Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
مطلق، أو هو ظرف مثل ﴿مَرَّةً﴾ في الآية رقم [٣٧]. ﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿تارَةً﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ﴾ أي: لفرعون رأى المعجزات بعينه. ﴿كُلَّها﴾ أي: التي أيد الله بها موسى. وانظر الآية رقم [١٠١] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. ﴿فَكَذَّبَ﴾ أي: فرعون موسى. ﴿وَأَبى:﴾ الإيمان كفرا، وعنادا، وطغيانا. وانظر شرح ﴿أَبى﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (الحجر). وانظر شرح آيات في الآية [١] منها.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. وانظر الآية رقم [٣٧]. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿كُلَّها:﴾ توكيد ﴿آياتِنا﴾ و (ها): في محل جر بالإضافة. (كذب): ماض، وفاعله يعود إلى فرعون، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَبى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾ أيضا، ومفعوله محذوف أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧)﴾
الشرح: المعنى: جئت لتوهم الناس: أنك جئت بآية توجب اتباعك والانقياد لك حتى تغلب علينا وعلى أرضنا، وذلك لما رأى معجزة اليد فقط، وهذا تعلل، وتحير ودليل على أنه علم أن موسى كان محقا حتى خاف منه على ملكه، وإلا فأي: ساحر يقدر أن يخرج ملكا من أرضه.
هذا؛ والسحر: كل ما لطف، ودق، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق، ويخفى. وقال الغزالي في الإحياء ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الحواس هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. انتهى. وانظر الآية رقم [٤٧] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك.
стр. 3537
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿أَجِئْتَنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري، (جئتنا): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
﴿لِتُخْرِجَنا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل والفاعل تقديره: «أنت»، و (نا):
مفعول به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَرْضِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. و (نا): في محلّ جرّ بالإضافة.
﴿بِسِحْرِكَ:﴾ متعلقان بالفعل: (تخرج) أيضا. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١١] والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨)﴾
الشرح: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً﴾ أي: عين موعدا لاجتماعنا وحضور الناس؛ ليروا ما نأتيك به من السحر، ويعرفوا: أننا أعلم منك بالسحر. ﴿لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ:﴾ بل نحضره جميعا بدون تخلف. ﴿مَكاناً سُوىً﴾ أي: وسطا بيننا، وبينك تستوي فيه مسافة الفريقين. وقيل: معناه: سوى هذا المكان؛ أي: غيره.
هذا؛ و ﴿مَوْعِداً﴾ يحتمل أن يكون اسم زمان، أو اسم مكان، أو مصدرا ميميا، ويشهد للأول قوله تعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ويشهد للثاني: ﴿مَكاناً سُوىً﴾ ويشهد للمصدر قوله تعالى: ﴿لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ﴾ وإذا أعرب ﴿مَكاناً﴾ بدلا منه لا ظرفا ل: ﴿نُخْلِفُهُ﴾ تعينت الظرفية.
فعلى الأول: يكون المعنى: اجعل لنا يوما معلوما، وعلى الثاني: اجعل لنا مكانا معروفا، وعلى الثالث: اجعل بيننا وبينك وعدا، ورجح هذا الأخير، بسبب عود الضمير عليه؛ إذ التقدير: لا نخلف ذلك الوعد. هذا؛ وأما ﴿سُوىً﴾ فإنه يقرأ بكسر السين، وضمها مع تنوينه، مثل: عدى، وعدى، وطوى، وطوى، وقد رأيت شرحه، وهو يقصر، ويمد. ويقال: مررت برجل سواك، وسواك، وسوائك؛ أي: غيرك، وهما في هذا الأمر سواء، وإن شئت: سواءان، وهم سواء للجمع، وهم أسواء، وهم سواسية، وهذا كله بمعنى: مستوون في هذا الأمر. هذا؛ وانظر شرح «بين» في الآية رقم [٤٥] من سورة (الإسراء). وانظر شرح مثل في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇.
الإعراب: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وأجيز اعتبارها فصيحة. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نأتينك): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل
стр. 3538
لها؛ لأنها جواب قسم مقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿بِسِحْرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلها، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿مِثْلِهِ:﴾ صفة (سحر) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَاجْعَلْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [١٢]. (اجعل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و (نا) في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مَوْعِداً:﴾ مفعول به. وانظر الشرح، وجملة: ﴿فَاجْعَلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط يقدر ب: «إذا».
﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُخْلِفُهُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صفة موعدا. ﴿نَحْنُ:﴾ توكيد للفاعل المستتر. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية.
﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع معطوف على الضمير المستتر، وساغ ذلك لوجود الفاصل، وهو التوكيد بالضمير. وقال ابن مالك: إن التقدير: ولا تخلفه أنت؛ لأن مرفوع فعل الأمر لا يكون ظاهرا، ومرفوع الفعل المضارع ذي النون لا يكون غير ضمير المتكلم. انتهى. مغني. وعليه فالجملة المقدرة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، والضمير ﴿أَنْتَ﴾ توكيد للضمير المستتر في الفعل المحذوف، وفيه: أن الحذف، والتوكيد متنافيان، ومتناقضان.
﴿مَكاناً:﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه بدل من ﴿مَوْعِداً﴾ على اعتباره ظرفا. والثاني: أنه مفعول ثان ل: (اجعل). الثالث: أنه منصوب بإضمار فعل. الرابع: أنه منصوب بالمصدر ﴿مَوْعِداً﴾. الخامس: هو ظرف مكان متعلق ب: (اجعل). ﴿سُوىً:﴾ صفة له منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ والآية بكاملها من مقول فرعون أخزاه الله تعالى.
﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾
الشرح: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ:﴾ هو يوم عيد كان لهم، يتزينون، ويجتمعون فيه في كل سنة. ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ أي: يجتمع الناس في ذلك اليوم وقت الضحوة نهارا جهارا؛ ليكون أبعد من الريبة، وإنما عينه موسى-﵊-ليظهر الحق، ويزهق الباطل.
وانظر شرح ﴿الْيَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء). وانظر شرح (الناس) في الآية رقم [٦٠] منها.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (موسى) ﵇. ﴿مَوْعِدُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَوْمُ:﴾
خبر المبتدأ، ويقرأ بالنصب على أنه ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ويوم مضاف، و ﴿الزِّينَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَنْ﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُحْشَرَ:﴾ مضارع مبني للمجهول
стр. 3539
منصوب ب: (أن). ﴿النّاسُ:﴾ نائب فاعل. ﴿ضُحًى:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، وإعلاله مثل إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف)، والمصدر المؤول من ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ﴾ في محل رفع معطوف على خبر المبتدأ، وأجيز اعتباره معطوفا على ﴿الزِّينَةِ﴾ ويكون التقدير: ويوم حشر الناس، والجملة الاسمية: ﴿مَوْعِدُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠)﴾
الشرح: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ:﴾ فذهب، وأعرض عن موسى ﵇. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي:
حيله، وسحره، والمراد: جمع السحرة، وآلاتهم. قال ابن عباس-﵄: كانوا اثنين وسبعين ساحرا، مع كل ساحر منهم حبال وعصي. وقيل: كانوا أربعمائة. وقيل: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل غير ذلك، وكان لهم رئيس يقال له: شمعون، هذا، ويقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع، ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا. قال تعالى حكاية عن قول فرعون، وأشياعه في الآية رقم [٦٤] الآتية: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ..﴾. إلخ. ولا يقال: أجمع أعوانه، وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه وأصدقاءه، وهذا مبني على قاعدة: يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان، وأما قوله تعالى هنا: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ:﴾ فصحيح لتأويله بما رأيت.
هذا؛ ويقرأ في الآية [٦٤] بقطع الهمزة: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ أي: اعزموا، وجدّوا. ويقرأ بهمزة الوصل (فاجمعوا) قال النحاس: ويصحح هذه القراءة أن المعنى أجمعوا كل كيد لكم، وكل حيلة فضموه مع أخيه. وقال الثعلبي: القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان: أحدهما:
بمعنى: الجمع، تقول: أجمعت الشيء، وجمعته بمعنى: واحد. وفي الصحاح: وأجمعت الشيء: جعلته جميعا. قال أبو ذؤيب يصف حمرا: [الكامل]
فكأنّها بالجزع بين نبايع... وأولات ذي العرجاء نهب مجمع
أي: مجموع، والثاني: أنه بمعنى: العزم، والإحكام. قال الشاعر: [الرجز]
يا ليت شعري والمنى لا تنفع... هل أغدون يوما، وأمري مجمع؟
هذا؛ ونبايع اسم مكان، أو جبل، أو واد في بلاد هذيل. انتهى. قرطبي بتصرف. وابن هشام قال في المغني: إن «أجمع» لا يتعلق بالذوات، بل بالمعاني، كقولك: أجمعوا على كذا، بخلاف «جمع»، فإنه مشترك، بدليل قوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ﴾ هذا؛ والتعبير ب: ﴿ثُمَّ﴾ وهي للتراخي، دلالة على أنه استغرق وقتا طويلا في جمع السحرة، وترتيب الحيل، ورسم الخطط، والله من ورائه محيط.
стр. 3540
الإعراب: ﴿فَتَوَلّى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تولى فرعون): ماض، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَتى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (فرعون) والجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ اِفْتَرى (٦١)﴾
الشرح: ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى﴾ أي: للسحرة الذين جمعهم فرعون للمناظرة ﴿وَيْلَكُمْ:﴾
الويل: الهلاك، والعذاب. وانظر الآية رقم [٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا وحبيبنا وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي: لا تختلقوا عليه الكذب، ولا تشركوا به شيئا، ولا تقولوا للمعجزات: إنها سحر. وانظر ما ذكرته بشأن الكذب في الآية رقم [١٥] من سورة (النحل). ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ﴾ أي: يستأصلكم بالإهلاك، يقال فيه: سحت، وأسحت بمعنى، ويقرأ الفعل من الأول، وهو الثلاثي، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ حفص، وغيره من الرباعي، وهي لغة نجد، وبني تميم، ومصدر الأول: السحت، ومصدر الثاني:
الإسحات. وقال الفرزدق: [الطويل]
وعضّ زمان يا بن مروان لم يدع... من المال إلا مسحتا أو مجلّف
هذا؛ والسحت: المال الحرام؛ كالرشى، والربا، وغير ذلك من أنواع الحرام، وهو من سحته؛ إذا استأصله؛ لأنه مسحوت البركة. وانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (المائدة) وأصل المادة يدل على الاستقصاء والنفاد، ومنه سحت الحالق الشعر؛ أي: استقصاه فلم يترك منه شيئا، ويستعمل في الإهلاك، والإذهاب وهو ما في الآية.
