Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
(القرآن) في الآية رقم [١] من سورة (الحجر). وانظر شرح «خشي» في الآية رقم [٨٠] من سورة (الكهف). هذا؛ و ﴿الْعُلى﴾ جمع: العليا، مثل كبرى، وكبر، وصغرى، وصغر.
الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به. ﴿لِتَشْقى:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة جوازا بعد لام التعليل وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿ما أَنْزَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة على اعتبار ﴿طه﴾ منادى، أو فعلا كما رأيت، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وجوابه إن جعلته قسما.
﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿تَذْكِرَةً:﴾ منصوب على الاستثناء المنقطع، ولا يجوز أن يكون بدلا من محل ﴿لِتَشْقى﴾ لاختلاف الجنسين، ولا مفعولا له ل: ﴿أَنْزَلْنا﴾ فإن الفعل الواحد لا يتعدى إلى علتين. وقيل: هو مصدر في موقع الحال من الكاف، أو القرآن، أو المفعول له على أنّ لتشقى متعلق بمحذوف هو صفة القرآن. انتهى. بيضاوي، وهو قول الزمخشري، ودافع عنه، وأيده، وأنكره الفارسي. ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿تَذْكِرَةً﴾ أو بمحذوف صفة له، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿يَخْشى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والمفعول محذوف للعلم به.
﴿تَنْزِيلاً:﴾ مفعول مطلق بفعل محذوف، أو هو بدل من ﴿تَذْكِرَةً﴾ على اعتباره حالا فقط، وقرئ بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو، أو هذا تنزيل. ﴿مِمَّنْ﴾ متعلقان ب ﴿تَنْزِيلاً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ صلة (من)، والعائد رجوع الفاعل إليها. ﴿وَالسَّماواتِ:﴾ معطوف على ﴿الْأَرْضَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿الْعُلى:﴾ صفة (السموات) منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦)﴾
الشرح: ﴿الرَّحْمنُ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢] من سورة (الرعد) ففيها الكفاية، أو الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء). ﴿وَما تَحْتَ الثَّرى:﴾ يريد ما تحت الصخرة التي لا يعلم ما تحتها إلا هو، وهي التي ذكرها لقمان لابنه، وذلك في قوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
стр. 3502
تنبيه: قال البيضاوي رحمه الله تعالى في هذا الكلام تفخيم لشأن المنزّل بعرض تعظيم المنزل؛ أي: القرآن، بذكر أفعاله وصفاته على الترتيب الذي هو عند العقل، فبدأ بخلق السموات والأرض التي هي أصول العالم، وقدم الأرض؛ أي: في الآية السابقة؛ لأنها أقرب إلى الحسّ، وأظهر عنده من السموات العلى، ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات، وتدبير أمرها بأن قصد العرش، فأجرى منه الأحكام، والتقادير، وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسبما اقتضته حكمته، وتعلقت به مشيئته، فقال ﴿الرَّحْمنُ..﴾. إلخ ليدل بذلك على كمال قدرته، وإرادته، ولما كانت القدرة تابعة للإرادة-وهي لا تنفك عن العلم-عقب ذلك بإحاطة علمه بجليات الأمور، وخفياتها على سواء، فقال: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ..﴾. إلخ.
هذا؛ و «استوى» له في اللغة معان كثيرة. قال في «القاموس»: استوى الشيء: اعتدل، واستقام، يقال: سويت الشيء، فاستوى، واستوى الرجل: استقام أمره، وانتهى شبابه، وبلغ أشده. قال تعالى في حق موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى..﴾. إلخ. واستوى عليه: ظهر واستولى. واستوى على ظهر الدابة: استقر، وثبت.
واستوى على سرير الملك: كناية عن التملك. واستوى إلى الشيء: قصده. قال تعالى في الآية رقم [١١] من سورة (فصلت): ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ..﴾. إلخ. واستوى الطعام: نضج، والفاكهة: نضجت، وطاب أكلها. هذا؛ و ﴿اِسْتَوى﴾ هنا بمعنى: استولى، وقهر. هذا مذهب الخلف. ومذهب السلف: استوى استواء يليق به.
أما ﴿الثَّرى﴾ بالقصر، فهو التراب الندي، فإن لم يكن نديا؛ فهو تراب، ولا يقال له حينئذ:
ثرى، وفي اللسان وغيره: شهر ثرى، وشهر ترى، وشهر مرعى؛ أي: تكون الأرض ندية أولا، ثم ترى الخضرة، ثم يطول النبات حتى يصلح للرعي. هذا؛ والثراء بالمد: الغنى، وكثرة المال. والثري الغني، وكثير المال.
الإعراب: ﴿الرَّحْمنُ:﴾ مبتدأ، ﴿عَلَى الْعَرْشِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿اِسْتَوى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الرحمن، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿الرَّحْمنُ﴾ خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الرحمن، وعليه فالجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ المحذوف، أو هي في محل نصب حال من ﴿الرَّحْمنُ﴾ كما أجيز اعتبار ﴿الرَّحْمنُ﴾ بدلا من فاعل ﴿خَلَقَ﴾ فتبقى الجملة الفعلية حالا. وقال القرطبي: ويجوز النصب على المدح، فتبقى الجملة الفعلية حالا، ولكن لم أر من قرأ بالنصب. هذا؛ وقرئ بالجر بدلا من الموصول، فتبقى الجملة الفعلية حالا. وقال الزمخشري: هي خبر مبتدأ محذوف لا غير، ولا أراه قويا. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية
стр. 3503
مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها خبرا ل: ﴿الرَّحْمنُ﴾ على رفعه. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿تَحْتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، و ﴿تَحْتَ:﴾ مضاف، و ﴿الثَّرى:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ.
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ويشمل كل عاقل، والمعنى: إن ترفع صوتك بالذكر، ونحوه؛ فاعلم: أنه غني عن جهرك. ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى:﴾ قال ابن عباس ﵄: السر: ما تسر في نفسك؛ وأخفى من السر: ما يلقيه الله في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك؛ لأنك لا تعلم ما تسر اليوم، ولا تعلم ما تسر غدا، والله يعلم ما أسررت به اليوم، وما تسر به غدا. وانظر الآية [١٠] من سورة (الرعد). وانظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، والفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ بمعنى: يعرف، انظر الآية رقم [٧٤] من سورة (النحل)، وفي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب، ومنه إلى الغيبة، وذلك للتفنن. وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (النحل) تجد ما يسرك.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ: وحد الله نفسه، وذلك: أن رسول الله ﷺ دعا المشركين إلى عبادة الله تعالى، وخلع عبادة الأوثان، فكبر ذلك عليهم، فلما سمعه أبو جهل يذكر الرحمن؛ قال للوليد بن المغيرة: محمد ينهانا أن ندعو مع الله إلها آخر، وهو يدعو الله، والرحمن، فأنزل الله الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء) ثم قال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ انظر آية الإسراء المذكورة تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن) حرف شرط جازم. ﴿تَجْهَرْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِالْقَوْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنه):
حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿السِّرَّ:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية تعليل لجواب الشرط.
﴿وَأَخْفى:﴾ يجوز فيه أن يكون فعلا ماضيا، وفاعله يعود إلى الإنسان، ومفعوله محذوف، التقدير: وأخفى السر عن الخلق، أو هو أفعل تفضيل معطوف على ﴿السِّرَّ﴾ التقدير: وأخفى من السر، والمعنى عليه أقوى، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
стр. 3504
﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، التقدير: لا إله موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: اعتباره بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، والثاني: اعتباره بدلا من ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأولى والأقوى، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَسْماءُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْحُسْنى:﴾ صفة الأسماء مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً (١٠)﴾
الشرح: ﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى:﴾ قال أهل المعاني: هو استفهام، وإثبات، وإيجاب معناه: أليس قد أتاك؟ وقيل: معناه: وقد أتاك. قاله ابن عباس، وغيره، ومجيء «هل» بمعنى:
«قد» ذكره ابن هشام في مغنيه، وجعل منه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾. هذا؛ وفي ذكر نبوة محمد ﷺ في أول السورة، ثم ذكر نبوة موسى ﵊، وما جرى له مع فرعون، ثم مع قومه ذلك: ليأتم به في تحمل أعباء النبوة، وتبليغ الرسالة، والصبر على مقاساة الشدائد، فإن هذه من أوائل ما نزل.
﴿إِذْ رَأى ناراً فَقالَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄-هذا حين قضى الأجل؛ أي:
الذي عاقد شعيبا عليه، ثم استأذنه في الرجوع إلى أهله بمصر، وخرج بزوجه، وهي بنت شعيب كما ستعرفه، وتعرف نشأته في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، فلما وافى وادي طوى وفيه جبل الطور، وكانت أيام الشتاء، فأخذ على غير الطريق المعروف مخافة من ملوك الشام، وامرأته حامل في شهرها، لا يدري: أليلا تضع، أم نهارا؟ فسار في البرية غير عارف بطرقها، فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، وذلك في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد لما أراد من كرامته، فأخذ امرأته الطلق، فأخذ زنده فجعل يقدح فلا يوري، فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور، فذهب إليها. وقال لأهله:
﴿اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً:﴾ أقيموا مكانكم لأني أبصرت نارا. وقال ابن عباس-﵄: فلما توجه نحو النار؛ فإذا النار في شجرة عناب، فوقف متعجبا من حسن ذلك الضوء، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا شدة حرّ النار تغيّر حسن خضرة الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة،
стр. 3505
ولا نعمة الخضرة تغيّران حسن ضوء النهار. ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ﴾ أي: بشعلة، أو بجمرة.
﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ أي: هاديا يهديني، ويدلني على الطريق، ولما كان حصول الاثنين مترقبا متوقعا، وليس محققا بناه على الرجاء بخلاف الإيناس فإنه كان محققا، فلذا حققه. هذا؛ ومعنى الاستعلاء في قوله: ﴿عَلَى النّارِ﴾ أن أهلها مشرفون عليها، أو هم مستعلون على المكان القريب منها، ومثله قول الأعشى من قصيدة مدح بها المحلّق: [الطويل]
تشبّ لمقرورين يصطليانها... وبات على النّار النّدى والمحلّق
هذا؛ وفي سورة (النمل) قوله تعالى: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ وفي سورة (القصص) قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ والمعنى واحد، واختلاف الألفاظ لشحذ الأذهان، ويورث لذة على الأسماع، وهو دليل واضح على بلاغة القرآن الذي أخرس الفصحاء، وأسكت البلغاء من العرب، وما يتذكر إلا أولو الألباب. وقال بعضهم: لا منافاة بين هذه الأشياء، فهو تعالى ذكر الكل، إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء.
هذا؛ و ﴿آنَسْتُ:﴾ أبصرت، والإيناس: الإبصار البين، الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين؛ لأنه يبصر به الأشياء، و (القبس): الجذوة من النار.
بعد هذا فالفعل «أتى» يستعمل لازما؛ إذا كان بمعنى: حضر، وأقبل، وقرب كما في قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ..﴾. إلخ ويستعمل متعديا إذا كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في هذه الآية، ونحوها. ومثله: «جاء» في التعدية، واللزوم مع اختلاف اللفظ واتفاق المعنى. هذا؛ و ﴿مُوسى﴾ أصله: (موشى) مركّبا من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: (مو) والشجر يقال له: (شا) فعربته العرب. وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر لما ألقته أمه فيه، كما ستعرفه قريبا، أما «النار» فأصلها النّور، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فهي في المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين من أبناء المسلمين، والفعل: نار، ينور، ويستعمل لازما، ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون. وانظر شرح (الأهل) في الآية رقم [٧١] من سورة (الكهف)، وإعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] منها، وإعلال ﴿أَجِدُ﴾ مثل إعلال ﴿تَزِرُ﴾ في الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء).
