Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
الضمير المجرور محلا باللام. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُبْعَدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء، انظر الشرح.
﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢)﴾
الشرح: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ أي: صوت جهنم، وحركة لهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة. فإن قيل: أية بشارة لهم في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ فالجواب: أن المراد منه: تأكيد بعدهم؛ لأن من قرب منها، قد يسمع حسيسها، فإن قيل: أليس أهل الجنة يرون أهل النار، فكيف لا يسمعون حسيسها؟ فالجواب: إذا حملناه على التأكيد؛ زال هذا السؤال. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.
﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ..﴾. إلخ: دائمون في غاية التنعم، فيما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وقال تعالى في سورة (فصلت) آية رقم [٣١]: ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾.
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿حَسِيسَها:﴾
مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية يجوز أن تكون بدلا من ﴿مُبْعَدُونَ؛﴾ لأنها لو حلت محله تغني عنه، ويجوز أن تكون خبرا ثانيا للمبتدأ (أولئك)، ويجوز أن تكون في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُبْعَدُونَ﴾. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم):
مبتدأ. ﴿فِي مَا:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدُونَ﴾ بعدهما، و ﴿مَا:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر نفي. ﴿اِشْتَهَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: في الذي، أو: في شيء اشتهته أنفسهم. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو والضمير، أو هي مستأنفة، فلا يكون لها محل.
﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾
الشرح: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ أي: النفخة الثانية لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أو لا نصراف الناس إلى النار، أو حين يطبق على النار، أو
стр. 3712
حين يذبح الموت على صورة كبش أملح. انظر الآية رقم [٣٨] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٩] من سورة (النمل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي: تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة مهنئين، يقولون لهم:
﴿هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي: في الدنيا من الكرامة، والرضا والرضوان، والعفو والغفران. فيكون المعنى: هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم به في الدنيا، فأبشروا فيه يجميع ما يسركم! هذا؛ ويقرأ الفعل: (يحزن) بفتح الياء من الثلاثي، وبابه قتل، ويقرأ بضم الياء من الرباعي. قال اليزيدي: «حزنه» لغة قريش، و «أحزنه» لغة تميم. انتهى. وهو متعد على اللغتين مثل: سلكه، وأسكله، هذا؛ و «حزن» بكسر الزاي من باب فرح لازم.
أما ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ فهم أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لا يأكلون، ولا يشربون، لا يبولون، ولا يتغوطون، لا ينامون، ولا يموتون، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، ولا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثة كفر، وهم كثيرون، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال، ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار.
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَحْزُنُهُمُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به. ﴿الْفَزَعُ:﴾ فاعله.
﴿الْأَكْبَرُ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها، وأجيز اعتبارها بدلا مما قبلها.
(تتلقاهم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿يَوْمُكُمُ:﴾ خبر مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿يَوْمُكُمُ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي كنتم توعدونه، والجملة الاسمية: ﴿هذا يَوْمُكُمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لفعل محذوف، يقولون لهم: ﴿هذا..﴾. إلخ، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من ﴿الْمَلائِكَةُ،﴾ والرابط: الضمير فقط.
стр. 3713
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ (١٠٤)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ:﴾ الطيّ في هذه الآية يحتمل معنيين:
أحدهما: الدرج الذي هو ضد النشر، قال تعالى: ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ والثاني: الإخفاء والمحو، فطيها: تكوير نجومها، ومحو رسومها. هذا؛ ويقرأ: «(تطوى)» بالتاء، وبالبناء للمجهول، ورفع: (السماء)، ويقرأ: «(يطوي)» على أن الفاعل تقديره: هو الله. هذا؛ والسجل: الكتاب، فيكون المعنى: نطوي السماء كطي الصحيفة على مكتوبها؛ أي: المسجل فيها، وتكون اللام بمعنى:
«على» وروي عن ابن عباس-﵄: أنه اسم أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، ولم ينقل، ولم يذكر في أصحابه من اسمه: السجل، فلذا هو قول ضعيف، والمعتمد: أنه اسم ملك، وهذا الذي يطوي كتب بني آدم أي صحائف أعمالهم إذا رفعت إليه. ويقال: إنه في السماء الثالثة، ترفع إليه أعمال العباد، يرفعها إليه الحفظة الموكلون بالخلق في كل يوم خميس، واثنين؛ ولذا كان النبي ﷺ يصوم هذين اليومين، ويقول: «ترفع فيهما الأعمال إلى رب العالمين»، وفي رواية:
«تعرض الأعمال». هذا؛ ويقرأ: «(للكتاب)» بالإفراد، ويقرأ ﴿السِّجِلِّ﴾ بقراآت كثيرة.
﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ:﴾ في هذه الجملة تفسيران: أحدهما: أن المعنى نعيد ما خلقناه بعد ما أفنيناه، وأهلكناه مثل ما خلقناه أول مرة من العدم، والإعادة تكون بعد تفتت الأجزاء، وتبددها، فيكون المراد بيان صحة الإعادة بالقياس على الإبداء لشمول الإمكان الذاتي المصحح للمقدورية، وتناول القدرة القديمة لهما على السواء، ومجمل القول في هذه الآية على هذا التفسير، فكما قدرنا على الإنشاء نقدر على الإعادة.
الثاني: أن المعنى نحشر الخلق حفاة عراة غرلا كما بدئوا في البطون، فعن ابن عباس ﵄-عن النبي ﷺ أنه قال: «يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا، أوّل الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇» ثم قرأ: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. أخرجه مسلم، والنسائي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٨] من سورة (الكهف) فهو أوسع من هذا، وهذا التفسير أقوى من الأول.
﴿وَعْداً عَلَيْنا﴾ أي: إعادة الخلق كما بدأهم أول مرة، هذا؛ وعد قطعه رب العالمين على نفسه بمعنى: قدره، وقضاه لا محالة كائن، وواقع إنجازه، وتحقيقه. ﴿إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أي:
ما وعدناكم به من الإعادة، وهو كقوله تعالى: ﴿كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ وفسر ﴿فاعِلِينَ﴾ ب: قادرين على الإعادة. وأصل ذلك: أن الفعل يتسبب عن الإرادة، والقدرة، وهم يقيمون السبب مقام المسبب.
стр. 3714
هذا؛ و «كتاب» في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة؛ لا جتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا.
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف. وقيل: هو ظرف متعلق بالفعل ﴿لا يَحْزُنُهُمُ﴾ أو (تتلقاهم) وأجاز أبو البقاء اعتباره بدلا من العائد المحذوف في جملة الصلة: ﴿تُوعَدُونَ﴾. وأجاز البيضاوي اعتباره متعلقا بمحذوف حال من العائد المحذوف، والمعتمد الأول. ﴿نَطْوِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به، وانظر أوجه القراآت في الشرح. ﴿كَطَيِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: طيّا كائنا مثل طيّ، و (طي) مضاف، و ﴿السِّجِلِّ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله حسب ما رأيت في الشرح. ﴿لِلْكُتُبِ:﴾ متعلقان بالمصدر. واللام زائدة على اعتبار ﴿السِّجِلِّ﴾ اسم ملك، كما رأيت، فيكون الكتب مفعولا به مجرورا لفظا منصوبا محلا، وجملة: ﴿نَطْوِي..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها على جميع أوجه القراآت.
﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ما): مصدرية. ﴿بَدَأْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَوَّلَ:﴾
مفعول به، و ﴿أَوَّلَ﴾ مضاف، و ﴿خَلْقٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿نُعِيدُهُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره:
«نحن»، والهاء مفعول به، و (ما) المصدرية، والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف عامله الفعل بعده، التقدير: نعيده إعادة كائنة مثل بدئنا أول خلق خلقناه. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) موصولة مبنية على السكون في محل جر بالكاف، والجملة الفعلية صلتها، والعائد محذوف، التقدير: كالذي بدأناه، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة... إلخ، مثل التأويل الأول، وعليه يكون ﴿أَوَّلَ﴾ ظرفا متعلقا بالفعل ﴿بَدَأْنا،﴾ أو هو متعلق بمحذوف حال من العائد المحذوف، وهذه الجملة: ﴿كَما..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَعْداً:﴾ مفعول مطلق عامله من لفظه محذوف، التقدير: وعدناه وعدا. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان ب: ﴿وَعْداً،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها أيضا. ﴿بَدَأْنا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿فاعِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا فاعِلِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿بَدَأْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقال الجمل: ذكرت هذه الجملة توكيدا لتحتم الخبر، وقيل: هي تعليل للقدرة، وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف معنى.