﴿وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ أي: خسر، وهلك، وخاب من الرحمة، والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن به. هذا؛ وقد قال الزمخشري في بيت الفرزدق: لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه مع كون مسحت يروى بالرفع والنصب فعلى رواية الرفع فهو مرفوع على المعنى، فكأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت، أو مجلف، وعلى رواية النصب فهو منصوب بالفعل لم يدع، ويكون رفع مجلف على المعنى، والتقدير: لم يدع إلا مسحتا، وبقي مجلف، ومثل بيت الفرزدق قول الآخر: [الطويل]
غداة أحلّت لابن أصرم طعنة... حصين عبيطات السّدائف والخمر
إذ التقدير: أحلت له عبيطات السدائف وحلّت له الخمر.
стр. 3541
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَيْلَكُمْ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير:
ألزمكم ويلا، وأجاز الزجاج أن يكون نداء، كقوله تعالى: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا تَفْتَرُوا:﴾
مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَذِباً:﴾ مفعول به. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم افتراء على الله فإسحات، أو فسحت لكم. ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خابَ:﴾
ماض. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل.
﴿اِفْتَرى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنِ﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنِ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿(قَدْ خابَ...)﴾ إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو فقط، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢)﴾
الشرح: ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تناظروا، وتشاوروا يعني: السحرة في أمر موسى ﵇ سرا من فرعون. وقالوا: إن غلبنا موسى؛ اتبعناه. وقيل قالوا: إن كان ما يفعله سحرا؛ فسنغلبه، وإن كان من عند الله؛ فسيكون له أمر، وهذا هو الذي أسروه. هذا؛ و ﴿النَّجْوى﴾ حديث السر بين اثنين، أو أكثر. قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾. وقال الرسول ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناج اثنان دون الثالث، فإنّ ذلك يحزنه». هذا؛ وقد قيل: إن النجوى القوم الذين يتناجون، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (الإسراء). هذا؛ وقيل: إن الضمير يعود لفرعون، وقومه.
هذا؛ وقيل: إن أسرّوا يحتمل أن يكون بمعنى أظهروا، وأخفوا، فهو من الأضداد كما قيل به في قول امرئ القيس: [الطويل]
تجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي
وبه قيل في الآية رقم [٣] من سورة (الأنبياء). وأيضا قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ الآية رقم [٥٤] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
стр. 3542
الإعراب: ﴿فَتَنازَعُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تنازعوا): ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب (قالوا) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة: ﴿قالَ لَهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها على الاعتبارين. ﴿أَمْرَهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿النَّجْوى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: السحرة، أو فرعون، وقومه على مثال ما رأيت. ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ:﴾ هذه الجملة تقرأ: «(إنّ هذين لساحران)» وهذه القراءة موافقة للإعراب، مخالفة لرسم المصحف، ويقرأ: ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب، ويكون معناها، ما هذان إلاّ ساحران، فإن نافية بمعنى: «ما» واللام بمعنى: إلا، والإعراب واضح، واعتبرها ابن هشام في الشذور مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها، وهذان مبتدأ، واللام هي الفارقة، وساحران خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: لهما ساحران، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وفاته أنّ المخففة المهملة يشترط أن يليها فعل ناسخ للابتداء مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾. ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز]
والفعل إن لم يك ناسخا فلا... تلفيه غالبا بإن ذي موصلا
ويقرأ: «(إنّ هذان لساحران)» فوافقوا رسم المصحف، وخالفوا الإعراب.
قال النحاس: فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة الأئمة. قال القرطبي: وللعلماء في قراءة أهل المدينة، والكوفة-ويعني بها الأخيرة-ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الردّ له، وذكرها النحاس في إعرابه، والمهدوي في تفسيره:
القول الأول: أنها لغة بني الحارث بن كعب، وزبيد، وخثعم، وكنانة بن زيد، يجعلون رفع الاثنين، ونصبه، وخفضه بالألف، وأنشد الفراء قول المتلمس: [الطويل]
فأطرق إطراق الشجاع، ولو رأى... مساغا لناباه الشّجاع لصمّما
الشجاع: الثعبان العظيم، وصمم: عضّ، ونيّب، ويقولون: كسرت يداه، وركبت علاه بمعنى: كسرت يديه، وركبت عليه. وقال هوبر الحارثي: [الطويل]
стр. 3543
تزوّد منّا بين أذناه طعنة... دعته إلى هابي التّراب عقيم
أي: بين أذنيه. وقال أبو النجم العجلي، وينسب لرؤبة بن العجاج: [الرجز]
إنّ أباها وأبا أباها... قد بلغا في المجد غايتاها
أي: إن أبا أبيها، وغايتيها. قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية؛ إذ كانت هذه اللغة معروفة، وقد حكاها من يرتضى بعلمه، وأمانته. منهم أبو زيد الأنصاري، وأبو الخطاب الأخفش، والكسائي، والفراء، كلهم قالوا: هذا على لغة بني الحارث بن كعب.
القول الثاني: أن تكون إنّ بمعنى: «نعم». قال الشاعر: [الكامل]
قالوا: غدرت فقلت إنّ وربّما... نال العلا وشفى الغليل الغادر
أي: فقلت: نعم، فعلى هذا جائز أن يكون قول الله : ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ بمعنى:
نعم، ولا تنصب. قال النحاس: أنشدني داود بن الهيثم. قال: أنشدني ثعلب: [الرمل]
ليت شعري هل للمحبّ شفاء... من جوى حبّهنّ؟ إنّ اللّقاء
أي: نعم هو اللقاء. وقال عبد الله بن قيس الرقيات: [مجزوء الكامل]
ويقلن شيب قد علا... ك وقد كبرت فقلت: إنّه
أي: فقلت: نعم، والهاء للسكت. قال ابن هشام في مغنيه: وردّ بأنّا لا نسلم: أن الهاء للسكت، بل هي ضمير منصوب بها، والخبر محذوف؛ أي: إنه كذلك، والجيد الاستدلال بقول ابن الزبير-﵄-لمن قال له: لعن الله ناقة حملتني إليك: (إنّ وراكبها) أي: نعم، ولعن راكبها.
هذا؛ وذكر القرطبي سندا طويلا يتصل بعلي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-أنه قال:
لا أحصي كم سمعت رسول الله ﷺ يقول على منبره: «إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه». كأنه ﷺ يريد: نعم الحمد لله... إلخ وذلك: أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح خطبها بنعم.
القول الثالث: قاله الفراء: وجدت الألف دعامة ليست بلام الفعل، فزدت عليها نونا ولم أغيرها، كما قلت: الذي، ثم زدت عليها نونا فقلت: جاءني الذي عندك، ورأيت الذين عندك، ومررت بالذين عندك.
الرابع: قاله بعض الكوفيين. قال: الألف في هذان مشبهة بالألف في يفعلان، فلم تغير.
القول الخامس: قال أبو إسحاق: النحويون القدماء يقولون: الهاء هاهنا مضمرة، والمعنى: إنّه هذان لساحران. قال ابن الأنباري: فأضمرت الهاء التي هي منصوب (إنّ)،
стр. 3544
و ﴿هذانِ﴾ خبر، و (ساحران) يرفعهما «هما» المضمر، والتقدير: إنه هذان لهما ساحران، والأشبه عند أهل هذا الجواب: أن الهاء اسم (إنّ) وهذان رفع بالابتداء، وما بعده خبر الابتداء.
السادس: قال أبو جعفر النحاس: وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية، فقال:
القول عندي: أنه لما كان يقال: (هذا) في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة، وكانت التثنية يجب ألا يغير لها الواحد أجريت التثنية مجرى الواحدة. انتهى. قرطبي بتصرف كبير مني مع ما أضفته من المغني لابن هشام. رحم الله الجميع رحمة واسعة! وله في الشذور وجهان آخران بعيدان.
أقول: والمعتمد عند النحويين القولان: الأول، والثاني، وهما اللذان يستشهدون لهما بما ورد من شعر العرب، كما رأيت والله الموفق، والمعين وبه أستعين. ويبقى إشكال على القول الثاني، وهو دخول اللام على خبر المبتدأ، ويؤول الكلام بما يلي: (إنّ هذان لهما ساحران) وفحواه أن (ساحران) خبر مبتدأ محذوف، والجملة الاسمية خبر ﴿هذانِ﴾.
﴿يُرِيدانِ﴾ أي: موسى، وهارون. ﴿أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ أرض مصر. ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى:﴾ وهذا من قول فرعون وملئه للسحرة؛ أي: غايتهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه، كما حكى الله عن فرعون في آية أخرى: ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ هذا؛ والطريقة: المذهب الذي يتبعه الإنسان، والسنة التي يسير على نهجها، فيكون المعنى:
ويذهبا بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب بإظهار مذهبه، وإعلاء دينه. وقال ابن عباس-﵄: يعني: يذهبا بسراة قومكم، وأشرافكم. وقيل: أراد أهل طريقتكم، وهم بنو إسرائيل، فإنهم أرباب علم، ويرجعون بالانتساب إلى الأنبياء، والمعتمد الأول. هذا؛ و ﴿الْمُثْلى﴾ تأنيث الأمثل، كما أن الفضلى تأنيث الأفضل، والحسنى تأنيث الأحسن.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ انظر القول الأول، والثاني: في الشرح ففيهما الكفاية. ﴿يُرِيدانِ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، وألف الاثنين فاعله. ﴿أَنْ يُخْرِجاكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿إِنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والألف فاعله، والكاف مفعوله، وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِسِحْرِهِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ألف الاثنين؛ أي: ملتبسين بسحرهما. والكاف والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. وجملة: ﴿يُرِيدانِ..﴾. إلخ في محل رفع صفة (ساحران). ﴿وَيَذْهَبا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وألف الاثنين فاعله، ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُثْلى:﴾ صفة طريقتكم مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 3545
﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ اِئْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اِسْتَعْلى (٦٤)﴾
الشرح: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: اجعلوه مجمعا عليه حتى لا تختلفوا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٣] فهو يحتمل أن يكون من قول السحرة بعضهم لبعض، وأن يكون من قول فرعون لهم. هذا؛ والكيد: المكر، والخبث، والحيلة. ﴿اِئْتُوا صَفًّا﴾ أي: مصطفين، فيكون أشد لهيبتكم. ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ:﴾ فاز، ونجح. ﴿مَنِ اسْتَعْلى:﴾ من غلب خصمه.
هذا؛ و ﴿اِئْتُوا﴾ أمر من: أتى، يأتي، والأمر بهمزتين: همزة الوصل، التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان، فإذا ابتدأت الكلام، قلت: ايتوا، بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل، وتعود الهمزة الأصلية فتقول: ائت، ومثل ذلك قل في إعلال: أذن يأذن ائذن.