الإعراب: ﴿وَهَلْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. وانظر الشرح.
﴿أَتاكَ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿حَدِيثُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿مُوسى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية
стр. 3506
مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿حَدِيثُ،﴾ أو هو متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر.
وقيل: متعلق بمحذوف مؤخر، التقدير: حين رأى نارا كان كيت، وكيت ﴿رَأى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿ناراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.
﴿فَقالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿لِأَهْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿اُمْكُثُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.
﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل وياء المتكلم اسمها. ﴿آنَسْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ناراً:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، ﴿لَعَلِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل معناه الترجي، والياء اسمها. ﴿آتِيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلِّي..﴾. إلخ تعليل ل: ﴿آنَسْتُ﴾ لا محل لها. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (قبس) كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿بِقَبَسٍ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، ﴿أَجِدُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿عَلَى النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هُدىً:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين. والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا أَتاها﴾ أي: أتى النار، واقترب منها. قيل: إن موسى ﵇ أخذ شيئا من حشيش الأرض اليابس وقصد الشجرة التي رأى فيها النار، فكان كلما دنا منها؛ نأت عنه، وإذا نأى؛ دنت منه، فوقف متحيرا، وسمع تسبيح الملائكة، وألقيت عليه السكينة، فعند ذلك ﴿نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ قيل: إنه لما نودي؛ قال: من المتكلم؟ قال: «إني أنا الله» فوسوس إليه إبليس، لعلك تسمع كلام الشيطان، فقال: أنا عرفت: أنه كلام الله؛ لأني أسمعه من جميع الجهات، وبجميع الأعضاء. قيل: إنه سمعه بكل أجزائه، حتى إن كل جارحة كانت أذنا.
стр. 3507
﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ:﴾ كان السبب فيه ما روي عن ابن مسعود-﵁-مرفوعا. قال:
كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ وإنما أمر بخلعهما صيانة للوادي المقدس. وقيل: أمر بخلعهما؛ ليباشر بقدميه تراب الأرض المقدسة؛ لتنالهما بركتها، فخلعهما، وألقاهما وراء الوادي. وقيل: أمره بخلعهما؛ لأن الحفوة تواضع، وأدب، ولذلك طاف بعض السلف حول الكعبة حافين. ﴿إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي: المطهر. ﴿طُوىً:﴾ اسم الوادي الذي حصل فيه الكلام، ويقرأ بغير تنوين على أنه معرفة مؤنث علم للبقعة. وقال في القاموس: وطوى بالضم والكسر، وينون واد بالشام. انتهى. وهو غير المذكور في الآية حتما.
هذا؛ و «الوادي» هو المنفرج بين جبلين يجري فيه السيل، ويجمع على، أودية وأوديات، وأوادية، وأوداء وأوداة. قال جرير: [الوافر]
عرفت ببرقة الأوداه رسما... محيلا طال عهدك من رسوم
ولم أعثر على «وديان» مع أنه كثير، ومستعمل. هذا؛ وقد قال أبو البقاء في جمع «واد» على: أودية، وجمع فاعل على أفعلة شاذ ولم نسمعه في غير هذا الحرف، ووجهه: أن فاعلا قد جاء بمعنى: فعيل، وكما جاء فعيل، وأفعلة كجريب، وأجربة كذلك فاعل. انتهى.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿أَتاها:﴾ ماض ومفعوله، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية (لمّا)، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها. ﴿نُودِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مُوسى،﴾ والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. (يا):
حرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (موسى): مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف للتعذر في محل نصب ب: (يا)، والجملة الندائية في محل نصب مفعول به، وهي في معنى مقول القول.
﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل يجوز أن يكون فصلا لا محل له، وأن يكون توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، وأن يكون مبتدأ. ﴿رَبُّكَ:﴾ خبر (إنّ) على الوجهين الأولين في الضمير، وخبره على الوجه الثالث، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر إن، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ يقال فيها ما قيل بالجملة الندائية قبلها. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة (أنّ)، وعليه فهي تؤوّل مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جرّ بحرف جر محذوف، التقدير:
بكوني ربك، والجار والمجرور على هذا متعلقان بالفعل ﴿نُودِيَ﴾.
стр. 3508
﴿فَاخْلَعْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأعتبرها الفاء الفصيحة، (اخلع): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿نَعْلَيْكَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا فاخلع... إلخ والكلام كله يقال فيه ما قيل فيما قبله. ﴿إِنَّكَ:﴾
حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿بِالْوادِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء. ﴿الْمُقَدَّسِ:﴾ صفة الوادي. ﴿طُوىً:﴾ بدل من الوادي، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.
﴿وَأَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾
الشرح: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ أي: اصطفيتك برسالاتي، وبكلامي، وقرئ: «(وأنّا اخترناك)».
﴿فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى:﴾ فيه نهاية الهيبة، والجلال له، فكأنه قال له: لقد جاءك أمر عظيم، فتأهب له. قيل: لما قيل له ذلك؛ وقف على حجر، واستند إلى حجر ووضع يمينه على شماله، وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع، وكان لباسه صوفا.
قال القرطبي: حسن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه، فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ﴾ وذمّ على خلاف هذا الوصف، فقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ..﴾. إلخ، فمدح المنصت لاستماع كلامه مع حضور العقل، وأمر عباده بذلك أدبا لهم، فقال: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لأنه بذلك ينال الفهم عن الله تعالى.
قال وهب بن منبه: من أدب الاستماع: سكون الجوارح، وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه، ولا يشغلها بشيء.
﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ﴾ ... ﴿لِذِكْرِي:﴾ لقد اختلف في تأويل قوله: ﴿لِذِكْرِي﴾ فقيل: يحتمل أن يريد لتذكرني فيها، أو يريد: لأذكرك بالمدح في عليين بها. وقيل: المراد: إذا نسيت الصلاة، ثم تذكرت، فصل، فعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من نسي صلاة فليصلّ إذا ذكرها، لا كفّارة لها إلاّ ذلك». متفق عليه. وقيل: المعنى: لإخلاص ذكري، وطلب وجهي، ولا ترائي فيها، ولا تطلب بها غرضا آخر.
الإعراب: ﴿وَأَنَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿اِخْتَرْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة
стр. 3509
الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وعلى القراءة الثانية فالمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها فيه، وجهان: أحدهما: هو مجرور بحرف جر محذوف، والجار والمجرور يتعلقان بالفعل بعدهما، التقدير: فاستمع لاختيارنا إياك. والثاني: هو معطوف على ما قبله؛ أي: بأني ربك، وبأنّا اخترناك.
﴿فَاسْتَمِعْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وجملة: ﴿فَاسْتَمِعْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم. التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا فاستمع. ﴿لِما:﴾ متعلقان بأحد الفعلين السابقين، و «ما»: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿يُوحى:﴾
مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، ونائب الفاعل يعود إلى (ما)، وهو العائد، أو الرابط، والمتعلق محذوف، التقدير: للذي، أو لشيء يوحى إليك. ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ في الآية رقم [١٢]. ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في الآية رقم [٨] والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر ثان ل: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّنِي..﴾. إلخ بدل من «الذي يوحى» أو هي تفسير له. تأمل. ﴿فَاعْبُدْنِي:﴾ الفاء: هي الفصيحة، (اعبدني): أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط على مثال ما رأيت. ﴿وَأَقِمِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أقم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».
﴿لِذِكْرِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: لذكري إياك، أو من إضافة المصدر لمفعوله، والفاعل محذوف، التقدير: لتذكرك إياي، و ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها:﴾ قيل: معنى ﴿أُخْفِيها﴾ أظهرها؛ لأنه يقال: خفيت الشيء، وأخفيته: إذا أظهرته، فأخفيته من حروف الأضداد يقع على الستر، والإظهار. واستدلوا بقول امرئ القيس: [المتقارب]
فإن تدفنوا الداء لا نخفه... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
أراد: لا نظهره، وقوله أيضا: [الطويل]
خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّما... خفاهنّ ودق من عشيّ مجلّب
المعنى: أظهرهن من أنفاقهن. وقال أبو بكر الأنباري: بعد ﴿أَكادُ﴾ كلام مضمر، التقدير:
أكاد آتي بها، وأيد هذا القول علي بن سليمان، والنحاس، وعليه فيبقى: ﴿أُخْفِيها﴾ من الإخفاء
стр. 3510
لا الإظهار، وتكون الجملة، مستأنفة. قال القرطبي: وهذا معنى صحيح؛ لأن الله قد أخفى الساعة التي هي القيامة، والساعة التي يموت فيها الإنسان؛ ليكون الإنسان يعمل والأمر عنده مبهم، فلا يؤخر التوبة.
وقال أبو علي الفارسي: معنى ﴿أُخْفِيها﴾ أزيل عنها خفاءها، وهو سترها، وإذا أزال عنها سترها؛ ظهرت. وحكى أبو حاتم عن الأخفش: أن «كاد» زائدة مؤكدة. قال: ومثله: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ لأن الظلمات التي ذكرها الله تعالى، بعضها يحول بين الناظر، والمنظور إليه. وروي معناه عن سعيد بن جبير، واستشهدوا بقول زيد الخير: [الطويل]
سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه... فما إن يكاد قرنه يتنفّس
أراد، فما يتنفس قرنه؛ أي: مقارنه، وهو محاربه. وقال آخر: [الطويل]
وألاّ ألوم النفس فيما أصابني... وألاّ أكاد بالذي نلت أنجح
معناه: وألا أنجح بالذي نلت. وقيل: المعنى: ﴿أَكادُ أُخْفِيها﴾ أي: أقارب ذلك. قال اللغويون: «كدت أفعل» معناه عند العرب: قاربت الفعل، ولم أفعل، وشاهده قول الله جلت عظمته: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ معناه فعلوا بعد إبطاء لتعذر وجدان البقرة عليهم. وقيل:
المعنى: أريد أخفيها. قال الأنباري: وشاهد هذا القول الفصيح من الشعر: [الكامل]
كادت وكدت، وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى
معناه: أرادت، وأردت. وقال ابن عباس-﵄: وأكثر المفسرين فيما ذكره الثعلبي: إن المعنى أكاد أخفيها من نفسي، فكيف يعلمها مخلوق، وكيف أظهرها لكم؟! وهو محمول على أنه جاء على ما جرت به عادة العرب في كلامها، من أن أحدهم إذا بالغ في كتمان الشيء. قال: أخفيه من نفسي، والله تعالى لا يخفى عليه شيء، ورد هذا الزمخشري بقوله:
ولا دليل على الكلام في هذا المحذوف، ومحذوف لا دليل عليه مطّرح. انتهى. قرطبي بتصرف.
وقال الجمل: والحكمة من إخفاء الساعة ومن إخفاء وقت الموت: أن الله تعالى وعد بعدم قبول التوبة عن قربهما، فلو عرف وقت الموت لاشتغل الإنسان بالمعصية إلى قرب ذلك الوقت، ثم يتوب، فيتخلص من عقاب المعصية، فتعريف وقت الموت كالإغراء بفعل المعصية، وهو لا يجوز. انتهى.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السّاعَةَ:﴾ اسمها. ﴿آتِيَةٌ:﴾ خبرها. ﴿أَكادُ:﴾
مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره: «أنا». وخبرها محذوف، انظر ما ذكرته في الشرح، وعلى زيادتها فلا محل لها، وعلى تفسيرها ب «أريد» فهي تامة والجملة بعدها مفعول به. وانظر الشرح بتدبر، وتعقل ينجلي لك الأمر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ السّاعَةَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو تعليلية، أو
стр. 3511
مستأنفة، لا محل لها. ﴿أُخْفِيها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ وجملة: ﴿أَكادُ﴾ معترضة في بعض الوجوه، أو الجملة في محل نصب خبر أكاد على وجه آخر وتكون جملة: ﴿أَكادُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾.
