← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-﵀: أن وزنه شيآء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: آدر، وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا. تأمل، وتدبر. وأخيرا فالهمزة في الكلميتن (أولم)، (أفلا) للإنكار وهي في نية التأخير عن الواو، والفاء؛ لأنهما حرفا عطف، وكذا تقدم على «ثم» تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾. إلخ، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله جل شأنه: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ، وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء الجملة المعطوفة نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً،﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ: أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات أو قتل... إلخ ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الواو: حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السَّماواتِ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿كانَتا:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتحة لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين التي هي اسمها. ﴿رَتْقاً:﴾ خبر (كان) ولم يثن؛ لأنه مصدر، وجملة: ﴿كانَتا رَتْقاً﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿فَفَتَقْناهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الفعلية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنَ الْماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنه بمعنى: خلقنا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٢٤] هذا؛ وعلى اعتبار الفعل بمعنى التحويل فالجار والمجرور مفعول ثان تقدم على الأول وهو ﴿كُلَّ،﴾ و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿حَيٍّ:﴾ صفة

стр. 3642

شيء، وقرئ: «(حيا)» على أنه مفعول ثان، أو صفة ﴿كُلَّ،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف عطف، أو استئناف. (لا): نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ:﴾ جبالا ثابتة، من: رسا الشيء: إذا ثبت. ﴿تَمِيدَ:﴾ تتحرك، وتضطرب. والميدان: الاضطراب يمينا، وشمالا. ومادت الأغصان: تمايلت. وماد الرجل: تبختر، وانظر الآية رقم [٣] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً:﴾ مسالك، والفج: الطريق الواسع بين الجبلين، والضمير يعود إلى ﴿الْأَرْضِ﴾. أو إلى الرواسي. ﴿سُبُلاً:﴾ طرقا، وهو تفسير لما قبله، وانظر الإعراب. ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى حيث يقصدون، فلا يضلون، ولا يتحيرون، أو لعلهم يهتدون إلى معرفة الله ، فيعرفون: أنه القادر المقتدر، والمنعم المتفضل. هذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وانظر شرح: ﴿سُبُلاً﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (الإسراء). الإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقل فيهما ما قلته في: ﴿مِنَ الْماءِ﴾ في الآية السابقة. ﴿رَواسِيَ:﴾ مفعول به إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (جعلنا من الماء) على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَمِيدَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى الجبال الرواسي. ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ في محل جر بإضافته لمصدر محذوف يقع مفعولا لأجله. التقدير: كراهية ميدها بكم، وهذا عند البصريين، وهو عند الكوفيين مجرور بحرف جر محذوف، التقدير: لئلا تميد بهم. ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً:﴾ مثل ما قبله في إعرابه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وقال الزمخشري: ﴿فِجاجاً:﴾ حال من سبلا كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وقد قاسها على قوله تعالى في آية (نوح): ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً﴾ وقيل: ﴿فِجاجاً:﴾ مفعول به، و ﴿سُبُلاً﴾ بدل منه. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَهْتَدُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل ل: (جعل) ما ذكر في هذه الآية، وسابقتها.

стр. 3643

﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ أي: من أن يقع، ويسقط على الأرض، أو محفوظا من الشياطين أن تسترق السمع، أو محفوظا من الفساد، والانحلال، والاختلال إلى يوم الوقت المعلوم. ﴿وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أي: عما خلق الله فيها من الشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب، وكيفية حركاتها في أفلاكها، ومطالعها، ومغاربها، والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة، والقدرة القاهرة، فهم لا يتفكرون، ولا يعتبرون. هذا؛ وأضاف سبحانه الآيات إلى السماء؛ لأنها مجعولة فيها، وقد أضاف الآيات إلى نفسه في مواضع كثيرة؛ لأنه هو الفاعل لها، وانظر شرح: (آية) في رقم [٥]. هذا؛ و ﴿السَّماءَ﴾ يذكر ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، والسماء: المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، قال معاوية بن مالك: [الوافر] إذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه، وإن كانوا غضابا أراد بالسماء: المطر، ثم أعاد الضمير عليه في رعيناه بمعنى النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. الإعراب: (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به أول. ﴿سَقْفاً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مَحْفُوظاً:﴾ صفة له. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿عَنْ آياتِها:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من السماء، والرابط على الاعتبارين الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَجَعَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ..﴾. إلخ: ذكّر الله الكافرين، والناس أجمعين نعمة أخرى من نعمه الكثيرة التي لا تعد، ولا تحصى؛ حيث جعل الليل؛ ليسكنوا فيه، وجعل لهم النهار؛ ليسعوا فيه لمعايشهم، وجعل الشمس آية النهار، والقمر آية الليل؛ ليعلموا السنين والحساب، انظر الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء) فالشرح فيها واف كاف. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كل واحد مما ذكر. ﴿فِي فَلَكٍ﴾

стр. 3644

﴿يَسْبَحُونَ﴾ أي: يجرون، ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء، وإنما جمعهن جمع المذكر العاقل بالواو، والنون؛ لأنه ذكر عنهن فعل العقلاء، وهو السباحة، والجري، وجعلهن في الطاعة، والانقياد بمنزلة من يعقل، وهذا يتكرر في القرآن الكريم، وقد ذكرته لك في محاله. هذا؛ و (الفلك) بفتحتين: مدار النجوم الذي يضمها، وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وجمعه: أفلاك ويجمع على: فلك، مثل: أسد وأسد، وقيل: الفلك: السماء الذي فيه الكواكب، فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر له أن يجري فيه، وقيل: الفلك طاحونة كهيئة فلك المغزل، فهو الذي تجري فيه النجوم، وهو مستدير كاستدارة الرحى، وقيل: غير ذلك، وقال أصحاب الهيئة: الأفلاك: أجرام صلبة، لا ثقيلة، ولا خفيفة، غير قابلة للخرق، والالتئام، والنمو، والذبول. والحق: أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السموات إلا بإخبار الصادق، فسبحان الخالق، المدبر لخلقه بالحكمة، والقدرة الباهرة غير المتناهية. ولا تنس: أن الله تعالى ذكر في غير هذه الآية: أنه سخر ما ذكر لمنافع العباد فوق أنها من الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته، وانظر الآية رقم [٣٣] وما بعدها من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وأتم تسليم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه! الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة صلته. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، والجملة الاسمية: (هو...) إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ سوغ الابتداء به الإضافة التي رأيتها في الشرح. ﴿فِي فَلَكٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَسْبَحُونَ:﴾ مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ وأجيز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وأولى منه اعتبار الجملة خبرا ثانيا، والجملة الاسمية: ﴿كُلٌّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الليل، وما عطف عليها، والرابط: الضمير المقدر إضافة كل إليه. ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ أي: لم نجعل لنبي، ولا لغيره قبلك دوام البقاء في الدنيا، فقد نزلت الآية حين قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، أي: الموت فنشمت بموته، فنفى الله الشماتة عنه بهذا. ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ:﴾ التقدير: أفهم الخالدون؟ والمعنى: لا خلود في الدنيا لبشر أبدا، وحق ألف الاستفهام إذا دخلت على حرف شرط أن تكون رتبتها قبل جواب الشرط، فالمعنى: أفهم الخالدون إن مت؟ ومثله الآية رقم [١٤٤] من سورة (آل عمران).

стр. 3645

هذا؛ و (بشر) يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا، مثل كلمة: «الفلك» تطلق على المفرد، والجمع، وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ و (بشر) يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون) ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) أيضا. هذا؛ وفي الآيات التفات من التكلم إلى الغيبة، ثم من الغيبة إلى التكلم، كما هو واضح، وللالتفات فوائد كثيرة، منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه: حث السامع، وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصه بالمواجهة. هذا؛ و (مت) يقرأ بضم الميم وكسرها، فالأول من باب: نصر، ك: قلت وصنت، والثاني من باب: علم ك: خفت ونمت. وقال المفسرون: من: مات، يمات، كخاف، يخاف، ونام، ينام، وهو بعد الإعلال يعود إلى باب: علم. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِبَشَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف في محل نصب مفعول به ثان، ولا وجه له. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف صفة (بشر) والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْخُلْدَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَما جَعَلْنا..﴾. مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَإِنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿مِتَّ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَهُمُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هم الخالدون): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والكلام: ﴿أَفَإِنْ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ:﴾ هذا التعميم مخصوص بقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ فإن الله تعالى حي لا يموت، ولا يجوز عليه الموت. و (الذوق) هاهنا

стр. 3646

عبارة عن مقدمات الموت، وآلامه العظيمة قبل حلوله. انتهى. خازن. هذا؛ و «الذوق» يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه؛ أي: اختبره. وانظر فلانا، فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل] فذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] فذق هجرها إن كنت تزعم أنها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم وتقول: ذقت ما عند فلان، أي: خبرته، وذقت القوس: إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه. قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل] فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب وتذوقته؛ أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق؛ أي: مجرب معلوم، قال الشاعر: [الوافر] وعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستذاق وأصله من الذوق بالفم، و (ذوقوا) في كثير من الآيات أمر للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية، وفي الموت، أو في العذاب استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت الذوق تخييلا. ﴿وَنَبْلُوكُمْ:﴾ نختبركم. ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ أي: بالشدة، والرخاء، والصحة، والسقم، والغنى، والفقر، وبما تحبون وما تكرهون، وقد سماه الله ابتلاء، وإن كان عالما بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم؛ لأنه في صورة الاختبار، وفي (الأعراف): ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾ رقم [١٦٨]. ﴿فِتْنَةً:﴾ اختبارا، وابتلاء لننظر شكركم فيما تحبون، وصبركم فيما تكرهون. ﴿وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أي: للحساب، والجزاء، وفيه إشارة إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الاختبار، والابتلاء، والتعريض للثواب، والعقاب، وانظر (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، هذا؛ والموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته. وموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح. هذا؛ وأما (النفس) فإنها تجمع في القلة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس، والنفس تؤنث باعتبار الروح، وتذكر باعتبار الشخص؛ أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا، أم أنثى. فعلى الأول قيل: إنها جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الرطب، فتكون سارية في جميع البدن.