الإعراب: ﴿فَأَجْمِعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اجمعوا): أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الأمر كما ذكر من كونهما ساحرين فأجمعوا... إلخ، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول. ﴿كَيْدَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِئْتُوا:﴾ أمر... إلخ، ﴿صَفًّا:﴾ حال؛ أي:
مصطفين. وقيل: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. الواو: واو الحال. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَفْلَحَ:﴾ ماض. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو فقط. هذا؛ وقال الزمخشري معترضة في آخر الكلام، وعليه فلا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥)﴾
الشرح: ﴿قالُوا يا مُوسى﴾ القائل هم السحرة، وهذا التخيير منهم استعمال أدب حسن منهم مع موسى ﵇، وكأن الله ألهمهم ذلك، وقد وصلت إليهم بركته، فهداهم الله للإيمان، وأعلم الله موسى اختيار إلقائهم أولا، فقال لهم: بل ألقوا... إلخ. هذا؛ وانظر شرح «أول» في الآية رقم [٢٤] من سورة (النحل)، وشرح ﴿إِمّا﴾ في الآية رقم [٨٧] من سورة (الكهف).
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو».
(موسى): منادى مفرد علم، مبني على ضم مقدر على الألف المقصورة في محل نصب ب: (يا).
стр. 3546
﴿إِمّا:﴾ أداة شرط، وتخيير. وقيل: تقسيم، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُلْقِيَ﴾ في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: إما الإلقاء حاصل منك، أو خبر لمبتدإ محذوف التقدير:
الأمر إلقاؤك، ونحوه، أو المصدر المؤول في محل نصب مفعول به، التقدير: اختر إلقاءك، ومفعول الفعل محذوف للعلم به؛ إذ التقدير: إما أن تلقى عصاك. ﴿وَإِمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (إما): معطوفة على سابقتها. ﴿أَنْ نَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَوَّلَ:﴾ خبر ﴿نَكُونَ،﴾ و ﴿أَوَّلَ:﴾ مضاف، و ﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَلْقى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف، التقدير: ألقى حبالنا، وعصينا، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَكُونَ..﴾. إلخ فهو مثل سابقه في التأويل، والجملة الاسمية سواء أكانت اسمية، أم فعلية معطوفة على ما قبلها، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وألفت النظر إلى أنّ الآية شبيهة في الآية رقم [٨٧] من سورة (الكهف).
﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ مقالة أدب بأدب، وعدم مبالاة بسحرهم، وليبرزوا ما معهم من مكايد السحر، ويظهر الله سلطانه، ويقذف بالحق على الباطل، فيدمغه، ويسلط المعجزة على السحر فتمحقه، فيصير آية نيرة للمناظرين، وعبرة للمعتبرين. ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ..﴾. إلخ: قبله محذوف، التقدير: فألقوا ما معهم، فإذا حبالهم... إلخ.
﴿وَعِصِيُّهُمْ:﴾ يقرأ بضم العين، وكسرها، مثل: قسي، وقسي، ومفرده: عصا، ومقتضى القياس أن يقال في جمعها: (عصوّ) فأبدل من الواو الثانية ياء؛ لأنها طرف ليس بينها وبين الضمة إلا حرف ساكن، فصار: (عصوي) فاجتمعت الواو، والياء، والأول: ساكن، فقلبت الواو الأولى ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمة الصاد كسرة لتصح الياء. ثم تبعت حركة العين حركة الصاد، فكسرت على قراءة كسرها، وبقيت على حالها على قراءة ضمها.
هذا؛ وانظر بالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [١٨] ما ذكرت في الآية رقم [١٠٦] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك ويثلج صدرك، وكذا الآية رقم [٤٥] من سورة (الشعراء).
﴿يُخَيَّلُ:﴾ يظن، وتخيل الشيء: توهمه، ويقرأ «(تخيّل)» على أنّ نائب الفاعل يعود إلى العصي، والحبال، وقرئ «(تخيّل)» بالبناء للمعلوم على أنّ أصله: تتخيّل، ويقرأ «(نخيّل)» بالنون على أن الله هو المخيل. ﴿أَنَّها تَسْعى:﴾ تمشي، وذلك: أنهم لطخوا الحبال والعصي، فلما ضربت عليها الشمس، اضطربت، فخيل إلى موسى: أنها تسعى، فرأى أن الأرض قد امتلأت حيات، وكانت قد أخذت ميلا في ميل من كلّ جانب.
стр. 3547
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (موسى). ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَلْقُوا:﴾
أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ..﴾. إلخ:
الفاء: حرف عطف وتعقيب، وخذ ما قاله السيوطي في «همع الهوامع»، فقد قال رحمه الله تعالى: اختلف في هذه الفاء. فقال المازني: هي زائدة لازمة للتوكيد؛ لأن الفجائية فيها معنى الاتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جني. وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها، واختاره الشّلوبين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع (ثم) موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. أي: للسببية المحضة وفي مغني اللبيب نحو هذا.
(إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو خرجت فإذا الأسد بالباب؛ وهي حرف عند الأخفش وابن مالك، ويرجحه: (خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب) لأن (إنّ) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها الخبر المذكور في نحو: خرجت فإذا زيد جالس. أو المقدر في نحو: (فإذا الأسد) أي:
حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب.
﴿حِبالُهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿وَعِصِيُّهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يُخَيَّلُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى «الكيد» وعلى قراءته بالتاء فنائب الفاعل يعود إلى: «الحبال، والعصي» وهما بمعنى: الملقى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ على اعتبار (إذا) حرفا، وفي محل نصب حال من «الحبال، والعصي» على اعتبار (إذا) ظرفا متعلقا بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ سِحْرِهِمْ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما، وهو أجود، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، (أنها): حرف مشبه بالفعل، و (ها): اسمها. ﴿تَسْعى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى «الحبال، والعصي» والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، والمصدر المؤول من ﴿أَنَّها تَسْعى﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بكونها تسعى، أو في محل رفع بدل من نائب الفاعل المستتر بدل الاشتمال، أو هو نفسه نائب فاعل، التقدير: يخيل إليه سعيها، أو في محل نصب حال على حذف مضاف.
التقدير: تخيل الحبال ذات سعي، اعتبارات على حسب القراءات. تأمل، وتدبر، والكلام: ﴿بَلْ أَلْقُوا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 3548
﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩)﴾
الشرح: ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ المراد به: العصا، وإنما أبهمه، ولم يقل: «عصاك» تحقيرا لها؛ أي: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويدة التي في يدك. أو أبهمه تعظيما لها؛
стр. 3549
أي: لا تحتفل بكثرة الأجرام وعظمها، فإن في يمينك ما هو أعظم منها أثرا، فألقه. ﴿تَلْقَفْ﴾ أي: تأخذ، وتبتلع. ومثله: تلقم، وتلهم، واللقف: الأخذ بسرعة، ورجل لقف ثقف؛ أي:
خفيف حاذق. ويقرأ برفعه، وجزمه، ويقرأ «(تلقّف)» بتشديد القاف، أصله: تتلقّف. هذا؛ والتّلقّي، والتّلقّف، والتّلقّن معان متقاربة خلا أنّ في الأول: معنى الاستقبال، وفي الثاني:
معنى الخطف، والأخذ بسرعة، وفي الثالث: معنى الحذق، والمهارة.
﴿إِنَّما صَنَعُوا﴾ أي: إن الذي زوروا، وافتعلوا، ﴿كَيْدُ ساحِرٍ:﴾ ويقرأ «(كيد سِحر).» ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ أي: لا يفوز، ولا ينجو، وإنما أفرده؛ لأن المراد الجنس، ونكر الأول: لتنكير المضاف، وعرف الثاني: على حد قوله تعالى في سورة (المزمل): ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ..﴾. إلخ ﴿حَيْثُ أَتى:﴾ حيث كان وأين أقبل.
وانظر شرح: ﴿أَتى﴾ في الآية رقم [٩].
أما ﴿حَيْثُ﴾ فهي ظرف مكان، وهي مبنية، وإنما بنيت؛ لأنها لا تدل على موضع بعينه، ولأن ما بعدها من تمامها، كالصلة من الموصول، وبنيت على حركة؛ لأن ما قبل آخرها ساكن، وكان الضم أولى بحركتها؛ لأنها غاية، فأعطيت غاية الحركات، وهي الضمة؛ لأنها أقوى الحركات. وقيل: بنيت على الضم؛ لأن أصلها حوث. فدلت الضمة على الواو، ويجوز فتحها، وفي «حيث» ستّ لغات بالياء مع الضم، والفتح، والكسر، وبالواو مع الضم، والفتح، والكسر، وهي: حيث، وحيث، وحيث، وحوث، وحوث، وحوث.
الإعراب: ﴿وَأَلْقِ:﴾ الواو: حرف عطف. (ألق): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي يَمِينِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَأَلْقِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿تَلْقَفْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تلق... تلقف. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: تلقف الذي، أو شيئا صنعوه. هذا؛ وعلى رفع الفعل ﴿تَلْقَفْ..﴾. إلخ فجملته مستأنفة، أو في محل نصب حال من ﴿ما﴾ والرابط: الضمير فقط.
﴿إِنَّما:﴾ (إن): حرف مشبه بالفعل، و (ما): اسمها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إن الذي، أو شيئا صنعوه. ﴿كَيْدُ:﴾ خبر (إنّ) وهو مضاف، و ﴿ساحِرٍ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ ويقرأ بنصب كيد، على أنّ (إنما) كافة، ومكفوفة،
стр. 3550
وهو مفعول به، والجملة على جميع الاعتبارات تعليل لما قبلها، لا محل لها. الواو: واو الحال. (لا): نافية، وجملة: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ في محل نصب حال من ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ والرابط: الواو فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، وهو مبني على الضم في محل نصب. وجملة: ﴿أَتى﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها هذا، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية في الموضعين، فهي تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب؛ ويكون التقدير: تلقف صنعهم، إن صنعهم كيد ساحر، ولكن الاعتبار الأول: أظهر كما هو واضح، كما يجوز فتح همزة (إنّ) ولكن لم يقرأ به، وتؤوّل بمصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، والكلام كله في محل نصب مقول القول. تأمل.
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠)﴾
الشرح: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ أي: خروا ساجدين لله تعالى، وذلك بعد أن ألقى موسى عصاه، وتلقفت جميع ما صنعوه، فتحقق عندهم: أنه ليس بسحر، وإنما هو من آيات الله، ومعجزة من معجزاته، فإنّ ما صنعوه كان حمل ثلاثمائة بعير، فابتلعته ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي إلا الله تعالى، وروي: أنها لما تلقفت الحبال والعصي وابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين، فهربوا، وازدحموا حتى هلك جمع عظيم منها. وانظر الآية رقم [١١٦] من سورة (الأعراف) ففيها فضل بيان.
