← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَرْضى:﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (سبح) المستتر، التقدير: سبح أي: صل حال كونك راجيا وطامعا في أن الله يرضيك بما يعطيك من الثواب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ..﴾. إلخ: المعنى لا تتطلع يا محمد، ولا تنظر إلى ما أعطيناه الكفار من متع الحياة الدنيا، ولذائذها وشهواتها، فإن ذلك لا دوام له، ولا بقاء، وما أعطيناه الكفار من حطام الدنيا الفاني إنما هو كالزهرة تتفتح في أول النهار، ثم تذبل في آخره، فقد نهى الله النبي ﷺ عن الرغبة في الدنيا، ومزاحمة أهلها عليها، ولذا كان لا ينظر إلى شيء من متعها، ولا يلتفت إليه، ولا يستحسنه. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ:﴾ لنختبرهم. وقيل: لنجعل ذلك فتنة لهم، وضلالا، فيزدادوا كفرا، وطغيانا، ومعنى أزواجا: أصنافا من الكفرة. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ أي: ما ادخر لك في الآخرة، أو ما رزقك من الهدى والنبوة. ﴿خَيْرٌ وَأَبْقى:﴾ أفضل، وأدوم؛ لأنه لا ينقطع، ولا ينتهي. هذا؛ وانظر شرح (العين) في الآية رقم [٨٦] من سورة (الكهف)، وشرح ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [٤٤] منها. قال القرطبي رحمه الله تعالى: قال بعض الناس: سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو رافع مولى رسول الله ﷺ قال: نزل ضيف برسول الله ﷺ ، فأرسلني ﵇ إلى رجل من اليهود، وقال: «قل له يقول لك رسول الله: نزل بنا ضيف، ولم يلف عندنا بعض الذي يصلحه، فبعني كذا، وكذا من الدقيق، أو أسلفني إلى هلال رجب». فقال: لا، إلا برهن. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فقال: «والله إني لأمين في السماء، أمين في الأرض، ولو أسلفني، أو باعني؛ لأديت إليه، اذهب بدرعي إليه». ونزلت الآية تعزية له عن الدنيا. قال ابن عطية: وهذا معترض أن يكون سببا؛ لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي ﷺ ؛ لأنه مات؛ ودرعه مرهونة عند يهودي بهذه القصة التي ذكرت، وإنما الظاهر: أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك: أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة، ثم توعدهم بالعذاب المؤجل، ثم أمر نبيه ﷺ بالاحتقار لشأنهم، والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم، وما في أيديهم من الدنيا؛ إذ ذلك منصرم عنهم، صائر إلى خزي. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٨] من سورة (الحجر) ففيها كبير فائدة. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.

стр. 3607

الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَمُدَّنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَيْنَيْكَ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿إِلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿إِلى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَتَّعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿أَزْواجاً:﴾ فيه، وجهان: أحدهما أنه مفعول به، وهو واضح، والثاني: أنه حال من الضمير في ﴿بِهِ﴾ فيكون فيه مراعاة لفظ ﴿ما﴾ مرة ومعناها أخرى، فلذلك جمع. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَزْواجاً﴾ على اعتباره مفعولا به، أو هما متعلقان بمحذوف مفعول به على اعتبار: ﴿أَزْواجاً﴾ حالا، وجملة: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَاصْبِرْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿زَهْرَةَ:﴾ فيه تسعة أوجه: أحدها: أنه مفعول به ثان على تضمين: ﴿مَتَّعْنا﴾ معنى: «أعطينا»، والأول: هو ﴿أَزْواجاً﴾ أو متعلق ﴿مِنْهُمْ﴾ حسب ما رأيت، الثاني: أن يكون بدلا من ﴿أَزْواجاً﴾ وذلك إما على حذف مضاف؛ أي: ذوي زهرة. وإما على المبالغة جعلوا نفس الزهرة. الثالث: أن يكون منصوبا بفعل مضمر دل عليه ﴿مَتَّعْنا﴾ تقديره: جعلنا لهم زهرة، أو آتيناهم. وهو قول ابن هشام في المغني. الرابع: نصبه على الذم؛ أي: أذم زهرة، وسماه الزمخشري النصب على الاختصاص. الخامس: أن يكون بدلا من موضع الموصول، ورد هذا ابن هشام في مغنيه، ورده مكي أيضا لأن: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ من صلة ﴿مَتَّعْنا،﴾ وجملة: ﴿مَتَّعْنا﴾ صلة الموصول، فيلزم الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وبأن الموصول لا يتبع قبل كمال صلته. السادس: أن يكون بدلا من محل: ﴿بِهِ﴾ قال ابن هشام: وفيه ما ذكر؛ أي: ما المانع المذكور، وزيادة الإبدال من العائد، وبعضهم يمنعه بناء على أنّ المبدل منه في نية الطرح، فيبقى الموصول بلا عائد في التقدير. السابع: أن ينتصب على الحال من ﴿ما﴾ الموصولة. الثامن: أنه حال من الهاء في ﴿بِهِ،﴾ وهو ضمير الموصول، وهذا كالذي قبله، وإن التنوين حذف لسكونه وسكون اللام من ﴿الْحَياةِ﴾ وإن جر ﴿الْحَياةِ﴾ على أنه بدل من (ما) كما قرئ: «(ولا الليل سابق النهارَ)» فنصب النهار بسابق على تقدير حذف التنوين بسكونه وسكون اللام، وهو قول عزاه مكي لأبي محمد من غير تسمية له، ورده ابن هشام. التاسع: أنه تمييز ل: ﴿ما﴾ أو للهاء في ﴿بِهِ﴾ قاله الفراء. قال ابن هشام: وهذا على مذهب الكوفيين في تعريف التمييز. وقال مكي: ويجوز أن تنصب ﴿زَهْرَةَ﴾ على أنها موضوعة موضع المصدر، موضع «زينة» مثل: (صنع الله) و (وعد الله) وفيه نظر، فيكون وجها عاشرا. انتهى. جمل نقلا من السمين. وفيه ما أدخلته من قول ابن هشام وقول مكي، رحم الله الجميع رحمة واسعة، وحشرنا معهم في مستقر رحمته.

стр. 3608

﴿لِنَفْتِنَهُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿مَتَّعْنا﴾. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرِزْقُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (رزق): مبتدأ، و «هو» مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من: إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿وَأَبْقى:﴾ معطوف عليه، وفاعلهما مستتر فيهما وجوبا، تقديره: «هو»، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها. وقيل: حال. ولا وجه له. ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ:﴾ أمر الله نبيه ﷺ بأن يأمر أهل بيته، أو التابعين له من أمته بالصلاة بعد ما أمره بها، ويدخل في عموم هذا الأمر جميع أمته، وأهل بيته على التخصيص، وكان ﷺ بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة، وعلي رضوان الله عليهما، فيقول: الصلاة، ويروى: أن عروة بن الزبير-﵄-كان إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين، وأحوالهم بادر إلى منزله، فدخله، وهو يقرأ: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ..﴾. إلخ، ثم ينادي بالصلاة، ويقول: الصلاة يرحمكم الله! ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ أي: داوم عليها، فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. ﴿لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً﴾ أي: لا نطلب منك أن ترزق نفسك وأهلك، بل نحن نتكفل برزقك، وإياهم؛ وقد قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وكان ﷺ إذا نزل بأهله ضيق أمرهم بالصلاة. ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ أي: العاقبة المحمودة لأهل التقوى. قال ابن عباس-﵄: الذين صدقوك، وآمنوا بك، واتبعوك. الإعراب: ﴿وَأْمُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اؤمر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَهْلَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿بِالصَّلاةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَأْمُرْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اصبر...) إلخ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نَسْئَلُكَ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول. ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف المخاطب، والرابط: الضمير فقط. وانظر مجيء الحال من المضاف إليه في الآية رقم [٢٣] من سورة (الإسراء). ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نَرْزُقُكَ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول، والثاني:

стр. 3609

محذوف، التقدير: نرزقك ما نشاء، ونحوه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل للنفي لا محل لها، أو هي مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿وَالْعاقِبَةُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (العاقبة): مبتدأ. ﴿لِلتَّقْوى:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار مكة. ﴿لَوْلا يَأْتِينا:﴾ هلا يأتينا محمد ﷺ . ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: معجزة تدل على صدقه، وذلك كعصا موسى، أو ناقة صالح، أو كالذي اقترحوه من شق الأنهار حول مكة، وتسيير الجبال، وغير ذلك، كما رأيت في الآية رقم [٩٠] من سورة (الإسراء) وما بعدها. ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ يريد: التوراة، والإنجيل، والكتب المتقدمة التي بشرت بمحمد ﷺ . وأيضا ما ذكر فيها من إهلاك الأمم السابقة الذين اقترحوا الآيات فلما أتتهم، ولم يؤمنوا؛ أهلكوا. وأيضا، فإن القرآن الكريم قد جمع بين دفتيه زبدة ما في الكتب المتقدمة من العقائد والأحكام مع أن الآتي بها أمّيّ لم يرها، ولم يتعلم من علمها، أليس في ذلك معجزة باهرة وبرهان ساطع على نبوة محمد ﷺ ؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿يَأْتِينا:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الرسول ﷺ ، و (نا): مفعول به. ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آية) والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الواو: عاطفة على مقدر يقتضيه المقام، كأنه قيل: ألم تأتهم سائر الآيات، ولم تأتهم خاصة بينة. هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء والتاء سبعيتان. ﴿بَيِّنَةُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويقرأ «(بينة)» بالتنوين منصوبا ومرفوعا، فالنصب على الحال من ﴿ما﴾ وقد قدمت عليها، والرفع على أنها فاعل، و ﴿ما:﴾ بدل منها، أو خبر مبتدأ محذوف، وتكون الجملة صفة ﴿بَيِّنَةُ﴾. ﴿فِي الصُّحُفِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿الْأُولى:﴾ صفة الصحف مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ والكلام: ﴿لَوْلا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 3610

﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل بعثة محمد ﷺ وإنزال القرآن. ﴿لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا..﴾. إلخ: أي: لقالوا يوم القيامة: هلا أرسلت إلينا يا ربنا رسولا يدعونا إلى الإيمان ويبيّن لنا ما يجب علينا من عبادتك، وتقديسك. ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ..﴾. إلخ: أن نذل بالقتل، والسبي في الدنيا، ﴿وَنَخْزى﴾ بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم في الآخرة. هذا؛ ويقرأ الفعلان للمعلوم بالبناء للمجهول. هذا؛ وروى أبو سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ في الهالك في الفترة والمعتوه، والمولود. قال: «يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب، ولا رسول، ثمّ تلا الآية: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ..﴾. إلخ. ويقول المعتوه: ربّ لم تجعل لي عقلا، أعقل به خيرا، ولا شرّا. ويقول المولود: ربّ لم أدرك العمل. فترفع لهم نار، فيقول لهم: ردوها وادخلوها. قال: فيردها، أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيّا لو أدرك العمل، فيقول الله ﵎: إياي عصيتم، فكيف رسلي لو أتتكم؟!». وبه احتج من قال: إن الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة. انتهى. قرطبي. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء) بشأن أهل الفترة. الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَهْلَكْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب (نذرت) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍. ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف صفة (عذاب) جيد معنى، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط لو عند المبرد، التقدير: ولو حصل، أو وقع عذابهم من قبل مبعث الرسول ﷺ . وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو هلاكهم حاصل، أو واقع. وقول المبرد هو المرجح لأن (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفاعل المقدر على قول المبرد، وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَقالُوا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، و (نا):

стр. 3611

في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أَرْسَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به. ﴿فَنَتَّبِعَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفاعل السابق، التقدير: لولا حصل إرسال رسول إلينا، فاتباع منا... إلخ. ﴿آياتِكَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿قَبْلِ:﴾ مضاف، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَذِلَّ﴾ على القراءتين في محل جر بالإضافة. (نخزى): مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل، أو نائب الفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». هذا؛ والكلام: ﴿رَبَّنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَقالُوا..﴾. إلخ جواب (لو)، لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى (١٣٥)﴾ الشرح: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أي: كل واحد منا، ومنكم. ﴿مُتَرَبِّصٌ:﴾ منتظر دوائر الزمان، وذلك: أن المشركين كانوا يقولون: نتربص بمحمد ريب المنون، وحوادث الدهر، فإذا مات تخلصنا منه، وكان المؤمنون من جهتهم ينتظرون النصر، والعزة، وعلو شأن الإسلام، وذلّ الكافرين المعاندين. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ:﴾ هذا وعيد وتهديد، والمعنى: ستعلمون إذا جاء نصر الله للمؤمنين من أصحاب الطريقة المستقيمة، ومن هم أصحاب الطريقة المعوجة، وستعلمون من اهتدى إلى الحق وإلى النعيم المقيم، ومن ضل وانحرف إلى الباطل، ومآله العقاب الشديد، والعذاب الأليم في نار الجحيم. فحذف أحد المتقابلين لدلالة الآخر عليه. هذا؛ ويقرأ: «(الصراط السواء)» أي: الوسط الجيد، وقرئ «(السّوء)» بفتح السين، و «(السوأى)» تأنيث الأسوأ، وقرئ و «(السُّوى)». الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ. وانظر الشرح لحذف المضاف إليه. ﴿مُتَرَبِّصٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَتَرَبَّصُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (تربصوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله والألف للتفريق. وانظر إعراب: (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الأمر كذلك؛ فتربصوا. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. السين: حرف استقبال. (تعلمون): مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على

стр. 3612

السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، وأصحاب مضاف، و ﴿الصِّراطِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (تعلمون) أو مسد مفعول واحد؛ لأنه علق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. هذا؛ وأجاز الفراء اعتبار (من) موصولة مفعولا به، وعليه ف: ﴿أَصْحابُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: الذين هم أصحاب، والجملة الاسمية صلة الموصول، وضعف هذا القول؛ لأن العائد قد حذف، ولم تطل الصلة. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، وجملة: ﴿اِهْتَدى﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. هذا وعلى اعتبار: (من) موصولة، فهي معطوفة على ما قبلها، وجملة ﴿اِهْتَدى﴾ صلتها، وهذا يقوي ما قاله الفراء، و (أصحاب): مضاف، و ﴿الصِّراطِ﴾ مضاف إليه. ﴿السَّوِيِّ:﴾ صفة الصراط. بعد هذا فالكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (طه) بعونه تعالى تفسيرا وإعرابا. **

стр. 3613

سورة الأنبياء وهي مكية بالإجماع، وآياتها مئة واثنتا عشرة آية، وكلماتها ألف ومئة وثمان وستون كلمة، وحروفها أربعة آلاف وثمانمئة وتسعون حرفا. انتهى. خازن. تنبيه: انظر شرح الاستعاذة، والبسملة، وإعرابهما في أول سورة (الفاتحة) أو في سورة (يوسف) على نبينا وحبيبنا، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ الشرح: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ أي: وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم يوم القيامة. نزلت الآية في منكري البعث. هذا؛ وقد قال ابن عباس-﵄: المراد بالناس هنا المشركون بدليل الآيتين. وقيل: المراد عموم الناس؛ إذا كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش، وهو الصحيح؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم، والأحكام الشرعية نزلت بأسباب معلومة، ومعروفة، وهي عامة إلى يوم القيامة. ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ:﴾ عن التأهب لذلك اليوم، والاستعداد له. تنبيه: قال عبد الله بن مسعود-﵁: (الكهف) و (مريم) و (طه) و (الأنبياء) من العتاق الأول، وهنّ من تلادي. يريد من قديم ما كسب، وحفظ من القرآن الكريم كالمال التلاد. وروي: أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يبني جدارا، فمر به آخر في يوم نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدار: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ..﴾. إلخ فنفض يده من البنيان، وقال: والله لا بنيت أبدا؛ وقد اقترب الحساب. انتهى. قرطبي. هذا؛ و (الناس) جمع لا واحد له من لفظه مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده: إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنسان، والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم لا يكاد

стр. 3614

يقال: للناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقيل: إن أصله: النوس، ولم يحذف منه شيء وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وانظر شرح الإنسان في الآية [١١] من سورة (الإسراء). الإعراب: ﴿اِقْتَرَبَ:﴾ ماض. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حِسابُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي غَفْلَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر أول. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، هذا؛ وأجيز تعليق الجار والمجرور بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿مُعْرِضُونَ﴾ تقدم عليه. والأول أقوى، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من (الناس) والرابط: الواو والضمير. وجملة: ﴿اِقْتَرَبَ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها من الإعراب. ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ الشرح: ﴿ما يَأْتِيهِمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أي: جديد، أو متجدد إنزاله، لا أنه مخلوق، والمراد ب: (الذكر) الآيات التي تنزل بعد الآيات، والسورة التي تنزل بعد السورة. أو المراد به ما يذكرهم به النبي ﷺ ويعظهم، وإضافته إلى ﴿رَبِّهِمْ؛﴾ لأنه ﷺ لا ينطق إلا بالوحي، فقوله، ووعظه، وتحذيره ذكر وهو محدث، وانظر شرح ﴿ذِكْراً﴾ في الآية رقم [٩٩] من سورة (طه). ﴿إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ﴾ أي: الذكر. ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: يستهزئون. وساهون لا هون، لا يعتبرون، ولا يتعظون. هذا؛ و «أتى» يستعمل لازما إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، وقرب، كما في قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ..﴾. إلخ، ويستعمل متعديا إذا كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في الآية ونحوها، ومثله جاء في التعدية، واللزوم مع اختلاف اللفظ، واتفاق المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ذِكْرٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ذكر، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿مُحْدَثٍ﴾ متقدم عليه، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من ﴿ذِكْرٍ؛﴾ لأنه وصف بمحدث، وهو أضعف الأقوال. ﴿مُحْدَثٍ:﴾ صفة ﴿ذِكْرٍ﴾ على لفظه، وقرئ بالرفع صفة له على محله، وأجاز الكسائي نصبه على الحال، ولم أجد قراءة بالنصب. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف

стр. 3615

حصر. ﴿اِسْتَمَعُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، أو في محل نصب حال من الضمير المنصوب، و «قد» قبلها مقدرة، أو في محل نصب حال من الفاعل الموصوف بما ذكر، والرابط: الضمير الواقع مفعولا به. والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة، وجملة: ﴿ما يَأْتِيهِمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي تفسير لإعراضهم. ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾ الشرح: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ أي: ساهية معرضة عن ذكر الله، متشاغلة عن التأمل، والتفهم. والمراد: قلوب أهل مكة. ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ أي: أخفوا تناجيهم فيما بينهم، وكان تناجيهم بتكذيب الرسول ﷺ ، وقد بينهم جل ذكره بقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أنفسهم بالشرك، والإعراض عن الذكر الذي جاءهم، وانظر ﴿النَّجْوَى﴾ في الآية رقم [٦٢] من سورة (طه) والحديث الذي أسروه فيما بينهم بينه جل ذكره بقوله: ﴿هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فهم ينكرون إرسال رسول من البشر، وإنما يريدون رسولا من الملائكة، وهذا كثير منهم، ومتكرر في القرآن الكريم، كما في الآية رقم [٩٤] من سورة (الإسراء) والآية رقم [٧] من سورة (الفرقان) ونحوهما، هذا؛ ويفسر (أسروا) ب: (أعلنوا)، فهو من الأضداد. ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ أي: تحضرون السحر، وتصغون إليه، وتقبلونه من محمد ﷺ . ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ:﴾ ترون بأعينكم: أن ما جاء به هو السحر. ومفاده: توبيخ بعضهم بعضا؛ إن سمعوا الذكر، وقبلوه، واهتدوا به. الإعراب: ﴿لاهِيَةً:﴾ حال من واو ﴿يَلْعَبُونَ،﴾ فهي حال متداخلة، أو من واو ﴿اِسْتَمَعُوهُ،﴾ فتكون حالا متعددة، هذا؛ وقرئ بالرفع على أنه خبر آخر للمبتدأ: (هم) أو هو خبر لمبتدأ محذوف. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعل ب: ﴿لاهِيَةً﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وينبغي أن تعلم أن ﴿لاهِيَةً﴾ في الأصل صفة قلوبهم، فلما تقدم النعت المنعوت انتصب، ومثله قوله تعالى: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾. ﴿وَأَسَرُّوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أسروا): ماض، والواو فاعل، والألف للتفريق. ﴿النَّجْوَى﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الَّذِينَ:﴾ قال أبو البقاء: في موضعه ثلاثة أوجه. أحدها: الرفع وفيه أربعة أوجه: أحدها أن يكون بدلا من واو الجماعة في أسروا، والواو فاعله، والثاني: أن يكون الذين فاعلا، والواو حرف دال على الجمع فقط، والثالث: أن يكون مبتدأ، والخبر: ﴿هَلْ﴾

