Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
موسى، فننظر: هل يعبده كما عبدناه؟ فتوهموا: أن موسى يعبده؛ لأن السامري قال لهم: «هذا إلهكم وإله موسى فنسيه هنا» كما رأيت. وهددوه بالقتل، كما ستعرفه، فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا، من الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى ﵇، وسمع الصياح والجلبة، -وكانوا يرقصون حول العجل-قال للسبعين الذين معه: هذا صوت الفتنة. فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه، ولحيته بشماله غضبا وصار يجره إليه كما في الأعراف [١٥٠]، وكان ﵊ حديدا، خشنا، متصلبا في كل شيء، فكيف إذا انتهكت حرمات الله؟! لذا لم يتمالك حين رأى قومه يعبدون العجل عيانا؛ حتى فعل بهارون ما فعل.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نَبْرَحَ:﴾ مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عاكِفِينَ:﴾ خبر ﴿نَبْرَحَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَرْجِعَ:﴾
مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد حتى. ﴿إِلَيْنا:﴾ متعلقان به. ﴿مُوسى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بعاكفين، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، وجملة:
﴿لَنْ نَبْرَحَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾
الشرح: ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ كفروا بعبادة العجل. ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ أي: تتبع أمري، ووصيتي، وهلاّ قاتلتهم، وأنت تعلم أني لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم. وقيل:
معناه ما منعك من اللحوق بي، وإخباري بكفرهم وضلالهم، فتكون مفارقتك إياهم زجرا لهم عما أتوه وعذرا عند الله تعالى؟!. ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي:﴾ يريد: أن مقامك بينهم مع ما رأيت منهم مخالفة لأمري، ووصيتي. قيل: إن أمره ووصيته ما ذكر في الآية رقم [١٤٢] من سورة (الأعراف)، فلما أقام معهم، ولم يبالغ في منعهم نسبه إلى عصيانه، ومخالفة، أوامره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ ﵇، (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (هارون): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بيا. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مَنَعَكَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ والكاف مفعول به. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿رَأَيْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة ضلوا في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط، وهي
стр. 3572
على تقدير «قد» قبلها. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف ناصب. (لا): صلة للتوكيد. ﴿تَتَّبِعَنِ:﴾ مضارع منصوب ب: (أن)، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، أو الثابتة في قراءة أخرى مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (أن) المصدرية، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من اتباعي. والجار والمجرور متعلقان بالفعل، (منع) على أنهما مفعوله الثاني، وهذه الآية مثل الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف). هذا؛ والجملة الفعلية:
﴿مَنَعَكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما مَنَعَكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ويقدر قبلها كلام محذوف، فلما رجع موسى ورأى ما رأى قال... إلخ. ﴿أَفَعَصَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء:
حرف عطف على محذوف. (عصيت): فعل، وفاعل. ﴿أَمْرِي:﴾ مفعول به... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾
الشرح: ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي:﴾ ناداه بذلك مع كونهما شقيقين للأبوين استعطافا، وتلطفا، وأدخل في الرقة، والرحمة. هذا؛ ويقرأ بكسر الميم، وفتحها، وكسر اللام، وفتحها، وكسر اللام أقوى. ﴿إِنِّي خَشِيتُ:﴾ خفت. ﴿أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: إن فارقتهم، وتبعتك فربما اقتتلوا بسبب اختلافهم في عبادة العجل، فتلومني على ذلك، وقد وعظتهم، ونصحتهم، فلم يأبهوا بذلك؛ لأنهم استضعفوني وقد همّوا بقتلي. وهو فحوى آية (الأعراف) رقم [١٥٠]. ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: لم تعمل بوصيتي حين قلت لك: اخلفني في قومي، وأصلح وارفق بهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
بعد هذا فاللحية: شعر الخدين، والذقن، وجمعها لحى، ومنبتها يقال له: لحي. وانظر خشي في الآية رقم [٨٠] من سورة (الكهف) وشرح ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء) وشرح (بين) في الآية رقم [٤٥] منها، وشرح (إسرائيل) في الآية [٢] منها أيضا، وشرح (أم) في الآية رقم [٧٨] من سورة (النحل).
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (هارون). (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو».
(ابن): منادى، وهو مضاف، و (أم) مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة والمدلول عليها بالكسرة على قراءة كسر الميم، وعلى فتحها، فتكون ياء المتكلم قد قلبت ألفا، ثم حذفت للتخفيف، والفتحة على الميم تدل على الألف المحذوفة.
هذا؛ وحذف هذه الألف يكثر في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم إذا كان (ابن أم)، أو (ابن عم) والثاني: وارد في الشعر العربي كقول الشاعر: [الرجز]
стр. 3573
كن لي، لا عليّ يا بن عمّا... نعش عزيزين؛ ونكف الهمّا
وهذه الألف الثابتة للإطلاق، وليست المنقلبة عن ياء المتكلم، وقد ثبتت وليست للإطلاق، وهو من القليل، وذلك في قول أبي النجم الفضل بن قدامة العجلي: [الرجز]
يا ابنة عمّا لا تلومي، واهجعي... لا يخرق اللوم حجاب مسمعي
البيت الأول: هو الشاهد رقم [٤٣٤] والثاني: هو الشاهد [٤٣٦] من كتابنا فتح رب البرية إعراب شواهد جامع الدروس العربية.
﴿لا تَأْخُذْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِلِحْيَتِي:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية داخلة على فعل محذوف، ﴿بِرَأْسِي﴾ متعلقان به؛ إذ التقدير: ولا تأخذ برأسي، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة في الاسمين. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء في محل نصب اسمها. ﴿خَشِيتُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿أَنْ تَقُولَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل تقديره: «أنت». ﴿فَرَّقْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، وبين مضاف، و ﴿بَنِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿تَرْقُبْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿قَوْلِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة:
﴿وَلَمْ تَرْقُبْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا هذا؛ و ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿خَشِيتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي خَشِيتُ..﴾. إلخ فيها معنى التعليل للنهي. وأخيرا فالجمل كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى. ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ أي: ما أمرك وشأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ قال قتادة: كان السامري عظيما في بني إسرائيل، من قبيلة يقال لها:
سامرة، ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع موسى. فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة، وهم
стр. 3574
يعكفون على أصنام لهم ﴿قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ الآية [١٣٣] من سورة (الأعراف)، فاغتنمها السامري، وعلم أنهم يميلون إلى عبادة العجل، فاتخذ العجل. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٥].
﴿قالَ﴾ أي: السامري مجيبا لموسى. ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت ما لم يروه، رأيت جبريل ﵇ راكبا على فرس لا يمس شيئا إلا حيي من نبات، أو غيره، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة، فما ألقيت منها على شيء إلا صار له روح ولحم ودم، فلما سألوك أن تجعل لهم إلها زينت لي نفسي ذلك. هذا؛ ويقرأ الفعل: «(بما لم تبصروا)» بالتاء أي:
علمت بما لم تعلموا، وفطنت لما لم تفطنوا له، وبصر من الباب الخامس كما هو مشاهد.
﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ:﴾ ويقرأ بالصاد، والفرق بينهما أن القبض بجميع الكف، والقبص بأطراف الأصابع، ونحوهما: الخصم، والقصم، والصاد، والضاد، تتعاقبان في كثير من الكلمات، مثل قولك: عاد إلى ضئضئه، وصئصئه؛ أي: أصله، ومناص، ومناض بمعنى:
واحد. قال تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ وأنقاض، وأنقاص بمعنى: واحد، ومضمض، ومصمص لسانه كلاهما بمعنى: حركه.
والمراد: بالرسول: جبريل ﵇، ولعله لم يسمه باسمه؛ لأنه لم يعرف: أنه جبريل، أو أراد أن ينبه على الوقت الذي رآه فيه، وهو حين جاء جبريل إلى موسى ليبلغه الذهاب إلى جبل الطور. وهنا مضافان محذوفان؛ إذ التقدير: فقبضت قبضة من أثر حافر فرس الرسول، ومثل هذه الآية قول كلحبة العرني اليربوعي: [الطويل]
فأدرك إرقال العرادة ظلعها... وقد جعلتني من حزيمة إصبعا
فإن التقدير: جعلتني من حزيمة مقدار مسافة إصبع، وهذا البيت هو الشاهد رقم: [١٠٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».
﴿فَنَبَذْتُها﴾ أي: ألقيتها، وطرحتها في فم العجل المصنوع من ذهب، فخار. ﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي:﴾ زينت لي ذلك نفسي، وهواي، وجاء لفظ سولت في الآية رقم [١٨] و [٨٣] من سورة (يوسف) على حبيبنا، وشفيعنا عليه ألف ألف سلام، وألف ألف صلاة، وإعظام بهذا المعنى.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى ﵇. ﴿فَما:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ. (ما): اسم استفهام إنكاري مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿خَطْبُكَ:﴾ خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى السامري. ﴿بَصُرْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ما)
стр. 3575
تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿فَقَبَضْتُ:﴾
فعل، وفاعل. ﴿قَبْضَةً:﴾ مفعول مطلق إن كانت مصدرا بمعنى: المرة، ومفعول به وإن كانت بمعنى: المقبوض. ﴿مِنْ أَثَرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَبْضَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، و ﴿أَثَرِ﴾ مضاف، والرسول مضاف إليه.
﴿فَنَبَذْتُها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿وَكَذلِكَ:﴾
الواو: حرف استئناف، (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: سولت لي نفسي تسويلا كائنا مثل ذلك الذي صنعته، وأظهرته، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. وانظر تفصيل الإعراب في الآية [٨٧] ﴿سَوَّلَتْ:﴾
ماض، والتاء للتأنيث. ﴿لِي:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿نَفْسِي:﴾ فاعل مرفوع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وأخيرا فالجمل في الآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧)﴾
الشرح: ﴿قالَ فَاذْهَبْ﴾ أي: قال له موسى. ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ أي: لا أمسّ أحدا، ولا يمسني أحد طول الحياة، فنفاه موسى ﵇ عن قومه، وأمر بني إسرائيل جميعا ألا يخالطوه، ولا يقربوه، ولا يكلموه عقوبة له، فمنع من مخالطة الناس منعا كليا، ومن كل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا، وإذا اتفق أن يمس أحدا، رجلا، أو امرأة؛ حمّ الماسّ والممسوس، فتحامى الناس، وتحاموه. قال الشاعر: [الطويل]
تميم كرهط السّامريّ وقوله... ألا لا يريد السامريّ مساسا
وقد جعل الله عقوبته في الدنيا بأن جعله لا يماس أحدا، ولا يمكن من أن يمسه أحد، ويقال: ابتلي بالوسواس. وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: بقاياه إلى اليوم يقولون ذلك؛ أي: ﴿لا مِساسَ:﴾ وانظر الآية رقم [١٢٠] وقد هرب السّامريّ بعد ذلك، وعاش بقية حياته مع الوحش في البرية، وهذه الآية دليل واضح في نفي أهل البدع والمعاصي، وهجرانهم، وعدم مخالطتهم، وقد فعل النبي ﷺ ذلك بكعب بن مالك، وصاحبيه الذين تخلفوا عن الخروج معه إلى غزوة تبوك كما رأيت في الآية رقم [١١٨] من سورة (التوبة). هذا؛ وقرئ بكسر السين على وزن: فجار، وقطام، ورقاش. قال لجيم بن صعب والد حنيفة، وعجل: [الوافر]
стр. 3576
إذا قالت حذام فصدّقوها... فإنّ القول ما قالت حذام
﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ:﴾ المراد به يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين للحساب والجزاء، وقرئ الفعل بفتح اللام وكسرها وقرئ: «(لن يخلفه)» على إسناده لله .