стр. 3715
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ (١٠٥)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا﴾ أي: سجلنا، وقدرنا، وقضينا. ﴿فِي الزَّبُورِ:﴾ كتاب داود، انظر الآية رقم [٥٥] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أي: التوراة التي أنزلت على موسى على نبينا، وشفيعنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وقيل: إن المراد ب: ﴿الزَّبُورِ﴾ جميع الكتب التي أنزلت على الرسل، والمراد ب: ﴿الذِّكْرِ﴾ اللوح المحفوظ الذي سجل فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، فيكون المراد بكتابة الزبور نسخ ما فيها من اللوح المحفوظ؛ لأن جميع الكتب السماوية مسجلة في اللوح المحفوظ من قديم الأزل.
﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ:﴾ أحسن ما قيل فيه: أنه يراد بها أرض الجنة، كما قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى؛ لأن الأرض في الدنيا يملكها الصالحون، وغيرهم، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما. وقال مجاهد وأبو العالية: ودليل هذا التأويل قوله تعالى:
﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾. هذا؛ وقيل: إنها الأرض المقدسة. ذكر لي: أن اليهود كتبوا على جدران القنيطرة يوم احتلوها عام ١٩٦٧ م الآية التي نحن بصدد شرحها، كتبوها بحروف عربية مكبّرة. هذا؛ وقيل: المراد بها أرض الأمم الكافرة ترثها أمة محمد ﷺ بالفتوح. وقيل: إن المراد بذلك بنو إسرائيل بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾. هذا؛ ويقرأ: ﴿عِبادِيَ﴾ بفتح ياء المتكلم وسكونها.
هذا؛ والإضافة بقوله: ﴿عِبادِيَ﴾ إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وذكر العبودية مقام عظيم، والعبد: الإنسان حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الإسراء). هذا؛ ولا تنس: أن في الآية الكريمة التفاتا من التكلم بالجمع إلى التكلم بالمفرد، وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤].
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٤١] ففيها الكفاية. ﴿كَتَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها. ﴿فِي الزَّبُورِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾
متعلقان به أيضا، وقيل: متعلقان بمحذوف صفة ل: ﴿الزَّبُورِ،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿الذِّكْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَرْضَ:﴾ اسمها.
﴿يَرِثُها:﴾ مضارع، و (ها): مفعول به. ﴿عِبادِيَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿الصّالِحُونَ:﴾ صفة ﴿عِبادِيَ﴾ مرفوع مثله. وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿يَرِثُها..﴾. إلخ في
стр. 3716
محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والقسم المقدر: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ وجوابه كلام مستأنف لا محل له.
﴿قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾ أمر للنبي ﷺ . ﴿إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي: ما يوحى إليّ من ربي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد لا شريك له في ملكه، ولا مناوئ له في سلطانه.
قال الشهاب: في هذه الآية قصران: الأول قصر الصفة على الموصوف، والثاني بالعكس.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ:﴾ موحدون منقادون لما يوحى إليّ من إخلاص الإلهية والتوحيد. ومعنى الاستفهام: الأمر؛ أي: أسلموا.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة.
﴿يُوحى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.
стр. 3717
﴿إِلَيَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة، ﴿إِلهُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة إله، والكلام ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل ﴿يُوحى﴾. هذا؛ وكف (أنّ) ب: (ما) عن العمل لا يخرجها عن المصدرية، وجملة: ﴿إِنَّما يُوحى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ إِنَّما..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام.
﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩)﴾
الشرح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عن الإسلام والانقياد لما تدعوهم إليه. هذا؛ والتولي، والإعراض، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور الاعتقادية اتساعا، وأصل (تولوا) قبل دخول واو الجماعة: «تولّي» قل في إعلاله: تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فلما اتصلت به واو الجماعة صار (تولاّوا) فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على اللام دليلا على الألف المحذوفة، ويقال في إعلاله أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار: «تولّيوا» فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فصارت ألفا، فالتقى ساكنان: ألف العلة... إلخ، كما يقال أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار: «توليوا» فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: ياء العلة، وواو الجماعة، فحذفت ياء العلة لالتقاء الساكنين. وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص، اتصل به واو الجماعة، مثل: نجا، ورمى، وسعى، وغزا... إلخ، تنبه لذلك واحفظه. هذا؛ وإذا ولي الواو ساكن مثل (رأوا العذاب) ونحوه تحرك الواو بالضمة، ولم تحرك بالكسرة؛ لأن الكسرة لا تناسبها، وقيل: حركت بالضم دون غيره، ليفرق بين الواو الأصلية، وبين واو الجماعة في نحو قولك: «لو اجتهدت لنجحت». وقيل: ضمت؛ لأن الضمة هنا أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: غير ذلك.
﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ﴾ أي: أعلمتكم على بيان: أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا، وهذا إنذار بين نستوي في علمه، لا أستبد به أنا دونكم، لتتأهبوا لما يراد منكم. وقيل:
المعنى: أعلمتكم بالحرب على عدل، واستقامة، ورأي بالبرهان النير، فيكون كقوله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ وقال الزجاج: المعنى:
أعلمتكم بما يوحى إلي على استواء في العلم به، ولم أظهر لأحد شيئا كتمته عن غيره. وانظر
стр. 3718
إعلال همزة (آمن) في الآية رقم [٧١] من سورة (طه)، وانظر شرح ﴿سَواءٍ﴾ في الآية رقم [٢٥] من سورة (الحج).
﴿وَإِنْ أَدْرِي:﴾ لا أدري، ولا أعلم. ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أي: لا أعلم متى يكون يوم القيامة؛ لأن الله لم يطلعني عليه، ولكني أعلم: أنه كائن لا محالة. أو: لا أعلم متى يحل بكم العذاب إن لم تؤمنوا، وقيل: المعنى: آذنتكم بالحرب، ولكني لا أدري متى يؤذن لي في محاربتكم؟
الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿آذَنْتُكُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله.
﴿عَلى سَواءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل، أو من الكاف المفعول به، أو من كليهما، بمعنى: متساويين، ومثله قول الشاعر: [الكامل]
فلئن لقيتك خاليين لتعلمن... أيّي وأيّك فارس الأحزاب؟
ف «خاليين» حال من التاء والكاف. وأيضا قول عنترة بن شداد العبسي: [الوافر]
متى ما تلقني فردين ترجف... روانف أليتيك وتستطارا
فقوله: «فردين» حال من الفاعل المستتر، ومن ياء المتكلم التي هي مفعوله. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو:
حرف استئناف، أو واو الحال. (إن): حرف نفي. ﴿أَدْرِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَقَرِيبٌ:﴾ الهمزة حرف استفهام.
(قريب): خبر مقدم. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿بَعِيدٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير:
الذي توعدونه، والجملة الاسمية: ﴿أَقَرِيبٌ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل أدري المعلق عن العمل لفظا بهمزة الاستفهام. هذا؛ وجوز أبو البقاء أن يكون: (قريب) مبتدأ؛ لاعتماده على الاستفهام و: ﴿بَعِيدٌ﴾ معطوفا عليه، و ﴿ما:﴾ فاعلا بما قبله سادا مسد الخبر، ويكون ذلك على التنازع، وجملة ﴿وَإِنْ أَدْرِي..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من تاء الفاعل.
والكلام: ﴿آذَنْتُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إنّ) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو في محل نصب مقول القول.
стр. 3719
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾
الشرح: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله. ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: ما تجاهرون به من العداوة والطعن في الإسلام. ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ أي: ما تخفون من الإحن والأحقاد للمسلمين فيجازيكم على ذلك، هذا؛ و ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة لا اليقين انظر الآية رقم [٣٩]. هذا؛ و «كتم» من باب نصر، وربما عدّي «كتم» إلى مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث، وتزاد «من» جوازا في المفعول الأول، فيقال: كتمت من زيد الحديث، وكتم الشيء: بالغ في كتمانه، واكتتم الشيء: اصفرّ. هذا؛ والكتم، والكتمان: نبت يخضب به الشعر، ويصنع منه مداد الكتابة، ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط]
فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم
ولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم
لو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم
الإعراب: ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾. ﴿الْجَهْرَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْقَوْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الجهر، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «هو». ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو: شيئا تكتمونه في صدوركم، وجملة:
﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١)﴾
الشرح: معنى الآية: وما أدري لعل تأخير العذاب عنكم استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، واختباركم، وامتحان لكم؛ ليرى كيف تعملون، وكيف تصنعون، وهو أعلم بكم.