стр. 3616

﴿هذا..﴾. إلخ والتقدير: يقولون: هل هذا، وهذا لا معنى له، والأولى أن يكون مبتدأ مؤخرا، وجملة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ خبرا مقدما، والرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين ظلموا، وهذه الأوجه الأربعة ذكرتها في الآية [٧٤] من سورة (المائدة) ويزاد هنا الوجه الثاني، وهو أن يكون منصوبا على إضمار: أعني، والوجه الثالث: أن يكون مجرورا صفة ل: (الناس) أو بدلا منه على بعد من ذلك، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَسَرُّوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُكُمْ:﴾ صفة ﴿بَشَرٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَفَتَأْتُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: عاطفة على محذوف. (تأتون): مضارع مرفوع... إلخ، الواو فاعله. ﴿السِّحْرَ:﴾ مفعول به. هذا؛ والجملتان: ﴿هَلْ هذا..﴾. إلخ بدل من ﴿النَّجْوَى﴾ أو تفسير لها، أو هما في محل نصب مقول القول محذوف هو جواب عن سؤال مما قبله، كأنه قيل: فماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا: ﴿هَلْ هذا..﴾. إلخ. وأجيز اعتبارها مفعولا به ل: ﴿النَّجْوَى،﴾ لأنها في معنى القول، وهو أضعف الأقوال الثلاثة، هذا؛ وعلى الاعتبار الأول تكون الجملة أبدلت من المفرد، وقد استشهد بها ابن هشام في المغني لذلك، وذكر قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٨٢٥] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل] لقد أذهلتني أمّ عمر وبكلمة... أتصبر يوم البين أم لست تصبر؟ والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة والرابط: الواو والضمير. ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: قال محمد ﷺ ، ويقرأ بلفظ الأمر. ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ:﴾ والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذي أسروا النجوى: ربي يعلم كل قول في السماء والأرض؛ سواء أكان سرا، أم كان جهرا، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ:﴾ لأقوالهم. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بما في ضمائرهم. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الرسول ﷺ . ﴿رَبِّي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾. ﴿الْقَوْلَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان

стр. 3617

بمحذوف حال من ﴿الْقَوْلَ،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَعْلَمُ،﴾ وهو ضعيف. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿رَبِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿السَّمِيعُ:﴾ خبر أول، ومتعلقه محذوف. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ خبر ثان، ومتعلقه محذوف أيضا، والجملة الاسمية (هو...) إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾ المستتر، والرابط: الواو والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، وإن عطفتها على ما قبلها؛ فهي في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ الشرح: ﴿بَلْ قالُوا..﴾. إلخ: المعنى: إنهم متحيرون، لا يستقرون على شيء فيما يطعنون فيه الرسول ﷺ وفيما جاء به، فقالوا مرة: سحر، وقالوا مرة: هو أضغاث أحلام، ومرة قالوا: افتراه، ومرة قالوا: شاعر. وقيل: قال فريق منهم: إنه ساحر، وفريق قالوا: إنه أضغاث أحلام، وفريق قالوا... إلخ، وانظر شرح ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ في الآية رقم [٤٤] من سورة (يوسف) على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: كما أرسل موسى بالعصا، واليد، وصالح بالناقة، وعيسى بإبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى. والمعنى: إن كان صادقا في دعواه؛ فليأتنا بمعجزة تدل على صدقه كما أتى الأنبياء السابقون بمعجزات واضحة أيدت دعواهم. وانظر شرح «أول» في الآية رقم [٢٤] من سورة (النحل) هذا؛ و (آية) تطلق على معان كثيرة: الدلالة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وتطلق على المعجزة، وهي المرادة هنا، مثل انشقاق القمر، ونحوه، وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى. الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَضْغاثُ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو أضغاث، و ﴿أَضْغاثُ﴾ مضاف، و ﴿أَحْلامٍ﴾ مضاف إليه، ﴿بَلْ:﴾ مثل سابقه. ﴿اِفْتَراهُ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الرسول المقصود بهذا، والهاء مفعول به. ﴿بَلْ هُوَ شاعِرٌ:﴾ مبتدأ وخبر. ﴿فَلْيَأْتِنا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، انظر الشرح. ﴿فَلْيَأْتِنا:﴾ مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ ، و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط المقدر.

стр. 3618

﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية، ﴿أُرْسِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْأَوَّلُونَ:﴾ نائب فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. و (ما) مصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: فليأتنا بآية إتيانا كائنا مثل إرسال الأولين، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها، هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صفة (آية)، هذا؛ والجمل المتعاطفة كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ معطوفة على مضمون: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى..﴾. إلخ لا محل لها أيضا. ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ الشرح: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ:﴾ قبل أهل مكة. ﴿مِنْ قَرْيَةٍ:﴾ من أهل قرية، أتتهم المعجزات، فلم يؤمنوا، ولم يوحدوا. ﴿أَهْلَكْناها:﴾ أهلكنا أهلها لما كذبوا، وزادوا في عنادهم، وعتوهم كقوم نوح، وهود، وصالح، وكفرعون، ومن على شاكلته. ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لو جئتهم يا محمد بما طلبوا، وهم أعتى منهم، وأشد نفورا. وفيه تنبيه على أن عدم الإتيان بالمقترح للإبقاء عليهم، إذ لو أتى به، ولم يؤمنوا؛ استوجبوا عذاب الاستئصال كالذين قبلهم، وقد علم الله وقدر، أنه سيخرج من أصلابهم من يؤمن، ويحمل راية الإسلام، وينشرها في أنحاء المعمورة، والتاريخ الإسلامي أكبر شاهد على ذلك. هذا؛ و ﴿مِنْ قَرْيَةٍ:﴾ الأصل: من أهل قرية فقد حذف المضاف للإيجاز، وهذا النوع من المجاز مشهور في كلام العرب، نظمه، ونثره، و «القرية» في الأصل: اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة، وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ كما تطلق على الضيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية: بكسر القاف، وفتحها، والنسبة إليها قرويّ وقرييّ. أما الإيمان الصحيح: فهو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل الرسول ﷺ عنه؛ قال: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر، خيره، وشره من الله تعالى». الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿آمَنَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.

стр. 3619

﴿قَرْيَةٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿آمَنَتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَهْلَكْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿قَرْيَةٍ﴾ على اللفظ. ﴿أَفَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف استئناف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ الشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ: هذا رد لقول قريش حين أنكروا نبوة محمد ﷺ ، وقالوا: ﴿هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وقالوا: الله أعظم وأجل من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا، انظر الآية رقم [١٠٩] من سورة (يوسف) ﵇ ففيها كبير فائدة، والمعنى هنا، وهناك: أن سنة الله جارية من أول مبدأ الخلق: أنه لم يبعث إلا رسولا من البشر، فهذه عادة مستمرة، وسنة جارية قديمة. ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ:﴾ أهل الكتاب، وهم علماء اليهود، والنصارى. وإنما أمرهم الله تعالى بسؤال أهل الكتاب؛ لأن كفار مكة كانوا أميين، ويعتقدون: أن أهل الكتاب أهل علم، وقد أرسل الله إليهم رسلا منهم، مثل عيسى، وموسى، وغيرهما من الرسل، وكانوا بشرا مثلهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ ذلك، وفي الآية الكريمة دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة، ولا ملكا، ولا جنيا للدعوة العامة، وفي آية (يوسف) زيادة: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾. وينبغي أن تعلم: أن الله أمر كفار قريش الأميين أن يسألوا أهل العلم من اليهود، والنصارى عما هم جاهلون به، فالأحرى بالجاهلين من المسلمين أن يسألوا علماءهم عن أمور دينهم، وعما هم جاهلون به، من أمر الدنيا، والآخرة، فخصوص السبب لا يمنع التعميم في كل زمان ومكان، ولكن الكثير من المسلمين بمعزل عن ذلك؛ حتى إن الأكثرية الساحقة من المصلين لا يحسنون وضوءهم، ولا صلاتهم؛ لأنهم لا يجالسون أهل العلم، ولا يسمعون منهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وينبغي أن تعلم: أن الآية الكريمة مذكورة بحروفها برقم [٤٣] من سورة (النحل)، وانظر ما ذكرته فيها من إعلال وغيره. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿قَبْلَكَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رِجالاً:﴾ مفعول به. ﴿نُوحِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء،

стр. 3620

والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، هذا؛ ويقرأ: «(يوحى)» بالبناء للمجهول، فتكون علامة الرفع مقدرة على الألف. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿نُوحِي،﴾ وهما في محل رفع نائب فاعل على القراءة الثانية، والجملة الفعلية على القراءتين في محل نصب صفة ﴿رِجالاً،﴾ وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَسْئَلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، ويعتبرها ابن هشام للسببية المحضة، وهي حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر. (اسألوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَهْلَ:﴾ مفعول به، و ﴿أَهْلَ:﴾ مضاف، و ﴿الذِّكْرِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كنتم جاهلين؛ فاسألوا... إلخ، وهذا الكلام مستأنف، أو معطوف على ما قبله لا محل له على الاعتبارين. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿إِلاّ:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، والجملة الشرطية تذييل للكلام السابق، ومؤكدة له، لا محل لها. ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨)﴾ الشرح: ﴿وَما جَعَلْناهُمْ﴾ أي: الرسل. ﴿جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ:﴾ هذا رد لقولهم في الفرقان: ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾. ﴿وَما كانُوا خالِدِينَ:﴾ هذا رد لقولهم: ﴿هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ والمعنى: لم نجعل الرسل قبل محمد ﷺ خارجين عن طباع البشر، لا يحتاجون إلى طعام، وشراب، ولا يموتون؛ بل هم بشر مثلكم في كل ما تحتاجون إليه، وفي كل ما يصيبكم في هذه الدنيا من مرض، وموت... إلخ. هذا؛ و (جسد) اسم جنس، أو هو مصدر، ولهذا لم يجمع، وهو جسم ذو لون، ولذلك لا يطلق على الماء والهواء، والجسد هو الذي له جرم، تقول: تجسد الشيء، كما تقول عن الجسم: تجسم، والجسد أيضا: الزعفران، ونحوه من أنواع الصبغ، وهو أيضا الدم؛ لأنه يتجسد، قال النابغة الذبياني: [البسيط] فلا لعمر الّذي مسّحت كعبته... وما هريق على الأنصاب من جسد فهو يقسم بالله أولا، ثم بالدماء التي كانت تصبّ في الجاهلية على الأصنام. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿جَعَلْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿جَسَداً:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من الضمير المنصوب. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَأْكُلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الطَّعامَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية

стр. 3621

في محل نصب صفة جسدا، أو هي في محل نصب حال أخرى، وجملة: ﴿وَما جَعَلْناهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى. ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ﴾ أي: الرسل. وذلك بإنجائهم، ونصرهم، وإهلاك مكذبيهم، وانظر (الوعد) في الآية رقم [٥٤] من سورة (مريم) ﵍. ﴿فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ:﴾ يعني ومن اتبعهم، واهتدى بهديهم، ومن في إبقائه حكمة، كمن سيؤمن في المستقبل، أو يخرج من صلبه من يؤمن؛ ولذلك حفظت العرب من عذاب الاستئصال. ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ:﴾ المجاوزين الحد في الكفر، والمعاصي، هذا؛ وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿صَدَقْناهُمُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿الْوَعْدَ:﴾ مفعول به ثان، وقيل: هو منصوب بنزع الخافض؛ لأن الفعل: «صدق» يتعدى للثاني بحرف الجر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿فَأَنْجَيْناهُمْ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول؛ أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الضمير المنصوب، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شخصا نشاء إنجاءه، وجملة: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ الشرح: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ:﴾ يا معشر قريش. ﴿كِتاباً:﴾ هو القرآن الكريم. ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ:﴾ شرفكم؛ إن عملتم به، وفخركم؛ إن اهتديتم بهديه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ وهو شرف، وفخر لنا؛ إن عملنا بما فيه. وقيل: فيه موعظتكم؛ لتتعظوا به، فيكون الذكر بمعنى الوعد والوعيد. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ:﴾ فيه بعث، وحث على التدبر؛ لأن الخوف من لوازم العقل. هذا؛ وانظر: (أنزل) و (نزل) في الآية رقم [٢] من سورة (طه).

стр. 3622

هذا؛ والعقل: نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس الظاهرة، وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من فعل الرذائل، والقبائح؛ لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، وخذ ما يلي: [البسيط] لم يبق من جلّ هذا الناس باقية... ينالها الوهم إلا هذه الصّور لا يدهمنّك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر يقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء، ونصرة، فإنّ كلّهم كالأنعام، والبهائم، ولله درّ القائل: لا يدهمنك اللّحاء والصّور... تسعة أعشار من ترى بقر في شجر السّرو منهم شبه... له رواء وماله ثمر ورضي الله عن حسّان بن ثابت؛ إذ يقول: [البسيط] لا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم الجمال وأحلام العصافير فقد ورد: أن رجلا معتوها مرّ على مجلس النبي ﷺ ، فقال الصحابة رضوان الله عليهم: هذا رجل مجنون، فقال سيد الخلق، وحبيب الحق: «هذا مصاب، إنّما المجنون من أصرّ على معصية الله». هذا؛ والعقل أيضا: الدية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية، تعقل بباب ولي القتيل، والعقال بكسر العين: الحبل الذي تشد به ركبة الجمل عند بروكه ليمنعه من القيام، والمشي، والعقال: أيضا صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟ لأصبح النّاس أو بادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كِتاباً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ ابتدائية، أو جواب قسم محذوف لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ذِكْرُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، أو من إضافته إلى الفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ﴿كِتاباً﴾. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام؛ أي: ألا تتفكرون فلا تعقلون؟! (لا): نافية. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ والواو فاعله، والكلام كله مستأنف لا محل له.

стр. 3623

﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١)﴾ الشرح: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: وأهلكنا كثيرا من القرى، والمراد: أهلها، كما رأيت في الآية رقم [٦] هذا؛ والقصم: الكسر، والمراد به: الإهلاك كما رأيت. ﴿كانَتْ ظالِمَةً﴾ أي: كافرة، والمراد: ظلمات نفسها بالكفر، فكلّ من عصى الله ظلم نفسه التي بين جنبيه. ﴿وَأَنْشَأْنا..﴾. إلخ: أي: خلقنا، أو أبدلنا بأهلها الكافرين قوما مؤمنين موحدين، وهو كقوله تعالى في معرض التهديد: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾. الإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): خبرية بمعنى: كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿قَصَمْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ تمييز منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، واسمها يعود إلى قرية، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿ظالِمَةً:﴾ خبر ﴿كانَتْ﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿قَرْيَةٍ﴾. (أنشأنا): فعل، وفاعل. ﴿بَعْدَها:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْماً:﴾ مفعول به. ﴿آخَرِينَ:﴾ صفة ﴿قَوْماً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة ﴿وَأَنْشَأْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة (كم قصمنا...) إلخ لا محل لها. ﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا:﴾ فلما رأوا شدة عذابنا، أو المراد: مقدمة العذاب، وبوادره. وواو الجماعة عائدة إلى أهل القرية. ﴿إِذا هُمْ مِنْها﴾ أي: من القرية. ﴿يَرْكُضُونَ﴾ أي: خرجوا هاربين، فارين، والركض: العدو بشدة، وهو تحريك الرجل بشدة، ومنه قوله تعالى لأيوب ﵇: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ..﴾. إلخ، وركضت الفرس برجلي: استحثثته ليعدو. هذا؛ والبأس: الشجاعة، والقوة، والخوف، وشدة الحرب، والمراد به هنا: العذاب، كما رأيت، ومؤنثه: البأساء بالمد، وما أشبه ما تضمنته الآيتان هنا بما تضمنته الآيات [٦٤ و ٦٥ و ٦٦] من سورة (المؤمنون). الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿أَحَسُّوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بَأْسَنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا؛ لأنها تكون ابتدائية. ﴿إِذا:﴾ فجائية واقعة في جواب (لمّا) وانظر

стр. 3624

الآية رقم [٩٧] الآتية لتفصيل الأقوال فيها. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وجملة: ﴿مِنْها يَرْكُضُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، وانظر محل الجملة الاسمية في الآية المذكورة و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، و ﴿إِذا هُمْ..﴾. إلخ جواب (لمّا)، لا محل له. ﴿لا تَرْكُضُوا وَاِرْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣)﴾ الشرح: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ أي: لا تفرّوا. قيل: إن الملائكة نادتهم لمّا انهزموا عند معاينة العذاب استهزاء بهم. ﴿وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ أي: عودوا إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم، والخروج عن طاعة ربكم. والمترف: المتنعم بلذائذ الدنيا، وشهواتها. ﴿وَمَساكِنِكُمْ﴾ التي كانت لكم، وتستقرون فيها. ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ أي: عن شيء من دنياكم استهزاء بهم. وقيل: المعنى: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة، فتخبرون به. وفي الخازن: قال ابن عباس ﵄: تسألون عن قتل نبيكم. قيل: نزلت الآيات في أهل «حضور» قرية باليمن، وكان أهلها عربا، فبعث الله إليهم نبيا اسمه: شعيب بن ذي مهدم، وقبره باليمن بجبل يقال له: ضنن كثير الثلج، وليس هو بشعيب صاحب مدين، فدعاهم إلى الله، فكذبوه، وقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر، فقتلهم، وسباهم، فلمّا استمر فيهم القتل؛ هربوا، فقالت لهم الملائكة استهزاء: لا تركضوا، وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم، لعلكم تسألون شيئا من دنياكم، فإنكم أهل ثروة، ونعمة، فتعطون من شئتم، وتمنعون من شئتم، فاتّبعهم بختنصر، وأخذتهم السيوف، ونادى مناد من جو السماء: يا لثارات الأنبياء! فلما رأوا ذلك؛ أقروا بالذنب حين لم ينفعهم، وهو ما في الآية التالية. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف. الإعراب: ﴿لا تَرْكُضُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿وَارْجِعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِلى ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أُتْرِفْتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد الضمير المجرور محلا ب: (في). ﴿وَمَساكِنِكُمْ:﴾ معطوف على ﴿ما﴾ الموصولة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تُسْئَلُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والمتعلق محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية فيها معنى التعليل، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، انظر القول المذكور في الشرح. تأمل، وتدبر.

