى للآية:
أيقول ذلك الإنسان الكافر المنكر للإعادة بعد الموت، ولا يتذكر حال النشأة الأولى؛ حتى لا ينكر النشأة الأخرى؟ فإن تلك أدل على قدرة الخالق حيث أخرج الجواهر، والأعراض من العدم إلى الوجود، وأما الثانية فليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة وردها إلى ما كانت عليه مجموعة بعد التفريق. انتهى. نسفي بتصرف.
الإعراب: ﴿أَوَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الواو: حرف عطف. (لا):
نافية. ﴿يَذْكُرُ﴾ معطوف على (يقول). وقيل: معطوف على محذوف بعد الهمزة، التقدير:
أيقول، ولا يذكر. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿خَلَقْناهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، واسمه يعود إلى الإنسان. ﴿شَيْئاً:﴾ خبر ﴿يَكُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾
الشرح: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ﴾ أي: يحشر الله الكافرين مقرنين مع شياطينهم الذين أضلوهم، كل كافر يحشر مع شيطانه مقرونين في سلسلة واحدة، كقوله تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ هذا؛ وإن كان الحشر للناس أجمعين مؤمنهم، وكافرهم، فإن المراد من الآية قرن الكافرين مع شياطينهم كما رأيت. هذا؛ وقال الجمل: فائدة القسم أمران: أحدهما أن العادة جارية بتأكيد الخبر في اليمين. والثاني: أن في إقسام الله تعالى باسمه مضافا إلى
стр. 3473
رسول الله ﷺ رفعا منه لشأنه، كما رفع من شأن السماء، والأرض في قوله: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. انتهى. نقلا من كرخي. هذا؛ والمراد: من إضافته إلى الرسول إضافته إلى الكاف المخاطب بها ﷺ .
﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ أي: باركين على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع لشدة ما هم فيه، لا يقدرون على القيام. وقيل: جاثين على الركب لضيق المكان. وقيل: إن البارك على ركبتيه صورته كصورة الذليل، قال تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ فقد وصفوا بالجثوّ على العادة المعهودة في مواقف المقالات، أو؛ لأنه من توابع التوافق للحساب قبل التواصل إلى الثواب، والعقاب.
وإنما لم يفرق بينهم في المحشر، وأحضروا جميعا حول جهنم، وأورد السعداء النار، كما، أوردها الكفار، ليشاهد السعداء الأهوال التي نجاهم الله، وخلصهم منها، فيزدادوا سرورا إلى سرورهم، ويشمتوا بأعداء الله وأعدائهم، وتزداد حسرة الكافرين، ويشتد غيظهم من سعادة المؤمنين، وشماتتهم بهم. هذا؛ ويقرأ ﴿جِثِيًّا﴾ بكسر الجيم وفتحها، وعلى ما تقدم من الشرح فهو جمع: جاث، وأصله: جثوو، أو جثوي، فالأول: بواوين قلبت الواو الثانية ياء، ثم الأولى كذلك، وأدغمت الياء في الياء، والثاني: قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وعلى الوجهين كسرت الثاء لتصح الياء. وقال ابن عباس-﵄: ﴿جِثِيًّا﴾ أي: جماعات. وقال مقاتل: جمعا جمعا، وهو على هذا التأويل جمع: جثوة بتثليث الجيم ثلاث لغات، وهي في الأصل الحجارة المجموعة، والتراب المجموع، فأهل الخمر على حدة، وأهل الزنى على حدة، وهكذا. قال طرفة بن العبد البكري في معلقته: [الطويل]
ترى جثوتين من تراب عليهما... صفائح صمّ من صفيح منضّد
الإعراب: ﴿فَوَ رَبِّكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (وربك): متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره:
«نحن»، والهاء مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، واللام واقعة في جواب القسم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.
﴿وَالشَّياطِينَ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، أو هو مفعول معه، والواو بمعنى: مع، ورجح هذا على الأول. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ:﴾ هو مثل سابقه في إعرابه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿حَوْلَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿حَوْلَ:﴾ مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿جِثِيًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب. وقيل: هو مفعول مطلق، وليس بشيء.
стр. 3474
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ:﴾ لنخرجن ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: من كل أمة، وأهل دين من الكفار.
﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا:﴾ قال ابن عباس-﵄: يعني: جرأة. وقيل: فجورا، وتمردا. وقيل: قائدهم ورئيسهم في الشرك، والمعنى: أنه يقدّم في إدخال النار الأعتى، فالأعتى، ممن هو أكبر جرما، وأشد كفرا. وفي بعض الأخبار: أنهم يحضرون حول جهنم مسلسلين ومغلولين، ثم يقدم إلى جهنم الأكفر فالأكفر، فمن كان منهم أشد تمردا في كفره خص بعذاب أعظم، وأشد؛ لأن عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب الضال التابع لغيره في الضلال.
وفائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم ما يلي. انتهى. خازن. وانظر شرح: ﴿عِتِيًّا﴾ وإعلاله في الآية رقم [٨]، وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (النحل). وانظر شرح ﴿شِيَعِ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (الحجر)، فإنه جيد.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَنَنْزِعَنَّ:﴾ إعراب هذا الفعل مثل إعراب:
﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ في الآية السابقة، والجملة الفعلية هذه معطوفة على تلك لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شِيعَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَيُّهُمْ:﴾ اسم موصول مبني على الضم في محل نصب مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو أشد، والجملة الاسمية هذه صلة الموصول، وهذا عند سيبويه؛ لأنه حقه أن يبني كسائر الموصولات لكنه أعرب حملا على كل و «بعض» للزوم الإضافة، فإذا حذف صدر صلته زاد نقصه، فعاد إلى حقه منصوب المحل بالفعل قبله؛ ولذلك قرئ بنصبه، وهو مرفوع عند غير سيبويه على الابتداء على أنه اسم استفهام، وخبره: ﴿أَشَدُّ﴾ والجملة الاسمية محكية، وتقدير الكلام: لننزعن من كل شيعة الذين يقال فيهم: أيهم أشد. وقيل: إن الفعل معلق عنها لتضمنه معنى التمييز اللازم للعلم. وقيل: الجملة الاسمية هذه مستأنفة، والفعل واقع على ﴿كُلِّ شِيعَةٍ﴾ على زيادة ﴿مِنْ﴾ في الإيجاب، أو على معنى: لننزعن بعض شيعة. انتهى. بيضاوي بتصرف. هذا؛ وقد قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
أيّ كما وأعربت ما لم تضف... وصدر وصلها ضمير انحذف
قال ابن عقيل رحمه الله تعالى في شرحه: يعني أن أيّا مثل «ما»، في أنها تكون بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث مفردا كان، أو مثنى، أو مجموعا، نحو يعجبني أيهم هو قائم، ثم إن أيا لها أربعة أحوال: أحدها: أن تضاف ويذكر صدر صلتها، نحو يعجبني أيهم هو قائم، الثاني:
ألا تضاف، ولا يذكر صدر صلتها، نحو يعجبني أي: قائم، الثالث: أن لا تضاف، ويذكر صدر الصلة، نحو يعجبني أي: هو قائم، وفي هذه الأحوال الثلاثة تكون معربة بالحركات الثلاث.
стр. 3475
الرابع: أن تضاف ويحذف صدر الصلة، نحو يعجبني أيهم قائم وفي هذه الحالة تبني على الضم أي: في جميع حالات الإعراب، ثم قال: (وبعضهم أعرب مطلقا) يعني أن بعض العرب أعرب أيا في جميع حالاتها؛ أي: وإن أضيفت، وحذف صدر صلتها. ثم قال ابن عقيل: وقرئ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ بالنصب. ﴿عَلَى الرَّحْمنِ:﴾ متعلقان ب: (أشدّ).
﴿عِتِيًّا:﴾ تمييز. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠)﴾
الشرح: يقول الله جل ذكره: نحن أعلم، وأعرف بالذين هم أحق بجهنم، ودخولها، والاحتراق بها. وانظر ما ذكرته في الآية السابقة من شرح. هذا؛ و ﴿صِلِيًّا﴾ يقرأ بضم الصاد، وكسرها قراءتان سبعيتان. هذا؛ وقال الجوهري: يقال: صليت الرجل نارا: إذا أدخلته النار، وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الإحراق، قلت: أصليته بالألف، وصلّيته تصلية. ويقال أيضا: صلي بالأمر: إذا قاسى حره، وشدته، واصطليت بالنار، وتصلّيت بها إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. هذا؛ وأصل ﴿صِلِيًّا:﴾
صلويا، فإعلاله مثل إعلال ﴿مَأْتِيًّا﴾ ﴿مَقْضِيًّا﴾ في الآية رقم [٦١] [٢٠].
الإعراب: ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف. ﴿لَنَحْنُ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جواب القسم في الآية رقم [٦٨] لا محل لها مثله. ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿هُمْ:﴾
ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوْلى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله وفاعل أعلم مستتر وجوبا تقديره: «هو»، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِها:﴾ متعلقان ب: ﴿أَوْلى﴾. ﴿صِلِيًّا:﴾ تمييز له. وقيل: حال، وليس بشيء.
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها:﴾ هذا قسم، والواو يتضمنه، ويفسره حديث أبي هريرة ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسّه النّار إلاّ تحلّة القسم». رواه الستة إلا أبا داود. هذا؛ واختلف الناس في الورود، فقيل:
الورود: الدخول. فعن جابر-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الورود:
الدخول، لا يبقى برّ، ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم». وتلا الآية التالية: وهو قول ابن عباس، وغيره.
стр. 3476
هذا؛ وقالت فرقة أخرى: المراد بهذا الورود: المرور على الصراط، واحتجوا بقوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ وفي حديث أبي سعيد الخدري-﵁-الطويل في الحشر عن النبي ﷺ قال: «ثمّ يضرب الجسر على ظهر جهنّم، وتحلّ الشفاعة، ويقولون: اللهمّ سلّم سلّم». قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: «دحض مزلّة، فيه خطاطيف، وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة، يقال لها: السّعدان، فيمرّ المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالرّيح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرّكاب، فناج مسلّم، ومخدوش مرسل، ومكدوش في نار جهنّم». انظر الحديث بتمام في صحيح مسلم [١٨٢].
