← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

ثم ما يكتسبه العبد فهو مخلوق لله تعالى، وانظر أعمار الأسرة الكريمة في الآية رقم [٧١] من سورة (هود) على نبينا، وعليه، وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام، ولا تنس: أن يعقوب ولد في حياة إبراهيم، وهو ما أفادته الآية رقم [٧١] من سورة (هود). الإعراب: (وهبنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِسْحاقَ:﴾ مفعول به. ﴿وَيَعْقُوبَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿نافِلَةً:﴾ حال من (يعقوب)، وجملة ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كلا): مفعول به أول مقدم. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿صالِحِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً:﴾ أي: رؤساء يقتدى بهم في الخيرات، وأعمال الطاعات. هذا؛ و ﴿أَئِمَّةً﴾ جمع: إمام، سمي بذلك؛ لأنه يؤتم به في الأفعال، فهنيئا لمن كان إماما في الخير، وويل لمن كان إماما في الشر! قال تعالى في حق فرعون، وأشياعه: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ الآية رقم [٤١] من سورة (القصص) هذا؛ ويقال: أئمّة، وأيمّة. والثاني جائز عربية لا قراءة، وشرحه: أن أصله (أأممة) ولكن لما اجتمع المثلان، وهما الميمان، أدغمت الأولى في الثانية، ونقلت حركتها إلى الهمزة الثانية. فصار: «أئمة» بهمزتين، فأبدل من الهمزة المكسورة ياء كراهة اجتماع الهمزتين. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا:﴾ يدعون الناس إلى التوحيد، وعبادة الإله الحميد المجيد بما أنزلنا عليهم من الوحي المتضمن للأمر، والنهي. ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ:﴾ هي جميع الأعمال الصالحة بأن يفعلوها، ويحثوا الناس على فعلها. وانظر (الخير) في الآية رقم [٢٤] من سورة (القصص). ﴿وَإِقامَ الصَّلاةِ:﴾ فعل الصلاة على الوجه الأكمل، وانظر الآية رقم [٣١] من سورة (مريم) عليهاالسّلام تجد شرح الصلاة، والزكاة. ﴿وَكانُوا لَنا عابِدِينَ:﴾ موحدين مخلصين في العبادة، ولذلك قدم الجار والمجرور، وانظر العبادة في الآية رقم [٦٦]. هذا؛ وخص الله (الصلاة) و (الزكاة) بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. هذا؛ و (إقام) أصله: إقامة، فالتاء عوض عن ألف الإفعال، وهذا يخضع لقاعدة، وهي: إذا كانت عين الفعل ألفا تحذف منه ألف الإفعال، والاستفعال، ويعوض عنها تاء في الآخر، كأقام إقامة، واستقام استقامة؛ إذ الأصل إقوام، واستقوام، فاجتمع حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة

стр. 3677

الواو للقاف، وتحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها بحسب الحال، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان: الألف المنقلبة، وألف الإفعال، أو الاستفعال، فحذفت ألف الاستفعال لالتقاء الساكنين، وعوض عنها التاء في الآخر، وقد يستغنى عن هذه التاء في حال الإضافة، كما في هذه الآية، وآية (النور) رقم [٣٧] فلما أضيفت؛ قام المضاف إليه مقام الهاء، فجاز حذفها، وإن لم تضف لم يجز حذفها، وكما عوضت التاء عن ألف الاستفعال في وسط المصدر، تعوض عن الواو في أول المصدر، مثل: وعد عدة، ووزن زنة، والأصل: وعد وعدا، ووزن وزنا، فحذفت الواو، وعوض عنها التاء في الآخر، فلا يجوز حذف هذه التاء؛ لأنها عوض عن واو محذوفة، فإن أضيفتا؛ أجاز الفراء حذف التاء منهما، وأنشد قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: [البسيط] إنّ الخليط أجدّوا البين فانجردوا... وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا فقد قاس حذف التاء من «عدة» في حال الإضافة على حذفها من إقامة في حال إضافتها. والجمهور اعتبروا حذفها من «عدة» شاذّا ذكر ذلك ابن هشام في أوضح المسالك، والبيت المذكور من شواهده. الإعراب: ﴿وَجَعَلْناهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلناهم): فعل، وفاعل، ومفعوله الأول. ﴿أَئِمَّةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿يَهْدُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعل. ﴿بِأَمْرِنا:﴾ متعلقان به، وقيل: متعلقان بمحذوف حال. و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿أَئِمَّةً﴾. وجملة: ﴿وَجَعَلْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فِعْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْخَيْراتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَإِقامَ:﴾ معطوف على ﴿فِعْلَ﴾ وهو مضاف، و ﴿الصَّلاةِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر... إلخ. ﴿وَإِيتاءَ الزَّكاةِ:﴾ معطوف عليه، وهو مثله في إعرابه، وجملة: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، هذا؛ وهذه الآية، بل هذه الجملة ترجح اعتبار «أن» الواقعة بعد الفعل أوحى، ونحوه مصدرية، لا مفسرة؛ لأن أصل الكلام: «أوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات، وأن أقيموا الصلاة، وأن آتوا الزكاة» فربنا ﷻ ، قد نطق بالمصدر مسبوكا في الجمل الثلاث. تنبه له، وافهمه، فإنه جيد. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عَبْدَيْنِ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة ﴿وَكانُوا لَنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فالمعنى لا يأباه، وتحتاج إلى تقدير «قد» قبلها، ويكون الرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 3678

﴿وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿وَلُوطاً:﴾ هو ابن أخي إبراهيم ﵉، آمن به، وهاجر معه من بلاد العراق. قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ فأقام إبراهيم في فلسطين، وأقام لوط في الأردن. فأرسله الله إلى أهل «سدوم» يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح، وانظر تفصيل ذلك في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) ﵇. ﴿آتَيْناهُ حُكْماً﴾ أي: منحناه قوة الحكم، والفصل بين الخصوم. وقيل: المراد: حكمة، وهي كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح. ﴿وَعِلْماً:﴾ المراد به: النبوة، والرسالة التي كلف بها، وقيل: الفرق بين الحكيم والعالم أن العالم: هو الذي يعلم الأشياء بحقائقها، وأن الحكيم: هو الذي يعمل بما يوجبه العلم. ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ﴾ أي: الأعمال الخبيثة، وهي إتيان الذكور في أدبارهم، وكانوا يتضارطون في مجالسهم، ويقذفون المارة بالحصى، وغيره. والمراد: أهل القرية، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا من أنواع المجاز، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ:﴾ كافرين، خارجين عن طاعة الله تعالى. والسوء: الشر، والفساد، والجمع: أسواء، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتح السين المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء، وتأنيثه: السّوأى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾. الإعراب: ﴿وَلُوطاً:﴾ الواو: حرف عطف عطفت الإشارة إلى قصة لوط على قصة إبراهيم ﵇ مع قومه. (لوطا): مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وهو ما يسمى بالاشتغال. ﴿آتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿حُكْماً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة للجملة المحذوفة، وجملة: ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿الْقَرْيَةِ﴾. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمه يعود إلى ﴿الَّتِي،﴾ وهو العائد. ﴿تَعْمَلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي﴾ أيضا. ﴿الْخَبائِثَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَتْ،﴾ والجملة الفعلية هذه صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْمَ:﴾ خبر (كان) و ﴿قَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿سَوْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فاسِقِينَ:﴾ صفة ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، وجملة: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.

стр. 3679

﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥)﴾ الشرح: ﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا﴾ أي: في أهل رحمتنا؛ أي: جعلناه منهم، أو المعنى: أدخلناه في جنتنا؛ لأنها مكان الرحمة، فهو مجاز مرسل علاقته المحلية. ﴿إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: الأنبياء الذين سبقت لهم منا الحسنى. الإعراب: (أدخلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، انظر إعراب: ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام. ﴿فِي رَحْمَتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لإدخاله في الرحمة. ﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ الشرح: ﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: واذكر نوحا وقت دعا ربه من قبل إبراهيم، ولوط، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي: دعاءه على قومه. وانظر الآية رقم [٨٨] الآتية. ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ:﴾ المراد: من آمن معه. ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ،﴾ قال ابن عباس-﵄: من الغرق، وتكذيب قومه له، هذا؛ وإنه كان أطول الأنبياء عمرا، وأشدهم بلاء، والكرب: أشد الغم. هذا؛ وبعث نوح-﵇-وهو ابن أربعين سنة، ومكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، فتكون مدة عمره ألفا وخمسين سنة، ويروى: أن جبريل ﵇ قال له: يا أطول الأنبياء عمرا! كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار لها بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر. هذا؛ والآيتان قد أشارتا إلى قصة نوح-﵇-إشارة، وانظر قصته في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) إن أردت بسط ذلك. الإعراب: ﴿وَنُوحاً:﴾ الواو: حرف عطف. (نوحا): فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب عطفا على (لوطا) فيكون مشتركا معه في عامله الذي هو (آتينا) المفسر بآتينا الظاهر، وكذلك داود، وسليمان، والتقدير: ونوحا آتيناه حكما، وداود، وسليمان آتيناهما حكما، وعلى هذا ف: ﴿إِذْ﴾ بدل من (نوحا)، ومن (داود وسليمان) بدل اشتمال. والثاني: أنه منصوب بإضمار: اذكر؛ أي: اذكر نوحا، وداود، وسليمان، اذكر خبرهم وقصتهم، وعلى هذا فتكون ﴿إِذْ﴾ منصوبة بنفس المضاف المقدر؛ أي: أخبرهم الواقع في وقت كان كيت، وكيت. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿نادى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى

стр. 3680

نوح، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿فَاسْتَجَبْنا..﴾. معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَنَجَّيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْكَرْبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة الكرب. ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ الشرح: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ..﴾. إلخ: أي: جعلناه منتصرا عليهم، وهو أولى من تفسيره ب: منعناه منهم. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ أي: قوم شر، وإفساد، وانظر الآية رقم [٧٤]. ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ﴾ أي: بالطوفان. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ صغيرهم، وكبيرهم، ذكرهم، وأنثاهم، ولم يبق منهم إلا الذين آمنوا، وركبوا معه في السفينة، وهم بضع وثمانون ما بين رجل وامرأة، وإنما أهلكهم الله بالغرق جميعا لتكذيبهم الحق، وانهماكهم في الشر، ولم يجتمعا في قوم إلا أهلكهم الله. هذا؛ وقوم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، وهو يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ قال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟ وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا، و (قوم) يذكر، ويؤنث، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ فالتذكير باعتبار اللفظ، والتأنيث باعتبار المعنى. الإعراب: ﴿وَنَصَرْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿مِنَ الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿الْقَوْمِ،﴾ وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد واو الجماعة. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٧٤]، والجملة الاسمية هنا معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على جملة (نصرناه...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المنصوب... إلخ.

