Полный текст (7 463 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون؟! ومعنى ﴿ما أَلْفَيْنا:﴾ ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام، وتحريم السوائب، والبحائر، وغيرها، فإنهم كانوا خيرا منّا، وأعلم، وأعقل، فلذا ردّ الله عليهم بقوله: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ..﴾. إلخ؛ أي: أيتبعون آباءهم؛ وإن كانوا سفهاء أغبياء، ليس لهم عقل يردعهم عن الشر، ولا بصيرة تنير لهم الطريق؟! والاستفهام للإنكار، والتوبيخ، والتعجيب من حالهم في تقليدهم الأعمى للآباء. وعن ابن عباس-﵄:
أنها نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ..﴾. إلخ، والأولى التعميم، وهي بالعرب الجاهليين ألزق، وألزم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: اتبعوا الذي، أو شيئا أنزل الله، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا.
﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف ما بعده على جملة محذوفة قبله، تقديرها: لا نتبع ما أنزل الله بل نتبع... إلخ، وقال أبو البقاء: ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب عن الأول، أي: لا نتبع ما أنزل الله، وليس بخروج من قصّة إلى قصة، يعني بذلك:
أنه إضراب إبطال، لا إضراب، وانتقال، وعلى هذا يقال: كلّ إضراب في القرآن المراد به الانتقال من قصّة إلى قصّة إلا في هذه الآية، وإلا في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فإنّه محتمل للأمرين. انتهى جمل بتصرف. ﴿نَتَّبِعُ:﴾ فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿ما﴾ مفعول به، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَلْفَيْنا:﴾ فعل وفاعل.
﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، تقدم على الأول. ﴿آباءَنا:﴾ مفعول به، و (نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب (على)، والجملة الفعلية: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب: (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿أَوَلَوْ..﴾. إلخ: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. الواو: فيها قولان: أحدهما-وإليه ذهب أبو البقاء، وابن عطية-: أنها للعطف، والثاني: -وإليه ذهب الزمخشري في كشافه، وتبعه البيضاوي، والنسفي-: أنها واو الحال. وللجمل كلام كثير في الجمع بين القولين، نقله عن
стр. 387
شيخه. وأرى: أنها حرف استئناف؛ لأنّ الجملة بعدها متضمنة التوبيخ، والإنكار، وأن الوقف على ﴿آباءَنا﴾ جيد، والمعنى تامّ لا يحتاج إلى تقييده بحال، وأن الاستفهام إنشاء، ولا يصح وقوعه حالا كما هو معروف، وأن تقدير معطوف عليه محذوف تكلّف لا داعي له.
(﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿آباؤُهُمْ:﴾
اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ مضارع وفاعله. ﴿شَيْئاً:﴾
مفعول به، وله متعلق محذوف، التقدير: شيئا نافعا من أمر الدين، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل نصب مثلها، والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: لا يهتدون إلى حق. وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (﴿لَوْ﴾) محذوف، التقدير: لاتبعوهم، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، كما ذكرت في الواو، وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [١٠٤] من سورة (المائدة)؛ فهي مثلها في كل شيء مع اختلاف في بعض الألفاظ، وأيضا الآية رقم [٢١] من سورة (لقمان) وهو لا يؤثر في المعنى، والإعراب. والله الموفق للحقّ والصواب.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾
الشرح: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ..﴾. إلخ: شبّه الله تعالى واعظ الكفار، وداعيهم، وهو محمّد ﷺ بالرّاعي الذي ينعق بالغنم، والإبل، فلا تسمع إلا دعاءه، ونداءه، ولا تفهم ما يقول. هكذا فسره ابن عباس-﵄-وغيره، وهذه نهاية الإيجاز. قال سيبويه-رحمه الله تعالى-:
ولم يشبهوا بالناعق، إنّما شبهوا بالمنعوق به، والمعنى: ومثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا كمثل الناعق، والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم. فحذف لدلالة المعنى عليه، وقال ابن زيد -رحمه الله تعالى-: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة من الجماد، كمثل الصّائح في جوف الليل، فيجيبه الصّدى، فهو يصيح بما لا يسمع، ويجيبه ما لا حقيقة فيه، ولا منتفع.
وقيل: المعنى: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم، كمثل النّاعق بغنمه، لا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنّه في عناء، وكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة إلا العناء.
وقيل غير ذلك، والأوّل هو الأولى بالاعتبار.
هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ تشبيه مرسل، ومجمل، مرسل لذكر الأداة، ومجمل لحذف وجه الشبه. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين عن الآية: لك أن تجعل هذا التشبيه من المركّب، وأن تجعله من التشبيه المفرّق، فإن جعلته من المركّب؛ كان تشبيها للكفار في عدم فقههم، وانتفاعهم بالغنم؛ الّتي ينعق بها الراعي: فلا تفقه من قوله شيئا غير
стр. 388
الصّوت المجرّد الذي هو الدعاء والنّداء. وإن جعلته من التشبيه المفرّق؛ فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النّعق، وإدراكهم مجرد الدّعاء والنّداء كإدراك البهائم مجرّد صوت الناعق. والله أعلم.
هذا ويقال: نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا، ونعاقا: إذا صاح بها، وزجرها. قال الأخطل في هجاء جرير: [الكامل]
فانعق كضأنك يا جرير فإنّما... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا
وبالجملة: المعنى: ومثل الكفار في عدم انتفاعهم بالقرآن، وحججه السّاطعة، ومثل من يدعوهم إلى الهدى، كمثل الراعي الذي ينعق بغنمه، ويزجرها، فهي تسمع الصّوت، والنداء دون أن تفهم الكلام، والمراد، أو تدرك المعنى الّذي يقال لها، ولكنّها لا تجيب بالقول، فهؤلاء الكفار كالدّواب، لا يفهمون ما تدعوهم إليه، ولا يفقهون، يسمعون القرآن، ويصمّون عنه.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ انظر الآية رقم [١٨] وخذ هنا زيادة على ما ذكرته هناك قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٣٩]: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٩]: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾.
الإعراب: ﴿وَمَثَلُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَثَلُ﴾): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾
مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يَنْعِقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الّذي، وهو العائد، والجملة صلة: ﴿الَّذِي﴾. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة المنفية: ﴿لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الفاعل العائد إلى (ما)، وينبغي أن تعرف: أنّ بعد هذا الإعراب حذفا، وتقدير الكلام: مثل داعي الذين كفروا إلى الهدى كمثل الناعق بالغنم، وإنما قدر ذلك ليصح التشبيه، فداعي الذين كفروا كالناعق بالغنم، ومثل الذين كفروا كالغنم المنعوق بها. انتهى عكبري بتصرف. وانظر الشرح. والجملة الاسمية: (﴿مَثَلُ الَّذِينَ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ:﴾ يجوز أن تكون هذه الأسماء أخبارا لمبتدإ محذوف، وأن تكون أخبارا لمبتدآت محذوفة، والجملة الاسمية الواحدة، أو الجمل المتعدّدة في محل نصب حال من واو الجماعة. والرابط الضمير فقط، وهو المبتدأ المقدر ب «هو»، والاستثناء ممكن، فلا يكون لها محل من الإعراب. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (هم): ضمير منفصل مبني على
стр. 389
السكون في محل رفع مبتدأ. (لا:) نافية. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ مضارع، والواو فاعله. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها، على الاعتبارين فيها. هذا؛ ومن الغريب: أنّ الواحدي في كتابه (البسيط) قد اعتبر ﴿إِلاّ﴾ زائدة في هذه الآية، وأنشد عليه قول الفرزدق: [الطويل]
هم القوم إلاّ حيث حلّوا سيوفهم... وضحّوا بلحم من محلّ ومحرم
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاُشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾
الشرح: نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة، أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان! وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وعشرين موضعا من القرآن، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطاعة، والامتثال، وإنما خصّهم الله بالنداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عما نهى الله عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.
﴿كُلُوا:﴾ الأمر مستعمل في كلّ من الوجوب، والندب، والإباحة، الأول: إذا كان لقيام البدن، والثاني: كالأكل مع الضّيف، والثالث: في غير ما ذكر. انتهى جمل بتصرف. وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك؛ إن كانوا عبّاده، والأكل من الحلال سبب لتقبّل الدّعاء، والعبادة كما أنّ الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء، والعبادة، كما جاء في الحديث الشريف من قول الرسول ﷺ : «أيّها النّاس إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء: يا ربّ! يا ربّ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب له؟!». رواه أبو هريرة ﵁، وأخرجه مسلم، وأحمد، والترمذي.
وعن ابن عباس ﵄، قال: تليت هذه الآية عند رسول الله ﷺ : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً﴾ فقام سعد بن أبي وقاص-﵁-فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدّعوة، فقال له النبي ﷺ : «يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدّعوة؛ والّذي نفس محمّد بيده! إنّ العبد ليقذف اللّقمة الحرام في جوفه، ما يتقبّل منه عمل أربعين يوما، وأيّما عبد نبت لحمه من سحت؛ فالنّار أولى به». رواه الطّبراني في الصغير.
стр. 390
والمراد من: ﴿طَيِّباتِ:﴾ حلالات، والحلال هو المراد عند الإطلاق؛ لأنّ الحرام خبيث، نجس؛ وإن كان مستلذّا عند من يأكله. وانظر الدّعاء في الآية رقم [١٨٥] الآتية.
﴿وَاشْكُرُوا لِلّهِ﴾ انظر الشكر في الآية رقم [٥٢]. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ:﴾ انظر العبادة في سورة الفاتحة، ولا تنس: أنّ تقديم المفعول يوحي بالاختصاص. وعن النبيّ ﷺ قال:
«يقول الله : أنا، والإنس، والجنّ في نبأ عظيم، أخلق، ويعبد غيري، وأرزق، ويشكر غيري!».
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر إعراب مثلها فيما تقدّم قريبا. ﴿مِنْ طَيِّباتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و ﴿طَيِّباتِ﴾ مضاف. ﴿ما:﴾ في محل جر بالإضافة وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. هذا؛ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، ومفعول: ﴿كُلُوا﴾ محذوف، التقدير: كلوا رزقكم، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وجوز الأخفش اعتبار:
﴿مِنْ﴾ زائدة في الإيجاب، وعليه ف ﴿طَيِّباتِ﴾ مجرور لفظا منصوب محلاّ. ﴿رَزَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: من طيبات الذي، أو: شيء رزقناكموه، على اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: طيبات رزقنا، وجملة: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، وجملة: ﴿وَاشْكُرُوا لِلّهِ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء: اسمه. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان).
وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مرتبط بما قبله لا محل له مثله. هذا؛ ويجيز بعض الكوفيين اعتبار (إن) بمعنى: «إذ» أي: ظرفا. وردّه ابن هشام في المغني.
﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾
الشرح: ﴿إِنَّما:﴾ كلمة موضوعة للحصر، تتضمّن النفي، والإثبات، فتثبت ما تناوله الخطاب، وتنفي ما عداه، وقد حصرت هاهنا التحريم، لا سيما وقد جاءت عقيب التحليل في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾.
стр. 391
﴿الْمَيْتَةَ﴾ أي: أكلها، أو الانتفاع بشيء منها، وهي الّتي ماتت من غير ذكاة شرعية، والحديث ألحق بها ما أبين من حيوان حيّ، وخصّ منها السّمك، والجراد بقول النبي ﷺ :
«أحلّت لنا ميتتان، ودمان: السّمك، والجراد، والكبد، والطّحال».
وكذلك جنين المذكّاة الميت في بطنها، فأكله جائز من غير تذكية له إلا أن يخرج حيا فيذكّى، ويكون له حكم أمّه، فقد روى جابر بن عبد الله-﵄: أنّ رسول الله ﷺ سئل عن البقرة، والشاة تذبح، والناقة تنحر، فيكون في بطنها جنين ميّت، فقال: «إن شئتم فكلوه؛ لأنّ ذكاته ذكاة أمّه». أخرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
هذا؛ ويلحق بالميتة ذبيحة كل وثنيّ، ووثنية، بخلاف ذبيحة الكتابيّ، والكتابية، فإنّها تؤكل، وكذا نكاح المحصنات من أهل الكتاب جائز لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
هذا؛ وأصل الميتة بتشديد الياء؛ لأن بناءه فيعلة، والأصل ميوتة فقل في إعلاله: اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداها بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، والميتة والميت بفتح الميم وسكون الياء فيهما، وهو من فارقت روحه جسده، وجمعه: أموات. وأما المشدّد فهو الحيّ الذي سيموت، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ،﴾ وجمعه: موتى، قال بعض الأدباء في الفرق بينهما: [الطويل]
أيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل
فمن كان ذا روح فذلك ميّت... وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل
هذا هو الأصل الغالب في الاستعمال. وقد يتعاوضان كما في قول عديّ بن الرّعلاء الغسّاني-وهو الشّاهد رقم [٨٣٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الخفيف]
ليس من مات فاستراح بميت... إنّما الميت ميّت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله قليل الرّجاء
(﴿الدَّمَ﴾): المراد به دم الحيوان الذي يذبح، كان الجاهليون يجمدونه، ويقلونه بالزيت، ونحوه، ويأكلونه. اتفق العلماء على أنّ الدّم حرام نجس، لا يؤكل، ولا ينتفع به، قال ابن خويز منداد: وأمّا الدّم فحرام ما لم تعم به البلوى، ومعفو عمّا تعمّ به لبلوى، والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه، ويسيره في البدن، والثوب يصلى فيه. وقد روت عائشة ﵂: كنّا نطبخ البرمة على عهد رسول الله ﷺ ، يعلوها الصفرة من الدّم، فنأكل، ولا ننكره؛ لأنّ التحفظ من هذا إصر، وفيه مشقة، والإصر، والمشقّة في الدّين موضوع. وقد أحلّ لنا دمان بقول النبي ﷺ : «أحلّ لنا من الدّم دمان، ومن الميتة ميتتان: الحوت، والجراد،
стр. 392
ومن الدم الكبد والطّحال» رواه الطّبراني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبد الله بن عمر، ﵃ أجمعين. هذا؛ وقيده في سورة (الأنعام) رقم [١٤٥] بقوله:
﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ أي: سائلا، والمطلق يحمل على المقيّد.
﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ:﴾ والمراد جميع أجزائه، وإنّما خصّ اللحم بالذّكر؛ لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان، ومعظم الانتفاع متعلّق به، ويجمع لحم على: لحوم، ولحام، قال لبيد-﵁ في معلّقته: [الكامل]
أدعو بهنّ لعاقر أو مطفل... بذلت لجيران الجميع لحامها
هذا؛ ويقال: لحم، وألحم، ولحمان، ولحام، ورجل لحم شحيم، إذا كان قرما إلى اللّحم. ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ:﴾ رفع به الصّوت عند الذبح للصنم، هي ذبيحة المجوسيّ، والوثنيّ، والمعطّل. فالمجوسيّ يذبح لناره، والوثني لوثنه، والمعطل-أي الملحد-لا يعتقد شيئا، فيذبح لنفسه، ويدخل في ذلك كلّ ما لم يقصد به وجه الله تعالى، كالذي يذبح على الأضرحة، وللأولياء، ويقول: هذه ذبيحة جدّي فلان، والرّسول ﷺ قال: «لعن الله سبعة من خلقه من فوق سبع سماواته، وردّد اللعنة على واحد منهم ثلاثا، ولعن كلّ واحد منهم لعنة تكفيه، قال: ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من أتى شيئا من البهائم، ملعون من عقّ والديه، ملعون من جمع بين امرأة وابنتها، ملعون من غيّر حدود الأرض، ملعون من ادّعى إلى غير مواليه، ملعون من ذبح لغير الله». رواه الطّبراني في الأوسط عن أبي هريرة-﵁، وعنه أيضا: أنّ النبي ﷺ قال: «ملعون من أتى امرأة في دبرها». رواه أحمد، وأبو داود.
ولذلك نهى الإمام عليّ-﵁ وكرّم الله وجهه-عن أكل الإبل التي ذبحها جد الفرزدق، ومنافسه عند مباراتهما في الكرم، وقال: هذا ممّا ذبح لغير وجه الله! فأكلتها الوحوش، والطيور. وقس على ذلك كلّ ما لم يقصد به وجه الله تعالى.
هذا؛ والإهلال: رفع الصوت، وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم، والأصل: أن يرفع الصوت بالتكبير عند رؤية الهلال في مطلع الشهر الجديد، يقال: أهلّ بكذا، أي: رفع صوته.
قال ابن أحمر يصف فلاة: [السريع]
يهلّ بالفرقد ركبانها... كما يهلّ الرّاكب المعتمر
وقال النابغة: [الكامل]
أو درّة صوفيّة غوّاصها... بهج متى يرها يهلّ ويسجد
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ..﴾. إلخ: المضطر: هو المكلف بالشيء، الملجأ إليه، المكره عليه، وهو على ثلاثة أقسام: إما بإكراه من ظالم، أو بجوع في مخمصة، أو بفقر لا يجد شيئا البتّة، فإن التّحريم
стр. 393
يرتفع مع وجود هذه الأقسام بحكم الاستثناء في قوله تعالى: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وتباح له الميتة، فأمّا الإكراه؛ فيبيح له ذلك إلى أن يزول، وأما المخمصة، فلا يخلو أن تكون دائمة، فلا خلاف في جواز الشّبع منها. وإن كانت نادرة؛ فاختلف فيها العلماء، وللشّافعي فيها قولان: أحدهما:
أنّه يأكل ما يسدّ به الرّمق، وبه قال أبو حنيفة. والثاني: أنه يأكل قدر الشّبع. وبه قال مالك، وهو المعتمد إن شاء الله، وحديث العنبر نصّ في ذلك، فإنّ أصحاب النبي ﷺ ، لما رجعوا من سفرهم وقد ذهب عنهم الزاد، وكانوا في غزوة على ساحل البحر، فرفع لهم على ساحله كهيئة الكثيب الضّخم، فلمّا أتوه، فإذا هي دابة تدعى: العنبر، فقال أبو عبيدة أميرهم-﵁: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم، فكلوا، قال: فأقمنا عليها شهرا، ونحن ثلاثمائة؛ حتى سمنّا، فأكلوا، وشبعوا رضوان الله عليهم مما اعتقدوا: أنّها ميتة، وتزوّدوا منها إلى المدينة، وذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فأخبرهم ﷺ : أنّه حلال، وقال: «هل معكم من لحمه شيء، فتطعمونا؟». فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله، فهو معجزة للنبي ﷺ ، وكرامة لهم حيث لم ينتن.
مسألة: إذا وجد المضطر ميتة، وطعام الغير، بحيث لا قطع فيه، ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة، بل يأكل طعام الغير بلا خلاف؛ لحديث عبّاد بن شرحبيل الغزي-﵁ قال: أصابنا عام مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطا، فأخذت سنبلا، ففركته، وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط، فضربني، وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته. فقال للرّجل: «ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا، ولا علّمته إذ كان جاهلا». فأمره، فردّ إليه ثوبه، وأمر له بوسق طعام، أو نصف وسق. رواه ابن ماجة. وقال مسروق: من اضطر إلى طعام، أو شراب، فله أن يأكل، ويشرب، فإن لم يأكل، ولم يشرب، ثم مات؛ دخل النار.
وذكر التّرمذي عن يحيى بن سليم بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر-﵃ أجمعين-عن النبي ﷺ قال: «من دخل حائطا؛ فليأكل، ولا يتّخذ خبئة». قال أبو عبيد: قال أبو عمر: وهو الوعاء الذي يحمل فيه الشيء. وروى أبو داود عن الحسن عن سمرة-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها؛ فليستأذنه، فإن أذن له؛ فليحتلب، ويشرب، ولا يحمل».
﴿غَيْرَ باغٍ:﴾ خارج على المسلمين، و ﴿وَلا عادٍ﴾ معتد عليهم بقطع الطّريق، فيدخل فيها قاطع الطريق، الخارج على السّلطان بدون تأويل، والمسافر في قطع الرحم، وقصد السّرقة، وإيذاء الناس، وما شاكله من الأمور غير المباحة، وهذا قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما، وبه قال المفسّرون من أئمة الشّافعية. وقال قتادة، والحسن، والرّبيع، وابن زيد،
стр. 394
وعكرمة: ﴿باغٍ﴾ قاصد للشّهوة، واللّذة، و ﴿عادٍ﴾ متجاوز مقدار الحاجة من سدّ الرّمق، ودفع الخوف، والتخلّص من الإكراه. وبه قال المفسّرون من أئمة الحنفية، وغيرهم، وانظر الآية رقم [٩٠].
هذا؛ وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد، والعرب تقول: خرج الرّجل في بغاء إبل له، ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل]
لا يمنعنّك من بغا... ء الخير تعتاد الرّتائم
إنّ الأشائم كالأيا... من والأيامن كالأشائم
بعد هذا، فأنا أعلّمها لك، فأقول-وبالله التوفيق-: أصل باغ: باغي، بكسرة على الياء علامة للجر، أو بضمة على الياء علامة للرفع، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الكسرة، أو الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء، والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت الغين مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: باغ بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأنّ الياء محذوفة لعلة الالتقاء كالثابتة فتمنع الرفع للغين. وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من: ال، والإضافة، سواء أكان ثلاثيّا، أو رباعيّا، وعاد مثله، أصله:
عادي. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: أصله: عائد، فهو من المقلوب، كشاكي السّلاح، وهار، ولاث، والأصل: شائك، وهائر، ولائث. ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ:﴾ فلا مؤاخذة، ولا جناح في أكله الميتة، وما عطف عليها في حال الضّرورة. ﴿غَفُورٌ:﴾ لعبده المؤمن إذا فعل ذلك، وهو صيغة مبالغة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بهم؛ حيث رخّص لهم الأمور المحظورة في حال الضرورة.
الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة مفيدة للحصر. ﴿حَرَّمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو». ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْمَيْتَةَ:﴾ مفعول به منصوب، وما بعده معطوف عليه، هذا، ويقرأ برفع «الميتة» وما بعده، وخرج على أنّ (ما) غير كافة ل (إنّ) فهي عاملة و (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها على حدّ قوله تعالى في سورة (طه): ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ وجملة: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: إنّ الذي حرّمه الله عليكم: ﴿الْمَيْتَةَ﴾.
وهذه القراءة قراءة ابن أبي عبلة، وقرئ «حرّم» بالبناء للمجهول، وخرج على وجهين:
أحدهما: أنّ (ما) غير كافة، وهي اسم (إنّ) كما تقدّم، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) الموصولة، وهو العائد، والجملة صلة لها، و ﴿الْمَيْتَةَ﴾ خبر (﴿إِنَّ﴾). والوجه الثاني: أنّ (ما) كافة لها، وأنّ ﴿الْمَيْتَةَ﴾ بالرّفع نائب فاعل: ﴿حَرَّمَ،﴾ وهذه قراءة أبي جعفر بن القعقاع، والقراءتان غير سبعيتين، وسواء أكانت الجملة فعلية، أم اسمية، فهي مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
стр. 395
﴿وَما﴾ اسم موصول مبني على السكون معطوف على الميتة على الوجهين المعتبرين فيه.
﴿أُهِلَّ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل: ﴿أُهِلَّ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور بالباء، و (غير) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَمَنِ:﴾
الفاء: حرف عطف وتفريع. (من): اسم شرط جازم، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿اُضْطُرَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، ونائب الفاعل يعود إلى (من). ﴿غَيْرَ:﴾ حال من نائب الفاعل المستتر، وقال النسفي، وغيره: التقدير: فأكل غير... إلخ، وهذا يعني: أنّه حال من فاعل الفعل المقدر، وعليه فالجملة المقدرة معطوفة على سابقتها. و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿باغٍ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي المفهوم من (﴿غَيْرَ﴾). ﴿عادٍ:﴾ معطوف على: ﴿باغٍ﴾ مجرور مثله. ﴿فَلا:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط.
(﴿لا﴾): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِثْمَ﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر (﴿لا﴾) وخبر المبتدأ الّذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته مرارا. هذا؛ ويجوز اعتبار (من) اسما موصولا مبتدأ، وجملة: ﴿اُضْطُرَّ..﴾. إلخ صلته، وجملة: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في محل رفع خبره، وقد اقترنت بالفاء؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿إِنَّ:﴾
حرف مشبه بالفعل، و ﴿اللهِ:﴾ اسمه. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها على الاعتبارين.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١٥٩]، والمراد: علماء اليهود كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد ﷺ ، وصحّة رسالته، فعلوا ذلك؛ لئلا تذهب رياستهم، وما كانوا يأخذون من العوامّ من الهدايا، والتّحف. ومعنى ﴿أَنْزَلَ:﴾ أظهر، كما قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩٣]: ﴿وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: سأظهر. وقيل: هو على بابه من النزول، أي: أنزل به ملائكته على رسله. ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً:﴾ انظر الآية رقم [٧٩] ففيها الكفاية.
﴿أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ:﴾ ذكر البطون دلالة، وتأكيدا على حقيقة الأكل؛ إذ قد يستعمل مجازا في مثل: فلان أكل أرضي، ونحوه. وفي ذكر البطون أيضا تنبيه على
стр. 396
جشعهم، وأنّهم باعوا آخرتهم بحظّهم من المطعم الذي لا خطر له، فسمى الله ما أكلوه من الرّشا نارا؛ لأنّه يؤدّيهم إلى النار. هكذا قال أكثر المفسرين.
وقيل: إنّه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنّم حقيقة، كأنما أخبر عن المآل بالحال، كما قال تعالى في سورة (النّساء) رقم [١٠]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ أي: إنّ عاقبته تؤول إلى ذلك، ومنه قول أبي سعيد سابق البريري، وهو الشّاهد رقم [٣٨٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
فللموت تغذو الوالدات سخالها... كما لخراب الدّور تبنى المساكن
وأيضا قول عبد الله بن الزّبعرى-وهو الشاهد رقم [٣٨٨] من كتابنا المذكور-: [المتقارب]
فإن يكن الموت أفناهمو... فللموت ما تلد الوالده
﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: كلام رحمة لشدّة غضبه عليهم، وإنّما يكلمهم كلام سخط، ومقت، فيقول لهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾. انظر سورة (المؤمنون) رقم [١٠٨].
﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ:﴾ ولا يطهّرهم من أدران الذنوب، والسيئات. أو: لا يصلح أعمالهم الخبيثة، فتطهر، وفي صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذّاب، وعائل مستكبر».
وإنّما خص هؤلاء بأليم العذاب، وشدّة العقوبة لمحض المعاندة، والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي؛ إذ لم يحملهم على ذلك حاجة، ولا دعتهم إليه ضرورة، كما تدعو من لم يكن مثلهم.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محلّ نصب، والجملة الفعلية بعدها صلتها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التّقدير: يكتمون الّذي، أو شيئا أنزله الله. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَكْتُمُونَ..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها.
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.
﴿فِي بُطُونِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والأول أقوى. والهاء: في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة
стр. 397
الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مبتدأة لا محل لها، وهي تؤكد معنى الآية رقم [١٥٩] مع تباعد ما بينهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿النّارَ﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو:
حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿يُزَكِّيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: هو يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، وحذف المتعلق، وهو الظرف اكتفاء بالأول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية تحتمل العطف على الجملة الفعلية قبلها، وعلى الجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ﴾ لكن عطفها على الأولى أقوى من جهة المعنى، وعلى الثاني أقوى من جهة عطف الاسمية على الاسمية. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
الشرح: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ؛ أي: الموصوفون بما ذكر. ﴿اِشْتَرَوُا..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٦] ففيها الكفاية. وقال القرطبيّ هنا: ولمّا كان العذاب تابعا للضلالة، وكانت المغفرة تابعة للهدى؛ الذي اطّرحوه؛ دخلا في تجوّز الشراء. هذا؛ ولا تنس: أنّ الآية المتقدّمة إنّما نزلت في حق المنافقين، وهذه الآية إنّما هي في حقّ اليهود؛ الذين الكلام فيهم.
﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ:﴾ معنى هذه الجملة التعجّب، تعجب من حالهم في الالتباس بموجبات النّار من غير مبالاة بغضب الله الواحد القهار، كأنه قال: اعجبوا من صبرهم على النار، ومكثهم فيها! ومثلها قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ وقريب منه في سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وقال الحسن وغيره: ما لهم والله عليها من صبر! ولكن ما أجرأهم على النار! وقال الكسائي، وقطرب: أي: ما أدومهم على عمل أهل النار! وقيل: (ما) استفهام، معناه التوبيخ، قاله ابن عباس-﵄-وغيره، ومعناه: أيّ شيء صبّرهم على عمل أهل النار؟! وقيل هذا على وجه الاستهانة بهم، والاستخفاف بأمرهم. ﴿ذلِكَ﴾ أي: العذاب في جهنّم ﴿بِأَنَّ﴾ بسبب أنّ ﴿اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ فرفضوه، والمراد بالكتاب: التوراة، فيكون اليهود هم المذمومين، وكذلك النصارى؛
стр. 398
حيث اختلفوا فيما ذكر فيها من صفة عيسى، ومحمد ﷺ . وقيل: المراد: القرآن، و ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ كفار قريش، حيث قال بعضهم: هو سحر، وبعضهم يقول: شعر، كهانة، أساطير الأولين... إلخ، وانظر ﴿شِقاقٍ﴾ في الآية رقم [١٣٧].
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وفيها معنى التوكيد لجملة: ﴿أُولئِكَ﴾.
﴿اِشْتَرَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الضَّلالَةَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْهُدى:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من الضّلالة، التقدير:
مستبدلة بالهدى. (﴿الْعَذابَ﴾): معطوف على الضلالة. ﴿بِالْمَغْفِرَةِ:﴾ معطوفان على: ﴿بِالْهُدى﴾ على الاعتبارين في تعليقهما.
﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف، أو هي حرف استئناف، (ما): نكرة تامة بمعنى شيء مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصْبَرَهُمْ:﴾ فعل ماض جامد دال على التعجب مبني على الفتح، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره هو يعود إلى (ما)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو (ما)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها، والأول أقوى. وهذا الإعراب هو المشهور عن سيبويه رحمه الله تعالى.
وقال الأخفش رحمه الله تعالى: (ما): نكرة موصوفة، والجملة بعدها صفتها. وقال أيضا:
هي موصولة، والجملة بعدها صلتها، فله قولان، والخبر محذوف، التقدير على الأول: شيء أصبرهم على النار عظيم، وعلى الثاني: الّذي أصبرهم على النار شيء عظيم. وقال الفراء، وابن درستويه: (ما) استفهامية مشوبة بتعجب والجملة بعدها خبر عنها، والتقدير: أيّ شيء أصبرهم على النّار؟! وهناك قول خامس: أنّ (ما) نافية؛ أي: فما أصبرهم الله على النار، أي:
ما منحهم الصّبر... إلخ. وهذا ضعيف جدّا.
وهناك خلاف في (أفعل) فهو فعل عند البصريين، وهو المعتمد، وهو اسم عند الكوفيين، كما يترتب عليه خلاف في نصب الاسم بعده، هل هو مفعول به، أو هو مشبّه بالمفعول به.
﴿عَلَى النّارِ﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. واللام للبعد. والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أنّ)، حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها، والجملة الفعلية ﴿نَزَّلَ الْكِتابَ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ؛ أي:
стр. 399
ذلك العذاب مستحق بسبب كونهم... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾ وهو أولى من تعليقهما بالفعل قبلهما.
﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها، والجملة الفعلية صلته لا محل لها. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة، (في ﴿شِقاقٍ﴾): متعلّقان بمحذوف خبر (إنّ).
﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة شقاق، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الْكِتابَ،﴾ والرابط:
الواو، وإعادة الكتاب بلفظه للتعظيم، والتنويه بشأنه، ورفعة قدره.
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾
الشرح: من هنا بداية النصف الثاني من السّورة الكريمة على وجه التّقريب، ونصف السّورة السّابق كان متعلقا بأصول الدّين، وبقبائح اليهود، ومساوئهم، وهذا النصف غالبه متعلق بأحكام الإسلام الفرعية تفصيلا: من صيام، وحج، وطلاق، وعدة، كما ستراه مفصلا؛ إن شاء الله تعالى، ووجه المناسبة: أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة: أنّ أهل الكتاب اختلفوا في دينهم اختلافا كبيرا صاروا بسببه في شقاق بعيد، ومن أسباب شقاقهم أمر القبلة؛ إذ أكثروا الخوض فيه، وأنكروا على المسلمين التحوّل إلى استقبال الكعبة، وادّعى كلّ من الفريقين: اليهود، والنصارى:
أن الهدى مقصود على قبلته، فردّ الله عليهم، وبيّن: أنّ العبادة الحسنة، وعمل البر ليس بتوجّه الإنسان جهة المشرق، والمغرب، ولكن بطاعة الله، وامتثال أوامره، وبالإيمان الصّادق الرّاسخ.
هذا؛ والآية الكريمة، كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، دالة عليها صريحا، أو ضمنا، فإنّها بكثرتها، وتشعّبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحّة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس، ولذلك وصف المستجمع لها بالصّدق نظرا إلى إيمانه، واعتقاده، وبالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق، ومعاملته مع الحقّ، وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: «من عمل بهذه الآية؛ فقد استكمل الإيمان». وإليك التفصيل:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ البر: كلمة جامعة لخصال الخير الدنيوية، والأخروية من قول، أو عمل، أو اعتقاد، وهو بكسر الباء، وهو بضم الباء: القمح، ونحوه ممّا يقتات، ويؤكل، وهو بفتحها:
البار بوالديه، وبأرحامه، وهو أيضا اسم من أسماء الله الحسنى، وهو أيضا: الأرض الفلاة،
стр. 400
والأرض اليابسة ما عدا البحر. ﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ:﴾ توجّهوا، أي: في الصلاة. ﴿قِبَلَ:﴾ جهة.
﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ:﴾ انظر الآية رقم [١١٥]. ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ تقدّم شرح هذه الكلمات مفصّلا في محاله.
﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ في مرجع الضّمير قولان: أحدهما: يرجع إلى المال نفسه؛ أي: إنّ المؤتي محتاج إليه، وهو مع ذلك يؤثر غيره به. والثاني: يرجع إلى الله تعالى؛ أي: يؤتي المال على حبّ الله تعالى. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الدّهر): ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾.
هذا و ﴿الْمالَ﴾ قال فيه ابن الأثير: وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم، وقال الجوهريّ: ذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسّان-﵁: [البسيط]
المال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال
وعن المفضل الضّبّيّ: المال عند العرب: الصّامت، والنّاطق، فالصّامت: الذهب، والفضة، والجواهر، والناطق: البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فهو الناطق، وإذا قلت عن حضري: كثر ماله؛ فهو الصّامت. هذا؛ والنّشب: يطلق على المال الثابت، كالضّياع، والدّور، وقد قال عمرو بن معديكرب الزّبيدي-﵁-في ذلك-وهو الشاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ورقم [٤٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
﴿ذَوِي الْقُرْبى:﴾ أصحاب القرابات من جهة الأب، أو الأم. والإنفاق عليهم مع حاجتهم للمال أفضل من الإنفاق على الغرباء؛ لأنه صدقة، وصلة، فعن سليمان بن عامر-﵁-عن النبيّ ﷺ قال: «الصّدقة على المسكين صدقة، وعلى ذوي الرّحم ثنتان: صدقة، وصلة»، أخرجه النّسائي، والترمذي. وفضّل الرسول ﷺ الصدقة على الأقارب على عتق الرّقاب. فقال لميمونة زوجه، وقد أعتقت وليدة: «أما إنّك لو أعطيتها أخوالك؛ كان أعظم لأجرك». وعن عبد الله بن عمر ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّما رجل أتاه ابن عمّه، فسأله من فضله، فمنعه؛ منعه الله فضله يوم القيامة». أخرجه الطّبرانيّ، وقال زهير بن أبي سلمى: [الطويل]
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله... على قومه يستغن عنه ويذمم
﴿وَالْيَتامى:﴾ انظر الآية رقم [٨٣]. (﴿الْمَساكِينَ﴾) جمع مسكين، وهو ممن دخله لا يقوم بكفايته، والفقير أسوأ حالا منه. (﴿اِبْنَ السَّبِيلِ﴾): المسافر، والمنقطع في سفره، وأطلق عليه ابن السبيل لملازمته الطّريق. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٢٦] ومثلها في سورة (الروم) رقم [٣٨]: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. هذا؛ واختلف: هل يعطى اليتيم
стр. 401
من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصّلة، وإن كان غنيّا، أو لا يعطى؛ حتى يكون فقيرا؟ قولان للعلماء، وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة على ما بيّنته، أما الزكاة الواجبة؛ فلا يعطى منها إلا إذا كان فقيرا.
﴿وَالسّائِلِينَ:﴾ جمع: سائل، وهو الذي يطلب منك المال، ويريد منك المساعدة، والعون، وقد حثّ الرّسول ﷺ على إعطاء السّائل، وبذل المال له مهما كان قليلا، ومهما كانت هيئة السّائل، وحالته، فقد قال ﷺ : «لا تردّوا السّائل ولو بظلف محرق». وقال: «أعطوا السّائل ولو جاء على ظهر فرس». وإن كان ضعيفا. وفي رواية للإمام أحمد، وأبي داود: «للسّائل حقّ؛ وإن جاء على فرس». وفي الوقت نفسه حذر الرّسول ﷺ من السؤال، والمسألة، وشدّد النكير على الذين يتسوّلون. وخذ ما يلي:
فعن عبد الله بن عمر-﵄: أنّ النبي ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتّى يلقى الله تعالى؛ وليس في وجهه مزعة لحم». أخرجه البخاري، ومسلم.
وعنه أيضا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسألة كلوح في وجه صاحبها يوم القيامة، فمن شاء استبقى على وجهه». رواه الإمام أحمد.