وقالت فرقة: بل هو ورود إشراف، واطّلاع، وقرب، وذلك: أنهم يحضرون موضع الحساب، وهو بقرب جهنم فيرونها، وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا ممّا نظروا إليه، ويصار بهم إلى الجنة. قال تعالى: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ..﴾. إلخ أي: أشرف عليه لا أنه دخله. وانظر الآية [٨٦] لشرح الورد وقال مجاهد: ورود المؤمنين النار هو الحمّى التي تصيب المؤمن في دار الدنيا، وهي حظه من النار، فلا يردها يوم القيامة. روى أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ عاد مريضا من وعك به، فقال له النبي ﷺ : «أبشر فإنّ الله ﵎ يقول: هي ناري أسلّطها على عبدي المؤمن لتكون حظّه من النار». وفي حديث آخر: «الحمّى حظّ المؤمن من النار». وقيل: غير ذلك. انتهى. باختصار من القرطبي: وإنني أعتمد المرور على الصراط من كل هذه الأقوال، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾ أي: كان ورود جهنم قضاء لازما، قضاه الله عليكم، وأوجبه، وقد أكد هذا الوجوب بالقسم، وهو يفيد عدم الخلف في وعده، ولا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز. وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (الفرقان). وانظر إعلال ﴿مَقْضِيًّا﴾ في الآية رقم [٢١].
هذا؛ و (وارد) اسم فاعل من: ورد الماء يرده، وجمعه: واردون، وورّاد. قال الشاعر: [البسيط]
ردوا فو الله لا ذدناكمو أبدا... ما دام في مائنا ورد لورّاد
هذا؛ والمورد: المنهل من الماء، والمورود: الماء الذي يورد، والموضع الذي يورد عليه أيضا، وقد اعتبرت النار في هذه الآية موردا على سبيل الاستعارة التصريحية. وقيل: استعارة مكنية تهكمية للضد، وهو الماء، ولا تنس: أن الضمير عائد على النار، وهو قائم مقام التصريح بها.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: فو ربك، ونحوه. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (إن): حرف نفي بمعنى:
«ما». ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مبتدأ، التقدير: وما أحد كائن منكم. هذا؛ وفي الكلام التفات من الغيبة في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية. ومثل الآية في حذف الموصوف وإبقاء الصفة قول الشاعر: [الرجز]
стр. 3477
لو قلت ما في قومها لم تيثم... يفضلها في حسب وميسم
فأصل الكلام: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها، ومثل الآية قوله تعالى في سورة (النساء) ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ..﴾. إلخ، وأيضا قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٦٤]: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وارِدُها:﴾ خبر المبتدأ المقدر، و (ها): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية جواب القسم الذي رأيت تقديره، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى الورود المفهوم من واردها. ﴿عَلى رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿كانَ﴾ أو ب: ﴿مَقْضِيًّا﴾ بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿حَتْماً مَقْضِيًّا:﴾ خبر ل ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وابن هشام يعتبر الواو عاطفة، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ..﴾. إلخ فإنها وما قبلها أجوبة لقوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ..﴾. إلخ، والأحاديث التي ذكرتها تؤيد ما ذكرته من إعراب، والله الموفق، وإليه المرجع، والمآب يوم الحساب.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي..﴾. إلخ: لقد رأيت في الآية السابقة على أنه قد استدل بهذه الآية على أنّ الورود: الدخول. هذا؛ ويقرأ: ﴿ثُمَّ﴾ بفتح الثاء على أنها ظرف مكان بمعنى: هناك، وبضمها على أنه حرف عطف. وانظر شرح ذلك في الآية رقم [٥٣] من سورة (النحل). وانظر شرح (نذر) في الآية رقم [٣] من سورة (الحجر). وانظر التعبير عن الكافرين بالظالمين، ونحوه في الآية رقم [١٣] من سورة (إبراهيم) ﵇، وشرح (التقوى) في الآية رقم [٢] من سورة (النحل)، وشرح (جثيا) في الآية رقم [٦٨].
تنبيه: قالت المعتزلة: في الآية دليل على صحة مذهبهم في أن صاحب الكبيرة، والفاسق يخلد في النار؛ بدليل: أن الله بين: أن الكل يردونها، ثم بين صفة من ينجو منها، وهم المتقون، والفاسق لا يكون متقيا فيبقى في النار أبدا. وأجيب عنه بأن المتقي هو الذي يتقي الشرك يقول: لا إله إلا الله، وقد وردت أحاديث شريفة تدل على إخراج المؤمن الموحد من النار، فعن أنس بن مالك-﵁، عن النبي ﷺ قال: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير. ويخرج من النار من قال: لا إله إلاّ الله، وفي قلبه وزن برّة من خير. ويخرج من النار من قال: لا إله إلاّ الله، وفي قلبه وزن ذرّة من خير». وفي رواية «من إيمان». أخرجه البخاري.
стр. 3478
وعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «يعذّب ناس من أهل التوحيد في النّار حتى يكونوا حمما، ثم تدركهم الرحمة، قال: فيخرجون، فيطرحون على أبواب الجنّة، قال: فيرشّ عليهم أهل الجنة من الماء، فينبتون كما تنبت الحبّة في حمالة السيل». أخرجه الترمذي. فدلت الآية الأولى على أنّ الكل دخلوا النار، ودلت الآية الثانية، والأحاديث: أن الله تعالى أخرج منها المتقين، وجميع الموحدين، وترك فيها الظالمين، وهم المشركون. انتهى.
خازن بتصرف كبير. والمأخوذ من تلك الأحاديث الشريفة: أن مرتكب الذنوب والمعاصي يعاقب بقدر ذنبه، ثم ينجو. وقالت المرجئة: لا يدخل النار موحد مهما فعل من سيئات، وهذا قول يضرب به عرض الحائط، وحديث جابر المذكور أصدق دليل لأهل السنّة والجماعة.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف على ضم الثاء، وظرف مكان مبني على الفتح على فتحها متعلق بالفعل بعده. ﴿نُنَجِّي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿اِتَّقَوْا:﴾
ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:
﴿نُنَجِّي..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿كانَ﴾ أو هي مستأنفة على الوجه الثاني في ﴿ثُمَّ،﴾ لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَنَذَرُ:﴾ مضارع والفاعل تقديره: «نحن». ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل نذر، أو هما متعلقان ب: ﴿جِثِيًّا﴾. ﴿جِثِيًّا:﴾ حال من ﴿الظّالِمِينَ،﴾ أو هو مفعول به ثان ل: (نذر)، وجملة: ﴿وَنَذَرُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أي: على كفار قريش. ﴿آياتُنا بَيِّناتٍ:﴾ مرتلات الألفاظ، ملخصات المعاني، مبينات المقاصد. ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: مشركو قريش. وأظهر في مقام الإضمار زيادة في التشنيع عليهم. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: فقراء أصحاب رسول الله ﷺ ، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونة، وفي ثيابهم رثاثة، وكان المشركون في رغد من العيش، وسعة في الرزق. ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أي: المؤمنين، والكافرين. ﴿خَيْرٌ مَقاماً﴾ أي: أفضل، وأعلى منزلا، ومسكنا. وقيل: المقام: الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة، أي أيّ الفريقين أكثر جاها، وأنصارا؟ ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أي: مجلسا، والندي: مجلس القوم، ومتحدثهم، وكذلك الندوة، والنادي. ومنه: دار الندوة التي كان كفار قريش يتشاورون فيها في أمورهم.
стр. 3479
تنبيه: إنما قال كفار قريش للمؤمنين هذه المقالة بعد أن عجزوا عن معارضة القرآن، وبعد أن تحداهم مرارا، فأخذوا يتعززون بالدنيا، وحطامها الفاني، ومتاعها الزائل، وغرضهم بذلك إدخال الشبهة على المستضعفين، وإيهامهم: أن من كثر ماله، وعلا جاهه هو المحق في دينه وعبادته، وكأنهم لم يروا في الكفار فقيرا، ولا في المؤمنين غنيا، ولم يعلموا: أن الله تعالى حفظ أولياءه من الاغترار بالدنيا، والركون إليها.
الإعراب: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا:﴾ انظر الآية رقم [٥٨] ففيها الكفاية. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال من ﴿آياتُنا﴾ مؤكدة منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.
﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿قالَ﴾ والموصول مبني على الفتح في الأول في محل رفع، وفي الثاني في محل جر باللام، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول.
﴿أَيُّ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، و ﴿أَيُّ:﴾ مضاف، و ﴿الْفَرِيقَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مَقاماً:﴾ تمييز. ﴿وَأَحْسَنُ:﴾ معطوف على خير. ﴿نَدِيًّا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية:
﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ: جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤)﴾
الشرح: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: أهلكنا كثيرا قبل كفار قريش من الأمم والقرون السابقة؛ لأن (كم) كناية عن عدد مبهم، وهي بمعنى: كثير، ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً﴾ أي: أحسن متاعا، والأثاث متاع البيت. ﴿وَرِءْياً:﴾ منظرا حسنا، وفيه خمس قراءات. هذا؛ و (القرن) مفرد لفظا متعدد معنى، ولذا عاد الضمير عليه جمعا. وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. هذا؛ ولا تنس: أن في الآية نقضا وردّا لما قاله كفار قريش في الآية السابقة من المفاخرة بزينة الحياة الدنيا، ومتاعها الزائل الفاني، وهذا الرد مقرون بالتهديد، والوعيد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): خبرية بمعنى: كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْنٍ:﴾ تمييز (كم) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبره، والجملة
стр. 3480
الاسمية صفة قرن باعتبار لفظه، أو محله، وقال الزمخشري وأبو البقاء: صفة (كم)، ورده ابن هشام في المغني، وجمع الضمير حملا على معنى ﴿قَرْنٍ،﴾، ﴿أَثاثاً:﴾ تمييز. ﴿وَرِءْياً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ﴾ أي: في الكفر، والطغيان.