стр. 3681

﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨)﴾ الشرح: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ:﴾ قال ابن عباس-﵄-وأكثر المفسرين: كان الحرث كرما، قد تدلت عناقيده. وقال قتادة: كان زرعا. ولم يرد بقوله: ﴿إِذْ يَحْكُمانِ﴾ الاجتماع في الحكم، وإن جمعهما في اللفظ، فإن حكمين على حكم واحد لا يجوز، وإنما حكم كل واحد منهما على انفراده، كما ستقف عليه. ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ أي: رعته ليلا فأفسدته، وكانت بلا راع. هذا؛ والنفش: الرعي في الليل، يقال: نفشت بالليل، وهملت بالنهار: إذا رعت بلا راع. ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ أي: كان ذلك بعلمنا، ومرأى منا، لا يخفى علينا علمه، وفيه دليل لمن يقول: إن أقل الجمع اثنان، وقيل: المراد به: الحاكمان، والمتحاكمان. هذا؛ وقد قال ابن عباس-﵄-وغيره: إن رجلين دخلا على داود ﵇، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إن غنم هذا دخلت زرعي ليلا، فوقعت فيه، فأفسدته، فلم تبق منه شيئا. فأعطاه رقاب الغنم بالزرع، أي: ملّك صاحب الزرع الغنم، فخرجا، فمرا على سليمان ﵇، فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال: لو وليت أمركما؛ لقضيت بغير هذا. وروي: أنه قال: غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر بذلك داود، فدعاه، وقال: كيف تقضي؟ ويروي: أنه قال له: بحق النبوة، والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين! قال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها، ونسلها، وصوفها، ومنافعها، ويزرع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى صاحبه، وأخذ صاحب الغنم غنمه. فقال داود: القضاء ما قضيت. وحكم بذلك. فقيل: كان لسليمان يوم حكم بذلك من العمر إحدى عشرة سنة. وحكم الإسلام في هذه المسألة: أن ما أفسدته الماشية المرسلة من مال الغير بالنهار، فلا ضمان على ربها، وما أفسدته بالليل ضمنه ربها؛ لأن في عرف الناس: أن أصحاب الزرع يحفظونه بالنهار، والمواشي تسرح بالنهار، وترد بالليل إلى المراح، ويدل على هذه المسألة ما روى حرام بن سعد بن محيصة: أن ناقة للبراء بن عازب ﵁، دخلت حائطا لبعض الأنصار، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ : أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل. زاد في رواية: وأن على أهل الماشية، ما أصابت ماشيتهم بالليل، أخرجه أبو داود مرسلا. وذهب أهل الرأي إلى أن المالك إذا لم يكن مع ماشيته، فلا ضمان عليه، فيما أتلفت ليلا كان، أو نهارا. انتهى. خازن.

стр. 3682

تنبيه: أما داود فهو ابن إيشا ينتهي نسبه إلى يهوذا بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم الخليل، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، هذا؛ وداود من سبط الملوك، وهو سبط يهوذا، أما سبط النبوة، فهو سبط لاوي بن يعقوب، وقد اجتمع الملك، والنبوة له، ولابنه سليمان، ولم يجتمعا لغيرهما من بني إسرائيل. وانظر قصته مع طالوت، وجالوت في الآية رقم [٢٤٦] وما بعدها من سورة (البقرة)، وقد وقعت في عهده حادثة أهل السبت التي رأيت تفصيلها في الآية رقم [١٦٣] وما بعدها من سورة (الأعراف). هذا؛ وعاش داود مئة سنة وبينه وبين موسى خمسمئة وتسع وستون سنة، وقيل: وتسع وسبعون، وعاش سليمان تسعا وخمسين سنة، وبينه وبين مولد نبينا، وحبيبنا-عليه، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام-نحو ألف وسبعمئة سنة. انتهى. جمل نقلا من التحبير للسيوطي، وانظر ما ذكرته في الآية [٥٥] من سورة (الإسراء). الإعراب: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ:﴾ معطوفان على نوحا في الآية رقم [٧٦] ﴿إِذْ:﴾ هي مثل نظيرتها في الآية رقم [٧٦]. ﴿يَحْكُمانِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿فِي الْحَرْثِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف متعلق بالفعل قبله. ﴿نَفَشَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿غَنَمُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْقَوْمِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون. و (نا): اسمه. ﴿لِحُكْمِهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿شاهِدِينَ﴾ بعدهما، وانظر جمع الضمير في الشرح. هذا؛ وقرئ: «(لحكمهما)» والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، وفي السمين من إضافة المصدر لفاعله ومفعوله دفعة واحدة، وهو إنما يضاف لأحدهما فقط، وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الحقيقة إضافة المصدر لفاعله، والمجاز إضافته لمفعوله. ﴿شاهِدِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وجملة: ﴿وَكُنّا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ألف الاثنين فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. تأمل. تنبيه: اعتبر ابن هشام في مغنيه اللام في قوله: ﴿لِحُكْمِهِمْ:﴾ لام التقوية، أي زائدة مقوية ل: ﴿شاهِدِينَ؛﴾ لأنه عامل ضعيف مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ وأورد قول حاتم الطائي، وقيل: هو قيس بن عاصم المنقري ﵁: [الطويل] إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدى وعليه فاللام زائدة، و (حكمهم): مفعول به مقدم ل: ﴿شاهِدِينَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو اللام، وفاعل ﴿شاهِدِينَ﴾ مستتر فيه تقديره: «نحن».

стр. 3683

﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ (٧٩)﴾ الشرح: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ:﴾ الضمير المنصوب يعود للحكومة، أو للفتوى، أو للقضية، المفهومة من المقام، وقرئ: «(فأفهمناها)» ﴿وَكُلاًّ﴾ أي: من داود، وسليمان، ﵉. ﴿آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: بوجوه الاجتهاد، وطرق الأحكام. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٤]. قال الحسن-رحمه الله تعالى-: لولا هذه الآية؛ لرأيت الحكام قد هلكوا، ولكن الله حمد هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده. ﴿وَسَخَّرْنا:﴾ ذللنا. ﴿مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ:﴾ قال وهب: كان داود يمر بالجبال مسبحا، فتجاوبه الجبال بالتسبيح، وكذلك (الطير)، وقيل: كان ﵇ إذا وجد فترة أمر الجبال، فسبحت حتى ينشط، ويشتاق، فيكون المعنى: جعلنا الجبال تطيعه إذا أمرها بالتسبيح. وقيل: إن سيرها معه تسبيحها، والتسبيح مأخوذ من السباحة. وقال قتادة: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يصلين معه إذا صلى، والتسبيح: الصلاة، وكلّ محتمل، وذلك؛ لأن الجبال لا تعقل، فتسبيحها معه دلالة على تنزيه الله تعالى من صفات العاجزين، والمحدثين. ﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ أي: قادرين على ما ذكر من التفهيم، وإيتاء الحكم، والتسخير. هذا؛ ولا تنس: أن اليهود، والنصارى يعتبرون داود، وسليمان ﵉ ملكين، وليسا بنبيّين. تنبيه: ومن أحكام داود، وسليمان-﵉-ما روي عن أبي هريرة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذّئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسّكّين، أشقّه بينهما! فقالت الصّغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها! فقضى به للصغرى» أخرجاه في الصحيحين. ويؤخذ من فحوى هذا الحديث: أن الولد وقع بيد المرأة الكبرى، فصارت صاحبة اليد، والصغرى مدعية، فطالبها داود ﵇ ببينة تثبت: أنه ابنها، وتعذر ذلك عليها، وأما سليمان ﵇؛ فقد لجأ إلى حيلة لطيفة ظهر له بسببها صدق الصغرى وهي أنه لما قال: هات السكين أشقه بينهما، قالت الصغرى: لا، فظهر له من قرينة الشفقة، والعاطفة في الصغرى أنه لها، وانظر ما أذكره في سورة (النمل) إن شاء الله تعالى. فائدة: يروى: أنه لما هدم الوليد بن عبد الملك كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة، التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيبا؛ فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك

стр. 3684

مصيبا؛ فقد أخطأت أنت، فأجابه الوليد بقوله تعالى: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً﴾. هذا؛ وانظر شرح (الطير) في الآية رقم [٣١] من سورة (الحج). الإعراب: ﴿فَفَهَّمْناها:﴾ الفاء: حرف استئناف. (فهمناها): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿سُلَيْمانَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة: ﴿يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ﴾ فتكون في محل جر مثلها. ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كلا): مفعول به أول تقدم على فعله. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿حُكْماً:﴾ مفعول به ثان. (علما): معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. (سخرنا): فعل، وفاعل. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ بعده، و (مع) مضاف، و ﴿داوُدَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿الْجِبالَ:﴾ مفعول به. ﴿يُسَبِّحْنَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الجبال، والرابط: الضمير فقط، وهو النون العائدة على الجبال. هذا؛ وأجيز اعتبارها مستأنفة. ﴿وَالطَّيْرَ:﴾ معطوف على ﴿الْجِبالَ﴾ أو هو مفعول معه، هذا؛ ويقرأ برفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: والطير مسخرات أيضا. والثاني: أنه معطوف على الضمير في ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ ولم يؤكد الضمير المتصل، ولم يفصل بينهما، وهو على مذهب الكوفيين. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وجملة: ﴿وَسَخَّرْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿فاعِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة ﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ معطوفة على جملة (سخرنا...) إلخ أو هي مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠)﴾ الشرح: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ أي: صنعة الدروع التي تلبس في الحرب. قيل: إن أول من صنع الدروع، وسردها، واتخذها حلقا داود، ﵊. وكانت من قبل صفائح. ولا تنس: أن الله تعالى قد ألان له الحديد، فجعله بيده كالطين، لا يحتاج إلى نار، وهو ما صرحت به آية (سبأ) رقم [١٠] وهي قوله تعالى: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ:﴾ لتحفظكم، وتمنعكم من وقع السلاح فيكم في أوقات حربكم مع عدوكم. هذا؛ ويقرأ الفعل المضارع بالتاء والياء والنون، قراآت ثلاث. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ:﴾ هذا الخطاب لداود، ولأهل بيته، وهو استفهام بمعنى الأمر؛ أي: فاشكروا الله على ذلك.

стр. 3685

قال القرطبي رحمه الله تعالى: هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع، والأسباب، وهو قول أهل العقول، والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه، فمن طعن في ذلك؛ فقد طعن في الكتاب والسنة، ونسب من ذكرنا إلى الضعف، وعدم المنة، وقد أخبر الله عن نبيه داود ﵇: أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضل يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثا، ونوح نجارا، وإدريس خياطا، وطالوت دباغا، وقيل: سقاء. فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر، والبأس، ومن قول النبي ﷺ : «إنّ الله يحبّ المؤمن المحترف الضعيف المتعفّف،، ويبغض السّائل الملحف». انتهى. الإعراب: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (فهمناها سليمان) لا محل لها مثلها، و ﴿صَنْعَةَ:﴾ مضاف، و ﴿لَبُوسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لبوس، وأجيز تعليقهما بالفعل (علّم) وب: ﴿صَنْعَةَ﴾ أيضا، والأول أقوى. ﴿لِتُحْصِنَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿لَبُوسٍ،﴾ والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (علمناه) أيضا، وأجيز اعتبارهما بدلا من ﴿لَكُمْ﴾ بإعادة الجار، وهذا على اعتبار اللام في ﴿لَكُمْ﴾ للتعليل. ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿شاكِرُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١)﴾ الشرح: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح، ويقرأ برفع (الريح) فيكون التقدير: ولسليمان تسخير الريح. ﴿عاصِفَةً:﴾ شديدة الهبوب. والعصف: التبن، فسمى به شدة الريح؛ لأنها تعصفه بشدة، وتطيره. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ:﴾ تسير بإرادته، ومشيئته. ﴿إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها:﴾ المراد بها بلاد الشام، انظر الآية رقم [٧١]، والمراد رجوعه من سفره رواحا إلى بلاد الشام بعد ما سارت به منها بكرة. ﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ أي: فنجريه على حسب ما تقتضيه الحكمة من تدبير. هذا؛ وقد ذكر الله في سورة (ص) قوله: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ وفي سورة (سبأ) قوله: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ رقم [١٢] انظر شرحها، ففيها كبير فائدة.