﴿لِتُجْزى:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعل، و ﴿كُلُّ﴾ مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿آتِيَةٌ﴾ أو بالفعل: (أخفي). ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل (تجزى) و (ما) تحتمل الموصولة، والمصدرية، فعلى الأول: مبنية على السكون في محل جر بالباء، وعلى الثاني:
تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسعيها؛ أي: بعملها الذي عملته.
﴿تَسْعى:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) على الوجه الأول فيها، التقدير: بالذي تسعى له من خير، أو من شر.
﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦)﴾
الشرح: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها:﴾ فلا يصرفنك عن الإيمان بالساعة ومجيئها... إلخ، والخطاب لموسى ﵊، والمراد: أمته؛ لأنه معصوم من اتباع قول من لا يؤمن بها؛ لأن فطرته السليمة لو خليت بحالها لاختارها ولم يعرض عنها. ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ أي: هوى نفسه وميله إلى اللذات المحسوسة، وخالف أوامر الله وأوامر رسله. ﴿فَتَرْدى:﴾ فتهلك مع الهالكين.
الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿يَصُدَّنَّكَ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب: (لا) الناهية، والنون حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُ بِها﴾ صلة (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: عود الفاعل إليها. ﴿وَاتَّبَعَ:﴾ ماض، وفاعله، يعود إلى من. ﴿هَواهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فَتَرْدى:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «أنت»، و «أن» المضمرة بعد الفاء، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك صد عنها، واتباع لهوى من لا يؤمن بها، فإرداء لك. والجملة الفعلية: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب: «إذا» التقدير: وإذا كانت الساعة آتية؛ فلا يصدنك... إلخ.
стр. 3512
﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى:﴾ سؤال تقرير، والحكمة فيه تنبيهه وتوقيفه على أنها عصا، حتى إذا قلبها حية علم: أنها معجزة، وإلا فقد علم الله في الأزل ما هي؟ ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها﴾ أي: أعتمد عليها في المشي، والوقوف. ﴿وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ أي:
أخبط بها ورق الشجر ليسقط. فيسهل على غنمي تناوله، فتأكله. قال الراجز: [الرجز]
أهشّ بالعصا على أغنامي... من ناعم الأراك والبشام
هذا؛ وقرئ «(أهشّ)» بكسر الهاء وضمها، كما قرئ «(أهسّ)» بالسين، والهس: زجر الغنم.
هذا؛ وأما هش، يهش بفتح الهاء، وكسرها في المضارع، فهو بمعنى: السرور، والبشاشة.
﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أي: حوائج كثيرة، واحدها: مأربة، بتثليث الراء وانظر الآية رقم [٣١] من سورة (النور)، ووصفها ب: ﴿أُخْرى﴾ بلفظ المفرد؛ لأن ﴿مَآرِبُ﴾ في معنى الجمع لغير العاقل، وما كان من هذا فإنه يعامل معاملة الواحدة المؤنثة، كقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ وكقوله تعالى: ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾.
تنبيه: تعرض كثيرون لتعديد منافع العصا منهم ابن عباس-﵄، فقال: إذا انتهيت إلى رأس بئر، فقصر الرّشا؛ وصلته بالعصا. وإذا أصابني حر الشمس؛ غرزتها في الأرض، وألقيت عليها ما يظلني. وإذا خفت شيئا من هوام الأرض؛ قتلته بها. وإذا مشيت؛ ألقيتها على عاتقي، وعلقت عليها القوس، والكنانة، والمخلاة، وأقاتل بها السباع عن الغنم.
وقال البيضاوي: وكأنه ﵊ فهم: أن المقصود من السؤال أن يتذكر حقيقتها، وما يرى من منافعها، حتى إذا رآها بعد ذلك على خلاف تلك الحقيقة، ووجد منها خصائص خارقة للعادة، مثل أن يشتعل شعبتاها بالليل كالشمع، وتصيران دلوا عند الاستقاء، وتطول بطول البئر. وتحارب عنه إذا ظهر عدو، وينبع الماء بركزها، وينضب بنزعها، وتورق، وتثمر إذا اشتهى ثمرة، فركزها؛ علم: أن ذلك آيات باهرة، ومعجزات قاهرة، أحدثها الله فيها لأجله، وليست من خواصها، فذكر حقيقتها، ومنافعها مفصلا ومجملا، على معنى: أنها من جنس العصي تنفع منافع أمثالها، ليطابق جوابه الغرض الذي فهمه. هذا؛ ومن فوائد العصا: أن الرجل إذا كبر يعتمد عليها في مشيه. قال عمرو بن أحمد الباهلي: [البسيط]
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني... ثوبي فأنهض نهض الشّارب السّكر
وكنت أمشي على رجلين معتدلا... فصرت أمشي على أخرى من الشّجر
стр. 3513
ومن فوائدها: التنبيه على الانتقال من هذا الدار، كما قيل لبعض الزهاد: مالك تمشي على العصا، ولست بكبير، ولا مريض. قال: إني أعلم أني مسافر، وأنها دار قلعة، وأن العصا آلة السفر، فأخذه بعض الشعراء فقال: [الطويل]
حملت العصا لا الضّعف، أوجب حملها... عليّ، ولا أني تحنّيت من كبر
ولكنّني ألزمت نفسي حملها... لأعلمها أنّي مقيم على سفر
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع خبر المبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِيَمِينِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من اسم الإشارة، والعامل في الحال معنى الاستفهام. هذا؛ والكوفيون يعتبرون ﴿تِلْكَ﴾ اسما موصولا، ويعتبرون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة (ما)، والتقدير عندهم، وما التي بيمينك؟ انظر مبحث ذلك في الشاهد [٨٣٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١١] والجملتان: الاسمية، والندائية مستأنفتان، وعند التأمل يتبين لك: أن الكلام من قوله تعالى:
﴿يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا﴾ إلى هنا كله في محل نصب بقوله: ﴿نُودِيَ﴾. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (موسى). ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَصايَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، وهو يقرأ بقراءات كثيرة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَتَوَكَّؤُا:﴾ مضارع والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الضمير فقط. وقيل: مستأنفة. وقيل في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وجملة: ﴿وَأَهُشُّ بِها﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿عَلى غَنَمِي:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم. منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلِيَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لي):
متعلقان بخبر مقدم. ﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿مَآرِبُ﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١)﴾
الشرح: ﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى:﴾ لما أراد الله تعالى أن يدرّبه في تلقى النبوة، وتكاليفها أمره بإلقاء العصا التي كانت بيده على الأرض. ﴿فَأَلْقاها:﴾ فقلب الله أوصافها، وأعراضها، وكانت عصا ذات شعبتين، فصارت الشعبتان لها فما، وصارت حية تسير بسرعة، وتلتقم الحجارة، فلما
стр. 3514
رآها موسى ﵇؛ خاف منها: ﴿وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ فقال الله له: ﴿خُذْها وَلا تَخَفْ﴾ وإنما أظهر له هذه الآية لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون. ويقال: إن العصا كانت بعد ذلك تماشيه، وتحادثه، ويعلق عليها أحماله، وتضيء له الشعبتان بالليل كالشمع. وقيل: إنها كانت من آس الجنة. وقيل: أتاه جبريل بها. وقيل: قال له شعيب ﵊: خذ عصا من ذلك البيت، فوقعت بيده تلك العصا، وكانت عصا آدم ﵇ هبط بها من الجنة.
﴿فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى:﴾ قيل: لما ألقاها؛ انقلبت حية صفراء بغلظ الإصبع، ثم تورمت، وانتفخت، وعظمت، فلذلك سماها الله تارة جانا نظرا إلى المبدأ، وتارة ثعبانا باعتبار المنتهى، وحية تارة أخرى باعتبار الحالين. ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى:﴾ إلى هيئتها، وحالتها المتقدمة، فلما قال الله له ذلك؛ اطمأنت نفسه، فأدخل يده في فمها، وأخذ بلحييها، فعادت كما كانت.
هذا؛ والسيرة: الحالة التي يكون عليها الإنسان غريزية كانت، أو مكتسبة، وهي في الأصل فعلة من السير، كالركبة من الركوب، ثم استعملت بمعنى: الحالة، والطريقة. قال خالد بن زهير الهذلي: [الطويل]
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها... فأوّل راض سنّة من يسيرها
تنبيه: إلقاء العصا، وانقلابها حية حصل ثلاث مرات: الأولى في طريق عودته من مدين إلى مصر، وهي المذكورة هنا، والثانية كانت بحضرة فرعون، وكانت سببا في جمع السحرة، والثالثة كانت بحضرة السّحرة، كما ستعرفه في الآيات التالية.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿أَلْقِها:﴾ أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١١] والجملة الندائية مع الجملة الفعلية قبلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَلْقاها:﴾ الفاء: حرف عطف. (ألقاها): ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى،﴾ و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: انظر الآية رقم [٦٦] الآتية.
والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿تَسْعى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿حَيَّةٌ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿حَيَّةٌ﴾ وقيل: في محل رفع خبر ثان. وقيل: في محل نصب حال من ﴿حَيَّةٌ،﴾ وكأن القائل يريد: أنها علم. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، ﴿خُذْها:﴾ أمر، وفاعله: أنت، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا تَخَفْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل أنت، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿سَنُعِيدُها:﴾ السين: حرف استقبال معناه هنا: التحقيق، والتأكيد. (نعيدها):
стр. 3515
مضارع، والفاعل: نحن، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، ﴿سِيرَتَهَا:﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: إلى سيرتها، أو هو ظرف مكان. وقيل: مفعول مطلق؛ لأن معنى ﴿سَنُعِيدُها:﴾ سنسيرها. وقال أبو البقاء: بدل من الضمير المنصوب والمعتمد الأول، وهو قول ابن هشام في المغني. ثم قال: ويحتمل ﴿سِيرَتَهَا﴾ أن يكون بدلا من ضمير المفعول بدل اشتمال؛ أي: سنعيدها طريقتها. انتهى. و (ها): في محل جر بالإضافة.
﴿الْأُولى:﴾ صفة ﴿سِيرَتَهَا﴾ مجرور مثله... إلخ، وجملة: ﴿سَنُعِيدُها..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَاُضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣)﴾
الشرح: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ:﴾ إلى جنبك تحت العضد؛ إذ يقال لكل ناحيتين:
جناحان كجناحي العسكر، وذلك استعارة من جناحي الطائر سميا بذلك؛ لأنه يجنحهما عند الطيران؛ أي: يميلهما. والمعنى أدخلها تحت عضدك، والمراد: كف اليد اليمنى، فعبر بالكل عن الجزء. هذا؛ وفي سورة (النمل) قال الله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ وقال في سورة (القصص): ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فيكون المراد أدخلها في جيبك، وأوصلها تحت العضد، وضم عليها العضد، وهو ما صرحت به آية القصص. وانظر شرح الاستعارة في الآية [٢٤] من سورة (الإسراء).
﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ:﴾ من غير عاهة قبح، كنى به عن البرص، كما كنى بالسوءة عن العورة؛ لأن الطباع تعافه، وتنفر منه. قال ابن عباس-﵄: كان ليده نور ساطع، يضيء بالليل، والنهار كضوء الشمس، والقمر، فكان يعشي البصر من شدته. ﴿آيَةً أُخْرى﴾ أي:
معجزة ثانية بعد العصا، وعلامة واضحة على نبوّتك.
﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى:﴾ قال ابن عباس-﵄: كانت يد موسى أكبر آياته.
هذا؛ وانظر شرح (اليد) في الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) وشرح (سوء) في الآية رقم [٢٨] منها، أما «غير» فهو اسم شديد الإبهام، لا يتعرف بالإضافة لمعرفة وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها إن فهم المعنى، أو تقدمت عليها كلمة ليس، يقال: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم، أو الفتح خلاف، ولا تنس: أنّ بقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ احتراسا دفع توهم البياض لمرض من برص، ونحوه.