هذا؛ وروي: أن السحرة لم يرفعوا رءوسهم من السجود حتى رأوا الجنة والنار، والثواب والعقاب، ورأوا منازلهم في الجنة. وقال الزمخشري رحمه الله تعالى: ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم، وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رءوسهم بعد ساعة للشكر، والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى:﴾ قدم هارون لكبر سنه، أو لروي الآية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَأُلْقِيَ:﴾ الفاء حرف استئناف، أو حرف عطف. (ألقي): ماض مبني للمجهول.
﴿السَّحَرَةُ:﴾ نائب فاعله. ﴿سُجَّداً﴾ حال من السحرة، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فألقى موسى عصاه، فتلقفت كل ما صنعوه، فألقي السحرة.
لا محل لها على الاعتبارين. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل فاعل.
﴿بِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ورب مضاف، و ﴿هارُونَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَمُوسى:﴾ معطوف على هارون مجرور مثله، والجملة
стр. 3551
الفعلية: ﴿آمَنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال أخرى من (السحرة) والرابط: الضمير فقط، وهو الواو.
﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١)﴾
الشرح: ﴿قالَ آمَنْتُمْ..﴾. إلخ وفي (الأعراف): ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ..﴾. إلخ. يقال: آمن بالله، وآمن به، وآمن له، فهو إنكار منه عليهم؛ أي: تعديتم، وفعلتم ما لم آمركم به. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ أي: رئيسكم في التعليم، وإنما غلبكم؛ لأنه أحذق به منكم، وأبرع، وإنما أراد فرعون بقوله هذا ليشبه على الناس؛ حتى لا يتبعوهم، فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم:
أنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته، ولا تنس: أنه قال في سورة (الأعراف) بعد هذا القول: ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها﴾.
﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ:﴾ قرئت الأفعال هنا وفي سورة (الأعراف) بفتح الهمزة، وتخفيف النون، والمراد: بقوله: ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ اليد اليمنى، والرجل اليسرى. قيل: إنه أول من سن ذلك، فشرعه الله للبغاة، وقطاع الطريق تعظيما لجرمهم، ولذا سماه محاربة الله ورسوله، ولكن على التعاقب لفرط رحمته، انظر الآية رقم [٣٣] من سورة (المائدة). ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على جذوع النخل؛ لأن «في» بمعنى: «على» قال سويد بن أبي كاهل اليشكري: [الطويل]
هم صلبوا العبديّ في جذع نخلة... فلا عطست شيبان إلاّ بأجدعا
وقيل: هي على بابها؛ لأن الجذع مكان للمصلوب، ومحتو عليه. قيل: إنه نقر جذوع النخل حتى جوفها، ووضعهم فيها فماتوا جوعا، وعطشا بعد أن قطع الأيدي والأرجل، وهذا كله لم يصرفهم عن الإيمان بالله، ورسوله. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى:﴾ فهو يريد نفسه، وموسى ﵇، وموسى لم يعذب أحدا، فهو يريد تحقير موسى، والهزء به؛ لأنه لم يكن من التعذيب في شيء، والفعل يحتمل أن يكون قلبيا، وأن يكون عرفانيا، ﴿وَأَبْقى:﴾ أطول عذابا، وأدومه، فحذف التمييز لدلالة ما قبله عليه.
بعد هذا انظر شرح (النخل) في الآية رقم [٢٤] وما بعدها من سورة (إبراهيم) ﵇ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر شرح (اليد) في الآية رقم [٦٣] من سورة (مريم). وانظر شرح (السحر) في الآية رقم [٥٧]. أما ﴿عَذاباً﴾ فهو اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تعذيب؛ لأن الفعل عذب، يعذب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل:
سلام، وعطاء، ونبات، من: سلّم، وأعطى، وأنبت.
стр. 3552
أما (لتعلمنّ): فأصل الفعل: تعلمون، فلما دخله التوكيد صار: «لتعلموننّ» فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار: «لتعلمونّ» فحذفت واو الجماعة لالتقائها ساكنة مع نون التوكيد، وبقيت الضمة على الميم لتدل على واو الجماعة المحذوفة، فصار: «لتعلمنّ» أما ﴿آمَنْتُمْ﴾ فأصله: أأمنتم، قلبت الهمزة الثانية مدا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في إيمان، فإن أصله:
إئمان، وكما قلبت في: أومن، فإن أصله: أؤمن ومثل «آمن» في إعلاله «آذن» و «آدم» ونحوهما.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى فرعون. ﴿آمَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿أَنْ آذَنَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلَ﴾ إليه. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكَبِيرُكُمُ:﴾
اللام: هي المزحلقة. (كبيركم): خبر (إن) والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية:
﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل لإيمانهم في نظر الخبيث فرعون. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل، أو عطف بيان من (كبيركم). ﴿عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ:﴾ ماض، ومفعولاه، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان قد حصل منكم هذا فلأ... إلخ، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله.
(أقطعن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب قسم مقدر. ﴿أَيْدِيَكُمْ:﴾
مفعول به. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بمعنى: مختلفات، وجملة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها مع ملاحظة الإعراب في هذا الفعل والبناء في الفعلين السابقين. ﴿أَيُّنا:﴾ اسم استفهام مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره. ﴿عَذاباً:﴾ تمييز. ﴿وَأَبْقى:﴾ معطوفة على ﴿أَشَدُّ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعلهما مستتر وجوبا تقديره: «هو»، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (لتعلمن) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام إن كان الفعل علميا، أو مفعوله الواحد إن كان عرفانيا، كما رأيت. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿أَيُّنا﴾ اسما موصولا مبتدأ بمعنى: الذي، وبنيت على الضم؛ لأنها قد أضيفت، وحذف صدر صلتها، و ﴿أَشَدُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والجملة الاسمية صلة ل: (أي) وتكون أي: في محل نصب مفعول به للفعل
стр. 3553
(لتعلمن) على اعتباره متعديا لواحد فقط، ويكون الكلام على مثال قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ من سورة (مريم) ﵍، وجملة: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا؛ لأنها جواب لقسم مقدر أيضا، بعد هذا فالآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: السحرة لفرعون. ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ:﴾ لن نختارك. ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ:﴾
من المعجزات الواضحات. وانظر ما رأوا في الآية قبل السابقة. وقال ابن عباس-﵄:
يريد ما جاءنا من العلم واليقين. ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾ أي: لا نختارك على الذي خلقنا، وإنما أخروا ذكره تعالى؛ لأنه من باب الترقي من الأدنى، إلى الأعلى. ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ أي: فاصنع ما أنت صانعه، وافعل ما أنت فاعله من القطع والصلب، ونحوهما. ﴿إِنَّما تَقْضِي..﴾. إلخ: إنما تصنع ما تريد، وتهواه في أمور هذه الحياة الدنيا، وسيزول عن قريب، وقد زال بعونه تعالى.
بعد هذا انظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، وشرح: (قضينا) في الآية رقم [٤] منها، ولقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله الحريري إذ يقول: [الكامل]
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى، وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
أو هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيا.
أما أصل «قاض» فهو: قاضي بكسرة على الياء علامة للجر، أو بضمة علامة للرفع، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الكسرة، أو الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان:
الياء والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت الضاد مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: قاض بالكسرة، وإنما لم يقل بالرفع لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للضاد، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من ال، والإضافة، سواء كان ثلاثيا، أم رباعيا؟
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم).
﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نُؤْثِرَكَ﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و (نا): مفعول به. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة،
стр. 3554
والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. ﴿جاءَنا﴾ ماض، ومفعوله، والفاعل يعود إلى (ما)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها. ﴿مِنَ الْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، ومن بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف.
(الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿ما﴾ وأجيز اعتبار الواو، واو القسم، والذي مقسما به، وجواب القسم محذوف، التقدير: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك، وجملة:
﴿فَطَرَنا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَاقْضِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اقض): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿قاضٍ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: اقض الذي أنت قاضيه، والجملة الفعلية هذه لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب: «إذا» التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منا؛ فاقض... إلخ.
﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿تَقْضِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».
﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل قبله، والمفعول محذوف، التقدير: إنما تقضي غرضك في هذه الحياة. وعلى الثاني و (ما) نفسها اسم (إنّ) والتقدير: إنّ الذي تقضيه نافذ في هذه الحياة. أو اسم الإشارة مفعول به على الاتساع، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْحَياةَ:﴾ بدل من ﴿هذِهِ﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مجرور مثله، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وأجيز اعتبار (إنّ) عاملة.
و (ما) تحتمل المصدرية والموصولة، فعلى الأول: تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب اسم (إنّ) والخبر محذوف، وهو متعلق الظرف، التقدير: إن قضاءك نافذ في هذه الحياة، وعلى الثاني ف: (ما) نفسها اسم (إنّ) والتقدير: إنّ الذي تقضيه نافذ في هذه الحياة ويكون العائد محذوفا، وقد قدرته، وجملة: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ تعليلية لما قبلها، وقول القرطبي: وأجاز الفراء الرفع على أنّ تجعل (ما) بمعنى: «الذي» وتحذف الهاء من تقضي، ورفعت ﴿هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ ولكنني لم أجد من قرأ بالرفع، وأخيرا فالكلام كله في محل نصب مقول القول وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣)﴾
الشرح: ﴿إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا﴾ أي: صدقنا بالله وحده لا شريك له، وأن ما جاء به موسى هو الحق. ﴿لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ أي: من الشرك، والمعاصي، وعمل السحر. ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ﴾
стр. 3555
السِّحْرِ: المراد به إتيانهم من المدائن القاصية، أو تعليمهم صغارا، فأما حين حضروا، وقابلوا موسى ﵇ فلم يكونوا مكرهين بإلقاء حبالهم وعصيهم بدليل قولهم في سورة (الشعراء) لفرعون ﴿أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ وقولهم فيها: ﴿وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ ﴿وَاللهُ خَيْرٌ﴾ أي: ثوابه خير. ﴿وَأَبْقى﴾ أي: عذابا، فيكون المعنى: الله خير ثوابا من ثوابك؛ إن أطعناه، وأبقى عقابا؛ إن عصيناه.