﴿فَلْيَمْدُدْ..﴾. إلخ: هذا أمر، ومعناه الخبر؛ أي: من كان في الضلالة مد له الرحمن في هذه الدنيا، وفتح عليه من أبواب الرزق، والنعيم ما يريد، حتى يطول اغتراره بالدنيا، فيكون ذلك أشد لعقابه. نظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ وقوله جل ذكره: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر، فمصيره إلى الموت، والعقاب، فإن هذا الإمداد استدراج، وليس بإكرام، وهذا في غاية التهديد، والوعيد. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٢ و ١٨٣] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
وأفيدك: أنه قد ذكر لفظ الرحمن في هذه السورة في ستة عشر موضعا. هذا؛ ومثل الآية الكريمة في وقوع الجملة الطلبية بمعنى: الخبر قول رجل من بني نهشل، وهو الشاهد رقم [١٠٠٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
وكوني بالمكارم ذكّريني... ودلّي دلّ ماجدة صناع
إذ المعنى: وكوني بالمكارم تذكرينني.
﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ﴾ أي: يمد الله لهم في هذه الدنيا، ويعطيهم ما يتمنون، ويستمرون في طغيانهم حتى يروا ما يحل بهم إما العذاب في الدنيا، وذلك بالقتل، والأسر، والخزي، وقد أنجز الله وعيده لهم يوم بدر بما حصل فيهم، كما هو معروف، وإما قيام الساعة، وما ينالهم فيها من الخزي والنكال. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً﴾ أي: إذا نزل بهم أحد الأمرين فعند ذلك يعلمون من هو شر مكانا، وأضعف جندا، أهم أم المؤمنون؟ حيث يعاينون الأمر على عكس ما قدروه، وعاد ما متعوا به خذلانا، ووبالا عليهم. وهذا الكلام في مقابلة قولهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ في الآية رقم [٧٣] في يوم القيامة مكانهم جهنم، ومكان المؤمنين الجنة، وجندهم الشياطين، وجند المؤمنين الملائكة.
بعد هذا انظر شرح: ﴿السّاعَةَ﴾ في الآية رقم [٨٥] من سورة (الحجر)، وإعلال ﴿رَأَوْا﴾ مثل إعلال: «ألقوا» في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل)، والفعل (يعلمون) من المعرفة لا العلم،
стр. 3481
انظر الآية رقم [٧٤] منها. وانظر شرح ﴿عَذاباً﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (الإسراء) وشرح:
﴿شَرٌّ﴾ في الآية رقم [٤٤] من سورة (الكهف).
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو». ﴿فِي الضَّلالَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾.
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ليمدد): مضارع مجزوم بلام الأمر، وقد فك المضعف، ويجوز إبقاؤه من غير فك، ولكن الفك أفصح، وقد جاء به القرآن في غير هذه الآية أيضا.
﴿الضَّلالَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله. ﴿مَدًّا:﴾ مفعول مطلق. هذا؛ وقد اختلف في خبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ،﴾ فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا، وجملة: ﴿كانَ فِي الضَّلالَةِ﴾ صلته، وجملة: ﴿فَلْيَمْدُدْ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٥٨]. ﴿رَأَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، وقد جمع الضمير مراعاة لمعنى ﴿مَنْ،﴾ بعد مراعاة لفظها في الآية السابقة، ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، ﴿يُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني: محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِمَّا:﴾ حرف شرط، وتفصيل. ﴿الْعَذابَ:﴾ بدل من الموصول. ﴿إِمَّا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(إِمَّا السّاعَةَ):﴾ معطوفان على ما قبلهما.
﴿فَسَيَعْلَمُونَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. السين: حرف استقبال وتسويف وتهديد، ووعيد كما رأيت. (يعلمون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ شَرٌّ﴾ صلة الموصول.
هذا؛ وأجيز اعتبار (من) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، والضمير مبتدأ ثان و ﴿شَرٌّ﴾ خبره، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ شَرٌّ﴾ في محل رفع خبر ﴿مَنْ﴾ وعليه فالفعل: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ معلق عن العمل بسبب الاستفهام، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ هُوَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به، وهناك قول لأبي البقاء، وهو أن ﴿مَنْ﴾ مبتدأ وشر خبره، والضمير فصل لا محل له من الإعراب، ومحل الجملة الاسمية يبقى كما رأيته. ﴿مَكاناً:﴾ تمييز ل: ﴿شَرٌّ﴾. ﴿وَأَضْعَفُ:﴾ معطوف على ﴿شَرٌّ﴾. ﴿جُنْداً:﴾
تمييز له، وجملة: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها
стр. 3482
في محل نصب مقول القول. وقيل: مستأنف. والأول: أقوى معنى، وقد رأيت في الآية رقم [٧١] من سورة (الكهف) أن الأخفش يعتبر حتى في مثل ذلك جارة ل: ﴿إِذا،﴾ انظر الكلام هناك.
﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾
الشرح: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ..﴾. إلخ: أي: ويثبت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم في النصرة، وينزل من الآيات ما يكون سبب زيادة اليقين مجازاة لهم، هذا قول القرطبي، وغيره. وأرى أن المعنى من سلك طريق الهدى، والطاعة يزيده الله من فضله، وكرمه، وذلك بتقويته، وتنشيطه للطاعة، وشرح صدره للعبادة، وبالمقابل: من سلك طريق الشر، والضلال، والفسوق، والعصيان يزيده الله في ذلك، وذلك يكون به تخليه عنه، وطرده من رحمته، وتسليمه لشيطانه يتلاعب به تلاعب الصبيان بالكرة. اللهم تولني بعنايتك، ورعايتك، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، واحفظني في عقبي، وذريتي، إنك خير مسئول، وأكرم منعم، ومتفضل يا أرحم الراحمين! انظر الآية رقم [٨٣] الآتية.
﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ..﴾. إلخ: انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٤٦] من سورة (الكهف) ففيها بحث واف كاف ضاف، والمراد: هنا: العاقبة، والمرجع. وقيل: الفائدة، والنفع، وإنما كانت الباقيات الصالحات أعظم نفعا، وأجل فائدة؛ لأن ما متع به الكافرون من النعم الوفيرة، والجاه الرفيع في هذه الدنيا، إنما هو فان وزائل، ومآله الحسرة، والعذاب المقيم بخلاف ثواب الباقيات الصالحات، فإن ثوابها مدخر عند الله، ولا يطرأ عليه زوال، ولا نفاد في الآخرة، وأفعل التفضيل: ﴿خَيْرٌ﴾ إما لمجرد الزيادة، أو على طريقة قولهم: الصيف أحر من الشتاء؛ أي: أبلغ من حره منه في برده، أو أن اسم التفضيل ذكر على سبيل المشاكلة لكلامهم السابق في الآية رقم [٧٣]. هذا؛ وانظر إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف).
الإعراب: ﴿وَيَزِيدُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يزيد): مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾
مفعوله الأول. وانظر الآية رقم [٤١] من سورة (الإسراء). ﴿اِهْتَدَوْا:﴾ مثل: ﴿رَأَوْا﴾ في الآية السابقة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿هُدىً:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين والثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الفعلية: ﴿وَيَزِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على الجملة الشرطية المحكية بالقول، التقدير: قل: من كان في الضلالة... إلخ، وقل: يزيد الله
إلخ. انتهى. من السمين، والبيضاوي. هذا؛ وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [٤٦] من سورة (الكهف)، ففيها الكفاية.
стр. 3483
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧)﴾
الشرح: عن خباب بن الأرت-﵁-قال: كنت رجلا قينا في الجاهلية، وكان لي على العاص بن وائل السهمي دين، فأتيته أتقاضاه-وفي رواية: فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفا، فجئته أتقاضاه-فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله، ثم تبعث. قال: وإني لميت، ثم مبعوث؟! قلت: بلى! قال: دعني حتى أموت، وأبعث، فسأوتى مالا وولدا، فأقضيك، فنزل: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾. متفق عليه.
هذا؛ والقين: الحداد، أو الصائغ.
هذا؛ و ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ بمعنى: أخبرني، والاستفهام تعجيب؛ أي: تعجب يا محمد من قصة هذا الكافر ومن مقالته المذكورة. ولما كانت الرؤية أقوى سند الأخبار، استعمل (أرأيت) بمعنى:
الإخبار. هذا؛ وقرئ: ﴿وَوَلَداً﴾ بفتحتين، وبضم فسكون، واختلف فيهما، فقيل: هما لغتان بمعنى: واحد. وقيل: إنّ قيسا تجعل الولد بالضم جمعا، والولد بالفتح واحدا. وإنما قال ذلك الكافر هذا الكلام سخرية، واستهزاء، وقد مات على كفره لعدم تقدير السعادة له في الأزل.
وانظر شرح (المال) في الآية رقم [٦] من سورة (الإسراء).
الإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتعجب. الفاء: حرف عطف، والمعنى:
أخبر بقصة هذا الكافر عقب قصة أولئك. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرَ بِآياتِنا:﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): ماض، والفاعل يعود إلى الذي. ﴿لَأُوتَيَنَّ:﴾
مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل، والفعل مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «أنا»، وهو المفعول الأول. ﴿مالاً:﴾ مفعول به ثان.
﴿وَوَلَداً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لقسم مقدر، واللام واقعة في جواب ذلك القسم، والقسم المقدر وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. تأمل. هذا؛ وانظر إعراب الآية رقم [٧٥] من سورة (الشعراء) فهي مثلها.