فالرّسول ﷺ يريد من المسلم أن يكون عزيز النفس، مرفوع الرأس، لذا نفّر من السؤال، والمسألة، ورغّب في العمل، فعن الزّبير بن العوّام-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ :
«لأن يأخذ أحدكم أحبله، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكفّ بها وجهه خير له من أن يسأل النّاس أعطوه، أم منعوه» وغير ذلك. وخذ هذه الطرفة عن الأصمعي-رحمه الله تعالى -حيث قال: مررت في بعض سكك الكوفة؛ فإذا برجل قد خرج من حشّ وعلى كتفه جرّة، وهو يقول: [الطويل]
وأكرم نفسي إنّني إن أهنتها... وحقّك لم تكرم على أحد بعدي
فقلت له: أتكرمها بمثل هذا؟ قال: نعم، وأستغني عن مسألة مثلك: إذا سألته، ثم قال:
صنع الله بك، وترك! فقلت: تراه عرفني، فأسرعت، فصاح بي، وأنشد: [الوافر]
لنقل الصّخر من قلل الجبال... أحبّ إليّ من منن الرّجال
يقول النّاس كسب فيه عار... وكلّ العار في ذلّ السّؤال
﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ أي: فكّها من الرّقّ، والعبودية يوم كانت موجودة، وذلك بالمكاتبة، أو فكّ الأسارى. وإعطاء المال لهؤلاء، والحثّ عليه المراد به غير الزكاة المفروضة، وغير الكفّارات على جميع أنواعها، وإنّما هو على سبيل القرب بدليل عطف الزكاة عليه فيما يلي.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا:﴾ هم الذين إذا وعدوا؛ أنجزوا، وإذا نذروا؛ وفّوا، وإذا حلفوا؛ بروا في أيمانهم. وإذا قالوا؛ صدقوا في أقوالهم، وإذا ائتمنوا؛ أدّوا الأمانة. خازن.
стр. 402
وانظر الآية رقم [٥١]. وهذه صفات المؤمنين الحقيقيين، ونقيضها صفات المنافقين الكذّابين، المخادعين ﴿وَالصّابِرِينَ:﴾ انظر: الآية رقم [٤٥].
﴿الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ:﴾ اسمان مشتقان من البؤس، والضر بضم الباء والضاد، ولا فعل لهما؛ لأنهما اسمان، وليسا بنعت، وعن الأزهريّ: البأساء في الأموال، كالفقر، والضرّاء في الأنفس، كالمرض، وبعبارة أوضح أقول: البؤس: الشرّ، والجهد، والشدّة، مؤنّثه: بؤسى بوزن رجعى، وتمدّ فتفتح الباء، كما في هذه الآية، وغيرها.
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي: حين شدّة القتال في سبيل الله، قال الإمام عليّ-﵁: كنّا إذا اشتدّ البأس؛ اتّقينا برسول الله ﷺ .
﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر، ﴿الْمُتَّقُونَ:﴾ أي: الذين امتثلوا أمر الله فيما أمر، وفيما نهى عنه. هذا؛ وجاء الخبر في الجملة الأولى فعلا ماضيا: ﴿صَدَقُوا﴾ لإفادة التحقيق، وأن ذلك وقع منهم، واستقرّ، وجاء الخبر في الجملة الثانية جملة اسمية: ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ليدل على الثبوت، وأنه ليس متجدّدا، بل صار كالسّجيّة لهم، ومراعاة للفاصلة أيضا. ووصفهم الله بالصدق في الأقوال، والأعمال، والتّقوى في أمورهم والوفاء بها، وهذا غاية الثناء. والصّدق:
خلاف الكذب، ويقال: صدقوهم القتال بمعنى: ثبتوا في الميدان، والصّدّيق: الملازم للصّدق، وفي الحديث الصّحيح: «عليكم بالصّدق، فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرّجل يصدق، ويتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند الله صدّيقا». أخرجه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن عبد الله بن مسعود-﵁-عن النّبي ﷺ .
تنبيه: جاء (﴿الصّابِرِينَ﴾) منصوبا بالياء، والأصل أن يكون مرفوعا عطفا على ما قبله، وإنما نصب على الاختصاص، أو المدح؛ أي: وأخص بالذّكر، أو أمدح الصابرين، وهذا الأسلوب معروف عند البلغاء، فإذا ذكرت صفات للمدح، أو الذمّ، وخولف الإعراب في بعضهما؛ فذلك تفنّن، ويسمّى: قطعا؛ لأن تغيير المألوف يدل على مزيد اهتمام بشأنه، وتشويق لسماعه. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [١٦٢]: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾.
تنبيه: يطعن المستشرقون، والملحدون من أبناء المسلمين في الإسلام، وينعتونه بالقسوة، وبأنّه عمل على تكديس الرقّ، وتكريسه، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٣] من سورة (النور) تجد الجواب كافيا شافيا بحمد الله، وتوفيقه.
الإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿الْبِرَّ:﴾ خبر: ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تُوَلُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخّر. وهذه قراءة حفص، وقرأ الباقون برفع («البر») على أنّه اسم:
стр. 403
﴿لَيْسَ﴾ والمصدر المؤول في محل نصب خبرها، التقدير: ليس البرّ توليتكم وجوهكم، وعلى الأول: ليس توليتكم وجوهكم البرّ، والقراءتان حسنتان، كقوله تعالى في سورة (الروم) رقم [١٠]: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى..﴾. إلخ. وقوله تعالى في سورة (الحشر) رقم [١٧]:
﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ وقوله تعالى في سورة (الجاثية) رقم [٢٥]: ﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا﴾.
﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿قِبَلَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿الْمَشْرِقِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْبِرَّ:﴾ اسمها. هذا؛ وقرئ بتخفيف نون (﴿لكِنَّ﴾) ورفع («البر») على أنه مبتدأ، و (﴿لكِنَّ﴾) حرف استدراك مهمل لا عمل له، والخبر محذوف على الوجهين؛ إذ التقدير: برّ من... إلخ، وعليه ف ﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بإضافة ذلك المحذوف إليه. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، ويجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا، أو نكرة موصوفة بمعنى شخص، وهو يشمل الذّكر، والأنثى. ﴿بِاللهِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها.
(﴿الْيَوْمِ﴾) و (﴿الْمَلائِكَةِ﴾) و (﴿الْكِتابِ﴾) و (﴿النَّبِيِّينَ﴾): هذه الأسماء كلّها معطوفة على لفظ الجلالة، و ﴿الْآخِرِ﴾ صفة: (﴿الْيَوْمِ﴾).
﴿وَآتَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿الْمالَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿آمَنَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿عَلى حُبِّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المال، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والمفعول محذوف، أو من إضافة المصدر لمفعوله، والفاعل محذوف، وذلك بحسب مرجع الضمير كما رأيت في الشرح. ﴿ذَوِي:﴾ مفعول به ثان ل (﴿آتَى﴾) لأنه بمعنى: أعطى فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿ذَوِي:﴾ مضاف، و ﴿الْقُرْبى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿ذَوِي﴾ فهي منصوبة مثله، و (﴿اِبْنَ﴾): مضاف، و ﴿السَّبِيلِ﴾ مضاف إليه.
﴿وَالسّائِلِينَ:﴾ معطوف أيضا فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.
﴿وَفِي الرِّقابِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وآتى المال في فكّ الرقاب، وعليه فالجار والمجرور في محلّ نصب مفعوله الثاني، والمضاف محذوف، وهذه الجملة المقدرة على جملة الصّلة أيضا، وجوز عطف الجار والمجرور على: ﴿ذَوِي﴾ بدون تقدير فعل، ولكن الأول أقوى، والجملتان: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ معطوفتان على جملة الصّلة، لا محل لهما مثلها.
стр. 404
﴿وَالْمُوفُونَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: العطف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ والتقدير: ولكن البر المؤمنون، والموفون، والثاني: هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: وهم الموفون. الثالث: هو معطوف على الضمير في: ﴿آمَنَ﴾ فهو مرفوع على جميع الاعتبارات، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضّمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع لاسم فاعل. ﴿بِعَهْدِهِمْ:﴾
متعلقان ب (﴿الْمُوفُونَ﴾)، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية متعلق ب (﴿الْمُوفُونَ﴾) أيضا، مبني على السكون في محل نصب.
﴿عاهَدُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.
﴿وَالصّابِرِينَ:﴾ منصوب على المدح بفعل محذوف، التقدير: أمدح، أو أخص، ونحوه، وقال مكي: أو على العطف على ﴿ذَوِي الْقُرْبى﴾ وقال: وإذا عطفت على ﴿ذَوِي﴾ لم يجز أن ترفع: ﴿وَالْمُوفُونَ﴾ إلا على العطف على المضمر في: ﴿آمَنَ﴾ ليكون داخلا في صلة: ﴿مَنْ﴾.
هذا والجملة الفعلية: «أمدح الصابرين» معطوفة في المعنى على ما قبلها، ويجوز اعتبارها مستأنفة. وفاعل (﴿الصّابِرِينَ﴾) مستتر فيه. ﴿فِي الْبَأْساءِ:﴾ متعلقان ب (﴿الصّابِرِينَ﴾). ﴿وَالضَّرّاءِ:﴾
معطوف على ما قبله. (﴿حِينَ﴾): ظرف زمان معطوف على الجار والمجرور قبله، فهو متعلق ضمنا ب (﴿الصّابِرِينَ﴾) وانظر ما ذكرته في سورة (النساء) في الآية رقم [١٦٢].
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة بعده صلته، والمتعلق محذوف، أي: صدقوا في الإيمان، وفعل البر. والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ مثل سابقه. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُتَّقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و ﴿الْمُتَّقُونَ﴾ خبره. والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، ومؤكّدة لها، لا محل لها مثلها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان! وقد خاطب
стр. 405
الله عباده المؤمنين بهذا النّداء في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن الكريم، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطّاعة، والامتثال، وإنّما خصّهم الله بهذا النّداء؛ لأنّهم هم المستجيبون لأوامره، المنتهون عمّا نهى الله عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي. ﴿كُتِبَ:﴾ فرض، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ﴾ ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الخفيف]
كتب القتل والقتال علينا... وعلى الغانيات جرّ الذّيول
﴿الْقِصاصُ:﴾ القود الذي هو قتل القاتل فقط لا يتجاوز إلى غيره، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٣]: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.
والإسراف: هو قتل غير القاتل: انظر شرحها هناك. هذا؛ والقصاص لا يقيمه إلا أولو الأمر، فلو ترك لوليّ القتيل؛ تقع الفوضى في المجتمع، ويختلّ النظام الاجتماعي. ﴿الْقَتْلى﴾ جمع:
قتيل، لفظه مؤنث تأنيث الجماعة، وهو ممّا يدخل على الناس المساءة، فلذلك جاء على هذا البناء، كجرحى، وزمنى، وحمقى، وصرعى، وغرقى. هذا؛ وخذ ما يلي: [مجزوء الخفيف]
إنّ قومي تجمّعوا... وبقتلي تحدّثوا
لا أبالي بجمعهم... كلّ جمع مؤنّث
﴿الْحُرُّ﴾ هو الذي لا ملك لأحد فيه. و (﴿الْعَبْدُ﴾) بخلافه. هذا؛ وقد اختلف في تأويل الآية، فقالت طائفة: جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حرّا، والعبد إذا قتل عبدا، والأنثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة، وفيها إجمال يبينه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٤٥]: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ..﴾. إلخ وبينه النّبيّ ﷺ بسنّته لما قتل اليهوديّ بالمرأة.
وذهب أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-إلى أنّ الحرّ يقتل بالعبد لعموم آية المائدة المذكورة، وهو مروي عن عليّ، وابن مسعود، ﵁. قال البخاريّ-رحمه الله تعالى-: يقتل السيد بعبده لعموم قول النّبيّ ﷺ : «من قتل عبده؛ قتلناه، ومن جدع عبده؛ جدعناه، ومن خصاه؛ خصيناه».
وخالفهم الجمهور، فقالوا: لا يقتل الحرّ بالعبد؛ لأنّ العبد سلعة، لو قتل خطأ؛ لم يجب فيه دية، وإنّما تجب فيه قيمته، ولأنه لا يقاد بطرفه، ففي النفس بطريق الأولى. وذهب الجمهور إلى أنّ المسلم لا يقتل بالكافر؛ لما ثبت عن البخاري في عليّ-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا يقتل مسلم بكافر» ولا يصحّ حديث، ولا تأويل يخالف هذا. وأما أبو حنيفة؛ فذهب إلى أنّه يقتل به لعموم آية المائدة المذكورة، وقد عيب عليه ذلك، وقد أفتى أبو يوسف-﵀-بذلك، وقد قال بعض الشعراء ذامّا له، بل ومتهجّما عليه، خذ قوله: [السريع]
стр. 406
يا قاتل المسلم بالكافر... جرت وما العادل كالجائر
يا من ببغداد وأطرافها... من فقهاء النّاس أو شاعر
جار على الدّين أبو يوسف... بقتله المسلم بالكافر
فاسترجعوا وابكوا على دينكم... واصطبروا إنّ الأجر للصّابر
أقول وبالله التوفيق: لو أقيمت الحدود الشّرعية في هذه الأيام؛ لوجب قتل المسلم بالكافر، والسّبب في ذلك تغيّر الأوضاع الاجتماعية، كما لا يخفى.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي: سمح بأن تنازل وليّ المقتول عن بعض حقّه، أو تنازل عن قتل القاتل إلى أخذ الدّية، وفي ذكر ﴿أَخِيهِ﴾ تعطّف، وتلطّف داع إلى العفو، وإعلام من الله تعالى لعباده المؤمنين بأن القتل لا يقطع أخوّة الإيمان بينهم.