تنبيه: وإنما آمن السحرة؛ لأنهم أيقنوا: أنّ ما فعلته العصا من التقام حبالهم، وعصيهم ليس من فعل السحر، ولا يقدر على مثله البشر، وقد جرت سنة الله أن يتحدى القوم المكذبين بجنس ما برع به أولئك القوم، فقوم فرعون برعوا بالسحر، وكان فاشيا فيهم، فلما فعلت العصا ما فعلت، فأول من عرف: أن ذلك من صنع القوي القادر هم السحرة، وقوم عيسى ﵇ برعوا في الطب، فلما أبرأ الله الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده، فأول من عرف: أن ذلك من صنع القوي القاهر هم الأطباء، وقوم محمد ﷺ كانوا فرسان الفصاحة، والبلاغة، وقد برعوا بقول الشعر، والخطابة، ونحوهما، فلما جاء القرآن الكريم؛ أخرس فصحاءهم، وأسكت بلغاءهم، وقصة سماع عتبة بن ربيعة، وسماع الوليد بن المغيرة القرآن مشهورة مسطورة؛ حتى قال الوليد: إن له لحلاوة، وإن عليه، لطلاوة وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه يعلو، ولا يعلى عليه، والفضل ما شهدت به الأعداء.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن. ﴿بِرَبِّنا:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِيَغْفِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وهي تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، والفاعل يعود إلى (ربنا). ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿خَطايانا:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و (نا): في محل جر بالإضافة.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على خطايانا. ﴿أَكْرَهْتَنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد: الضمير المجرور محلا ب: (على). ﴿مِنَ السِّحْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من العائد، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما). هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مبتدأ والخبر محذوف، تقديره: والذي أكرهتنا. مخطوط، أو موضوع عنا، وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: (ما) نافية، وليس بسديد. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿وَأَبْقى:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة
стр. 3556
رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية معترضة، أو مستأنفة، لا محل لها.
هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول.
﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤)﴾
الشرح: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ..﴾. إلخ: هذه الآية وما بعدها يحتمل أن تكون من قول السحرة، ويحتمل أن تكون من قول الله تعالى، ومعنى الإتيان: الموت على الشرك، والموت على الإصرار على المعاصي، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ: وهذا حال الكافر المكذب؛ إذا أدخل جهنم لا يخرج منها أبدا، ولا يموت فيها فيستريح، ولا يحيا حياة طيبة، ولا يعيش عيشة هنيئة. وانظر ما ذكرته في هذا الصدد في الآية رقم [١٧] من سورة (إبراهيم) ﵇.، ولا تنس:
المطابقة بين ﴿يَمُوتُ﴾ و ﴿يَحْيى﴾.
هذا؛ وألفت النظر إلى أن التعبير عن الكافرين يكثر بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير هذا، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، والله أعلم. هذا؛ ويجوز في العربية فتح همزة (إن) الثانية وكسرها، انظر الآية رقم [٥٤] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٤] من سورة (الحج)، ولكني لم أطلع على قراءتين في هذه الآية.
الإعراب: ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير الشأن اسمها. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَأْتِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾.
﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُجْرِماً:﴾ حال من فاعل ﴿يَأْتِ﴾. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن):
حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ اسمها مؤخر. ﴿لا:﴾ نافية ﴿يَمُوتُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور باللام، أو من جهنم؛ لأن في الجملة ضمير كل منهما، وجملة: ﴿وَلا يَحْيى﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح
стр. 3557
لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)؛ ومثل الآية الكريمة في وقوع الجملة الشرطية خبرا لأن قول الأخطل التغلبي النصراني وقد حذف اسم إن: [الخفيف]
إنّ من يدخل الكنيسة يوما... يلق فيها جآذرا وظباء
وأيضا قول الأعشى ميمون من قصيدة يمدح فيها قيس بن معديكرب: [الخفيف] إنّ من لام في بني بنت حسّا... ن ألمه، وأعصه في الخطوب
هذا؛ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، إن كانت من مقول السحرة، ومستأنفة، لا محل لها إن كانت من قول الله .
﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ﴾ أي: ربه. ﴿مُؤْمِناً﴾ أي: مات على الإيمان، وذكر العمل الصالح احتراس حتى لا يفهم منه أن الإيمان وحده ينيل صاحبه الدرجات الرفيعة في الجنة، والمراد:
بالصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها مع الكف عن المعاصي والسيئات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها كلاهما بحسب القدرة والاستطاعة. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ من سورة (التغابن). ﴿فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ:﴾ المنازل الرفيعة في الجنة، و ﴿الْعُلى﴾ جمع: العليا، مثل كبرى، وكبر، وصغرى، وصغر، ولا تنس: أنه قد روعي لفظ (من) في صدر الآية، وروعي معناها في آخرها.
الإعراب: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً﴾ انظر الآية السابقة. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَمِلَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿قَدْ عَمِلَ..﴾. إلخ في محل نصب حال ثانية، من فاعل (يأت) المستتر، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُؤْمِناً﴾ فتكون حالا متداخلة. وقيل: الجملة صفة ﴿مُؤْمِناً،﴾ وهو ضعيف؛ لأنه صفة لموصوف محذوف. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الدَّرَجاتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ. وانظر تتمة الإعراب في الآية السابقة، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة، فهي في محل رفع مثلها. ﴿الْعُلى:﴾ صفة الدرجات مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.
стр. 3558
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى (٧٦)﴾
الشرح: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٦٠] من سورة (مريم)، و ﴿الْأَنْهارُ﴾ جمع نهر.
وانظر الآية رقم [٣٣] من سورة (الكهف). ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثين، مقيمين، لا يخرجون منها أبدا. ﴿وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ أي: تطهر من الكفر، والمعاصي، فعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أهل الدرجات العلى، ليراهم من تحتهم، كما ترون النّجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر، وعمر منهم، وأنعما». أخرجه الترمذي. أي: زادا، وتناهيا في الفضل إلى غايته. هذا؛ ومن قال: إن الآيات الثلاث من كلام السحرة، لعلهم سمعوه من موسى ﵇، أو من بني إسرائيل، وكان فيهم المؤمن من آل فرعون، كما يحتمل أن يكون ذلك إلهاما من الله لهم أنطقهم بذلك لما آمنوا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿جَنّاتُ:﴾ بدل من الدرجات العلى، وأجيز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، و ﴿جَنّاتُ﴾ مضاف، و ﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وها: في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿جَنّاتُ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المجرور باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ذلك):
اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاءُ:﴾ خبر المبتدأ، وجزاء مضاف، و ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَزَكّى﴾ مع المتعلق المحذوف، صلة ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: عود الضمير إليها.
﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا..﴾. إلخ: وهذا الإيحاء والأمر بالسير كان بعد ثلاثين سنة أقامها موسى بينهم يدعوهم إلى توحيد الله، فلم يزدادوا إلا عتوا، وعنادا على كثرة المعجزات التي رأوها على يد موسى ﵇، وقد فصل ذلك في سورة (الأعراف) في الآية رقم [١٣٦] وما بعدها. هذا؛ وانظر شرح «أسرى» في الآية رقم [١] من سورة (الإسراء)، والمراد: ب: (عبادي) بنو إسرائيل، والإضافة إضافة تشريف. وانظر الآية رقم [١] من سورة (الإسراء) أيضا.
﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً﴾ أي: فاجعل لهم طريقا في البحر يبسا، وهذا كان حين أمره الله أن يضرب بعصاه البحر في قوله تعالى من سورة (الشعراء): ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ﴾
стр. 3559
بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وقد أيبس الله لهم أرض البحر، فلم يبق فيه ماء، ولا طين، وأرسل الله الهواء عليه، فلم يبق في أرض البحر التي ساروا فيها رطوبة قطعا.
قال أبو العتاهية الصوفي: [البسيط]
ما بال دينك ترضى أن تدنّسه... وثوبك الدّهر مغسول من الدّنس
ترجو النّجاة، ولم تسلك طريقتها... إنّ السّفينة لا تجري على اليبس
﴿لا تَخافُ دَرَكاً:﴾ لحاقا من فرعون، وجنوده. ويقرأ الفعل بالجزم. وانظر الإعراب. ﴿وَلا تَخْشى﴾ أي: غرقا، فقد روي: أن فرعون لما لحقهم قرب البحر. قالوا: هذا فرعون قد أدركنا بجيشه، وهذا البحر أمامنا، فقال الله لموسى ليطمئن قومه: ﴿لا تَخافُ..﴾. إلخ. هذا؛ والدرك بفتح الدال وتسكن: اللّحاق كما رأيت، وإدراك الحاجة، وأقصى قعر الشيء، ومنه قوله تعالى:
﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ الآية رقم [١٤٥] من سورة (النساء). وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) ﵍.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٥٦]. ﴿أَنْ:﴾
حرف تفسير. ﴿أَسْرِ﴾ أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِعِبادِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة وجملة: ﴿أَنْ أَسْرِ..﴾. إلخ مفسرة للإيحاء. وانظر الآية رقم [٣٩] حيث جوز اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية. (اضرب): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿طَرِيقاً:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾
متعلقان بمحذوف صفة ﴿طَرِيقاً﴾. ﴿يَبَساً:﴾ صفة ثانية، أو هو حال من ﴿طَرِيقاً﴾ بعد وصفه بما تقدم، والجملة الفعلية: ﴿فَاضْرِبْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها، والكلام:
﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَخافُ:﴾ مضارع، والفاعل أنت.
﴿دَرَكاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (اضرب) المستتر، والرابط:
الضمير فقط. هذا؛ ويقرأ الفعل بالجزم في جواب الأمر، أو ب: ﴿لا﴾ الناهية، والجملة الفعلية لا محل لها على الاعتبارين. هذا؛ والفعل: ﴿تَخْشى﴾ معطوف على ما قبله بحالة الرفع، وحالة الجزم، ففي حالة الرفع فالأمر بين، وفي حالة الجزم، فالجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وأنت لا تخشى، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من فاعل تخاف. والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وأجيز اعتباره مجزوما بعطفه على ما قبله، واعتبار الألف الثابتة للإطلاق على حد قوله تعالى: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ وانظر ﴿يَتَّقِ:﴾ في الآية رقم [٩٠] من سورة (يوسف) ﵊.
стр. 3560
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠)﴾
الشرح: بعد أن أهلك الله فرعون وجنوده، وأنجى بني إسرائيل ذكرهم الله في هذه الآية
стр. 3561
نعمته عليهم، ولعلك تدرك معي: أن موسى ﵇ لقي منهم عناء، وذلك لما طبعوا عليه من خبث، ومكر، وفسوق. ﴿وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ:﴾ هذا الوعد كان لطلب التوراة التي وعدهم إياها موسى قبل إهلاك فرعون وجنوده، وإنما قال: (واعدناكم) لأنها اتصلت بهم حيث كانت لنبيهم، ورجعت منافعها إليهم، وبها قوام دينهم، وشريعتهم، وفيها أفاض الله عليهم من سائر نعمه، وأرزاقه، وبقيت دستورهم، ومصدر حكمهم حتى جاء عيسى ﵇ بالإنجيل، وما أحراك أن تنظر ما حصل لهم عند ما سمعوا كلام الله تعالى في الآية رقم [١٥٥] من سورة (الأعراف)، أما ﴿الْمَنَّ﴾ فكان ينزل عليهم مثل الثلج من الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع، وهو أحلى من السكر، و (السلوى) نوع من الطير يسمى السّمانى، فحشره عليهم ريح الجنوب فيذبح الرجل ما يكفيه، وعياله، وهذا كان في التيه المذكور في الآية رقم [٢٦] من سورة (المائدة). هذا؛ والكلام يحتمل أن يكون في محل نصب مقول القول، كما يحتمل أن يكون من تذكير اليهود الموجودين في عهد محمد ﷺ ، بما أنعم الله على آبائهم الأولين، وكذلك التوبيخ، والتقريع الموجه إليهم بما فعل آباؤهم من عبادة العجل، ونقض العهود، وخلف الوعود، وغير ذلك من سيئ الأفعال، وفاحش الفعال، والأقوال.