стр. 3686

قال وهب بن منبه: كان سليمان ﵇ إذا خرج إلى مجلسه؛ حلقت عليه الطير، وقام له الإنس، والجن؛ حتى يجلس على سريره، وكان امرأ غزّاء، قلما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، وكان فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بخشب فمدت، ورفع عليها الناس والدواب، وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح، فدخلت تحت الخشب، فاحتملته؛ حتى إذا استقلت به؛ أمر الرخاء، فمرت به شهرا في روحته، وشهرا في غدوته إلى حيث أراد. قال وهب: ذكر لي: أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه، كتبه بعض صحابة سليمان ﵇، إما من الإنس، أو من الجن: نحن نزلناه، وما بنيناه، ومبنيا وجدناه، غدونا من إصطخر، فقلناه، ونحن رائحون منه إن شاء الله فنازلون بالشام. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من سورة (النمل) ففيها فضل زيادة. وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا، فرسخا في فرسخ، ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له منبر من ذهب وسط البساط، فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، تقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظلله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح. انتهى. خازن. هذا؛ والريح: جسم متحرك لطيف، ممتنع بلطفه من القبض عليه، يظهر للمس بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه، وانظر الآية رقم [٦٩] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَلِسُلَيْمانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لسليمان) متعلقان بفعل محذوف، أو بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف. انظر تقديرهما في الشرح، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، وزيادة الألف والنون. ﴿الرِّيحَ:﴾ مفعول به، أو هو مبتدأ مؤخر، انظر الشرح. ﴿عاصِفَةً:﴾ حال من الريح. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الريح) والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من (الريح) أو هي بدل من (عاصفة) أو حال من الضمير المستتر فيها، فتكون حالا متداخلة. ﴿بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول لا محل لها. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه، ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿عالِمِينَ،﴾ و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عالِمِينَ:﴾ خبر كان منصوب... إلخ، وجملة ﴿وَكُنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.

стр. 3687

﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)﴾ الشرح: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي: وسخرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون تحت الماء، فيخرجون له من قعر البحر الجواهر، وغيرها من الأحجار الكريمة، والأشياء الثمينة. ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ:﴾ أعمالا أخر، كبناء المدن، والقصور، واختراع الصنائع الغريبة، واتخاذ النورة، والقوارير، بالإضافة إلى صنع المحاريب، والتماثيل، والجفان. ﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ:﴾ أن يخرجوا عن طاعته، أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم؛ التي جبلوا عليها. قال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: فهذا كله دل على أن الله سخر لسليمان-﵇-الجن تطيعه، وينفذ أمره فيهم، ويعملون له ما يشاء من ضخم المباني، والعمائر، ثم ذكر العمائر والمباني التي بنيت له، ومن جملتها مدينة تدمر في سورية، كل ذلك عدا المخازن، ومدن المركبات، ومدن الفرسان، وما بناه في لبنان وغيرها من سائر مملكته، وسخر في ذلك بقايا الشعوب الذين كانوا في فلسطين، ولم يكن من الشعب الإسرائيلي مسخر، وكان رؤساء المسخرين خمسمئة وخمسين رئيسا. ومن نظر إلى هذه الأعمال، وفخامتها، وضخامة أحجارها لم يستبعد أن يكون للجن عمل عظيم في ذلك، وخاصة مدينة تدمر، وبعض آثارها الضخمة مائل إلى اليوم، هذا؛ ولا تنس قلعة بعلبك في لبنان، وقد ذكر النابغة الذبياني تسخير الجن لسليمان في شعره الذي يعتذر فيه إلى النعمان بن المنذر؛ إذ يقول: [البسيط] ولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه... ولا أحاشي من الأقوام من أحد إلاّ سليمان إذ قال المليك له... قم في البريّة فاحددها عن الفند وخيّس الجنّ إني قد أذنت لهم... يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد خاتمة: ذكرت لك فيما سبق: أن جميع من ملكوا الدنيا أربعة: مؤمنان، وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وإسكندر ذو القرنين. والكافران هما: نمرود الذي ادعى الألوهية على عهد إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وبختنصر الذي خرب بيت المقدس، ونهبه، وأهلك بني إسرائيل بعد سليمان، ﵇، كما رأيت في الآية رقم [٥] من سورة (الإسراء)، وأضيف هنا: أن ملك سليمان كان أوسع، وأشمل، وأعظم، حيث ذلل الله له الطيور، وسخر له الجن، والشياطين، وسخر له الريح تجري بأمره حيث أصاب، فهذا لم ينله أحد قبله، ولا بعده، وهو فحوى طلبه: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ﴾

стр. 3688

﴿أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ ومع هذا كله فقد أعفاه الله من مسؤولية ما أعطاه، فقال له: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾. الإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (من الشياطين): متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وسخرنا من الشياطين، أو هما متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به على التقدير الأول، أو في محل رفع مبتدأ مؤخر على التقدير الثاني، وقد روعي معناها بإرجاع الضمير عليها جمعا، وجملة: ﴿يَغُوصُونَ لَهُ﴾ صلة ﴿مِنَ﴾ أو صفة له، والعائد، أو الرابط: واو الجماعة، وجملة ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً﴾ معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة ﴿عَمَلاً،﴾ و ﴿دُونَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والكلام: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، وإعراب ﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ مثل إعراب: ﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ..﴾. إلخ إفرادا وجملا. ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٨٣)﴾ الشرح: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ أي: اذكر أيوب النبي الصابر على البلاء وقت نادى ربه. ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ أي: أصابني البلاء، ف (الضرّ) بفتح الضاد شائع في كل ضرر، ومصيبة، وبضم الضاد خاص بما في النفس كمرض، وهزال، وقد نظم بعضهم الفرق بينهما، كما أورد معاني أخر لهما، فقال: [الرجز] وضدّ نفع قيل فيه ضرّ... وجود ضرّة لعرس ضرّ وسوء حال المرء ذاك ضرّ... كذا هزال مرض أو كبر وانظر ما ذكرته في سورة (الحج) رقم [١٣] نقلا من القاموس المحيط. ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ:﴾ وصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها، واكتفى بذلك عن عرض المطلوب لفظا في السؤال. وأيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كان روميا من ولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وزوجته اسمها: رحمة بنت إفراثيم بن يوسف الصديق بن يعقوب. قال ابن عباس-﵄: سمي أيوب؛ لأنه آب إلى الله في كلّ حال، هذا؛ وروي: أنه كان ذا مال عظيم، وكان تقيا برّا رحيما بالمساكين، يكفل الأيتام، والأرامل، ويكرم

стр. 3689

الضيف، ويبلغ ابن السبيل، شاكرا؛ لأنعم الله عليه، وأنه دخل مع قومه على جبار عظيم، فخاطبوه في أمر، وجعل أيوب يلين له في القول، من أجل زرع كان له، فامتحنه الله بذهاب ماله، وأهله، وبالضر في جسمه؛ حتى تآكل، وتناثر لحمه، فابتعد عنه الناس، وهجره الأصحاب، والأقرباء، وكانت امرأته تخدمه. قال الحسن: مكث بذلك تسع سنين، وستة أشهر، فلما أراد الله أن يفرج عنه، قال الله تعالى له: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ فيه شفاؤك، وقد وهب لك أهلك، ومالك، وولدك، ومثلهم معهم، انتهى. قرطبي. هذا؛ وذكر أيضا: أنه اختلف في تفسير ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ على ستة عشر قولا، وكلها لا حاجة إليها، بعد أن عرفنا: أن الضر هو ما أصيب به من فقد الولد، والمال، ومرض الجسم. قال المرحوم عبد الوهاب النجار: إن الناس يروون في بلاء أيوب أقوالا، يوردونها، تدل على أنه مرض مرضا مشوها، ومنفرا للناس من قربانه، والدنو منه، وهذا يتنافى مع منصب النبوة، وقد قرر علماء التوحيد أن الأنبياء منزهون عن الأمراض المنفرة، فكيف يتفق ذلك مع منصب النبوة؟! والجواب على ذلك من وجهين: الأول: أن الابتلاء على الوجه الأول الذي يقولون كان قبل النبوة، وأن منحة النبوة إنما كانت لما بدا منه من الصبر، والرضا بما أصابه من مكروه، وملازمته جانب الرضا عن الله تعالى. الثاني: أن المبالغين في ضر أيوب إنما اعتمدوا فيما يقولون على ما جاء عند أهل الكتاب في السّفر المسمى سفر أيوب، وإذا ثبت: أن هذا السفر حقيقي، فعبارته مؤولة؛ أي: مؤولة على المبالغة في ذلك على نحو ما جاء في الشعر العربي، وأورد أبياتا شعرية كثيرة شواهد لذلك. أقول: أما قوله: إن الابتلاء كان قبل النبوة، وأن منحة النبوة... إلخ يبطله أن ابتلاءه بما ذكر كان بعد أن بلغ من العمر ثمانين سنة، والمعروف أن الرسالة والنبوة إنما كانت تمنح للرسول على رأس الأربعين سنة على أكثر تقدير، فلم يبق إلا المبالغة في ذلك؛ حتى خرجت عن حد المعقول الذي يحط من مقام النبوة، وأقبح من ذلك ما ذكره الخازن نقلا عن الثعلبي: أن الله سلط إبليس على ماله، وولده، وجسمه، فهو الذي فعل كل ما أصاب أيوب من بلاء. الإعراب: ﴿وَأَيُّوبَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أيوب): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر أيوب، أو التقدير: اذكر خبر أيوب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل المحذوف، أو هو بدل من (أيوب)، أو من خبر (أيوب) المقدر. ﴿نادى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى أيوب، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به. والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنِّي:﴾ حرف

стр. 3690

مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مَسَّنِيَ:﴾ ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿الضُّرُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأني... إلخ. هذا؛ ويقرأ بكسر الهمزة على تقدير: قال: إني... إلخ، أي: فهي في محل نصب مقول القول لهذا المقدر، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الضُّرُّ﴾ أو من ياء المتكلم، والرابط: الواو فقط على الاعتبارين. وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. تأمل، وتدبر. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)﴾ الشرح: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي: دعاءه، وانظر الآية [٨٨]، قال الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرت مجلسا غاصا بالفقهاء، والأدباء في دار السلطان، فسئلت عن هذه الآية، أي السابقة. بعد إجماعهم على أن قول أيوب شكاية، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً﴾ فقلت: ليس هذا شكاية، وإنما كان دعاء. بيانه: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ والاستجابة تتعقب الدعاء؛ لا الاشتكاء، فاستحسنوه، وارتضوه. وسئل الجنيد عن هذه الآية، فقال: عرّفه فاقة السؤال؛ ليمنّ عليه بكرم النوال. انتهى. قرطبي. هذا؛ ومدة البلاء كانت ثماني عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة، فقد روي: أن امرأته قالت له يوما: لو دعوت الله! فقال لها: كم سنة كانت مدة الرخاء، والنعمة؟ فقالت: كانت ثمانين سنة، فقال: أستحيي من الله أن أدعوه، وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي. ﴿فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ:﴾ بالشفاء من مرضه. ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ:﴾ قال ابن عباس، وابن مسعود، وأكثر المفسرين-﵃ أجمعين-: رد الله إليه أهله بأعيناهم، أحياهم الله، وأعطاه مثلهم معهم، وهو ظاهر القرآن. قال القرطبي: لأنهم ماتوا ابتلاء قبل انقضاء آجالهم، حسب ما تقدم بيانه في سورة (البقرة) في قصة ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية رقم [٢٤٣] وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة، فماتوا، ثم أحيوا الآية رقم [١٥٥] من سورة (الأعراف). وعن ابن عباس في رواية أخرى: أن الله ردّ إلى المرأة شبابها، فولدت له ستة وعشرين ذكرا. وقيل: كان له سبع بنين، وسبع بنات، فأحياهم الله له، وولدت زوجته مثلهم. وفي الخبر: أن الله بعث إليه جبريل ﵇، فقال له: اركض برجلك، فركض برجله فنبعت عين ماء حار، فأمره أن يغتسل منها، ففعل، فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين

стр. 3691

خطوة، فأمره أن يضرب الأرض برجله مرة أخرى، ففعل فنبعت عين ماء بارد، فأمره أن يشرب منها، فشرب، فذهب كل داء بباطنه، فصار كأصحّ ما كان. هذا؛ وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما أيوب يغتسل عريانا، خرّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيّوب يحثي في ثوبه، فناداه ربّه: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عمّا ترى؟! قال: بلى يا ربّ! ولكنّي لا غنى لي عن بركتك». أخرجه البخاري. وعن أنس ﵁ يرفعه: أنه كان لأيوب ﵇ أندران: أندر للقمح، وأندر للشّعير، فبعث سحابتين، فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق؛ حتّى فاضا، فقال له جبريل: أشبعت؟ فقال: ومن يشبع من فضل الله؟ فأوحى الله إليه: قد أثنيت عليك بالصّبر قبل وقوعك في البلاء وبعده، ولولا أنّي وضعت تحت كلّ شعرة منك صبرا ما صبرت. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف. ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي: كان البلاء لأيوب، والصبر عليه نعمة سابغة، ورحمة عظيمة من العلي القدير؛ الذي تولاه بعنايته، وحفظه من التضجر، وعدم الصبر برعايته. ﴿وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أي: عبرة، وتذكرة للعابدين إلى يوم القيامة؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب، وصبره عليه، ومحنته له، وهو أفضل أهل زمانه؛ وطّنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا على مثال ما فعل أيوب، وصبروا كما صبر، وأثيبوا كما أثيب. وأخيرا أذكر لك: أن الله تعالى ذكر أيوب باسمه فقط في الآية رقم [١٦٣] من سورة (النساء)، والآية رقم [٨٤] من سورة (الأنعام)، وذكر في هذه السورة بذكر بلائه ونعمة الله عليه كما ذكر في الآية رقم [٤١] وما بعدها من سورة (ص) بأكثر مما ذكر في هذه السورة، كما ستقف عليه بعون الله تعالى، وتوفيقه. الإعراب: ﴿فَاسْتَجَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (كشفنا): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ ضُرٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿ما،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، وجملة: ﴿فَكَشَفْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ:﴾ معطوفة عليها. ﴿وَمِثْلَهُمْ:﴾ معطوفة على أهله، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، أو من (مثلهم). ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول لأجله، أو مفعول مطلق بفعل محذوف، التقدير: رحمناه رحمة. ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها. و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَذِكْرى:﴾ معطوف على ﴿رَحْمَةً﴾ منصوب مثله... إلخ. ﴿لِلْعابِدِينَ:﴾ متعلقان بذكرى، أو بمحذوف صفة لها.

стр. 3692

﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٦)﴾ الشرح: (إسماعيل): هو ابن إبراهيم الخليل، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، وقد ذكره الله في الآيتين [٥٤ و ٥٥] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، وتكرر ذكره في القرآن كثيرا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] وما بعدها من سورة (إبراهيم) بشأنه، وشأن أمه. (إدريس): انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، ولم يذكر في غير سورة (مريم) وهذه السورة. أما (ذو الكفل) فذكر باسمه فقط في هذه الآية، وفي الآية رقم [٤٨] من سورة (ص)، أما المفسرون فقد اختلفوا فيه، فقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: هو إلياس. وقيل: زكريا، وقيل: يوشع بن نون، وكأنه سمّي بذلك؛ لأنه ذو الحظ من الله، والمجدود على الحقيقة. وقيل: كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه، وضعف ثوابهم. وكيف يقبل هذا؛ وزكريا-﵇-يذكر بعد آيتين تبينان فضل الله عليه. هذا؛ وأما الخازن فقد ذكر قصة منقولة عن الثعلبي ملخصها: أن نبيا من بني إسرائيل وكان ملكا شرط على من يكون خليفة من بعده أن يتحلى بثلاثة أمور: بقيام الليل، وصيام النهار، وعدم الغضب، فتكفل بها ذو الكفل، ووفى بها، وقد حاول إبليس أن يغضبه، فلم يفلح. هذا؛ وقال القرطبي: وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وغيره من حديث ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: «كان في بني إسرائيل رجل، يقال له: ذو الكفل، لا يتورّع من ذنب عمله، فأتته امرأة، فأعطاها ستّين دينارا على أن يطأها، فلمّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته؛ ارتعدت، وبكت، فقال: ما يبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت: لا، ولكنّه عمل ما عملته قطّ، وما حملني عليه إلاّ الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا، وما فعلته، اذهبي، فهي لك، وقال: والله، لا أعصي الله بعدها أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه: إنّ الله قد غفر لذي الكفل». قال: حديث حسن. انتهى. وهذا الحديث مذكور في الترغيب والترهيب للحافظ المنذري رحمه الله تعالى. وقال أبو موسى عن النبي ﷺ : «إنّ ذا الكفل لم يكن نبيا، ولكنّه كان عبدا صالحا، فتكفّل بعمل رجل صالح عند موته، وكان يصلّي لله كلّ يوم مئة صلاة، فأحسن الله الثناء عليه». وقيل: غير ذلك فيه. هذا؛ وقول النبي ﷺ : «لم يكن نبيّا» صريح بأنه كان عبدا صالحا، وليس بنبي. وقال القرطبي: الجمهور على أنه ليس بنبي انتهى. وأما علماء التوحيد؛ فإنهم يعدونه نبيا مرسلا، ويعدّونه من جملة المرسلين الخمسة والعشرين المذكورين بأسمائهم في القرآن الكريم. انظر الآية رقم [٨٦] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ولعلهم اعتمدوا في ذلك على ذكره في

стр. 3693

جملة المرسلين المذكورين في هذه الآية، وعلى الأخص جمعه مع إسماعيل، وإدريس في آية واحدة. وكذلك ذكره في سورة (ص)، وجمعه مع إسماعيل، واليسع في آية واحدة. هذا؛ وذكر الجمل: أن اسمه العلمي: بشر، ولقب بذي الكفل لما رأيت من الروايات، وانظر الآية التالية. وصفوة القول: إنه مختلف في نبوته، كما هو مختلف في نبوة لقمان، وإسكندر ذي القرنين، والخضر صاحب موسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وانظر شرح: ﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا..﴾. إلخ في الآية رقم [٧٥]. هذا، وأما «الصابرون» فهو جمع: صابر، والصبر: حبس النفس عن الجزع عند المصيبة، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو مر المذاق يكاد لا يطاق؛ إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط] الصّبر، مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل وبالجملة: فنفع الصبر مشهور، والحض عليه في الكتاب والسنة، مقرر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء، ولا تنس: أن من أسماء الله تعالى الصبور، وفسر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ وقد قال الله تعالى في غير ما آية: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته، وهذا هو الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه الله تعالى، راضيا بما نزل به من الله، طالبا في ذلك الصبر ثواب الله تعالى، محتسبا أجره على الله؛ فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله، وأما إذا صبر الإنسان؛ ليقال: ما أكمل صبره! وما أشد قوته على تحمل النوائب! أو يصبر لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كله مذموم، ولا ينيل صاحبه الدرجات العلى، والمقام الرفيع عند الله. وقد يعرضه لشديد غضب الله ونقمته. فائدة: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ وقال: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ وقال: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل: هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل: هو الذي لا أذية معه، ثم اعلم: أن الصبر ذكر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها آية البقرة، ومن آنقها قوله تعالى: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً﴾ قرن هاء الصبر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾. الإعراب: (إسماعيل): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر. ﴿وَإِدْرِيسَ:﴾ معطوف عليه. ﴿وَذَا:﴾ معطوف على ما قبله، منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذا) مضاف ﴿الْكِفْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به، وهو نكرة، إضافته لمقدر محذوف، التقدير: كل هؤلاء. ﴿مِنَ الصّابِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف

стр. 3694

خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي تعليل للأمر المقدر، لا محل لها على الاعتبارين، وانظر إعراب مثل: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا..﴾. إلخ في الآية رقم [٧٥]. ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ (٨٧)﴾ الشرح: ﴿وَذَا النُّونِ:﴾ هو يونس النبي، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. انظر نسبه وقصته مع قومه في الآية رقم [٩٨] من السورة المسماة باسمه، وإني أبين هنا سبب الغضب والمغاضبة، فقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-في كشافه: برم بقومه لطول ما ذكّرهم، فلم يذّكّروا، وأقاموا على كفرهم، وظن: أن ذلك يسوغ؛ حيث لم يفعله إلا غضبا لله، وأنفة لدينه، وبغضا للكفر وأهله، وكان عليه أن ينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم، فابتلي ببطن الحوت. انتهى. فيكون المعنى: غضب على قومه من أجل كفرهم بربه، فخرج عنهم، وتركهم من غير إذن من الله، وخروجه بدون إذن من الله كان ذنبا منه. وقالت فرقة منهم الأخفش: إنما خرج مغاضبا للملك الذي كان على قومه، قال ابن عباس ﵄: أراد شعيا النبي، والملك الذي كان في وقته اسمه: حزقيا أن يبعثوا يونس إلى ملك نينوى، وكان غزا بني إسرائيل، وسبى الكثير منهم؛ ليكلمه؛ حتى يرسل معه بني إسرائيل، وكان الأنبياء في ذلك الزمان يوحى إليهم، والأمر والسياسة إلى ملك قد اختاروه، فيعمل على وحي ذلك النبي، وكان الله قد أوحى لشعيا أن قل لحزقيا الملك أن يختار نبيا قويا أمينا من بني إسرائيل فيبعثه إلى أهل نينوى، فيأمرهم بالتخلية عن بني إسرائيل، فإني ملق في قلوب ملوكهم وجبابرتهم التخلية عنهم، فقال له الملك: من ترى؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، قال: يونس، إنه قوي أمين، فدعا الملك يونس، وأمره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا، قال: فهل سماني الله لك؟ قال: لا، قال: فهاهنا غيري أنبياء أقوياء، فألحوا عليه، فخرج مغاضبا لشعيا النبي، وللملك، وقومه، فأتى بحر الروم، وكان من قصته ما كان، فابتلي ببطن الحوت لتركه أمر النبي شعيا، والملك حزقيا. هذا؛ ولا تنس: أن (النون) يطلق على كل حوت في أعماق البحر، ويجمع على أنوان، ونينان. هذا؛ والنون: اسم لدواة الحبر، ومنه قول الشاعر: [الوافر] إذا ما الشّوق برّح بي إليهم... سقيت النّون بالدّمع السّجام وقيل: ذهب عن قومه مغاضبا لربه لما كشف عنهم العذاب، بعد ما أوعدهم، وكره أن يكون بين أظهر قوم جربوا عليه خلف وعده، وأنه يسمى كذابا، لا كراهية لحكم الله تعالى. وهذا

стр. 3695

القول، وسابقه فيه ركاكة، ولا يلتئم مع نص القرآن، والمعتمد ما ذكرته عن الزمخشري، وانظر تفصيله تفصيلا كافيا في الآية رقم [٩٨] من سورة (يونس) فإنك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ويقر عينك. ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: لن نضيق عليه على حد قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وقوله تعالى شأنه: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ وقيل: هو من القدر الذي هو القضاء، والحكم، أي: فظن: أن لن نقضي عليه بالعقوبة، قال قتادة، ومجاهد، والفراء: مأخوذ من القدر، وهو الحكم، دون القدرة، والاستطاعة. وقال ابن هشام: أي: فظن أن لن نؤاخذه. فعبر عن المؤاخذة بشرطها وهو القدرة عليها، وهو جيد جدا. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿نَقْدِرَ﴾ بالنون مثقلا، ومخففا، والياء مثقلا، ومخففا أيضا، كما يقرأ بالبناء للمجهول مثقلا، ومخففا قراآت كثيرة. ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ:﴾ المراد: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، وقيل غير ذلك، والمعتمد هذا، روي: أن الله تعالى أوحى إلى الحوت: «لا تؤذ منه شعرة، فإني جعلت بطنك سجنه، ولم أجعله طعامك». ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ:﴾ يريد فيما خالف فيه من ترك المداومة على دعوة قومه، والصبر عليهم، وقيل: في الخروج من غير أن يؤذن له، ولم يكن ما حصل له عقوبة من الله تعالى؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، وإنما كان ذلك تمحيصا، وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان. روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: «دعاء ذي النون في بطن الحوت: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لم يدع به رجل مسلم في شيء قطّ إلاّ استجيب له». وقد قيل: إنه اسم الله الأعظم، ورواه سعد أيضا عن النبي ﷺ . والمعروف: أنه دعاء الكرب. فائدة: خمسة من الأنبياء سموا باسمين: يعقوب، وهو إسرائيل، وعيسى، وهو المسيح، وذو النون، وهو يونس، وذو الكفل، واسمه بشر كما رأيت، ومحمد، وهو أحمد، بل ذكر للرسول ﷺ أكثر من مئة اسم ﷺ وعليهم أجمعين. فائدة: قال أبو المعالي في قوله ﷺ : «لا تفضّلوني على يونس بن متّى». المعنى: فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه؛ وهو في قعر البحر في بطن الحوت، وهذا يدل على أن الباري ليس في جهة. وأخيرا انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٩] من سورة (طه) بشأن حبس الهواء ومنعه عن موسى حين وضع في التابوت مع بقائه حيّا، ومثلته بوجود يونس في بطن الحوت، وبقائه حيا، إن في ذلك لعظة لقوم يتعظون. الإعراب: ﴿وَذَا:﴾ معطوف على (إسماعيل) منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذا) مضاف، و ﴿النُّونِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِذْ:﴾ بدل من