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨)﴾
الشرح: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ..﴾. إلخ ألفه ألف الاستفهام لمجيء ﴿أَمِ﴾ بعدها، ومعناه التوبيخ، وأصله (أأطلع) فحذفت الألف الثانية؛ لأنها ألف وصل، فإن قيل: فهلا أتوا بمدة بعد الألف، فقالوا: آطلع كقوله تعالى: ﴿آللهُ خَيْرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ..﴾. إلخ قيل له: كان
стр. 3484
الأصل في هذا (أالله) (أالذّكرين) فأبدلوا من الألف الثانية مدة، ليفرقوا بين الاستفهام، والخبر، وذلك: أنهم لو قالوا: الله خير بلا مد؛ لالتبس الاستفهام بالخبر، ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ﴾ لأن ألف الاستفهام مفتوحة وألف الخبر مكسورة، وذلك أنك تقول في الاستفهام: (أطّلع؟ أفترى؟ أصطفى؟ أستغفرت؟) بفتح الألف، وتقول في الخبر: (اطّلع، افترى، اصطفى، استغفرت لهم) بالكسر، فجعلوا الفرق بالفتح، والكسر، ولم يحتاجوا إلى فرق آخر. انتهى. قرطبي. هذا؛ وأصل: «اطلع» اطتلع على وزن افتعل مثل: اجتمع، فقلبت التاء طاء، وأدغمت في مثلها.
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ:﴾ المعنى: أقد بلغ من عظمة شأنه إلى أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي توحّد به الواحد القهار؛ حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالا، وولدا، وتألّى عليه؟! ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً:﴾ أو اتخذ من علام الغيوب عهدا بذلك؟! فإنه لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين. وقيل: العهد: كلمة الشهادة، والعمل الصالح، فإن وعد الله بالثواب عليهما كالعهد عليه. انتهى. بيضاوي.
الإعراب: ﴿أَطَّلَعَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (اطلع): ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾. ﴿الْغَيْبَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (أرأيت). ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا.
﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿عَهْداً﴾ كان صفة لهن انظر الآية رقم [٤] وقيل مفعول به ثان ل: ﴿اِتَّخَذَ﴾ وعهدا مفعول به أول، ولا وجه له قطعا، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿الرَّحْمنِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَهْداً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. تأمل.
﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩)﴾
الشرح: ﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ أي: سنظهر له: أنا كتبنا وسجلنا قوله على حد قول زائدة بن صعصعة يعرّض فيه بزوجه، وكانت أمها سرّيّة: [الطويل]
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة... ولم تجدي من أن تقرّي به بدّا
أي: وتبين، وظهر: أني لم تلدني لئيمة، أو معنى الآية: سننتقم منه انتقام من كتب جريمة العدو، وحفظها عليه؛ لأن نفس الملائكة الكتبة لا يتأخرون عن كتابة قوله. قال تعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ أي: ونزيد له من العذاب، ونضاعفه له لكفره، وافترائه، واستهزائه على الله، ولذلك أكد بالمصدر دلالة على فرط غضبه عليه.
وقيل: نطيل مدة عذابه. وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يفيد انتهاء مدة عذاب الكافر.
стр. 3485
أما القول في ﴿كَلاّ،﴾ فإني أنقله لك بحروفه من مغني اللبيب لابن هشام-طيب الله ثراه- لتكون على بصيرة من أمرك. قال رحمه الله تعالى: وهي عند سيبويه، والخليل، والمبرد، والزجاج، وأكثر البصريين حرف معناه الردع، والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم يجيزون أبدا الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت (كلاّ) في سورة؛ فاحكم بأنها مكية؛ لأن فيها معنى التهديد، والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة؛ لأن أكثر العتو كان بها، وفيه نظر؛ لأن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتوّ بها، لا عن غلبته، ثم لا تمتنع الإشارة إلى عتو سابق، ثم لا يظهر معنى الزجر في ﴿كَلاّ﴾ المسبوقة بنحو قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وقوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾.
وقولهم: المعنى: انته عن ترك الإيمان بالتصوير في أي: صورة ما شاء الله، وبالبعث، وعن العجلة بالقرآن تعسف؛ إذ لم يتقدم في الأوليين حكاية نفي ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين كلاّ وذكر العجلة. وأيضا: فإن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة العلق، ثم نزل قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى﴾ فجاءت في افتتاح الكلام، والوارد منها في التنزيل ثلاثة وثلاثون موضعا كلها في النصف الأخير (وذلك في خمس عشرة سورة منه، وكلها مكية).
ورأى الكسائي، وأبو حاتم، ومن وافقهما: أن معنى الردع، والزجر ليس مستمرّا فيها، فزادوا فيها معنى ثانيا، يصح أن يوقف دونها، ويبتدأ بها، ثم اختلفوا في تعيين ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها للكسائي ومتابعيه: قالوا: تكون بمعنى: حقّا، والثاني: لأبي حاتم، ومتابعيه:
قالوا: تكون بمعنى: «ألا» الاستفتاحية، والثالث: للنضر بن شميل، والفراء، ومن وافقهما:
قالوا: تكون حرف جواب بمنزلة: «إي» ونعم، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ فقالوا:
معناه: إي والقمر.
قول أبي حاتم عندي أولى من قولهما؛ لأنه أكثر اطرادا، فإن قول النضر لا يتأتى في آيتي (المؤمنون) و (الشعراء) على ما سيأتي، وقول الكسائي لا يتأتى في نحو قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ﴾ وقوله: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ لأن همزة «أنّ» تكسر بعد ألا الاستفتاحية، ولا تكسر بعد حقا، ولا بعد ما كان بمعناها، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم، وأما قول مكيّ: إن «كلاّ» على رأي: الكسائي اسم إذا كانت بمعنى: «حقا» فبعيد؛ لأن اشتراك اللفظ بين الاسمية، والحرفية قليل، ومخالف للأصل، ومحوج لتكلف دعوى علة لبنائها، وإلاّ فلم نوّنت؟!
وإذا صلح الموضع للردع، ولغيره جاز الوقف عليها، والابتداء بها على اختلاف التقديرين، والأرجح حملها على الردع؛ لأنه الغالب فيها، وذلك نحو قوله تعالى في سورة (مريم): ﴿أَطَّلَعَ﴾
стр. 3486
﴿الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ وقوله جل شأنه في سورة (مريم):
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾.
وقد تتعين للردع، أو الاستفتاح، نحو قوله جل شأنه في سورة (المؤمنون): ﴿حَتّى﴾ ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ﴾ لأنها لو كانت بمعنى: حقا؛ لما كسرت همزة (إنّ)، ولو كانت بمعنى: نعم؛ لكانت للوعد بالرجوع؛ لأنها بعد الطلب، كما يقال: أكرم فلانا، فتقول: نعم، ونحو قوله جل ذكره في سورة (الشعراء): ﴿قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وذلك لكسر (إنّ)، ولأن «نعم» بعد الخبر للتصديق.
وقد يمتنع كونها للزجر، نحو قوله تعالى في سورة (المدثر): ﴿وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ إذ ليس قبلها ما يصح رده، وقول الطبري، وجماعة: إنه لما نزل في عدد خزنة جهنم قوله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال بعضهم: اكفوني اثنين، وأنا أكفيكم سبعة عشر، فنزل:
﴿كَلاّ﴾ زجرا له تعسّف؛ لأن الآية لم تتضمن ذلك. انتهى. مغني اللبيب.
أقول: ويتلخص من هذا: أن الأكثر في «كلاّ» أن تكون حرف ردع، وزجر، وذلك إذا سبقها كلام يستدعي ذلك، ولا ردع في سورة (الانفطار)، ولا في سورة (العلق)، ولا في سورة (المطففين)، وما جرى مجراهنّ، وإنما هي للتنبيه، والاستفتاح كما هو واضح، وتكون حرف جواب بمعنى: «إي» كما في قوله تعالى: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ،﴾ ولا تكون بمعنى: «حقا» كما بينه ابن هشام لعدم فتح همزة (إنّ) بعدها، ونقل الجمل عن السمين للنحويين فيها ستة مذاهب.
والمعتمد ما لخصته لك، والوارد منها في القرآن الكريم ثلاثة وثلاثون موضعا، كلها في النصف الأخير. قال الديربي في تفسيره المنظوم: [الطويل]
وما نزلت كلاّ بيثرب فاعلمن... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى
الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر. ﴿سَنَكْتُبُ:﴾ السين: حرف استقبال، ومعناها هنا التوكيد. (نكتب): مضارع والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: سنكتب الذي، أو شيئا يقوله ذلك الكافر، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: سنكتب قوله. ﴿وَنَمُدُّ:﴾ مضارع، والفاعل: نحن. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَدًّا﴾ كان صفة له... إلخ، انظر الآية رقم [٤]. ﴿مَدًّا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية:
﴿وَنَمُدُّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.
стр. 3487
﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠)﴾
الشرح: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ أي: نرث ما يدعيه لنفسه من المال، والولد، وذلك بموته، وخروجه من الدنيا خاليا من ذلك. وفي القرطبي: وقيل: نحرمه ما تمناه في الآخرة من مال وولد، ونجعله لغيره من المسلمين. ﴿وَيَأْتِينا فَرْداً﴾ أي: لا مال له، ولا ولد، ولا عشيرة، والمراد: بالفردية: الانقطاع عنهما بالكلية، ولا شك: أن مثل هذه الفردية لا تحصل إلا للكافر، وإلا فالمؤمن والكافر سواء عند البعث في كونهما منفردين عن المال، والولد لقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنعام). وانظر الآية رقم [٤٩] من سورة (الكهف). ثم يتفاوتون بعد ذلك. فالمؤمن يلاقي أحبابه، وأولاده، وما اشتهاه في الجنة، والكافر يحال بينه وبين ما يشتهيه، وينفرد عنه أبدا، وكيف يشتهي ذلك، وهو مشغول بنفسه بسبب العقاب الشديد، والعذاب الأليم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَنَرِثُهُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به ﴿ما يَقُولُ﴾ إعرابه مثل إعراب ما قبله في الآية السابقة، وعلى الاعتبارات الثلاثة فهو بدل اشتمال من الضمير المنصوب، ويجوز أن يكون مفعولا به مثل سابقه، والضمير منصوب بنزع الخافض، التقدير: ونرث منه ما يقول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَيَأْتِينا:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى الكافر المعاند، و (نا): مفعول به. ﴿فَرْداً:﴾ حال من الفاعل المستتر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾
الشرح: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً﴾ أي: وعبد المشركون عامة، أوثانا، وأصناما.
﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا:﴾ قوة، ومنعة يمنعونهم من العذاب، ويكونون لهم شفعاء عند الله، وقد صرحوا بذلك ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ هذا؛ وإنما جمعت المعبودات الباطلة بواو الجماعة التي هي للعقلاء مع أنها من الجمادات التي لا تعقل؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا عاملوه معاملته وأنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم والكلام العربي. وانظر شرح ﴿دُونِ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الكهف) وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [١] منها أيضا.
الإعراب: ﴿وَاتَّخَذُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتخذوا): ماض والواو فاعله والألف للتفريق.
وانظر إعراب (قالوا) في الآية رقم [٢١] ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان
стр. 3488
بمحذوف حال من ﴿آلِهَةً..﴾. إلخ، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿آلِهَةً:﴾
مفعول به ثان والمفعول الأول: محذوف، التقدير: اتخذوا الأوثان... إلخ. ﴿لِيَكُونُوا:﴾
مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما.
﴿عِزًّا:﴾ خبره: و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (اتخذوا) وجملة: ﴿وَاتَّخَذُوا..﴾. إلخ متضمنة حكاية حال الكافرين، وهي معطوفة على حكاية مقالة الكافر المعاند الذي رأيت في الآيات السابقة.
﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾
الشرح: ﴿كَلاّ﴾ أي: ليس الأمر كما ظنوا، وتوهموا، ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ أي: ينكرون أنهم عبدوا الأصنام، أو تجحد الآلهة عبادة المشركين لها، كما حكى عنهم سبحانه ما يقولون في الآخرة: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ الآية رقم [٦٣] من سورة (القصص). ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ أي: ينقلبون ضدهم، ويكونون لهم أعداء، والضد يكون واحدا ويكون جمعا كالعدو والصديق. وقيل: وقع هنا موقع المصدر؛ أي: ويكونون عليهم عونا، فلهذا لم يجمع، وهذا في مقابلة قوله: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ والعز مصدر، فكذلك ما وقع في مقابلته، هذا؛ ويقرأ ﴿كَلاّ﴾ بالتنوين وفتح الكاف وضمها، فعلى الأول: هو مصدر: كلّ؛ أي: أعيا، والمعنى كلّوا في دعواهم وانقطعوا. وقيل: هو بمعنى: الثقل؛ أي: حملوا كلاّ؛ أي: ثقلا، وعلى الثاني:
هو تنوين كل، واستبعده أبو البقاء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر لا محل له، وعلى تنوينه وفتح الكاف هو مفعول مطلق عامله محذوف، أو مفعول به لفعل محذوف. انظر الشرح، وعلى ضم الكاف مع التنوين هو حال، المعنى: سيكفرون كلاّ؛ أي: جميعا. السين: حرف استقبال، وتنفيس. (يكفرون):
مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِعِبادَتِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والمفعول محذوف، التقدير: سيكفر المشركون بعبادتهم الأصنام، أو من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: سيكفر الأصنام، ونحوها بعبادة المشركين إياهم. ﴿وَيَكُونُونَ:﴾ مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على تجويز ذلك، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿ضِدًّا:﴾ خبر (يكونون)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
стр. 3489
﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ تعجب، وخطاب للرسول ﷺ من أقاويل الكفرة، وتماديهم في الغي، وتصميمهم على الكفر بعد وضوح الحق على ما نطقت به الآيات المتقدمة. ﴿أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ سلطنا، أو قيضنا لهم الشياطين، أو المعنى خلّينا الشياطين، والكافرين، ولم نعصمهم منهم. ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ أي: تغريهم إغراء بالشر، والمعاصي، وذلك بالتسويل، والزخرفة، وتحبيب الشهوات، والمعاصي، والمنكرات. هذا؛ والأز: التهييج، والإغراء. هذا؛ وفي الآية دليل على أنّ ما يفعله العبد إنما هو بتقدير العزيز العليم، وتيسيره له، فهنيئا لمن خلقه الله للإيمان، والخير ويسّره له! وويل ثم ويل لمن تخلى الله عنه، ووكله لشيطانه يتلاعب به! ولكن لا بد للعبد من إرادة للخير، أو إرادة للشر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٦]. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٤٩] وشرح الشيطان في البسملة أول سورة (يوسف) ﵇، وشرح ﴿الْكافِرِينَ﴾ في الآية رقم [١٠٧] من سورة (النحل).
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا):
اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الشَّياطِينَ:﴾
مفعول به. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَرْسَلْنَا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل ﴿تَرَ،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَؤُزُّهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّياطِينَ﴾ والهاء مفعول به. ﴿أَزًّا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الشَّياطِينَ﴾ والرابط: الضمير فقط. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾
الشرح: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا تطلب لهم العذاب، وتستعجله. ﴿إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: نعد لهم آجالهم بالسنين، والشهور، والليالي، والأيام، والساعات، بل والخطوات، واللحظات، والأنفاس، وروي: أن المأمون العباسي قرأ هذه السورة، وعنده جماعة من الفقهاء، فمر بهذه الآية، فأشار إلى ابن السماك أن يعظه، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد. وقيل في هذا المعنى: [الطويل]
حياتك أنفاس تعدّ فكلّما... مضى نفس منك انتقصت به جزءا
стр. 3490
يميتك ما يحييك في كلّ ليلة... ويحدوك حاد ما يريد به الهزءا
الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة وانظر الآية رقم [٥] (لا): ناهية. ﴿تَعْجَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فلا تعجل عليهم، والكلام معطوف على ما قبله في الآية السابقة لا محل له مثله. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة.
﴿نَعُدُّ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَدًّا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما نَعُدُّ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. وقيل: حالية.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ..﴾. إلخ: المعنى يقول الله تعالى لنبيه ﷺ : اذكر يوم القيامة الذي يجتمع فيه المتقون، ويسيرون إلى جنة الرحمن جماعات جماعات، وذلك بعد الحساب، وتسليم البطاقات إلى الجنة. ولاختيار هذا الاسم الكريم وتكراره في هذه السورة شأن، ولعله؛ لأن مساق الكلام فيها لتعداد نعمه الجسام، وشرح حال المؤمنين والمتقين، وشرح حال الكافرين المعاندين.
هذا؛ و (الوفد) اسم للوافدين، كما يقال: قوم صوم، وفطر، وزور، فهو جمع: وافد، مثل:
ركب وراكب، وصحب وصاحب، وجمع الوفد: وفاد، ووفود، والاسم: الوفادة وأوفدته أرسلته، والوفد مصدر وفد يفد، وفدا ووفادة وإفادة إلى، أو على الأمير: قدم وورد رسولا، فهو وافد.
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً:﴾ السوق: الحث على السير، أو نسوقهم لورود النار، فيساقون عطاشا، حفاة، عراة، مشاة، أفواجا، والورد أيضا: الجماعة التي ترد الماء من طير، وإبل، ونحوهما، والورد: الماء الذي يورد. وانظر الآية رقم [٧١] وقد ورد في كيفية حشر المتقين، وحشر المجرمين أحاديث كثيرة أكتفي منها بما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر النّاس يوم القيامة على ثلاثة طرائق راغبين راهبين: اثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر معهم النّار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا». متفق عليه، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر النّاس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم». قيل:
يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم؟! قال: «الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنّهم يتّقون بوجوههم كلّ حدب، وشوك». أخرجه الترمذي.
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لذلك المحذوف. وقيل: متعلق بالفعل ﴿يَمْلِكُونَ﴾ الآتي. ﴿نَحْشُرُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر، تقديره:
стр. 3491
«نحن». ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿إِلَى الرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَفْداً﴾ كان صفة له... إلخ، انظر الآية رقم [٥] ﴿وَفْداً:﴾
حال من المتقين، وجملة: ﴿نَحْشُرُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، وجملة:
﴿وَنَسُوقُ..﴾. إلخ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها، وإعراب هذه مثل إعراب تلك بلا فارق.
﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧)﴾
الشرح: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ:﴾ الضمير يعود إلى القسمين المذكورين. وقيل: يعود إلى الكفار. ﴿إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً:﴾ وهم المسلمون الذين قدموا العمل الصالح في الدنيا.
وهذا على عود الضمير على القسمين المذكورين، فيكون المعنى: فإن المؤمنين يملكون الشفاعة لغيرهم. وعلى الثاني: فإن المعنى: لا يستحق الشفاعة من غيره، ولا يستأهلها إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا. فعلى الأول: فقد تظاهرت الأخبار بأن أهل الفضل، والصلاح، والعلم يشفعون، فيشفّعون، وعلى الثاني: فإن الرسول ﷺ يشفع في العصاة من المسلمين، فيكون المعنى: فإنهم يملكون الشفاعة بأن يشفع فيهم، فقد قال رسول الله ﷺ : «لا أزال أشفع حتّى أقول: يا ربّ! شفّعني فيمن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيقول: يا محمد إنّها ليست لك، ولكنّها لي». أخرجه مسلم بمعناه. انتهى قرطبي. أما عبدة الأصنام فلا يشفعون لأحد، ولا يملكون شفاعة أحد؛ أي: لا يستحقونها من أحد. قال تعالى في سورة (المدثر): ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾.