стр. 3625

﴿قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (١٤)﴾ الشرح: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا..﴾. إلخ: اعترفوا بالذنوب حين نزل بهم العذاب، ولم يجدوا مخلصا منه ولكن لم ينفعهم اعترافهم، وقالوا ذلك تحسرا، وتأسفا على ما فرط منهم، وانظر شرح (ويل) في الآية رقم [١٨] الآتية. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿يا وَيْلَنا:﴾ (يا): قال الجلال: حرف تنبيه. (ويلنا): قال الجلال: مصدر، لا فعل له من لفظه، وهو يعني: أنه مفعول مطلق، والتحقيق: أنه منادى، ونداء الويل على تشبيهه بشخص يطلب إقباله، كأنه قيل: يا هلاكنا أقبل، فهذا أوانك، ففيه استعارة مكنية، وتخييلية، وفيه تقريع لهم، وإشارة إلى أنه لا صاحب لهم غير الهلاك، وطلبوا هلاكهم؛ لئلا يروا ما هم فيه. انتهى. جمل نقلا عن الشهاب في سورة (الكهف). و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت النون، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿ظالِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن) والكلام: ﴿يا وَيْلَنا..﴾. إلخ كله في محل مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥)﴾ الشرح: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ:﴾ فما زالوا يرددون: ﴿يا وَيْلَنا..﴾. إلخ وإنما سماه دعوى؛ لأن المدلول كأنه يدعو بالويل والثبور، وعظائم الأمور، ويقول: يا ويل تعال فهذا أوانك. ﴿حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً:﴾ مثل النبت الذي يحصد بالمناجل، وهم قد حصدوا بالسيوف، هذا؛ و (حصيد) فعيل بمعنى مفعول، يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. ﴿خامِدِينَ:﴾ ميتين، والخمود: الهمود، كخمود النار إذا طفئت، فشبه خمود الحياة بخمود النار، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (ما): نافية. ﴿زالَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم (زال) واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿دَعْواهُمْ:﴾ خبر (زال) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَتّى:﴾ حرف جر، وغاية، بعدها «أن» مقدرة. ﴿جَعَلْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿حَصِيداً:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من الضمير المنصوب. ﴿خامِدِينَ:﴾ من تعدد المفعول الثاني، أو من تعدد الحال، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه

стр. 3626

جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و «أن» المقدرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل (جعل) في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار، والمجرور متعلقان بالفعل ﴿زالَتْ،﴾ وجملة: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦)﴾ الشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-في تفسير الآية: وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع، تبصرة للنظار، وتذكرة لذوي الاعتبار، وتسببا لما ينتظم به أمور العباد في المعاش، والمعاد، فينبغي أن يتسلقوا به إلى تحصيل الكمال، ولا يغترّوا بزخارفها، فإنها سريعة الزوال. وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: معناه: ما سوينا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع، وما بينهما للّعب، واللهو؛ وإنما سويناهما لفوائد، منها: التفكر في خلقهما، وما فيهما من العجائب والمنافع؛ التي لا تعد ولا تحصى. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿لاعِبِينَ:﴾ حال من (نا) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿وَما خَلَقْنَا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ (١٧)﴾ الشرح: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً:﴾ اللهو: المرأة بلغة أهل اليمن، وقال ابن عباس-﵄: اللهو: الولد. وقال الجوهري: وقد يكنى باللهو عن الجماع. قال القرطبي: ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] ألا زعمت بسباسة اليوم أنّني... كبرت وألاّ يحسن اللهو أمثالي ﴿لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ أي: من عندنا من الحور العين، لا من عندكم من أهل الأرض، والمراد به الرد على المشركين؛ الذين قالوا: الأصنام بنات الله، وبعضهم يقول: الملائكة بنات، وفيه الرد أيضا على النصارى في دعواهم المسيح ابن الله. ﴿إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ أي: ولكن لسنا بفاعلين لاستحالة اللهو علينا بجميع أنواعه من زوجة، وولد، ونحوهما؛ لأنه لا يليق بمقام الربوبية. الإعراب: ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَرَدْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نَتَّخِذَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿لَهْواً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَرَدْنا..﴾. إلخ

стр. 3627

لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لاتَّخَذْناهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (اتخذناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿لَدُنّا:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (انا): اسمها. ﴿فاعِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، ومفعوله محذوف، وجواب الشرط محذوف، التقدير: لكنا لم نفعله، فلم نرده. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿أَنْ﴾ نافية بمعنى ما، وتكون الجملة في محل نصب حال، والشرطية أقوى معنى. تأمل. و (لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل لها. ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ الشرح: ﴿نَقْذِفُ:﴾ نلقي، ونرمي. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالإيمان، أو بالقرآن. ﴿عَلَى الْباطِلِ﴾ أي: على الكفر، أو الشيطان، أو ما افتروه على الله من اتخاذه الولد. ﴿فَيَدْمَغُهُ:﴾ فيبطله، ويمحقه، ويقهره. قال النسفي-رحمه الله تعالى-: وهذه استعارة لطيفة؛ لأن أصل القذف، والدمغ في الأجسام، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهابه، فالمستعار منه حسي، والمستعار له عقلي، فكأنه قيل: بل نورد الحق الشبيه بالجسم القوي على الباطل الشبيه بالجسم الضعيف، فيبطله إبطال الجسم القوي الضعيف، انتهى. ﴿فَإِذا هُوَ زاهِقٌ:﴾ هالك. والزهوق: ذهاب الروح، وانظر الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ أي: ولكم الهلاك والوبال، مما تصفون الله بما لا يليق به من اتخاذ الصاحبة والولد، هذا؛ وويل كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، وأصلها في اللغة: العذاب، والهلاك. وقال ابن عباس-﵄-الويل: شدة العذاب. وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الويل: واد في جهنّم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». أخرجه الترمذي، هذا؛ و (الويل) مصدر لم يستعمل منه فعل؛ لأن فاءه، وعينه معتلتان، ومثله: ويح، وويس، وويب، وهو لا يثنى، ولا يجمع، وقيل: يجمع على: «ويلات» بدليل قول امرئ القيس: [الطويل] ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت لك الويلات إنّك مرجلي وإذا أضيفت هذه الأسماء؛ فالأحسن النصب على المفعولية المطلقة، وإذا لم تضف فالأحسن فيها الرفع على الابتداء، وهي نكرات، وساغ ذلك لتضمنها معنى خاصا، هذا؛ وويل نقيض الوأل، وهو النجاة، هذا؛ وقد ينادى الويل إذا أضيف إلى ياء المتكلم، أو «نا» وسبقته أداة النداء، مثل: يا ويلتي، يا ويلتنا، ولا تنس: أنه قد أنث الويل في هذين اللفظين، وانظر الآية رقم [١٤].

стр. 3628

الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب عن الكلام السابق، أي: دع ذلك الذي قالوه، فإنه كذب، وباطل. ﴿نَقْذِفُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَلَى الْباطِلِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (الحق) التقدير: مستعليا على الباطل. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَيَدْمَغُهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يدمغه): مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى (الحق) والهاء مفعول به، وهو يعود إلى ﴿الْباطِلِ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها، هذا؛ ويقرأ الفعل بالنصب على اعتبار الفاء للسببية، من غير أن تسبق بنفي، أو طلب، وهي قراءة غير سبعية، ومثلها في النصب قول المغيرة بن حبناء: [الوافر] سأترك منزلي لبني تميم... وألحق بالحجاز فأستريحا انظر الكلام على هذا البيت في كتابنا فتح القريب المجيب رقم [٣٢٠] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ انظر إعراب الآية رقم [٩٧] فالإعراب واحد. ﴿وَلَكُمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْوَيْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِمّا:﴾ قال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال، التقدير: ولكم الويل واقعا، وهذا يعني: أن الحال من ﴿الْوَيْلُ﴾ وكثيرون لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ، والأحسن تعليقهما بمحذوف خبر المبتدأ، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء تصفونه به، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: ولكم الويل من وصفكم الله بما لا يليق به. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ الشرح: ﴿وَلَهُ:﴾ ولله، وفيه التفات من التكلم في الآيات السابقة إلى الغيبة. ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا، وهو الخالق لهم، والمنعم عليهم بأصناف النعيم، فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده، وخلقه، وملكه. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني: الملائكة المنزلين منه لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك، وقد ادعيتم: أنهم بنات الله. ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ:﴾ لا يأنفون، ولا يتعظمون عنها. ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ:﴾ لا يتعبون. وقيل: لا يملون، ولا يكلّون. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (من):

стр. 3629

مبتدأ. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول وهي عندية تشريف وتكريم، لا عندية مكان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، هذا؛ وأجيز اعتبار (من) معطوفة على الأولى، وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو من الضمير المتصل في: ﴿عِنْدَهُ،﴾ أو من ﴿مَنْ﴾ الأولى أو الثانية على قول من يجيز رفع من في الجار والمجرور: (له) من غير اعتماد على نفي، وشبهه. ﴿عَنْ عِبادَتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿يُسَبِّحُونَ..﴾. إلخ: يقدسون الله، ويعظمونه، ويصلّون له في جميع أوقات الليل والنهار، لا يملون، ولا يسأمون، ولا يضعفون، يلهمون التسبيح، والتقديس، كما يلهمون النفس. قال عبد الله بن الحارث: سألت كعبا، فقلت: أما لهم شغل عن التسبيح؟ أما يشغلهم عنه شيء؟ فقال: من هذا؟ فقلت: من بني عبد المطلب، فضمني إليه، وقال: يا بن أخي! هل يشغلك عن النفس شيء؟ إن التسبيح لهم بمنزلة النفس. وقد استدل بهذه الآية من قال: إن الملائكة أفضل من بني آدم، وقد بينت لك في سورة (النساء) وغيرها: أن خواص بني آدم أفضل من خواص الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم، وعوام بني آدم أفضل من عوام الملائكة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٤] من سورة (الإسراء) ففيها كبير فائدة. وانظر شرح ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ في الآية رقم [١٢] منها. الإعراب: ﴿يُسَبِّحُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة من وجه. ﴿اللَّيْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿وَالنَّهارَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل نصب حال من واو الجماعة في ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ فهي حال متداخلة من وجه، وغير متداخلة على اعتبار الأولى مستأنفة، وأجيز اعتبارها مستأنفة أيضا. ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾ الشرح: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً..﴾. إلخ أي: بل اتخذ كفار قريش آلهة مصنوعة من معادن الأرض، وهي الأصنام المتخذة من الحجارة، والخشب، وغيرهما، وهي من الأرض. ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ:﴾ يحيون الموتى، ففيه زيادة توبيخ، وإن لم يدعوا: أنّ أصنامهم تحيي الموتى، وإن لم يقروا بإحياء الموتى، وكيف يدعون ذلك، ومن أعظم المنكرات أن يبعث الموتى من قبورهم