стр. 3647

قال الجنيد-رحمه الله تعالى-: الروح شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود، قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ وقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية، لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمى: روحا، ومن حيث شهوتها تسمى: نفسا، فالثلاثة متحدة بالذات، مختلفة بالاعتبار. هذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم: أن النفس على خمس مراتب: الأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضية، ويزاد: الملهمة، والكاملة، فالأمارة بالسوء: هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشهوات، وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق، لكن بقي فيها ميل للشهوات؛ سميت: لوامة، وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها إلى عالم القدس، وتلقت الإلهامات؛ سميت: ملهمة، فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس الشهوانية حكم أصلا؛ سميت: مطمئنة، فإن ترقت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها؛ سميت: راضية، فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحق، وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم وتكميلهم؛ سميت: كاملة، فالنفس سبع طبقات، ولها سبع، درجات كما ذكرت، وقدمت. وأخيرا خذ ما ذكره القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي الخبر عن النبي ﷺ : أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعمتموه وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شرّ غاية. وإن أهنتموه، وأعريتموه، وأجعتموه؛ أفضى بكم إلى خير غاية». قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب. قال: «فو الّذي نفسي بيده؛ إنها لنفوسكم الّتي بين جنوبكم!». الإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ذائِقَةُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْمَوْتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَنَبْلُوكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نبلوكم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِالشَّرِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْخَيْرِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول لأجله، أو حال بمعنى: فاتنين لكم، أو مفعول مطلق من معنى (نبلوكم)؛ إذا المعنى: نفتنكم فتنة. ﴿وَإِلَيْنا:﴾ الواو: واو الحال. (إلينا): متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع، ويقرأ بالبناء للمعلوم، والبناء للمجهول، والواو فاعل، أو نائبه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (نبلوكم) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة لا محل لها، وقيل: معطوفة على ما قبلها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 3648

﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفار قريش، والخطاب للنبي ﷺ . وقيل: المراد به أبو جهل الخبيث وحده، كان إذا مر به النبي ﷺ ضحك، وقال: هذا نبي بني عبد مناف. ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً:﴾ سخرية، واستهزاء، وقد أخذ الله المستهزئين بالرسول ﷺ أخذ عزيز مقتدر. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٥] من سورة (الحجر). هذا؛ و ﴿هُزُواً﴾ مصدر هزأ، يهزأ، هزأ من باب: فتح، ويأتي أيضا من باب: تعب، والمصدر يأتي بضم الزاي، وسكونها، وتخفيف الهمزة، فتقلب واوا، وقد قرئ بهما، وهما سبعيتان، هذا؛ والاستهزاء بالناس حرام قطعا، وآية الحجرات الناهية عن السخرية والاستهزاء بالناس معروفة، وأحاديث النبي ﷺ الناهية عن ذلك كثيرة، ومسطورة، ومشهورة، والآية رقم [٤١] من سورة (الفرقان) شبيهة بهذه الآية. ﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: يقولون: أهذا الذي يذكر آلهتكم بسوء، ويعيبها، فحذف المتعلق لدلالة القرينة عليه. ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ﴾ أي: بذكر الله، وما يجب أن يذكر به من التوحيد. وقيل: المراد ب: (ذكر الرحمن) أي: بما أنزل عليك من القرآن جاحدون، لا يصدقون به أصلا. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف، وقيل: عاطفة على قوله فيما سبق: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ وفيه بعد لا يخفى. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَآكَ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿رَآكَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿يَتَّخِذُونَكَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُزُواً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، وهي مخالفة لأدوات الشرط في ذلك، فإن أدوات الشرط متى أجيبت ب: «إن» النافية، أو ب: «ما» وجب الإتيان بالفاء. ﴿أَهذَا:﴾ الهمزة: حرف استفهام يتضمن التحقير بزعمهم. (هذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يَذْكُرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد. ﴿آلِهَتَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل

стр. 3649

لها، والجملة الاسمية: ﴿أَهذَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقولون: أهذا... إلخ، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، أو هي جواب (إذا) لا محل لها، وتكون جملة: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ..﴾. إلخ معترضة بين شرط (إذا) وجوابها لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿بِذِكْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما، و (ذكر) مضاف، و ﴿الرَّحْمنِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿هُمْ:﴾ توكيد لفظي لسابقه. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في: «يقولون» المقدر، أو في ﴿يَتَّخِذُونَكَ،﴾ والرابط: الواو، والضمير على الاعتبارين، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: ركب على العجلة. فخلق عجولا، ويقال: خلق الإنسان من الشر، أي: شريرا؛ إذا بالغت في وصفه به، والمعنى: إن طبع الإنسان العجلة، فيستعجل كثيرا من الأشياء؛ وإن كانت مضرة. هذا؛ وقيل: المراد بالإنسان آدم ﵇، قال سعيد بن جبير والسدي رحمهما الله تعالى: لما دخلت الروح في عيني آدم ﵇؛ نظر في ثمار الجنة، فلما دخلت جوفه؛ اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فوقع، فقيل: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ وأورث بنيه العجلة، وقيل: خلق بسرعة، وتعجيل على غير قياس خلق بنيه؛ لأنهم خلقوا من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، أطوارا، طورا بعد طور. وقال أبو عبيدة، وغيره: العجل: الطين بلغة حمير، وأنشدوا: [البسيط] والنّبع في الصخرة الصّمّاء منبته... والنّخل ينبت بين الماء والعجل وقيل: أراد بالإنسان النوع الإنساني يدل عليه ما بعده، وذلك: أن المشركين كانوا يستعجلون العذاب، وقيل: المراد به النضر بن الحارث، وهو الذي ذكرته في الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي:﴾ المراد بالآيات ما دل على صدق محمد ﷺ من المعجزات، وما جعله له من العاقبة المحمودة، وقال البيضاوي: نقماتي في الدنيا، كوقعة بدر، وفي الآخرة عذاب النار. هذا؛ ويكثر النهي في القرآن الكريم عن العجلة، واستعجال الشيء قبل أوانه، وهذا النهي أكثر ما يوجه للكافرين الذين طلبوا استعجال العذاب، وقد يوجه إلى بني آدم جميعا. وقد توجه إلى النبي ﷺ كما في الآية رقم [١١٤] من سورة (طه)، بينما حث الله تعالى على المسارعة إلى فعل الطاعات، فقال في (آل عمران): ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ رقم [١٣٣]، وقال في سورة (الحديد): ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ رقم [٢١]، كما وصف أنبياءه،

стр. 3650

ورسله بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وهذا لا يناقض ما روي: «العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن»؛ لأن المسارعة إلى الطاعات مستثناة من ذلك، كما أن هناك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها، كأداء الصلاة المكتوبة؛ إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ؛ إذا أتى الكفؤ لها، ودفن الميت، وإكرام الضيف؛ إذا نزل. وخذ ما يلي: فعن علي بن أبي طالب-﵁، قال، قال رسول الله ﷺ له: «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها: الصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفئا». رواه الترمذي. الإعراب: ﴿خُلِقَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ عَجَلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانُ﴾. ﴿سَأُرِيكُمْ:﴾ السين: حرف استقبال. (أريكم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول. ﴿آياتِي:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢٥]. (لا): ناهية. ﴿تَسْتَعْجِلُونِ:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فلا... إلخ، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)﴾ الشرح: المعنى: يقول كفار قريش: متى هذا الوعد؛ أي: الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب؟! وقيل: قيام الساعة،، وإنما قالوا ذلك على وجه التكذيب، والاستبعاد، والاستهزاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: فيما تعدوننا به، وإنما قالوا بلفظ الجمع؛ لأن كل أمة قالت لرسولها كذلك. أو المعنى: إن كنت صادقا أنت، وأتباعك يا محمد!. هذا؛ وأصل ﴿كُنْتُمْ:﴾ كونتم، فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار «كانتم» فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف، فصار: «كنتم» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: «كنتم» وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل، فصار (كونت) ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار (كونت) فالتقى ساكنان: العين المعتلة، ولام الفعل، فحذفت العين وهي الواو لالتقائها ساكنة مع النون، فصار (كنت). وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسند إلى ضمير رفع متحرك مثل: قال، وقام، ونحوهما.