الإعراب: ﴿وَاضْمُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اضمم): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».
﴿يَدَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى جَناحِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما،
стр. 3516
والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَاضْمُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿تَخْرُجْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، والفاعل يعود إلى ﴿يَدَكَ﴾ والجملة الفعلية من جملة مقول القول.
﴿بَيْضاءَ:﴾ حال من الضمير المستتر. ﴿مِنْ غَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَخْرُجْ﴾ أو متعلقان بمحذوف حال من الضمير في ﴿بَيْضاءَ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَيْضاءَ﴾ وهو ضعيف، وتعليقهما بنفس ﴿بَيْضاءَ﴾ جيد لما فيها من معنى الفعل، نحو ابيضت من غير سوء. ﴿آيَةً:﴾
حال أخرى من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾ المستتر، وهي في معنى البدل من ﴿بَيْضاءَ،﴾ أو هي حال من الضمير المستتر في ﴿بَيْضاءَ﴾. وقيل: منصوبة بفعل محذوف، التقدير: جعلناها آية، ونحوه.
﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿آيَةً﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِنُرِيَكَ:﴾
مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف يدل عليه ﴿آيَةً﴾ التقدير: دللنا بها لنريك، ونحوه. ﴿مِنْ آياتِنَا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْكُبْرى﴾ تقدمت عليها، وعليه ف: ﴿الْكُبْرى﴾ مفعول ثان، أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف مفعول به ثان، وعليه ف: ﴿الْكُبْرى﴾ صفة ﴿آياتِنَا﴾ والنصب والجر مقدر على الألف للتعذر، و (نا): في محل جر بالإضافة.
﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥)﴾
الشرح: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ﴾ أي: بهاتين الآيتين، وذلك بعد أن آنسه بالعصا واليد، وأراه ما يدل على أنه رسول أمره بالذهاب إلى فرعون. ﴿إِنَّهُ طَغى:﴾ عصى، وتكبر، وكفر، وتجبر، وتجاوز الحد. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (الإسراء).
﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي:﴾ قال البيضاوي: لما أمره الله بخطب عظيم، وأمر جسيم؛ سأله أن يشرح صدره، ويفسح قلبه، لتحمل أعبائه، والصبر على مشاقه، والتلقي لما ينزل عليه، ويسهل له الأمر بإحداث الأسباب، ورفع الموانع، وفائدة ﴿لِي﴾ إبهام المشروح، والميسر أولا، ثم رفعه بذكر الصدر، والأمر تأكيدا، ومبالغة. هذا؛ وقد قال الزمخشري: فإن قلت: ﴿عَلَى﴾ من قوله: ﴿اِشْرَحْ لِي..﴾. إلخ: ما جدواه؟ والكلام مستتب بدونه. قلت: أبهم الكلام
стр. 3517
أولا: فقيل: ﴿اِشْرَحْ لِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي﴾ فعلم أن ثمّ مشروحا، وميسرا، ثم بين، ورفع الإبهام بذكرهما، فكان آكد لطلب الشرح، والتيسير لصدره، وأمره. انتهى. هذا؛ وشيء آخر يلحظ من ذكرهما، وهو الاعتراف بنعمة الله تعالى، وأن شرح الصدر، وتيسير الأمر لا يكونان إلا منه تعالى.
﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي:﴾ المراد بالعقدة التي كانت بلسانه: الرّتّة التي حصلت من الجمرة التي التقمها، وذلك: أن موسى ربّي في حجر فرعون، فكان يلاعبه ذات يوم، فلطم موسى فرعون لطمة على وجهه، وأخذ بلحيته، فقال فرعون لامرأته آسية بنت مزاحم، وهي بنت عمّ موسى: إن هذا عدوي، وأراد قتله، فقالت له آسية ﵍: إنه صبي لا يعقل، جربه؛ إن شئت، فجاءت بطستين، في أحدهما جمر، وفي الآخر جوهر. وقيل: تمر، فوضعتهما بين يدي موسى؛ وفرعون ينظر، فأراد أن يأخذ الجوهر، فأخذ جبريل-﵇-يد موسى ﵇، فوضعها على الجمر، فأخذ جمرة، فوضعها في فمه، فاحترق لسانه، وصارت فيه عقدة ومعنى ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ يفهموه. هذا؛ ولقد اختلف في زوال العقدة بكمالها، فمن قال به تمسك بقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ومن لم يقل به فقد احتج بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً﴾ وقوله: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾.
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي﴾ أي: معينا، وظهيرا، والوزير: من يوازرك، ويحتمل عنك بعض ثقل عملك. أو هو من الوزر، وهو الملجأ؛ لأن الملك يعتصم برأيه، ويلجأ إليه في أموره العظام، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ﴾ ثم عين الوزير بقوله: هارون أخي، وكان هارون ﵇ أكبر من موسى، وأفصح لسانا، وأجمل، وأوسم، وكان أبيض اللون، وكان موسى آدم أقنى جعدا، وكان هارون ألين عريكة من موسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف ألف ألف صلاة، وألف ألف ألف سلام.
﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ أي: قوّ به ظهري، واجعله سندا في أموري. ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي: في أمر النبوة وتبليغ الرسالة. هذا؛ وكان هارون ﵇ بمصر في أهله، فأمر الله موسى أن يأتي هو، وهارون فرعون، وأوحى الله إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة، وأخبره بما، أوحى إليه، فقال له موسى: إن الله أمرني أن آتي فرعون، وسألت ربي أن يجعلك معي رسولا.
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ أي: نصلي لك، ونعبدك، ونقدسك. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً:﴾ وفحواه: أن التعاون على الأمور يهيج الرغبات ويؤدي إلى تزايد الخير، وتكاثره، وهذا ملموس في الحضور إلى المساجد، فإن المسلم تشتد رغبته في العبادة، ويكثر نشاطه حينما يرى إخوانه يسبقونه إلى المساجد، ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾. ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً:﴾ عالما بأحوالنا، وتصرفاتنا، وأن
стр. 3518
التعاون ممّا يصلحنا، ويقوي عزمنا، وقد أحسنت إلينا فيما مضى من أعمارنا، فأحسن إلينا فيما بقي منها يا أرحم الراحمين! آمين!
الإعراب: ﴿اِذْهَبْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. والهاء في محل نصب اسمها. ﴿طَغى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾
ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣] من سورة (مريم)
﴿اِشْرَحْ:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿صَدْرِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وإعراب ما بعدها مثلها. ﴿مِنْ لِسانِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿عُقْدَةً،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿يَفْقَهُوا:﴾
مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف. ﴿قَوْلِي:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.
هذا؛ وقال أبو البقاء: وفي مفعولي، (اجعل) ثلاثة أوجه: أحدها: أنهما ﴿وَزِيراً﴾ و ﴿هارُونَ﴾ ولكن قدم المفعول الثاني، فعلى هذا يجوز أن يتعلق ﴿لِي﴾ ب: (اجعل) وأن يكون حالا من ﴿وَزِيراً﴾ أي: على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». والثاني: أن يكون ﴿وَزِيراً﴾ مفعولا أول، و ﴿لِي﴾ الثاني، و ﴿هارُونَ﴾ بدل، أو عطف بيان، و ﴿أَخِي﴾ كذلك. والثالث: أن يكون المفعول الثاني: ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ و ﴿لِي﴾ تبيين مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ و ﴿هارُونَ أَخِي﴾ على ما تقدم، ويجوز أن ينتصب ﴿هارُونَ﴾ بفعل محذوف؛ أي: اضمم إليّ هارون. انتهى. ولم يعلق ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ بالوجهين السابقين، وهما متعلقان بالفعل (اجعل) أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿وَزِيراً﴾.
﴿اُشْدُدْ﴾ و (أشركه): هذان الفعلان يقرآن بصيغة الأمر، وعليه فهما فعلا دعاء، وفاعلهما مستتر تقديره: «أنت»، ويقرآن بصيغة المضارع، وعليه فالأول: مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والثاني: معطوف عليه، وفاعلهما مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». هذا؛ وحاصل ما ذكر في هذين الفعلين قراءات خمسة. والجار والمجرور ﴿بِهِ﴾ متعلقان بالفعل ﴿اُشْدُدْ﴾. ﴿أَزْرِي:﴾
مفعول به، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي أَمْرِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (أشركه) وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر
стр. 3519
بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر؛ إذ الأصل: فيما تأمرني به. ﴿كَيْ:﴾
حرف ناصب ﴿نُسَبِّحَكَ:﴾ منصوب ب: ﴿كَيْ﴾ والفاعل: نحن، والكاف مفعول به. ﴿كَثِيراً﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: نسبحك تسبيحا كثيرا، و ﴿كَيْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف التقدير: لكي نسبحك، والجار والمجرور متعلقان بأحد الأفعال: (اجعل) ﴿اُشْدُدْ،﴾ (أشركه) على التنازع، ولا تنس: أن بعضهم يعتبر الناصب «أن» مضمرة بعد ﴿كَيْ،﴾ والمصدر المؤول منها، ومن المضارع في محل جر ب: ﴿كَيْ﴾. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ (٣٤) معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.
﴿كُنْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. ﴿بِنا:﴾ متعلقان بما بعدهما.
﴿بَصِيراً:﴾ خبر (كان) وجملة: ﴿كُنْتَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للتسبيح، والذكر، وأخيرا ينبغي أن تعلم أن الكلام من قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على محمد الهادي وسلم.
﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله تعالى. ﴿قَدْ أُوتِيتَ:﴾ أعطيت، ﴿سُؤْلَكَ:﴾ ما سألت، وطلبت، و «السّؤل»: فعل بمعنى: مفعول كالخبز بمعنى: المخبوز، والأكل بمعنى: المأكول. ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا:﴾ أنعمنا، وتفضلنا من النعمة. ﴿عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ أي: قبل إجابة طلبتك هذه، وهي حفظه سبحانه له من شر الفراعنة حين حاولوا قتله؛ وهو صبي مع ما قتلوا من صبيان بني إسرائيل. ﴿إِذْ أَوْحَيْنا..﴾. إلخ: وبذلك بإلهام الله لها، أو في المنام، أو على لسان نبي في وقتها، لا على وجه النبوة، وكذلك كما، أوحى إلى مريم ﵍، بعد هذا انظر شرح ﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ في الآية رقم [٧٨] من سورة (النحل) وشرح «الوحي» في الآية رقم [٦٨] منها، وشرح ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء). وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٢١] من سورة (مريم).
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أُوتِيتَ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿سُؤْلَكَ:﴾ مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله.
﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر. اللام: واقعة في جواب القسم المقدر: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَنَنّا:﴾ ماض، وفاعله.
وانظر إعراب ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم). ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
стр. 3520
﴿مَرَّةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿مَرَّةً﴾ منصوب مثله... إلخ. هذا؛ وقيل: ﴿مَرَّةً﴾ مصدر، وهو يعني: أنه مفعول مطلق، وبالأحرى نائب مفعول مطلق. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدلا من ﴿مَرَّةً﴾ على اعتباره ظرفا، ومتعلق ب: ﴿مَنَنّا﴾ على اعتبار مرة مصدرا. وقيل: هو حرف تعليل. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلى أُمِّكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (ما)، لا محل لها، وجملة: ﴿(لَقَدْ...)﴾ إلخ جواب القسم لا محل لها، والكلام: ﴿قَدْ أُوتِيتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
تنبيه: بعضهم يعتبر الواو عاطفة بقوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبران الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو أقسم والله. اللام واقعة في جواب القسم المحذوف. وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام، إنما تدخل على «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد.
فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم، فالجواب:
أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ فإن التقدير: ورب الضحى، ورب السماء... إلخ الدليل عليه التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم)، وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب، والله أعلم، وأجل، وأعظم.