هذا؛ وقد قال ابن مسعود-﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يتّخذ كلّ صباح ومساء عند الله عهدا؟». قيل: يا رسول الله! وما ذاك؟ قال: «يقول عند كلّ صباح ومساء: اللهمّ فاطر السّماوات والأرض عالم الغيب والشّهادة إنّي أعهد إليك في هذه الحياة بأنّي أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأنّ محمدا عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي؛ تباعدني من الخير، وتقرّبني من الشّرّ، وإني لا أثق إلاّ برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنّك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليها طابعا، ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيقومون، فيدخلون الجنة؟».
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الشَّفاعَةَ:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ أو منهم ومن المتقين حسب ما رأيت في الشرح، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني
стр. 3492
على السكون في محل نصب على الاستثناء المتصل، أو المنقطع حسب ما رأيت في الشرح، أو هو في محل رفع بدل من واو الجماعة، وهذا على القاعدة: «إذا كان الكلام تاما منفيا جاز في الاسم الواقع بعد إلا النصب على الاستثناء، والإتباع على البدلية». ﴿اِتَّخَذَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنِ،﴾ وهو العائد، أو الرابط على اعتبارها نكرة موصوفة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق ب: ﴿عَهْداً﴾ أو بمحذوف حال منه على مثال ما رأيت في الآية رقم [٥] وقيل: متعلق بمحذوف مفعول ثان ل: ﴿اِتَّخَذَ﴾ و ﴿عَهْداً﴾ هو المفعول الأول، والمعنى لا يؤيده.
﴿عَهْداً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذَ..﴾. إلخ: صلة ﴿مَنِ﴾ أو صفتها.
﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠)﴾
الشرح: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ:﴾ يتشققن مرة بعد مرة، وقرئ «(ينفطرن)» قال تعالى:
﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ والأول: أبلغ؛ لأن التفعل مطاوع: فعل.
والانفعال مطاوع: فعل. ﴿مِنْهُ﴾ أي: من قولهم: ﴿اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً﴾. ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ:﴾
стр. 3493
تتصدع، أو تخسف بهم. ﴿وَتَخِرُّ الْجِبالُ:﴾ تسقط. ﴿هَدًّا:﴾ هدما؛ أي: تسقط بصوت شديد، وتتفتت، يقال: هدني هذا الأمر وهدّ ركني؛ أي: كسرني، وبلغ مني. وهدّته المصيبة: أي:
أوهنته. والمعنى: أن هول ما قالوه وعظمه بحيث لو تصور بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام، وتفتت من شدتها، وافترائها. أو لأن فظاعتها مجلبة لغضب الله تعالى بحيث لولا حلمه، ولطفه؛ لخرب هذا العالم، وبددت قوائمه غضبا على من تفوّه بها. وانظر الآية رقم [١١١] من سورة (الإسراء) ففيها بحث جيد.
قال ابن عباس-﵄: فزعت السموات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت تزول، وغضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا: اتخذ الله ولدا.
وانظر ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (النحل)، وشرح (كاد) في الآية رقم [٧٣] من سورة (الإسراء).
الإعراب: ﴿تَكادُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿السَّماواتُ:﴾ اسمها. ﴿يَتَفَطَّرْنَ:﴾ فعل، وفاعل.
﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿تَكادُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، ومتعلق الفعل والذي بعده محذوف لدلالة ما قبله عليه. وأيضا جملة: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبالُ﴾ معطوفة عليها. ﴿هَدًّا:﴾ نائب مفعول مطلق؛ لأنه مصدر مرادف لمصدر (تخر) أو هو حال؛ لأنه بمعنى: مهدودة، أو هو مفعول لأجله. قال الزمخشري: أي: لأن تهد.
﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢)﴾
الشرح: أي: قاربت السموات أن تتفطر، وقاربت الأرض أن تتشقق، وقاربت الجبال أن تتفتت لافترائهم على الله تعالى اتخاذ الولد، وقد نزه سبحانه نفسه عن ذلك، ونفاه نفيا قاطعا؛ حيث قال: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ..﴾. إلخ أي: لا يصح، ولا يليق؛ لأن الولد لا بد أن يكون شبيها بالوالد، ولا شبيه له تعالى، ولأن اتخاذ الولد يكون لأغراض لا تصح في الله تعالى: من سرور بالولد، واستعانة به، وذكر جميل بعده، ولأن الولد لا يكون إلا من والد، يكون له والد، وأصل، والله تعالى تنزه عن ذلك، وتقدس فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
روى البخاري عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله ﵎: «كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إيّاي؛ فقوله: ليس يعيدني كما بدأني، وليس أوّل الخلق بأهون عليّ من إعادته. وأمّا شتمه إيّاي؛ فقوله: اتّخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد».
стр. 3494
الإعراب: ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، ﴿دَعَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والفعل في محل نصب ب: «أن»، و «أن» والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:
لأجل، أو من أجل دعواهم... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بأحد الأفعال الثلاثة السابقة على التنازع. تأمل. وقال أبو البقاء: فيه-أي: المصدر المؤول-ثلاثة أوجه: أحدها هو في موضع نصب؛ لأنه مفعول له. والثاني: في موضع جر على تقدير اللام. والثالث: في موضع رفع؛ أي: الموجب لذلك دعاؤهم. والمعتمد الثاني، وهو ما ذكرته أولا. وقال الزمخشري:
فيه ثلاثة أوجه: أن يكون مجرورا بدلا من الهاء في (منه) ومنصوبا بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل؛ أي: هدا لأن دعوا، ومرفوعا بأنه فاعل ﴿هَدًّا﴾ أي: هدها دعاء الولد للرحمن.
﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَلَداً﴾ على نحو ما تقدّم، وتكرر. ﴿وَلَداً:﴾ مفعول به. وقال البيضاوي: والفعل: «دعا» بمعنى: «سمى» المتعدي لمفعولين، وإنما اقتصر على المفعول الثاني: ليحيط بكل من ادعى له ولدا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء). ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَنْبَغِي:﴾
مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ في محل رفع فاعل ﴿يَنْبَغِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من (الرحمن)، والرابط: الواو، وإعادة لفظ الاسم الكريم.
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣)﴾
الشرح: المعنى: ما كل من في السموات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرا له في العبودية، خاضعا ذليلا كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ أي: صاغرين أذلاء، وهو يشمل العابدين، والمعبودين من دون الله، فلا يكون واحد إلها، أو ولدا له ، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا.
هذا؛ وفي ﴿مَنْ﴾ تغليب العاقل على غير العاقل. تأمل. هذا؛ وفي تكرير الرحمن في هذه السورة، واختصاص هذا الاسم بالذكر مع كونه تعالى له تسعة وتسعون اسما كما رأيت في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء) بيان من العلي القدير: أنه وحده الذي يستحق هذا الاسم، ولا يستحقه غيره لأن أصول النعم وفروعها منه وحده لا شريك له، فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، فمن أضاف إليه ولدا؛ فقد جعله كبعض خلقه، وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن، واختصاصه به.
стр. 3495
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ نافية. ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، و ﴿كُلُّ:﴾ مضاف، و ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة من، التقدير:
كل شيء كائن في السموات. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿آتِي:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وآتي مضاف، و ﴿الرَّحْمنِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿عَبْداً:﴾
حال؛ لأنه بمعنى: ذليلا، وخاضعا، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ كُلُّ..﴾. إلخ تعليل للنفي في الآية السابقة لا محل لها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦)﴾
واختلف فيمن نزلت، فقيل: في علي-﵁، فقد روى البراء بن عازب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: «قل يا عليّ: اللهمّ اجعل لي عندك عهدا،
стр. 3496
واجعل لي في قلوب المؤمنين مودّة». فنزلت الآية. ذكره الثعلبي. وقال ابن عباس-﵄: نزلت في عبد الرحمن بن عوف-﵁، جعل الله له في قلوب العباد مودة، لا يلقاه مؤمن إلا وقّره، ولا مشرك، ولا منافق إلا عظّمه
الشرح: (الود): المحبة، والمودة، وهو بتثليث الواو، والمعنى: سيجعل للمؤمنين الذين يعملون الصالحات محبة في قلوب عباده المؤمنين بالإضافة إلى محبته لهم، والسين؛ لأن السورة مكية، وكانوا ممقوتين معذبين بين الكفرة، فوعد ذلك سبحانه لهم في المستقبل إذا انتشر الإسلام، وقد حقق وعده، وأنجزه بعد الهجرة.
أقول: وخصوص السبب لا يمنع التعميم، فكل من آمن بالله الإيمان الصحيح، وتحلى بالعمل الصالح، وابتعد عن إيذاء العباد يحبّه الناس، ويودونه. وذلك دليل واضح على محبة الله له، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تعالى إذا أحبّ عبدا؛ دعا جبريل ﵇، فقال: إني أحبّ فلانا، فأحبّه، فيحبّه جبريل، ثمّ ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحبّ فلانا، فأحبّوه، فيحبّه أهل السّماء، ثمّ يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا؛ دعا جبريل ﵇. وقال: إني أبغض فلانا، فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثمّ ينادي في أهل السّماء: إنّ الله يبغض فلانا، فأبغضوه. قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض». أخرجه مسلم. هذا؛ ولا تنس: الاحتراس الذي ذكرته لك في الآية رقم [٣٠] من سورة (الكهف) وغيرها.
هذا؛ وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم، ورحمتهم. وقال كعب الأحبار: مكتوب في التوراة:
لا محبة لأحد في الأرض، حتى يكون ابتداؤها من الله ، ينزلها على أهل السماء، ثم على أهل الأرض. انتهى. هذا، ولا عبرة لبغض أهل الضلال، والفساد أهل التقوى، والإيمان، وفي الحديث الشريف: «يعطى المؤمن مقة في قلوب الأبرار ومهابة في قلوب الفجّار».
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:
﴿وَعَمِلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم وهو صفة لموصوف محذوف؛ إذ التقدير: وعملوا الأعمال الصالحات. ﴿سَيَجْعَلُ:﴾ السين: حرف استقبال، وتنفيس. (يجعل):
مضارع. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله. ﴿وُدًّا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿سَيَجْعَلُ..﴾.