стр. 3696

(ذا النون) فهو مبني على السكون في محل نصب، أو هو ظرف لما مضى من الزمان متعلق بالفعل المقدر. ﴿ذَهَبَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى «ذي النون». ﴿مُغاضِباً:﴾ حال من الفاعل المستتر. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. (ظن): ماض، وفاعله مستتر أيضا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف. التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نَقْدِرَ:﴾ منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ على جميع أوجه القراآت، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، أو «هو» على قراءته بالياء. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ و ﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنّ)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها. (نادى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. والفاعل مستتر تقديره: «هو». ﴿فِي الظُّلُماتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير، أو هي مخففة من الثقيلة، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ﴾ مفسرة ل: (نادى)، وعلى اعتبار (أن) مخففة من الثقيلة؛ فاسمها ضمير الشأن، والجملة الاسمية في محل رفع خبرها، وهي، واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأنه لا إله... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (نادى)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها، وانظر إعراب: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ﴾ في الآية رقم [٢٥]. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف فيها معنى التوكيد للجملة الاسمية قبلها؛ إذ معنى الجملتين تنزيه الله عما لا يليق به. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كُنْتُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنِّي،﴾ والجملة الاسمية هذه تعليل لتنزيه الله تعالى، لا محل لها. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ الشرح: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي: دعاءه، فالسين، والتاء زائدتان؛ لأن «استجاب» بمعنى «أجاب»، قال كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه: [الطويل] وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي: فلم يجبه، وعند التأمل تجد الفعل في الآية تعدى بواسطة حرف الجر، وفي البيت تعدى بنفسه، والفرق بين الآية والبيت: أن هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه، وإلى الداعي باللام،

стр. 3697

ويحذف الدعاء إذا عدّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه، أو استجاب له، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت؛ فمعناه: لم يستجب دعاءه على حذف المضاف. ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي: من غم الالتقام في بطن الحوت، أو من غم الخطيئة التي ارتكبها كما رأيت في الآية السابقة. ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: نخلصهم من همومهم، ومتاعب حياتهم بما سبق من عملهم الصالح، وقد بين الله ذلك في سورة (الصافات): ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا حفظ من الله لعبده يونس رعى له حق تعبده، وحفظ زمام ما سلف له من الطاعة. وقال الأستاذ أبو إسحاق: صحب ذو النون الحوت أياما قلائل، فإلى يوم القيامة، يقال له: ذو النون، فما ظنك بعبد عبده سبعين سنة يبطل هذا عنده؟ لا يظن به ذلك انتهى. هذا؛ ومدة مكثه في بطن الحوت أربعون يوما، أو سبعة أيام، أو ثلاثة أيام. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿نُنْجِي﴾ بالنون، وهي قراءة الجمهور، وقرأ ابن عامر: «(نجّي)» بنون واحدة وجيم مشددة، وتسكين الياء على الفعل الماضي، وإضمار المصدر. أي: وكذلك نجّي النّجاء المؤمنين، كما تقول: ضرب زيدا، بمعنى ضرب الضرب زيدا، قال جرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق: [الوافر] ولو ولدت قفيرة جرو كلب... لسبّ بذلك الجرو الكلابا أراد لسبّ السّبّ بذلك الجرو، وسكنت ياؤه على لغة من يقول: بقي، ورضي، فلا يحرك الياء، وقرأ الحسن قوله تعالى: ﴿(ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا)﴾ رقم [٢٧٧] من سورة (البقرة)، استثقالا لتحريك ياء قبلها كسرة، قال الشاعر: [الخفيف] خمّر الشيب لمّتي تخميرا... وحدا بي إلى القبور البعيرا ليت شعري إذا القيامة قامت... ودعي بالحساب أين المصيرا؟ سكن الياء في «دعي» استثقالا لتحريكها، وقبلها كسرة، وفاعل «حدا» المشيب؛ أي: وحدا المشيب البعير، ليت شعري المصير أين هو؟ هذا تأويل الفراء، وأبي عبيد وثعلب في تصويب هذه القراءة، وخطأها أبو حاتم، والزجاج، وقالوا: هو لحن؛ لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله، وإنما يقال: نجّي المؤمنون، كما يقال: كرّم الصّالحون، ولا يجوز أن يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله تعالى. قال ابن هشام في المغني: وفي هذه القراءة ضعف من جهات: إسكان آخر الماضي، وإنابة ضمير المصدر مع أنه مفهوم من الفعل، وإنابة غير المفعول به مع وجوده. انتهى. قال النحاس: ولم أسمع في هذا أحسن من شيء سمعته من علي بن سليمان، قال: الأصل ننجي، فحذف إحدى النونين لا جتماعهما، كما تحذف إحدى التاءين لا جتماعهما،

стр. 3698

نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ الأصل: ولا تتفرقوا. وقرأ محمد بن السميقع، وأبو العالية: «(وكذلك نجّى المؤمنين)» أي: نجى الله المؤمنين، وهي حسنة. انتهى. قرطبي بتصرف. الإعراب: ﴿فَاسْتَجَبْنا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (استجبنا): فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (نجيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنَ الْغَمِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، اللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: ننجي المؤمنين إنجاء كائنا مثل إنجاء يونس من كربه. ﴿نُنْجِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩)﴾ الشرح: ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ:﴾ دعا ربه، وسأله من فضله أن يهبه ذرية صالحة. ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً﴾ أي: وحيدا بلا ولد يساعدني في أموري، ويرثني من بعدي. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ أي: خير من يبقى بعد كل من يموت، فهو ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق، وأنه الوارث لهم، وهذا على سبيل التمثيل، والمجاز. هذا؛ وإن أردت أن تعرف قصته، وما الذي قوّى أمله في طلب الولد بعد أن بلغ من العمر عتيا؛ فانظر صدر سورة (مريم) ﵍، والآية رقم [٣٧ و ٣٨] من سورة (آل عمران) وما بعدها. الإعراب: ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى:﴾ انظر الآية [٨٧] فإعرابهما واحد. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وياء المتكلم المحذوفة في محل جر بالإضافة، وانظر الآية رقم [٣] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، ورقم [٣٥] من سورة (طه). ﴿لا:﴾ دعائية. ﴿تَذَرْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿فَرْداً:﴾ حال من ياء المتكلم، وهو بمعنى منفردا، والجملة الندائية، والفعلية كلتاها تفسير ل: ﴿نادى،﴾ أو هما في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال: رب... إلخ، وتكون هذه الجملة هي المفسرة. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على

стр. 3699

الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، و ﴿خَيْرُ:﴾ مضاف، و ﴿الْوارِثِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الاسمية ﴿وَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)﴾ الشرح: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي: دعاءه، وانظر الآية رقم [٨٨]، ﴿وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ أي: ولدا، وانظر شرح ﴿وَهَبْنا﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، وشرح (نا) في الآية [٥٠] منها. ﴿وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ:﴾ قال قتادة، وسعيد بن جبير، وأكثر المفسرين: إنها كانت عاقرا، فجعلت ولودا. وقال ابن عباس، وعطاء-﵃ أجمعين-: كانت سيئة الخلق، طويلة اللسان، فأصلحها الله، فجعلها حسنة الخلق. قال القرطبي: ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين، فجعلت حسنة الخلق ولودا. أقول: والتصريح بقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عاقِرٌ﴾ في (آل عمران)، وقوله: ﴿وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً﴾ في سورة (مريم) لا يحتمل غير العقر. هذا؛ و «الزوج» يطلق على الذكر، والأنثى، والقرينة توضح ذلك، وتبين الذكر، والأنثى، ويقال للأنثى: زوجة أيضا، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض، فإنها بالتاء أفصح؛ لتوضيح الوارث. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ:﴾ المراد بهم الأنبياء المذكورون في هذه السورة، وقيل: المراد: زكريا، وأهل بيته، والمسارعة في الخيرات من أعظم ما يمدح به العبد؛ لأنها تدل على حرص عظيم في طاعة الله، عز، وجل. ﴿وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً﴾ أي: يرغبون في طاعتنا، وما ينتج عنها من رضانا، وما يعقبها من دخول الجنة، ويخافون من عقابنا؛ الذي سببه الخروج عن طاعتنا، وما يعقبه من سوء المال، والمصير. ﴿وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ:﴾ الخشوع: هو الخوف اللازم للقلب، فيكون الخاشع هو الحذر؛ الذي لا ينبسط في الأمور، خوفا من الوقوع في الإثم. وفسّر ﴿خاشِعِينَ﴾ بمتواضعين، خاضعين، وانظر (الخشوع) في الآية رقم [٢] من سورة (المؤمنون). هذا؛ وفي ﴿رَغَباً وَرَهَباً﴾ قراآت كثيرة، ولم يتغير المعنى ولا الإعراب، وفيهما طباق. الإعراب: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٨] لإعراب الجملة ومحلها، والجملتان: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ:﴾ معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يُسارِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿فِي الْخَيْراتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما،

стр. 3700

والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للنعم المذكورة في الجمل قبلها. وقال الجمل: علة لمحذوف؛ أي: نالوا ما نالوا؛ لأنهم كانوا يسارعون... إلخ. ﴿وَيَدْعُونَنا:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، و (نا): مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿رَغَباً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال بمعنى راغبين، أو هو مفعول مطلق، عامله يدعوننا على المعنى دون اللفظ؛ لأنه نوع منه. ﴿وَرَهَباً:﴾ معطوف على ما قبله، على جميع الاعتبارات فيه، وجملة ﴿وَكانُوا لَنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كانُوا يُسارِعُونَ..﴾. إلخ، فهي في محل رفع مثلها، وإعرابها مثلها، والجار والمجرور: ﴿لَنا﴾ متعلقان ب: ﴿خاشِعِينَ﴾ بعدهما. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَاِبْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١)﴾ الشرح: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أي: واذكر مريم التي أحصنت فرجها؛ حيث لم يقربها رجل بزواج، أو زنى، وإنما ذكرها، وليست من الأنبياء ليتم ذكر عيسى ﵇، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ولم يقل: آيتين؛ لأن معنى الكلام: وجعلنا شأنهما، وأمرهما، وقصتهما آية للعالمين. وقال الزجاج: إن الآية فيهما واحدة؛ لأنها ولدته من غير فحل، وانظر الآية رقم [٥٠] من سورة (المؤمنون) فالكلام فيهما واحد، والمعنى واحد. هذا؛ وقيل: إن من آياتها: أنها أول امرأة قبلت في النذر في المعبد، ومنها: أن الله غذاها برزق من عنده، لم يجره على يد عبد من عبيده. ومعنى: ﴿أَحْصَنَتْ﴾ عفت، وامتنعت من الفاحشة. هذا؛ وقيل: إن المراد بالفرج فرج القميص؛ أي: فتحة الثوب. قال السهيلي: فلا يذهبن وهمك إلى غير هذا، فإنه من لطيف الكناية؛ لأن القرآن أنزه معنى، وأوزن لفظا، وألطف إشارة، وأحسن عبارة من أن يريد ما يذهب إليه وهم الجاهل، لا سيما والنفخ من روح القدس بأمر القدوس، فأضف القدس إلى القدوس، ونزه المقدسة المطهرة عن الظن الكاذب، والحدس. ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ أي: أمرنا جبريل أن ينفخ في فرج ثوبها الأعلى، فأحدثنا من ذلك النفخ المسيح في بطنها، ولا تنس: قوله تعالى في سورة (التحريم): ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ والضمير يعود إلى فرجها بلا ريب، ولا يحتمل ما ذكره السهيلي من التأويل، فقد قال الجلال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ أي: جبريل حيث نفخ في جيب درعها بخلق الله تعالى فعله الواصل إلى فرجها فحملت بعيسى، ﵉. قال الجمل: ومعنى «خلقه»: إيصال أثره، وهو الريح، والهواء الحاصل به إلى فرجها. فمعنى: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ أوصلنا إليه الريح، والهواء الخارج من نفس جبريل لمّا نفخ في جيب قميصها. تأمل.