стр. 3651

الإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْوَعْدُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقولون...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين؛ فمتى هذا... إلخ أو: فأتوا به. والكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾ الشرح أي: لو يعلم الكافرون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ وهو وقت تحيط بهم فيه النار من وراء، وقدام، فلا يقدرون على دفعها، ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم لما كانوا بتلك الصفة من الكفر، والاستهزاء، والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هوّنه عليهم. انتهى. نسفي. هذا؛ والفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد بخلافه من العلم اليقيني فإنه ينصب مفعولين، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأنّ متعلقها الذوات دون النّسب، بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنسب. وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى لم يتجاوز مفعولا؛ لأن العلم والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما، لم يكن المقصود أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة. أما «الحين» فهو الوقت قليلا كان أو كثيرا، والمدة من الزمن قصيرة كانت أو طويلة، وجمعه: أحيان، وجمع الجمع: أحايين، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٥] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام، وهو بكسر الحاء، وأما بفتحها؛ فهو الهلاك والموت. والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿حِينَ:﴾ مفعول به، وقيل: المفعول محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: لو يعلم

стр. 3652

الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه، واستبطؤوه، و ﴿حِينَ﴾ منصوب بالمفعول الذي هو: مجيء. انتهى. جمل. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَكُفُّونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَنْ وُجُوهِهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿النّارَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لا يَكُفُّونَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿حِينَ﴾ إليها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَنْ ظُهُورِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿وُجُوهِهِمُ:﴾ مبتدأ. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿لا يَكُفُّونَ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف انظر تقديره في الشرح، هذا؛ ووقع شرط ﴿لَوْ﴾ مضارعا، وإن كان المعنى على المضي؛ لإفادة استمرار عدم العلم، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ أي: الساعة، أو النار. ﴿بَغْتَةً:﴾ فجأة بدون إنذار. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ:﴾ فتدهشهم، وتحيرهم، هذا؛ وقرئ الفعلان بالياء، ويكون الفاعل: الموعود. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها:﴾ دفعها عن وجوههم، وظهورهم، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ،﴾ يمهلون للتوبة، والمعذرة. الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى الساعة، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من الفاعل المستتر، بمعنى: باغتة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تبغتهم بغتة، وتكون هذه الجملة في محل نصب حال من الفاعل المستتر، وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا للفعل «يأتي» من غير لفظه، على حد قولهم: أتيته ركضا، فتكون نائب مفعول مطلق. وجملة ﴿فَتَبْهَتُهُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿رَدَّها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ:﴾ معطوفة أيضا، وانظر إعراب مثلها في الآية السابقة. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١)﴾ الشرح: في هذه الآية تعزية، وتسلية للرسول ﷺ عما كان من تكذيب المشركين له، واستهزائهم به، فقد جعل الله أسوة له في ذلك الأنبياء، والمرسلين؛ الذين كانوا قبله، وتلك سنة

стр. 3653

متبعة في الأولين، والآخرين، حيث لم يقم داع يدعو إلى الإصلاح، والخير، إلا وقوبل بالسخرية، والاستهزاء. ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ..﴾. إلخ: أي: فنزل بالأقوام المستهزئين بالرسل العقاب الشديد، والعذاب المهين، وفي هذه الآية تحذير للمشركين من أهل مكة أن يفعلوا بنبيهم كما فعل من قبلهم بأنبيائهم، فينزل بهم مثل ما نزل بهم. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها كاملة في سورة (الأنعام) رقم [١٠]. والله الموفق، والمعين. الإعراب: ﴿وَلَقَدِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اُسْتُهْزِئَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿بِرُسُلٍ:﴾ في محل رفع نائب فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (رسل) والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. (حاق): ماض. ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿سَخِرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل حاق. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وجملة: «يستهزئون به» في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والرابط، أو العائد: الضمير المجرور محلا بالياء، ولا يصح اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية لعود الضمير عليها، وهي حرف، وجملة ﴿فَحاقَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ:﴾ يحرسكم، ويحفظكم، والكلاءة: الحراسة، والحفظ. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ إذا نمتم. ﴿وَالنَّهارِ:﴾ إذا قمتم، وتصرفتم في أموركم. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ﴾ أي: من عذابه، وبطشه. ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾ أي: عن القرآن، ومواعظه. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ ساهون، لاهون، غافلون، ومعنى: ﴿بَلْ هُمْ..﴾. إلخ أي: دعهم يا محمد عن هذا السؤال؛ لأنهم لا يصلحون له؛ لإعراضهم عن ذكر الله، فلا يخطر ببالهم حتى يخوفوا بالله، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْلَؤُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوف

стр. 3654

على ما قبله. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب إبطالي. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿عَنْ ذِكْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُعْرِضُونَ﴾ بعدهما، و ﴿ذِكْرِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا﴾ أي: ألهم آلهة تحميهم من عذابنا. والميم زائدة. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ المعنى: إنّ تلك الآلهة التي يعبدونها عاجزة عن دفع السوء عن نفسها، فكيف تدفع عنهم العذاب؟! ﴿وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: يمنعون، أو المعنى: لا يصحب تلك الآلهة خير منا. وقيل: يجارون. الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿آلِهَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿تَمْنَعُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿آلِهَةٌ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صفة ﴿آلِهَةٌ﴾. ﴿مِنْ دُونِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة، هذا؛ وعلق الجمل الجار والمجرور بمحذوف صفة ﴿آلِهَةٌ،﴾ وتقدير الكلام: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم، وهو لا يتفق مع الشرح المتقدم وعلى قوله فالجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿آلِهَةٌ﴾ لوصفها بالجار والمجرور. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿نَصْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها كالجملة الاسمية قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُصْحَبُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله. وجملة: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ:﴾ المعنى: إنّ ما هم فيه من الحفظ، وإدرار الرزق عليهم إنما هو منا، لا من غيرنا، وإنما أنعمنا عليهم، وعلى آبائهم بذلك

стр. 3655

تمتيعا لهم بالحياة، واستدراجا لهم، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم حتى طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وأعرضوا عن الإيمان، وظنوا: أنهم دائمون مخالدون، وهو أمل كاذب. ﴿أَفَلا يَرَوْنَ﴾ أي: كفار مكة. ﴿أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ أي: ننقص من أطراف المشركين، ونزيد في أطراف المؤمنين، يريد بذلك ظهور النبي ﷺ ، وفتحه ديار الشرك، أرضا، فأرضا، وقرية، فقرية، والمعنى: أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المتعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في إتيان الأرض من جوانبها، بأخذ الواحد بعد الواحد، وفتح البلاد، والقرى مما حول مكة، وإدخالها في ملك محمد ﷺ ، وموت رؤساء المشركين المتنعمين في الدنيا، أما كان لهم في ذلك عبرة، فيؤمنوا، ويدخلوا في دين الله؟! وهذا يعني: أن الآية مدنية، وانظر الآية رقم [٤١] من سورة (الرعد) فهي مثلها، وفيها زيادة شرح. ﴿أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ أي: هم الغالبون؛ ونحن نفعل بهم ما نفعل من نقصان أرضهم؟! بل محمد ﷺ وأصحابه هم الغالبون، و (أطراف) جمع: طرف بفتح الطاء، والراء، وهو في الأصل حرف الشيء ومنتهاه، وانظره بفتح الطاء وسكون الراء في الآية [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم. الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وإضراب. ﴿مَتَّعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿وَآباءَهُمْ:﴾ معطوف على اسم الإشارة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر، بعدها «أن» مضمرة. ﴿طالَ:﴾ ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْعُمُرُ:﴾ فاعله، و «إن» المضمرة والفعل (طال) في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿مَتَّعْنا،﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَرَوْنَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿نَأْتِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿نَنْقُصُها:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، و (ها): مفعول به أول. ﴿مِنْ أَطْرافِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، وإن اعتبرت ﴿مِنْ﴾ صلة يتضح لك الأمر، و (ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَنْقُصُها..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿نَأْتِي﴾ المستتر أو من مفعوله، والرابط: الضمير فقط على الاعتبارين، وجملة: ﴿نَأْتِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَفَلا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَهُمُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف. والجملة الاسمية: (هم الغالبون): مستأنفة لا محل لها.

стр. 3656

﴿قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ . ﴿إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ:﴾ أخوفكم بما يوحى إليّ، وهو القرآن. ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ أي: من أصم الله قلبه من فهم آيات القرآن، وختم على سمعه، فلا يسمعه سماع قبول، وجعل على بصره غشاوة، فلا ينظر فيه نظر تبصر، واعتبار، هذا؛ ويقرأ: «(لا تسمع الصّمّ)» و «(لا يسمع الصّمّ)». ﴿إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ أي: يخوفون، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ والمراد ب: ﴿الدُّعاءَ﴾ الدعوة إلى الإيمان، والتوحيد، ونبذ عبادة الأوثان، وقد اعتبرهم الله صمّا مع كونهم لهم آذان؛ لأنهم لم يسمعوا سماع قبول. هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد ﷺ أجمعين، والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النّحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا، وانظر الآية رقم [٦٨] من سورة (النحل). هذا؛ والفعل ﴿يَسْمَعُ﴾ من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات تعدى إلى اثنين، والثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسي، واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال، إن كان المتقدم معرفة، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أُنْذِرُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿بِالْوَحْيِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَسْمَعُ:﴾ مضارع. ﴿الصُّمُّ:﴾ فاعله. ﴿الدُّعاءَ:﴾ مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿يَسْمَعُ،﴾ أو ب: ﴿الدُّعاءَ﴾. ﴿إِنَّما:﴾ صلة. ﴿يُنْذَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ:﴾ المعنى: ولئن أصابتهم عقوبة قليلة من عذاب الله. هذا؛ وفي قوله: ﴿نَفْحَةٌ﴾ تقليل ما يصيبهم، فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء،

стр. 3657

والبناء دالّ على المرة. هذا؛ والنفحة في اللغة: الدفعة اليسيرة، وهي أيضا: النصيب القليل، وقال ابن ميادة في مدح الوليد بن يزيد بن عبد الملك: [البسيط] لمّا أتيتك أرجو فضل نائلكم... نفحتني نفحة طابت لها العرب أي: طابت لها النفس، وانظر ﴿تَلْفَحُ﴾ في الآية رقم [١٠٤] من سورة (المؤمنون). هذا؛ وإعلال: (ليقولنّ) مثل إعلال: (لتعلمنّ) في الآية رقم [٧١] من سورة (طه). هذا؛ و ﴿عَذابِ﴾ اسم مصدر، لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، وسلام، ونبات لأعطى، وسلم، وأنبت. الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿مَسَّتْهُمْ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿نَفْحَةٌ:﴾ فاعل. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿نَفْحَةٌ،﴾ و ﴿عَذابِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿مَسَّتْهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يقولن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد، والكلام: ﴿يا وَيْلَنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وانظر إعرابه في الآية رقم [١٤] والجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم، فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم والكلام: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ﴾ أي: نحضر الموازين لنزن فيها أعمال العباد، والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان، له لسان، وكفتان، ينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم. هذا؛ و ﴿الْمَوازِينَ﴾ جمع: ميزان، وإنما جمع ﴿الْمَوازِينَ﴾ لتعظيم شأنها، أو لاعتبار تعدد الأعمال