﴿أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩)﴾
الشرح: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ﴾ أي: ألهمنا أمك، وقلنا لها: ألقيه في التابوت، وذلك حين ولدتك، وخافت عليك من القتل. قال مقاتل: الذي صنع التابوت، ونجره مؤمن آل فرعون،
стр. 3521
وكان اسمه: حزقيل. ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ:﴾ فاطرحيه في نهر النيل، و ﴿الْيَمِّ﴾ في الأصل: البحر، فأطلق على نهر النيل لعظمه.
﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ أي: شاطئ النهر، وكانت أمه قد جعلت فيه قطنا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه، وشقوقه، ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر صغير، فدفعه الماء إليه، فأداه إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسا على رأسها مع امرأته:
آسية بنت مزاحم، فأمر به ففتح، فإذا فيه صبي أصبح الناس وجها، فأحبه حبا شديدا، وذلك قوله تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ وقيل: كان لفرعون بنت برصاء، فقال له الأطباء: لا تبرأ إلا من قبل البحر، يوجد فيه شبه إنسان، دواؤها ريقه، فلما رأته البنت أخذت من ريقه فلطخت به برصها، فبرئت. هذا؛ وقوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ..﴾. إلخ أمر بمعنى: الخبر، مثل رقم [٧٥] من سورة (مريم).
هذا؛ وقيل: جعل الله في عيني موسى ﵇ ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه، وعطف عليه. وفي محبة فرعون لموسى ﵇ هنا تناقض مع قوله تعالى في سورة (القصص):
﴿وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ..﴾. إلخ فقال فرعون لها: أمّا لك فنعم، وأمّا لي فلا، فروي أن رسول الله ﷺ قال: «لو أنّ فرعون قال: نعم قرة عين لي ولك؛ لآمن وصدّق».
فقالت: هبه لي، ولا تقتله، فوهبه لها، والتوفيق بين ما هنا وبين آية القصص أن يقال: المراد محبة من رآه من الناس أجمعين، أما محبة فرعون له، فهي حماية الله له من أن يقتله فرعون، بل في تبنيه له بعد ذلك، وتربيته في بلاطه تربية دلال، وعزة، ورفاهية. وانظر سورة (القصص) فالكلام فيها، أوفى، وأتم. هذا؛ وفي إسناد الإلقاء إلى اليم، وهو لا يعقل تمثيل لمشيئة الله تعالى وإرادته التي لا تخطئ، ولا يعزب عنها شيء، فأسند إليه الإلقاء المقرر في علم الله الأزلي كأنه عاقل ذو تمييز يطيع، ويمتثل ما يؤمر به.
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ أي: تربى، وتغذى على مرأى مني، بل وبعنايتي، ورعايتي. هذا؛ وانظر شرح ﴿عَيْنٍ﴾ في الآية رقم [٨٦] من سورة (الكهف)، أما ﴿عَدُوٌّ﴾ فهو ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى: فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث إلا لفظا واحدا جاء نادرا. قالوا: هذه عدوّة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ والجمع: أعداء، وأعاد، وعدات وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع، وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم والكسر اسم الجمع.
الإعراب: ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. وقيل: حرف مصدري. ﴿اِقْذِفِيهِ:﴾ أمر مبني على حذف النون، والياء فاعله، والهاء مفعول به. وانظر إعراب (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة
стр. 3522
(مريم) ﵍. ﴿فِي التّابُوتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مفسرة للإيحاء لا محل لها. وقال الشلوبين: بحسب ما تفسره. هذا؛ وعلى اعتبار ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل نصب بدلا من ﴿ما،﴾ والأول: أقوى؛ لأن ﴿أَنِ﴾ مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وجملة: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿فَلْيُلْقِهِ:﴾ الفاء:
حرف عطف. اللام: لام الأمر. (يلقه): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء مفعول به. ﴿الْيَمِّ:﴾ فاعله.
﴿بِالسّاحِلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْيَمِّ﴾ التقدير:
مطروحا بالساحل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿يَأْخُذْهُ:﴾ مضارع مجزوم بجواب الأمر، أو بجواب لام الأمر، والهاء مفعول به. ﴿عَدُوٌّ:﴾ فاعل. ﴿لِي:﴾ متعلقان ب: ﴿عَدُوٌّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية لا محل لها ﴿وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ معطوف على ما قبله.
﴿وَأَلْقَيْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَحَبَّةً:﴾ مفعول به.
﴿مِنِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف صفة ﴿مَحَبَّةً﴾ وجملة: ﴿وَأَلْقَيْتُ..﴾. إلخ:
مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة: ﴿أَوْحَيْنا..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، ويكون في الكلام التفات من الجمع إلى التكلم بالمفرد. ﴿وَلِتُصْنَعَ:﴾ يقرأ بالجزم على أنّ اللام لام الأمر، وهو مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:
﴿فَلْيُلْقِهِ..﴾. إلخ، ويكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، وتقدير الكلام في الأصل:
وليصنعك غيرك بأمري، وقراءة الجمهور بكسر اللام، وفتح العين فهو منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على محذوف، وذلك المحذوف متعلق بالفعل (ألقيت) التقدير: ألقيت عليك محبة مني ليعطف الناس عليك ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة.
﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠)﴾
الشرح: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ واسمها: مريم، وهي غير أم عيسى، وكانت أمها قد أمرتها باتباع أثره، وتلقّي أخباره، كما في سورة (القصص). ﴿فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ:﴾ لمّا وهبه فرعون لامرأته، وأحبته؛ طلبت له المراضع، فأبى أن يأخذ ثدي واحدة منهن، فلما رأت البنت ذلك تقدّمت. وقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ قالوا:
стр. 3523
فأحضريها! فأحضرتها، فناولته ثديها، فأخذه، فسرت آسية سرورا عظيما بذلك، فاستأجرتها لرضاعه، كما ستعرفه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، وهو مفاد قوله تعالى هنا:
﴿فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي: بلقائك، ورؤيتك. وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍.
﴿وَلا تَحْزَنَ﴾ أي: لفراقك. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً:﴾ المراد به القبطي الذي قتله خطأ، كما ستعرف قصته في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، وكان طباخا لفرعون. وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٣٥] من سورة (الأنبياء)، وكان عمره إذ ذاك ثلاثين سنة. وقيل: اثنتي عشرة سنة، والمعتمد الأول. ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي: من الخوف، والكرب الذي أصابك بسبب قتل القبطي؛ لأنه خاف من القتل، أو الحبس. ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ أي: اختبرناك اختبارا، وأخلصناك إخلاصا للرسالة.
قال ابن عباس-﵄: الفتون: وقوعه في محنة بعد محنة، وخلصه الله منها:
أولها: أن أمه حملت فيه في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الصبيان، ثم إلقائه في البحر في التابوت، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أخذه بلحية فرعون حتى همّ بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الجوهرة، ثم قتله القبطي، ثم خروجه إلى مدين خائفا يترقب، ثم رعايته الغنم. انتهى. ويضاف إلى ذلك ما لقيه في ذهابه إلى مدين من مشقة السفر، ومفارقة الأهل، والوطن، والمشي راجلا على حذر، وفقد الزاد، والماء، ونحو ذلك.
﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ:﴾ هي عشر على المعتمد. وقيل: ثمانية وعشرون سنة، والمعتمد الأول.
﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ:﴾ هي بلدة شعيب ﵊ على ثمان مراحل من مصر. و «مدين» هو اسم ابن إبراهيم الخليل، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، ثم صار علما للقبيلة من أولاده. وقيل: هو في الأصل اسم مدينة بناها مدين المذكور. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ:﴾ على القدر الذي قدرت لك أن تجيء فيه، وذلك على رأس أربعين سنة، وهو القدر؛ أي: السن الذي يوحى إلى الرسل فيه. قال جرير في مدح عمر بن عبد العزيز، حين تولى الخلافة الإسلامية، وعمره في حدود الأربعين-﵁: [البسيط]
جاء الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر
هذا؛ وقال الجمل نقلا عن شيخه: وحاصل ما ذكره الله من المنن على موسى من غير سؤال ثمانية: الأولى: قوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنا..﴾. إلخ إلى قوله: ﴿وَعَدُوٌّ لَهُ﴾. الثانية: قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً..﴾. إلخ الثالثة: قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ..﴾. إلخ إلى قوله: ﴿مَنْ يَكْفُلُهُ﴾. الرابعة: قوله:
﴿فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ﴾ إلخ إلى قوله: ﴿وَلا تَحْزَنَ﴾. الخامسة: قوله: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ﴾. السادسة: قوله: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾. السابعة: قوله: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ..﴾. إلخ إلى قوله:
﴿يا مُوسى﴾. الثامنة: قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
стр. 3524
واذكر أن وضع موسى ﵇ في تابوت محكم الإغلاق، لا يدخله الهواء، وإلقاؤه في لجّة اليم، وبقاؤه حيا إنما هو معجزة باهرة فيها عظة بالغة لقوم يتعظون، كل واحد يدرك: أنّ كل ذي روح إذا حبس عنه الهواء لحظات يموت، وما أشبه هذه المعجزة بمعجزة يونس ﵇ الذي التقمه الحوت، وجاب به أعماق البحار، وبقي حيا أيضا حتى نبذه إلى شاطئ البحر.
الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. أو هو مفعول به لهذا المقدر. أو هو متعلق بأحد الفعلين السابقين. أو هو بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى. وقال الجلال، ووافقه الجمل عليه: حرف تعليل. ﴿تَمْشِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿أُخْتُكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. (تقول): مضارع، والفاعل يعود إلى (أختك). ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أَدُلُّكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: أنا، والكاف مفعول به. ﴿عَلى مَنْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿مَنْ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. ﴿يَكْفُلُهُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (تقول..) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.
﴿فَرَجَعْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فأجيبت، فجاءت بأمها، فقبلت ثديها. وانظر الشرح. ﴿إِلى أُمِّكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كَيْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقَرَّ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿كَيْ﴾. ﴿عَيْنُها:﴾ فاعل، و (ها): في محل جر بالإضافة، و ﴿كَيْ:﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل:
إن النصب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿كَيْ﴾ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٣٣]. ﴿وَلا:﴾ الواو:
حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَحْزَنَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿أُمِّكَ﴾. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:
﴿فَرَجَعْناكَ﴾ وجملة: ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ معطوفة عليها أيضا، وجملة: ﴿وَفَتَنّاكَ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿فُتُوناً:﴾ مفعول مطلق مثل: القعود، والجلوس. أو هو منصوب على نزع الخافض؛ إذا كان جمع: فتنة، فيكون المعنى: اختبرناك بأنواع الفتن، والشدائد.. ﴿فَلَبِثْتَ:﴾ فعل، وفاعل.
﴿سِنِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي أَهْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و ﴿مَدْيَنَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿فَلَبِثْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.
﴿جِئْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلى قَدَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل؛ أي: موافقا على
стр. 3525
قدر، والجملة الفعلية: ﴿جِئْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١].
هذا؛ والكلام كله من قول الله تعالى. تأمل، وتدبر.
﴿وَاِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾
الشرح: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أي: اخترتك، واصطفيتك لرسالتي، ووحيي لتتصرف على إرادتي، ومشيئتي، ومحبتي، وذلك لأن قيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله، ومحبته. انتهى. خازن. هذا؛ ومثله فيما خوله الله من الكرامة مثل من قربه الملك، واستخلصه لنفسه. ﴿بِآياتِي:﴾ بمعجزاتي. قال ابن عباس-﵄: المراد بها الآيات التسع. انتهى. ﴿وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي:﴾ قال ابن عباس: لا تضعفا في أمر الرسالة، وقاله قتادة.