هذا؛ وذكر القرطبي: أن النبي ﷺ رأى في منامه: أن بني أمية يلون الناس. فلا وجه له هنا ألبتة، ولم يقل به غيره. و ﴿أَدْرِي﴾ ماضيه درى بمعنى علم، فهو من أفعال اليقين، فينصب مفعولين كقول الشاعر: [الطويل]
دريت الوفيّ العهد، يا عمرو، فاغتبط... فإنّ اغتباطا بالوفاء حميد
وهو قليل؛ إذ الكثير المستعمل فيه أن يتعدى إلى واحد بالباء نحو دريت بكذا، فإن دخلت عليه همزة النقل تعدى إلى واحد بنفسه، وإلى واحد بالباء، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما﴾
стр. 3720
﴿تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ قال شيخ الإسلام: ومحل ذلك إذا لم يدخل على الفعل استفهام، وإلا تعدى إلى ثلاثة مفاعيل، نحو قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ فالكاف مفعول به أول، والجملة الاسمية بعده سدت مسد المفعولين. انتهى.
والذي في: «الهمع» و «المغني» -قيل: وهو الأوجه-: أن الجملة الاسمية سدت مسد المفعول الثاني المتعدي إليه بالحرف، فتكون في محل نصب بإسقاط الجار، كما في: «ذكرت» أهذا صحيح أم لا؟ أي: فكرت بما ذكر. انتهى. جرجاوي، وينبغي أن تعلم: أن الفعل «أدري» هنا معلق عن العمل لفظا بوقوع «لعل» بعده، والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق، إلا أن النحويين لم يعدوا «لعل» من المعلقات. والحق مع الكوفيين، وهو ظاهر في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ وقوله جل شأنه ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾.
فإن كان (درى) بمعنى: ختل، أي خدع كان متعديا إلى واحد بنفسه مثل: دريت الصيد، أي: ختلته، وخدعته. قال الأخطل التغلبي: [الطويل]
فإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني... بسهمك فالرّامي يصيد ولا يدري
أي: يصيد، ولا يختل. ومثله قول الآخر: [الطويل]
فإن كنت لا أدري الظّباء فإنني... أدسّ لها تحت التّراب الدّواهيا
أي: لا أختل، وإن كانت بمعنى: حك، مثل درى رأسه بالمدرى، أي: حك رأسه بالمشط، فهي كذلك، وانظر شرح ﴿حِينٍ﴾ في الآية رقم [٣٩].
(متاع): انتفاع، وتلذذ، وتمتّع، واستمتع بكذا: انتفع به، والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء، وأمتعه الله، ومتّعه بكذا بمعنى واحد، ومتاع الغرور، أي ما يغر، ويخدع، ولا يغرّ إلا ضعفاء الإيمان، وذوي النفوس المريضة، وخاب الفسقة الذين يقولون: إن متاع الغرور المذكور في كثير من الآيات هو ما تحمله المرأة في أيام حيضها من خرق، فمن أين أتوا بهذا التفسير الذي لا يقره ذوق؛ فضلا عن عدم وجوده في كتب اللغة.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): نافية. ﴿أَدْرِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَعَلَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فِتْنَةٌ:﴾ خبر (لعل). ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿فِتْنَةٌ﴾ أو بمحذوف صفة لها.
(متاع): معطوف على ﴿فِتْنَةٌ،﴾ وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف: التقدير: وهو متاع، وهذه الجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلى حِينٍ:﴾ متعلقان بمتاع أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعول، أو مفعولي الفعل ﴿أَدْرِي﴾ والجملة الفعلية: ﴿أَدْرِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، فتكون في محل نصب مقول القول.
стр. 3721
﴿قالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: النبي ﷺ ، وقرئ: «(قل)». ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: افصل بيني وبين من كذبني، أو المعنى: اقض بيننا، وبين أهل مكة بالعدل، أو بما يحق عليهم من العذاب، وشدّد عليهم، كما قال النبي ﷺ في الدعاء عليهم: «واشدد وطأتك على مضر». هذا؛ ويقرأ: «(ربّ)» بضم الباء، و: ﴿رَبِّ احْكُمْ:﴾ على معنى أحكم الأمور بالحق. ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ﴾ أي: كثير الرحمة على خلقه. ﴿الْمُسْتَعانُ:﴾ المطلوب منه المعونة في كل وقت، وحين. ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ أي: من الشرك، والكفر، والكذب، والأباطيل. هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء أيضا. هذا؛ وقيل: كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون، ويؤملون أن تكون الشوكة لهم، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، ونصر نبيه، والمؤمنين، وخذلهم؛ أي: الكفار. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: ختم الله السورة الكريمة بأن أمر نبيه ﷺ بتفويض الأمر إليه، وتوقع الفرج من عنده، روى سعيد بن جبير عن قتادة قال: كانت الأنبياء تقول: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ﴾ فأمر نبيه ﷺ أن يقول: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ فكان إذا لقي العدو يقول، وهو يعلم: أنه على الحق، وعدوه على الباطل: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: اقض. انتهى. قرطبي بتصرف.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو»، أو (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه حرف النداء. ﴿اُحْكُمْ:﴾ أمر، وفاعله: أنت.
﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما هذا؛ وعلى قراءة: «(ربي أحكم)» فهو مبتدأ وخبر، وعلى القراءتين فالكلام في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿قالَ..﴾. إلخ، أو (قل...) إلخ مستأنفة على القراءتين لا محل لها. ﴿وَرَبُّنَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (ربنا): مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ خبر المبتدأ.
﴿الْمُسْتَعانُ:﴾ صفة ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بالمستعان؛ لأنه صيغة مفعول، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: على الذي، أو:
على شيء تصفونه به. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ التقدير: المستعان على وصفكم الله ما لا يليق به، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّنَا..﴾. إلخ مستأنفة وهي في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
انتهت سورة (الأنبياء) بعونه تعالى تفسيرا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.
стр. 3722
سورة الحجّ
وهي مكية غير ست آيات من قوله : ﴿هذانِ خَصْمانِ..﴾. إلى قوله: ﴿... وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ انتهى. بيضاوي، وخازن. وقال الجمهور: السورة مختلطة، منها مكي، ومنها مدني، وعدّ النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات، وقول الجمهور هو الأصح؛ لأن الآيات تقتضي ذلك؛ لأن: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ مكّيّ، و ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مدنيّ، وهي من أعاجيب السور، نزلت ليلا ونهارا، سفرا، وحضرا، مكيّا، ومدنيّا، سلميا، وحربيا، ناسخا، ومنسوخا، محكما، ومتشابها مختلف العدد. انتهى. قرطبي.
وجاء في فضلها ما رواه الترمذي، وأبو داود، والدارقطني عن عقبة بن عامر-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! فضلت سورة (الحج) بأن فيها سجدتين، قال: «نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما». وبه يقول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. ورأى بعضهم:
أن فيها سجدة واحدة فقط، وهو قول سفيان الثوري، وأبي حنيفة. روى الدارقطني عن عبد الله بن ثعلبة قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁، سجد في الحج سجدتين. قلت: في الصبح؟ قال: في الصبح انتهى. قرطبي بتصرف.
أقول: من اعتبر السجدتين في هذه السورة اعتبر سجدة سورة (ص) سجدة شكر، لا سجدة تلاوة؛ فلا يسجد لها في الصلاة، فإن سجد لها مصل بطلت صلاته، ومن اعتبر سجدة واحدة في هذه السورة اعتبر سجدة سورة (ص) سجدة تلاوة، وشكر؛ فهو يسجد لها في الصلاة، وخارجها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٧] من هذه السورة.
هذا؛ وسورة (الحج) ثمان وسبعون آية، وألف ومئتان وإحدى وتسعون كلمة، وخمسة آلاف وخمسة وسبعون حرفا انتهى. خازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ هذا النداء يعم جميع بني آدم. ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمْ:﴾ خافوه، واحذروا عقابه، واعملوا بطاعته. ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ:﴾ الزلزلة: شدة الحركة على
стр. 3723
الحال الهائلة، وصفها الله بالعظم، ولا شيء أعظم مما عظمه الله تعالى، قيل: هي من أشراط الساعة قبل قيامها. وقال ابن عباس-﵄: زلزلة الساعة قيامها، فتكون معه.