﴿وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً﴾ أي: مقيما على عبادته، وتعظيمه، وتقديسه، و ﴿ظَلْتَ﴾ أصله: ظللت: فحذفت اللام الأولى تخفيفا. وانظر شرح (ظلوا...) إلخ في الآية رقم [١٤] من سورة (الحجر) تجد ما يسرك، والمراد: به هنا الاستمرار.
﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ أي: بالنار، ويقرأ بتشديد الراء وتخفيفها، وبكسرها، وضمّها مع التخفيف.
وقيل: المعنى لنبردنه بالمبارد، ويقال للمبرد: المحرق. قال السّدّيّ: ذبح العجل، فسال منه الدم، كما يسيل من العجل الحقيقي؛ إذا ذبح، ثم برد عظامه بالمبرد، وحرّقه. ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ:﴾
لنذرينه، ولنطيرنه. ﴿فِي الْيَمِّ:﴾ في البحر. والغاية من ذلك: زيادة عقوبته، وإهانته، وإظهار غباوة الذين فتنوا به لمن له أدنى نظر. فلما حرّقه، وذراه في البحر، شرب بعضهم من مائه حبا له، فظهرت على شفاهم صفرة الذهب. وانظر رقم [١٠٥] الآتية.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى ﵇. ﴿فَاذْهَبْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنه أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك قد حصل منك؛ فاذهب. وهو أولى من اعتبارها زائدة هنا. (اذهب): أمر، وفاعله مستتر، والجملة الفعلية جواب الشرط المقدر ب «إذا». ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكَ فِي الْحَياةِ:﴾
كلاهما متعلقان بمحذوف خبر مقدم على الإفراد أو على التعدد، ويجوز اعتبار: ﴿فِي الْحَياةِ﴾ متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المقدر. والمصدر المؤوّل من: ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ في محل نصب اسم (إنّ) مؤخر. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: (إنّ). ﴿مِساسَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محلّ نصب وعلى قراءته بالكسر؛ فهو مبني على الكسر في محل نصب اسمها. واعتباره اسم فعل أمر مثل: دراك، ونزال، وقتال غير وجيه هنا معنى. وخبر ﴿لا﴾ محذوف، تقديره: حاصل لي، ونحوه. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً:﴾ خبر (إنّ) متعلق. ﴿لَكَ،﴾ واسمها المؤخر: ﴿مَوْعِداً﴾. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في معنى التعليل مثلها. ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ:﴾ مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ على جميع القراءات، ونائب فاعله تقديره: «أنت»، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني، أو فاعله مستتر، تقديره: «أنت»، أو فاعله مستتر، تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿مَوْعِداً﴾. (انظر): أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿إِلى إِلهِكَ:﴾ متعلقان به، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محلّ جر صفة:
﴿إِلهِكَ﴾ أو بدل منه. ﴿ظَلْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلَيْهِ:﴾
متعلقان بما بعدهما. ﴿عاكِفاً:﴾ خبر ﴿ظَلْتَ﴾. والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
стр. 3577
﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والهاء مفعول به، والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب قسم محذوف، واللام واقعة في جواب ذلك القسم، والقسم وجوابه في محل نصب مفعول به ل: (انظر) المعلق عن العمل لفظا، وجملة: ﴿وَانْظُرْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اذهب...) إلخ ثم: حرف عطف، وجملة: ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق بينهما.
﴿فِي الْيَمِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَسْفاً:﴾ مفعول مطلق. بعد هذا فالآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨)﴾
الشرح: فلما فرغ موسى من أمر العجل، وإبطال ما ذهب إليه السامري: رجع إلى بيان الدين الحق، فقال مخاطبا لبني إسرائيل: إنما إلهكم الله المستحق للعبادة، لا يستحقها غيره، فهو الذي وسع علمه كل شيء، وأحاط بكل شيء، ولا يماثله، ولا يدانيه في كمال العلم والقدرة أحد بخلاف العجل المصنوع من الذهب فهو من الحقارة بمكان.
تنبيه: أما توبتهم من عبادة العجل فقد بينتها الآية رقم [٥٤] من سورة (البقرة) حيث أمرهم موسى ﵇ بأمر الملك العلام أن يقتل بعضهم بعضا بالسيوف. قيل: أمروا أن يقتل بعضهم بعضا. وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتل العبدة. روي: أن الرجل كان يلقى ابنه، أو أخاه، فلم يقدر على المضي لأمر الله تعالى، فأرسل الله عليهم ضبابة، أو سحابة سوداء، فجعلوا لا يعرف بعضهم بعضا، فأخذوا يقتتلون من الغداة إلى العشي؛ حتى دعا موسى، وهارون ﵉، فكشفت السحابة، ونزلت؛ أي: التي أتى بها موسى، وكانت القتلى سبعين ألفا. والله أعلم، وأجل، وأكرم.
الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿إِلهُكُمُ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿اللهُ:﴾ خبره. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة، أو بدل من ﴿اللهُ﴾ وجملة: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ صلة الموصول، وانظر إعرابها في الآية رقم [٨]. ﴿وَسِعَ:﴾
ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه، ﴿عِلْماً:﴾ تمييز. هذا؛ ويقرأ الفعل بالتشديد، فيكون مفعولا ثانيا، وجملة: ﴿وَسِعَ كُلَّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير قد قبلها، واعتبارها خبرا ثانيا للمبتدإ لا بأس به، ولكن الأول: أقوى معنى، واعتبارها مستأنفة جيد، والجملة الاسمية، أو الآية بكاملها إنما هي من قول موسى، على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
стр. 3578
﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً (٩٩)﴾
الشرح: ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ..﴾. إلخ: الخطاب للرسول ﷺ ، والمعنى: نقص عليك يا محمد من أخبار الأمم السابقة مثل الذي قصصنا عليك من خبر موسى مع قومه، وفي ذلك تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتكثير لمعجزاتك وتذكير وتنبيه للمعتبرين من أمتك. ﴿وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا:﴾ من عندنا.
﴿ذِكْراً:﴾ كتابا يشتمل على هذه الأحاديث، والأقاصيص حقيقا بالتفكير فيه، والاستفادة منه، والمراد: القرآن الكريم وقيل: معنى ﴿ذِكْراً﴾ شرفا، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ والأول: أصح، دليله الآية التالية. بعد هذا انظر شرح (لدن) في الآية رقم [٨٠] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿نَقُصُّ﴾ و (أنباء) في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف).
هذا؛ وفي الآية تذكير للنبي ﷺ وامتنان عليه بما أكرمه به ربه، وهذا كثير في القرآن الكريم، وهذا المن من الله على نبيه، وعلى عباده بما يذكرهم به مقبول؛ لأن الله يمن بما يملك حقيقة، فهو المتفضل والمنعم بخلاف المن الذي ذكرته في الآية رقم [٢٦٤] من سورة (البقرة) فإنه مذموم؛ لأن العبد يمن بما لا يملك على وجه الحقيقة.
الإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نقص عليك... قصصا كائنا مثل القصص الذي قصصناه عليك من خبر موسى، وقومه. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٨٧].
﴿نَقُصُّ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَنْباءِ:﴾
متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مفعولا به، التقدير: نقص عليك نبأ كائنا من أنباء، و ﴿أَنْباءِ:﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَبَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (ما)، لا محل لها، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال، ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق... إلخ، ﴿آتَيْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿مِنْ لَدُنّا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿ذِكْراً﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٥٣] و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿ذِكْراً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَقَدْ آتَيْناكَ..﴾.
إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿نَقُصُّ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.
﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠)﴾
الشرح: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ أي: عن القرآن، فلم يؤمن به، ولم يعمل بما فيه، ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً:﴾ عقوبة ثقيلة، سماها الله: وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب، وصعب
стр. 3579
احتمالها بالحمل الثقيل الذي ينقض ظهره، أو؛ لأنها جزاء الوزر، وهو العذاب. وانظر شرح ﴿الْقِيامَةِ﴾ في الآية رقم [٥٨] من سورة (الإسراء)، وشرح (يوم) في الآية رقم [١٤] منها.
الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْرَضَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان به.
﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَحْمِلُ:﴾
مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، ويوم مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وِزْراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَحْمِلُ يَوْمَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه كما رأيته مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة فلست مفندا، وتكون مبتدأ، وجملة: ﴿أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية:
﴿مَنْ..﴾. إلخ على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها.
﴿خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (١٠١)﴾
الشرح: ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ مقيمين في عقوبة ذلك الوزر الذي حملوه في دنياهم. ﴿وَساءَ لَهُمْ..﴾. إلخ: أي: وبئس الحمل الذي حملوه حملهم.
تنبيه: قال الإمام الرازي-رحمه الله تعالى-: قال قوم: إن عذاب الله للكافرين منقطع، وله نهاية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ وبأن معصية الظالم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم، والجواب: أن قوله تعالى: ﴿أَحْقاباً﴾ لا يقتضي أن له نهاية؛ لأن العرب يعبرون به، وبنحوه عن الدوام، ولا ظلم في ذلك؛ لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيا، فعوقب دائما، ولم يعاقب بالدائم إلا على دائم، فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا. انتهى. جمل في سورة (هود) [١٠٨].
الإعراب: ﴿خالِدِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يَحْمِلُ﴾ المستتر منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ وفيه مراعاة معنى ﴿مَنْ﴾ هنا، وهو الجمع، ومراعاة لفظها في الآية السابقة.
تأمل. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾ وفاعله مستتر فيه. ﴿وَساءَ:﴾ الواو: حرف استئناف.
﴿وَساءَ:﴾ ماض جامد، دال على إنشاء الذم، وفاعله مستتر فيه يفسره التمييز. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿حِمْلاً﴾ أو متعلق بمحذوف حال من ﴿حِمْلاً﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿حِمْلاً:﴾ تمييز، والمخصوص بالذم محذوف؛ إذ التقدير: ساء الحمل حملا هو وزرهم، وجملة: ﴿وَساءَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 3580
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ:﴾ انظر الآية رقم [٩٩] من سورة (الكهف) ففيها الكفاية. هذا؛ ويقرأ: «(ننفخ)» و ﴿يُنْفَخُ﴾ بالبناء للمجهول، وبالبناء للمعلوم. ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ:﴾ الكافرين، وقد ذكرت لك مرارا: أن في المسلمين مجرمين، وفاسقين، وضالين مضلين، فكل وعيد وتهديد يتوجه إليهم، وهم أولى به. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ يوم القيامة. ﴿زُرْقاً:﴾ الزرق خلاف الكحل، والعرب تتشاءم بزرق العيون، وتذمه وهو من ألوان العيوب عندهم؛ لأن الروم كانوا أعداءهم، وهم زرق العيون. وقال بشار بن برد الأعمى في وصف البخيل: [البسيط]
وللبخيل على أمواله علل... زرق العيون عليها أوجه سود
وقيل: معناه: عميا. وقيل: عطاشا قد ازرقت عيونهم من شدة العطش، ويقال: رجل أزرق العين، والمرأة زرقاء: بينة الزرق، والاسم: الزرقة.
وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: قيل لابن عباس-﵄-في قوله تعالى:
﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا﴾ فقال: إن ليوم القيامة حالات، فحالة يكونون فيها زرقا، وحالة عميا. وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿يَوْمَ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾. ﴿يُنْفَخُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾
جار ومجرور في محل رفع نائب فاعله وعلى القراءتين الأخريين فالفاعل: نحن، أو هو، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿وَنَحْشُرُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن».
﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين.
وانظر ما ذكرته في شرحه. ﴿زُرْقاً:﴾ حال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ وهو صفة مشبهة فاعله محذوف، التقدير: زرقا عيونهم وجملة: ﴿وَنَحْشُرُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.
﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْراً (١٠٣)﴾
الشرح: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ:﴾ يتحادثون في موقف القيامة حديث السر، والخفاء. وانظر الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء). وذلك لما يملأ صدورهم من الرعب، والهول. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ:﴾ ما أقمتم في الدنيا. ﴿إِلاّ عَشْراً:﴾ إلا عشر ليال، فهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا؛ لزوالها عنهم، أو لاستطالتهم أهوال يوم القيامة، أو لتأسفهم على الدنيا لما عاينوا الشدائد، وأيقنوا: أنهم استحقوها على إضاعة أعمارهم في قضاء الشهوات الدنيئة. أو المراد بقصر المدة
стр. 3581
التي كانت في القبر. وقيل: المراد مدة ما بين النفختين، وهي أربعون سنة؛ حيث يرفع عنهم العذاب في تلك المدة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يَتَخافَتُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: ما. ﴿لَبِثْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿عَشْراً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والمضاف إليه محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع حالا من واو الجماعة، التقدير: قائلين: إن لبثتم إلا عشرا.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْماً (١٠٤)﴾
الشرح: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ أي: بما يتخافتون به فيما بينهم، أو بالمدة التي لبثوها.
﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً:﴾ أعدلهم قولا، وأعقلهم، وأعلمهم عند نفسه. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْماً﴾ أي: فتقاصرت المدة التي لبثوها في الدنيا، أو غير ذلك في نظرهم حتى كانت يوما واحدا، وذلك لشدة ما عاينوا من الأهوال التي تنتظرهم، وهذا؛ وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) عليها. وانظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿الْيَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٤] منها، وينبغي أن تعلم: أن نسبة القول إلى ﴿أَمْثَلُهُمْ﴾ لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول.
الإعراب: ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ، ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء يقولونه، ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿يَقُولُ:﴾ مضارع. ﴿أَمْثَلُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿طَرِيقَةً:﴾ تمييز، وإعراب: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْماً﴾ مثل إعراب: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْراً﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧)﴾
الشرح: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ﴾ أي: عن حال الجبال يوم القيامة. قال ابن عباس-﵄: سأل رجل من ثقيف رسول الله ﷺ ، فقال: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله
стр. 3582
هذه الآية وقيل: لم يسأل، وتقديره: إن سألوك فقل؛ ولذا قرن الجواب بالفاء، بخلاف سائر السؤالات الموجودة في القرآن، فإنها سؤالات تقدمت، فورد جوابها، ولم يكن فيها معنى الشرط، فلم يذكر الفاء.
﴿يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً﴾ أي: يجعلها كالرمل، أو تكون كالصوف المنفوش، كما في سورة (القارعة) ثم يرسل عليها الرياح، فيفرقها، كما يذري الطعام، ونحوه. وانظر الآية رقم [٩٧] ﴿فَيَذَرُها﴾ أي: يدع أماكن الجبال، أو يدع الأرض لعلمه من المقام. ﴿قاعاً صَفْصَفاً:﴾ أرضا مستوية ملساء، والقاع: المستوي من الأرض، والجمع: أقوع، وأقواع، وقيعان، وقيعة. هذا؛ وقيل: المعنى واحد في القاع، والصفصف، فالقاع: الموضع المنكشف، والصفصف: المستوي الأملس. قال الأعشى، وقد وصف بعد المسافة بينه وبين الممدوح الذي قصده: [المتقارب]
وكم دون بيتك من صفصف... ودكداك رمل وأعقادها
﴿لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ أي: لا اعوجاجا، ولا نتوءا، لا انخفاضا، ولا ارتفاعا، لا واديا، ولا رابية. وانظر الآية رقم [٨٨] من سورة (النمل). هذا؛ وقد رأيت في الآية رقم [١] من سورة (الكهف) أن العرب خصوا العوج بكسر العين بالمعاني، وبفتحها في الأعيان، والأرض، أو الجبال هنا عين، ولكن لما استوت الأرض استواء لا يمكن أن يوجد فيها اعوجاج بوجه ما، وإن دقت الحيلة، ولطفت؛ جرت مجرى المعاني، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يسألونك): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأن من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به. ﴿عَنِ الْجِبالِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني؛ لأن الفعل «سأل» تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسئول، فيتعدى للثاني ب: «عن» كهذه الآية، وقد يكون لاقتضاء، مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين صريحين، نحو سألت زيدا مالا، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء:
زائدة على الوجه الأول: في الشرح، وهي الفصيحة على الوجه الثاني. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يَنْسِفُها:﴾ مضارع، و (ها): مفعول به. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿نَسْفاً:﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ مستأنفة على الوجه الأول، وهي جواب شرط جازم على الوجه الثاني: في الشرح، والشرط ومدخوله كلام مستأنف، لا محل له.
﴿فَيَذَرُها:﴾ مضارع، و (ها): مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿قاعاً:﴾ حال من الضمير المنصوب، أو
стр. 3583
هو مفعول به ثان، وهو أقوى. ﴿صَفْصَفاً:﴾ حال ثانية، أو هو من تعدد المفعول الثاني: وهو الأقوى. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَرى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من عوجا كان صفة له... إلخ. ﴿عِوَجاً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿أَمْتاً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لا تَرى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب أيضا. تأمل، وتدبر.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً (١٠٨)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ أي: صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف يوم القيامة، وهو إسرافيل، ﵇، وذلك: أنه يضع الصور في فيه، ويقف على صخرة بيت المقدس، ويقول: أيتها العظام البالية، والجلود المتمزقة، والشعور المتفرقة، والأوصال المتقطعة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وهو فحوى قوله تعالى في سورة (ق): ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾. ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا معدل لهم عنه؛ أي: عن دعائه، فلا يزيغون، ولا ينحرفون، بل يسرعون إليه، ولا يحيدون عنه. ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ﴾ أي: ذلت، وسكنت، والمراد: أصحاب الأصوات، وإنما خشعت هيبة وإجلالا لأجل الرحمن، أو خوفا، وإذلالا. ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً:﴾ الهمس: الصوت الخفي. وقيل: هو صوت وقع الأقدام بعضها على بعض إلى الحشر، ومنه قول الراجز: [الرجز]
وهنّ يمشين بنا هميسا
وهمس الطعام: أي: مضغه؛ وفوه منضم. قال الراجز: [الرجز]
لقد رأيت عجبا مذ أمسا... عجائزا مثل السّعالي خمسا
يأكلن ما في رحلهنّ همسا... لا ترك الله لهنّ ضرسا
وهذا هو الشاهد رقم [٣٥٣] من كتابنا فتح رب البرية.
الإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أو هو متعلق بالفعل بعده، وهو أقوى فيما يظهر. وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [١٠٢]. ﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الظرف. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿عِوَجَ:﴾ اسم لا مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في محل نصب حال من ﴿الدّاعِيَ﴾ أو
стр. 3584
هي مستأنفة، لا محل لها، وأجيز أن تكون نعتا لمصدر محذوف، تقديره: يتبعونه اتباعا لا عوج فيه. انتهى. جمل.
﴿وَخَشَعَتِ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَصْواتُ:﴾ فاعله. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. واعتبارها حالا من ﴿الدّاعِيَ﴾ أو غيره فيه ضعف، ولا يوجد رابط سوى الواو، وتحتاج إلى تقدير «قد» قبلها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَسْمَعُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿هَمْساً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَلا تَسْمَعُ﴾ إلخ: معطوفة على ما قبلها.
﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: في يوم القيامة الموصوف بما تقدم. ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ..﴾.
إلخ أي: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن... إلخ، والمعنى: لا تقبل الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن في الشفاعة. أو المعنى: لا تنفع الشفاعة أحدا إلا من أذن الرحمن في الشفاعة له.
﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي: للشافع، أو المشفوع. هذا؛ والقول المرضي عند الله قول لا إله إلا الله مقرونا بالعمل الصالح، كما قد نبهت عليه مرارا. هذا؛ والشفاعة العظمى ثابتة للنبي ﷺ في الموقف العظيم وبعده، وشفاعة المؤمنين ثابتة بعد الحساب، والجزاء وإدخالهم الجنة في ذويهم، وأصحابهم في الدنيا الذين دخلوا النار لشؤم معاصيهم، وسوء أعمالهم.
هذا؛ والشفاعة في الأصل: التوسل وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى الشفيع.
والشفاعة في الآخرة لا تكون إلا حسنة؛ لأنها لطلب الخير الخالص، وأما في الدنيا فتكون حسنة، وأكثرها سيئة، فالشفاعة الحسنة هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الناس، والسيئة ما كانت بخلاف ذلك، والدستور في ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ هذا؛ وقيل:
الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة إلى الله، فعن النبي ﷺ قوله: «من دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك». فذلك النصيب.
الإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ متعلق بالفعل بعده. وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [١٠٢]. ﴿لا:﴾
نافية. ﴿تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من ﴿الشَّفاعَةُ﴾ وهو على حذف مضاف، والتقدير: إلا شفاعة من، أو هو مبني على السكون في محل نصب مفعول به؛ أي: إلا الذي... فإنها تنفعه، وجملة: ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ لا محل لها. ﴿وَرَضِيَ:﴾
стр. 3585
ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به. ﴿قَوْلاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر.
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠)﴾
الشرح: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ..﴾. إلخ: الفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾ والضمير المجموع يعود إلى المتبعين إلى الداعي، وهم جميع الخلق، والمعنى: يعلم الرحمن ما بين أيديهم من أمور الآخرة، ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما خلفوه من أمور الدنيا. أو المعنى: يعلم ما قدموا من الأعمال الصالحة، وما تركوا خلفهم من الأموال، وحطام الدنيا، وغير ذلك. وانظر الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) ﵍ ورقم [٧٦] من سورة (الحج). ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ:﴾ الضمير يعود إلى (الله)، أو يعود إلى معلومات الله، أو يعود إلى ﴿ما﴾ والمعنى: إن العباد لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علما.
الإعراب: ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة ﴿ما﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الرَّحْمنُ﴾ والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: نافية. ﴿يُحِيطُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿عِلْماً﴾ بعدهما. ﴿عِلْماً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١)﴾
الشرح: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ:﴾ ذلت، وخضعت، ومنه قيل للأسير: عان؛ أي: ذليل خاضع لما يراد منه. قال أمية بن أبي الصلت: [الطويل]
مليك على عرش السّماء مهيمن... لعزّته تعنو الوجوه وتسجد
والمراد: بالوجوه: أصحابها، وإنما خص الوجوه بالذكر؛ لأن آثار الذل، والخضوع إنما تبين في الوجوه، وهذا يكون يوم القيامة؛ حيث الملك، والقهر لله وحده. وقيل: المراد بذلك:
المجرمون، والأصح: أن المراد جميع بني آدم، ويؤيده: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ أي: خاب وخسر من أشرك بالله. وأيضا: من حمل مظالم العباد التي تحمّلها في الدنيا بدليل الآية التالية.
стр. 3586
هذا؛ و (الحي) هو الذي لا يموت، فهو الباقي أزلا، وأبدا، و (القيوم) هو القائم المقيم لغيره.