وقيل: لا تفترا. قال العجاج: [الرجز]
فما ونى محمد مذ أن غفر... له الإله ما مضى وما غبر
والونى: الضعف، والفتور، والإعياء، والكلال. قال امرؤ القيس: [الطويل]
مسح إذا ما السابحات على الونى... أثرن غبارا بالكديد المركّل
هذا؛ وفلان لا يني كذا؛ أي: لا يزال، وبه فسر أبان معنى الآية، واستشهد بقول طرفة: [الطويل]
كأنّ القدور الرّاسيات أمامهم... قباب بنوها لا تني أبدا تغلي
الإعراب: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿لِنَفْسِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿اِذْهَبْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر.
﴿وَأَخُوكَ:﴾ معطوف على الضمير المستتر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِآياتِي:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر وما عطف عليه، التقدير: مصحوبين بآياتي، وعلامة الجر كسرة مقدرة... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا) ناهية. ﴿تَنِيا:﴾ مضارع تام، أو ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، أو اسمه. ﴿فِي ذِكْرِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف خبره على نقصانه، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تَنِيا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها، والكلام من مقول الله تعالى. تأمل.
стр. 3526
﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤)﴾
الشرح: ﴿اِذْهَبا..﴾. إلخ: فقد حذف الله المذهوب به ﴿بِآياتِي﴾ هنا، وذكره في الآية السابقة، بينما حذف في الآية السابقة المذهوب إليه، وهو فرعون، فقد حذف من كل واحد ما أثبته في الآخر، وهذا يسمى في فن البلاغة احتباكا. هذا؛ وانظر طغى في الآية رقم [٢٤] أما فرعون فقد قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة؛ أي: دهاء، ومكر، وفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر، ككسرى، وقيصر لملكي الفرس، والروم، وكان فرعون موسى ﵇ مصعب بن ريان. وقيل: ابنه الوليد من بقايا عاد، وفرعون يوسف ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة.
وكان ملك فرعون أربعمائة سنة، وعاش ستمائة وعشرين سنة، ولم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو وجع يوم، أو حمّى يوم لما ادعى الربوبية.
هذا؛ وقد كان هارون في مصر، ولم يكن حاضرا في مجلس المناجاة، وإنما جمعهما في هذا الخطاب من باب تغليب الحاضر على الغائب، وقد ذكر: أن الله في ذلك الوقت أرسل جبريل بالرسالة إلى هارون، فيكون الخطاب إليهما في وقت واحد، وهما في مكانين متباعدين، والله أعلم.
﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً:﴾ فيه دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون ذلك باللين من القول لمن معه القوة، وضمنت له العصمة، واختلف في معنى اللين، فقالت فرقة: كنياه، وكانت كنيته أبو العباس، أو أبو الوليد، أو أبو مرة، فعلى هذا القول تكنية الكافر جائزة، وقد كنى الرسول ﷺ ناسا من الكافرين، وناسا من المنافقين. وقال ﵊: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه».
وقيل: القول اللين مثل: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة. وقيل: عداه شبابا لا يهرم بعده، وملكا لا يزول إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم، والمشرب، والمنكح إلى حين موته، فلما أتاه موسى ووعده بذلك أعجبه، وكان لا يقطع أمرا دون هامان، وكان غائبا، فلما قدم؛ خبره بالذي دعاه إليه موسى. وقال: أردت أن أقبل منه. فقال له هامان، كنت أرى أن لك رأيا، وعقلا، أنت رب تريد أن تكون مربوبا، وأنت تعبد تريد أن تعبد غيرك؟! فقال فرعون: ما قلته صواب! وغلبه على رأيه.
﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ أي: يتعظ، ويخاف، ويسلم. فإن قيل: كيف قال: لعله يتذكر، وقد سبق في علمه: أنه لا يتذكر، ولا يسلم، فالجواب: معناه: اذهبا على رجاء منكما،
стр. 3527
وطمع، وقضاء الله وراء أمركما. وقيل: هو إلزام الحجة، وقطع المعذرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾. هذا؛ وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ الرازي الآية فبكى يحيى. وقال: إلهي هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله. انتهى. خازن بتصرف.
هذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وانظر: ﴿يَخْشى﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (الكهف).
الإعراب: ﴿اِذْهَبا:﴾ أمر، مبني على حذف النون، وألف الاثنين فاعله. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية فيها معنى التوكيد لما قبلها. ﴿إِنَّهُ﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿طَغى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى فرعون، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿فَقُولا:﴾
الفاء: حرف عطف. ﴿فَقُولا:﴾ أمر وفاعله. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿فَقُولا:﴾ مفعول مطلق. ﴿لَيِّناً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لَعَلَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها. ﴿يَخْشى:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. هذا؛ والكلام من تتمة مقول الله تعالى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥)﴾
الشرح: ﴿قالا﴾ أي: موسى، وهارون، وذلك بعد تلاقيهما، واجتماعهما، وتوجيه الأمر إليهما بالذهاب إلى فرعون معا. وانظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء).
﴿رَبَّنا:﴾ انظر الآية رقم [٨] منها. ﴿إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا:﴾ أن يعجّل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى إتمام الدعوة، وإظهار المعجزة. يقال: فرط مني أمر؛ أي: بدر، ومنه: الفارط في الماء الذي يتقدم القوم إلى الماء. قال الرسول ﷺ : «وأنا فرطكم على الحوض». وقرئ بقراءات كثيرة منها «(يفرِط)» من الرباعي ومعناه: يشطط، ويتجاوز الحد في أذيتنا. قال الراجز: [الرجز]
قد أفرط العلج علينا وعجل
وانظر الآية رقم [٦٢] من سورة (النحل)، ففيها مزيد فائدة. وانظر: «الخوف» و «التخوف» في الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد). ﴿أَوْ أَنْ يَطْغى:﴾ يجاوز الحد في الإساءة إلينا، أو يزداد طغيانا، فيقول فيك: ما لا ينبغي لجراءته، وقساوته، وخلوه من حسن الأدب. وانظر الآية رقم [٢٤].
стр. 3528
الإعراب: ﴿قالا:﴾ ماض، والألف فاعله. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا):
في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿نَخافُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَنْ يَفْرُطَ:﴾ مضارع منصوب ب: (أن)، والفاعل يعود إلى فرعون، ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿نَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَطْغى﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله.
﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما:﴾ بالحفظ، والنصرة، والمعونة. ﴿أَسْمَعُ وَأَرى﴾ أي:
ما يجري بينكما، وبينه من قول، وفعل، فأحدث في كل حال ما يصرف شره عنكما، ويوجب نصرتي لكما. هذا؛ وفي الآية الكريمة، وسابقتها دليل واضح على أنّ الخوف من الأعداء، والحذر من شرهم إنما هو سنة الله في أنبيائه، وأوليائه مع معرفتهم به وثقتهم بنصره، ومنه حفر النبي ﷺ الخندق حول المدينة تحصينا للمسلمين، وأموالهم مع كونه من التوكل والثقة بربه بمحل لم يبلغه أحد، ثم كان من أصحابه ما لا يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم مرة إلى الحبشة، ومرة إلى المدينة، تخوفا على أنفسهم من مشركي مكة، وهربا بدينهم أن يفتنوهم عنه بتعذيبهم. وخاب الفسقة والفجرة الذين يصمون الصديق-﵁-بالجبن، وضعف الإيمان لما ناله من الخوف في ليلة الهجرة الشريفة، ودخوله مع حبيبه ﷺ الغار، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله) تعالى، ﴿لا تَخافا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّنِي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿مَعَكُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (إنّ)، ولا يتعلق بالفعل بعده لفساد المعنى، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَسْمَعُ:﴾
مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: (إنّ)، وجملة: ﴿وَأَرى﴾ مع المفعول المحذوف لتساوي رءوس الآي معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، واعتبار الجملتين حالا من الضمير المستتر في الخبر المحذوف جيد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّنِي..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 3529
﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (٤٧)﴾
الشرح: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ أي: أرسلنا الله إليك يا فرعون؛ لندعوك إلى الإيمان به، وإلى عبادته. ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: أطلقهم، وخلهم يسيرون معنا، ويتركون بلادك.
﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ أي: بالأعمال الشاقة، والتكاليف الصعبة، وقتل الصبيان، فإنهم كانوا في أيدي القبط، يستخدمونهم، ويتعبونهم بالعمل، ويقتلون الذكور عاما، دون عام، وقد ذكّر الله بني إسرائيل بهذا بعد أن أنجاهم من كيد فرعون في كثير من الآيات. ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ:﴾ قال فرعون: وما هي؟ فأخرج موسى يده من تحت عضده؛ فإذا لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب منها فرعون، ولم يره العصا إلا في يوم الزينة، كذا قيل، وقال البيضاوي: وإنما وحد الآية، وكان معه آيتان؛ لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها، لا الإشارة إلى وحدة الحجة، أو تعددها، وكذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ﴾. ﴿وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى:﴾ ليس المراد من هذا السّلام سلام التحية، بل معناه: السلامة من العذاب، وسخط الله تعالى في الدارين. وقيل: المراد: سلام الملائكة، وخزنة الجنة على المهتدين، فيكون مثل الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد).
الإعراب: ﴿فَأْتِياهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [١٢]. (ائتياه): أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا مني؛ فأتياه. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿رَسُولا:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و ﴿رَسُولا﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُولا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَأَرْسِلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والفاء هي الفصيحة أيضا. ﴿مَعَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و (نا): في محل جر بالإضافة.
﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿فَأَرْسِلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك صحيحا وواقعا؛ فأرسل... إلخ، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول.
﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
стр. 3530
﴿جِئْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، وهذه الجملة مفسرة ومبينة لقوله: ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آية)، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالسَّلامُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلى مَنِ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿مِنْ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى﴾. ﴿اِتَّبَعَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ وهو العائد، أو الرابط.
﴿الْهُدى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿وَالسَّلامُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وأخيرا فالآية بكاملها من مقول الله تعالى.
﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (٤٨)﴾
الشرح: المعنى: إن الله أخبرنا، وأعلمنا بواسطة وحيه إلينا: أن الهلاك، والدمار في الدنيا، والخلود في جهنم في الآخرة هو مقرر على من كذب رسل الله، وأعرض عن الإيمان بالله تعالى. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: هذه الآية أرجى آية للموحدين؛ لأنهم لم يكذبوا، ولم يتولوا.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق... إلخ، ﴿أُوحِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيْنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿الْعَذابَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿عَلى مَنْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾ و ﴿عَلى مَنْ﴾ مثلها في الآية السابقة، ﴿كَذَّبَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾ ومفعوله محذوف، والجملة صلتها، أو صفتها، وجملة تولى مع المتعلق معطوفة عليها، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل: ﴿أُوحِيَ﴾ على حد قوله تعالى: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾. وجملة: ﴿قَدْ أُوحِيَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ من جملة قول الله تعالى الذي أمر به موسى، وهارون أن يقولاه لفرعون، التقدير: وقولا له: والسّلام على من... إلخ، وقولا له: إنا قد، أوحي... إلخ.
﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠)﴾
الشرح: ﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى:﴾ ذكر فرعون موسى دون هارون موافقة لرءوس الآي.
وقيل: خصه بالذكر؛ لأنه صاحب الرسالة، والكلام والآية. وقيل: إنهما جميعا بلّغا الرسالة، وإن كان هارون ساكتا؛ لأنه في وقت الكلام، إنما يتكلم واحد، والخطاب يكون منه، وإليه وحده.
﴿قالَ﴾ موسى ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: إنه يعرف بصفاته، وليس له اسم علم حتى يقال: هو فلان، بل هو خالق العالم أجمع، وهو الذي خص كل مخلوق بهيئة، وصورة،
стр. 3531
وشكل يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، وأعطى الأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذا الأنف، والرّجل، واليد، وسائر الجوارح، كل واحد منها مطابق للمنفعة المنوطة به.