هذا؛ وانظر شرح (الناس) في الآية رقم [١] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿شَيْءٌ﴾ في الآية رقم [٣٠] منها، وشرح ﴿السّاعَةِ﴾ في الآية رقم [٤٩] منها أيضا. ﴿اِتَّقُوا:﴾ أمر من التقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا، والآخرة. وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة). هذا؛ وأصل ﴿اِتَّقُوا:﴾ «اتّقيوا» فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة.
الإعراب: (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو»، أو «أنادي». (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا). و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد «أي» واسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع أعني: «أي» منصوب محلا، فكذا التابع، أعني (الناس) وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبان؛ لأنه قال، والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع لا إعراب، ولا بناء، وقيل: إن رفع التابع المذكور، إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول، نحو يدعى، وهو مع ما فيه من التكلف، يؤدي إلى قطع المتبوع، وقيل: إن رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلى بأل، ولكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصلوا إلى ندائه ب: «أي»، أي مع قرنها بحرف التنبيه، ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع له، والإعراب السائد الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ. انتهى.
هذا؛ والأخفش يعتبر «أيا» في مثل هذه الآية موصولة، و (الناس) خبرا لمحذوف، والجملة الاسمية صلة، وعائد، التقدير: «يا من هم الناس» على أنه قد حذف العائد حذفا لازما كما في قول امرئ القيس: [الطويل]
ألا ربّ يوم صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل
وما قاله الأخفش ضعيف، لا يعتد به عند جمهرة النحاة، والبيت هو الشاهد رقم [٢٤٢] من كتابنا فتح القريب المجيب.
стр. 3724
﴿اِتَّقُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّكُمْ:﴾
مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿زَلْزَلَةَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و ﴿السّاعَةِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ويكتفي به إن كان من «زلزل» اللازم، وإن كان من المتعدي؛ فالمفعول محذوف، التقدير: إن زلزلة الساعة الناس، أو الأرض، وهو أحسن يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ أو الإضافة من إضافة المصدر للظرف، وإجرائه مجرى المفعول به، فيكون الفاعل محذوفا، ﴿شَيْءٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة ﴿شَيْءٌ،﴾ والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل لطلب «التقوى» لا محل لها.
﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ (٢)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها:﴾ يوم ترونها بأعينكم، وتشاهدون هولها. الخطاب للناس، والضمير المنصوب عائد على الزلزلة. ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ:﴾ الذهول: الذهاب عن الأمر بدهشة؛ بحيث إذا دهشت التي ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه وذهلت عنه.
و ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ بالتاء لمن باشرت الإرضاع، وبلا تاء لمن شأنها الإرضاع، وإن تباشره. قال امرؤ القيس يخاطب ابنة عمه عنيزة: [الطويل]
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع... فألهيتها عن ذي تمائم محول
هذا؛ ويقال: لم يؤنث مرضع في بيت امرئ القيس؛ لأن المراد النسبة، أي: ذات إرضاع، أو: ذات رضيع، ومثلها: حائض، وطالق، وحامل. والاسم إذا كان من هذا القبيل؛ عرته العرب من علامة التأنيث، كما قالوا: امرأة لابن تامر، أي: ذات لبن، وذات تمر، ورجل لابن تامر، أي: ذو لبن، وذو تمر، ومنه قوله تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ نص الخليل على أن المعنى: السماء ذات انفطار به، لذلك تجرد لفظ منفطر من علامة التأنيث، بخلاف ما إذا بني الوصف على الفعل؛ أنث. فتقول: أرضعت، فهي مرضعة، كما في الآية الكريمة، والجمع:
مراضع، ومراضيع، ومرضعات، وانظر ما ذكرته في «عاقر» في الآية رقم [٥] من سورة (مريم) على نبينا وعليها ألف صلاة وألف سلام.
﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أي: تسقط من هول ذلك اليوم كل حامل حملها، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام، فعلى هذا
стр. 3725
القول تكون الزلزلة في الدنيا؛ لأنه بعد البعث لا يكون حمل، ولا إرضاع. ومن قال: تكون الزلزلة في القيامة، قال: هذا على وجه تعظيم الأمر، وتهويله، لا على حقيقته.
هذا؛ و ﴿حَمْلٍ﴾ بفتح الحاء وسكون الميم، قال ابن السكيت: الحمل-بالفتح-: ما كان في بطن، أو على رأس شجرة. والحمل-بالكسر-: ما كان على ظهر، أو رأس. قال الأزهري: هذا هو الصواب، وهو قول الأصمعي، وقال القرطبي: وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسرة. وقال أبو سعيد السيرافي: يقال في حمل المرأة: حمل وحمل يشبه مرة لا ستبطانه بحمل النخلة، ومرة لبروزه وظهوره بحمل الدابة.
﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى﴾ أي: كأنهم سكارى من هول الزلزلة، ومما يدركهم من الخوف، والفزع، ﴿وَما هُمْ بِسُكارى﴾ أي: على الحقيقة. هذا؛ وقرئ: «(وترى الناس)» بضم التاء أي:
تظن، ويخيل إليك، وقرئ: «(سكرى)» وهما لغتان ﴿وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ:﴾ فأرهقهم هوله، بحيث طير عقولهم، وأذهب تمييزهم، ففي الآية الكريمة شبه الله الناس بسكارى الذين فقدوا التمييز، ثم نفى الله عنهم السكر الحقيقي الناتج عن شرب الخمر، ونحوه، وبيّن أن سببه شدة الهول، والخوف من العذاب الشديد، والعذاب الأليم.
أما ﴿ذاتِ﴾ فهي بمعنى صاحبة، وكثيرا ما تضاف للمصدر فجعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو: (أصحاب الجنة، أصحاب النار) هذا؛ و (ذات) مؤنث: ذو، الذي بمعنى صاحب، وقد يثنى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي كذا من غير رد لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنى «ذو» بذوا، أو ذوي على لفظه، ويجوز فيها: (ذواتا) على الأصل برد لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرك العين، وهو الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال؛ لأن أصلها (ذوية) الواو عين الكلمة، والياء لامها، والتاء للتأنيث؛ لأنه مؤنث «ذو» وذو أصله ذوي، فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار (ذوات) ثم حذفت الواو تخفيفا. وفي تثنيته وجهان: تارة ينظر للفظه الآن، فيقال: ذاتان، وتارة ينظر له قبل حذف الواو، فيقال: ذواتان فقوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [١٦] ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ وفي سورة (الرحمن) رقم [٤٨] ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ جاء على الأصل برد لام الكلمة.
هذا؛ والتاء في (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل تاء ثمّت، وربّت، ولات، ولكنها تعرب بالحركات الظاهرة على التاء، فالجر كما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ﴾ والنصب جاء في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ وكل معانيها في القرآن الكريم صاحبة، إلا في موضعين، فإنها جاءت بمعنى الجهة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ وقد رأيت تثنيتها في الآيتين المذكورتين في حالتي النصب، والجر، ولم ترد في القرآن الكريم بمعنى الجمع، هذا؛ ولم
стр. 3726
يتعرض النحويون لها بهذا المعنى، مع كثرة تعرضهم ل: «ذي» بمعنى صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنهم ذكروا (ذات) بمعنى «التي» و (ذوات) بمعنى اللواتي، وذلك في مبحث الاسم الموصول، قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]
وكالّتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاّتي أتى ذوات
قال الأشموني: أي عند طيئ ألحقوا ب: «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضم، حكى الفراء: (بالفضل ذو فضّلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به) وقريب منه لابن هشام في أو ضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة شاهدا لذلك: [الرجز]
جمعتها من أينق موارق... ذوات ينهضن بغير سائق
والفرق بين الأولى، والثانية، الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها كما رأيت بخلاف الثانية، فإنها لا تضاف؛ لأنها معرفة بالصلة التي تذكر بعدها كما رأيت في بيت رؤبة. تنبه لهذا؛ وافهمه، فإنه معنى دقيق، واسأل الله لي المزيد من التوفيق.