стр. 3630

بعض الجمادات، وإنما يعزى لهم ذلك على وجه التبكيت؛ لأنه يلزم من دعوى الألوهية لها دعوى الإنشار؛ لأن العاجز عنه، لا يصح أن يكون إلها؛ إذ لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور. والإنشار من جملة المقدورات، وقد عوملت الأصنام وهي لا تعقل معاملة المذكر العاقل؛ حيث جمعت جمعه. انظر الآية رقم [٥٨] الآتية. الإعراب: ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» كما رأيت. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿آلِهَةً،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْشِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب صفة ل: ﴿آلِهَةً﴾. ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما:﴾ في السموات والأرض. ﴿آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ:﴾ غير الله، ف: ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى «غير» هنا، وهي صفة آلهة: فوصفت بها كما توصف ب: «غير» لو قيل: آلهة غير الله. واعتبره ابن هشام في المغني من تقارض اللفظين في الأحكام، قال: من ملح كلامهم تقارض اللفظين في الأحكام، ولذلك أمثله: أحدهما إعطاء (غير) حكم (إلا) في الاستثناء بها، نحو قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فيمن نصب غير، وإعطاء (إلا) حكم غير في الوصف بها، نحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ وانظر الشاهد رقم [١١٩٥] وما بعده من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ولا يجوز رفع ما بعدها على البدل من ﴿آلِهَةٌ؛﴾ لأن الكلام قبل ﴿إِلاَّ﴾ تام موجب، والبدل لا يسوغ إلا في الكلام التام المنفي، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ في قراءة الرفع، ولا يجوز نصبه على الاستثناء لفساد المعنى؛ ولأن الجمع إذا كان منكرا لا يجوز أن يستثنى منه عند المحققين؛ لأنه لا عموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا الاستثناء، ولهذه المسألة نظائر في الشعر العربي، مثل قول ذي الرمة: [الطويل] أنيخت، فألقت بلدة فوق بلدة... قليل بها الأصوات إلا بغامها وقول لبيد بن ربيعة العامري الصحابي، ﵁: [البسيط] لو كان غيري-سليمى-الدّهر غيّره... وقع الحوادث إلا الصّارم الذّكر وهما الشاهدان رقم [١١٣ و ١١٤] من كتابنا فتح القريب المجيب إعراب شواهد مغني اللبيب. ﴿لَفَسَدَتا:﴾ لخرجتا عن نظامهما المشاهد؛ لوجود التمانع بين الآلهة على وفق العادة

стр. 3631

عند تعدد الحاكم من التمانع في الشيء، وعدم الاتفاق عليه، ويوجد التمانع؛ لأن كل أمر صدر عن اثنين، فأكثر لم يجر على النظام، ويدل العقل على ذلك، وذلك أنّا لو قدرنا إلهين، لكان أحدهما إذا انفرد صح منه تحريك الجسم، وإذا انفرد الثاني صح منه تسكينه، فإذا اجتمعا؛ وجب أن يبقيا على ما كانا عليه حال الانفراد، فعند الاجتماع يصح أن يحاول أحدهما التحريك، والآخر التسكين، فإما أن يحصل المرادان وهو محال، وإما أن يمتنعا وهو أيضا محال؛ لأن كل واحد منهما يكون عاجزا، فوجب القول بوجود إلهين يوجب الفساد، فكان القول به باطلا. انتهى. جلال، وجمل نقلا عن كرخي. وانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الإسراء) والآية رقم [٩١] من سورة (المؤمنون). ﴿فَسُبْحانَ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (النحل). ﴿اللهُ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الكهف). ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء). ﴿الْعَرْشِ:﴾ قال الراغب في كتابه (مفردات القرآن): وعرش الله لا يعلمه البشر إلا بالاسم، لا بالحقيقة، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك؛ لكان حاملا له، تعالى الله عن ذلك. هذا؛ وقال سليمان الجمل: وأما المراد به هنا فهو الجسم النوراني المرتفع على كل الأجسام المحيط بكلها. وانظر ما ذكرته في آية الكرسي [٢٥٥] من سورة (البقرة). هذا؛ وفي سورة (الرعد): ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة (طه): ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ فمعنى استوى: استولى، ولا يجوز تفسيره باستقر، وثبت، فيكون الله من صفات الحوادث، وهذا التأويل ينبغي أن يقال في كل ما يوهم وصفا لا يليق به تعالى، والمنقول عن جعفر الصادق، والحسن، وأبي حنيفة، ومالك-﵃ أجمعين-أن الاستواء معلوم، والتكييف فيه مجهول، والإيمان به واجب، وجحوده كفر، والسؤال عنه بدعة. وهو مثل قول الإمام علي كرم الله وجهه: الاستواء غير مجهول، والتكييف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ لأنه تعالى كان ولا مكان، فهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغّير عمّا كان. ومضمون: ﴿فَسُبْحانَ..﴾. إلخ تنزيه الله عما وصفه به المشركون، والنصارى من اتخاذ الصاحبة، والولد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وأهل السلف يقولون: استوى استواء يليق به، ليس كمثله شيء. الإعراب: ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿فِيهِما:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ مقدم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿آلِهَةٌ:﴾ اسم كان مؤخر. ﴿إِلاَّ:﴾ اسم بمعنى «غير» وقال الفراء بمعنى: «سوى» صفة آلهة، ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية لكونه على صورة الحرف و ﴿إِلاَّ﴾ مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ﴿إِلاَّ﴾ التي على صورة الحرف، وقال المبرد: إن اسم ﴿اللهُ:﴾ بدل من آلهة، ورده ابن هشام في المغني، وناقشه طويلا.

стр. 3632

﴿لَفَسَدَتا:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (فسدتا): ماض، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتحة لا لتقائها ساكنة مع ألف الاثنين التي هي فاعله، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَسُبْحانَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سبحان): مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة، لا محل لها. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (سبحان) وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [١٨] فهو مثله بلا فارق. ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ أي: لا يسأل الله عمّا يفعله، ويقضيه في عباده من إعزاز، وإذلال، وهدى، وإضلال، وإسعاد، وإشقاء؛ لأنه تعالى المالك على الحقيقة، ولو اعترض على الملك بعض خدمه، وحشمه مع وجود التجانس، وجواز الخطأ عليه، وعدم الملك الحقيقي؛ لا ستقبح ذلك منه، وعدّ سفها، فالذي هو مالك الملوك، ورب الأرباب، وفعله كله صواب أولى بأن لا يعترض عليه. ﴿وَهُمْ يُسْئَلُونَ:﴾ والناس يسألون عن أعمالهم سؤال توبيخ، وتبكيت، يقال لهم يوم القيامة: لم فعلتم كذا؟ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله تعالى ليس فوقه أحد. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذه الآية قاصمة للقدرية، وغيرهم، وروي عن عليّ ﵁: أن رجلا قال له: يا أمير المؤمنين! أيجب ربنا أن يعصى؟ قال: أفيعصى ربنا قهرا؟ قال: أرأيت إن منعني الهدى، ومنحني الردى؛ أأحسن إليّ أم أساء؟ قال: إن منعك حقك؛ فقد أساء، وإن منعك فضله، فهو فضله يؤتيه من يشاء، ثم تلا الآية. وعن ابن عباس ﵄-قال: لما بعث الله- -موسى، وكلمه، وأنزل عليه التوراة؛ قال: اللهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع؛ لأطعت، ولو شئت ألا تعصى ما عصيت، وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا يا رب؟! فأوحى الله إليه: إني لا أسأل عما أفعل، وهم يسألون. تنبيه: من الصفات التي امتاز بها القرآن: الإيجاز في الألفاظ مع احتوائها على المعاني الكثيرة التي تحتاج إلى كلام كثير، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ وفي الآية الكريمة إيجاز واضح وظاهر، ولقد أعجب الناس بقول السموءل: [الطويل] وننكر إن شئنا على الناس قولهم... ولا ينكرون القول حين نقول

стр. 3633

وعند ما عدوا حروف الآية، وحروف البيت لم يجدوا بدّا من الاعتراف بفصاحة القرآن وبلاغته وإيجازه، وأين الثرى من الثريا؟. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُسْئَلُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى الله تعالى وهو المفعول الأول. ﴿عَمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو: عن شيء يفعله. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: عن فعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُسْئَلُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والمتعلق محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مبتدأ، والجملة الاسمية ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من نائب الفاعل المستتر، والرابط: الواو فقط، وهو أولى من عطف الجملة الاسمية على الفعلية. ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً:﴾ كرره استعظاما لكفرهم، واستفظاعا لأمرهم، وتبكيتا، وإظهارا لجهلهم، وقال النسفي: الإعادة لزيادة الإفادة، فالأول للإنكار عليهم من حيث العقل، والثاني من حيث النقل. انتهى. هذا؛ وفيه زيادة التوبيخ، والتقريع. ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أي: حجتكم على تلك الآلهة؛ التي تعبدونها من دون الله. والخطاب للنبي ﷺ . ﴿هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ أي: هذا القرآن فيه خبر من تبعني على ديني إلى يوم القيامة، وما لهم من الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ أي: فيه خبر من قبلي من الأمم السالفة، وما فعل بهم في الدنيا، وما يفعل بهم في الآخرة. وقال ابن عباس-﵄: ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ:﴾ القرآن، ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ التوراة، والإنجيل. والمعنى: راجعوا القرآن، والتوراة، والإنجيل، وسائر الكتب هل تجدون فيها: أن الله اتخذ ولدا، أو كان معه آلهة. هذا؛ ويقرأ بتنوين «(ذكر)» وكسر ميم «(من)» في الموضعين، وبفتحها في الموضعين. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: القرآن وما فيه من المواعظ، والأحكام، ولا يميزون بينه وبين الباطل. ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: لعدم معرفتهم الحق، فهم معرضون عن الاهتداء به، والأخذ بتعاليمه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو التقصير في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل.

стр. 3634

أما ﴿هاتُوا﴾ فهو بمعنى: أحضروا. قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في قطر الندى: وأما «هات، وتعال» فعدهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصواب: أنهما فعلا أمر، بدليل أنهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، تقول: هاتي، وتعالي، ثم قال: واعلم: أنّ آخر (هات) مكسور أبدا إلا إذا كان لجماعة المذكرين، فإنه يضم، فتقول: هات يا هند، وهاتيا يا زيدان، وهاتيا يا هندان، وهاتين يا هندات، كل ذلك بكسر التاء، وتقول: هاتوا يا قوم بضمها، قال تعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أقول: ومما ينبغي التنبه له: أنهما لا ماضي، ولا مضارع لهما، فهما جامدان، ملازمان للأمرية. الإعراب: ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آلِهَةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وقيل في محل نصب مفعول به ثان، ولا وجه له قطعا. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هاتُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بُرْهانَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿هاتُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿ذِكْرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَعِيَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، هذا؛ وعلى قراءة التنوين وفتح ميم ﴿مِنْ﴾ فهو في محل نصب صراحة، والإعراب نفسه، وأما على قراءة التنوين وكسر الميم؛ ف: (من) جارة لمحذوف، والجار والمجرور متعلقان ب: (ذكر) والظرف متعلق بمحذوف صلة ذلك المحذوف، وتقدير الكلام: هذا ذكر من الّذي معي. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله قراءة، وإعرابا. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. والواو فاعله. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به، ويقرأ برفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الحق، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لا يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَكْثَرُهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هذا ذِكْرُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب، والجملة الاسمية: (هم معرضون) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.