وانظر شرح ﴿إِسْرائِيلَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الإسراء)، وشرح (عدو) في الآية رقم [٣٩]، وانظر شرح (الوعد) في الآية رقم [٥٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿يا بَنِي:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر، وحذفت النون للإضافة، و (بني): مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، أو التركيب المزجي. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْجَيْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو هي في محل نصب حال من ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل (يا)، لما فيها من معنى الفعل. ﴿مِنْ عَدُوِّكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَواعَدْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿جانِبَ:﴾ مفعول به ثان وهو على حذف مضاف؛ أي: إتيان جانب، والجملة الفعلية: معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، و ﴿جانِبَ:﴾ مضاف، و ﴿الطُّورِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْأَيْمَنَ:﴾ صفة جانب. ﴿وَنَزَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَنَّ:﴾ مفعول به.
﴿وَالسَّلْوى:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وأخيرا فالآية في محل نصب مقول القول، أو هي مستأنفة، لا محل لها، انظر الشرح. هذا؛ وقرئ «الأيمن» بالجر على الجوار، أفاده الزمخشري.
стр. 3562
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١)﴾
الشرح: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أي: من حلاله، أو من لذائذه، والمراد: المن، والسلوى اللذان نزلا عليهم في التيه. ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ أي: لا تعصوا الله تعالى؛ لأن الطغيان:
التجاوز إلى ما لا يجوز. وقيل: المعنى: لا تكفروا النعمة، ولا تنسوا شكر المنعم بها عليكم.
وقيل: لا تدخروا. ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي: يجب، أو ينزل. ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ أي: هلك، وسقط في النار.
هذا؛ وذكر القرطبي عن شفيّ بن ماتع الأصبحي حديثا موقوفا عليه: «إنّ في جهنّم جبلا يدعى: صعودا، يطلع الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يرقاه. قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ وإنّ في جهنّم قصرا، يقال له: هوى يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى»،﴾ ولا تنس: أن في الآية التفاتا من متكلم الجماعة إلى متكلم الواحد، انظر الالتفات في الآية رقم [٢٢] من سورة (النحل) وانظر شرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥٣] منها. هذا؛ ويقرأ الفعلان (يحل) و ﴿يَحْلِلْ﴾ بضم الحاء وكسرها، وفرق بينهما في المعنى، فقيل: معنى الأول: ينزل، ومعنى الثاني: يجب.
الإعراب: ﴿كُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ طَيِّباتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿طَيِّباتِ﴾ مضاف. و ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: طيبات الذي، أو شيء رزقناكموه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: من طيبات رزقنا لكم، وجملة: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَطْغَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَيَحِلَّ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿غَضَبِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم طغيان فحلول غضب عليكم.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
стр. 3563
﴿يَحْلِلْ:﴾ فعل الشرط. ﴿غَضَبِي:﴾ فاعله مرفوع. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿هَوى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (من)، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٧٤] والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهي من جملة مقول القول المحذوف.
﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى (٨٢)﴾
الشرح: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ:﴾ من الشرك، ومن المعاصي. ﴿وَآمَنَ﴾ أي: بالله الإيمان الصحيح، وآمن بجميع الرسل، وجميع الكتب السماوية، وبوجود الملائكة، وباليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً:﴾ صلى، وصام، وحجّ، وزكى، وعمل أنواع البر والخيرات. ﴿ثُمَّ اهْتَدى:﴾ ثم استقام، وثبت على ما ذكر. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (مريم) ﵍، ففيها فضل زيادة. وانظر تبديل سيئات التائبين بحسنات في الآية رقم [٧٠] من سورة (الفرقان).
الإعراب: ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: واو الحال. (إني): حرف مشبه بالفعل. وياء المتكلم اسمها.
﴿لَغَفّارٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (غفار): خبر (إنّ). ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان بغفار، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة: ﴿تابَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلة (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. وجملة:
﴿وَآمَنَ﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة عليها، وكذلك جملة: ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ وجملة:
﴿اِهْتَدى﴾ معطوفتان عليها، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَحْلِلْ﴾ والرابط: الواو، والضمير، وهو أقوى من الاستئناف. تأمل، وتدبر.
﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)﴾
الشرح: ﴿وَما أَعْجَلَكَ﴾ أي: وما حملك على العجلة، ﴿عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى:﴾ وذلك: أنّ موسى ﵇، اختار من قومه سبعين رجلا يذهبون معه إلى جبل الطور ليأخذوا التوراة التي وعده بها ربه، ووعد هو بها بني إسرائيل كما رأيت في الآية رقم [١٥٤] من سورة (الأعراف)، فسار بهم حتى قارب الجبل، ثم عجل السير من بينهم شوقا إلى ربه، وتركهم خلفه وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل على هيئتهم، فقال له ربه: ﴿وَما أَعْجَلَكَ..﴾. إلخ فأجاب ربه قال:
﴿هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي﴾ أي: هم خلفي يلحقون بي، وليس بيني وبينهم إلا مسافة قصيرة. ويقرأ:
﴿أَثَرِي﴾ بفتحتين، وبكسر وسكون، لغتان، وهما بمعنى: واحد.
стр. 3564
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ أي: عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمسير إليه لترضى عني؛ لأن المسارعة إلى امتثال أمرك، والوفاء بعهدك يوجب مرضاتك. هذا؛ وإنما أجاب موسى ﵇ بجوابين: أوّلهما كان همّ موسى بسط العذر، وتمهيد السبب في نفس ما أنكر عليه، فاعتذر بأنه لم يوجد منه إلا تقدم يسير عن رفقته وهذا يحصل بين الرفقة في غالب الأحيان، ثم أعقبه بالجواب الثاني، وهو الموافق للسؤال. وينبغي أن تعلم: أن السؤال يقع من الله، لكنه ليس لاستدعاء المعرفة، بل إما لتعريف غيره، أو لتبكيته، أو تنبيهه، كما صرح به الراغب، وظاهره: أنه ليس بمجاز كما يقول التلميذ: سألني الأستاذ عن كذا ليعرف فهمي، ونحو ذلك. انتهى جمل.
وانظر ما ذكرته بشأن العجلة في الآية رقم [١] من سورة (النحل) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْجَلَكَ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (ما). ﴿عَنْ قَوْمِكَ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو».
(موسى): منادى مبني على الضم المقدر على الألف في محل نصب ب: (يا)، والآية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال الله: وما أعجلك... إلخ. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿أُولاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿عَلى أَثَرِي:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والياء في محل جر بالإضافة، وهذا الإعراب إنما هو على مذهب البصريين. هذا؛ وأجيز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر ثان للمبتدإ، أو في محل نصب حال من اسم الإشارة. وأما الكوفيون؛ فهم يعتبرون اسم الإشارة موصولا وهو الخبر، والجار والمجرور صلته، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب مقول القول. ﴿وَعَجِلْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٢٥] ﴿لِتَرْضى:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و «أن» المضمرة بعد لام التعليل والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: عجلت، وعليه فالجملة الندائية معترضة بينهما، وجملة: ﴿وَعَجِلْتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ (٨٥)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: قال الله: ﴿فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ أي: ابتليناهم بعبادة العجل بعد خروجك من بينهم، وهم الذين خلف عليهم هارون، وكانوا ستمائة ألف، ما نجا من عبادة
стр. 3565
العجل منهم إلا اثنا عشر ألفا. وقيل: المعنى: ألقيناهم في الفتنة، ولذا قال موسى ﵇:
﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ وهذا يعود إلى أنّ الله هو الفاعل لأعمال العبد. ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ:﴾ وإنما أضاف الله الضلال إلى السامري؛ لأنهم ضلوا بسببه. ويقرأ: «(أضلّهم)» بضم اللام مشددة؛ أي:
أشدهم ضلالة. هذا؛ والسامري اسمه موسى بن ظفر، اختلف في نسبته، اختلافا كبيرا. وقال الجمل نقلا عن شيخه: منسوب إلى سامرة قبيلة من بني إسرائيل، كان منافقا، وكان قد ربّاه جبريل ﵇؛ لأن فرعون لما شرع في ذبح الولدان كانت المرأة من بني إسرائيل تأخذ ولدها وتلقيه في حفيرة، أو كهف من جبل، أو غير ذلك، وكانت الملائكة تتعهد هذه الأطفال بالتربية حتى يكبروا، فيدخلوا بين الناس، وكان موسى السامري ممّن تعهده جبريل ﵇، فكان يغذيه من أصابعه الثلاثة، فيخرج له من أحدها لبن، ومن الأخرى سمن، ومن الثالثة عسل. انتهى. وهذا القول ذكره الثعلبي في قصص الأنبياء، وكثير من المفسرين، ومن محفوظي قديما هذان البيتان: [الطويل]
إذا المرء لم يخلق سعيدا تخلّفت... ظنون مربّيه، وخاب المؤمّل
فموسى الذي ربّاه جبريل كافر... وموسى الذي ربّاه فرعون مرسل
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿فَإِنّا:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ.
(إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿فَتَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿قَوْمَكَ:﴾ مفعول به. والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِكَ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من قومك، وهو أقوى من تعليقهما بالفعل، وجملة: ﴿قَدْ فَتَنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿قَوْمَكَ﴾ والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير قد قبلها، وعلى القراءة الثانية فالجملة اسمية، وتبقى في محل نصب حال.
﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾
الشرح: ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً:﴾ الأسف: شدة الحزن، ورجوعه كان بعد أن أتم أربعين يوما كما رأيت في الآية رقم [١٤٢] من سورة (الأعراف) وأخذ التوراة. ﴿قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً:﴾ وعدهم الله الجنة؛ إذا أقاموا على طاعته، وعدهم أن يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى ليعملوا بما فيها، فيستحقوا ثواب عملهم. وقيل:
стр. 3566
وعدهم النصر، والظفر. هذا؛ والغضب: تغير مزاج الإنسان، واحمرار عينيه، وانتفاخ، أوداجه، وهو مذموم إلا إذا كان لله تعالى. وهذا شأن الأنبياء، فكانوا لا يغضبون إلا إذا انتهكت حرمات الله تعالى.
فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنه منذر جيش، يقول: «صبّحكم ومسّاكم». ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين». ويقرن بين إصبعيه: السبابة والوسطى، ويقول: «أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة». رواه مسلم.