стр. 3658

الموزونة به، وأفرد القسط؛ لأنه مصدر وصف به للمبالغة، و «ميزان» أصله: موزان، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ومثله: ميعاد، وميثاق، وميراث، وميقات... إلخ. ﴿لِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي: لجزاء يوم القيامة، أو لحساب أهله، أو المعنى: في يوم القيامة، كقولك: جئت لخمس خلون من الشهر. هذا؛ والقيامة، أصلها القوامة؛ لأنها من: قام، يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها. ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ أي: بزيادة سيئة، أو نقصان حسنة. ﴿وَإِنْ كانَ﴾ أي: العمل الذي عمله العبد في الدنيا. ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ أي: مقدار، أو وزن حبة. ﴿مِنْ خَرْدَلٍ:﴾ هذا نبات له حب صغير جدا، أسود، واحدته خردلة يقال: إن الحس لا يدرك لها ثقلا؛ إذ لا ترجح ميزانا. ﴿أَتَيْنا بِها:﴾ أحضرناها، وأوجدناها، ويقرأ: «(آتينا بها)» بالمد بمعنى: جازينا بها. ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ:﴾ محاسبين. وقال ابن عباس-﵄: معناه: كفى بنا عالمين حافظين؛ لأن من حسب شيئا؛ فقد علمه، وحفظه. والغرض منه التحذير، فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء، فحقيق بالعاقل أن يكون أشد الخوف منه، ويروى: أن الشبلي -رحمه الله تعالى-رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: [مجزوء الخفيف] حاسبونا فدققوا... ثمّ منّوا فأعتقوا هكذا سيمة الملو... ك بالمماليك يرفقوا تنبيه: والحكمة من وزن الأعمال مع علم الله تعالى بمقاديرها تتجلى فيما يلي: منها: إظهار العدل الإلهي، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة. ومنها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير، وشر، وحسنة، وسيئة. ومنها: إظهار علامة السعادة، والشقاوة. وإن أردت الزيادة فانظر الآية رقم [٨ و ٩] من سورة (الأعراف)، وانظر وزن أعمال الكافرين في الآية [١٠٥] من سورة (الكهف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَنَضَعُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نضع): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمَوازِينَ:﴾ مفعول به. ﴿الْقِسْطَ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِيَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (يوم) مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تُظْلَمُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿نَفْسٌ:﴾ نائب فاعل. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به ثان، وقيل: نائب مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف، وقيل: عاطفة. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمها ضمير مستتر. انظر الشرح. ﴿مِثْقالَ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. هذا؛ ويقرأ برفعه على اعتبار (كان) تامة، وهو فاعلها، و ﴿مِثْقالَ﴾ مضاف،

стр. 3659

و ﴿حَبَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ خَرْدَلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿حَبَّةٍ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل لها. ﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف استئناف. (كفى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِنا:﴾ الباء: حرف جر صلة. (نا): فاعل كفى مجرور لفظا، منصوب محلا. ﴿حاسِبِينَ:﴾ تمييز منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ الشرح: المعنى: أعطينا موسى وهارون التوراة: وهي الكتاب الجامع؛ لكونه فارقا بين الحق والباطل، ونورا يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، وذكرا يتعظ فيه المتقون، أو: ذكر ما يحتاجون إليه من التشريع لأمور دينهم ودنياهم، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الفرقان) ودخلت الواو على الصفات كما في قوله تعالى في وصف يحيى بن زكريا-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا﴾ وإنما خص (المتقين) بالذكر؛ لأنهم هم الذين انتفعوا، وينتفعون بالمواعظ، والنصائح في كل زمان، وفي كل مكان، وانظر الآية التالية. تنبيه: عند التأمل يظهر لك: أن النصف الأول من هذه السورة الكريمة تكلم الله فيه عن دلائل التوحيد، والنبوة، والبعث، والحساب، والجزاء، وفي النصف الثاني منها شرع في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، تسلية لرسول الله ﷺ فيما يناله من قومه، وتقوية لقلبه على أداء الرسالة، والصبر على كل عارض، وذكر منها عشرا، انظرها فيما يأتي. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٤١] ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به أول. ﴿وَهارُونَ:﴾ معطوف عليه. ﴿الْفُرْقانَ:﴾ مفعول به ثان، وما بعده معطوف عليه. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب: (ذكرا)، أو بمحذوف صفة له، وحذف مثلهما بعد (ضياء)، والعكس صحيح، وذلك على التنازع، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر. هذا؛ وقيل: إن الواو زائدة، كما قرئ بدونها، وعليه ف: (ضياء) حال من ﴿الْفُرْقانَ﴾. ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ:﴾ يخافونه. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: غائبين؛ لأنهم لم يروا الله تعالى، بل عرفوا بالنظر، والاستدلال: أن لهم ربا قادرا، يجازي على الأعمال، فهم يخشونه

стр. 3660

في سرائرهم، وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس. وانظر شرح (الغيب) في الآية رقم [٢٦] من سورة (الكهف). ﴿وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ﴾ أي: من مجيئها، وقيامها. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خائفون، وجلون. وانظر الآية رقم [٢٨] تجد ما يسرك. هذا؛ و (الساعة:) القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله ﵎، وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك، ولا تنس: أن ساعة كل إنسان وقيامته، وقت مقدمات الموت، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي ﷺ : «من مات فقد قامت قيامته»، وانظر علاماتها في الآية رقم [٩٦] الآتية. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو في محل جر على اعتباره بدلا من (المتقين) أو في محل نصب على اعتباره مفعولا به لفعل محذوف. ﴿يَخْشَوْنَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿مِنَ السّاعَةِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو والضمير. ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿وَهذا ذِكْرٌ:﴾ المراد به: القرآن الكريم. ﴿مُبارَكٌ:﴾ كثير الخير، غزير النفع. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ على قلب محمد ﷺ فيه هدى ونور، وشفاء لما في الصدور، كما أنزلنا التوراة على موسى وهارون فيها ذكر. ﴿أَفَأَنْتُمْ:﴾ يا معشر قريش. ﴿لَهُ مُنْكِرُونَ:﴾ جاحدون له، وقد تحداكم مرارا، فعجزتم عن الإتيان بمثله، هذا؛ وانظر (أنزل، ونزل) في الآية رقم [٢] من سورة (طه)، و (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، وشرح ﴿أَفَأَنْتُمْ﴾ مثل: ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٣٠]. الإعراب: ﴿وَهذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (هذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿ذِكْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبارَكٌ:﴾ صفة له. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، وانظر إعراب ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿ذِكْرٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وتكون «قد» قبلها مقدرة وجوبا لتقرب الفعل الماضي من الحال. والجملة

стр. 3661

الاسمية: ﴿وَهذا ذِكْرٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَأَنْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف استئناف، أو: عطف. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُنْكِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ (٥١)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ:﴾ هداه، وصلاحه. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل النبوة، حيث وفقناه للنظر، والاستدلال. وذلك لما جن عليه الليل، ورأى الكوكب، والشمس، والقمر، انظر الآية رقم [٧٦] من سورة (الأنعام) وما بعدها، وقيل: من قبل موسى وهارون، وهو المعتمد. ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أي: إنه صالح لإتيان الرشد، وصالح للنبوة ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾. بعد هذا انظر مناقشته لأبيه، ودعوته إياه للإيمان بلطف، وحسن أدب في الآية رقم [٤٠] وما بعدها من سورة (مريم) عليهاالسّلام، وانظر عمره، وأولاده في الآية رقم [٧١] من سورة (هود) ﵇، وانظر قصته مع هاجر في الآية رقم [٣٧] من السورة المسماة باسمه. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٤١] ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مفعول به أول. ﴿رُشْدَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم المقدر. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُشْدَهُ﴾ و ﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عالِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَكُنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ:﴾ آزر. ﴿وَقَوْمِهِ:﴾ نمرود، ومن اتبعه. ﴿ما هذِهِ التَّماثِيلُ﴾ أي: الأصنام المصورة على صورة السباع، أو الطيور، أو الإنسان. وفيه تجاهل لهم؛ ليحقر آلهتهم مع علمه بتعظيمهم لها. ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ:﴾ مقيمون على عبادتها، وتقديسها، وتعظيمها. وانظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الحج)، وإنما قال: ﴿لَها عاكِفُونَ﴾ لأن المراد: لها عابدون، ولو كان ﴿عاكِفُونَ﴾ على ظاهره؛ لقال: عليها عاكفون؛ لأن عكف يتعدى ب: «على».