وقيل: الدائم الباقي، فيكون بمعنى: الحي، وتأكيدا له، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَعَنَتِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (عنت): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له. ﴿الْوُجُوهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلْحَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقَيُّومِ:﴾ بدل من سابقه، أو عطف بيان عليه. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خابَ:﴾ ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿حَمَلَ ظُلْماً﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَقَدْ خابَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الْوُجُوهُ﴾ والرابط: الواو فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. تأمل.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ:﴾ ف: (من) للتبعيض؛ أي: بعض الأعمال الصالحات.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ:﴾ شرط في قبول العمل الصالح؛ لأن العمل لا يقبل بغير إيمان بوجود الله تعالى، وتصديق حبيبه المصطفى ﷺ ، وقد ذكرت لك مرارا أن هذا يسمى: احتراسا، كما أن الإيمان بدون عمل لا يجدي، ولا ينفع في دخول الجنة مع السابقين. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (مريم) ﵍، والآية رقم [١٠٧] من سورة (الكهف).
﴿فَلا يَخافُ ظُلْماً﴾ أي: نقصا لثواب طاعته، ولا زيادة عليه في سيئاته. ﴿(وَلا هَضْماً):﴾
بالانتقاص من حقه، والهضم: النقص، والكسر، يقال: هضمت ذلك من حقي؛ أي: حططته، وتركته، وهذا يهضم الطعام؛ أي: ينقص ثقله، وامرأة هضيم الكشح: ضامرة البطن. والفرق بين الظلم، والهضم أن الظلم المنع من الحق كله، والهضم المنع من بعضه، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه. قال المتوكل الليثي: [الكامل]
إنّ الأذلّة واللّئام لمعشر... مولاهم المتهضّم المظلوم
وانظر شرح ﴿هَضِيمٌ﴾ في الآية رقم [١٤٨] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْمَلْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنَ الصّالِحاتِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معترضة بين فعل الشرط
стр. 3587
وجوابه، الغرض منها الاحتراس كما رأيت. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا):
نافية. ﴿يَخافُ:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى من، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، وبعضهم يقدر «فهو لا يخاف» أي: إنها خبر لمبتدإ محذوف، وعليه فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ ويقرأ بجزم الفعل على اعتبار (لا) ناهية. ﴿ظُلْماً:﴾ مفعول به.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿هَضْماً:﴾ معطوف على ما قبله، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٧٤] والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣)﴾
الشرح: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ:﴾ الضمير يعود إلى (القرآن) وإن لم يتقدم له ذكر للإيذان بعلوّ شأنه، وكونه مركوزا في العقول، حاضرا في الأذهان. ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ أي: بلغة العرب ليفهموه، ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز الدال على كونه خارجا عن طوق البشر، نازلا من عند خلاق القوى، والقدر. وانظر ما ذكرته في شرح هذين اللفظين في الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام.
﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ أي: بينا ما فيه من التخويف، والتهديد، وبيان الثواب، والعقاب، ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض، والأحكام؛ لأن الوعيد بهما يتعلق. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤١] من سورة (الإسراء). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:﴾ المعاصي؛ أي: يبتعدون عنها، فتصير التقوى ملكة راسخة فيهم. وانظر شرح (التقوى) في الآية رقم [٢] من سورة (النحل). ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً:﴾ عظة، واعتبارا حين يسمعون آياته، وزواجره، ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم، والإحداث إلى القرآن. وانظر تفسيره في الآية رقم [٩٩].
بعد هذا انظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٤٤] وشرح (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) ﵍ وشرح الوعد، والوعيد في الآية رقم [٥٣] منها. وانظر «أنزل، ونزّل» في الآية رقم [٢].
الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده: التقدير: أنزلناه إنزالا كائنا مثل ما قصصنا عليك أخبار الأمم السابقة. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿قُرْآناً:﴾ حال موطئة؛ إذ المقصود الصفة، وهي ﴿عَرَبِيًّا﴾ ولذا جاز وقوعه حالا، وهو جامد كما ترى، والجملة الفعلية معطوفة على ما في الآية رقم [٩٩] ﴿وَصَرَّفْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان به، ﴿مِنَ الْوَعِيدِ:﴾
стр. 3588
متعلقان بمحذوف صفة لمفعول به محذوف، التقدير: صرفنا في القرآن نوعا من الوعيد، والمراد: به الجنس، ويجوز أن تكون ﴿مِنَ﴾ مزيدة في المفعول به على رأي: الأخفش الذي يجيز زيادة «من» في الإيجاب، وجملة: ﴿وَصَرَّفْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَتَّقُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله محذوف كما في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ تعليل للإنزال، وللتصريف لا محل لها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُحْدِثُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (القرآن). ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ذِكْراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤)﴾
الشرح: ﴿فَتَعالَى اللهُ:﴾ في ذاته، وصفاته عن مماثلة المخلوقين، لا يماثل كلامهم كلامه، كما لا يماثل ذاتهم ذاته.
﴿الْمَلِكُ:﴾ النافذ أمره ونهيه الحقيقي بأن يرجى وعده، ويخشى وعيده. ﴿الْحَقُّ:﴾ الثابت في ذاته وصفاته، ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ:﴾ علّم نبيه ﷺ كيف يتلقى القرآن. قال ابن عباس-﵄: كان ﷺ يبادر جبريل ﵇، فيقرأ قبل أن يفرغ من الوحي، حرصا على الحفظ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان، فنهاه الله عن ذلك، وهذا كقوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وقيل: المعنى: لا تقرئه أصحابك، ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه.
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي: سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال، فإن ما أوحى إليك تناله لا محالة، فلم يأمر الله نبيه بطلب الزيادة في الشيء إلا في العلم، وكان ابن مسعود-﵁ إذا قرأ هذه الآية يقول: اللهم زدني علما، وإيمانا، ويقينا. وقال الحسن: نزلت في رجل لطم وجه امرأته، فجاءت إلى النبي ﷺ تطلب القصاص، فجعل لها القصاص، فنزل قوله تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ فيكون المعنى زدني فهما؛ لأن ﵊ حكم بالقصاص وأبى الله ذلك، انظر الآية رقم [٣٤] من سورة (النساء)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
بعد هذا فالفعل: «تعالى» بمعنى: تنزه، وتعاظم، وهو ناقص التصرف يأتي منه ماض، ومضارع، ولا يأتي منه أمر. وانظر شرح ﴿الْحَقُّ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء)، وشرح: (قضينا) في الآية رقم [٤] منها، وشرح: «زاد، يزيد» في الآية رقم [٤١] منها، وشرح
стр. 3589
﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] منها، وشرح ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] منها أيضا. وانظر شرح (العجلة) في الآية رقم [١] من سورة (النحل).
الإعراب: ﴿فَتَعالَى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تعالى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمَلِكُ:﴾ بدل منه، أو عطف بيان عليه. ﴿الْحَقُّ:﴾ مثل سابقه. هذا؛ ويقال: هما صفتان للفظ الجلالة، ولا أسلمه؛ لأنهما اسمان من أسماء الله الحسنى، وليسا صفتين مشتقين، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَعْجَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».
﴿بِالْقُرْآنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان به أيضا. ﴿أَنْ يُقْضى:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَحْيُهُ:﴾ نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، هذا؛ ويقرأ: «(من قبل أن نقضي إليك وحيه)»، والإعراب واضح على هذه القراءة، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَعْجَلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبِّ:﴾ انظر إعرابه في الآية رقم [٣٥] ﴿زِدْنِي:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿عِلْماً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الندائية، والفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ:﴾ ولقد أمرناه، يقال: تقدم الملك إليه، وأوعز إليه، وعزم عليه، وعهد إليه: إذا أمره، وإنما عطف قصة آدم على قوله: ﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ﴾ للدلالة على أنّ أساس بني آدم على العصيان، وعرقهم راسخ في النسيان. والعهد هنا بمعنى: الوصية، والمراد:
به النهي عن أكل الشجرة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدي، وتركوا الإيمان بي. ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: غفل عما، أوصيناه به من عدم الأكل من الشجرة، ولم يتذكره. هذا؛ وقال محمد بن يزيد: المعنى: فترك الأمر، وليس من النسيان، والغفلة، بدليل ما ذكر القرآن من قول إبليس له، ولحواء: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ الآية رقم [٢٠] من سورة (الأعراف)، فلو كان آدم ناسيا لكان قد ذكره بهذا القول.
﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ أي: صبرا عن أكل الشجرة، أو تصميم رأي، وثبات على الأمر؛ إذ لو كان ذا عزيمة، وتصلب في الرأي؛ لم يستزله الشيطان، ولم يستطع تغريره. وعن النبي ﷺ :
«لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً»﴾.
стр. 3590
هذا؛ وانظر شرح (آدم) في الآية رقم [٦١] من سورة (الإسراء)، وشرح (النسيان) في الآية رقم [٢٤] من سورة (الكهف).
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم وانظر الآية رقم [٣٧]. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَهِدْنا:﴾ فعل، وفاعل ﴿إِلى آدَمَ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام معطوف على جملة: ﴿وَصَرَّفْنا..﴾. إلخ ﴿فَنَسِيَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿آدَمَ﴾ ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَمْ نَجِدْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم). والفاعل مستتر تقديره: «نحن» فإن كان الفعل من الوجود الذي بمعنى: العلم ف: ﴿لَهُ عَزْماً﴾ مفعولاه وإن كان من الوجود المناقض للعدم ف: ﴿لَهُ﴾ حال من ﴿عَزْماً﴾ أو هو متعلق بنجد. انتهى. بيضاوي. وجملة:
﴿وَلَمْ نَجِدْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ:﴾ السجود في الأصل: تذلل مع تطامن، وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة. والمأمور به إما المعنى الشرعي، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم تعظيما لشأنه، أو سببا لوجوبه، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة، والصلاة لله، فمعنى: اسجدوا له؛ أي: إليه، وإما المعنى اللغوي، وهو التواضع لآدم، تحية، وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى:
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ فلم يكن فيه وضع الجبهة على الأرض، إنما كان بالانحناء، فلما جاء الإسلام؛ أبطل ذلك بالسلام. ﴿أَبى:﴾ امتنع من السجود. هذا؛ وانظر شرح: ﴿إِبْلِيسَ أَبى﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (الحجر). وانظر الآية رقم [٥٠] من سورة (الكهف). وانظر شرح (الملائكة) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد).
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون متعلق بفعل محذوف، تقديره اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف. ﴿قُلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اُسْجُدُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِآدَمَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول
стр. 3591
القول، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. (سجدوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾ وهل هو متصل، أو منقطع. انظر الآية رقم [٥٠] من سورة (الكهف)، وجملة: (سجدوا...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿أَبى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى إبليس، وهل الفعل بمعنى: امتنع، فيكون لازما، أو هو متعد كما في سورة (الحجر)؟ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿إِبْلِيسَ﴾ والرابط: الضمير فقط، و «قد» قبلها مقدرة. وقال البيضاوي:
مستأنفة لبيان ما منعه من السجود، وهو الاستكبار.
﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧)﴾
الشرح: ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا﴾ أي: إبليس. ﴿عَدُوٌّ لَكَ:﴾ سبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم، وتكريمه بسجود الملائكة له، فحسده، فصار عدوا له. ﴿وَلِزَوْجِكَ﴾ أي:
حواء، عدو الرجل عدو لزوجته بلا ريب، ما لم تخن المرأة زوجها، فتكون عدوا له. ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ:﴾ أسند الإخراج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج؛ لأنه لما كان بوسوسته، وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج؛ صح ذلك. ومعنى (تشقى): تتعب، ويكون عيشك من كد يمينك، وعرق جبينك، وهو الحرث والزرع، والحصد، والطحن، والخبز. هذا؛ والزوج يطلق على الرجل وعلى المرأة، والقرينة تبين الذكر من الأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح، إلا في الفرائض، فإنها بالتاء أفصح لتوضيح الوارث. هذا؛ والزوج:
القرين. قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ﴾ والزوج ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء. وقال تعالى في الآية رقم [٤٠] من سورة (هود) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكرا، أو أنثى. وقال تعالى في الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأنعام):
﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ والمعنى: ثمانية أفراد.