стр. 3497
إلخ: في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو مستأنفة.
﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧)﴾
الشرح: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أي: بينا القرآن. ﴿بِلِسانِكَ﴾ أي: بلغتك العربية، وجعلناه سهلا على من تدبّره وتأمّله. ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: الصابرين على التقوى، والمداومين عليها بأنّ لهم الجنة. ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا:﴾ وتخوف بهذا القرآن قوما أشداء الخصومة، و (لدّ) جمع الألد، وهو شديد الخصومة، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) في حق الأخنس بن شريق ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ:﴾ وقيل: (الألد) الظالم الذي لا يستقيم، ولا يقبل الحق، ويدعي الباطل، وفي سورة (الدخان): ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ وانظر شرح (لسان) في الآية رقم [٤] من سورة (إبراهيم) ﵇، و (التقوى) في الآية رقم [٢] من سورة (النحل)، وشرح (قوم) في الآية رقم [٣] منها.
الإعراب: ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَسَّرْناهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على مقدر، كأنه قيل:
بلّغ هذا المنزل عليك... فإنما... إلخ. ﴿بِلِسانِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِتُبَشِّرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَتُنْذِرَ:﴾ معطوف على (تبشر) منصوب مثله، والفاعل تقديره أنت. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْماً﴾ مفعول به.
﴿لُدًّا:﴾ صفة له.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨)﴾
الشرح: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ:﴾ انظر الآية رقم [٧٤] ففيها الكفاية، والمراد: تخويف أهل مكة، وتجسير الرسول ﷺ على إنذارهم. ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: هل تشعر بأحد من الأمم الهالكة، أو تراه بعينك. ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً:﴾ والركز: الصوت الخفي؛ أي: قد ماتوا، وهلكوا جميعا. هذا؛ و «الركاز» المال المدفون في الأرض، كأنه ركز في الأرض. هذا؛ وانظر شرح «أحد» في الآية رقم [٣٢] من سورة (الكهف)، وشرح «تسمع» في الآية رقم [٦٥] من سورة (النحل).
стр. 3498
الإعراب: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ:﴾ انظر إعراب الآية رقم [٧٤] ففيها الكفاية. ﴿هَلْ:﴾
حرف استفهام. ﴿تُحِسُّ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من أحد كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [٤] ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة، ﴿أَحَدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة: ﴿هَلْ تُحِسُّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَوْ:﴾
حرف عطف. ﴿تَسْمَعُ:﴾ مضارع، وفاعله أنت. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿رِكْزاً﴾ على مثال ما تقدم. ﴿رِكْزاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿تَسْمَعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
انتهت سورة (مريم) شرحا وإعرابا
بحمد الله، وتوفيقه.
**
стр. 3499
سورة طه
مكية، وهي مائة وأربع. وقيل: خمس وثلاثون آية، وألف وستمائة وإحدى وأربعون كلمة، وخمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، فعن عبد الله بن عباس-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «أعطيت السورة التي فيها (البقرة) من الذكر الأوّل، وأعطيت (طه) و (الطواسين) من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة (البقرة) من تحت العرش، وأعطيت المفصّل نافلة». النافلة: الزيادة. وفقنا الله لفهم ذلك. هذا؛ وقد نزلت السورة الكريمة قبل إسلام عمر-﵁، وقصته مع أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد مشهورة، مسطورة لا أطيل الكلام بذكرها هنا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿طه (١)﴾
الشرح: لقد اختلف في معناه، فقال ابن عباس-﵄: معناه: يا رجل! فيكون المراد به النبي ﷺ . وقيل: إنها لغة معروفة في قبيلة عكل، وأنشد الطبري في ذلك قول متمم ابن نويرة: [الطويل]
دعوت بطه في القتال فلم يجب... فخفت عليه أن يكون موائلا
أي: ناديته بيا رجل. وقال عبد الله بن عمرو معناه: يا حبيبي بلغة قبيلة عك. وقال قطرب:
هو بلغة طيئ، وأنشد ليزيد بن المهلهل: [البسيط]
إنّ السّفاهة طه من شمائلكم... لا بارك الله في القوم الملاعين
معناه: إن السفاهة يا حبيبي... إلخ، واستشهد بهذا البيت أيضا من قال: معناه: يا رجل كما استشهد بسابقه. وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، وقسم أقسم به. وقيل: هو اسم من أسماء النبي ﷺ سماه الله به، كما سماه محمدا، وهو المشهور، والمعروف لدى الناس، فقد روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «لي عند ربّي عشرة أسماء». فذكر: أن فيها طه، وياسين. وقيل: إنه اسم للسورة، ومفتاح لها. وقيل: إنها حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، فالطاء افتتاح اسمه: طاهر، وطيب، والهاء افتتاح اسمه: هادي. وقيل: الطاء: يا طامع بالشفاعة للأمة، والهاء: يا هادي الخلق إلى الله. وقيل: غير ذلك. وقيل: إن معناه: طأ الأرض، وذلك أن النبي ﷺ كان يحتمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورّمان، فقيل له: خفّف عن نفسك. وقيل: كان ﷺ إذا صلى قام على رجل واحدة، ورفع الأخرى، فقال الله له: طأ الأرض بقدميك يا محمد. انتهى. من
стр. 3500
القرطبي باختصار كبير. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١] من سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. ولا تنس: أن اللفظ يقرأ بقراءات كثيرة.
أما الإعراب، فهو منادى حذف منه حرف النداء على تفسيره ب: يا رجل، أو يا حبيبي، أو هو اسم علم له ﷺ ، أو هو فعل أمر على التفسير الأخير له، ولا محل له من الإعراب على اعتباره من الحروف المقطعة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤)﴾
الشرح: لقد اختلف في سبب نزول هذه الآيات، فقال الكلبي: لما نزل على النبي ﷺ الوحي بمكة؛ اجتهد في العبادة، واشتدت عبادته، فجعل يصلي الليل كله زمانا حتى نزلت هذه الآية، فأمره الله تعالى أن يخفف عن نفسه، فيصلي، وينام، فنسخت هذه الآية قيام الليل، فكان بعدها يصلي، وينام. وقال مقاتل، والضحاك: فلما نزل القرآن على النبي ﷺ ؛ قام هو، وأصحابه، فصلوا، فقال كفار قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى. وقيل: إن النبي ﷺ كان شديد التأسف والتحسر على عدم إيمان قومه، فيكون الكلام مثل الآية [٦] من سورة (الكهف). هذا؛ وأصل الشقاء في اللغة: العناء، والتعب. قال المتنبي: [الكامل]
ذو العقل يشقى في النّعيم بعقله... وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم
هذا؛ ومصدر الفعل يشقى: شقاء، وشقوة، وشقاوة، وهن ضدّ السعادة. وقد شقي شقاء، وشقاوة، وأشقاه الله، فهو شقي بيّن الشقاوة. وفي القاموس: الشقاء: الشدة، والعسر. وشقي، كرضي شقاء، وشقاوة.
﴿إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ أي: يخاف الله تعالى، وإنما خص من يخشى بالتذكرة؛ لأنه هو الذي ينتفع بالموعظة، والتذكرة. ﴿تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى﴾ أي: نزله عليك يا محمد العلي القدير الذي خلق الأرض، والسموات العلية الرفيعة؛ التي لا يقدر على خلقها في عظمها، وعلوها إلا الله تعالى.
هذا؛ ويقرأ: «(ما نزّل عليك القرآن لتشقى)» والفرق بين أنزل ونزّل: فالأول: يفيد التنزيل جملة واحدة، وأما الثاني: فإنه يفيد: أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال، على ما نرى عليه أهل الشعر، والخطابة، وهذا ممّا كان يريب المشركين، كما حكى عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ وانظر شرح
стр. 3501
(القرآن) في الآية رقم [١] من سورة (الحجر). وانظر شرح «خشي» في الآية رقم [٨٠] من سورة (الكهف). هذا؛ و ﴿الْعُلى﴾ جمع: العليا، مثل كبرى، وكبر، وصغرى، وصغر.
الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به. ﴿لِتَشْقى:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة جوازا بعد لام التعليل وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿ما أَنْزَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة على اعتبار ﴿طه﴾ منادى، أو فعلا كما رأيت، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وجوابه إن جعلته قسما.
﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿تَذْكِرَةً:﴾ منصوب على الاستثناء المنقطع، ولا يجوز أن يكون بدلا من محل ﴿لِتَشْقى﴾ لاختلاف الجنسين، ولا مفعولا له ل: ﴿أَنْزَلْنا﴾ فإن الفعل الواحد لا يتعدى إلى علتين. وقيل: هو مصدر في موقع الحال من الكاف، أو القرآن، أو المفعول له على أنّ لتشقى متعلق بمحذوف هو صفة القرآن. انتهى. بيضاوي، وهو قول الزمخشري، ودافع عنه، وأيده، وأنكره الفارسي. ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿تَذْكِرَةً﴾ أو بمحذوف صفة له، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿يَخْشى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والمفعول محذوف للعلم به.