﴿فَاتِّباعٌ﴾ أي: فمطالبة من العافي، أو المتنازل عن بعض حقّه للقاتل. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾
باللطف، والرّفق. ﴿وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ﴾ أي: وعلى القاتل الذي تنازل له وليّ المقتول عن بعض حقّه أن يؤدّي ما عليه بإحسان؛ أي: بلا بخس للحقّ، ولا مطل، ولا خداع.
﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى الحكم المذكور من جواز القصاص، والعفو عنه إلى الدّية، أو إسقاط بعضها. ﴿تَخْفِيفٌ:﴾ تسهيل، وتيسير. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: من الله تعالى بكم حيث وسع في ذلك، ولم يحتّم واحدا منهما، كما حتم على اليهود القصاص، وعلى النصارى الدّية، لا يجوز لكلّ ملّة منهم أن تأخذ بغير ما فرض الله عليها، وفي هذا تضييق على كلّ من وليّ المقتول، والقاتل، وقد خير الله هذه الأمة بين القود، والدّية، وأيضا العفو تيسير عليها، وقال تعالى في آية المائدة بعد ذكر القصاص: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ فندب إلى رحمة العفو، والصدقة.
﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ﴾ أي: بأن قتل وليّ المقتول القاتل، أو تعرّض له بسوء بعد أخذ الدية، أو بعد العفو عنه. قال الحسن البصريّ-رحمه الله تعالى-: كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلا؛ فرّ إلى قومه، فيجيء قومه، فيصالحون بالدّية، فيقول وليّ المقتول: إنّي أقبل بالدّية، حتّى يأمن القاتل، ويخرج، فيقتله، ويرمي إليهم بالدّية. واختلف فيمن قتل بعد أخذ الدية، فقال جماعة من العلماء، ومنهم: مالك، والشّافعي: هو كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه، وعذابه في الآخرة. وقال قتادة، وعكرمة، والسّدي، وغيرهم: عذابه أن يقتل البتّة، ولا يمكّن الحاكم الوليّ من العفو. وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله-﵄-قال:
قال رسول الله ﷺ : «لا أعفي من قتل بعد أخذه الدّية». وهذا دعاء عليه، أي: لا كثر ماله، ولا استغنى، ولا أعفاه الله من عذاب الآخرة. وفي سنن الدّارقطني عن أبي شريح الخزاعي-رضي
стр. 407
الله عنه-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أصيب بدم، أو خبل-والخبل: العرج-فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرّابعة، فخذوا على يديه بين أن يقتصّ، أو يعفو، أو يأخذ العقل، فإن قبل شيئا من ذلك ثمّ عدا بعد ذلك؛ فله النّار خالدا فيها مخلّدا».
هذا؛ وإذا قتل الابن أباه؛ يقتل حتما، وإذا قتل الأب ابنه؛ فيه خلاف، ومذهب مالك: أنّه يقتل إذا قتل ابنه متعمدا، مثل أن يضجعه، ويذبحه، أو يصبره، ويضربه، مما لا عذر له فيه، ولا شبهة في ادّعاء الخطأ: أنّه يقتل به قولا واحدا، فأمّا إن رماه بالسّلاح أدبا، أو حنقا، فقتله، ففيه في المذهب قولان. وقال الشّافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: لا قود فيه، وعليه ديته، فقد روى الدّارقطني، وأبو عيسى التّرمذيّ عن سراقة بن مالك-﵁ قال: حضرت رسول الله ﷺ ، يقيد للأب من ابنه، ولا يقيد للابن من أبيه. قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه من حديث سراقة إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بصحيح.
وقد استدل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بهذه الآية على قوله: لا تقتل الجماعة بالواحد، قال: لأنّ الله سبحانه شرط المساواة، ولا مساواة بين الجماعة والواحد، وقد قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها..﴾. إلخ، والجواب: أنّ المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل كائنا من كان ردّا على العرب؛ التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم يقتل، وتقتل في مقابلة الواحد مائة افتخارا، واستظهارا بالجاه، والمقدرة، فأمر الله سبحانه بالعدل، والمساواة، وذلك بأن يقتل من قتل، وقد قتل عمر-﵁-سبعة برجل بصنعاء، وقال: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا). وقتل عليّ-﵁-طائفة من الخوارج نسبوا إلى حروراء بعبد الله بن خبّاب. وفي الترمذيّ عن أبي سعيد، وأبي هريرة-﵄-عن رسول الله ﷺ قال:
«لو أنّ أهل السّماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبّهم الله في النّار». وأيضا فلو علم الجماعة: أنهم إذا قتلوا الواحد لم يقتلوا؛ لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم، وبلغوا الأمل من التشفّي. ومراعاة هذه القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ. هذا؛ ولا تنس أنّ هنا فعلا محذوفا، التقدير: فمن اعتدى بعد ذلك، فقتل. ومثله آية الصّيام الآتية.
تنبيه: قيل: نزلت الآية الكريمة في الأوس، والخزرج، وكان لأحد الحيّين زيادة على الآخر في الكثرة، والشرف، وكانت حصلت بينهم حروب، ووقعت دماء كثيرة، فأقسم الفريق المتعالي بكثرته. لنقتلنّ بالعبد منّا الحر منهم، وبالمرأة منا الرّجل منا الرّجلين منهم، فلمّا أسلموا جميعا، وأرادوا المصالحة فيما بينهم؛ رفعوا أمرهم إلى النبي ﷺ فأنزل الله هذه الآية الكريمة، وأمرهم بالمساواة، فرضوا، وسلّموا. وانظر آية (المائدة).
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب «أدعو»، أو: أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له من الإعراب، أقحم
стр. 408
للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من لفظ (﴿أَيُّهَا﴾).
وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف: صلة الموصول، لا محل لها، ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿الْقِصاصُ:﴾ نائب فاعل، ﴿فِي الْقَتْلى:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْقِصاصُ﴾. وقيل: الفاء للسببية، فتكون متعلقة بالفعل ﴿كُتِبَ﴾. والجملة الفعلية ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الْحُرُّ:﴾ مبتدأ.
﴿بِالْحُرِّ﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ؛ أي: مقتول ومأخوذ بالحرّ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، واعتبارها مفسرة للقصاص معنى مقبول، والجملتان الاسميتان بعدها معطوفتان عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿عُفِيَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وهو مبني للمجهول. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَخِيهِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٌ﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّ من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿شَيْءٌ﴾ نائب فاعل: ﴿عُفِيَ﴾. ﴿فَاتِّباعٌ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط، (اتباع): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فعليه اتباع، وقيل:
خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالأمر اتباع، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت فيما سبق. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة: ﴿عُفِيَ..﴾. إلخ صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ خبره، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشّرط في العموم، والجملة الاسمية مستأنفة على الاعتبارين لا محل لها. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان ب (اتباع) لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له.
(﴿أَداءٌ﴾): مبتدأ، خبره محذوف، أي: وعلى القاتل أداء، أو بمحذوف صفة له. ﴿بِإِحْسانٍ:﴾
متعلقان بما تعلق به: ﴿إِلَيْهِ،﴾ وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المجرور ب (إلى) وهو ضعيف.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿تَخْفِيفٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وأجيز اعتبارها في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الجملة السابقة، والرابط اسم الإشارة. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب (﴿تَخْفِيفٌ﴾) لأنه صفة مشبهة، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على: ﴿تَخْفِيفٌ﴾. ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ إعرابه
стр. 409
مثل إعراب سابقه. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وتتمة الكلام مثل ما قبله بلا فارق.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾
الشرح: ﴿الْقِصاصُ﴾ انظر الآية السابقة. ﴿حَياةٌ:﴾ بقاء عظيم، وهذا كلام في غاية الفصاحة، والبلاغة من حيث جعل الشيء محلّ ضدّه، وعرّف ﴿الْقِصاصُ﴾ ونكّر الحياة؛ ليدلّ على أن في هذا الجنس من الحكم نوعا من الحياة عظيما، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل، فيكون سبب حياة نفسين، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل، ويقتلون الجماعة بالواحد، فتثور الفتنة بينهم، فإذا اقتصّ من القاتل؛ سلم الباقون، ويصير ذلك سببا لحياتهم. انتهى بيضاوي. وهذا الحكم غير مختص بالقصاص الذي هو القتل، بل يدخل فيه جميع الجروح، والشّجاج، وغير ذلك؛ لأن الجارح إذا علم أنّه إذا جرح؛ جرح؛ لم يجرح، فيصير ذلك سببا لبقاء الجارح، والمجروح، وربما أفضت الجراحة إلى الموت، فيقتص من الجارح، وانظر ما ذكرته في سورة (المائدة) رقم [٣٨] تجد ما يسرك.
وقيل في معنى الآية: إنّ الحياة: سلامته من قصاص الآخرة، فإنّه إذا اقتصّ منه في الدنيا؛ لم يقتص منه في الآخرة، وفي ذلك حياته، وإذا لم يقتصّ منه في الدنيا؛ اقتص منه في الآخرة.
انتهى خازن. وهذا لا يناسب معنى الآية، ولكن صريح قول الرسول ﷺ : «من عوقب في الدّنيا؛ فهو كفّارة له» هو الذي يفيد ما ذكرته، وانظر سورة (المائدة) آية [٣٣].
هذا؛ وقد اتّفق علماء البيان على أنّ هذه الجملة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ بالغة أعلى درجات البلاغة. ونقل عن العرب في هذا المعنى قولهم: «القتل أنفى للقتل» ولكن شتّان ما بين الآية الكريمة من البلاغة، وبين قول العرب، فقد جعلت الآية الكريمة سبب الحياة القصاص، وهو القتل عقوبة على وجه التماثل، وقول العرب جعل سبب الحياة القتل، ومن القتل ما يكون ظلما، فيكون سببا للفناء، وتصحيح العبارة أن يقال: القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما. والآية الكريمة جاءت خالية من التكرار اللفظي، وقول العرب كرر فيه لفظ (القتل) فمسّه بهذا التكرار من الثقل ما سلمت منه الآية. وقد ذكر وجوه كثيرة من التفريق بين الآية الكريمة، واللفظة العربية، وقد ذكرها السّيوطي في الإتقان. وانظر ما ذكرته في قوله تعالى في سورة (الأنبياء) آية [٢٣]: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾.
стр. 410
(﴿أُولِي﴾): أصحاب، ولا واحد له من لفظه، وإنّما واحده «ذي» المضاف، إن كان مجرورا، و «ذا» المضاف إن كان منصوبا، و «ذو» المضاف إن كان مرفوعا. ﴿الْأَلْبابِ:﴾ العقول، جمع:
لب، وهو العقل الخالي من الهوى، سمّي بذلك لأحد وجهين: إما لبنائه من: لبّ بالمكان:
أقام به، وإما من اللّباب، وهو الخالص من كل شائبة. هذا؛ واللبيب: العاقل الفاهم، والجمع: ألباء، والأنثى لبيبة، وجمعها: لبيبات ولبائب، واللّب: خالص كلّ شيء. انظر الآية رقم [١٩٦] الآتية، ففيها بحث جيد. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ انظر الآية رقم [٢١]، والمراد هنا:
لعلكم تتقون القتل، أي: تبتعدون عنه مخافة القصاص. وانظر الآية رقم [١٨١] الآتية.
الإعراب: ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَكُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْقِصاصِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بخبر ثان، كما جوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، واعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من: ﴿حَياةٌ﴾ ضعيف؛ لأن كثيرا من النحاة، لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ.
﴿حَياةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿يا أُولِي:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب: أدعو. (﴿أُولِي﴾): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السّالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و ﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه، والجملة النّدائية، ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.
﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ) والجملة الاسمية فيها معنى التعليل لما قبلها.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾
الشرح: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ:﴾ فرض عليكم. ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: إذا حضرت أمارته، كالمرض المخوف؛ الذي لا يرجى برؤه، وحضور الموت: وجود أسبابه، ومتى حضر السبب كنّت به العرب عن المسبّب، قال عنترة: [الوافر]
وإنّ الموت طوع يدي إذا ما... وصلت بنانها بالهندواني
﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ أي: مالا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٥] فإنه جيد، وشرح (أحد) في الآية رقم [٩٦]. هذا وعبر عن المال بالخير؛ لأن الإنسان يكسب به العزة، والشرف، والأجر، والثواب، وقد يكون العكس؛ إذا كسبه من حرام، وأنفقه في حرام. ﴿الْوَصِيَّةُ:﴾ هي تبرع بشيء
стр. 411
مضاف لما بعد الموت. ﴿لِلْوالِدَيْنِ:﴾ فيه تغليب الوالد على الوالدة، ومثله: الأبوان.
﴿وَالْأَقْرَبِينَ:﴾ جمع: الأقرب، بمعنى القريب، وليس صيغة تفضيل. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ بالعدل بأن لا يزيد على الثلث، ولا يفضل الغني لغناه، وهو بخلافه في الآية رقم [١٧٧] ﴿حَقًّا:﴾ واجبا ثابتا، من: حقّ، يحقّ، بمعنى: وجب، يجب.