قيل: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه.
هذا؛ وأسند سبحانه الشقاء إلى آدم وحده؛ لأنه هو المكلف بالسعي لنفسه، ولزوجه، وفيه إشارة إلى أن نفقة المرأة واجبة على الزوج. هذا؛ وإن أردت التوسع في قصة آدم، وما آل إليه أمره بعد الأكل من الشجرة، فانظر الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف) وما بعدها. وانظر الآية رقم [٣٠] من سورة (البقرة) وما بعدها، وانظر خلق آدم في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحجر) وما بعدها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
стр. 3592
الإعراب: ﴿فَقُلْنا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (قلنا): فعل، وفاعل. (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (آدم): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَدُوٌّ،﴾ أو بمحذوف صفة له.
﴿وَلِزَوْجِكَ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط محذوف. (لا): ناهية. ﴿يُخْرِجَنَّكُما:﴾ مضارع مبني على الفتح في محل جزم ب: (لا) الناهية، والنون للتوكيد حرف لا محل لها، والفاعل يعود إلى (إبليس) والكاف مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منه؛ فلا... إلخ. ﴿فَتَشْقى:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: فلا يكن إخراج لكما من الجنة، فشقاء لك. هذا؛ والجمل كلها في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿فَقُلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها:﴾ في الجنة. ﴿وَلا تَعْرى﴾ أي: من اللباس. ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا:﴾ لا تعطش. ﴿وَلا تَضْحى﴾ أي: تبرز للشمس، فيؤذيك حرها؛ لأنه ليس في الجنة شمس، وأهلها في ظل ممدود، والمعنى: إن الشبع، والري، والكسوة، والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان، فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة، وأنه مكفي، لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا إلى كسب كاسب، كما يحتاج إليه أهل الدنيا. هذا؛ و ﴿تَضْحى﴾ بمعنى: البروز للشمس جاء في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت... فيضحى، وأمّا بالعشيّ فيخصر
وقال الصفوي رحمه الله تعالى: قابل بين الجوع والعري، والظمأ والضحو، وإن كان الجوع يقابل العطش، والعري يقال الضحو؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر، والظمأ حر الباطن، والضحو حر الظاهر، فنفي عن ساكن الجنة ذل الظاهر، والباطن، وحر الظاهر، والباطن. انتهى. جمل.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف ناصب. (لا): نافية. ﴿تَجُوعَ:﴾ مضارع منصوب ب: (أن) والفاعل
стр. 3593
مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما و ﴿أَلاّ تَجُوعَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، التقدير: إن لك عدم الجوع في الجنة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.
(لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿تَعْرى:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿وَأَنَّكَ:﴾ الواو: حرف عطف.
(أنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿لا تَظْمَؤُا فِيها﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، والجملة بعدها معطوفة عليها، وأن واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على ﴿أَلاّ تَجُوعَ﴾ وجاز أن يكون هذا المصدر المسبوك اسما ل: ﴿إِنَّ﴾ بكسر الهمزة للفصل بينهما، ولولا ذلك لم يجز؛ حتى لو قلت: إن أن زيدا قائم لم يجز، فلما فصل بينهما جاز.
هذا؛ ويقرأ بكسر الهمزة على الاستئناف، أو على العطف على ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ﴾ وهذه الجملة ابتدائية، أو هي تعليل للنهي، أو مستأنفة، لا محل لها على جميع الوجوه.
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠)﴾
الشرح: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ:﴾ الكلام على هذه الوسوسة طويل انظره في الآية رقم [٢٠] من سورة (الأعراف). ﴿قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ:﴾ الشجرة التي من أكل منها؛ خلّد، ولم يمت أصلا، فأضافها إلى الخلد، وهو الخلود؛ لأن الأكل منها سببه بزعمه.
﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى:﴾ لا يزول، ولا يفنى. هذا؛ والمراد: بالشجرة: شجرة الحنطة. وقيل: هي شجرة العنب؛ لأنها أصل كل فتنة. وقيل: غير ذلك.
قال الخازن رحمه الله تعالى: الشيء الذي رغّب الله فيه آدم رغّبه فيه إبليس إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة، وإبليس وقفه على الإقدام عليها، وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه، وربه، ومولاه، وناصره، وإبليس هو عدوه؛ أعرض عن قول الله تعالى، ولم يرد المخالفة، ومن تأمل هذا السر؛ عرف أنه لا دافع لقضاء الله، ولا مانع له منه.
والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ ووسوس إلى الرجل: كلمه كلاما خفيا، والوسواس: الاسم من: وسوس، والوسواس: الشيطان. والوسواس: مرض يحدث عند بعض الناس من غلبة السوداء، ويختلط معه الذهن، والموسوس في أمور الطهارة معروف لا يريد أن يمسه أحد. انظر الآية [٩٧].
هذا؛ ويروى: أن روح موسى التقت مع روح آدم على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. فقال موسى: يا آدم أكلت من الشجرة حتى سببت لذريتك العناء والشقاء، فقال آدم: يا موسى أنت رسول الله وكليمه، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بآلاف السنين، فحجّ آدم موسى؛ أي: غلبه بالحجة. هذا؛ ورواه مسلم عن أبي هريرة-﵁-عن
стр. 3594
النبي ﷺ كما يلي: «قال: احتجّ آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيّبتنا، وأخرجتنا من الجنّة! فقال آدم: يا موسى: اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك بيده؛ يا موسى! أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحجّ آدم موسى ثلاثا». أي: قال النبي ﷺ فحج آدم موسى ثلاث مرات. انتهى. قرطبي. ولا يبيح هذا لمن عمل الخطايا، ولم تأته المغفرة أن يحتج بمثل حجة آدم، فيقول: أتلومني على أن قتلت، أو زنيت، أو سرقت. وقد قدر الله عليّ ذلك.
الإعراب: ﴿فَوَسْوَسَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (وسوس): ماض. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الشيطان، (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (آدم): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أَدُلُّكَ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره:
«أنا»، والكاف مفعول به، ﴿عَلى شَجَرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿شَجَرَةِ:﴾ مضاف، و ﴿الْخُلْدِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَمُلْكٍ:﴾ معطوف على ﴿شَجَرَةِ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَبْلى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ملك) والجملة الفعلية في محل جر صفة (ملك) والكلام: ﴿يا آدَمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ تفسير للوسوسة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢)﴾
الشرح: ﴿فَأَكَلا مِنْها﴾ أي: أكل آدم، وحواء من الشجرة المنهي عنها، وذكر الله في سورة (الأعراف) أن إبليس حلف لهما إنه لمن الناصحين. وانظر الآية رقم [٢١] منها وما ذكرته من قول محمد بن قيس، رحمه الله تعالى، ففيه كبير فائدة. وانظر اللباس الذي نزع عن آدم وحواء حتى بدت لهما سوآتهما في الآية رقم [٢٠] من سورة (الأعراف).
﴿وَطَفِقا:﴾ أخذا، وشرعا، فهذا الفعل من أفعال الشروع، ﴿يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ أي: يرقعان، ويلزقان ورقة فوق ورقة على القبل، والدبر، وهذا؛ وخصف النعل خصفا خرزها، ورقعها. والورق قيل: ورق التين. وقيل: ورق الموز.
﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ أي: خالف أمره حيث أكل من الشجرة. ﴿فَغَوى:﴾ ففسد عيشه بنزوله إلى الدنيا. والغيّ: الفساد، وهو تأويل حسن، وهو أولى من تأويل من يقول: معناه ضل؛ من الغيّ الذي هو ضد الرشد. وقيل: معناه جهل موضع رشده. انتهى قرطبي. قال البيضاوي رحمه الله تعالى: والنعي عليه بالعصيان، والغواية مع صغر زلته تعظيم للزلة، وزجر بليغ لأولاده عنها. انتهى هذا؛ وخذ قول القائل في هذا المقام: [الكامل]
стр. 3595
تضع الذّنوب على الذنوب وترتجي... درج الجنان وطيب عيش العابد
ونسيت أنّ الله أخرج آدما... منها إلى الدّنيا بذنب واحد
﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ أي: اختاره، واصطفاه، ووفقه للتوبة. ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أي: قبل توبته لما تاب إلى الله، وأناب. ﴿وَهَدى﴾ أي: هداه لرشده؛ حتى رجع إلى الندم، والاستغفار.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ المراد المثنى؛ لأن المقصود آدم، وحواء، وقد جمع المضاف، وهو سوآت في محل المثنى، وقد تكلم السيوطي رحمه الله تعالى على هذه المسألة في كتابه: (همع الهوامع) الذي شرحت شواهده، وأعربتها، وأرجو الله أن يمتن عليّ بالتوفيق لطباعته، وها أنا ذا أنقل لك ما قاله بالحرف لتكون على بينة من أمرك.
قال رحمه الله تعالى: الأصل في كلام العرب دلالة كل لفظ على ما وضع له، فيدل المفرد على المفرد، والمثنى على اثنين، والجمع على جمع، وقد يخرج الكلام عن هذا الأصل، وذلك قسمان: مسموع، ومقيس:
فالأول: ما ليس جزءا ممّا أضيف إليه، سمع: ضع في رحالهما، يريد في اثنين، وديناركم مختلفة؛ أي: دنانيركم، وعيناه حسنة؛ أي: حسنتان، وأورد أربعة أبيات شعرية شاهدا لذلك.
قال: ومنه: لبّيك وإخوته، فإنه مثنى وضع موضع الجمع. وقالوا: شابت مفارقه، وليس له إلا مفرق واحد، وعظيم المناكب، وغليظ الحواجب، والوجنات، والمرافق، وعظيمة الأوراك، فكل هذا مسموع لا يقاس عليه، وقاسه الكوفيون، وابن مالك إذا أمن اللبس، وهو ماش على قاعدة الكوفيين من القياس على الشاذ، والنادر. قال أبو حيان: ولو قيس شيء من هذا لالتبست الدلالات، واختلطت الموضوعات.
والثاني: ما أضيف إلى متضمنه، وهو مثنى لفظا، نحو قطعت رءوس الكبشين؛ أي:
رأسيهما، أو معنى، نحو قول الشاعر: [الطويل]
رأيت بني البكريّ في حومة الوغى... كفاغري الأفواه عند عرين
فإن مثل ذلك ورد فيه الجمع، والإفراد، والتثنية، فمن الأول: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما،﴾ ومن الإفراد قراءة الحسن: «(بدت لهما سوأتهما)»، ومن التثنية قراءة من قرأ: «(بدت لهما سوأتاهما)»، وقراءة الجمهور من الأول؛ أي: الجمع.
فطرد ابن مالك قياس الجمع، والإفراد أيضا لفهم المعنى، وخص الجمهور القياس بالجمع، وقصر الإفراد على ما سمع، وورد، وإنما وافق الجمهور على قياس الجمع كراهة اجتماع تثنيتين مع فهم المعنى، ولذلك شرط ألا يكون لكل واحد من المضاف إليه إلا شيء
стр. 3596
واحد؛ لأنه إن كان له أكثر التبس، فلا يجوز في قطعت أذني الزيدين الإتيان بالجمع، ولا الإفراد للإلباس، وأورد ستة أبيات شعرية شاهدا لذلك، فإن فرق متضمناهما، كقوله تعالى: ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.