стр. 3662

الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿آتَيْنا،﴾ أو ب: ﴿عالِمِينَ﴾ أو بفعل محذوف، تقديره: اذكر. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿لِأَبِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَقَوْمِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم استفهام وتوبيخ وتحقير، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع خبره، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿التَّماثِيلُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿التَّماثِيلُ﴾. ﴿أَنْتُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿لَها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عاكِفُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿ما هذِهِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤)﴾ الشرح: المعنى: وجدنا آباءنا عابدين لتلك التماثيل؛ فقلدناهم في عبادتها، واقتدينا بهم في تقديسها. فأجابهم ﵊ بقوله: إنكم أنتم وآباؤكم منخرطون في ضلال واضح، لا يخفى على أحد؛ لعدم استناد الفريقين على دليل في صحة عبادتها. هذا؛ و ﴿مُبِينٍ﴾ اسم فاعل من: أبان الرباعي، أصله: مبين، بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من بان الثلاثي بائن، أصله: باين، وإعلاله مثل إعلال قائل. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آباءَنا:﴾ مفعول به أول، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عَبْدَيْنِ:﴾ مفعول به ثان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿وَجَدْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ﵇. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿أَنْتُمْ:﴾ توكيد لتاء الفاعل. ﴿وَآباؤُكُمْ:﴾ معطوف على اسم (كان)، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان). ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ﴾ وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 3663

﴿قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ (٥٥)﴾ الشرح: ﴿قالُوا:﴾ أجادّ فيما تقول، أم أنت لاعب مازح، كأنهم لا ستبعادهم تضليل آبائهم ظنوا: أن ما قاله على وجه الملاعبة، والمداعبة. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَجِئْتَنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (جئتنا): فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل، أي: ملتبسا بالحق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ اللاّعِبِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وعطف الجملة الاسمية على الفعلية إيذان برجحانه عندهم. ﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٥٦)﴾ الشرح: ﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي: لست لا عبا فيما أقول، بل ربكم، والقائم بتدبير أموركم، ومصلح شؤونكم خالق السموات، والأرض؛ الذي خلقهن، وأبدعهن. والضمير يحتمل عوده على ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ وعلى ﴿التَّماثِيلُ﴾ التي كانوا يعبدونها، وهو أدخل في تضليلهم، وإقامة الحجة عليهم؛ لأن فيه تصريحا بأن معبوداتهم من جملة مخلوقات الله. ﴿وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ﴾ أي: الذي قلته وذكرته. ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي: من المتأكدين له والمبرهنين عليه، فإن الشاهد من تحقق الشيء، وتثبت منه. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض وفاعله يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ﵇. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿رَبُّ،﴾ أو هو بدل منه. ﴿فَطَرَهُنَّ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿رَبُّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَنَا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما، واللام: للبعد، والكاف حرف خطاب، هذا؛ ومن يعتبر «أل» موصولة لا يجيز ذلك؛ لأنه لا يجوز أن تتقدم الصلة على الموصول، وعليه فهما متعلقان

стр. 3664

بمحذوف دل عليه ما بعده. ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ﴿وَأَنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ الشرح: ﴿وَتَاللهِ:﴾ قسم فيه معنى التعجب، وقرئ بالباء، وهي الأصل، والتاء بدل من الواو المبدلة منها، وفيها معنى التعجب، والتاء تختص في القسم باسم الله وحده، وربما قالوا: تربي، وترب الكعبة، وتالرحمن، والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر، ومظهر. ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ:﴾ أقسم أنه لا يكتفي بالمحاجة باللسان، بل كسر أصنامهم أيضا فعل واثق بالله تعالى، موطن نفسه على مقاساة المكروه في الذب عن الدين. هذا؛ والكيد: المكر، يقال: كاده، يكيده، كيدا، ومكيدة، وكذلك المكايدة، وربما سمي الحرب كيدا، يقال: غزا فلان فلم يلق كيدا، وكل شيء تعالجه؛ فأنت تحاول كيدا. ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أي: منطلقين ذاهبين. هذا؛ وقيل: إنما قال إبراهيم هذا القول سرّا في نفسه، ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد من قومه، فأفشاه، وهو القائل: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ..﴾. إلخ، وقيل: كان لهم في كل سنة مجمع، وعيد. فكانوا: إذا رجعوا من عيدهم؛ دخلوا على الأصنام، فسجدوا لها، ثم رجعوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد؛ قال أبو إبراهيم: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا! فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي، فتركوه، ومضوا، فنادى في آخرهم، وقد بقي ضعفاء الناس: تالله ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ فسمعوها منه، ثم رجع إلى بيت الآلهة، وهن في بهو عظيم، وفي مستقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه صنم أصغر منه، والأصنام جنبها إلى جنب بعض، كل صنم الذي يليه أصغر منه، وهكذا إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما بين يدي الآلهة، وقالوا: إذا رجعنا وقد برّكت الآلهة عليه أكلنا منه، فلما نظر إبراهيم إليهن، وما بين أيديهن من الطعام؛ قال لهن على طريق الاستهزاء: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ فلما لم يجيبوه، قال: ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ وجعل يكسرهن بفأس كان في يده، حتى إذا لم يبق إلا الصنم العظيم علق الفأس في عنقه-وقيل في يده-ثم خرج، وهو ما يلي. انتهى. خازن بتصرف. وما أحراك أن تنظر الآية رقم [٨٨] من سورة (الصافات) وما بعدها والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ والأصنام: جمع صنم: وهو التمثال الذي يتخذ من خشب، وكانت أصنامهم اثنين وسبعين صنما، بعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعضها من حديد، وبعضها من نحاس،

стр. 3665

ورصاص، وحجر، وخشب... إلخ، وكان الصنم الكبير من ذهب، مكللا بالجواهر، في عينيه جوهرتان تتقدان. الإعراب: ﴿وَتَاللهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (تالله): متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿لَأَكِيدَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أكيدن): مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقلية التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿أَصْنامَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿أَنْ تُوَلُّوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (بعد) إليه. ﴿مُدْبِرِينَ:﴾ حال مؤكدة لواو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ الشرح: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً:﴾ بضم الذال أي: قطعا، وقيل: فتاتا، وقرئ بكسر الجيم جمع: جذيذ، وهو الهشيم، مثل خفيف، وخفاف، وظريف، وظراف،، قال الشاعر: [الرمل] جذّذ الأصنام في محرابها... ذاك في الله العليّ المقتدر كما قرئ بفتح الجيم، كالحصاد، والحصاد. هذا؛ وقال قطرب: هي في لغاتها كلها مصدر فلا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، والمعتمد ما ذكرته أولا. ﴿إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ﴾ أي: عظيم الآلهة في الخلق، فإنه لم يكسره، كما رأيت سابقا. ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ:﴾ إلى الصنم الكبير؛ لأنه ظن: أنهم لا يرجعون إليه، فيسألونه عن كاسرها؛ إذ من شأن المعبود أن يرجع إليه في حل المعضلات، أو يرجعون إلى الله؛ أي: إلى توحيده عند تحقق عجز آلهتهم، أو يرجعون إلى إبراهيم نفسه لا شتهاره بعداوة تلك الآلهة الباطلة، فيحاجهم بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ فيحجهم. هذا؛ وجمعت الأصنام بميم جمع المذكر؛ لأنهم عاملوها معاملة السميع، المبصر، العاقل بتقديسهم لها، وانظر الآية رقم [٣٣]. الإعراب: ﴿فَجَعَلَهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (جعلهم): ماض، والفاعل، يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ﵇. والهاء مفعول به أول ﴿جُذاذاً:﴾ مفعول به ثان. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿كَبِيراً:﴾ مستثنى من الضمير المنصوب. ﴿فَجَعَلَهُمْ:﴾ متعلقان بكبيرا أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية: ﴿فَجَعَلَهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو

стр. 3666

فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل لجعل الأصنام جذاذا، لا محل لها. ﴿قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ (٥٩)﴾ الشرح: لما رجعوا من عندهم، ورأوا ما حدث بآلهتهم؛ ﴿قالُوا مَنْ فَعَلَ..﴾. إلخ: فإنه معتد عليها بفعله هذا؛ مع أنها جديرة بالتقديس؛ والإعظام. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فَعَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه، لا محل له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿بِآلِهَتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من الظالمين): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مَنْ﴾ موصولا مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وعلى الاعتبارين بالجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠)﴾ الشرح: ﴿قالُوا:﴾ أي: الذين سمعوا كلام إبراهيم، ﵊: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ..﴾. إلخ أو هو الواحد، وعبر عنه بلفظ الجمع. ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكر الأصنام بسوء، ويسبّها. ﴿يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾ أي: مسمى بهذا الاسم. هذا؛ وانظر شرح: ﴿يَسْمَعُ﴾ في الآية رقم [٤٥] وإعلال ﴿فَتًى﴾ مثل إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف). هذا؛ والفتى: الشاب، ويطلق على السيد، والشريف، والكريم، كما يطلق على المستخدم من عبد، وغيره، كما في فتيان يوسف، على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام. وكما في فتى موسى ﵇، والفتاء بالمد: الشباب، والفتوة، والشجاعة، والسيادة، والشرف. هذا؛ وقيل: الفتوة: بذل الندى، وكف الأذى، وترك الشكوى، واجتناب المحارم، واستعمال المكارم. هذا؛ ويجمع «الفتى» جمع كثرة على «فتيان»، وجمع قلة على «فتية» كما يجمع أيضا على «فتوّ» كما في قول جذيمة الأبرش: [المديد] في فتوّ أنا رابيّهم... من كلال غزوة ماتوا وهو شاذ؛ لأن أصل فتى: «فتي» فهو يائي، وليس واويا. تأمل.

стр. 3667

الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فَتًى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿يَذْكُرُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿فَتًى،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، أو هي في محل نصب صفة ﴿فَتًى﴾. ﴿يُقالُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِبْراهِيمُ:﴾ فيه أوجه: الأول: هو نائب فاعل؛ أي: يقال له هذا اللفظ. الثاني: هو مبتدأ خبره محذوف، أي: يقال له: إبراهيم فاعل ذلك. الثالث: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: يقال له: هو إبراهيم. الرابع: هو منادى، وحرف النداء محذوف، أي: يا إبراهيم، وعلى الأوجه الثلاثة، فهو مقتطع من جملة، وتلك الجملة في محل نصب مقول القول، وعليه: فالجار، والمجرور متعلقان في محل رفع نائب فاعل. وقال مكي: وإن شئت؛ أضمرت المصدر؛ ليقوم مقام الفاعل، و ﴿لَهُ﴾ في موضع نصب، وجملة: ﴿يُقالُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿فَتًى،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿سَمِعْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: النمرود الجبار، وأعوانه الظلمة. ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ أي: جيئوا به ظاهرا بمرأى من الناس حتى يروه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي: عليه بأنه الذي فعل ذلك، أو يشهدون: أنه قال: إنه سيفعل بالآلهة كذا، وكذا، أو يشهدون عقابه حتى لا يقدم أحد على مثل ما أقدم عليه. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، أو هي زائدة. (ائتوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَلى أَعْيُنِ:﴾ متعلقان به أيضا، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالياء، التقدير: ظاهرا على أعينهم، و ﴿أَعْيُنِ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٥٨]، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، وجملة: (ائتوا...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك قد حصل منه؛ ﴿فَأْتُوا..﴾. إلخ، و «إذا» ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢)﴾ الشرح: ﴿قالُوا:﴾ أي: حين أحضروه سألوه هذا السؤال: أنت كسرت هذه الآلهة؛ التي نعبدها، ونقدسها يا إبراهيم؟!