تنبيه: حكم هذه الآية كان في بدء الإسلام، فنسخ بآية المواريث الموجودة في سورة النساء، وبقول النبي ﷺ : «إنّ الله أعطى كلّ ذي حقّ، حقّه، ألا لا وصيّة لوارث؛ إلاّ أن يجيزها باقي الورثة». رواه أصحاب السنن عن عمرو بن خارجة، ﵁. وقيل: هي غير منسوخة؛ لأنها نزلت في حقّ من ليس بوارث بسبب الكفر؛ لأنّ الرّجل كان يسلم، ووالداه يبقيان على كفرهما، فلذا استحقا الوصية؛ لأن الإسلام قطع الإرث بين المسلم، والكافر، فشرعت الوصية قضاء لحقّ القرابة ندبا، وعلى هذا لا يراد ب ﴿كُتِبَ﴾ فرض، وبقيت ندبا بحدود الثلث؛ حتى لا تجحف بورثته، كما ثبت في الصحيحين: أن سعد بن أبي وقاص-﵁، قال: يا رسول الله! إنّ لي مالا، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال:
«لا» قال: فبالشطر؟ قال: «لا» قال: فبالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير. إنّك إن تذر ورثتك أغنياء؛ خير من أن تدعهم عالة، يتكفّفون النّاس».
هذا؛ والوصية لوارث موقوفة على إجازة الورثة، فقد روى الدّارقطني عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجوز الوصيّة لوارث؛ إلاّ أن يشاء الورثة». وروى أيضا عن عمرو بن خارجة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا وصيّة لوارث إلاّ أن تجيز الورثة».
هذا؛ والوصية سنّة مؤكّدة، فقد أخرج الدّارقطني عن أبي أمامة، ومعاذ بن جبل-﵄-عن النبي ﷺ ، قال: «إنّ الله تصدّق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم، زيادة لكم في حسناتكم؛ ليجعلها لكم زكاة». وعن عبد الله بن عمر-﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال:
«ما حقّ امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين» وفي رواية: «ثلاث ليال، إلاّ ووصيّته مكتوبة عنده». قال نافع مولى ابن عمر: سمعت عبد الله بن عمر-﵄-يقول: ما مرّت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك؛ إلا وعندي وصيتي مكتوبة. رواه مالك، والستّة.
وعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات على وصيّة مات على سبيل، وسنّة، ومات على تقى، وشهادة، ومات مغفورا له». أخرجه ابن ماجة.
هذا؛ والرسول ﷺ فضّل الصّدقة، وأعمال الخير في حال الصّحّة، على حال المرض، ودنو الموت، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أيّ الصدقة أعظم أجرا؟ قال: «أن تصدّق، وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتّى إذا بلغت الحلقوم؛ قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا؛ وقد كان لفلان كذا».
стр. 412
رواه الستّة إلا الترمذيّ. وعن أبي سعيد الخدري-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لأن يتصدّق المرء في حياته، وصحّته بدرهم خير له من أن يتصدّق عند موته بمائة». رواه أبو داود، وغيره. وعن أبي الدّرداء-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مثل الّذي يتصدّق عند موته، كمثل الّذي يهدي بعد ما يشبع». رواه النّسائيّ، وابن حبّان، وغيرهما.
هذا؛ وقد حذّر الرّسول ﷺ من الحيف في الوصية، وشدّد النكير على الذين يجورون فيها.
وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الرّجل ليعمل-أو المرأة-بطاعة الله ستّين سنة، ثمّ يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصيّة، فتجب لهما النّار» ثمّ قرأ أبو هريرة-﵁-قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حتى بلغ: «ذلك الفوز العظيم». رواه أبو داود، والترمذيّ.
وإن الذين يحرمون البنات من أملاكهم في حياتهم، ويسجّلون للذكور خاصّة؛ حرمهم الله من رحمته، وأبعدهم من رضوانه، وجنّته! وحديث بشير بن النّعمان-﵁-مشهور، ومسطور، فقد جاء إلى النبيّ ﷺ ، وقال: يا رسول الله! إن ابنة رواحة أعجبها أن أشهدك على ما وهبت لابنها. فقال سيّد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «أكلّ ولدك نحلت مثله؟» قال: لا، قال: «لا أشهد على جور! اتّقوا الله، واعدلوا في أولادكم». فالله يقول: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ،﴾ وهم يقولون: المال، والملك كلّه للذكور خاصّة، ولا حظّ فيه للإناث.
الإعراب: ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، وفي نائب الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون: ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ وذكّر الفعل للفصل، ولكون ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ مؤنثا مجازيّا، والثاني: أنه الإيصاء المدلول عليه بالوصية، أي: كتب هو، أي: الإيصاء. والثالث: أنه الجار والمجرور:
﴿عَلَيْكُمْ﴾ وهذا يتجه على رأي الأخفش، والكوفيين، وعلى الوجهين الأولين فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما في محل نصب مفعول به. انتهى جمل نقلا عن السّمين.
﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية متعلّق بالفعل قبله مبني على السّكون في محل نصب.
﴿حَضَرَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَحَدَكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمَوْتُ:﴾
فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدَكُمُ﴾. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به، واكتفى به؛ لأنّ الفعل بمعنى:
خلّى، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿إِنْ﴾ محذوف دلّ عليه لفظ الوصية، التقدير: إن ترك خيرا؛ فليوص. ﴿الْوَصِيَّةُ:﴾
نائب فاعل: ﴿كُتِبَ؛﴾ وعليه فالجملة الشرطية معترضة بين الفعل ونائب فاعله. ﴿لِلْوالِدَيْنِ:﴾
стр. 413
جار ومجرور متعلقان ب ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى، وهذا ما جرى عليه ابن هشام في المغني، وقد ردّ على الأخفش، الذي اعتبر ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿لِلْوالِدَيْنِ﴾ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وحذفت الفاء التي تقع في جواب الشرط؛ إذا كانت الجملة اسمية، كما في قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت-﵄، وهو الشاهد رقم [١٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]
من يفعل الحسنات الله يشكرها... والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان
إذ التقدير: فالله يشكرها، فقال: مردود؛ لأن الفاء لا تحذف إلا في ضرورة الشّعر، والقرآن لا ضرورة فيه، بل هو منزّه عن الضرورة، واعتبر ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ نائب فاعل ﴿كُتِبَ﴾. هذا؛ وردّ مكيّ ما تقدم بقوله: ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: فعليكم الوصية. ويبعد رفعها ب ﴿كُتِبَ﴾ لأنها تصير عاملة في ﴿إِذا﴾ فإذا كانت ﴿إِذا﴾ في صلة الوصية؛ فقد قدمت الصّلة على الموصول، ونائب فاعل ﴿كُتِبَ﴾ مضمر دلّت عليه (﴿الْوَصِيَّةُ﴾) تقديره: كتب عليكم الإيصاء إذا حضر، فالإيصاء عامل في ﴿إِذا﴾. انتهى بتصرف. وهو كلام فيه تكلّف، ثم ذكر كلاما للنّحاس بعيدا كل البعد.
﴿وَالْأَقْرَبِينَ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون فيه، وفي سابقه عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو من ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ إن كانت نائب فاعل، أي: ملتبسة بالمعروف. ﴿حَقًّا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، أي: حقّ ذلك حقّا. قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: كتبا حقّا، أو إيصاء حقّا. قال الجلال:
﴿حَقًّا﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله. أقول: وعلى تقدير فعل قبله، فجملته في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها. ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ متعلقان ب ﴿حَقًّا﴾ أو بمحذوف صفة له.
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾
الشرح: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ:﴾ فمن غيّر الإيصاء عن وجهه، إن كان موافقا للشرع من الأوصياء، والشهود. ﴿فَإِنَّما إِثْمُهُ﴾ أي: التبديل المفهوم من: ﴿بَدَّلَهُ﴾. ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أي: يبدلون الإيصاء، ولا يعود الضمير على التبديل. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ:﴾ أي: لأقوال الناس من موص، وموصى له، ووصي، وشاهد. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بأفعال الناس جميعا، فيجازي كلّ واحد بما قال، أو فعل، ولا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، وقال ابن عباس-﵄:
وقع أجر الميت الموصي على الله، وتعلّق الإثم بالّذين بدّلوا. وهذه الآية في الوصية المحكمة المعمول بها إلى الآن، وإلى يوم القيامة.
стр. 414
قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: لكن هنا وقفة من حيث إنّ الكلام السابق إنما هو في الوصية المنسوخة، التي هي للوالدين، والأقربين، والكلام في هذه الآية، والتي بعدها، إنّما هو في الوصية، التي استقر عليها الشرع، ويعمل بها إلى الآن، وإذا كان كذلك، فكيف يعود الضمير من المحكمة على المنسوخة؟! فليتأمل، فإني لم أر من نبّه على هذا. أقول: الذي جوز ذلك الاسم الجامع بينهما بغضّ النظر عن المنسوخة، والمحكمة.
الإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَدَّلَهُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) والهاء مفعول به. (﴿بَعْدَ﴾): ظرف زمان متعلق بما قبله وهو مضاف. (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، ﴿سَمِعَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير:
بعد الذي سمعه. هذا؛ وعلى اعتبار (﴿ما﴾) مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة (﴿بَعْدَ﴾) إليه، التقدير: بعد سمعه، والمتعلق محذوف، التقدير: بعد سمعه له. ﴿فَإِنَّما:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿إِثْمُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿يُبَدِّلُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: (إنما ﴿إِثْمُهُ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّما..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، فهو جيد، والمعنى لا يأباه، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية: مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾ إعرابها لا خفاء فيه، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، الغاية منها: التهديد، والوعيد لمن يغيّر في الوصيّة شيئا.
﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾
الشرح: ﴿فَمَنْ خافَ:﴾ توقّع، وقيل: معناه: علم، وهو مجاز، والعلاقة بينهما هو أنّ الإنسان، لا يخاف شيئا؛ حتى يعلم أنّه ممّا يخاف منه، فهو من باب التعبير عن السبب بالمسبّب. ومن مجيء الخوف بمعنى العلم، قوله تعالى في الآية رقم [٢٢٩] الآتية: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ انتهى جمل. هذا؛ وأمّا التّخوّف، فهو التنقّص، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٤٧] من سورة (النحل): ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾. يروى: أن عمر
стр. 415
الفاروق-﵁-قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التّخوّف: التنقّص، قال:
فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال: شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط]
تخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن
فقال عمر-﵁: أيها الناس عليكم بديوانكم، لا تضلّوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهليّة، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. هذا؛ وأصل الخوف: انزعاج في الباطن، يحصل من توقّع مكروه يقع في المستقبل، وأصل خاف: (خوف) فقل في إعلاله:
تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. ﴿جَنَفاً﴾ ميلا، من: جنف، يجنف، جنفا، قال الأعشى: [الطويل]
تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما قصدت من أهلها لسوائكا
ومنه الآية الكريمة. والجنف: الجور، قال الشاعر: [الوافر]
هم المولى وإن جنفوا علينا... وإنّا من لقائهم لزور
وقال لبيد-﵁: [الكامل]
إنّي امرؤ منعت أرومة عامر... ضيمي وقد جنفت عليّ خصوم
﴿أَوْ إِثْماً:﴾ ظلما، وخروجا عن الحقّ، ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في هذا الإصلاح؛ إذ الجنف في الوصيّة، والإثم: العمد، وعليه فمعنى الآية: إذا حضر رجل مريضا؛ وهو يوصي، فرآه يميل في وصيته، إما بتقصير، أو بإسراف، أو وضع الوصية في غير موضعها؛ فلا حرج عليه أن يأمره بالعدل في وصيته، وينهاه عن الجنف، والميل. وقيل: إن المراد به: إذا أخطأ الميت في وصيته، أو جنف متعمّدا؛ فلا حرج على وليه، أو وصيه، أو ولي أمور المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته، وبين الموصى لهم، ويردّ الحق إلى نصابه، ويقيم العدل بينهم؛ وإن حصل في الوصية تبديل، وتغيير؛ لأن فيه خيرا، بخلاف التبديل السّابق. وانظر الأحاديث التي ذكرتها في الآية السّابقة، التي تشدّد النكير على من يجوز في وصيته. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ واسع المغفرة، والرّحمة لمن قصد بعمله الإصلاح. فهما صيغتا مبالغة.
الإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): انظر الاعتبارين فيها في الآية السابقة.
﴿خافَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنْ مُوصٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿جَنَفاً﴾ كان صفة، فلما قدّم عليه صار حالا، على القاعدة المشهورة: «نعت النكرة... إلخ». وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة، لالتقاء الساكنين.
стр. 416
﴿جَنَفاً:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿إِثْماً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَأَصْلَحَ:﴾
الفاء: حرف عطف. (أصلح): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿خافَ..﴾. إلخ، ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (من) على اعتبارها شرطية، أو موصولة. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِثْمَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشّرط، أو في محل رفع خبر (من) على اعتبارها موصولة. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ هذه الجملة مفيدة للتعليل، أو هي معترضة في آخر الكلام، الغرض منها الترغيب في الإصلاح بين الناس، وعلى الاعتبارين لا محل لها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة، أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان، وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن الكريم، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكّرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطّاعة، والامتثال، وإنّما خصّهم الله بالنّداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، والمنتهون عمّا نهى الله عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.