﴿أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي: مدة مفارقتي لكم. ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: أردتم أن تفعلوا فعلا تستحقون الغضب من ربكم بسببه، وذلك هو ما بدر منكم، وهو عبادة العجل. ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أي: ما وعدتموني به من الثبات على الطاعة، والتمسك بعرى الإيمان.
الإعراب: ﴿فَرَجَعَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. ﴿فَرَجَعَ مُوسى:﴾ ماض، وفاعله. ﴿إِلى قَوْمِهِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مُوسى،﴾ وهو أقوى، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿غَضْبانَ أَسِفاً:﴾ حالان من ﴿مُوسى،﴾ وجملة: ﴿فَرَجَعَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿يا قَوْمِ:﴾ إعرابه مثل إعراب «رب» في الآية رقم [٣٥] مع ملاحظة حذف أداة النداء هناك، وإثباتها هنا. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعِدْكُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والكاف مفعول به أول. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَعْداً:﴾ مفعول به ثان، إن كان بمعنى: الموعود، أو هو مفعول مطلق إن كان على ظاهره. ﴿حَسَناً:﴾ صفة ﴿وَعْداً﴾. ﴿أَفَطالَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي أيضا. (طال): ماض. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْعَهْدُ:﴾ فاعله. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَرَدْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿غَضَبٌ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَأَخْلَفْتُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب.
(أخلفتم): فعل، وفاعل. ﴿مَوْعِدِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ والجمل ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
стр. 3567
﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ (٨٧)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: مجيبين لموسى ﵇ حين وبخهم على عبادة العجل. ﴿ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا:﴾ بقدرتنا، وطاقتنا، أو بإرادتنا، وهو يقرأ بتثليث الميم. ﴿وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أي: حملنا أحمالا من حلي القبط التي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر باسم عرس، أو بحجة عيد لنا، ثم لم يردوها عند الخروج مخافة أن يعلموا بهم. وقيل:
هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم، فأخذه بنو إسرائيل، ولعلهم سموها، أوزارا؛ لأنها آثام، فإن الغنائم لم تكن تحل لهم، أو؛ لأنهم كانوا مستأمنين، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي إذا كان مستأمنا.
﴿فَقَذَفْناها﴾ أي: في النار. ﴿فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ﴾ أي: ما كان معه منها. روي أنّ السامري قال لهم حين استبطأ القوم موسى: إنما احتبس عليكم من أجل ما معكم من الحلي، فجمعوه وأعطوه للسامري، فرمى به في النار، فذاب الذهب، وصاغ لهم منه عجلا، ثم ألقى عليه قبضة تراب من أثر فرس جبريل، ﵇. وكان الخبيث قد رأى فرس جبريل عند سوقه القبط لا يدوس على تراب إلا نبت الحشيش مكان قدمه فأخذ تلك القبضة، واحتفظ بها. وقال: سيكون لها شأن. فعن ابن عباس-﵄-قال: مر هارون بالسامري، وهو يصنع العجل، فقال: ما هذا؟ فقال: ينفع، ولا يضر، فادع لي، فقال هارون ﵇: اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه، فألقى قبضة التراب في جوفه، فجعل يخور، وهو ما في الآية التالية.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَخْلَفْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَوْعِدَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِمَلْكِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من (نا)، والمعنى لا يؤيده. و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: بملكنا الصواب، أو بملكنا قدرتنا. ﴿وَلكِنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنّا):
حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت ألفها. ﴿حُمِّلْنا:﴾ ماض، ونائب فاعله، أو هو ماض، وفاعله على قراءة التخفيف. ﴿أَوْزاراً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ زِينَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَوْزاراً،﴾ و ﴿زِينَةِ:﴾ مضاف، و ﴿الْقَوْمِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿حُمِّلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.
﴿فَقَذَفْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وقبلها كلام مقدر؛ أي: فقال لنا السامري اقذفوها في النار... إلخ. ﴿فَكَذلِكَ:﴾ الفاء: حرف
стр. 3568
عطف. الكاف: حرف جر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: ألقى السامري ما معه من الحلي إلقاء كائنا مثل إلقائنا حلينا، والكلام كله معطوف على ما قبله، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.
﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨)﴾
الشرح: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً﴾ أي: من تلك الحلي المذابة. ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ أي: صوت كصوت البقر، وقرئ: «(جؤار)» وهو بمعنى: الأول، واختلفوا: هل كان الجسد حيا من لحم ودم، أم هو تمثال من ذهب قولان: أحدهما لم يكن من لحم ودم؛ لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال، بل صور السامري صورة على شكل عجل، وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل الهواء فيها صوت كصوت العجل، الثاني: أنه صار حيا، وهو قول الحسن، وقتادة، والسدي. أقول: وهذا أقرب إلى الصواب؛ لأنه لو بقي جمادا لم يكن فيه خرق للعادة، وكان العجل إذا خار؛ سجدوا له.
﴿فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ..﴾. إلخ: أي: قال السامري، ومن افتتن بالعجل أول ما رأوه. وقيل:
عكفوا عليه، وأحبوه حبا لم يحبوا شيئا قط مثله. ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: قال السامري: إن موسى نسي إلهه، وتركه هنا، وذهب يطلبه. هذا؛ وقد روي: أن موسى ﵇ لما رأى العجل المصنوع من ذهب قال: يا رب هذا السامريّ أخرج لهم عجلا جسدا له خوار من حليهم، فمن جعل الجسد والخوار؟ قال الله ﵎: أنا. قال موسى-على نبينا وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام-: وعزّتك، وجلالك، وارتفاعك، وعلوّك، وسلطانك ما أضلّهم غيرك! قال: صدقت يا حكيم الحكماء! وانظر شرح ﴿جَسَداً﴾ في الآية [٨] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿فَأَخْرَجَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أخرج): ماض، والفاعل يعود إلى (السامري). ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عِجْلاً:﴾ مفعول به، ﴿جَسَداً:﴾ صفة؛ أي:
عجلا مجسدا، وقول الجمل: هو حال من ﴿عِجْلاً﴾ غير واضح إلا أن يكون قد صار علما بالغلبة، وهو غير مسلم، واعتباره بدلا جيد. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿خُوارٌ:﴾
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية، أو في محل نصب حال من ﴿عِجْلاً﴾ بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿فَأَخْرَجَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على جملة: ﴿وَأَضَلَّهُمُ..﴾. إلخ وهو ضعيف جدا. ﴿فَقالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق.
﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له.
стр. 3569
﴿إِلهُكُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِلهُ:﴾ معطوف على الخبر، و (إله) مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَنَسِيَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾ بزعمهم، ومفعوله محذوف، التقدير: فنسي ﴿مُوسى﴾ إلهه هنا. وقيل: يعود الضمير إلى السامري، فيكون التقدير: فترك السامري ما كان عليه من الإيمان بالله تعالى، وعلى هذا فالجملة مستأنفة، لا محل لها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَأَخْرَجَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.
﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩)﴾
الشرح: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ:﴾ يعتبرون، ويفكرون. ﴿أَلاّ يَرْجِعُ..﴾. إلخ: أي: أن العجل لا يرد لهم جوابا إذا دعوه، ولا يكلمهم. ﴿وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً:﴾ فكيف يكون إلها؟! والذي يعبده موسى ﵇ يضر، وينفع، ويثيب، ويعذب، ويعطي، ويمنع. وهذا توبيخ لليهود إلى يوم القيامة حيث عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته، ولا ينفع من عبده، وكان العجل ابتلاء ابتلى الله به بني إسرائيل. وانظر (رجع) في الآية رقم [٨٦].
الإعراب: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. الفاء: حرف استئناف. (لا):
نافية. ﴿يَرَوْنَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه؛ أي: العجل. (لا): نافية. ﴿يَرْجِعُ:﴾ مضارع مرفوع، وفاعله يعود إلى «العجل».
﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْلاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن) و (أن) المخففة واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير:
أفلا يرون عدم رجوعه بالقول، وقدر القرطبي: في أنه... إلخ، وهو ضعيف. هذا؛ ويقرأ بنصب الفعل، وضعفه القاضي البيضاوي، وجملة: ﴿وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي.
﴿نَفْعاً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿أَفَلا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل رجوع موسى من الميقات، أو حين عكفوا على عبادة العجل. ﴿يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أي: اختبرتم وامتحنتم بعبادة العجل، أو ضللتم
стр. 3570
بعبادته. ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ:﴾ الحقيقي المستحق للعبادة هو المسمى: ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿فَاتَّبِعُونِي:﴾ في عبادة الرحمن. ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي:﴾ في ترك عبادة العجل.
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اعلم: أن هارون ﵇ سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه؛ لأنه زجرهم أولا عن الباطل بقوله: ﴿إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ﴾ ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ثم دعاهم إلى اتباع الشرائع بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ فهذا هو الترتيب الجيد؛ لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق، وهي إزالة الشبهات، ثم معرفة الله، فإنها هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة، وإنما قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ﴾ فخص هذا الموضع بهذا الاسم؛ لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا؛ قبل الله توبتهم؛ لأنه هو التواب الرحيم. فقابلوا هذا القول بالإصرار، والجحود. انتهى.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧]. واللام:
واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿قالَ:﴾ ماض.
﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هارُونُ:﴾ فاعل. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما وقيل:
متعلقان بمحذوف حال، وليس بشيء، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى.
﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر إعراب (رب) في الآية رقم [٢٥] ففيه الكفاية. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة.
﴿فُتِنْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون مبني للمجهول، والتاء نائب فاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكُمُ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَاتَّبِعُونِي:﴾
الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [١٢]. (اتبعوني): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما قلته صحيحا فاتبعوني، وجملة: ﴿وَأَطِيعُوا..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محل لها. ﴿أَمْرِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. هذا؛ والكلام:
﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلَقَدْ قالَ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له، وفيه معنى التأكيد للكلام السابق.
﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: مجيبين لهارون ﵇. ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ:﴾ لا نزال مقيمين على عبادة العجل. ﴿حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى:﴾ كأنهم قالوا: لن نقبل حجتك؛ حتى يعود
стр. 3571
موسى، فننظر: هل يعبده كما عبدناه؟ فتوهموا: أن موسى يعبده؛ لأن السامري قال لهم: «هذا إلهكم وإله موسى فنسيه هنا» كما رأيت. وهددوه بالقتل، كما ستعرفه، فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا، من الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى ﵇، وسمع الصياح والجلبة، -وكانوا يرقصون حول العجل-قال للسبعين الذين معه: هذا صوت الفتنة. فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه، ولحيته بشماله غضبا وصار يجره إليه كما في الأعراف [١٥٠]، وكان ﵊ حديدا، خشنا، متصلبا في كل شيء، فكيف إذا انتهكت حرمات الله؟! لذا لم يتمالك حين رأى قومه يعبدون العجل عيانا؛ حتى فعل بهارون ما فعل.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نَبْرَحَ:﴾ مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عاكِفِينَ:﴾ خبر ﴿نَبْرَحَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَرْجِعَ:﴾
مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد حتى. ﴿إِلَيْنا:﴾ متعلقان به. ﴿مُوسى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بعاكفين، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، وجملة:
﴿لَنْ نَبْرَحَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾
الشرح: ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ كفروا بعبادة العجل. ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ أي: تتبع أمري، ووصيتي، وهلاّ قاتلتهم، وأنت تعلم أني لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم. وقيل:
معناه ما منعك من اللحوق بي، وإخباري بكفرهم وضلالهم، فتكون مفارقتك إياهم زجرا لهم عما أتوه وعذرا عند الله تعالى؟!. ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي:﴾ يريد: أن مقامك بينهم مع ما رأيت منهم مخالفة لأمري، ووصيتي. قيل: إن أمره ووصيته ما ذكر في الآية رقم [١٤٢] من سورة (الأعراف)، فلما أقام معهم، ولم يبالغ في منعهم نسبه إلى عصيانه، ومخالفة، أوامره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ ﵇، (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (هارون): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بيا. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مَنَعَكَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ والكاف مفعول به. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿رَأَيْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة ضلوا في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط، وهي
стр. 3572
على تقدير «قد» قبلها. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف ناصب. (لا): صلة للتوكيد. ﴿تَتَّبِعَنِ:﴾ مضارع منصوب ب: (أن)، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، أو الثابتة في قراءة أخرى مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (أن) المصدرية، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من اتباعي. والجار والمجرور متعلقان بالفعل، (منع) على أنهما مفعوله الثاني، وهذه الآية مثل الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف). هذا؛ والجملة الفعلية:
﴿مَنَعَكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما مَنَعَكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ويقدر قبلها كلام محذوف، فلما رجع موسى ورأى ما رأى قال... إلخ. ﴿أَفَعَصَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء:
حرف عطف على محذوف. (عصيت): فعل، وفاعل. ﴿أَمْرِي:﴾ مفعول به... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾
الشرح: ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي:﴾ ناداه بذلك مع كونهما شقيقين للأبوين استعطافا، وتلطفا، وأدخل في الرقة، والرحمة. هذا؛ ويقرأ بكسر الميم، وفتحها، وكسر اللام، وفتحها، وكسر اللام أقوى. ﴿إِنِّي خَشِيتُ:﴾ خفت. ﴿أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: إن فارقتهم، وتبعتك فربما اقتتلوا بسبب اختلافهم في عبادة العجل، فتلومني على ذلك، وقد وعظتهم، ونصحتهم، فلم يأبهوا بذلك؛ لأنهم استضعفوني وقد همّوا بقتلي. وهو فحوى آية (الأعراف) رقم [١٥٠]. ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: لم تعمل بوصيتي حين قلت لك: اخلفني في قومي، وأصلح وارفق بهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
بعد هذا فاللحية: شعر الخدين، والذقن، وجمعها لحى، ومنبتها يقال له: لحي. وانظر خشي في الآية رقم [٨٠] من سورة (الكهف) وشرح ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء) وشرح (بين) في الآية رقم [٤٥] منها، وشرح (إسرائيل) في الآية [٢] منها أيضا، وشرح (أم) في الآية رقم [٧٨] من سورة (النحل).
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (هارون). (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو».
(ابن): منادى، وهو مضاف، و (أم) مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة والمدلول عليها بالكسرة على قراءة كسر الميم، وعلى فتحها، فتكون ياء المتكلم قد قلبت ألفا، ثم حذفت للتخفيف، والفتحة على الميم تدل على الألف المحذوفة.
هذا؛ وحذف هذه الألف يكثر في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم إذا كان (ابن أم)، أو (ابن عم) والثاني: وارد في الشعر العربي كقول الشاعر: [الرجز]
стр. 3573
كن لي، لا عليّ يا بن عمّا... نعش عزيزين؛ ونكف الهمّا
وهذه الألف الثابتة للإطلاق، وليست المنقلبة عن ياء المتكلم، وقد ثبتت وليست للإطلاق، وهو من القليل، وذلك في قول أبي النجم الفضل بن قدامة العجلي: [الرجز]
يا ابنة عمّا لا تلومي، واهجعي... لا يخرق اللوم حجاب مسمعي
البيت الأول: هو الشاهد رقم [٤٣٤] والثاني: هو الشاهد [٤٣٦] من كتابنا فتح رب البرية إعراب شواهد جامع الدروس العربية.
﴿لا تَأْخُذْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِلِحْيَتِي:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية داخلة على فعل محذوف، ﴿بِرَأْسِي﴾ متعلقان به؛ إذ التقدير: ولا تأخذ برأسي، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة في الاسمين. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء في محل نصب اسمها. ﴿خَشِيتُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿أَنْ تَقُولَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل تقديره: «أنت». ﴿فَرَّقْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، وبين مضاف، و ﴿بَنِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿تَرْقُبْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿قَوْلِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة:
﴿وَلَمْ تَرْقُبْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا هذا؛ و ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿خَشِيتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي خَشِيتُ..﴾. إلخ فيها معنى التعليل للنهي. وأخيرا فالجمل كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى. ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ أي: ما أمرك وشأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ قال قتادة: كان السامري عظيما في بني إسرائيل، من قبيلة يقال لها:
سامرة، ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع موسى. فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة، وهم
стр. 3574
يعكفون على أصنام لهم ﴿قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ الآية [١٣٣] من سورة (الأعراف)، فاغتنمها السامري، وعلم أنهم يميلون إلى عبادة العجل، فاتخذ العجل. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٥].
﴿قالَ﴾ أي: السامري مجيبا لموسى. ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت ما لم يروه، رأيت جبريل ﵇ راكبا على فرس لا يمس شيئا إلا حيي من نبات، أو غيره، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة، فما ألقيت منها على شيء إلا صار له روح ولحم ودم، فلما سألوك أن تجعل لهم إلها زينت لي نفسي ذلك. هذا؛ ويقرأ الفعل: «(بما لم تبصروا)» بالتاء أي:
علمت بما لم تعلموا، وفطنت لما لم تفطنوا له، وبصر من الباب الخامس كما هو مشاهد.
﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ:﴾ ويقرأ بالصاد، والفرق بينهما أن القبض بجميع الكف، والقبص بأطراف الأصابع، ونحوهما: الخصم، والقصم، والصاد، والضاد، تتعاقبان في كثير من الكلمات، مثل قولك: عاد إلى ضئضئه، وصئصئه؛ أي: أصله، ومناص، ومناض بمعنى:
واحد. قال تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ وأنقاض، وأنقاص بمعنى: واحد، ومضمض، ومصمص لسانه كلاهما بمعنى: حركه.
والمراد: بالرسول: جبريل ﵇، ولعله لم يسمه باسمه؛ لأنه لم يعرف: أنه جبريل، أو أراد أن ينبه على الوقت الذي رآه فيه، وهو حين جاء جبريل إلى موسى ليبلغه الذهاب إلى جبل الطور. وهنا مضافان محذوفان؛ إذ التقدير: فقبضت قبضة من أثر حافر فرس الرسول، ومثل هذه الآية قول كلحبة العرني اليربوعي: [الطويل]
فأدرك إرقال العرادة ظلعها... وقد جعلتني من حزيمة إصبعا
فإن التقدير: جعلتني من حزيمة مقدار مسافة إصبع، وهذا البيت هو الشاهد رقم: [١٠٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».
﴿فَنَبَذْتُها﴾ أي: ألقيتها، وطرحتها في فم العجل المصنوع من ذهب، فخار. ﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي:﴾ زينت لي ذلك نفسي، وهواي، وجاء لفظ سولت في الآية رقم [١٨] و [٨٣] من سورة (يوسف) على حبيبنا، وشفيعنا عليه ألف ألف سلام، وألف ألف صلاة، وإعظام بهذا المعنى.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى ﵇. ﴿فَما:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ. (ما): اسم استفهام إنكاري مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿خَطْبُكَ:﴾ خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى السامري. ﴿بَصُرْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ما)
стр. 3575
تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿فَقَبَضْتُ:﴾
فعل، وفاعل. ﴿قَبْضَةً:﴾ مفعول مطلق إن كانت مصدرا بمعنى: المرة، ومفعول به وإن كانت بمعنى: المقبوض. ﴿مِنْ أَثَرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَبْضَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، و ﴿أَثَرِ﴾ مضاف، والرسول مضاف إليه.
﴿فَنَبَذْتُها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿وَكَذلِكَ:﴾
الواو: حرف استئناف، (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: سولت لي نفسي تسويلا كائنا مثل ذلك الذي صنعته، وأظهرته، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. وانظر تفصيل الإعراب في الآية [٨٧] ﴿سَوَّلَتْ:﴾
ماض، والتاء للتأنيث. ﴿لِي:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿نَفْسِي:﴾ فاعل مرفوع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وأخيرا فالجمل في الآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧)﴾
الشرح: ﴿قالَ فَاذْهَبْ﴾ أي: قال له موسى. ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ أي: لا أمسّ أحدا، ولا يمسني أحد طول الحياة، فنفاه موسى ﵇ عن قومه، وأمر بني إسرائيل جميعا ألا يخالطوه، ولا يقربوه، ولا يكلموه عقوبة له، فمنع من مخالطة الناس منعا كليا، ومن كل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا، وإذا اتفق أن يمس أحدا، رجلا، أو امرأة؛ حمّ الماسّ والممسوس، فتحامى الناس، وتحاموه. قال الشاعر: [الطويل]
تميم كرهط السّامريّ وقوله... ألا لا يريد السامريّ مساسا
وقد جعل الله عقوبته في الدنيا بأن جعله لا يماس أحدا، ولا يمكن من أن يمسه أحد، ويقال: ابتلي بالوسواس. وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: بقاياه إلى اليوم يقولون ذلك؛ أي: ﴿لا مِساسَ:﴾ وانظر الآية رقم [١٢٠] وقد هرب السّامريّ بعد ذلك، وعاش بقية حياته مع الوحش في البرية، وهذه الآية دليل واضح في نفي أهل البدع والمعاصي، وهجرانهم، وعدم مخالطتهم، وقد فعل النبي ﷺ ذلك بكعب بن مالك، وصاحبيه الذين تخلفوا عن الخروج معه إلى غزوة تبوك كما رأيت في الآية رقم [١١٨] من سورة (التوبة). هذا؛ وقرئ بكسر السين على وزن: فجار، وقطام، ورقاش. قال لجيم بن صعب والد حنيفة، وعجل: [الوافر]
следующие страницы →