стр. 3635

﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ: فهذه الآية مقررة لما سبقها من آي التوحيد، حيث قال الله لجميع الرسل السابقين قولوا: لا إله إلا الله. فأدلة العقل، وهي ما يوجد في السموات، والأرض من آيات شاهدة: أنه لا شريك له تعالى، والنقل عن جميع الرسل موجود، والدليل إما معقول، وإما منقول، قال قتادة: لم يرسل نبيّ إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة، والإنجيل، والقرآن، وكل ذلك على الإخلاص، والتوحيد. أقول: وتغير الشرائع، والأحكام تبع لتغير الأزمان. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وفي الآية رقم [٧] ونحوها محذوف حرف الجر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نُوحِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، هذا؛ ويقرأ: «(يوحى إليه)» فهو مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجار والمجرور: ﴿إِلَيْهِ﴾ في محل نائب فاعله، وعلى القراءتين فالجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿رَسُولٍ،﴾ وساغ مجيء الحال من النكرة؛ لتقدم النفي عليها. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهو ضمير الشأن. ﴿إِلاّ:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿إِلاّ﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتباره بدلا من اسم ﴿إِلاّ﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، وثانيهما: اعتباره بدلا من (لا) واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، وثالثها: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأولى، والأقوى، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: نوحي إليه بكونه: ﴿لا إِلهَ إِلاّ..﴾. إلخ. هذا؛ ويجوز اعتبار المصدر على قراءة: «(يوحى)» نائب فاعل له. تأمل، والجملة الفعلية ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاعْبُدُونِ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (اعبدون): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا منا؛ فاعبدوني، وفي الكلام التفات من المتكلم الجماعة إلى المتكلم المفرد، وهو واضح، وجليّ.

стр. 3636

﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ الشرح: قال المفسرون: نزلت في قبيلة خزاعة؛ حيث قالوا: الملائكة بنات الله. وبه قال بنو جهينة، وبنو سلمة، وبنو مليح. أقول: تعم الآية كل من نسب لله ولدا، كاليهود؛ حيث قالوا: عزير ابن الله، والنصارى حيث قالوا: المسيح ابن الله، والملائكة، وعزير، والمسيح كلهم عباد الله، مقربون إليه، ومكرمون عنده. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. وانظر إعرابه في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍. ﴿اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة (قالوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو مضاف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف معترضة، والمراد منها: تنزيه الله من اتخاذ الولد، بل ومن اتخاذ الصاحبة. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿عِبادٌ:﴾ خبر محذوف، التقدير: بل هم عباد. ﴿مُكْرَمُونَ:﴾ صفة ﴿عِبادٌ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: (قالوا...) إلخ أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي: لا يتقدمون الله بقول يقولونه من تلقاء أنفسهم، شأنهم شأن العبيد المؤدبين، والضمير يعود على من نسبهم الكفار أولادا لله تعالى، ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ:﴾ لا يعملون إلا ما يأمرهم به، ولا يخالفون أوامره بشيء أبدا. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْبِقُونَهُ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿عِبادٌ﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿بِالْقَوْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.

стр. 3637

﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ:﴾ الفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ،﴾ والضمير المجموع يعود إلى الذين نسبهم الكفار أولادا لله تعالى، وقال عنهم: إنهم عباد مكرمون، والمعنى: يعلم الرحمن ما عمل أولئك العباد، وما هم عاملون. وقال ابن عباس-﵄: يعلم ما بين أيديهم من أمور الآخرة، وما خلفهم من أمور الدنيا، وقيل: يعلم ما كان قبل خلقهم، وما يكون بعد خلقهم، وانظر الآية رقم [١١٠] من سورة (طه)، والآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) عليهاالسّلام. ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ أي: لا يطلبون الشفاعة إلا للمؤمنين العابدين، وقال مجاهد: هم كل من ﵁، والملائكة يشفعون غدا في الآخرة كما في صحيح مسلم، وغيره، وفي الدنيا أيضا، فإنهم يستغفرون للمؤمنين، ولمن في الأرض. انتهى. قرطبي. أقول: وأكبر دليل على ذلك آية (غافر) رقم [٧]: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ:﴾ من خوفه. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خائفون، وجلون لا يأمنون مكره، هذا؛ وأصل الخشية: خوف مع تعظيم، ولذلك خص بها العلماء، والإشفاق: خوف مع اعتناء، فإن عدّي ب: «من» فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدّي ب: «على» فبالعكس انتهى. بيضاوي. وعن رسول الله ﷺ : «أنّه رأى جبريل ﵇ ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية الله» انتهى. كشاف. وانظر الآية رقم [٥٨] من سورة (المؤمنون). الإعراب: ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو المجرور بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، أو: الجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَشْفَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ﴾ حرف حصر. ﴿لِمَنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿اِرْتَضى:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا للذي، أو لشخص ارتضاه الله. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿مِنْ خَشْيَتِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر

стр. 3638

بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ:﴾ قال قتادة، والضحاك، وغيرهما: عنى بهذه الآية إبليس؛ حيث ادعى الشركة، ودعا إلى عبادة نفسه، وكان من الملائكة، ولم يقل أحد من الملائكة: إنّي إله من دون الله. انتهى. قرطبي. أقول: والأولى التعميم لكل من يدعي الألوهية من المخلوقات. ﴿فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أي: الذي يدعي الألوهية جزاؤه جهنم. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أي: كما جزينا مدعي الألوهية بالنار نجزي الظالمين أنفسهم بوضع الألوهية، والعبادة في غير موضعها، وفيه تهديد، ووعيد لكل من أشرك بالله شيئا. بعد هذا فقد وصف الله الملائكة بصفات سبع: الأولى: مكرمون، والأخيرة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ..﴾. إلخ، فهذه الضمائر كلها للملائكة. انتهى. جمل. بعد هذا انظر «الظلم، والبغي» في الآية رقم [٩٠] من سورة (النحل) وشرح ﴿يَجْزِي﴾ في الآية رقم [٣١] منها. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَقُلْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من). ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في (من). ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿إِلهٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿إِلهٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَذلِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نَجْزِيهِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: (من...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نجزي الظالمين جزاء كائنا مثل ذلك الجزاء الذي نجزيه من يقل: إني... إلخ. ﴿نَجْزِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. والفاعل تقديره: «نحن». ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.

стр. 3639

﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ألم يعلم الذين كفروا، وقرئ بدون واو. ﴿أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً﴾ أي: كانتا شيئا واحدا، وحقيقة متحدة، هذا؛ و (الرتق) بسكون التاء وفتحها: السد ضد الفتق، وهو أيضا الالتحام، والالتزام. ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ أي: فصلنا بينهما بالهواء، وفي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: قاله ابن عباس، والحسن، وعطاء، والضحاك، وكعب-﵃: خلق الله السموات، والأرض شيئا واحدا ملتزقتين ببعضهما، ففصل بينهما بالهواء. والثاني: قاله مجاهد، والسدي، وأبو صالح: كانت السموات مؤتلفة طبقة واحدة، ففتقها الله، وجعلها سبع سموات، وكذلك كانت الأرضون مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله، فجعلها سبعا، وإنّما قال تعالى: ﴿كانَتا﴾ ولم يقل: كنّ؛ لأن المراد جماعة السموات، وجماعة الأرضين. والثالث: قاله عكرمة، وعطية، وابن زيد، وابن عباس أيضا فيما ذكر المهدوي: إن السموات كانت رتقا، لا تمطر، والأرض كانت رتقا، لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات، واختار هذا القول الطبري بدليل الجملة التالية. انتهى. قرطبي بتصرف. ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ:﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدها: أنه خلق كل شيء من الماء، والثاني: حفظ حياة كل شيء بالماء، فيدخل فيه الحيوان، والنبات، والشجر... إلخ، والثالث: أن المراد ما خلق من النطفة، ويكون هذا اللفظ قد خرج مخرج الغالب؛ لأن آدم، وعيسى، والملائكة، والجان، لم يخلقوا من النطفة كما هو معروف. ﴿أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: أفلا يصدقون بما يشاهدونه، وأن ذلك لم يخلق بنفسه، بل لمكوّن كونه، وموجد أوجده، ولا يجوز أن يكون ذلك المكون محدثا، وانظر «الإيمان» في الآية رقم [٦]. هذا؛ وفي الآية مقابلة الرتق بالفتق، وهو نوع من البديع جيد هذا؛ و (جعلنا) هنا بمعنى: خلقنا، وأنشأنا، وأوجدنا. والفرق بين خلق، وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إحداث النور، والظلمات بالجعل، فقال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت المجوس بخلاف الخلق؛ لأن فيه معنى الإيجاد والإنشاء، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إيجاد السموات والأرض بالخلق، وخصهما جلت قدرته بالذكر هنا، وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع ﴿السَّماواتِ﴾ دون (الأرض) وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار،