بعد هذا خذ ما يلي: روى الترمذي عن عمران بن حصين-﵁-أن النبي ﷺ لما نزلت: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ..﴾. إلى قوله: ﴿وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ قال: أنزلت عليه هذه الآية، وهو في سفر، فقال: أتدرون أيّ يوم ذلك؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار، قال: يا ربّ! وما بعث النار؟ قال: تسعمئة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنّة». فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله ﷺ : «قاربوا، وسدّدوا، فإنّه لم تكن نبوّة قطّ إلاّ كان بين يديها جاهلية، قال: فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمّت وإلاّ كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلاّ كمثل الرّقمة في ذراع الدّابّة، أو كالشّامة في جنب البعير، ثمّ قال: إنّي لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة!» فكبّروا، ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلاث أهل الجنّة!» فكبّروا ثمّ قال: «إنّي لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنّة»، فكبّروا، قال: «لا أدري قال: الثّلثين أم لا؟». قال: هذا حديث حسن صحيح.
وفي صحيح مسلم: عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
«يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك، وسعديك، والخير في يديك. قال، يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كلّ ألف تسعمئة وتسعة وتسعون». قال: «فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كلّ ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكنّ عذاب الله شديد»، قال: فاشتدّ ذلك على أصحابه، قالوا: يا رسول الله! أيّنا ذلك الرجل؟ فقال: «أبشروا، فإنّ من يأجوج ومأجوج ألفا، ومنكم رجل». وذكر الحديث بنحو ما تقدم في حديث عمران بن حصين، ﵃ أجمعين.
стр. 3727
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿تَذْهَلُ﴾ بعده، أو هو متعلق ب: ﴿عَظِيمٌ،﴾ أو هو متعلق بفعل محذوف تقديره: اذكر، أو هو بدل من ﴿السّاعَةِ،﴾ فيكون مبنيا على الفتح في محل جر، أو هو بدل من ﴿زَلْزَلَةَ﴾ بدل اشتمال؛ لأن كلا من الحدث، والزمان يصدق عليه أنه مشتمل على الآخر، ولا يجوز أن يتعلق ب: ﴿زَلْزَلَةَ﴾ لما يلزم عليه من الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر. ﴿تَرَوْنَها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (ها): مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿تَذْهَلُ:﴾ مضارع.
﴿كُلُّ:﴾ فاعله، و ﴿كُلُّ:﴾ مضاف، و ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَمّا:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَذْهَلُ﴾. و (ما): تحتمل الموصولة، والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: عن الذي أرضعته، وعلى الثاني تؤول (ما) مع الفعل بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: عن إرضاعها وليدها، وجملة:
﴿تَذْهَلُ..﴾. إلخ مستأنفة على الوجه الأول في تعليق الظرف، وهي في محل نصب حال على الأوجه الباقية من الضمير المنصوب، أو من «الزلزلة»، أو من الضمير المستتر في ﴿عَظِيمٌ﴾ وإن كان مذكرا؛ لأنه هو الزلزلة في المعنى، أو من ﴿السّاعَةِ﴾ وعلى هذه الوجوه فلا بد من تقدير ضمير يربطها بصاحب الحال، تقديره: تذهل فيها. انتهى. جمل نقلا عن السمين.
(تضع): مضارع. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿ذاتِ﴾ مضاف إليه، و ﴿ذاتِ﴾ مضاف، و ﴿حَمْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿حَمْلَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَتَضَعُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿تَذْهَلُ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها.
(ترى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر فيه تقديره:
«أنت». ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، وعلى قراءة رفعه فهو نائب فاعله، والفعل مبني للمجهول.
﴿سُكارى:﴾ حال منصوب... إلخ، وجملة ﴿وَتَرَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما:﴾
الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس» أو هي مهملة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما)، أو هو مبتدأ. ﴿بِسُكارى:﴾ الباء: حرف جر صلة.
(سكارى): خبر ما، أو خبر المبتدأ، والنصب، أو الرفع المحلّي مقدر على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿وَما هُمْ بِسُكارى﴾ في محل نصب حال من الناس، وهذا على تقدير المستقبل حاضرا. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿عَذابَ:﴾
اسم (لكن) وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. ﴿شَدِيدٌ:﴾ خبر لكن، والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وقال أبو حيان: معطوفة على محذوف مخالف لما بعد (لكن) في الحكم، لذا قدر الكلام كما يلي: فهذه الأحوال، وهي الذهول، والوضع، ورؤية الناس شبه السكارى هينة لينة، ولكن عذاب الله شديد، أي: ليس لينا وهينا.
стр. 3728
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾
الشرح: نزلت الآية الكريمة في النضر بن الحارث، كان كثير الجدل، وكان يقول:
الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وكان ينكر البعث، وإحياء من صار ترابا. انظر ما ذكرته بشأنه في الآية رقم [٣٢/ ٣١] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ويقر عينك.
﴿وَيَتَّبِعُ﴾ أي: في جداله، أو في عامة أحواله. ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ:﴾ المراد به: إبليس وجنوده، أو المراد: شياطين الإنس، وهم رؤساء الكفر الذين يدعون أتباعهم إلى الضلال، والفساد، و ﴿مَرِيدٍ﴾ متمرد مستمر في الإضلال، والإفساد يقال: مرد من بابي: نصر، وظرف:
إذا عتا وتجبر، فهو مارد، ومريد، وجمعه: مردة، ومرد، وماردون، ومرّاد، ومؤنثه: مرداء.
ومرد على الشيء: استمر عليه، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ﴾ رقم [١٠١] من سورة (التوبة). انظر شرح شيطان في أول سورة (السجدة) في البسملة، والاستعاذة.
هذا، و (الله) علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال، ولم يسم به أحد سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تعلم أحدا تسمى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمئة وستين موضعا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) عليهاالسّلام.
الإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من الناس): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يُجادِلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فِي اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أي: ملتبسا بغير علم، وجملة:
﴿يُجادِلُ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، هذا هو الإعراب الظاهر، والمتعارف عليه في مثل هذه الجملة. وانظر ما ذكرته في مثلها في الآية رقم [٤٥] من سورة (النور) تجد ما يسرك. (يتبع): مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْطانٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مَرِيدٍ:﴾
صفة ﴿شَيْطانٍ،﴾ وجملة ﴿وَيَتَّبِعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤)﴾
الشرح: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ:﴾ قضى الله على الشيطان: ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ:﴾ تبعه، وتبع وساوسه، وزخارفه، وأحابيله. ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ:﴾ يضل من تولاه عن طرق الحق، والخير الموصل إلى
стр. 3729
الجنة. ﴿وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ:﴾ يقوده إلى طريق الشر الموصل إلى جهنم وبئس المصير.
هذا؛ وقرئ (أنه) بفتح الهمزة، وكسرها في الموضعين.
هذا؛ و (السعير): النار الشديدة الاستعار، أي: الاحتراق، وهي واد في جهنم، أو دركة من دركات النار، وطبقاتها، والسّعير، كزبير بصيغة المصغر: اسم صنم لبني عنزة قال رشيد بن رميض العنزي: [الوافر]
حلفت بمائرات حول عوض... وأنصاب تركن لدى السّعير
فعوض عندهم صنم صغير، والسّعير صنم كبير، وخرج ابن أبي حلاس الكلبي على ناقته، فمرت به على ذلك الصنم، وقد ذبحت عنده قبيلة عنزة، فنفرت ناقته من الصنم، فأنشأ يقول: [الكامل]
نفرت قلوصي من عتائر صرّعت... حول السّعير يزوره ابنا يقدم
وجموع يذكر مهطعين جنابه... ما إن يحير إليهم بتكلّم
قال أبو المنذر: يقدم، ويذكر ابنا عنزة، فرأى بني هؤلاء يطوفون حول السّعير. انتهى بغدادي.