﴿ثُمَّ هَدى﴾ أي: هداه، وعرفه كيف يرتفق بما أعطاه، وكيف يتوصل به إلى بقائه، وكماله، وهداه إلى منافعه من المطعم، والمشرب، والمنكح. وقيل: المعنى: جعل الزوجة للرجل والأنثى من سائر المخلوقات للذكر، ثم ألهم الذكر، وهداه كيف يأتي الأنثى، وذلك للتوالد، وبقاء الجنس من كل المخلوقات، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى فرعون. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف صلة. (من):
اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّكُما:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١١] والجملتان الاسمية والندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿رَبُّنَا:﴾ مبتدأ، ونا في محل جر بالإضافة... إلخ، ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَعْطى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به ثان تقدم على الأول، و ﴿كُلَّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَلْقَهُ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَعْطى..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿هَدى﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون ﴿فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ أي: ما حال الأمم السابقة كقوم نوح، وصالح، وهود، ونحوهم، فإنهم كانوا ينكرون البعث، ويعبدون الأوثان، وكيف حالهم من شقاوة، أو سعادة. وإنما قال فرعون هذا؛ لأن موسى ﵊ قد خوفه، وقومه مصارع الأمم الخالية، وإذا لم يؤمن؛ يحل به ما حل بهم.
هذا؛ وقد قال الرازي في مختاره: البال: القلب، يقال: ما يخطر فلان ببالي؛ أي: بقلبي، والبال: رخاء النفس. يقال: فلان رخي البال. والبال: الحال، يقال: ما بالك؟ والبال:
الشأن. يقال: ما باله لا يفعل كذا؟! هذا؛ وقد كان النبي ﷺ كثيرا ما يعرض بمن ينكر عليهم
стр. 3532
بعض أعمالهم، فيقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا» وقال البغدادي: وقد التزم بعده ذكر حال يفسره غالبا، وقد يأتي بدونها، كقوله تعالى: ﴿فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ وقد تتبعت استعمال هذه الحال في كلام العرب-ولم أر من سبقني له-فرأيتهم يستعملونها على وجوه شتّى: منها:
أنها ماضوية مقرونة به قد، وماضوية بدون قد، ومضارعية مثبتة، ومضارعية منفية، وتكون مفردة، وتكون اسمية غير مقترنة بواو، ومقترنة بالواو، وأورد لكل وجه مثالا شعريا.
﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ:﴾ المعنى قال موسى مجيبا لذلك الضال: إنما تسأل عن أمور مغيبة قد استأثر الله بها، لا يعلمها إلا الله، وما أنا إلا عبد مثلك، لا أعلم منها إلا ما أخبرني به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون الأولى مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ، وإنما رد موسى علم ذلك إلى الله تعالى؛ لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون، وقومه.
﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى:﴾ الضلال: أن تخطئ الشيء في مكانه، فلم تهتد إليه، والنسيان:
أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك، وهما محالان على الله تعالى، لذا كان أحسن قول من أقوال مختلفة في تفسير ذلك: إن الوقف على ﴿كِتابٍ﴾ والابتداء بما بعده، والمراد: تنزيه الله تعالى عن هاتين الصفتين. وقيل: إن المراد: الكتاب لا يضل؛ أي: غير ضال عن الله تعالى، وغير ناس له، وهو معنى ركيك كما ترى. هذا؛ وقرئ: «(لا يُضلّ)» من الرباعي على معنى لا يضيعه ربي، ولا ينساه، وعن ابن عباس-﵄-قوله: لا يترك من كفر به؛ حتى ينتقم منه، ولا يترك من وحده؛ حتى يجازيه.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى فرعون، تقديره: «هو». ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف صلة. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بالُ:﴾ خبره، و ﴿بالُ:﴾
مضاف، و ﴿الْقُرُونِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْأُولى:﴾ صفة القرون مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف، والجملة الاسمية: ﴿فَما بالُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (موسى) ﵇، تقديره:
«هو». ﴿عِلْمُها:﴾ مبتدأ، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلى هذا فالجار والمجرور: ﴿فِي كِتابٍ﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف المقدر بكائن، أو بموجود. هذا؛ وأجيز اعتبارهما متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، وتعليق عند بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المقدر، وهذا على قول الأخفش وقيل: متعلق بمحذوف حال من الضمير المضاف إليه في ﴿عِلْمُها﴾. وقيل: هو ظرف متعلق بالمصدر:
стр. 3533
(علم). هذا؛ وقيل: الظرف والجار والمجرور كلاهما متعلقان بخبر واحد، مثل: هذا حلو حامض، وهذا يعطي معنى الاعتبار الأول. تأمل. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَضِلُّ:﴾ مضارع. ﴿رَبِّي:﴾
فاعله، مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو في محل جر صفة ﴿كِتابٍ﴾ على وجه مرّ ذكره في الشرح، فيكون الرابط محذوفا: التقدير في كتاب لا يضله ربي، أو لا يضل حفظه ربي، وجملة: ﴿وَلا يَنْسى﴾ معطوفة عليها، والمفعول محذوف، التقدير: لا ينساه.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى (٥٣)﴾
الشرح: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً:﴾ هذا؛ ويقرأ: «(مهادا)» مثل قوله في سورة (النبأ):
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً﴾ فقيل: هما لغتان لما يبسط، ويفرش. وقيل: ﴿مَهْداً﴾ مصدر، و (مهادا) جمع له، والمعنى: جعلها فراشا، وقرارا تستقرون عليها. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً:﴾ جعل لكم فيها طرقا بين الجبال، والأودية، والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض؛ لتبلغوا منافعها.
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ انظر الآية رقم [١٠] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ:﴾ قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: عدل به من لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى، تنبيها على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة، والحكمة، وإيذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته، وعلى هذا نظائره كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها﴾ وقوله جل ذكره: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾. هذا؛ وقيل: تم الكلام على قوله:
﴿السَّماءِ،﴾ وما بعده مستأنف.
﴿أَزْواجاً:﴾ أصنافا، سميت بذلك لازدواجها، واقتران بعضها ببعض. ﴿مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ أي:
مختلف الألوان، والطعوم، والمنافع، فمنها ما هو للناس، ومنها ما هو للبهائم. وانظر الآية رقم [٤] من سورة (الرعد) ففيها فضل بيان. هذا؛ و ﴿شَتّى﴾ مأخوذ من: شتّ الشيء؛ أي:
تفرق. قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ وتقول: جاءوا أشتاتا؛ أي: متفرقين، وعليه ف: ﴿شَتّى﴾ جمع، واحده: شتّ، أو شتيت، كمريض، ومرضى. ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى التكلم.
الإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من ﴿رَبِّي،﴾ أو عطف بيان عليه، أو هو صفة له، أو هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي... إلخ، ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَهْداً﴾ كان
стр. 3534
نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا».
﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مَهْداً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَسَلَكَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿سُبُلاً﴾ على مثال ما قبله. ﴿سُبُلاً:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها. ﴿فَأَخْرَجْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿مِنْ نَباتٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَزْواجاً﴾. ﴿شَتّى:﴾ يجوز اعتباره صفة ل: ﴿أَزْواجاً،﴾ وصفة ل: ﴿نَباتٍ﴾ أو هو حال من ﴿أَزْواجاً﴾ بعد وصفه بالجار والمجرور، وجملة: ﴿فَأَخْرَجْنا..﴾.
إلخ معطوفة على جملة الصلة على اعتبارها من تتمة كلام موسى ﵇، ويكون المعنى:
أخرجنا به أي: بالحرث والسقي، ونحوهما؛ لأن الماء المنزل سبب خروج النبات، وتكون مستأنفة على اعتبارها من كلام الله تعالى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿كُلُوا وَاِرْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤)﴾
الشرح: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ:﴾ هذا أمر إباحة، و (الأنعام) المواشي، انظر الآية رقم [٥] من سورة (النحل). ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في إنزال المطر من السماء، وإنبات النبات من الأرض.
﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات، وعلامات واضحة على قدرة الله تعالى. ﴿لِأُولِي النُّهى:﴾ لأصحاب العقول السليمة الذين ينتهون عن الأفعال القبيحة، والأخلاق الذميمة، الواحدة: نهية. أما (أولي)، فهو جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده: «ذو» المضاف إن كان مرفوعا، و «ذا» المضاف إن كان منصوبا، و «ذي» المضاف إن كان مجرورا.
الإعراب: ﴿كُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم)، والجملة الفعلية في محل نصب لقول يقع حالا، من نا: التقدير: قائلين كلوا، وجملة: ﴿وَارْعَوْا﴾ معطوفة عليها. ﴿إِنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: هي لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِأُولِي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة آيات، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و ﴿لِأُولِي﴾ مضاف، و ﴿النُّهى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، أو هي مستأنفة.
стр. 3535
﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥)﴾
الشرح: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ:﴾ للعمل، والثواب، ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ أي: للدود، والتراب. ﴿وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ:﴾ للجزاء، والحساب. هذا؛ وخلق بني آدم من الأرض إنما هو بخلق الأب من التراب، وقد بينت ذلك، وشرحته في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحجر)، وهذا خلق غير مباشر. وقيل: كل نطفة مخلوقة من التراب وعلى هذا يدل ظاهر القرآن، وروى أبو هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلاّ وقد ذرّ عليه من تراب حفرته». أخرجه أبو نعيم. وقال عطاء الخراساني: إذا وقعت النطفة في الرحم؛ انطلق الملك الموكل بالرحم، فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه، فيذرّه على النطفة، فيخلق الله النسمة من النطفة، ومن التراب.
هذا؛ وهناك خلق مباشر من الأرض، وذلك إذا عرفنا: أن النطفة المادة التي يتخلق منها ابن آدم من الدم، والدم مصدره من الغذاء، والشراب، وهما من الأرض بلا ريب، ولا شك، وقد أشار النسفي إلى هذا حيث قال: أو لأن النطفة من الأغذية، وهي من الأرض. هذا؛ وأراد بإخراجهم من الأرض: أنه يؤلف أجزاءهم المتفرقة المختلطة بالتراب، ويردهم كما كانوا أحياء ويخرجهم إلى المحشر قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً﴾.
هذا؛ وقد قال الزمخشري: عدد الله على الخلق ما علق بالأرض من مرافقهم؛ حيث جعلها لهم فراشا، ومهادا يتقلبون عليها، وسوى لهم فيها مسالك، يترددون فيها كيف شاءوا، وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم، وعلوفات بهائمهم، وهي أصلهم الذي منه تفرعوا، وأمهم التي منها ولدوا، ثم هي كفاتهم إذا ماتوا، ومن ثمّ قال رسول الله ﷺ : «تمسّحوا بالأرض فإنّها بكم برّة». انتهى. هذا؛ وخذ ما رواه ربيعة الجرشي-﵁-عن النبي ﷺ قال:
«استقيموا، ونعمّا إن استقمتم، وحافظوا على الوضوء، فإنّ خير أعمالكم الصلاة، وتحفّظوا من الأرض، فإنها أمّكم وإنه ليس أحد عامل عليها خيرا أو شرا إلاّ وهي مخبرة به». رواه الطبراني.
هذا؛ وقد ورد بأن الأرض تضم كل إنسان يدفن فيها بعد موته؛ لأنها أمه، والأم من بني آدم تضم ولدها إذا كان غائبا، وحضر، ولكن ضمة الأرض للعبد المؤمن ضمة عطف، ولطف، وشفقة، وحنان، وضمها للكافر، والفاجر، والفاسق ضمة غضب، وسخط، وقسوة، وإزعاج.
اللهم وفقنا للعمل بكتابك، وللاهتداء بهدي نبيك محمد ﷺ .