стр. 3701

﴿آيَةً﴾ أي: علامة، وأعجوبة للخلق، وعلما لنبوة عيسى ﵇، ودلالة على نفوذ قدرتنا فيما نشاء. انتهى. قرطبي بتصرف. وإن أردت تفصيل ما ذكر فما عليك إلا أن تنظر سورة (مريم)، وانظر الآية رقم [٣٥] من سورة (آل عمران) وما بعدها. هذا؛ وانظر شرح (العالمين) في الآية رقم [٧١] وانظر: «جعل، وخلق» في الآية رقم [٣٠]. الإعراب: ﴿وَالَّتِي:﴾ الواو: حرف عطف. (التي): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لموصوف محذوف واقع مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: واذكر مريم التي. ﴿أَحْصَنَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى (التي) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَرْجَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة المقدرة: «واذكر مريم التي...» إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. (نفخنا): فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رُوحِنا:﴾ متعلقان به أيضا، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَنَفَخْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. (جعلناها): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف. ﴿وَابْنَها آيَةً:﴾ مفعولان لفعل محذوف دل عليه ما قبله، التقدير: وجعلناها آية للعالمين، وجعلنا ابنها آية للعالمين، ثم حذف وهذا عند سيبويه، والتقدير عند الفراء: وجعلناها آية للعالمين وابنها، مثل قوله تعالى في سورة (التوبة): ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ الآية [٦٢] ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿آيَةً،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلْناها..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. هذا؛ وأجيز اعتبار (التي) مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: وفيما يتلى عليكم التي أحصنت، كما أجيز اعتبار جملة: ﴿فَنَفَخْنا..﴾. إلخ خبرا، وزيدت الفاء على رأي الأخفش. ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ أي: ملتكم، ودينكم. ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: دينا واحدا، وهو الإسلام، فأبطل ما سواه من الأديان. والأمة: الجماعة التي هي على مقصد واحد، وجعلت الشريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحد، انظر رقم [٣٤] من سورة (الحج). وقال القرطبي: لما ذكر الأنبياء، قال: هؤلاء كلهم مجتمعون على التوحيد. انتهى. وهو المعنى المراد هنا. هذا؛ وقرئ بنصب «(أمّتكم)» ورفع «(أمة)». ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ:﴾ إلهكم وحدي، لا إله لكم غيري. ﴿فَاعْبُدُونِ:﴾ أفردوني بالعبادة، وانظر شرح (العبادة) في الآية رقم [٦٦]. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسمها، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أُمَّتُكُمْ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ وعلى قراءته بالنصب هو بدل من اسم الإشارة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أُمَّةً:﴾ حال من ﴿أُمَّتُكُمْ،﴾ والعامل

стр. 3702

فيه: اسم الإشارة، وعلى قراءته بالرفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ أو بدل من ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي أمة، وعلى نصب (أمتكم) ف: (أمة) هي خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة (أمة) على نصبه ورفعه، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذِهِ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع، واعتبارها حالا من الكاف لا بأس به أيضا. ﴿فَاعْبُدُونِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢٥] (اعبدون): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣)﴾ الشرح: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ:﴾ اختلف بنو آدم في الدين، فصاروا فرقا، وأحزابا، فمن موحد، ومن يهودي، ومن نصراني، ومن عابد شخص، أو صنم، حتى لعن بعضهم بعضا، وتبرأ بعضهم من بعض. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كل هذه الفرق، وهذه الأحزاب. ﴿إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ أي: بالموت، ثم بالبعث، والحشر للحساب، والجزاء، فنجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. هذا؛ وفي الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، وفي سابقه التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الآية رقم [٣٤] لشرح الالتفات. تنبيه: قال الله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا﴾ الآية رقم [/٥٢ ٥٣] والفرق بين ما هنا وهناك: أن الخطاب هنا للكفار، فأمرهم بالعبادة التي هي التوحيد، ثم قال: وتقطعوا بالواو؛ لأن التقطع قد كان منهم قبل هذا القول لهم. ومن جعله خطابا للمؤمنين، فمعناه: دوموا على العبادة، وأما في (المؤمنون) فالخطاب للنبي ﷺ ، وللمؤمنين بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ والأنبياء، والمؤمنون مأمورون بالتقوى، ثم قال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: ثم ظهر منهم التقطع بعد هذا القول، والمراد: أمتهم. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. هذا؛ وانظر الآية رقم [٥٣] من سورة (المؤمنون). الإعراب: ﴿وَتَقَطَّعُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (تقطعوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَمْرَهُمْ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب على نزع الخافض، أي: تقطعوا في أمرهم، بمعنى: تفرقوا. الثاني: هو مفعول به على معنى: قطعوا أمرهم، أي: فرقوا أمرهم. الثالث: تمييز محول عن الفاعل، بمعنى: تقطع أمرهم. وهذا ضعيف؛ لأنه معرفة، وهو لا يجوز عند البصريين. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿وَتَقَطَّعُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به الإضافة لمحذوف. ﴿إِلَيْنا:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿راجِعُونَ:﴾ خبر المبتدأ

стр. 3703

مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير المقدر مضافا إليه. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤)﴾ الشرح: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ أي: من الأعمال الصالحات، ف: ﴿فَمَنْ﴾ للتبعيض، لا للجنس؛ إذ لا قدرة للمكلف أن يأتي بجميع الطاعات، فالمعنى: من يعمل شيئا من الطاعات فرضا، أو نفلا، وهو موحد مسلم. والإيمان شرط لقبول الأعمال الصالحات، كما قد بينته مرارا، وذكرت: أن ذلك يسمى في علم البديع احتراسا، والعكس صحيح، وهو: أن الإيمان إذا لم يقرن بالعمل الصالح قد لا يجدي، وقد يضعف، ثم يضمحل؛ فالعمل الصالح بمنزلة الماء للشجر يغذيه، ويقويه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٧] من سورة (الكهف). ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي: لا جحود لعمله؛ أي: لا يضيع الله ثواب عمله الصالح. استعير (الكفران) الذي بمعنى الجحود لمنع الثواب كما استعير الشكر لمنحه، وإعطائه، وانظر شرح «الكفر» في الآية رقم [٣٠] ﴿وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ أي: لعمله مسجلون، وحافظون له في صحيفته. نظيره قوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (النحل). الإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْمَلْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنَ الصّالِحاتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ مع المتعلق المحذوف معترضة، أو هي في محل نصب حال من الفاعل المستتر. والرابط: الواو والضمير. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿كُفْرانَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِسَعْيِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿فَلا كُفْرانَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٢٩] والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿كاتِبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا لَهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة جواب الشرط، أو هي في محل نصب حال من: (سعيه)، أو هي مستأنفة لا محل لها، أوجه ثلاثة تجوز فيها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.

стр. 3704

﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ الشرح: ﴿وَحَرامٌ:﴾ فيه تسع قراآت ذكرها القرطبي. ومعنى ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ..﴾. إلخ: وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك. وهذا على اعتبار ﴿لا﴾ صلة، روي ذلك عن ابن عباس، ﵄، واختاره أبو عبيدة. وقيل: ليست بصلة، وإنما هي ثابتة، ويكون الحرام بمعنى الواجب، أي: وجب على قرية، كما قالت الخنساء: [الطويل] وإنّ حراما لا أرى الدّهر باكيا... على شجوه إلاّ بكيت على صخر تريد أخاها. ﴿أَهْلَكْناها﴾ أي: حكمنا بإهلاكها، أو وجدناها هالكة، ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي: إلى الدنيا. هذا؛ وقرئ بكسر همزة، «(إنّهم)». وانظر شرح قرية في الآية رقم [٦]. هذا؛ والحرام في الأصل كل ممنوع، قال تعالى: ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فالحرمات: كل ممنوع منك، مما بينك وبين غيرك، وقولهم: لفلان بي حرمة، أي: أنا ممتنع من مكروهه، وحرمة الرجل محظورة به عن غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم: هو الممنوع من المال، والتلذذ به. والإحرام بالحج، والعمرة هو المنع من أمور معروفة في الفقه الإسلامي، وانظر شرح المسجد الحرام في الآية رقم [٢٥] من سورة (الحج). الإعراب: ﴿وَحَرامٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (حرام): خبر مقدم... إلخ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجوز أبو البقاء اعتبار (حرام) مبتدأ، والمصدر المؤول في محل رفع فاعل ب: (حرام) سد مسد خبره. ورده ابن هشام في مغنيه؛ لأنه ليس بوصف صريح، ولأنه لم يعتمد على نفي، أو استفهام. ﴿عَلى قَرْيَةٍ:﴾ متعلقان ب: (حرام)، أو بمحذوف صفة له. ﴿أَهْلَكْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿قَرْيَةٍ﴾. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا:﴾ صلة. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر كما رأيت. هذا؛ وقيل: ﴿لا﴾ نافية، وليست بصلة، والإعراب إما على ما تقدم، والمعنى: ممتنع عليهم عدم رجوعهم إلى الآخرة. وإما على أن (حرام) مبتدأ حذف خبره، أي: حرام... قبول أعمالهم، وابتدئ بالنكرة لتقييدها بالمعمول، وإما على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: والعمل الصالح حرام عليهم. وعلى الوجهين، فالمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، أي: لأنهم... إلخ، ودليل المحذوف ما تقدم في الآية السابقة، ويؤيد هذين الوجهين تمام الكلام قبل مجيء (أنّ) في قراءة بعضهم بكسر الهمزة؛ وعليه فالجملة الاسمية: ﴿أَنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. انتهى. من المغني بتصرف كبير. تأمل، وتدبر.