الإعراب: ﴿كُتِبَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان به. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهي ضمير الشأن. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَوَلاّهُ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر في محل جزم فعل الشرط، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿فَأَنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿يُضِلُّهُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، وجملة: (يهديه...) إلخ معطوفة عليها فهي في محل رفع مثلها، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فله أن يضله، أي فله إضلاله، أو في محل رفع خبر مبتدأ محذوف، التقدير:
فشأنه وحاله أن يضله، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل جزم جواب الشرط، وأيضا على قراءة الكسر فإنه ينتج جملة اسمية في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط والجواب في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ،﴾ هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة فهي مبتدأ، وجملة: ﴿تَوَلاّهُ﴾ صلته، والجملة الاسمية ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ على الاعتبارين في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ تَوَلاّهُ..﴾. إلخ على الاعتبارين في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل ﴿كُتِبَ،﴾ وعلى قراءته بالبناء للمعلوم، فالفاعل يعود إلى (الله)، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به. هذا؛ ويقرأ بكسر الهمزة في الموضعين، فالجملة الاسمية الأولى محكية بقول محذوف، أو هي محكية ب: ﴿كُتِبَ﴾ على تضمينه معنى القول،
стр. 3730
وجملة: ﴿كُتِبَ..﴾. إلخ في محل جر صفة ثانية ل: ﴿شَيْطانٍ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وهي على تقدير «قد» قبلها، وتبقى الجملة: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ هذا النداء يعم جميع بني آدم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ أي: في شك من الإعادة، والإحياء بعد الموت. والمراد بالبعث: الخروج من القبور بعد النفخة الثانية، وما يعقبها من الحساب، والميزان، والصراط... إلخ، مما يكون يوم القيامة. ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ:﴾ هذا الخلق من التراب على قولين: غير مباشر، ومباشر، فالأول خلق أبينا آدم من تراب، كما رأيت في سورة (الحجر) الآية رقم [٢٦]، والثاني: كل واحد منا خلق من التراب، وذلك إذا نظرنا إلى المادة التي يتخلق منها الإنسان، فإنها من الدم بلا ريب، والدم مصدره من الطعام، والشراب، وأنواع الغذاء، وكل ذلك مخرجه من التراب، كما هو معروف.
﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ وهو المني، سمي نطفة لقلته، ويكون من الرجل، والمرأة، والجمع: نطاف، ونطف، والنطفة: الماء الصافي قل، أو كثر. ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ أي: من دم جامد غليظ، وذلك أن النطفة تصير دما غليظا بعد أربعين يوما من استقرارها في الرحم، والعلقة: دويبة سوداء تعيش في الأرض الرطبة، والجمع: علق. ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ:﴾ وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ في الفم، وهذا يكون بعد ثمانين يوما من استقرار النطفة في الرّحم.
﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄: أي تامة الخلق، وغير تامة الخلق، وقيل: مصورة وغير مصورة، وقال ابن زيد: المخلقة التي خلق الله فيها الرأس، واليدين، والرجلين، ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ التي لم يخلق فيها شيء. وقيل: المخلقة: الولد الذي تأتي به المرأة لوقته، وغير المخلقة: السقط، فكأنه سبحانه قسم المضغة قسمين: أحدهما تام الصورة، والحواس، والتخطيط، والقسم الثاني هو الناقص عن هذه الأحوال كلها، وانظر الطورين الآخرين في الآية رقم [١٤] من سورة (المؤمنون).
стр. 3731
هذا؛ وروى علقمة عن ابن مسعود ﵁-موقوفا عليه، قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه، وقال: أي رب! مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة قذفها في الرحم دما، ولم تكن نسمة، وإن قال: مخلقة، قال الملك: أي رب! أذكر، أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ ما الرزق؟ بأي أرض تموت؟ فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك، فيذهب، فيجدها في أم الكتاب، فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته.
وعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: حدّثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدّق: «إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوما، ثمّ يكون علقة مثل ذلك، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ أو سعيد، فو الذي لا إله غيره! إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». رواه البخاري، ومسلم.
﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: وإنما نقلناكم من حال إلى حال، ومن خلقة إلى خلقة؛ لنبين لكم بهذا التدريج كمال قدرتنا، وحكمتنا، وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا، ولا مناسبة بين الماء والتراب، وقدر أن يجعل النطفة علقة، والعلقة مضغة، والمضغة عظاما؛ قدر على إعادة ما بدأه. ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ﴾ أي: نثبت في أرحام الأمهات. ﴿ما نَشاءُ﴾ أي:
الذي نشاء ثبوته، والتعبير ب: ﴿ما﴾ عن الحمل، والمراد به العاقل من بني آدم؛ لأن الكلام على العلقة، والمضغة، وهما جماد قبل نفخ الروح فلذا صح التعبير عنهما ب: ﴿ما﴾ التي هي لغير العاقل. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: وقت الولادة، أي وما لم نشأ ثبوته؛ أسقطته الأرحام.
﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي: وقت الولادة من بطون أمهاتكم، المراد ب: ﴿طِفْلاً﴾ الجنس، ولذا لم يجمع، وأيضا فإن العرب قد تسمي الجمع باسم الواحد، قال الشاعر: [الكامل]
يا عاذلاتي، لا تردن ملامتي... إنّ العواذل لسن لي بأمير
لم يقل: بأمراء. وقال المبرد: هو اسم يستعمل مصدر كالرضا، والعدل، فيقع على الواحد وعلى الجمع، قال الله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ وانظر شرح:
﴿سامِراً﴾ في الآية رقم [٦٧] من سورة (المؤمنون). والطفل: ولد كل وحشية، والمطفل: ذات الطفل من الإنسان، والحيوان، والوحش... إلخ، والجمع: مطافل، ومطافيل. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي: كمال العقل، والقوة، والتمييز، والأشد جمع: شدة، كالأنعم جمع: نعمة، وقيل: هو من ألفاظ الجموع التي لا يستعمل لها واحد. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى﴾ أي: عند بلوغ
стр. 3732
الأشد، أو قبله، أو بعده. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً:﴾
انظر الآية رقم [٧٠] من سورة (النحل) ففيها الكفاية لذوي الدراية.
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً:﴾ هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إعادة الخلق بعد الموت، ومعنى ﴿هامِدَةً﴾ يابسة ميتة، من: همدت النار: إذا صارت رمادا. ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ:﴾ تحركت بالنبات، والاهتزاز: شدة الحركة. ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: ارتفعت وزادت. ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ:﴾ من كل صنف من أصناف النبات. ﴿بَهِيجٍ:﴾ حسن جميل، والبهيج: هو الشيء المبهج، المشرق، النضير. ولا يخفى أن فاعل الاهتزاز، والربو، والإنبات إنما هو الله تعالى، وإسناده للأرض إنما هو من باب المجاز العقلي.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [١] ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فِي رَيْبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كُنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية هذه لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنَ الْبَعْثِ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَيْبٍ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له.
﴿فَإِنّا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿مِنْ تُرابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان محذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: مبتدئا خلقكم من تراب. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وأيضا ﴿مِنْ عَلَقَةٍ،﴾ ﴿مِنْ مُضْغَةٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿مُخَلَّقَةٍ:﴾ صفة مضغة.
﴿وَغَيْرِ:﴾ معطوف على ﴿مُخَلَّقَةٍ،﴾ و (غير) مضاف، و ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ مضاف إليه.
﴿لِنُبَيِّنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:
«نحن»، والمفعول محذوف، انظر الشرح، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور، قال الجمل: متعلقان ب: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ على أن اللام فيه للعاقبة، وأرجح تعليقهما بمحذوف، انظر تقدير الكلام في الشرح، و (إنّ) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له كالجملة الندائية قبله. ﴿وَنُقِرُّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نقر): مضارع مرفوع، والفاعل تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. هذا؛ ويقرأ الفعل بالنصب عطفا على (نبين) كما يقرأ بالياء والتاء، وبالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول قراآت. ﴿فِي الْأَرْحامِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذي نشاؤه. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بالفعل (نقر) وقيل: متعلقان بمحذوف حال، فيكون التقدير: ممتدا، أو مستقرا الجنين إلى أجل.
стр. 3733
﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لا لتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿نُخْرِجُكُمْ:﴾ معطوف على (نقر) على رفعه، ونصبه، والفاعل تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به. ﴿طِفْلاً:﴾ حال من الكاف، والميم، وانظر الشرح، وقيل:
هو تمييز. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لِتَبْلُغُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، أو العاقبة منصوب، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: ثم نربيكم لبلوغكم. هذا؛ وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ زائدة، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بالفعل (نخرج) والأول أقوى. ﴿أَشُدَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿وَمِنْكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (منكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يُتَوَفّى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنَ﴾ أو صفتها. هذا؛ ويقرأ الفعل بالبناء للمعلوم، فيكون الفاعل عائدا إلى الله، وعائد من محذوف، التقدير: يتوفاه الله. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الجملة، وانظر الآية رقم [٤٥] من سورة (النور)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وإعراب ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ﴾ مثلها بلا فارق. ﴿إِلى أَرْذَلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما و ﴿أَرْذَلِ﴾ مضاف، و ﴿الْعُمُرِ﴾ مضاف إليه. ﴿لِكَيْلا﴾ اللام: حرف تعليل وجر. و (كي): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. ﴿يَعْلَمَ:﴾ مضارع منصوب ب: (كي)، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾.
﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف ﴿عِلْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، واكتفى الفعل ﴿يَعْلَمَ﴾ بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى: يعرف، وقيل تنازعه الفعل، والمصدر ﴿عِلْمٍ،﴾ ولا أرى له وجها قويا. و (كي) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُرَدُّ:﴾ التقدير: يرد إلى أرذل العمر لعدم علمه بعد علم شيئا.
﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف. (ترى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿هامِدَةً:﴾ حال من الأرض، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إذا):
ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْماءَ:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور
стр. 3734
المرجوح. ﴿اِهْتَزَّتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى الأرض، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، وجملة:
﴿وَرَبَتْ﴾ معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها، وأيضا جملة: ﴿وَأَنْبَتَتْ..﴾. إلخ معطوفة عليه لا محل لها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿زَوْجٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بَهِيجٍ:﴾ صفة ﴿زَوْجٍ﴾.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ما ذكر من خلق الإنسان في أطوار مختلفة، وتحويله على أحوال متضادة، وإحياء الأرض بعد موتها. ﴿بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الذي ذكر حاصل وموجود بسبب أن الله هو الثابت الذي لا يتغير، ولا يتبدل، ولا يحول، ولا يزول. ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى﴾ أي: يعيد الأرواح إلى الأبدان التي تفتتت، وصارت رمما، بعد خلقها خلقا جديدا. ﴿وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ومن كان كذلك فإنه لا يعجز عن إعادة الخلق كما بدأه، وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى.
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم (أنّ) على المحل.
﴿الْحَقُّ:﴾ خبر (أنّ). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ و ﴿الْحَقُّ﴾ خبره، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يُحْيِ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿يُحْيِ الْمَوْتى﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على ما قبله، فهو في محل جر مثله، وأيضا المصدر المؤول من ﴿وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ..﴾. إلخ معطوف عليه، فهو في محل جر مثله. هذا؛ وقيل: ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك. وقيل: مفعول به بفعل محذوف؛ أي: فعلنا ذلك. وعلى هذين القولين فالجار والمجرور متعلقان بالمحذوف المقدر. والأول هو المعتمد. تأمل!.
﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾
الشرح: المعنى ما ذكر الله من الدلائل فيما تقدم؛ لتعلموا علما حقيقا: أنّ الساعة كائنة لا شك فيها، وأنّها حق، وأنّ إخراج الموتى من قبورهم واقع لا محالة؛ لأنه تعالى قد وعد
стр. 3735
بذلك، ولا يخلف الله وعده. وانظر شرح ﴿السّاعَةَ﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (الأنبياء)، وعلاماتها في الآية رقم [٩٦] منها.
الإعراب: ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ:﴾ (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر، وهذا المصدر معطوف على ما قبله من حيث اللفظ، وليس عطفا في المعنى، بل لا بد من تقدير فعل يتضمنه؛ أي: وليعلموا: أن الساعة آتية، والجار والمجرور الناتجان من: «ليعلموا» معطوفان على قوله:
﴿بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ وعلى هذا فالمصدر المؤول من: (أن الساعة آتية) في محل نصب سد مسد مفعول الفعل المقدر. وقيل: المصدر المؤول خبر مبتدأ محذوف. والأول أقوى. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿رَيْبَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيها:﴾
متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ في محل رفع خبر ثان؛ ل: (أنّ)، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿آتِيَةٌ،﴾ وفيها معنى التوكيد. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها.
﴿يَبْعَثُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْقُبُورِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿يَبْعَثُ..﴾.
إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيه.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾
الشرح: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ:﴾ هذا الكلام تقدم بحروفه في الآية رقم [٣] وليس مكررا بمعناه، وإن تكرر لفظه؛ لأن الآية الأولى واردة في المقلّدين-بكسر اللام- لتقليدهم، واتباعهم للشيطان، وهذه واردة في المقلّدين-بفتح اللام-قال الزمخشري: وهو أوفق وأظهر في المقام. ﴿وَلا هُدىً﴾ أي: لا سند له في جداله، وليس معه بيان من الله، وليس هو على بينة من أمره. ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أي: وليس معه كتاب منزل من الله ينير له طريقه، بل هو يخبط خبط عشواء في ليلة ظلماء.
تنبيه: قيل: نزلت الآية في أبي جهل الخبيث، والمعتمد: أنها نزلت في النضر بن الحارث كما في الآية رقم [٣] وخصوص السبب لا يمنع التعميم، ففي كل زمان وفي كل مكان يوجد مجادلون في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، وما أكثرهم في هذا الزمن، الذي كثر فيه الملحدون، والمجرمون، ومن هذا الصنف من يدعي: أن الإيمان في القلب، وليس في الصوم، والصلاة، ومنهم من يدعي: أنه لا يكذب، ولا يؤذي الناس، وهذا هو الدين عنده، ويهمل ما أوجب الله من فرائض، وواجبات دينية زادهم الله خزيا، وندامة يوم القيامة.
стр. 3736
الإعراب: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ..﴾. إلخ: انظر الآية المذكورة ففيها الكفاية. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿هُدىً:﴾ معطوف على ﴿عِلْمٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليس عينها. ﴿وَلا:﴾ الواو:
حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿كِتابٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُنِيرٍ:﴾ صفة ﴿كِتابٍ﴾.
﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾
الشرح: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي: لاو جنبه، وعنقه متبخترا لتكبره، معرضا عمّا يدعى إليه من الحق تكبرا، فهو كقوله تعالى في الآية رقم [٨٣] من سورة (الإسراء): ﴿أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ﴾.
هذا؛ وقال المبرد: العطف: ما انثنى من العنق. وقال المفضل: والعطف: الجانب، ومنه قولهم: فلان ينظر في أعطافه؛ أي: في جوانبه، وعطفا الرجل: من لدن رأسه إلى وركيه. هذا؛ وكلّ بكسر العين، ويقرأ بفتح العين بمعنى: العطف، والشفقة، فيكون المعنى: مانع تعطفه، وشفقته على غيره. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: ليمنع الناس، ويصدهم عن دين الله، وهو بضم الياء من الرباعي، ويقرأ بفتحها من الثلاثي، فيكون المعنى: إن إعراضه عن الهدى المتمكن منه بالإقبال على الجدال الباطل خروج من الهدى إلى الضلال. هذا؛ ومصدر الثلاثي: الضلال، ومصدر الرباعي: الإضلال.
﴿لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أي: عذاب، وهوان، وهو وعد من العلي القدير، وقد حقق الله وعده؛ حيث قتل يوم بدر صبرا. انظر الآية رقم [٣١ و ٣٢] من سورة (الأنفال). ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: عذاب النار المحرق، فقد جمع الله عليه خزي الدنيا، وعذاب الآخرة. هذا؛ وانظر شرح (سبيلا) في الآية رقم [٤٣] من سورة (الإسراء) أما «الذوق» فيكون محسوسا، ومعنويا، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه؛ أي: اختبره، وانظر فلانا، فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل]
فذاق، فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز
وأصله من الذوق بالفم، و (ذوقوا) في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية، وفي (العذاب) استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.
أما (يضل) من الثلاثي فأكثر استعماله في القرآن الكريم بمعنى الكفر، والخروج عن جادة الحق والصواب، وهو ضد: اهتدى، واستقام، ويأتي «ضل» بمعنى: غاب، كما في قوله
стр. 3737
تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وضل الشيء: ضاع وهلك، وضل: أخطأ، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم لأبيهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وضل: تحير، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لحبيبه محمد ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾.
الإعراب: ﴿ثانِيَ:﴾ حال من فاعل ﴿يُجادِلُ﴾ المستتر، و ﴿ثانِيَ﴾ مضاف، و ﴿عِطْفِهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُضِلَّ:﴾
مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وفاعله يعود إلى (من)، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُجادِلُ﴾ أو ب:
﴿ثانِيَ﴾. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.