فقال ابن مالك أيضا بقياس الجمع، والإفراد، وخالفه أبو حيان؛ لأن الجمع إنما قيس هناك كراهة اجتماع تثنيتين؛ وقد زالت بتفريق المتضمنين. قال: فالذي يقتضيه النظر الاقتصار على التثنية، وإن ورد جمع، أو إفراد؛ اقتصر فيه على مورد السماع. قال: وأما الآية فليس المراد فيها باللسان الجارحة، بل المراد الكلام، أو الرسالة، فليس جزءا من داود، ولا من عيسى عليهما الصلاة والسّلام. انتهى.
أقول: ولم يذكر السيوطي رحمه الله تعالى أرجح الأوجه الثلاثة في الثاني: وهو ما أضيف إلى متضمنه، وهو جمع المضاف، وبقاء المضاف إليه على تثنيته، وبقاء كلّ من المضاف والمضاف إليه على تثنيته، فأرجحهما الوجه الأول، وهذه لغة القرآن كما رأيت، وهو متفق على رجحانه عند جميع النحاة، واختلف في الوجهين الآخرين، فذهب ابن مالك إلى رجحان الثاني:
على الثالث، وذهب أبو حيان إلى العكس، ومنه قول الرسول ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار». وقد أطلت عليك الكلام في ذلك قصد الإفادة، والله ولي التوفيق.
تنبيه: يرد سؤال: آدم معصوم؛ فكيف يخالف النهي؟! وأجيب بوجوه: منها: أنه اعتقد: أن النهي عن أكل الشجرة للتنزيه، لا للتحريم. ومنها: أنه نسي النهي كما رأيت في الآية رقم [١١٥].
ومنها: أنه اعتقد نسخه بسبب مقاسمة إبليس له: أنه من الناصحين، فاعتقد: أنه لا يحلف أحد بالله كذبا. هذا؛ ولا يستدل بما فعله آدم على جواز صدور الذنب من الأنبياء، وإنما ما حصل منهم، ولو عوتبوا عليه إنما وقع منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ، والنسيان، أو تأويل دعا إليه ذلك كالذي رأيته في أسرى بدر في سورة (الأنفال)، وكالإذن الذي كان من النبي ﷺ للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، كما رأيت في سورة (التوبة)، وكل ذلك لا يقدح في علوّ مناصبهم ورفعة شأنهم، ولقد أحسن الجنيد-رحمه الله تعالى-حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، ولقد اختلف في الذي كان من آدم: هل كان قبل النبوة، أو بعدها؟ والظاهر: أنه أعطي النبوة في الأرض، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَأَكَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أكلا): ماض، والألف فاعله. ﴿مِنْها:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله في المعنى، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَبَدَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له. ﴿لَهُما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَوْآتُهُما:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها،
стр. 3597
لا محل لها مثلها. ﴿وَطَفِقا:﴾ ماض ناقص، وألف الاثنين اسمه. ﴿يَخْصِفانِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (طفق). ﴿عَلَيْهِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ وَرَقِ:﴾ متعلقان به أيضا. أو هما متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: ورقا من ورق الجنة، و ﴿وَرَقِ﴾ مضاف، و ﴿الْجَنَّةِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَطَفِقا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وجملة: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ معطوفة أيضا، لا محل لها، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَغَوى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى آدم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِجْتَباهُ:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿رَبُّهُ:﴾ فاعله... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَتابَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبُّهُ﴾. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَهَدى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ربه، ومفعوله محذوف، التقدير: وهداه.
والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمّل، وتدبّر.
﴿قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣)﴾
الشرح: ﴿قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً﴾ أي: من الجنة، أو من السماء. هذا؛ والهبوط:
الإنزال، والانحدار من فوق إلى أسفل على سبيل القهر، والهوان، والاستخفاف، وهو بكسر الباء، وقد تضمّ. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٣]: ﴿فَاهْبِطْ﴾ بالإفراد.
وقال في سورة (البقرة) رقم [٣٦ و ٣٨]: ﴿اِهْبِطُوا﴾ بالجمع. وقال هنا: ﴿اِهْبِطا﴾ بالتثنية.
والمراد بالأول: إبليس وحده كما هو ظاهر، والمراد بالثاني: آدم وحواء، وإبليس. وقيل:
والحية، والصحيح: أن المراد: آدم وحواء وذريتهما. والمراد بالثالث: آدم وحواء، أو آدم وإبليس، وهو الظاهر. قال البيضاوي: ولما كانا أصل الذرية خاطبهما مخاطبتهم، فقال:
بعضكم لبعض عدو، وهذه العداوة بين آدم وإبليس من جهة، وبين إبليس وذريته من جهة أخرى حتمها الله، وقدرها من قديم الأزل، ولا تنس: العداوة التي تقع بين ذرية آدم بسبب المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والتكالب على حطام الدنيا، وذلك واضح جليّ للعيان.
﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ أي: كتاب، ورسول هو محمد ﷺ ، أو المراد جميع الكتب، وجميع الرسل، وهو أليق بالمقام. ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾ أي: كتبي، ورسلي الذين أرسلهم لهداية البشر من ذريتك يا آدم. ﴿فَلا يَضِلُّ:﴾ في الدنيا بالانحراف عن الصراط المستقيم. ﴿وَلا يَشْقى:﴾ في الآخرة بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم. قال ابن عباس-﵄: من
стр. 3598
قرأ القرآن، واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه سوء الحساب يوم القيامة، وذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ..﴾. إلخ بعد هذا انظر إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف)، وشرح «عدو» في الآية رقم [٣٩].
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبُّهُ﴾. ﴿اِهْبِطا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من ألف الاثنين فيها معنى التأكيد. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾ متعلقان ب:
﴿عَدُوٌّ﴾ بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ألف الاثنين، والرابط: الضمير فقط، وقد رأيت في الشرح المراد من ألف الاثنين. ﴿فَإِمّا:﴾ الفاء:
حرف تفريع واستئناف. (إما): هي (إن) الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة للتأكيد. ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ:﴾
مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به، ﴿مِنِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والنون للوقاية، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿هُدىً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا... إلخ، ﴿هُدىً:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة الرفع ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِتَّبَعَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من).
﴿هُدايَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿يَضِلُّ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (من)، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، وجملة: ﴿وَلا يَشْقى﴾ معطوفة عليها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٧٤] هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فالجملة الفعلية: ﴿اِتَّبَعَ هُدايَ﴾ صلتها، وجملة: ﴿فَلا يَضِلُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب (إن) عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. هذا؛ والجمل ﴿اِهْبِطا..﴾. إلخ كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي: ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه. ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ أي: عيشا ضيقا، يقال: منزل ضنك، وعيش ضنك، فهو مصدر يستوي فيه الواحد، والاثنان، والجمع، والمذكر، والمؤنث. قال عنترة: [الكامل]
стр. 3599
إن يلحقوا أكرر، وإن يستلحموا... أشدد، وإن يلفوا بضنك أنزل
وهذا من قبيل القاعدة التي ذكرها ابن مالك رحمه الله تعالى في قوله: [الرجز]
ونعتوا بمصدر كثيرا... فالتزموا الإفراد والتّذكيرا
وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-في معنى الضنك: يسلبه القناعة حتى لا يشبع، فمع الدين التسليم، والقناعة، والتوكل، فتكون حياة طيبة، كما قال تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ ومع الإعراض الحرص، والشح فعيشة المعرض عن الإيمان ضنك، وحاله مظلمة، كما قال بعضهم: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته، وتشوش عليه رزقه، وكان في عيشه ضنك. هذا؛ وقيل: المراد به: عذاب القبر. قال أبو سعيد الخدري: يضغط عليه في القبر؛ حتى تختلف أضلاعه. وقيل: هو الزقوم، والضريع، والغسلين في النار. وقيل: غير ذلك.
هذا؛ ويقرأ: «(ضنكى)» كسكرى.
﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى:﴾ قال ابن عباس-﵄: أعمى البصر، وهو كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً﴾. وقيل: أعمى عن الحجة. وقيل: أعمى عن جهات الخير لا يهتدى إليها. وأعتمد هذا؛ وانظر الآية رقم [٧٢] و [٩٧] من سورة (الإسراء) ففيهما الشفاء الكافي لقلبك، والغذاء الوافي لروحك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، ولا تنس: الالتفات من المتكلم المفرد إلى المتكلم المجموع.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْرَضَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿عَنْ ذِكْرِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ):
حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها.
﴿مَعِيشَةً:﴾ اسم (إنّ) مؤخر. ﴿ضَنْكاً:﴾ صفة معيشة. وانظر الشرح، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ لَهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وانظر بقية الكلام في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ..﴾. إلخ في الآية السابقة، فهو مثله بلا فارق، والجملة الاسمية معطوفة عليها، فمحلها مثلها.
﴿وَنَحْشُرُهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نحشره): فعل مضارع، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَعْمى:﴾ حال من الضمير المنصوب، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
стр. 3600
﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥)﴾
الشرح: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى﴾ أي: بأي: ذنب عاقبتني بالعمى. ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ أي: في الدنيا، وكأنه يظن أن لا ذنب له. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، وقد نوهت بذلك فيما مضى. وانظر شرح ﴿رَبِّ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (مريم)، وشرح ﴿لِمَ﴾ في الآية رقم [٤٢] منها.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿آدَمُ﴾ ﵇. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء. وانظر الآية رقم [٢٥] ﴿لِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، (ما): اسم استفهام مبني على السكون، وهو الألف المحذوفة للفرق بين الخبر، والاستخبار. ﴿حَشَرْتَنِي:﴾
فعل، وفاعل، ومفعول به، والنون للوقاية. ﴿أَعْمى:﴾ حال من ياء المتكلم منصوب... إلخ، والجملة الفعلية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال.
(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بَصِيراً:﴾ خبره، وجملة: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ في محل نصب حال ثانية من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله. ﴿كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا﴾ أي: الدلالات واضحة نيرة على وحدانيتنا وقدرتنا. ﴿فَنَسِيتَها﴾ أي: أهملتها، وأعرضت عنها، ولم تنظر فيها نظر تبصر، واعتبار. ﴿وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ أي: تترك في النار، أو تنسى من الرحمة، ولا تنسى من العذاب. وينبغي أن تعلم أنّ الكلام والخطاب مع آدم، والمراد: ذريته فردا فردا إلى يوم القيامة؛ كيف لا وقد قال تعالى:
﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾.
هذا؛ والتعبير ب: ﴿تُنْسى﴾ لمشاكلة (نسيتها) فالله لا يقع منه نسيان لشيء أبدا لا في الدنيا، ولا في الآخرة، وهذه المشاكلة نبهت عليها كثيرا في محالها، بعد هذا انظر (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) ﵍. وانظر (النسيان) في الآية رقم [٢٤] من سورة (الكهف)، وشرح: ﴿الْيَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء).
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله) ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا):
اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر كذلك، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: قال: أتتك آياتنا إتيانا مثل
стр. 3601
ذلك. وهذا أولى من اعتبار عامله ما قبله، التقدير: حشرنا حشرا مثل ذلك. تأمل. ﴿أَتَتْكَ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿آياتُنا:﴾ فاعل، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فَنَسِيتَها:﴾ الفاء: حرف عطف. (نسيتها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كذلك): متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: تنسى اليوم نسيانا كائنا مثل نسيانك آياتنا.
﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿تُنْسى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)﴾
الشرح: ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ أي: وكما جزينا من أعرض عن القرآن، وعن النظر في دلائل قدرتنا، ووحدانيتنا؛ نجزي من أسرف في المعاصي، وانهمك في الشهوات. وهذه الآية أقوى دليل على تعذيب أهل المعاصي، والمنكرات، والفواحش من المسلمين. ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ:﴾ لم يصدق، ولم يعمل بها. هذا؛ وإني أقول: إن أرباب المعاصي من المسلمين لا يصدقون بآيات الله، والدليل على ذلك: أن الوعظ، والنصح، والإرشاد لا يقع منهم موقع القبول، بل يقابل بالرفض منهم، ومقاومة، ومعادات الواعظ، والناصح لهم، وهذا مشاهد وملموس في واقعنا الحاضر، ولا حول، ولا قوة إلا بالله.
﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى﴾ أي: أفظع من المعيشة الضنك، وعذاب القبر؛ لأنه أدوم، وأثبت، فهو لا ينقطع، ولا ينقضي. هذا؛ وفي الآية التفات من التكلم إلى الغيبة. انظر شرح الالتفات في الآية رقم [٢٢] من سورة (النحل) وشرح الآخرة في الآية رقم [٣٠] منها، وشرح ﴿يَجْزِي﴾ في الآية رقم [٣١] منها أيضا، وهذا آخر ما يتعلق من كلام بقصة آدم، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف سلام وألف صلاة. وإن أردت أن تعرف قصة آدم بحذافيرها فارجع إلى سورة (الحجر)، وسورة (الأعراف)، وسورة (البقرة)، فإن ما أغفل هنا ذكر هنا، أو هناك، والله الموفق والمعين، وبه أستعين.
الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كذلك): متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نجزي من أسرف في المعاصي جزاء كائنا مثل جزاء من نسي الآيات وأعرض عنها. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نَجْزِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية
стр. 3602
على السكون في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني: محذوف، وجملة: ﴿أَسْرَفَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، والتقدير: نجزي الذي، أو شخصا أسرف في المعاصي عذابا شديدا. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان به، و (آيات): مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، والفاعل مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، واعتبارها حالا لا بأس به. ﴿وَلَعَذابُ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: لام الابتداء. (عذاب): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَشَدُّ:﴾
خبر المبتدأ، ﴿وَأَبْقى:﴾ معطوف عليه مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفيهما ضمير مستتر وجوبا هو فاعلهما. هذا؛ والآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. تأمل، وتدبر.
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨)﴾
الشرح: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ..﴾. إلخ: أي: أفلم يتبين لأهل مكة خبر من أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إذا سافروا، وخرجوا في التجارة لطلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية خاوية، كقوم عاد، وثمود، وقوم لوط، أفلا يخافون أن يحل بهم ما حل بالمكذبين قبلهم من الهلاك، والانتقام. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ:﴾ لدلالات واضحة، وبراهين ساطعة على قدرتنا، ووحدانيتنا. ﴿لِأُولِي النُّهى:﴾ لذوي العقول السليمة الناهية عن التغافل، والتعامي عن التبصر والاعتبار. هذا؛ وانظر شرح (أولي) في الآية رقم [٥٤].
الإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَهْدِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وفي الفاعل أقوال كثيرة.
قال ابن هشام في مغنيه بعد أن رد قول ابن عصفور: إنّ ﴿كَمْ﴾ فاعل، مردود بأنّ ﴿كَمْ﴾ لها الصدر، فقال: وإنما الفاعل ضمير اسم الله تعالى، أو ضمير العلم، أو الهدى المدلول عليه بالفعل، أو جملة: ﴿أَهْلَكْنا﴾ على القول بأن الفاعل يكون جملة، وجوز أبو البقاء كونه ضمير الإهلاك المفهوم من الجملة، وليس هذا من المواطن التي يعود الضمير فيها على المتأخر. انتهى. هذا؛ واعتبر الجلال الفاعل المصدر المأخوذ من ﴿أَهْلَكْنا﴾ واعتذر عن ذلك بقوله: وما ذكر من أخذ «إهلاك» من فعله الخالي عن حرف مصدري لرعاية المعنى لا مانع منه.
﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَمْ:﴾ خبرية بمعنى: كثير مبنية على السكون في محل نصب
стр. 3603
مفعول به مقدم. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل ﴿يَهْدِ﴾ وهو معلق عن العمل فيها لفظا؛ لأن «كم» الخبرية تعلق ذكره ابن هشام في المغني، أو في محل رفع فاعل على حسب ما رأيت في الفاعل. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله والأولى تعليقه بمحذوف حال من القرون، التقدير: من القرون كائنين قبلهم، ومثله في آية (السجدة) رقم [٢٦] والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْقُرُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿كَمْ﴾ و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم فيها. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة تمييز ﴿كَمْ﴾ المحذوف؛ فإن التقدير: كم قرنا من القرون أهلكنا.
﴿يَمْشُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الضمير فقط. ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء.
(آيات): اسم إن مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.
﴿لِأُولِي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آيات) وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (أولي) مضاف، و ﴿النُّهى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والكلام: ﴿أَفَلَمْ..﴾. إلخ كله مستأنف، أو معطوف على كلام محذوف، التقدير: أغفلوا، فلم يهد... إلخ، لا محل له على الاعتبارين.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ولولا حكم أزلي سبق في علمه تعالى بتأخير العذاب عن أمة محمد ﷺ إلى أجل مسمى، وهو يوم القيامة؛ لكان العذاب واقعا بأهل مكة، والمكذبين له ﷺ ، كما وقع ولزم القرون الماضية، والأمم الخالية الكافرة التي كذبت رسلها.
هذا؛ وانظر شرح: ﴿كَلِمَةٌ﴾ في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وإعلال ﴿مُسَمًّى﴾ مثل إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف).
وانظر شرح ﴿لِزاماً﴾ في الآية رقم [٧٧] من سورة (الفرقان) فإنه جيد.
الإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿كَلِمَةٌ:﴾ مبتدأ، والخبر محذوف وجوبا، تقديره: موجودة. ﴿سَبَقَتْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿كَلِمَةٌ﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية صفة ﴿كَلِمَةٌ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَكانَ:﴾ اللام: واقعة في جواب
стр. 3604
(لولا). (كان): ماض ناقص، واسمه محذوف معلوم من المقام، التقدير: لكان العذاب.
﴿لِزاماً:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية جواب (لولا) لا محل لها. ﴿وَأَجَلٌ:﴾ معطوف على ﴿كَلِمَةٌ﴾. وقال الجلال: معطوفة على اسم كان المستتر، وقام الفصل بخبرها مقام التأكيد.
ويكون التقدير: لكان العذاب، أو الأخذ العاجل وأجل مسمى، لازمين لهم، كما كانا لازمين لعاد، وثمود، وغيرهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة أجل مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، ولولا، ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠)﴾
الشرح: ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ:﴾ أمر الله نبيه ﷺ بالصبر على أقوالهم: إنه ساحر، إنه كذاب، إنه كاهن إلى غير ذلك. والمعنى: لا تكترث بهم، فإن لعذابهم وقتا مضروبا لا يتقدم، ولا يتأخر. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: صل، وأنت حامد لربك على هدايته، وتوفيقه، أو نزهه عن الشرك وسائر ما يضيفون إليه من النقائص، حامدا له على ما ميزك به، معترفا بأنه مولي النعم كلها.
﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ أي: صلاة الفجر. ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِها:﴾ يعني: الظهر، والعصر؛ لأنهما آخر النهار، أو العصر وحده. ﴿وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ﴾ أي: من أوقاته، وساعاته. ﴿فَسَبِّحْ﴾ أي: فصل المغرب، والعشاء. قال ابن عباس-﵄: يريد أول الليل، وإنما قدم زمان الليل فيه لاختصاصه بمزيد من الفضل، فإن القلب فيه أجمع والنفس أميل إلى الراحة، فكانت العبادة فيه أحزم؛ ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾. ﴿وَأَطْرافَ النَّهارِ:﴾ تكرير لصلاتي: الصبح، والمغرب. انتهى. بيضاوي. وفي القرطبي: المغرب، والظهر؛ لأن الظهر في آخر طرف النهار الأول، وأول طرف النهار الآخر، فهي في طرفين منه، ومثله في الخازن، وما أحراك أن تنظر الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) ﵇، والآية رقم [١٧] و [١٨] من سورة (الروم).
تنبيه: جاء لفظ التسبيح بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى، استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع: المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر. وهذا الفعل بألفاظه الأربعة، وقد عدّي باللام تارة، مثل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ..﴾. إلخ: وبنفسه أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً،﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى سبّحته بعدته من السوء، منقول من: سبّح: إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل
стр. 3605
اللام في نصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له، وإما أن يراد يسبح لله: اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا. انتهى نسفي من سورة (الحديد).
﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ أي: لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به. وقيل: معناه لعلك ترضى بالشفاعة العظمى. هذا؛ ويقرأ: «(ترضى)» بضم التاء؛ أي: لعلك تعطى ما يرضيك. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٤٤] وانظر شرح (الليل، والنهار) في الآية رقم [٩] من سورة (الإسراء). وانظر (الحمد، والشكر) في الآية رقم [٣٩] من سورة (إبراهيم) ﵇.
أما ﴿آناءِ﴾ فواحدها: أنى بفتح الهمزة، والنون، أو إنى بكسر الهمزة، وفتح النون، أو أني بالفتح والسكون، أو إني بالكسر والسكون، أو إنو بالكسر والسكون وبالواو، وكل واحد من هذه المفردات الخمس يطلق على الساعة من الزمان. وانظر مفرد (آلاء) في الآية رقم [٦٩] من سورة (الأعراف) فهو قريب منه، وأما (أطراف) فهو جمع: طرف بفتحتين، وهو في الأصل:
حرف الشيء، ومنتهاه. وانظره بفتح الطاء وسكون الراء في الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) صلّى الله على محمد، وعليه، وسلم.
الإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: على الذي، أو على شيء يقولونه، وعلى الثالث تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ التقدير: فاصبر على قولهم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: الفاء الفصيحة، التقدير: إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس بإهمال، بل إمهال، وهو واقع بهم، وآت عليهم فاصبر، وهو تكلف كما ترى. ﴿وَسَبِّحْ:﴾
أمر، وفاعله أنت. ﴿بِحَمْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: سبح ملتبسا بحمد، و (حمد) مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل (سبح)، و ﴿قَبْلَ:﴾
مضاف، و ﴿طُلُوعِ﴾ مضاف إليه، و ﴿طُلُوعِ﴾ مضاف، و ﴿الشَّمْسِ﴾ مضاف إليه، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِها:﴾
معطوف على سابقه، وجملة: ﴿وَسَبِّحْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿وَمِنْ آناءِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و ﴿آناءِ:﴾ مضاف، و ﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه.
﴿فَسَبِّحْ:﴾ الفاء: زائدة. وقيل: عاطفة على مقدر، أو واقعة في جواب شرط مقدر، والمعتمد الأول. (سبح): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَأَطْرافَ:﴾ معطوف على محل (من آناء) فهو ظرف بلا ريب. وقيل: معطوف على: (قبل) والأول: أقوى، و (أطراف): مضاف، و ﴿النَّهارِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَعَلَّكَ:﴾ حرف
стр. 3606
مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَرْضى:﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكَ..﴾.