стр. 3640

والحركات وقدمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا: لأنها كالذّكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في رحم المرأة؛ لأن الأرض تنبت، وتخضرّ بالمطر. أما «الكفر»: فهو ستر الحق بالجحود والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. وكفر الشيء: ستره، وغطاه. وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره، وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب. قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته. قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في معلقته: [الكامل] حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها أما ﴿الْماءِ﴾ فأصله: موه بفتح الميم، والواو، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «ماه» فلما اجتمعت الألف والهاء، وكلاهما خفي، قلبت الهاء همزة، ودليل ذلك: أن جمع ماء: أمواه، ومياه، وتصغيره: مويه. وأصل ياء مياه واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار، وديار، وقيمة، وقيم، ومثله قولهم: سوط، وسياط، وحوض، وحياض، وثوب، وثياب، وثور، وثيرة. ويقال في تعريف الماء: هو جسم رقيق مائع به حياة كل نام. وقيل في حده: جوهر سيال به قوام الأرواح. بعد هذا خذ قول أبي ذؤيب الهذلي: [الطويل] شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت... متى لجج خضر لهنّ نئيج فهو يصف السحاب على اعتقاد العرب في الجاهلية، ومثلهم العصريون في هذا الزمن من أن السحاب، أي الغيوم تدنو من البحر الملح في أماكن مخصوصة، فتمتد منها خراطيم كخراطيم الفيلة، فتشرب بها من مائه، فيسمع لها عند ذلك صوت مزعج، ثم تصعد إلى الجو، وترتفع، فيلطف ذلك الماء، ويعذب بإذن الله تعالى في زمن صعودها، ثم تمطره حيث شاء العلي القدير. وأما عند أهل السنة، فيقولون: إن أصله من الجنة، يأتي به المولى المتعالي من السحاب، من خروق فيها كخروق الغربال. وأقوال: إن ما ينزل من السماء من مطر، بعضه من ماء البحار المالحة الأرضية، وبعضه من خزائن القدرة، على أن الأول لا ينبت، وإنما الإنبات والخصب في الثاني، وعلامة الأول أنه ينزل غزيرا، كأنه ينصبّ من أفواه قرب، وأما ما يقوله الدهريون الملحدون: إن الطبيعة تمطر فهو كفر صراح، أي: خالص. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (النور) تجد ما يسرك. أما ﴿شَيْءٍ﴾ فهو في اللغة: عبارة عن كل شيء موجود، إما حسا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت: شيئا، وجمع الشيء: أشياء غير منصرف، واختلف في علته اختلافا

стр. 3641

كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-﵀: أن وزنه شيآء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: آدر، وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا. تأمل، وتدبر. وأخيرا فالهمزة في الكلميتن (أولم)، (أفلا) للإنكار وهي في نية التأخير عن الواو، والفاء؛ لأنهما حرفا عطف، وكذا تقدم على «ثم» تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾. إلخ، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله جل شأنه: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ، وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء الجملة المعطوفة نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً،﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ: أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات أو قتل... إلخ ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الواو: حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السَّماواتِ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿كانَتا:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتحة لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين التي هي اسمها. ﴿رَتْقاً:﴾ خبر (كان) ولم يثن؛ لأنه مصدر، وجملة: ﴿كانَتا رَتْقاً﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿فَفَتَقْناهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الفعلية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنَ الْماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنه بمعنى: خلقنا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٢٤] هذا؛ وعلى اعتبار الفعل بمعنى التحويل فالجار والمجرور مفعول ثان تقدم على الأول وهو ﴿كُلَّ،﴾ و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿حَيٍّ:﴾ صفة

стр. 3642

شيء، وقرئ: «(حيا)» على أنه مفعول ثان، أو صفة ﴿كُلَّ،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف عطف، أو استئناف. (لا): نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ:﴾ جبالا ثابتة، من: رسا الشيء: إذا ثبت. ﴿تَمِيدَ:﴾ تتحرك، وتضطرب. والميدان: الاضطراب يمينا، وشمالا. ومادت الأغصان: تمايلت. وماد الرجل: تبختر، وانظر الآية رقم [٣] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً:﴾ مسالك، والفج: الطريق الواسع بين الجبلين، والضمير يعود إلى ﴿الْأَرْضِ﴾. أو إلى الرواسي. ﴿سُبُلاً:﴾ طرقا، وهو تفسير لما قبله، وانظر الإعراب. ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى حيث يقصدون، فلا يضلون، ولا يتحيرون، أو لعلهم يهتدون إلى معرفة الله ، فيعرفون: أنه القادر المقتدر، والمنعم المتفضل. هذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وانظر شرح: ﴿سُبُلاً﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (الإسراء). الإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقل فيهما ما قلته في: ﴿مِنَ الْماءِ﴾ في الآية السابقة. ﴿رَواسِيَ:﴾ مفعول به إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (جعلنا من الماء) على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَمِيدَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى الجبال الرواسي. ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ في محل جر بإضافته لمصدر محذوف يقع مفعولا لأجله. التقدير: كراهية ميدها بكم، وهذا عند البصريين، وهو عند الكوفيين مجرور بحرف جر محذوف، التقدير: لئلا تميد بهم. ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً:﴾ مثل ما قبله في إعرابه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وقال الزمخشري: ﴿فِجاجاً:﴾ حال من سبلا كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وقد قاسها على قوله تعالى في آية (نوح): ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً﴾ وقيل: ﴿فِجاجاً:﴾ مفعول به، و ﴿سُبُلاً﴾ بدل منه. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَهْتَدُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل ل: (جعل) ما ذكر في هذه الآية، وسابقتها.

стр. 3643

﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ أي: من أن يقع، ويسقط على الأرض، أو محفوظا من الشياطين أن تسترق السمع، أو محفوظا من الفساد، والانحلال، والاختلال إلى يوم الوقت المعلوم. ﴿وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أي: عما خلق الله فيها من الشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب، وكيفية حركاتها في أفلاكها، ومطالعها، ومغاربها، والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة، والقدرة القاهرة، فهم لا يتفكرون، ولا يعتبرون. هذا؛ وأضاف سبحانه الآيات إلى السماء؛ لأنها مجعولة فيها، وقد أضاف الآيات إلى نفسه في مواضع كثيرة؛ لأنه هو الفاعل لها، وانظر شرح: (آية) في رقم [٥]. هذا؛ و ﴿السَّماءَ﴾ يذكر ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، والسماء: المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، قال معاوية بن مالك: [الوافر] إذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه، وإن كانوا غضابا أراد بالسماء: المطر، ثم أعاد الضمير عليه في رعيناه بمعنى النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. الإعراب: (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به أول. ﴿سَقْفاً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مَحْفُوظاً:﴾ صفة له. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿عَنْ آياتِها:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من السماء، والرابط على الاعتبارين الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَجَعَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ..﴾. إلخ: ذكّر الله الكافرين، والناس أجمعين نعمة أخرى من نعمه الكثيرة التي لا تعد، ولا تحصى؛ حيث جعل الليل؛ ليسكنوا فيه، وجعل لهم النهار؛ ليسعوا فيه لمعايشهم، وجعل الشمس آية النهار، والقمر آية الليل؛ ليعلموا السنين والحساب، انظر الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء) فالشرح فيها واف كاف. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كل واحد مما ذكر. ﴿فِي فَلَكٍ﴾

стр. 3644

﴿يَسْبَحُونَ﴾ أي: يجرون، ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء، وإنما جمعهن جمع المذكر العاقل بالواو، والنون؛ لأنه ذكر عنهن فعل العقلاء، وهو السباحة، والجري، وجعلهن في الطاعة، والانقياد بمنزلة من يعقل، وهذا يتكرر في القرآن الكريم، وقد ذكرته لك في محاله. هذا؛ و (الفلك) بفتحتين: مدار النجوم الذي يضمها، وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وجمعه: أفلاك ويجمع على: فلك، مثل: أسد وأسد، وقيل: الفلك: السماء الذي فيه الكواكب، فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر له أن يجري فيه، وقيل: الفلك طاحونة كهيئة فلك المغزل، فهو الذي تجري فيه النجوم، وهو مستدير كاستدارة الرحى، وقيل: غير ذلك، وقال أصحاب الهيئة: الأفلاك: أجرام صلبة، لا ثقيلة، ولا خفيفة، غير قابلة للخرق، والالتئام، والنمو، والذبول. والحق: أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السموات إلا بإخبار الصادق، فسبحان الخالق، المدبر لخلقه بالحكمة، والقدرة الباهرة غير المتناهية. ولا تنس: أن الله تعالى ذكر في غير هذه الآية: أنه سخر ما ذكر لمنافع العباد فوق أنها من الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته، وانظر الآية رقم [٣٣] وما بعدها من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وأتم تسليم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه! الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة صلته. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، والجملة الاسمية: (هو...) إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ سوغ الابتداء به الإضافة التي رأيتها في الشرح. ﴿فِي فَلَكٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَسْبَحُونَ:﴾ مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ وأجيز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وأولى منه اعتبار الجملة خبرا ثانيا، والجملة الاسمية: ﴿كُلٌّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الليل، وما عطف عليها، والرابط: الضمير المقدر إضافة كل إليه. ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ أي: لم نجعل لنبي، ولا لغيره قبلك دوام البقاء في الدنيا، فقد نزلت الآية حين قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، أي: الموت فنشمت بموته، فنفى الله الشماتة عنه بهذا. ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ:﴾ التقدير: أفهم الخالدون؟ والمعنى: لا خلود في الدنيا لبشر أبدا، وحق ألف الاستفهام إذا دخلت على حرف شرط أن تكون رتبتها قبل جواب الشرط، فالمعنى: أفهم الخالدون إن مت؟ ومثله الآية رقم [١٤٤] من سورة (آل عمران).

стр. 3645

هذا؛ و (بشر) يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا، مثل كلمة: «الفلك» تطلق على المفرد، والجمع، وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ و (بشر) يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون) ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) أيضا. هذا؛ وفي الآيات التفات من التكلم إلى الغيبة، ثم من الغيبة إلى التكلم، كما هو واضح، وللالتفات فوائد كثيرة، منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه: حث السامع، وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصه بالمواجهة. هذا؛ و (مت) يقرأ بضم الميم وكسرها، فالأول من باب: نصر، ك: قلت وصنت، والثاني من باب: علم ك: خفت ونمت. وقال المفسرون: من: مات، يمات، كخاف، يخاف، ونام، ينام، وهو بعد الإعلال يعود إلى باب: علم. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِبَشَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف في محل نصب مفعول به ثان، ولا وجه له. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف صفة (بشر) والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْخُلْدَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَما جَعَلْنا..﴾. مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَإِنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿مِتَّ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَهُمُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هم الخالدون): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والكلام: ﴿أَفَإِنْ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ:﴾ هذا التعميم مخصوص بقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ فإن الله تعالى حي لا يموت، ولا يجوز عليه الموت. و (الذوق) هاهنا
следующие страницы →