الإعراب: ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة وهي من قول الله تعالى بلا ريب، وهذا ممّا يقوي: أن الكلام: ﴿فَأَخْرَجْنا..﴾. إلخ هنا إنما هو من مقول الله تعالى، وليس من مقول موسى ﵇، وجملة: ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ معطوفة عليها، وكذا جملة: ﴿وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ﴾ معطوفة عليها، وهو ظاهر. ﴿تارَةً:﴾ نائب مفعول
стр. 3536
مطلق، أو هو ظرف مثل ﴿مَرَّةً﴾ في الآية رقم [٣٧]. ﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿تارَةً﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ﴾ أي: لفرعون رأى المعجزات بعينه. ﴿كُلَّها﴾ أي: التي أيد الله بها موسى. وانظر الآية رقم [١٠١] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. ﴿فَكَذَّبَ﴾ أي: فرعون موسى. ﴿وَأَبى:﴾ الإيمان كفرا، وعنادا، وطغيانا. وانظر شرح ﴿أَبى﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (الحجر). وانظر شرح آيات في الآية [١] منها.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. وانظر الآية رقم [٣٧]. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿كُلَّها:﴾ توكيد ﴿آياتِنا﴾ و (ها): في محل جر بالإضافة. (كذب): ماض، وفاعله يعود إلى فرعون، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَبى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾ أيضا، ومفعوله محذوف أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧)﴾
الشرح: المعنى: جئت لتوهم الناس: أنك جئت بآية توجب اتباعك والانقياد لك حتى تغلب علينا وعلى أرضنا، وذلك لما رأى معجزة اليد فقط، وهذا تعلل، وتحير ودليل على أنه علم أن موسى كان محقا حتى خاف منه على ملكه، وإلا فأي: ساحر يقدر أن يخرج ملكا من أرضه.
هذا؛ والسحر: كل ما لطف، ودق، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق، ويخفى. وقال الغزالي في الإحياء ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الحواس هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. انتهى. وانظر الآية رقم [٤٧] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك.
стр. 3537
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿أَجِئْتَنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري، (جئتنا): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
﴿لِتُخْرِجَنا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل والفاعل تقديره: «أنت»، و (نا):
مفعول به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَرْضِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. و (نا): في محلّ جرّ بالإضافة.
﴿بِسِحْرِكَ:﴾ متعلقان بالفعل: (تخرج) أيضا. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١١] والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨)﴾
الشرح: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً﴾ أي: عين موعدا لاجتماعنا وحضور الناس؛ ليروا ما نأتيك به من السحر، ويعرفوا: أننا أعلم منك بالسحر. ﴿لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ:﴾ بل نحضره جميعا بدون تخلف. ﴿مَكاناً سُوىً﴾ أي: وسطا بيننا، وبينك تستوي فيه مسافة الفريقين. وقيل: معناه: سوى هذا المكان؛ أي: غيره.
هذا؛ و ﴿مَوْعِداً﴾ يحتمل أن يكون اسم زمان، أو اسم مكان، أو مصدرا ميميا، ويشهد للأول قوله تعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ويشهد للثاني: ﴿مَكاناً سُوىً﴾ ويشهد للمصدر قوله تعالى: ﴿لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ﴾ وإذا أعرب ﴿مَكاناً﴾ بدلا منه لا ظرفا ل: ﴿نُخْلِفُهُ﴾ تعينت الظرفية.
فعلى الأول: يكون المعنى: اجعل لنا يوما معلوما، وعلى الثاني: اجعل لنا مكانا معروفا، وعلى الثالث: اجعل بيننا وبينك وعدا، ورجح هذا الأخير، بسبب عود الضمير عليه؛ إذ التقدير: لا نخلف ذلك الوعد. هذا؛ وأما ﴿سُوىً﴾ فإنه يقرأ بكسر السين، وضمها مع تنوينه، مثل: عدى، وعدى، وطوى، وطوى، وقد رأيت شرحه، وهو يقصر، ويمد. ويقال: مررت برجل سواك، وسواك، وسوائك؛ أي: غيرك، وهما في هذا الأمر سواء، وإن شئت: سواءان، وهم سواء للجمع، وهم أسواء، وهم سواسية، وهذا كله بمعنى: مستوون في هذا الأمر. هذا؛ وانظر شرح «بين» في الآية رقم [٤٥] من سورة (الإسراء). وانظر شرح مثل في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇.
الإعراب: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وأجيز اعتبارها فصيحة. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نأتينك): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل
стр. 3538
لها؛ لأنها جواب قسم مقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿بِسِحْرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلها، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿مِثْلِهِ:﴾ صفة (سحر) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَاجْعَلْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [١٢]. (اجعل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و (نا) في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مَوْعِداً:﴾ مفعول به. وانظر الشرح، وجملة: ﴿فَاجْعَلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط يقدر ب: «إذا».
﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُخْلِفُهُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صفة موعدا. ﴿نَحْنُ:﴾ توكيد للفاعل المستتر. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية.
﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع معطوف على الضمير المستتر، وساغ ذلك لوجود الفاصل، وهو التوكيد بالضمير. وقال ابن مالك: إن التقدير: ولا تخلفه أنت؛ لأن مرفوع فعل الأمر لا يكون ظاهرا، ومرفوع الفعل المضارع ذي النون لا يكون غير ضمير المتكلم. انتهى. مغني. وعليه فالجملة المقدرة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، والضمير ﴿أَنْتَ﴾ توكيد للضمير المستتر في الفعل المحذوف، وفيه: أن الحذف، والتوكيد متنافيان، ومتناقضان.
﴿مَكاناً:﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه بدل من ﴿مَوْعِداً﴾ على اعتباره ظرفا. والثاني: أنه مفعول ثان ل: (اجعل). الثالث: أنه منصوب بإضمار فعل. الرابع: أنه منصوب بالمصدر ﴿مَوْعِداً﴾. الخامس: هو ظرف مكان متعلق ب: (اجعل). ﴿سُوىً:﴾ صفة له منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ والآية بكاملها من مقول فرعون أخزاه الله تعالى.
﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾
الشرح: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ:﴾ هو يوم عيد كان لهم، يتزينون، ويجتمعون فيه في كل سنة. ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ أي: يجتمع الناس في ذلك اليوم وقت الضحوة نهارا جهارا؛ ليكون أبعد من الريبة، وإنما عينه موسى-﵊-ليظهر الحق، ويزهق الباطل.
وانظر شرح ﴿الْيَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء). وانظر شرح (الناس) في الآية رقم [٦٠] منها.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (موسى) ﵇. ﴿مَوْعِدُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَوْمُ:﴾
خبر المبتدأ، ويقرأ بالنصب على أنه ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ويوم مضاف، و ﴿الزِّينَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَنْ﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُحْشَرَ:﴾ مضارع مبني للمجهول
стр. 3539
منصوب ب: (أن). ﴿النّاسُ:﴾ نائب فاعل. ﴿ضُحًى:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، وإعلاله مثل إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف)، والمصدر المؤول من ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ﴾ في محل رفع معطوف على خبر المبتدأ، وأجيز اعتباره معطوفا على ﴿الزِّينَةِ﴾ ويكون التقدير: ويوم حشر الناس، والجملة الاسمية: ﴿مَوْعِدُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠)﴾
الشرح: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ:﴾ فذهب، وأعرض عن موسى ﵇. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي:
حيله، وسحره، والمراد: جمع السحرة، وآلاتهم. قال ابن عباس-﵄: كانوا اثنين وسبعين ساحرا، مع كل ساحر منهم حبال وعصي. وقيل: كانوا أربعمائة. وقيل: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل غير ذلك، وكان لهم رئيس يقال له: شمعون، هذا، ويقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع، ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا. قال تعالى حكاية عن قول فرعون، وأشياعه في الآية رقم [٦٤] الآتية: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ..﴾. إلخ. ولا يقال: أجمع أعوانه، وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه وأصدقاءه، وهذا مبني على قاعدة: يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان، وأما قوله تعالى هنا: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ:﴾ فصحيح لتأويله بما رأيت.
هذا؛ ويقرأ في الآية [٦٤] بقطع الهمزة: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ أي: اعزموا، وجدّوا. ويقرأ بهمزة الوصل (فاجمعوا) قال النحاس: ويصحح هذه القراءة أن المعنى أجمعوا كل كيد لكم، وكل حيلة فضموه مع أخيه. وقال الثعلبي: القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان: أحدهما:
بمعنى: الجمع، تقول: أجمعت الشيء، وجمعته بمعنى: واحد. وفي الصحاح: وأجمعت الشيء: جعلته جميعا. قال أبو ذؤيب يصف حمرا: [الكامل]
فكأنّها بالجزع بين نبايع... وأولات ذي العرجاء نهب مجمع
أي: مجموع، والثاني: أنه بمعنى: العزم، والإحكام. قال الشاعر: [الرجز]
يا ليت شعري والمنى لا تنفع... هل أغدون يوما، وأمري مجمع؟
هذا؛ ونبايع اسم مكان، أو جبل، أو واد في بلاد هذيل. انتهى. قرطبي بتصرف. وابن هشام قال في المغني: إن «أجمع» لا يتعلق بالذوات، بل بالمعاني، كقولك: أجمعوا على كذا، بخلاف «جمع»، فإنه مشترك، بدليل قوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ﴾ هذا؛ والتعبير ب: ﴿ثُمَّ﴾ وهي للتراخي، دلالة على أنه استغرق وقتا طويلا في جمع السحرة، وترتيب الحيل، ورسم الخطط، والله من ورائه محيط.
стр. 3540
الإعراب: ﴿فَتَوَلّى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تولى فرعون): ماض، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَتى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (فرعون) والجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ اِفْتَرى (٦١)﴾
الشرح: ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى﴾ أي: للسحرة الذين جمعهم فرعون للمناظرة ﴿وَيْلَكُمْ:﴾
الويل: الهلاك، والعذاب. وانظر الآية رقم [٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا وحبيبنا وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي: لا تختلقوا عليه الكذب، ولا تشركوا به شيئا، ولا تقولوا للمعجزات: إنها سحر. وانظر ما ذكرته بشأن الكذب في الآية رقم [١٥] من سورة (النحل). ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ﴾ أي: يستأصلكم بالإهلاك، يقال فيه: سحت، وأسحت بمعنى، ويقرأ الفعل من الأول، وهو الثلاثي، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ حفص، وغيره من الرباعي، وهي لغة نجد، وبني تميم، ومصدر الأول: السحت، ومصدر الثاني:
الإسحات. وقال الفرزدق: [الطويل]
وعضّ زمان يا بن مروان لم يدع... من المال إلا مسحتا أو مجلّف
هذا؛ والسحت: المال الحرام؛ كالرشى، والربا، وغير ذلك من أنواع الحرام، وهو من سحته؛ إذا استأصله؛ لأنه مسحوت البركة. وانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (المائدة) وأصل المادة يدل على الاستقصاء والنفاد، ومنه سحت الحالق الشعر؛ أي: استقصاه فلم يترك منه شيئا، ويستعمل في الإهلاك، والإذهاب وهو ما في الآية.
﴿وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ أي: خسر، وهلك، وخاب من الرحمة، والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن به. هذا؛ وقد قال الزمخشري في بيت الفرزدق: لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه مع كون مسحت يروى بالرفع والنصب فعلى رواية الرفع فهو مرفوع على المعنى، فكأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت، أو مجلف، وعلى رواية النصب فهو منصوب بالفعل لم يدع، ويكون رفع مجلف على المعنى، والتقدير: لم يدع إلا مسحتا، وبقي مجلف، ومثل بيت الفرزدق قول الآخر: [الطويل]
غداة أحلّت لابن أصرم طعنة... حصين عبيطات السّدائف والخمر
إذ التقدير: أحلت له عبيطات السدائف وحلّت له الخمر.
следующие страницы →