إلخ في محل نصب حال من فاعل (سبح) المستتر، التقدير: سبح أي: صل حال كونك راجيا وطامعا في أن الله يرضيك بما يعطيك من الثواب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١)﴾
الشرح: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ..﴾. إلخ: المعنى لا تتطلع يا محمد، ولا تنظر إلى ما أعطيناه الكفار من متع الحياة الدنيا، ولذائذها وشهواتها، فإن ذلك لا دوام له، ولا بقاء، وما أعطيناه الكفار من حطام الدنيا الفاني إنما هو كالزهرة تتفتح في أول النهار، ثم تذبل في آخره، فقد نهى الله النبي ﷺ عن الرغبة في الدنيا، ومزاحمة أهلها عليها، ولذا كان لا ينظر إلى شيء من متعها، ولا يلتفت إليه، ولا يستحسنه.
﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ:﴾ لنختبرهم. وقيل: لنجعل ذلك فتنة لهم، وضلالا، فيزدادوا كفرا، وطغيانا، ومعنى أزواجا: أصنافا من الكفرة. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ أي: ما ادخر لك في الآخرة، أو ما رزقك من الهدى والنبوة. ﴿خَيْرٌ وَأَبْقى:﴾ أفضل، وأدوم؛ لأنه لا ينقطع، ولا ينتهي. هذا؛ وانظر شرح (العين) في الآية رقم [٨٦] من سورة (الكهف)، وشرح ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [٤٤] منها.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: قال بعض الناس: سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو رافع مولى رسول الله ﷺ قال: نزل ضيف برسول الله ﷺ ، فأرسلني ﵇ إلى رجل من اليهود، وقال: «قل له يقول لك رسول الله: نزل بنا ضيف، ولم يلف عندنا بعض الذي يصلحه، فبعني كذا، وكذا من الدقيق، أو أسلفني إلى هلال رجب». فقال: لا، إلا برهن. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فقال: «والله إني لأمين في السماء، أمين في الأرض، ولو أسلفني، أو باعني؛ لأديت إليه، اذهب بدرعي إليه». ونزلت الآية تعزية له عن الدنيا.
قال ابن عطية: وهذا معترض أن يكون سببا؛ لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي ﷺ ؛ لأنه مات؛ ودرعه مرهونة عند يهودي بهذه القصة التي ذكرت، وإنما الظاهر: أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك: أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة، ثم توعدهم بالعذاب المؤجل، ثم أمر نبيه ﷺ بالاحتقار لشأنهم، والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم، وما في أيديهم من الدنيا؛ إذ ذلك منصرم عنهم، صائر إلى خزي. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٨] من سورة (الحجر) ففيها كبير فائدة. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.
стр. 3607
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَمُدَّنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَيْنَيْكَ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿إِلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾
اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿إِلى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَتَّعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿أَزْواجاً:﴾ فيه، وجهان: أحدهما أنه مفعول به، وهو واضح، والثاني: أنه حال من الضمير في ﴿بِهِ﴾ فيكون فيه مراعاة لفظ ﴿ما﴾ مرة ومعناها أخرى، فلذلك جمع. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَزْواجاً﴾ على اعتباره مفعولا به، أو هما متعلقان بمحذوف مفعول به على اعتبار: ﴿أَزْواجاً﴾ حالا، وجملة:
﴿وَلا تَمُدَّنَّ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَاصْبِرْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.
﴿زَهْرَةَ:﴾ فيه تسعة أوجه: أحدها: أنه مفعول به ثان على تضمين: ﴿مَتَّعْنا﴾ معنى:
«أعطينا»، والأول: هو ﴿أَزْواجاً﴾ أو متعلق ﴿مِنْهُمْ﴾ حسب ما رأيت، الثاني: أن يكون بدلا من ﴿أَزْواجاً﴾ وذلك إما على حذف مضاف؛ أي: ذوي زهرة. وإما على المبالغة جعلوا نفس الزهرة.
الثالث: أن يكون منصوبا بفعل مضمر دل عليه ﴿مَتَّعْنا﴾ تقديره: جعلنا لهم زهرة، أو آتيناهم.
وهو قول ابن هشام في المغني. الرابع: نصبه على الذم؛ أي: أذم زهرة، وسماه الزمخشري النصب على الاختصاص. الخامس: أن يكون بدلا من موضع الموصول، ورد هذا ابن هشام في مغنيه، ورده مكي أيضا لأن: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ من صلة ﴿مَتَّعْنا،﴾ وجملة: ﴿مَتَّعْنا﴾ صلة الموصول، فيلزم الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وبأن الموصول لا يتبع قبل كمال صلته.
السادس: أن يكون بدلا من محل: ﴿بِهِ﴾ قال ابن هشام: وفيه ما ذكر؛ أي: ما المانع المذكور، وزيادة الإبدال من العائد، وبعضهم يمنعه بناء على أنّ المبدل منه في نية الطرح، فيبقى الموصول بلا عائد في التقدير. السابع: أن ينتصب على الحال من ﴿ما﴾ الموصولة. الثامن: أنه حال من الهاء في ﴿بِهِ،﴾ وهو ضمير الموصول، وهذا كالذي قبله، وإن التنوين حذف لسكونه وسكون اللام من ﴿الْحَياةِ﴾ وإن جر ﴿الْحَياةِ﴾ على أنه بدل من (ما) كما قرئ: «(ولا الليل سابق النهارَ)» فنصب النهار بسابق على تقدير حذف التنوين بسكونه وسكون اللام، وهو قول عزاه مكي لأبي محمد من غير تسمية له، ورده ابن هشام. التاسع: أنه تمييز ل: ﴿ما﴾ أو للهاء في ﴿بِهِ﴾ قاله الفراء. قال ابن هشام: وهذا على مذهب الكوفيين في تعريف التمييز. وقال مكي: ويجوز أن تنصب ﴿زَهْرَةَ﴾ على أنها موضوعة موضع المصدر، موضع «زينة» مثل: (صنع الله) و (وعد الله) وفيه نظر، فيكون وجها عاشرا. انتهى. جمل نقلا من السمين. وفيه ما أدخلته من قول ابن هشام وقول مكي، رحم الله الجميع رحمة واسعة، وحشرنا معهم في مستقر رحمته.
стр. 3608
﴿لِنَفْتِنَهُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:
«نحن»، والهاء مفعول به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿مَتَّعْنا﴾. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرِزْقُ:﴾ الواو:
حرف استئناف. (رزق): مبتدأ، و «هو» مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من: إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿وَأَبْقى:﴾ معطوف عليه، وفاعلهما مستتر فيهما وجوبا، تقديره: «هو»، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها. وقيل: حال. ولا وجه له.
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)﴾
الشرح: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ:﴾ أمر الله نبيه ﷺ بأن يأمر أهل بيته، أو التابعين له من أمته بالصلاة بعد ما أمره بها، ويدخل في عموم هذا الأمر جميع أمته، وأهل بيته على التخصيص، وكان ﷺ بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة، وعلي رضوان الله عليهما، فيقول: الصلاة، ويروى: أن عروة بن الزبير-﵄-كان إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين، وأحوالهم بادر إلى منزله، فدخله، وهو يقرأ: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ..﴾. إلخ، ثم ينادي بالصلاة، ويقول: الصلاة يرحمكم الله! ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ أي: داوم عليها، فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
﴿لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً﴾ أي: لا نطلب منك أن ترزق نفسك وأهلك، بل نحن نتكفل برزقك، وإياهم؛ وقد قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وكان ﷺ إذا نزل بأهله ضيق أمرهم بالصلاة.
﴿وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ أي: العاقبة المحمودة لأهل التقوى. قال ابن عباس-﵄:
الذين صدقوك، وآمنوا بك، واتبعوك.
الإعراب: ﴿وَأْمُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اؤمر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».
﴿أَهْلَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿بِالصَّلاةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَأْمُرْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اصبر...) إلخ لا محل لها مثلها، وجملة:
﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نَسْئَلُكَ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره:
«نحن»، والكاف مفعول به أول. ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف المخاطب، والرابط: الضمير فقط. وانظر مجيء الحال من المضاف إليه في الآية رقم [٢٣] من سورة (الإسراء). ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ.
﴿نَرْزُقُكَ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول، والثاني:
стр. 3609
محذوف، التقدير: نرزقك ما نشاء، ونحوه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل للنفي لا محل لها، أو هي مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿وَالْعاقِبَةُ:﴾ الواو:
حرف استئناف. (العاقبة): مبتدأ. ﴿لِلتَّقْوى:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار مكة. ﴿لَوْلا يَأْتِينا:﴾ هلا يأتينا محمد ﷺ . ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: معجزة تدل على صدقه، وذلك كعصا موسى، أو ناقة صالح، أو كالذي اقترحوه من شق الأنهار حول مكة، وتسيير الجبال، وغير ذلك، كما رأيت في الآية رقم [٩٠] من سورة (الإسراء) وما بعدها.
﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ يريد: التوراة، والإنجيل، والكتب المتقدمة التي بشرت بمحمد ﷺ . وأيضا ما ذكر فيها من إهلاك الأمم السابقة الذين اقترحوا الآيات فلما أتتهم، ولم يؤمنوا؛ أهلكوا. وأيضا، فإن القرآن الكريم قد جمع بين دفتيه زبدة ما في الكتب المتقدمة من العقائد والأحكام مع أن الآتي بها أمّيّ لم يرها، ولم يتعلم من علمها، أليس في ذلك معجزة باهرة وبرهان ساطع على نبوة محمد ﷺ ؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.
﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿يَأْتِينا:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الرسول ﷺ ، و (نا): مفعول به. ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آية) والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الواو: عاطفة على مقدر يقتضيه المقام، كأنه قيل: ألم تأتهم سائر الآيات، ولم تأتهم خاصة بينة. هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء والتاء سبعيتان. ﴿بَيِّنَةُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويقرأ «(بينة)» بالتنوين منصوبا ومرفوعا، فالنصب على الحال من ﴿ما﴾ وقد قدمت عليها، والرفع على أنها فاعل، و ﴿ما:﴾ بدل منها، أو خبر مبتدأ محذوف، وتكون الجملة صفة ﴿بَيِّنَةُ﴾. ﴿فِي الصُّحُفِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول.
﴿الْأُولى:﴾ صفة الصحف مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ والكلام: ﴿لَوْلا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 3610
﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل بعثة محمد ﷺ وإنزال القرآن. ﴿لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا..﴾. إلخ: أي: لقالوا يوم القيامة: هلا أرسلت إلينا يا ربنا رسولا يدعونا إلى الإيمان ويبيّن لنا ما يجب علينا من عبادتك، وتقديسك. ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ..﴾.
إلخ: أن نذل بالقتل، والسبي في الدنيا، ﴿وَنَخْزى﴾ بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم في الآخرة. هذا؛ ويقرأ الفعلان للمعلوم بالبناء للمجهول.
هذا؛ وروى أبو سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ في الهالك في الفترة والمعتوه، والمولود. قال: «يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب، ولا رسول، ثمّ تلا الآية: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ..﴾. إلخ. ويقول المعتوه: ربّ لم تجعل لي عقلا، أعقل به خيرا، ولا شرّا. ويقول المولود: ربّ لم أدرك العمل. فترفع لهم نار، فيقول لهم: ردوها وادخلوها.
قال: فيردها، أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيّا لو أدرك العمل، فيقول الله ﵎: إياي عصيتم، فكيف رسلي لو أتتكم؟!». وبه احتج من قال: إن الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة. انتهى. قرطبي. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء) بشأن أهل الفترة.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها.
﴿أَهْلَكْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب (نذرت) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍. ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف صفة (عذاب) جيد معنى، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط لو عند المبرد، التقدير: ولو حصل، أو وقع عذابهم من قبل مبعث الرسول ﷺ . وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو هلاكهم حاصل، أو واقع. وقول المبرد هو المرجح لأن (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفاعل المقدر على قول المبرد، وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿لَقالُوا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، و (نا):
следующие страницы →