﴿كُتِبَ:﴾ فرض. ﴿الصِّيامُ﴾ هو في اللغة: الإمساك، وقد يكون إمساكا عن الكلام على حدّ قوله تعالى لمريم ﵍: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي:
سكوتا عن الكلام، وقد يكون إمساكا عن غيره، ومنه قول النّابغة الذبياني: [البسيط]
خيل صيام وخيل غير صائمة... تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما
أي: خيل ثابتة ممسكة عن الجري، والحركة، فهي تعلك لجمها، لمنعها عن الجري، والركض، ثمّ نقل الصيام في الشرع إلى إمساك مخصوص عن الطعام، والشراب، والجماع، ونحو ذلك بنيّة مخصوصة، من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، وتمامه، وكماله باجتناب المحرّمات، وعدم الوقوع في المحظورات، لقول النبيّ ﷺ : «من لم يدع قول الزّور، والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». أخرجه البخاريّ، وغيره عن أبي هريرة ﵁. وقال أيضا: «ربّ صائم حظّه من صيامه الجوع، والعطش، وربّ قائم حظّه من قيامه الكدّ، والسّهر»، أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة، ﵁. ورحم الله من يقول: [الطويل]
стр. 417
وما صام من صامت عن الزّاد بطنه... وأذعن للآثام والشّهوات
وليس له من صومه غير جوعه... وقد باء بالخسران والحسرات
وقال آخر: [الطويل]
إذا لم يكن في السّمع منّي تصاون... وفي بصري غضّ في منطقي صمت
فحظّي من صومي هو الجوع والظّما... وإن قلت إنّي صمت يوما فما صمت
وينبغي أن تعلم: أنّ الله فرض على نبيه ﷺ في ابتداء الدّعوة إلى الإسلام صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وكانت قريش تصوم يوم عاشوراء، وكان ﷺ يصومه، ولمّا هاجر إلى المدينة رأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذا يوم صالح نجّى الله فيه بني إسرائيل من فرعون، فصامه موسى ﵇ فنحن نصومه، فقال: «أنا أحق منكم بموسى ﵊»، فصامه، وأمر بصيامه، فلما فرض الله صيام شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة؛ نسخ فرض ما تقدّم، وبقيت سنّيته، كما هو مقرر ومعلوم في الشريعة الإسلامية إلى يوم القيامة.
وقد روي: أنّ هذا الصيام لم يزل مشروعا من زمن نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.
هذا؛ وفعل المادة واوي: صام، يصوم، ومصدره: صوما، وصواما، وقد قلبت الواو ياء في الثاني لمناسبة الكسرة، ومثله: قيام، مصدر قام يقوم، فقد ذكر السيوطي رحمه الله تعالى في (همع الهوامع) في باب الإبدال ما يلي: تبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر لفعل معتل العين، موزون بفعال، نحو: قام قياما، وعاد عيادا، بخلاف عين غير المصدر، كصوان وسواك، والمصدر المفتوح أوله كرواح، أو المضمون كقوار، والمكسور الذي لم تعلّ عين فعله، ك «لاوذ، لواذا» و «عاود عوادا»، أو الموزون بفعل كالحول، وتبدل أيضا بعد كسرة من واو هي عين جمع لواحد ساكن العين، أو معتلها، صحيح اللام، موزون بفعال كثوب وثياب، وحوض وحياض، ودار وديار، وريح ورياح، بخلاف عين المفرد. انتهى.
﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ يعني من الأمم، وأنبيائهم، من لدن آدم إلى عهدكم، والمعنى: أنّ الصوم عبادة قديمة لم يخل الله أمّة إلا وقد فرضه عليها، كما فرضه عليكم، وذلك لأنّ الصوم عبادة شاقة، والشيء الشّاقّ إذا عمّ سهل عمله، وقيل: إنّ أول من صام شهر رمضان نوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
هذا؛ وقيل: إنّ صيام شهر رمضان كان واجبا على النّصارى، كما فرض علينا، فصاموا رمضان زمانا، فربما وقع في الحرّ الشديد، والبرد الشديد، وكان ذلك يشقّ عليهم في أسفارهم، ويضرّهم في معايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوه في فصل من السنة،
стр. 418
معتدل بين الصيف والشتاء، فجعلوه في فصل الرّبيع، ثم زادوا عشرة أيام كفارة لما صنعوا، فصاموا أربعين يوما، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فمه، فجعل لله عليه، إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعا، فزادوا فيه أسبوعا، ثم مات ذلك الملك بعد زمان، ووليهم ملك آخر، فقال: ما شأن هذه الثلاثة أيام؟! أتمّوه خمسين، فأتموه خمسين.
واختار هذا القول النّحاس، وقال: وهو أشبه بما في الآية، وفيه حديث يدلّ على صحته، أسنده عن دغفل بن حنظلة، عن النبي ﷺ قال: «كان على النصارى صوم شهر، فمرض رجل منهم، فقالوا: لئن شفاه الله؛ لنزيدنّ عشرة أيام، ثم كان ملك آخر، فأكل لحما، فأوجع فاه، فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدنّ سبعة أيام، ثم كان ملك آخر، فقال: لنتمّنّ هذه السبعة، ونجعل صومنا في الربيع، قال: فصار خمسين». انتهى خازن، وقرطبي، وفي الكشاف باختصار.
وأقول: ثمّ فكر علماؤهم بأنّ الامتناع من الطّعام، والشّراب طيلة النّهار، ثم الانفلات من ذلك عند المساء، والانكباب على الطّعام، والشراب هذا لا يكسر شره النفس، ولا يحقّق الحكمة من الصّوم، وهي تهذيب الأخلاق، وتأديب الجوارح، فرأوا أن يكون الامتناع عن الدسم-أي: عما يخرج من الحيوان-أردع للنفس وأزجر لها عن المعاصي، فقرّروا أن يكون الصّوم عن ما يخرج من الحيوان من اللّحم، وغيره، وهذا كلّه يخضع لقاعدة عندهم، وهي أن ما يعقد في الأرض يعقد في السّماء، وما يحلّ في الأرض يحلّ في السماء، فكأنّ وظيفة الرّبّ في نظرهم هي الموافقة على ما يحلّلون، وما يحرّمون فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ انظر الآية رقم [١٨٦] الآتية.
الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء، تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾). و (ها): حرف تنبيه، لا محل له من الإعراب، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من لفظ: (﴿أَيُّهَا﴾) وجملة:
﴿آمَنُوا..﴾. إلخ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الصِّيامُ:﴾ نائب فاعل (﴿كُتِبَ﴾) والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مبتدأة كالجملة الندائية قبلها. ﴿كَما:﴾ الكاف:
حرف تشبيه وجر، (ما): مصدرية. ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الصِّيامُ﴾. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و (ما) المصدرية، والفعل: ﴿كُتِبَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: كتب عليكم الصيام كتابة كائنة مثل كتابته على الذين. أو
стр. 419
هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الصِّيامُ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة الصيام على اعتبار (ال) فيه للجنس، وليست للتعريف، وزاد أبو البقاء وجها رابعا بقوله: صفة: (صوما) ولا وجه له. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، وجملة: ﴿تَتَّقُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.
﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾
الشرح: ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ:﴾ جاء وصف (﴿أَيّاماً﴾) في الآية رقم [٨٠]: ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ وهذا يدل على أنه يجوز في العربية استعمال اللّفظين في وصف (﴿أَيّاماً﴾) كما ترى، وهو وصف قلّة كما ترى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً:﴾ المرض المبيح للفطر هو المرض الذي تحصل معه مشقّة إذا صام الرّجل، أو المرأة، بخلاف المرض البسيط، كمرض الرّجل، واليد، وغير ذلك. ﴿أَوْ عَلى سَفَرٍ:﴾ السفر الذي يبيح الفطر تقدّر مسافته في هذه الأيام بخمسة وثمانين كيلو مترا، إذا أنشأ السفر صباحا قبل الإمساك، ولا يجوز له الفطر إذا أنشأ السفر بعد الصّبح إلا إذا لحقه مشقّة في السفر، ويشترط أن يكون السفر في طاعة، أو مباحا لتجارة، ونحوها، والرّخصة موجودة، ومشروعة، ولو كان السفر في الطّائرة، وقطع المسافة في دقائق معدودة، ولكن نقول للصّائم المسافر: إذا كان لا يتضرّر بالصيام؛ فالأولى له أن يصوم حتّى يحوز بركة أيام رمضان، ويكون مشاركا إخوانه المسلمين في صومهم، وروحانيتهم، وإذا ترخّص، وأفطر؛ فالقضاء واجب عليه، وتأكّد عليه أن يصوم؛ إذا لم يتضرّر بالصوم.
ومن الأعذار المبيحة للإفطار: الحيض، والنفاس. ولو طرأ أحدهما قبل الغروب بلحظات؛ بطل صوم المرأة، ونرجو من الله أن يثيبها على صومها يومها، وإن لم يحسب لها، وإذا انقطع دمها يقينا في اللّيل؛ يجوز لها أن تنوي الصوم، وإن لم تغتسل، وينبغي لها أن تستنجي قبل طلوع الفجر مع النية؛ حتى لا تحتاج للمبالغة بعد طلوع الفجر، ولا قضاء عليها للصّلاة، وعليها قضاء الصوم؛ لأنه لا يتكرّر، بخلاف الصلاة، فإنها تتكرّر عليهما كما هو معروف.
ومن الأعذار المبيحة للإفطار: المرأة الحامل، والمرضع؛ إذا خافتا على نفسيهما، أو على ولديهما. وأيضا الهرم، والشيخوخة؛ إذا كان الصوم يضعف الرجل، أو المرأة، ويؤثر على حركتهما، وذوو الأعمال الشاقة لا يجوز لهم أن يهملوا السحور، والنّية، من الليل، بل يجب عليهم أن يعقدوا النية على الصّوم، ويتوكّلوا على الله، وإذا حصلت لهم المشقّة أثناء النهار؛
стр. 420
فالرّخصة موجودة بقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها،﴾ وبقوله جل ذكره: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ أي: كلّ من أفطر بعذر يجب عليه أن يعدّ الأيام التي أفطرها، ثم يقضيها بعد التمكّن من القضاء إلا المريض الّذي لا يرجى برؤه، والشّيخ، والشّيخة اللذين لا يرجى صومهما بسبب الهرم، والضعف، فهؤلاء يخرجون كفارة لكلّ يوم أفطروا فيه. هذا؛ و ﴿أُخَرَ:﴾ صفة ل ﴿أَيّامٍ،﴾ و «أُخَرَ» على ضربين: ضرب جمع: أخرى تأنيث أخر، بفتح الخاء أفعل تفضيل، وضرب جمع: أخرى بمعنى: آخرة، تأنيث آخر بكسرها مقابل ل «أول»، ومنه قوله تعالى: ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ فالضرب الأول لا يصرف، والعلّة المانعة من الصّرف:
الوصف، والعدل. ولا تنس أنّ قبل: ﴿فَعِدَّةٌ..﴾. إلخ جملة محذوفة التقدير: «فأفطر».
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ:﴾ روى البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن سلمة ابن الأكوع-﵁: أنه قال: لمّا نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية الّتي بعدها، فنسختها. ومثله عن ابن عمر، ﵄، وبه قال السّدّي، والمراد بالتي بعدها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وقال ابن عباس ﵄: ليست منسوخة، هو الشّيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا. أخرجه البخاريّ عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، وعليه يكون المعنى: وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشّباب، ثم يعجزون عنه في حال الشّيخوخة فدية طعام مسكين، ولذا قرأ ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وقيل: هي محكمة، وقبلها «لا» مقدّرة، أي: لا يطيقونه لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه.
﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ:﴾ هي القدر الذي يبذله المسلم يقي نفسه به من تقصير وقع منه في عبادة، أو نحوها من كفارة يمين، أو ظهار، أو جماع في شهر رمضان، أو فعل محظور في الحجّ... إلخ، لكن ما مقدار هذه الفدية فيما ذكر؟ فالله يقول: ﴿طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ وكثير من العلماء يقولون: مدّ من قمح، وهل يكون المدّ في هذه الأيام طعام مسكين؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله، فقد روى البخاريّ رحمه الله تعالى: أنّ أنس بن مالك-﵁-أطعم بعد ما كبر عاما، أو عامين، عن كلّ يوم مسكينا خبزا، ولحما، وأفطر. فأنس-﵁-يطعم المسكين خبزا، ولحما، وهم يعطونه مدّ قمح، فكأنه بنظرهم حمامة، أو دجاجة يلتقط الحبّات بمنقاره، وانظر شرح المسكين في الآية رقم [١٧٧].
﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فهذه الخيرية تعمّ كلّ من ترخّص الإفطار بعذر من الأعذار، ويقدر على الصوم بلا مشقّة، وعناء، ما عدا الحائض، والنفساء، فإنّ فطرهما واجب، وصومهما لا ينعقد. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بركة الصيام في رمضان؛ فلا تفطروا بمجرد العذر المرخّص للإفطار.
стр. 421
الإعراب: ﴿أَيّاماً:﴾ مفعول به لفعل محذوف، دلّ عليه ﴿الصِّيامُ،﴾ التقدير: صوموا أياما، وقيل: هو ظرف متعلق بهذا المحذوف، التقدير: صوموا في أيام، وقيل: هو منصوب ب ﴿الصِّيامُ﴾ وردّه أبو البقاء للفصل بينهما. وقيل: هو منصوب ب ﴿كُتِبَ﴾ ولا وجه له؛ لأنه استوفى مفعوله، وهو الصّيام، الذي جعل نائب فاعل له، وقال الفراء: مفعول ثان له، ولا وجه له أيضا؛ لأنه ليس من الأفعال التي تنصب مفعولين إلا بتضمين بعيد. ﴿مَعْدُوداتٍ:﴾ صفة ﴿أَيّاماً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة المقدرة ب «صوموا... إلخ» مفسرة للصّيام، وهو أولى من الاستئناف. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾
فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر يعود إلى (من). ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كانَ،﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿مَرِيضاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿مَرِيضاً:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿عَلى سَفَرٍ﴾ معطوفان على قوله: ﴿مَرِيضاً﴾ فهما في محل نصب مثله. ﴿فَعِدَّةٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عدة):
خبر لمبتدإ محذوف، التقدير، فالواجب عدّة، أو هو مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: فعلية عدّة، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشّرط، وقيل:
هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: (عدّة...) إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره، فهو كلام سديد، وتقدّم كثير مثله. ﴿مِنْ أَيّامٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (عدة). ﴿أُخَرَ:﴾ صفة: ﴿أَيّامٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة والعدل، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولا تنس الجملة المقدّرة قبلها في الشرح «فأفطر».
﴿وَعَلَى:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿عَلَى الَّذِينَ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿يُطِيقُونَهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والمتعلق محذوف، التقدير: يطيقونه منكم، ﴿فِدْيَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿طَعامُ:﴾ بدل من: ﴿فِدْيَةٌ،﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي طعام، وعليه.
فالجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿فِدْيَةٌ﴾ و ﴿طَعامُ﴾ مضاف، و ﴿مِسْكِينٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. هذا؛ وقرئ: («فدية طعام مساكين») بالإضافة والجمع. والجملة الاسمية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. ﴿تَطَوَّعَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿خَيْراً:﴾ منصوب على نزع
стр. 422
الخافض، التقدير: تطوع بخير، أو هو صفة مصدر محذوف، أي: تطوع تطوعا خيرا، وقيل:
هو حال من ذلك المصدر المقدر معرفة عند سيبويه، وهو مذهبه، والمعتمد الأول. ﴿فَهُوَ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو ﴿خَيْرٌ﴾): مبتدأ، وخبر. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وبقية الكلام كما في قوله تعالى: (من ﴿كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً..﴾.) إلخ بلا فارق.
﴿وَأَنْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْ﴾) حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تَصُومُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿أَنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و (﴿أَنْ تَصُومُوا﴾) في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره.
﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ وتقدير الكلام: صيامكم خير لكم. والجملة الاسمية في محل نصب حال مقدرة من كاف الخطاب في ﴿مِنْكُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وقلت: مقدرة؛ لأنها مستقبلة بواسطة (﴿أَنْ﴾) وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا.
﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، التقدير: تعلمون أنه خير، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كُنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية هذه لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشّرط محذوف، التقدير: فافعلوه، ونحو ذلك. و ﴿أَنْ﴾ مدخولها كلام معترض في آخر الكلام لا محلّ له، الغرض منه الحثّ على الصيام.
﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾
الشرح: ﴿شَهْرُ:﴾ الشهر فيه لأهل اللغة قولان: أشهرهما: أنه اسم مدّة الزّمان الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرا إلى أن يستتر، سمّي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في المعاملات، وغيرها. والثّاني: قاله الزّجاج: أنه اسم للهلال نفسه. ويجمع على: أشهر، وشهور.
﴿رَمَضانَ:﴾ مأخوذ من: رمض الصائم، إذا احترق جوفه من شدّة العطش، والرّمضاء (ممدودة): شدّة الحر، وفي هذه التسمية أقوال: أحدها: أنه وافق مجيئه في الرّمضاء. وهي شدّة الحر، فسمّي به، كما سمّي ربيع لموافقته فصل الربيع، وكما سمّي جمادى لموافقته فصل
стр. 423
الشتاء الشّديد البرد، وقيل: لأنّه يرمض الذنوب، أي: يحرقها. بمعنى: يمحوها، وقيل: لأن القلوب تحترق فيه من الموعظة، والقرآن. ويجمع على: رمضانات، وأرمضة.
﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وشرح هذا الإنزال في شهر رمضان: أن جبريل ﵊ نسخه من اللّوح المحفوظ، ونزل به جملة واحدة، ووضعه في السّماء الدّنيا في مكان يسمّى بيت العزّة، وقد صادف ذلك ليلة القدر، قال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقال جل ذكره: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ ثم نزل به جبريل الأمين على الرسول ﷺ مفرّقا في ثلاث وعشرين سنة، على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال والحاجات.
هذا؛ وقرآن مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. وخذ قول عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [١٧]: [الوافر]
ذراعي عيطل أدمان بكر... هجان اللّون لم تقرأ جنينا
«لم تقرأ جنينا»: لم تضم، ولم تجمع في رحمها ولدا قط. وهو في اللّغة مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء، قرآنا: إذا جمعته. وبمعنى القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدّفتين، المتعبّد بتلاوته المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة الناس. وهذا التعريف متّفق عليه بين العلماء والأصوليين، أنزله الله؛ ليكون دستورا للأمة، وهداية للخلق أجمعين، وليكون آية دالة على صدق الرسول ﷺ ، وبرهانا ساطعا على نبوته، ورسالته، وحجّة قائمة إلى يوم الدين، تشهد: أنّه تنزيل الحكيم الحميد، بل هو المعجزة الخالدة، التي تتحدى الأجيال، والأمم على مر الأزمان، ومرّ الدهور. ورحم الله شوقي إذ يقول: [البسيط]
جاء النّبيّون بالآيات فانصرمت... وجئتنا بكتاب غير منصرم
آياته كلّما طال المدى جدد... يزينهنّ جمال العتق والقدم
وللقرآن أسماء عديدة، كلّها تدلّ على رفعة شأنه، وعلوّ مكانته، وعلى أنّه أشرف كتاب سماوي على الإطلاق، فيسمّى: القرآن، والفرقان، والتنزيل، والذّكر، والكتاب، والنور، والهدى... إلخ، كما وصفه الله بأوصاف عديدة، منها: نور، وهدى، ورحمة، وشفاء، وموعظة، وعزيز، ومبارك، وبشير، ونذير إلى غير ذلك من الأوصاف التي تشعر بعظمته، وقدسيّته. ويحرم على محدث حدثا أكبر: قراءته، ومسّه، وحمله، وعلى المحدث حدثا أصغر:
حمله، ومسّه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب. قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٠٦]: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾. وعلى
стр. 424
اعتباره مصدرا جاء قول الشاعر-مع اختلاف في قائله، والمراد به عثمان بن عفّان-﵁، وهو الشاهد رقم [٣٩٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]
ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به... يقطّع اللّيل تسبيحا وقرآنا
أي: قراءة. ﴿هُدىً لِلنّاسِ﴾ أي: هاديا لهم من الضّلالة. ﴿وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ أي: آيات، ودلائل، وحجج مبينة، واضحة، جلية لمن فهمها، وتدبرها، دالة على صحّة ما جاء به محمّد ﷺ من الهدى المنافي للضّلال، والرشد المخالف للغيّ، ومفرقا بين الحقّ، والباطل، والحلال، والحرام.
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ:﴾ أي: إيجاب حتم على من حضر استهلال الشهر، وهو صحيح مقيم مطيق للصوم، مع صحة إسلامه أن يصوم أيام رمضان، وهذه الجملة ناسخة للإباحة المتقدّمة في الآية السابقة. ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ انظر الآية السابقة ففيها الكفاية.
﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ أي: التيسير، والتسهيل، فلذا أباح لكم الفطر في المرض، والسّفر، ونحوهما من الأعذار. ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ:﴾ التعسير، والتشديد في الأحكام.
ففي الجملتين من المحسنات البديعية طباق السّلب. هذا؛ ويقرأ بتسكين السين في الكلمتين، وضمهما. وقال عيسى بن عمر رحمه الله تعالى: كلّ اسم على ثلاثة أحرف وسطها ساكن، فمن العرب من يخفّفه، ومنهم من يثقّله، وذلك مثل: حلم، ورحم، وعسر... إلخ.
هذا؛ ودلت الآية الكريمة على: أنّ الله سبحانه مريد بإرادة قديمة أزلية، زائدة على الذّات.
هذا مذهب أهل السّنّة، كما أنّه جلّت قدرته عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، وهذه كلّها معان وجودية أزلية زائدة على الذّات. وذهب المعتزلة، والشّيعة إلى نفيها، والّذي يقطع دابر هؤلاء أن يقال: لو لم يصدق كونه ذا إرادة؛ لصدق: أنه ليس بذي إرادة، ولو صح ذلك؛ لكان كل ما ليس بذي إرادة ناقصا بالنسبة إلى من له إرادة، فلم يبق إلا أن يكون الذي لم يتّصف بالإرادة أنقص ممّن هو متّصف بها، ولا يخفى ما فيه من المحال، فإنّه كيف يتصوّر أن يكون المخلوق أكمل من الخالق، والبديهة تقضي بردّه، وإبطاله، وقد وصف الباري نفسه ﷻ ، وتقدّست أسماؤه بأنّه مريد، فقال تعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وقال جل شأنه:
﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وقال جلت قدرته: ﴿وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي: عدّة أيام رمضان، وذلك بقضاء ما فاتكم منه بسبب المرض، والسفر، وغيرهما من الأعذار المبيحة للإفطار. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ أي: في يوم عيد الفطر، وليلته، قال الرسول ﷺ : «زيّنوا أعيادكم بالتّكبير». ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ أي: أرشدكم لمعالم
стр. 425
دينه، ووفقكم للقيام بها على الوجه الأكمل. وقيل: لما ضلّ فيه النصارى من تبديل صيامهم، ولما كانت الجاهلية تفعله، فأرشدكم إلى الحقّ والصواب، وتولاكم بعنايته، ورعايته.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على نعمه، وتوفيقه للقيام بطاعته، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا، واحتسابا؛ غفر له ما تقدّم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا، واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه». أخرجه الشيخان، وغيرهما.
وعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النّبيّ ﷺ قال: «من صام رمضان، وعرف حدوده، وتحفّظ ما ينبغي له أن يتحفّظ؛ كفّر ما قبله». رواه ابن حبّان.
والأحاديث في الترغيب في فضل رمضان كثيرة جدّا موجودة في الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وغيره، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة، ولا مرض؛ لم يقضه صوم الدّهر كلّه؛ وإن صامه». أخرجه الترمذيّ، وغيره.
وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «عرا الإسلام، وقواعد الدّين ثلاثة، عليهنّ أسّس الإسلام، من ترك واحدة منهنّ؛ فهو بها كافر، حلال الدّم: شهادة أن لا إله إلاّ الله، والصّلاة المكتوبة، وصوم رمضان».
الإعراب: ﴿شَهْرُ:﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿الَّذِي﴾. أو هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: ذلكم، أو:
هو شهر، أو: الأيام المعدودة شهر... إلخ، أو هو بدل من الصيام على حذف مضاف؛ أي: كتب عليكم الصّيام صيام شهر... إلخ، وعلى هذه الأوجه ف ﴿الَّذِي﴾ صفة: ﴿شَهْرُ﴾. هذا وقرئ بالنصب («شهر») وخرّج على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «أياما تصوموا». والثاني: على إضمار:
أعني، والثالث: أن يكون منصوبا ب ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أو ب (﴿أَنْ تَصُومُوا﴾). ولم يجوّز هذا النحاس؛ لأنه يدخل في الصّلة، ثم يفرق بين الصلة والموصول، وهو يعني بالصّلة والموصول: (أن) والفعل المضارع: ﴿تَصُومُوا﴾. وقال: يجوز أن تنصبه على الإغراء، أي: الزموا شهر رمضان، وصوموا شهر رمضان. واستبعد هذا القرطبيّ. و ﴿شَهْرُ﴾ مضاف، و ﴿رَمَضانَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، وزيادة الألف والنون.
﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر، أو نعت ل ﴿شَهْرُ،﴾ وعلى نصبه فهو نعت فقط.
﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الْقُرْآنُ:﴾
نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿هُدىً:﴾ حال من: ﴿الْقُرْآنُ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل
следующие страницы →