стр. 3705

﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ الشرح: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ..﴾. إلخ: الكلام على حذف مضاف؛ إذ المراد: سد يأجوج... إلخ و ﴿حَتّى إِذا..﴾. إلخ: هذا الكلام متعلق ب: (حرام)، أو بمحذوف دل الكلام عليه، أو ب: ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ أي: يستمر الامتناع، أو الهلاك، أو عدم الرجوع إلى قيام الساعة، وظهور أماراتها، ومنها فتح سد يأجوج، ومأجوج. هذا؛ وقرئ (فتحت) بالتخفيف، والتشديد، و (يأجوج) و (مأجوج) بهمز وبدونه، انظر الآية [٩٤] وما بعدها من سورة (الكهف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ويقر عينك. ﴿وَهُمْ:﴾ المراد: قوم يأجوج، ومأجوج، وقيل: المراد جميع الناس. ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄: من كل شرف، والحدب: ما ارتفع من الأرض، والجمع: أحداب. مأخوذ من حدبة الظهر، والمراد: التلال والآكام. ﴿يَنْسِلُونَ:﴾ يخرجون، أو يقبلون، أو يسرعون. أقوال. والمعنى متقارب. تنبيه: قد ثبت: أن لقيام القيامة علامات، وهي صغرى، وكبرى، فالصغرى قد ظهر جميعها، كقبض العلم الشرعي، وتقارب الزمان، وفيض المال، وكثرة الزلازل، وكثرة القتل، وتطاول البدو في البنيان، وكثرة الفجور، والفسوق، وغير ذلك مما هو واقع، ومشاهد الآن. أما العلامات الكبرى؛ فخذها مما يلي: عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطلع علينا النبي ﷺ ، ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذاكرون؟». قالوا: نذكر الساعة، قال: «إنّها لن تقوم حتّى تروا قبلها عشر آيات». فذكر الدّخان، والدّجال، والدابّة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم. أخرجه مسلم انتهى. خازن. أقول: ما ذكر في الحديث الشريف بعضه من علاماتها، وبعضه من مبادئها، كخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، فعند ذلك يغلق باب التوبة، ولا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، انظر الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأنعام) وانظر الآية [٤٩]. الإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٣٦] ﴿فُتِحَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿يَأْجُوجُ:﴾ نائب فاعله. ﴿وَمَأْجُوجُ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح، وفي جوابها وجهان: أحدهما: أنه محذوف، فقدره أبو إسحاق: قالوا: يا ويلنا. وقدره غيره: فحينئذ يبعثون. وقوله: ﴿فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ﴾ في الآية التالية معطوف على هذا المقدر. والثاني: أن جوابها الفاء في قوله: ﴿فَإِذا هِيَ﴾. قاله الحوفي، والزمخشري، وابن عطية. انتهى. جمل. و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿حَتّى﴾ في مثل هذه الآية جارة ل: ﴿إِذا،﴾

стр. 3706

وقد رده ابن هشام في «المغني» ولكن إذا رجعت إلى الشرح تؤيد الأخفش فيما ذهب إليه في هذه الآية. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿حَدَبٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَنْسِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. تأمل. ﴿وَاِقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ (٩٧)﴾ الشرح: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ أي: القيامة، وذلك بفتح سد يأجوج ومأجوج. قال حذيفة-﵁: لو أن رجلا اقتنى فلوا بعد خروج يأجوج، ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة. وهذا ينفي ما ذكره الجمل من أن سد يأجوج ومأجوج إنما يفتح بعد نزول عيسى ﵇-إلى الأرض، ثم يهلكون بدعائه عليهم، فتملأ رممهم، وجيفهم الأرض، فيرسل الله عليهم طيرا كأعناق البخت، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله تعالى، ثم يرسل الله مطرا، فيغسل الأرض من آثارهم، ثم يقول الله للأرض: أنبتي ثمرك، فيكثر الرزق جدا، ويستقيم الحال لعيسى والمؤمنين، فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله عليهم ريحا طيبة، تقبض روح كل مؤمن، ومسلم، وتبقي شرار الناس يتهارجون في الأرض كتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٩] من سورة (الكهف). ﴿فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: إذا قامت القيامة شخصت أبصار الذين كفروا إلى السماء من شدة الأهوال، لا تكاد تطرف من هول ذلك اليوم. يقال: شخص الرجل بصره، وشخص البصر نفسه؛ أي: سما، وطمح من هول ما يرى. قال ابن عباس-﵄: تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة، فلا يرمضون، وانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٤] ففيها الكفاية. هذا؛ والغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور، وقيل: حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ، والتيقظ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَاقْتَرَبَ:﴾ الواو: زائدة. (اقترب): ماض. ﴿الْوَعْدُ:﴾ فاعله. ﴿الْحَقُّ:﴾ صفة، والجملة الفعلية جواب (إذا) على رأي الفراء والكسائي، وغيرهما، ومعطوفة على جملة: ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ﴾ على حسب ما رأيت في الآية السابقة، وهو مذهب البصريين. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: واقعة في

стр. 3707

جواب (إذا)، على رأي الزمخشري ومن وافقه، وحرف عطف على رأي الفراء، والكسائي. وانظر ما ذكرته بشأن هذه الفاء في الآية رقم [٤] من سورة (النحل). (إذا): كلمة دالة على المفاجأة، وهي تختص بالجملة الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب. وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه: خرجت، فإذا إنّ زيدا بالباب؛ لأن «إن» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور. وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري. وزعم الأخير أن عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو خرجت فإذا زيد جالس، أو المقدر في نحو: «فإذا الأسد» أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر؛ فعاملها مستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر معها في القرآن الكريم إلا مصرحا به. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿شاخِصَةٌ:﴾ خبره. ﴿أَبْصارُ:﴾ فاعل ب: ﴿شاخِصَةٌ،﴾ و (أبصار) مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. هذا هو الإعراب الظاهر، والمتبادر، ولكن إذا عرفت: أن ﴿هِيَ﴾ ضمير القصة، وهي عائدة على متأخر، لا على متقدم، فوجب تفسيرها بجملة، لا بمفرد كما رأيت في الإعراب؛ لذا فالإعراب الصحيح كما يلي: ﴿شاخِصَةٌ:﴾ خبر مقدم، و ﴿أَبْصارُ الَّذِينَ..﴾. إلخ: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وهي مفسرة له، وهذا هو مذهب البصريين، وأما الكوفيون؛ فيجيزون اعتبار ﴿شاخِصَةٌ﴾ مبتدأ، و (أبصار) فاعل به سد مسد الخبر، وهذا إنما يتمشى على مذهبهم؛ لأن ضمير القصة يفسر عندهم بالمفرد العامل عمل الفعل، فإنه في قوة الجملة. انتهى. جمل نقلا عن السمين. والجملة الاسمية: ﴿هِيَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها، وهي معطوفة على ما قبلها، أو هي جواب ل: (إذا) على وجه مر ذكره على اعتبار (إذا) حرفا. ﴿يا وَيْلَنا:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٤] تجده وافيا كافيا. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿فِي غَفْلَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان). ﴿مِنْ هذا:﴾ متعلقان ب: ﴿غَفْلَةٍ﴾ و (من) بمعنى عن، أو بمحذوف صفة غفلة، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال، وجملة: ﴿كُنّا ظالِمِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، والكلام: ﴿يا وَيْلَنا قَدْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقولون: يا ويلنا... إلخ. وجملة: (يقولون...) إلخ في محل نصب حال من الموصول، والرابط: واو الجماعة. بعد هذا أنقل لك ما ذكره السيوطي في كتابه همع الهوامع بشأن الفاء الداخلة على «إذا» الفجائية، فقال-رحمه الله تعالى-: اختلف في هذه الفاء، فقال المازني: هي زائدة للتأكيد؛ لأن إذا الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره

стр. 3708

ابن جنّي، وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة «إذا» ومدخولها على الجملة قبلها، واختاره الشلوبين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع «ثم» موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ،﴾ وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. أي: فهي للسببية المحضة. ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨)﴾ الشرح: ﴿إِنَّكُمْ:﴾ الخطاب لكفار قريش، ويعم كل مشرك جعل لله ندا. ﴿وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ يحتمل الأوثان التي يقدسونها، ويحتمل إبليس وأعوانه من الإنس والجن؛ لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبادتهم، كما رأيت في الآية رقم [٣١] من سورة (التوبة) ولما روي أن النبي ﷺ لما تلا هذه الآية على المشركين، قال عبد الله بن الزّبعرى: قد خصمتك ورب الكعبة! أليس اليهود عبدوا عزيرا، والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة، فقال ﷺ : «بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك»، وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ..﴾. إلخ الآية الآتية. هذا؛ ويروى: أن النبي ﷺ قال له: «ما أجهلك بلغة قومك؟ ألم تعلم أن ما لغير العاقل، ومن للعاقل؟!» فتصاغر، وخنس. وهو جواب مفحم مسكت. ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أي: حطب جهنم؛ الذي يرمى بها فتهيج به، وهذا يفيد: أن الكفار وما يعبدون من الأصنام حطب لجنهم، وهو صريح قوله تعالى في سورة (التحريم): ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾. هذا؛ ويقرأ: «(حطب)» بالطاء، كما يقرأ: «(حضب)» بالضاد، قال الفراء: ذكر لنا: أن الحضب في لغة أهل اليمن: الحطب. ﴿أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ أي: عليها واردون، بمعنى: داخلون فيها، هذا؛ والحجارة التي عبدوها لا ذنب لها، ولا عقوبة عليها، ولكن تكون عذابا على من عبدها، أول شيء بالحسرة، ثم تجمع على النار، فتكون نارها أشد من كل نار، ثم يعذبون بها بعد أن كانوا يؤملون نفعها، وشفاعتها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الكاف. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: والذي تعبدونه. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما) و ﴿تَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿حَصَبُ:﴾ خبر (إنّ) وهو مصدر صح الإخبار به عن متعدد، و ﴿حَصَبُ﴾ مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع

стр. 3709

مبتدأ. ﴿لَها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿وارِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ..﴾. إلخ جوز فيها أبو البقاء ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون بدلا من ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فهو إبدال جملة من مفرد. الثاني: أن تكون مستأنفة، فلا محل لها على هذا الوجه. الثالث: أن تكون في محل نصب حال من جهنم، والرابط: الضمير فقط، وفيه نظر من حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع التي يجوز فيها مجيء الحال من المضاف إليه، هذا؛ وأجيز اعتبارها خبرا ل: (إنّ). ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ الشرح: ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها﴾ أي: لو كانت الأصنام آلهة، وتستحق العبادة؛ لما ألقيت في جهنم مع عابديها. ﴿وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أي: كل من العابدين، والمعبودين ماكثون في جهنم لا يخرجون منها أبدا. ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ﴾ أي: للذين دخلوا النار من الكفار، والشياطين، فأما الأصنام؛ فعلى الخلاف فيها، هل يحييها الله تعالى، ويعذبها حتى يكون لها زفير، أو لا؟ قولان. هذا؛ والزفير: هو أن يملأ الرجل صدره غمّا ثم يتنفس، وقيل: الزفير: ترديد النفس في الصدر حتى تنتفخ منه الضلوع. والشهيق: رد النفس إلى الصدر، وانظر الآية رقم [١٠٦] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف ألف صلاة وألف وألف سلام، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَهُمْ فِيها:﴾ في جهنم. ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا يسمعون شيئا؛ لأنهم يحشرون صما، وعميا، وبكما، كما رأيت في الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء) هذا؛ وقد قال ابن مسعود ﵁-في هذه الآية: «إذا بقي في النار من يخلّد فيها؛ جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخر، ثم تلك التوابيت في توابيت أخر، عليها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذب غيره». الإعراب: ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿آلِهَةً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿وَرَدُوها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية جواب لو، لا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة، ومحلها مثل: ﴿كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ في الآية رقم [٩٣] ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف

стр. 3710

حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿زَفِيرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ أي: قدرت، وسجلت لهم في قديم الأزل الحسنى، والمراد بها: السعادة الأبدية، أو التوفيق للطاعة، أو البشرى بالجنة. وانظر شرح ﴿الْحُسْنى﴾ في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء). ﴿أُولئِكَ عَنْها﴾ أي: عن جهنم. ﴿مُبْعَدُونَ:﴾ لأنهم يرفعون إلى أعلى عليين. هذا؛ وقد ذكرت في الآية رقم [٩٨] أن الآية نزلت ردا على ابن الزّبعرى. روي: أن عليا كرم الله وجهه خطب على المنبر، وقرأ هذه الآية، ثم قال: أنا منهم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وابن الجراح، ثم أقيمت الصلاة. فقام يجر رداءه، ويقول: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها..﴾. إلخ. فويل، ثم ويل، ثم ويل للذين يفرقون بين صحابة رسول الله ﷺ ، وويل لهم مما يفترون الكذب من أن عليا رضي الله كان يبغض أحدا من الصحابة. وانظر قوله في سورة (الأعراف) آية رقم [٤٤] وسورة الحجر آية [٤٧] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ويقر عينك، واستمطر الخزي واللعن على من يصمون عليا كرم الله وجهه، ويتهمونه مما هو منه براء. تنبيه: فإن قيل: كيف يكونون مبعدين عنها، وقد قال الله تعالى في سورة (مريم) آية رقم [٧١]: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ وورودها يقتضي القرب منها؟ فالجواب: معناه: مبعدون عن عذابها، وألمها، مع ورودهم لها، أو معناه: مبعدون عنها بعد ورودها بالإنجاء المذكور بعد الورود. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. هذا؛ وقد جيء باللام في قوله: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ؛﴾ لأن السابق نافع، كما جيء ب: (على) حيث كان السابق ضارا، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ الآية رقم [٢٧] من سورة (المؤمنون). الإعراب: ﴿إِنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل، وقال أهل العلم: ﴿إِنَّ﴾ ها هنا بمعنى «إلا»، وليس في القرآن غيره. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿سَبَقَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحُسْنى﴾. ﴿الْحُسْنى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد:

стр. 3711

الضمير المجرور محلا باللام. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُبْعَدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء، انظر الشرح. ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢)﴾ الشرح: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ أي: صوت جهنم، وحركة لهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة. فإن قيل: أية بشارة لهم في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ فالجواب: أن المراد منه: تأكيد بعدهم؛ لأن من قرب منها، قد يسمع حسيسها، فإن قيل: أليس أهل الجنة يرون أهل النار، فكيف لا يسمعون حسيسها؟ فالجواب: إذا حملناه على التأكيد؛ زال هذا السؤال. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ..﴾. إلخ: دائمون في غاية التنعم، فيما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وقال تعالى في سورة (فصلت) آية رقم [٣١]: ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿حَسِيسَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية يجوز أن تكون بدلا من ﴿مُبْعَدُونَ؛﴾ لأنها لو حلت محله تغني عنه، ويجوز أن تكون خبرا ثانيا للمبتدأ (أولئك)، ويجوز أن تكون في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُبْعَدُونَ﴾. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿فِي مَا:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدُونَ﴾ بعدهما، و ﴿مَا:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر نفي. ﴿اِشْتَهَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: في الذي، أو: في شيء اشتهته أنفسهم. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو والضمير، أو هي مستأنفة، فلا يكون لها محل. ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ الشرح: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ أي: النفخة الثانية لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أو لا نصراف الناس إلى النار، أو حين يطبق على النار، أو

стр. 3712

حين يذبح الموت على صورة كبش أملح. انظر الآية رقم [٣٨] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٩] من سورة (النمل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي: تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة مهنئين، يقولون لهم: ﴿هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي: في الدنيا من الكرامة، والرضا والرضوان، والعفو والغفران. فيكون المعنى: هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم به في الدنيا، فأبشروا فيه يجميع ما يسركم! هذا؛ ويقرأ الفعل: (يحزن) بفتح الياء من الثلاثي، وبابه قتل، ويقرأ بضم الياء من الرباعي. قال اليزيدي: «حزنه» لغة قريش، و «أحزنه» لغة تميم. انتهى. وهو متعد على اللغتين مثل: سلكه، وأسكله، هذا؛ و «حزن» بكسر الزاي من باب فرح لازم. أما ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ فهم أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لا يأكلون، ولا يشربون، لا يبولون، ولا يتغوطون، لا ينامون، ولا يموتون، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، ولا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثة كفر، وهم كثيرون، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال، ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَحْزُنُهُمُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به. ﴿الْفَزَعُ:﴾ فاعله. ﴿الْأَكْبَرُ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها، وأجيز اعتبارها بدلا مما قبلها. (تتلقاهم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿يَوْمُكُمُ:﴾ خبر مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿يَوْمُكُمُ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي كنتم توعدونه، والجملة الاسمية: ﴿هذا يَوْمُكُمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لفعل محذوف، يقولون لهم: ﴿هذا..﴾. إلخ، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من ﴿الْمَلائِكَةُ،﴾ والرابط: الضمير فقط.

стр. 3713

﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ (١٠٤)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ:﴾ الطيّ في هذه الآية يحتمل معنيين: أحدهما: الدرج الذي هو ضد النشر، قال تعالى: ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ والثاني: الإخفاء والمحو، فطيها: تكوير نجومها، ومحو رسومها. هذا؛ ويقرأ: «(تطوى)» بالتاء، وبالبناء للمجهول، ورفع: (السماء)، ويقرأ: «(يطوي)» على أن الفاعل تقديره: هو الله. هذا؛ والسجل: الكتاب، فيكون المعنى: نطوي السماء كطي الصحيفة على مكتوبها؛ أي: المسجل فيها، وتكون اللام بمعنى: «على» وروي عن ابن عباس-﵄: أنه اسم أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، ولم ينقل، ولم يذكر في أصحابه من اسمه: السجل، فلذا هو قول ضعيف، والمعتمد: أنه اسم ملك، وهذا الذي يطوي كتب بني آدم أي صحائف أعمالهم إذا رفعت إليه. ويقال: إنه في السماء الثالثة، ترفع إليه أعمال العباد، يرفعها إليه الحفظة الموكلون بالخلق في كل يوم خميس، واثنين؛ ولذا كان النبي ﷺ يصوم هذين اليومين، ويقول: «ترفع فيهما الأعمال إلى رب العالمين»، وفي رواية: «تعرض الأعمال». هذا؛ ويقرأ: «(للكتاب)» بالإفراد، ويقرأ ﴿السِّجِلِّ﴾ بقراآت كثيرة. ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ:﴾ في هذه الجملة تفسيران: أحدهما: أن المعنى نعيد ما خلقناه بعد ما أفنيناه، وأهلكناه مثل ما خلقناه أول مرة من العدم، والإعادة تكون بعد تفتت الأجزاء، وتبددها، فيكون المراد بيان صحة الإعادة بالقياس على الإبداء لشمول الإمكان الذاتي المصحح للمقدورية، وتناول القدرة القديمة لهما على السواء، ومجمل القول في هذه الآية على هذا التفسير، فكما قدرنا على الإنشاء نقدر على الإعادة. الثاني: أن المعنى نحشر الخلق حفاة عراة غرلا كما بدئوا في البطون، فعن ابن عباس ﵄-عن النبي ﷺ أنه قال: «يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا، أوّل الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇» ثم قرأ: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. أخرجه مسلم، والنسائي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٨] من سورة (الكهف) فهو أوسع من هذا، وهذا التفسير أقوى من الأول. ﴿وَعْداً عَلَيْنا﴾ أي: إعادة الخلق كما بدأهم أول مرة، هذا؛ وعد قطعه رب العالمين على نفسه بمعنى: قدره، وقضاه لا محالة كائن، وواقع إنجازه، وتحقيقه. ﴿إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أي: ما وعدناكم به من الإعادة، وهو كقوله تعالى: ﴿كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ وفسر ﴿فاعِلِينَ﴾ ب: قادرين على الإعادة. وأصل ذلك: أن الفعل يتسبب عن الإرادة، والقدرة، وهم يقيمون السبب مقام المسبب.

стр. 3714

هذا؛ و «كتاب» في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة؛ لا جتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف. وقيل: هو ظرف متعلق بالفعل ﴿لا يَحْزُنُهُمُ﴾ أو (تتلقاهم) وأجاز أبو البقاء اعتباره بدلا من العائد المحذوف في جملة الصلة: ﴿تُوعَدُونَ﴾. وأجاز البيضاوي اعتباره متعلقا بمحذوف حال من العائد المحذوف، والمعتمد الأول. ﴿نَطْوِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به، وانظر أوجه القراآت في الشرح. ﴿كَطَيِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: طيّا كائنا مثل طيّ، و (طي) مضاف، و ﴿السِّجِلِّ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله حسب ما رأيت في الشرح. ﴿لِلْكُتُبِ:﴾ متعلقان بالمصدر. واللام زائدة على اعتبار ﴿السِّجِلِّ﴾ اسم ملك، كما رأيت، فيكون الكتب مفعولا به مجرورا لفظا منصوبا محلا، وجملة: ﴿نَطْوِي..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها على جميع أوجه القراآت. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ما): مصدرية. ﴿بَدَأْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَوَّلَ:﴾ مفعول به، و ﴿أَوَّلَ﴾ مضاف، و ﴿خَلْقٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿نُعِيدُهُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، و (ما) المصدرية، والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف عامله الفعل بعده، التقدير: نعيده إعادة كائنة مثل بدئنا أول خلق خلقناه. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) موصولة مبنية على السكون في محل جر بالكاف، والجملة الفعلية صلتها، والعائد محذوف، التقدير: كالذي بدأناه، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة... إلخ، مثل التأويل الأول، وعليه يكون ﴿أَوَّلَ﴾ ظرفا متعلقا بالفعل ﴿بَدَأْنا،﴾ أو هو متعلق بمحذوف حال من العائد المحذوف، وهذه الجملة: ﴿كَما..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَعْداً:﴾ مفعول مطلق عامله من لفظه محذوف، التقدير: وعدناه وعدا. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان ب: ﴿وَعْداً،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها أيضا. ﴿بَدَأْنا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿فاعِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا فاعِلِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿بَدَأْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقال الجمل: ذكرت هذه الجملة توكيدا لتحتم الخبر، وقيل: هي تعليل للقدرة، وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف معنى.

стр. 3715

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ (١٠٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا﴾ أي: سجلنا، وقدرنا، وقضينا. ﴿فِي الزَّبُورِ:﴾ كتاب داود، انظر الآية رقم [٥٥] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أي: التوراة التي أنزلت على موسى على نبينا، وشفيعنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وقيل: إن المراد ب: ﴿الزَّبُورِ﴾ جميع الكتب التي أنزلت على الرسل، والمراد ب: ﴿الذِّكْرِ﴾ اللوح المحفوظ الذي سجل فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، فيكون المراد بكتابة الزبور نسخ ما فيها من اللوح المحفوظ؛ لأن جميع الكتب السماوية مسجلة في اللوح المحفوظ من قديم الأزل. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ:﴾ أحسن ما قيل فيه: أنه يراد بها أرض الجنة، كما قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى؛ لأن الأرض في الدنيا يملكها الصالحون، وغيرهم، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما. وقال مجاهد وأبو العالية: ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾. هذا؛ وقيل: إنها الأرض المقدسة. ذكر لي: أن اليهود كتبوا على جدران القنيطرة يوم احتلوها عام ١٩٦٧ م الآية التي نحن بصدد شرحها، كتبوها بحروف عربية مكبّرة. هذا؛ وقيل: المراد بها أرض الأمم الكافرة ترثها أمة محمد ﷺ بالفتوح. وقيل: إن المراد بذلك بنو إسرائيل بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾. هذا؛ ويقرأ: ﴿عِبادِيَ﴾ بفتح ياء المتكلم وسكونها. هذا؛ والإضافة بقوله: ﴿عِبادِيَ﴾ إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وذكر العبودية مقام عظيم، والعبد: الإنسان حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الإسراء). هذا؛ ولا تنس: أن في الآية الكريمة التفاتا من التكلم بالجمع إلى التكلم بالمفرد، وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤]. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٤١] ففيها الكفاية. ﴿كَتَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها. ﴿فِي الزَّبُورِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان به أيضا، وقيل: متعلقان بمحذوف صفة ل: ﴿الزَّبُورِ،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿الذِّكْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَرْضَ:﴾ اسمها. ﴿يَرِثُها:﴾ مضارع، و (ها): مفعول به. ﴿عِبادِيَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿الصّالِحُونَ:﴾ صفة ﴿عِبادِيَ﴾ مرفوع مثله. وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿يَرِثُها..﴾. إلخ في
следующие страницы →