﴿تَنْزِيلاً:﴾ مفعول مطلق بفعل محذوف، أو هو بدل من ﴿تَذْكِرَةً﴾ على اعتباره حالا فقط، وقرئ بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو، أو هذا تنزيل. ﴿مِمَّنْ﴾ متعلقان ب ﴿تَنْزِيلاً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ صلة (من)، والعائد رجوع الفاعل إليها. ﴿وَالسَّماواتِ:﴾ معطوف على ﴿الْأَرْضَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿الْعُلى:﴾ صفة (السموات) منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦)﴾
الشرح: ﴿الرَّحْمنُ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢] من سورة (الرعد) ففيها الكفاية، أو الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء). ﴿وَما تَحْتَ الثَّرى:﴾ يريد ما تحت الصخرة التي لا يعلم ما تحتها إلا هو، وهي التي ذكرها لقمان لابنه، وذلك في قوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
стр. 3502
تنبيه: قال البيضاوي رحمه الله تعالى في هذا الكلام تفخيم لشأن المنزّل بعرض تعظيم المنزل؛ أي: القرآن، بذكر أفعاله وصفاته على الترتيب الذي هو عند العقل، فبدأ بخلق السموات والأرض التي هي أصول العالم، وقدم الأرض؛ أي: في الآية السابقة؛ لأنها أقرب إلى الحسّ، وأظهر عنده من السموات العلى، ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات، وتدبير أمرها بأن قصد العرش، فأجرى منه الأحكام، والتقادير، وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسبما اقتضته حكمته، وتعلقت به مشيئته، فقال ﴿الرَّحْمنُ..﴾. إلخ ليدل بذلك على كمال قدرته، وإرادته، ولما كانت القدرة تابعة للإرادة-وهي لا تنفك عن العلم-عقب ذلك بإحاطة علمه بجليات الأمور، وخفياتها على سواء، فقال: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ..﴾. إلخ.
هذا؛ و «استوى» له في اللغة معان كثيرة. قال في «القاموس»: استوى الشيء: اعتدل، واستقام، يقال: سويت الشيء، فاستوى، واستوى الرجل: استقام أمره، وانتهى شبابه، وبلغ أشده. قال تعالى في حق موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى..﴾. إلخ. واستوى عليه: ظهر واستولى. واستوى على ظهر الدابة: استقر، وثبت.
واستوى على سرير الملك: كناية عن التملك. واستوى إلى الشيء: قصده. قال تعالى في الآية رقم [١١] من سورة (فصلت): ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ..﴾. إلخ. واستوى الطعام: نضج، والفاكهة: نضجت، وطاب أكلها. هذا؛ و ﴿اِسْتَوى﴾ هنا بمعنى: استولى، وقهر. هذا مذهب الخلف. ومذهب السلف: استوى استواء يليق به.
أما ﴿الثَّرى﴾ بالقصر، فهو التراب الندي، فإن لم يكن نديا؛ فهو تراب، ولا يقال له حينئذ:
ثرى، وفي اللسان وغيره: شهر ثرى، وشهر ترى، وشهر مرعى؛ أي: تكون الأرض ندية أولا، ثم ترى الخضرة، ثم يطول النبات حتى يصلح للرعي. هذا؛ والثراء بالمد: الغنى، وكثرة المال. والثري الغني، وكثير المال.
الإعراب: ﴿الرَّحْمنُ:﴾ مبتدأ، ﴿عَلَى الْعَرْشِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿اِسْتَوى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الرحمن، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿الرَّحْمنُ﴾ خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الرحمن، وعليه فالجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ المحذوف، أو هي في محل نصب حال من ﴿الرَّحْمنُ﴾ كما أجيز اعتبار ﴿الرَّحْمنُ﴾ بدلا من فاعل ﴿خَلَقَ﴾ فتبقى الجملة الفعلية حالا. وقال القرطبي: ويجوز النصب على المدح، فتبقى الجملة الفعلية حالا، ولكن لم أر من قرأ بالنصب. هذا؛ وقرئ بالجر بدلا من الموصول، فتبقى الجملة الفعلية حالا. وقال الزمخشري: هي خبر مبتدأ محذوف لا غير، ولا أراه قويا. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية
стр. 3503
مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها خبرا ل: ﴿الرَّحْمنُ﴾ على رفعه. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿تَحْتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، و ﴿تَحْتَ:﴾ مضاف، و ﴿الثَّرى:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ.
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ويشمل كل عاقل، والمعنى: إن ترفع صوتك بالذكر، ونحوه؛ فاعلم: أنه غني عن جهرك. ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى:﴾ قال ابن عباس ﵄: السر: ما تسر في نفسك؛ وأخفى من السر: ما يلقيه الله في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك؛ لأنك لا تعلم ما تسر اليوم، ولا تعلم ما تسر غدا، والله يعلم ما أسررت به اليوم، وما تسر به غدا. وانظر الآية [١٠] من سورة (الرعد). وانظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، والفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ بمعنى: يعرف، انظر الآية رقم [٧٤] من سورة (النحل)، وفي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب، ومنه إلى الغيبة، وذلك للتفنن. وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (النحل) تجد ما يسرك.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ: وحد الله نفسه، وذلك: أن رسول الله ﷺ دعا المشركين إلى عبادة الله تعالى، وخلع عبادة الأوثان، فكبر ذلك عليهم، فلما سمعه أبو جهل يذكر الرحمن؛ قال للوليد بن المغيرة: محمد ينهانا أن ندعو مع الله إلها آخر، وهو يدعو الله، والرحمن، فأنزل الله الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء) ثم قال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ انظر آية الإسراء المذكورة تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن) حرف شرط جازم. ﴿تَجْهَرْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِالْقَوْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنه):
حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿السِّرَّ:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية تعليل لجواب الشرط.
﴿وَأَخْفى:﴾ يجوز فيه أن يكون فعلا ماضيا، وفاعله يعود إلى الإنسان، ومفعوله محذوف، التقدير: وأخفى السر عن الخلق، أو هو أفعل تفضيل معطوف على ﴿السِّرَّ﴾ التقدير: وأخفى من السر، والمعنى عليه أقوى، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
стр. 3504
﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، التقدير: لا إله موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: اعتباره بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، والثاني: اعتباره بدلا من ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأولى والأقوى، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَسْماءُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْحُسْنى:﴾ صفة الأسماء مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً (١٠)﴾
الشرح: ﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى:﴾ قال أهل المعاني: هو استفهام، وإثبات، وإيجاب معناه: أليس قد أتاك؟ وقيل: معناه: وقد أتاك. قاله ابن عباس، وغيره، ومجيء «هل» بمعنى:
«قد» ذكره ابن هشام في مغنيه، وجعل منه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾. هذا؛ وفي ذكر نبوة محمد ﷺ في أول السورة، ثم ذكر نبوة موسى ﵊، وما جرى له مع فرعون، ثم مع قومه ذلك: ليأتم به في تحمل أعباء النبوة، وتبليغ الرسالة، والصبر على مقاساة الشدائد، فإن هذه من أوائل ما نزل.
﴿إِذْ رَأى ناراً فَقالَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄-هذا حين قضى الأجل؛ أي:
الذي عاقد شعيبا عليه، ثم استأذنه في الرجوع إلى أهله بمصر، وخرج بزوجه، وهي بنت شعيب كما ستعرفه، وتعرف نشأته في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، فلما وافى وادي طوى وفيه جبل الطور، وكانت أيام الشتاء، فأخذ على غير الطريق المعروف مخافة من ملوك الشام، وامرأته حامل في شهرها، لا يدري: أليلا تضع، أم نهارا؟ فسار في البرية غير عارف بطرقها، فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، وذلك في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد لما أراد من كرامته، فأخذ امرأته الطلق، فأخذ زنده فجعل يقدح فلا يوري، فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور، فذهب إليها. وقال لأهله:
﴿اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً:﴾ أقيموا مكانكم لأني أبصرت نارا. وقال ابن عباس-﵄: فلما توجه نحو النار؛ فإذا النار في شجرة عناب، فوقف متعجبا من حسن ذلك الضوء، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا شدة حرّ النار تغيّر حسن خضرة الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة،
стр. 3505
ولا نعمة الخضرة تغيّران حسن ضوء النهار. ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ﴾ أي: بشعلة، أو بجمرة.
﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ أي: هاديا يهديني، ويدلني على الطريق، ولما كان حصول الاثنين مترقبا متوقعا، وليس محققا بناه على الرجاء بخلاف الإيناس فإنه كان محققا، فلذا حققه. هذا؛ ومعنى الاستعلاء في قوله: ﴿عَلَى النّارِ﴾ أن أهلها مشرفون عليها، أو هم مستعلون على المكان القريب منها، ومثله قول الأعشى من قصيدة مدح بها المحلّق: [الطويل]
تشبّ لمقرورين يصطليانها... وبات على النّار النّدى والمحلّق
هذا؛ وفي سورة (النمل) قوله تعالى: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ وفي سورة (القصص) قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ والمعنى واحد، واختلاف الألفاظ لشحذ الأذهان، ويورث لذة على الأسماع، وهو دليل واضح على بلاغة القرآن الذي أخرس الفصحاء، وأسكت البلغاء من العرب، وما يتذكر إلا أولو الألباب. وقال بعضهم: لا منافاة بين هذه الأشياء، فهو تعالى ذكر الكل، إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء.
هذا؛ و ﴿آنَسْتُ:﴾ أبصرت، والإيناس: الإبصار البين، الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين؛ لأنه يبصر به الأشياء، و (القبس): الجذوة من النار.
بعد هذا فالفعل «أتى» يستعمل لازما؛ إذا كان بمعنى: حضر، وأقبل، وقرب كما في قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ..﴾. إلخ ويستعمل متعديا إذا كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في هذه الآية، ونحوها. ومثله: «جاء» في التعدية، واللزوم مع اختلاف اللفظ واتفاق المعنى. هذا؛ و ﴿مُوسى﴾ أصله: (موشى) مركّبا من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: (مو) والشجر يقال له: (شا) فعربته العرب. وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر لما ألقته أمه فيه، كما ستعرفه قريبا، أما «النار» فأصلها النّور، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فهي في المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين من أبناء المسلمين، والفعل: نار، ينور، ويستعمل لازما، ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون. وانظر شرح (الأهل) في الآية رقم [٧١] من سورة (الكهف)، وإعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] منها، وإعلال ﴿أَجِدُ﴾ مثل إعلال ﴿تَزِرُ﴾ في الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء).
الإعراب: ﴿وَهَلْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. وانظر الشرح.
﴿أَتاكَ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿حَدِيثُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿مُوسى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية
следующие страницы →