стр. 3668

الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَأَنْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فَعَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بِآلِهَتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (إبراهيم): مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا)، والجملة الاسمية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر. ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ الشرح: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ أي: غضب؛ إذ تعبدون معه هذه الصغار، وهو أكبر منها، فكسرهن، وأراد إبراهيم ﵇ إقامة الحجة عليهم، وتقريره الفعل لنفسه، وإثباته لها على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وتقريعا؛ لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح؛ علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح إلها، وهذا كما قال لك صاحبك، وقد كتبت كتابا بخط رشيق أنيق: أنت كتبت هذا، وصاحبك أمي، فقلت له: بل كتبته أنت! كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به، لا نفيه عنك، وإثباته للأمي؛ لأنه إثباته للعاجز منكما، والأمر كائن بينكما استهزاء به، وإثبات للقادر. ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أي: حتى يخبروا من فعل ذلك بهم، والمعنى: إن قدروا على النطق؛ قدروا على الفعل، وإذا كانوا عاجزين عن الأمرين: النطق، والفعل؛ فكيف يستحقون العبادة؟! ومضمونه: تحقيرهم، وتحقير آلهتهم. عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لم يكذب إبراهيم النبيّ قطّ إلا ثلاث كذبات: ثنتين منهنّ في ذات الله: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ،﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ،﴾ وواحدة في شأن سارة». رواه مسلم، وغيره. هذا؛ والواحدة في شأن سارة هي قوله للجبار في مصر حين سأله عنها فقال له: هذه أختي. هذا؛ وقد سماها النبي ﷺ كذبات، ومعناه: أنه لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب، وإن كان حقا في الباطن إلا هذه الكلمات، ولما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم-على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- منها بمؤاخذته بها؛ لذا يعتذر ﵊ عن الشفاعة في الموقف العظيم، ويقول: «وإنّي كنت كذبت ثلاث كذبات» انظر حديث الشفاعة الطويل في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وقد خرجه البخاري، ومسلم. قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: في هذا الحديث نكتة عظمى تقصم الظهر، وهي: أنه-﵇-قال: «لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث كذبات» ثنتين ما حل بهما عن دين الله،

стр. 3669

وهما قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ،﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ،﴾ ولم يعد قوله: (هذه أختي) في ذات الله تعالى، وإن كان دفع بها مكروها، ولكنه لما كان لإبراهيم ﵇ فيها حظ من صيانة فراشه، وحماية أهله، لم يجعلها في ذات الله، وذلك؛ لأنه لا يجعل في جنب الله، وذاته إلا العمل الخالص من شوائب الدنيا، والمعاريض التي ترجع إلى النفس إذا خلصت للدين؛ كانت لله سبحانه، كما قال: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ،﴾ وهذا لو صدر منا؛ لكان لله، لكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا. والله أعلم. انتهى. قرطبي. وانظر الآية رقم [٨٢] من سورة (الشعراء). الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم) ﵇. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿فَعَلَهُ:﴾ ماض، والهاء مفعوله. ﴿كَبِيرُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿كَبِيرُهُمْ،﴾ أو هو بدل منه، والهاء حرف تنبيه، وقال الكسائي: الوقف عند قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ وهذا يعني: أن الفاعل محذوف، التقدير: فعله من فعله، وما بعده جملة اسمية مؤلفة من مبتدأ وخبر. والأول أقوى معنى وأتم سبكا. ﴿فَسْئَلُوهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو هي الفصيحة، انظر الآية رقم [٢٥]. (اسألوهم): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كنتم غير مصادقين؛ فاسألوهم. هذا؛ وقيل: الجملة الفعلية معترضة، وهي مقدمة من تأخير، التقدير: إن كانوا ينطقون؛ فاسألوهم. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمه، وجملة ينطقون في محل نصب خبره، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط دل عليه ما قبله، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ (٦٤)﴾ الشرح: ﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ فرجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم لما أخذ بمخانقهم رجوع المنقطع عن حجته المتفطن لصحة حجة خصمه. ﴿فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي:؛ لأنفسكم بعبادة من لا ينطق ببنت شفة، ولا يملك لنفسه منفعة، وكيف ينفع عابديه، ويدفع عنهم من لا يرد عن رأسه الفأس؟! الإعراب: ﴿فَرَجَعُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (رجعوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. (قالوا): ماض، وفاعله... إلخ. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿أَنْتُمُ:﴾ توكيد لاسم (إنّ) على المحل، أو هو ضمير فصل لا محل له. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ خبر

стр. 3670

(إنّ) مرفوع... إلخ. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ، فيكون ﴿الظّالِمُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قالوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ﴾ أي: انقلبوا إلى المجادلة بعد أن استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعليا على أعلاه. وقال أهل التفسير: أجرى الله الحق على ألسنتهم في القول الأول، وهو إقرارهم على أنفسهم بالظلم، ثم أدركتهم الشقاوة، فرجعوا إلى حالهم الأولى. ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أي: فكيف تأمرنا بسؤالها؟! هذا؛ و ﴿ثُمَّ﴾ عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في «مغني اللبيب»، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (ربّ) و (لا) العاملة عمل ليس، فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح، هذا؛ و (ثمّ) هذه غير (ثمّ) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿نُكِسُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، ويقرأ بتشديد الكاف، كما يقرأ بالبناء للمعلوم، والواو فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿عَلى رُؤُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من الواو، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ نافية تحتمل الحجازية والتميمية. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم ﴿ما،﴾ أو في محل رفع مبتدأ على إهمالها، وجملة: ﴿يَنْطِقُونَ﴾ في محل نصب خبر ﴿ما﴾ على إعمالها، أو في محل رفع خبر المبتدأ على إهمالها، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿عَلِمْتَ﴾ أو مسد مفعوليه على اعتباره ينصب مفعولين؛ لأنه علق عن العمل لفظا بسبب ﴿ما﴾ النافية، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، والقسم المقدر وجوابه في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع حالا من واو الجماعة، التقدير: قائلين: لقد علمت... إلخ. ﴿قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦)﴾ الشرح: المعنى: فهو ينكر عليهم عبادة تلك الأوثان بعد أن اعترفوا بأنها جمادات لا تضر، ولا تنفع، ولا تتكلم، وهذا كله ينافي الألوهية.

стр. 3671

هذا؛ والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى؛ ولذا يحرم السجود لغيره تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. وعن النبي ﷺ ، قال: يقول الله تعالى: «أنا والإنس والجنّ في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري». الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ﵇. ﴿أَفَتَعْبُدُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: عاطفة على محذوف. (تعبدون): مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و ﴿فَتَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْفَعُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿شَيْئاً:﴾ نائب مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَلا يَضُرُّكُمْ:﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، هذا؛ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ الشرح: ﴿أُفٍّ لَكُمْ:﴾ قبحا، أو هلاكا، أو ويلا، وفيه قراآت كثيرة، انظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الإسراء) فالبحث فيها واف كاف. ﴿وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ المعنى: القبح لكم ولما تعبدون... إلخ. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أليس لكم عقول تعقلون بها: أنّ هذه الأصنام لا تستحق العبادة، وانظر شرح العقل في الآية رقم [١٠]. الإعراب: ﴿أُفٍّ:﴾ لقد اعتمدت في سورة (الإسراء): أنه اسم فعل مضارع، أما هنا فالأرجح: أنه مصدر بمعنى ما رأيت، وعليه هو مفعول مطلق لا فعل له من لفظه، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أُفٍّ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَلِما:﴾ الواو: حرف عطف. (لما): جار ومجرور معطوفان على لكم، (وما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: للذين تعبدونهم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما). و ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أُفٍّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف استفهام، أو حرف عطف. (لا): نافية، وجملة: (لا تعقلون) مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر. ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨)﴾ الشرح: ﴿قالُوا:﴾ أخذوا في المضارّة لما عجزوا عن المحاجّة، ولما انقطعوا بالحجة؛ أخذتهم عزة بإثم، وانصرفوا إلى طريق الغشم، والغلبة، والقائل رجل من أكراد فارس، اسمه:

стр. 3672

هينون، خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، وقيل: قاله نمرود بن كنعان بن سنحاريب، بن نمرود، بن كوش، بن حام، بن نوح النبي على نبينا وحبيبنا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة وألف سلام. وما أحراك أن تقف هنا وقفة قصيرة؛ لتنظر ما ذكرته لك في الآية رقم [٢٥٨] من سورة (البقرة). ﴿حَرِّقُوهُ﴾ أي: في النار، فإنها أهول ما يعاقب به، وأفظع. ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ:﴾ بالانتقام لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ:﴾ ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا بإحراقه؛ لأنه يسبها، ويعيبها. هذا؛ وجاء في الخبر: أن نمرود بنى صرحا، طوله ثمانون ذراعا، وعرضه أربعون، وحبسوا إبراهيم ﵊ في بيت، وبنوا بنيانا كالحظيرة بقرية، يقال لها: كوثى، ثم جمعوا له الحطب شهرا، حتى كان الرجل يمرض، فيقول: لئن عوفيت؛ لأجمعن حطبا لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر فيما تطلب، لئن أصابته؛ لتحتطبن في نار إبراهيم، وكانت المرأة تغزل، وتشتري الحطب بغزلها، احتسابا في دينها، فلما جمعوا ما أرادوا، وأشعلوا في كل ناحية من الحطب نارا، فاشتعلت النار، واشتدت، حتى إنّ الطير ليمر بجنباتها، فيحترق من شدة وهجها، فأوقدوا عليها سبعة أيام، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم، لم يعلموا كيف يلقونه؟! فقيل: إن إبليس جاءهم، وعلمهم عمل المنجنيق. فعملوه، ثم عمدوا إلى إبراهيم ﵇، فقيدوه، ورفعوه على رأس البنيان، ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا، فضجت السموات والأرض، ومن فيهن من الملائكة، وجميع الخلق إلا الثقلين ضجة واحدة: ربنا إبراهيم خليلك يلقى في النار، وليس في الأرض أحد يعبدك غيره؛ فائذن لنا في نصرته. فقال الله تعالى: إنه خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بأحد منكم، أو دعاه؛ فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري، فأنا أعلم به، وأنا وليه، فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار؛ أتاه خازن المياه، وقال: إن أردت؛ أخمدت النار، وأتاه خازن الهواء، وقال: إن شئت؛ طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم عليه الصلاة، والسّلام: لا حاجة لي إليكم! ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: (اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل). وروى أبي بن كعب عن النبي ﷺ أن إبراهيم ﵇، قال حين أوثقوه؛ ليلقوه في النار: (لا إله إلاّ أنت سبحانك، لك الحمد، ولك الملك، لا شريك لك) ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، فاستقبله جبريل ﵇، فقال: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ فقال: أما إليك؛ فلا! فقال جبريل: فاسأل ربك، فقال: (حسبي من سؤالي علمه بحالي) فقال الله تعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ..﴾. إلخ. عن ابن عباس-﵄-في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قال: قالها إبراهيم-﵊-حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال لهم الناس:

стр. 3673

﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية رقم [١٧٣] من سورة (آل عمران)، ما أحراك أن تنظر شرحها هناك! هذا؛ وعن أم شريك ﵂: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الأوزاغ. متفق عليه، وزاد البخاري، وقال: (كان ينفخ النّار على إبراهيم) وفي كتاب الترغيب والترهيب أحاديث كثيرة تحث على قتل الأوزاغ. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعله، والألف للتفريق، وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍. ﴿حَرِّقُوهُ:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وما بعدها معطوف عليها. ﴿آلِهَتَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وانظر إعراب مثل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ في الآية رقم [٧] هذا؛ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩)﴾ الشرح: قال ابن عباس-﵄: لو لم يقل: (سلاما) لمات إبراهيم من بردها. وفي بعض الآثار: إنه لم يبق نار يومئذ في الأرض إلا طفئت: فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم، ولو لم يقل: على إبراهيم؛ لبقيت ذات برد أبدا، وقيل: إن الملائكة أخذت بضبعي إبراهيم، فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب، وورد أحمر، ونرجس، قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم ﵇ إلا وثاقه، قالوا: وكان إبراهيم ﵇ في ذلك الموضع سبعة أيام لم يقدر أحد أن يقرب من النار قاله المنهال بن عمرو، قال إبراهيم ﵇: (ما كنت أيّاما قطّ أنعم منّي من الأيام التي كنت في النار). قيل: وبعث الله تعالى ملك الظل في صورة إبراهيم، فقعد إلى جنبه يؤنسه، قالوا: وبعث الله جبريل ﵇ بقميص من حرير الجنة، وطنفسة فألبسه القميص، وأقعده على الطنفسة، وقعد معه يحدثه. أقول: وهذا القميص ورثه إسحاق من إبراهيم، وورثه يعقوب من إسحاق، وكان يعقوب قد وضعه في قصبة، وعلقه في عنق يوسف، ولما ألقي في الجب؛ أتى جبريل، وأخرجه من القصبة، وألبسه إياه، صلّى الله على نبينا، وحبيبنا، وعلى إبراهيم، ونسله الصالحين، وسلم تسليما كثيرا. ثم نظر نمرود وأشرف على إبراهيم من صرحه الذي بناه، فرآه جالسا في روضة، والملك قاعد إلى جنبه، وما حوله نار تحرق الحطب، فناداه يا إبراهيم! هل تستطيع أن تخرج منها؟! قال: نعم! قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك؟! قال: لا! قال: قم فاخرج منها. فقام إبراهيم ﵇ يمشي فيها؛ حتى خرج منها، فلما وصل إليه، قال: يا إبراهيم! من الرجل الذي رأيته معك مثلك في صورتك، قاعدا إلى جنبك، قال: ذلك ملك الظل أرسله إليّ

стр. 3674

ربي؛ ليؤنسني فيها. فقال نمرود: يا إبراهيم! إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته، وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته، وتوحيده، وإني ذابح له أربعة آلاف بقرة. قال إبراهيم ﵇: لا يقبل الله منك ما دمت على دينك؛ حتى تفارقه، وترجع إلى ديني، فقال: لا أستطيع ترك ملكي، ولكن سوف أذبحها له، فذبحها، وكف عن إبراهيم عليه الصلاة، والسّلام، ومنعه الله منه، وهو ما في الآية التالية. انتهى. ما هنا، وهناك من الخازن، والقرطبي بتصرف. الإعراب: ﴿قُلْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام. (يا): أداة نداء. (نار): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿كُونِي:﴾ أمر ناقص مبني على حذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة اسمه. ﴿بَرْداً:﴾ خبره، والأصل: ذات برد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. (سلاما): معطوف عليه. ﴿عَلى إِبْراهِيمَ:﴾ متعلقان بسلاما، أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، هذا؛ والكلام: ﴿يا نارُ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ الشرح: ﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً﴾ أي: أراد النمرود، وأصحابه إهلاك إبراهيم-﵊-بالنار، كما رأيت. ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ:﴾ أخسر من كل خاسر لما عاد سعيهم برهانا قاطعا على أنهم على الباطل، وإبراهيم على الحق، وموجبا لمزيد مكانته عند الله، واستحقاقهم أشد العذاب في الدنيا، والآخرة، أما في الدنيا فقد نقل القرطبي عن ابن عباس-﵄-ما يلي: سلط الله على النمرود وقومه أضعف خلقه البعوض، فما برح نمرود حتى رأى عظام أصحابه، وخيله تلوح، أكلت لحومهم، وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في منخره، فلم تزل تأكل حتى وصلت دماغه، وكان أكرم الناس عليه الذي يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام بهذا نحوا من أربعمئة سنة. انتهى. وقال الثعلبي: وكان جبارا أربعمئة سنة، فعذبه الله أربعمئة سنة كمدة ملكه. انتهى. وذكرت لك فيما مضى: أن بختنصر، والنمرود ولدا زنى. الإعراب: ﴿وَأَرادُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أرادوا): ماض والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بالمفعول كيدا صحيح معنى، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. (جعلناهم): ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿الْأَخْسَرِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.

стр. 3675

﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١)﴾ الشرح: ﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً..﴾. إلخ. المعنى: أخرجناه، ومعه لوط ابن أخيه؛ الذي آمن معه من بلاد العراق إلى بلاد الشام المباركة، والبركة حصلت من كثرة الأنبياء الذين بعثوا في هذه البلاد، فانتشرت في العالمين شرائعهم، التي هي مبادئ الكمالات، والخيرات الدينية، والدنيوية، وقيل: مباركة لكثرة خصبها، وثمارها، وأنهارها، ولأنها معادن الأنبياء. والبركة: ثبوت الخير، ومنه برك البعير إذا لزم مكانه، فلم يبرح، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) صلّى الله على نبينا، وعليه، وسلم. هذا؛ وهناك أحاديث كثيرة في فضل بلاد الشام، والترغيب في سكناها موجودة في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري. هذا؛ و (العالمين) جمع: عالم بفتح اللام، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له قول موسى-على نبينا، وعليه أفضل صلاة، وأتم تسليم-لما قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم: قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾. الإعراب: ﴿وَنَجَّيْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (نجيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿وَلُوطاً:﴾ معطوف على الضمير المنصوب. ﴿إِلَى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة الأرض، وجملة: ﴿بارَكْنا فِيها﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد: الضمير المجرور محلا ب: (في). ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة ﴿وَنَجَّيْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢)﴾ الشرح: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ:﴾ لإبراهيم. ﴿إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ أي: عطية من عطاء الله تعالى والمراد يعقوب؛ لأن الله تعالى أعطى إبراهيم إسحاق بدعائه؛ حيث قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وزاده يعقوب نافلة، وهو ولد الولد، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٩] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. وانظر ما قلته في شرح (وهبنا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) ﵍. ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنا..﴾. إلخ. قال البيضاوي: بأن وفقناهم للصلاح، وحملناهم عليه، فصاروا كاملين. وقال القرطبي: وجعلهم صالحين إنما يتحقق بخلق الصلاح، والطاعة لله، وبخلق القدرة على الطاعة،

стр. 3676

ثم ما يكتسبه العبد فهو مخلوق لله تعالى، وانظر أعمار الأسرة الكريمة في الآية رقم [٧١] من سورة (هود) على نبينا، وعليه، وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام، ولا تنس: أن يعقوب ولد في حياة إبراهيم، وهو ما أفادته الآية رقم [٧١] من سورة (هود). الإعراب: (وهبنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِسْحاقَ:﴾ مفعول به. ﴿وَيَعْقُوبَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿نافِلَةً:﴾ حال من (يعقوب)، وجملة ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كلا): مفعول به أول مقدم. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿صالِحِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً:﴾ أي: رؤساء يقتدى بهم في الخيرات، وأعمال الطاعات. هذا؛ و ﴿أَئِمَّةً﴾ جمع: إمام، سمي بذلك؛ لأنه يؤتم به في الأفعال، فهنيئا لمن كان إماما في الخير، وويل لمن كان إماما في الشر! قال تعالى في حق فرعون، وأشياعه: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ الآية رقم [٤١] من سورة (القصص) هذا؛ ويقال: أئمّة، وأيمّة. والثاني جائز عربية لا قراءة، وشرحه: أن أصله (أأممة) ولكن لما اجتمع المثلان، وهما الميمان، أدغمت الأولى في الثانية، ونقلت حركتها إلى الهمزة الثانية. فصار: «أئمة» بهمزتين، فأبدل من الهمزة المكسورة ياء كراهة اجتماع الهمزتين. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا:﴾ يدعون الناس إلى التوحيد، وعبادة الإله الحميد المجيد بما أنزلنا عليهم من الوحي المتضمن للأمر، والنهي. ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ:﴾ هي جميع الأعمال الصالحة بأن يفعلوها، ويحثوا الناس على فعلها. وانظر (الخير) في الآية رقم [٢٤] من سورة (القصص). ﴿وَإِقامَ الصَّلاةِ:﴾ فعل الصلاة على الوجه الأكمل، وانظر الآية رقم [٣١] من سورة (مريم) عليهاالسّلام تجد شرح الصلاة، والزكاة. ﴿وَكانُوا لَنا عابِدِينَ:﴾ موحدين مخلصين في العبادة، ولذلك قدم الجار والمجرور، وانظر العبادة في الآية رقم [٦٦]. هذا؛ وخص الله (الصلاة) و (الزكاة) بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. هذا؛ و (إقام) أصله: إقامة، فالتاء عوض عن ألف الإفعال، وهذا يخضع لقاعدة، وهي: إذا كانت عين الفعل ألفا تحذف منه ألف الإفعال، والاستفعال، ويعوض عنها تاء في الآخر، كأقام إقامة، واستقام استقامة؛ إذ الأصل إقوام، واستقوام، فاجتمع حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة

стр. 3677

الواو للقاف، وتحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها بحسب الحال، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان: الألف المنقلبة، وألف الإفعال، أو الاستفعال، فحذفت ألف الاستفعال لالتقاء الساكنين، وعوض عنها التاء في الآخر، وقد يستغنى عن هذه التاء في حال الإضافة، كما في هذه الآية، وآية (النور) رقم [٣٧] فلما أضيفت؛ قام المضاف إليه مقام الهاء، فجاز حذفها، وإن لم تضف لم يجز حذفها، وكما عوضت التاء عن ألف الاستفعال في وسط المصدر، تعوض عن الواو في أول المصدر، مثل: وعد عدة، ووزن زنة، والأصل: وعد وعدا، ووزن وزنا، فحذفت الواو، وعوض عنها التاء في الآخر، فلا يجوز حذف هذه التاء؛ لأنها عوض عن واو محذوفة، فإن أضيفتا؛ أجاز الفراء حذف التاء منهما، وأنشد قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: [البسيط] إنّ الخليط أجدّوا البين فانجردوا... وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا فقد قاس حذف التاء من «عدة» في حال الإضافة على حذفها من إقامة في حال إضافتها. والجمهور اعتبروا حذفها من «عدة» شاذّا ذكر ذلك ابن هشام في أوضح المسالك، والبيت المذكور من شواهده. الإعراب: ﴿وَجَعَلْناهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلناهم): فعل، وفاعل، ومفعوله الأول. ﴿أَئِمَّةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿يَهْدُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعل. ﴿بِأَمْرِنا:﴾ متعلقان به، وقيل: متعلقان بمحذوف حال. و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿أَئِمَّةً﴾. وجملة: ﴿وَجَعَلْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فِعْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْخَيْراتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَإِقامَ:﴾ معطوف على ﴿فِعْلَ﴾ وهو مضاف، و ﴿الصَّلاةِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر... إلخ. ﴿وَإِيتاءَ الزَّكاةِ:﴾ معطوف عليه، وهو مثله في إعرابه، وجملة: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، هذا؛ وهذه الآية، بل هذه الجملة ترجح اعتبار «أن» الواقعة بعد الفعل أوحى، ونحوه مصدرية، لا مفسرة؛ لأن أصل الكلام: «أوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات، وأن أقيموا الصلاة، وأن آتوا الزكاة» فربنا ﷻ ، قد نطق بالمصدر مسبوكا في الجمل الثلاث. تنبه له، وافهمه، فإنه جيد. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عَبْدَيْنِ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة ﴿وَكانُوا لَنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فالمعنى لا يأباه، وتحتاج إلى تقدير «قد» قبلها، ويكون الرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 3678

﴿وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿وَلُوطاً:﴾ هو ابن أخي إبراهيم ﵉، آمن به، وهاجر معه من بلاد العراق. قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ فأقام إبراهيم في فلسطين، وأقام لوط في الأردن. فأرسله الله إلى أهل «سدوم» يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح، وانظر تفصيل ذلك في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) ﵇. ﴿آتَيْناهُ حُكْماً﴾ أي: منحناه قوة الحكم، والفصل بين الخصوم. وقيل: المراد: حكمة، وهي كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح. ﴿وَعِلْماً:﴾ المراد به: النبوة، والرسالة التي كلف بها، وقيل: الفرق بين الحكيم والعالم أن العالم: هو الذي يعلم الأشياء بحقائقها، وأن الحكيم: هو الذي يعمل بما يوجبه العلم. ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ﴾ أي: الأعمال الخبيثة، وهي إتيان الذكور في أدبارهم، وكانوا يتضارطون في مجالسهم، ويقذفون المارة بالحصى، وغيره. والمراد: أهل القرية، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا من أنواع المجاز، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ:﴾ كافرين، خارجين عن طاعة الله تعالى. والسوء: الشر، والفساد، والجمع: أسواء، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتح السين المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء، وتأنيثه: السّوأى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾. الإعراب: ﴿وَلُوطاً:﴾ الواو: حرف عطف عطفت الإشارة إلى قصة لوط على قصة إبراهيم ﵇ مع قومه. (لوطا): مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وهو ما يسمى بالاشتغال. ﴿آتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿حُكْماً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة للجملة المحذوفة، وجملة: ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿الْقَرْيَةِ﴾. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمه يعود إلى ﴿الَّتِي،﴾ وهو العائد. ﴿تَعْمَلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي﴾ أيضا. ﴿الْخَبائِثَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَتْ،﴾ والجملة الفعلية هذه صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْمَ:﴾ خبر (كان) و ﴿قَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿سَوْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فاسِقِينَ:﴾ صفة ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، وجملة: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.

стр. 3679

﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥)﴾ الشرح: ﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا﴾ أي: في أهل رحمتنا؛ أي: جعلناه منهم، أو المعنى: أدخلناه في جنتنا؛ لأنها مكان الرحمة، فهو مجاز مرسل علاقته المحلية. ﴿إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: الأنبياء الذين سبقت لهم منا الحسنى. الإعراب: (أدخلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، انظر إعراب: ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام. ﴿فِي رَحْمَتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لإدخاله في الرحمة. ﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ الشرح: ﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: واذكر نوحا وقت دعا ربه من قبل إبراهيم، ولوط، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي: دعاءه على قومه. وانظر الآية رقم [٨٨] الآتية. ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ:﴾ المراد: من آمن معه. ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ،﴾ قال ابن عباس-﵄: من الغرق، وتكذيب قومه له، هذا؛ وإنه كان أطول الأنبياء عمرا، وأشدهم بلاء، والكرب: أشد الغم. هذا؛ وبعث نوح-﵇-وهو ابن أربعين سنة، ومكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، فتكون مدة عمره ألفا وخمسين سنة، ويروى: أن جبريل ﵇ قال له: يا أطول الأنبياء عمرا! كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار لها بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر. هذا؛ والآيتان قد أشارتا إلى قصة نوح-﵇-إشارة، وانظر قصته في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) إن أردت بسط ذلك. الإعراب: ﴿وَنُوحاً:﴾ الواو: حرف عطف. (نوحا): فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب عطفا على (لوطا) فيكون مشتركا معه في عامله الذي هو (آتينا) المفسر بآتينا الظاهر، وكذلك داود، وسليمان، والتقدير: ونوحا آتيناه حكما، وداود، وسليمان آتيناهما حكما، وعلى هذا ف: ﴿إِذْ﴾ بدل من (نوحا)، ومن (داود وسليمان) بدل اشتمال. والثاني: أنه منصوب بإضمار: اذكر؛ أي: اذكر نوحا، وداود، وسليمان، اذكر خبرهم وقصتهم، وعلى هذا فتكون ﴿إِذْ﴾ منصوبة بنفس المضاف المقدر؛ أي: أخبرهم الواقع في وقت كان كيت، وكيت. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿نادى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى

стр. 3680

نوح، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿فَاسْتَجَبْنا..﴾. معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَنَجَّيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْكَرْبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة الكرب. ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ الشرح: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ..﴾. إلخ: أي: جعلناه منتصرا عليهم، وهو أولى من تفسيره ب: منعناه منهم. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ أي: قوم شر، وإفساد، وانظر الآية رقم [٧٤]. ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ﴾ أي: بالطوفان. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ صغيرهم، وكبيرهم، ذكرهم، وأنثاهم، ولم يبق منهم إلا الذين آمنوا، وركبوا معه في السفينة، وهم بضع وثمانون ما بين رجل وامرأة، وإنما أهلكهم الله بالغرق جميعا لتكذيبهم الحق، وانهماكهم في الشر، ولم يجتمعا في قوم إلا أهلكهم الله. هذا؛ وقوم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، وهو يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ قال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟ وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا، و (قوم) يذكر، ويؤنث، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ فالتذكير باعتبار اللفظ، والتأنيث باعتبار المعنى. الإعراب: ﴿وَنَصَرْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿مِنَ الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿الْقَوْمِ،﴾ وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد واو الجماعة. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٧٤]، والجملة الاسمية هنا معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على جملة (نصرناه...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المنصوب... إلخ.
следующие страницы →