﴿اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿خِزْيٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. وأجيز اعتبارها حالا من فاعل ﴿يُجادِلُ﴾ أيضا. ﴿وَنُذِيقُهُ:﴾ الواو:
حرف عطف. (نذيقه): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿يَوْمَ:﴾
ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، ويوم مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿عَذابَ﴾ مضاف، و ﴿الْحَرِيقِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف لصفته، والجملة الفعلية ﴿وَنُذِيقُهُ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ:﴾ الإشارة إلى العذاب المذكور في الآية السابقة، أي:
يقال له يوم القيامة إذا دخل النار: ذلك العذاب بما قدمت يداك من الكفر، والمعاصي. وعبر باليدين عن الجملة؛ لأن سائر الأعمال بهما، ولأن اليد هي التي تفعل، وتبطش للجملة. وفي الكلام التفات من الغيبة في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية، وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء). ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ:﴾ ليس المراد ب ﴿بِظَلاّمٍ﴾ المبالغة حتى تنتفي المبالغة، ويبقى أصل الظلم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما المراد نفي نسبة الظلم إليه تعالى؛ إذ المعنى: ليس بذي ظلم، وينبغي أن تعلم: أن الآية الكريمة قد ذكرت بحروفها في سورة (آل عمران) برقم [١٨٢]، وفي سورة (الأنفال) برقم [٥١] مع اختلاف المراد في كل سورة، وانظر شرح «اليد» في الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وانظر شرح ﴿عِبادِيَ﴾ في الآية رقم [١٠٥] من سورة (الأنبياء). هذا؛ واسم الإشارة ﴿ذلِكَ﴾ بمعنى: «هذا» ودخلت عليه اللام للتهويل، والتفظيع.
стр. 3738
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له: ﴿بِما:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، وهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿يَداكَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء قدمته يداك. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف.
(أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿بِظَلاّمٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (ظلام): خبر ﴿لَيْسَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿لِلْعَبِيدِ:﴾ متعلقان ب: (ظلام)، وجملة: ﴿لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في محل رفع خبر (أنّ). وأن واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر معطوف على (ما)، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ بِما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والقول المقدر ومقوله كلام مستأنف لا محل له، وإذا قدرت الفعل: «ونقول له» فالجملة الفعلية معطوفة على جملة (نذيقه...) إلخ وبدون تقدير الواو معها فالجملة تكون في محل نصب حال من فاعل (نذيقه).
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١)﴾
الشرح: قال أبو سعيد الخدري-﵁: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره، وماله، فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي ﷺ ، فقال: أقلني! فقال: «إن الإسلام لا يقال» فقال: إني لم أصب في ديني هذا خيرا، ذهب بصري، ومالي، وولدي، فقال: «يا يهوديّ! إن الإسلام يسبك الرجال، كما تسبك النار خبث الحديد، والفضة، والذهب». فأنزل الله هذه الآية.
وروى إسرائيل عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس-﵃ أجمعين-: أنها نزلت في قوم من الأعراب، كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم، فكان أحدهم إذا قدم المدينة، فصح بها جسمه، ونتجت بها فرسه مهرا، وولدت امرأته غلاما، وكثر ماله؛ قال: هذا دين حسن، وقد أصبت فيه خيرا، واطمأن له، وإن أصابه مرض، وولدت امرأته جارية، ولم تلد فرسه، وقل ماله؛ قال: ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرا، فينقلب عن دينه، فذلك هو الفتنة، فأنزل الله هذه الآية. وهذا يعني: أن الآية وما بعدها مدنيات، وانظر ما ذكرته في أول السورة.
стр. 3739
ومعنى ﴿عَلى حَرْفٍ:﴾ على شك، وحقيقته: أنه على ضعف في عبادته، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه، وحرف كل شيء طرفه، وشفيره، وحده، ومنه: حرف الجبل، والحائط الذي غير مستقر، فقيل للشاك في الدين: إنه يعبد الله على حرف؛ لأنه لم يدخل فيه على الثبات، والتمكن. ﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ﴾ أي: صحة في جسمه، وسعة في معيشته. ﴿اِطْمَأَنَّ بِهِ:﴾
رضي به، وسكن إليه. ﴿وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ:﴾ بلاء في جسمه، وضيق في معيشته. ﴿اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ أي: ارتد، ورجع على عقبه إلى ما كان عليه من الكفر. هذا؛ و (أصاب) يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم، يصيب: لم يخطئ هدفه.
وأصاب الرجل في قوله، أو رأيه: أتى بالصواب. وأصاب فلانا البلاء، يصيبه: وقع عليه.
﴿خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ﴾ أي: خسر في الدنيا العزة، والكرامة، ولا يبقى دمه وماله مصونا، وفي الآخرة ماله النار، وبئس القرار. ﴿ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ أي: الظاهر؛ الذي لا خسران مثله. هذا؛ وقد قيل في تفسير الخسران في الآخرة: أنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران، وأي خسران أعظم من هذا الخسران. وانظر الآية رقم [١٠] من سورة (المؤمنون) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا؛ وفي الآية استعارة تمثيلية، وهي أنه نزّل من دخل في الإسلام، من غير اعتقاد، وصحة قصد منزلة الحالّ على طرف شيء في تزلزله، وعدم ثباته، وفي تقريره بيان للمعنى المراد المجازي انتهى... جمل نقلا عن كرخي.
بعد هذا انظر شرح الدنيا في الآية رقم [٧٢] من سورة (طه)، والمراد ب (الآخرة) الحياة الثانية، التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها. وانظر شرح (العبادة) في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح ﴿النّاسِ﴾ في الآية رقم [١] منها.
أما ﴿الْمُبِينُ﴾ فهو اسم فاعل من أبان الرباعي، أصله: المبين بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من «بان» الثلاثي: «بائن» أصله باين، وإعلاله مثل إعلال:
قائم في الآية رقم [٢٦] الآتية.
الإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من الناس): متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يَعْبُدُ:﴾
مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط. ﴿اللهَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلى حَرْفٍ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَعْبُدُ﴾ المستتر، أي: متزلزلا، وجملة: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ..﴾. إلخ
стр. 3740
مستأنفة لا محل لها، وانظر الآية رقم [٤٥] من سورة (النور) تجد ما يسرك. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء:
حرف استئناف وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَصابَهُ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿خَيْرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿اِطْمَأَنَّ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿أَصابَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، ومفرع عما قبله لا محل له.
وإعراب: ﴿وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ﴾ مثلها بلا فارق. ﴿عَلى وَجْهِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿خَسِرَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾. ﴿الدُّنْيا:﴾ مفعول به منصوب. ﴿وَالْآخِرَةَ:﴾ معطوف على الدنيا، والجملة الفعلية: ﴿خَسِرَ..﴾. إلخ تحتمل الاستئناف، فلا محل لها، وتحتمل الحالية من فاعل ﴿اِنْقَلَبَ،﴾ ولا حاجة إلى إضمار «قد» على الصحيح، وتحتمل البدلية من قوله ﴿اِنْقَلَبَ،﴾ كما أبدل المضارع من مثله في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ هذا؛ ويقرأ: «(خاسر)» على أنه اسم فاعل، وهو حال من فاعل ﴿اِنْقَلَبَ،﴾ وعليه فهو مضاف، و ﴿الدُّنْيا﴾ مضاف إليه، ويكون (الآخرة) معطوفا على ﴿الدُّنْيا﴾ مجرورا مثله. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو بدل من ذلك. ﴿الْخُسْرانُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْمُبِينُ:﴾
صفته، هذا؛ وإن اعتبرت (هو) مبتدأ، و ﴿الْخُسْرانُ﴾ خبره. فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾
الشرح: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ يعبد من دون الله، وانظر (يدعو) في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء)، وانظر (دون) في الآية رقم [١٤] من سورة (الكهف)، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] ﴿ما لا يَضُرُّهُ:﴾ المراد به: الصنم الذي لا يضره إن أعرض عن عبادته، وتقديسه، والذي لا ينفعه بشيء إن أطاعه، وعبده. ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ أي: من الرشد، والحق، والصواب. و ﴿الضَّلالُ﴾ مصدر «ضل» الثلاثي: وانظر الآية رقم [٩] فهو مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضلالا، أو هو مجاز عقلي، على حد: جد جده؛ لأن البعيد في الحقيقة إنما هو الضال؛ لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله.
الإعراب: ﴿يَدْعُوا:﴾ مضارع مرفوع. وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ﴾. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال،
стр. 3741
و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿لا يَضُرُّهُ﴾ صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿وَما لا يَنْفَعُهُ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق، وجملة: ﴿يَدْعُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من فاعل ﴿خَسِرَ﴾ العائد إلى ﴿مِنْ﴾ فتكون حالا متداخلة. ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ:﴾ إعراب هذه الجملة ومحلها مثل إعراب: ﴿ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾
الشرح: ﴿يَدْعُوا﴾ أي: يعبد ذلك الشخص المذكور في الآية رقم [١١]. ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ:﴾ لقد أثبت الله للصنم في هذه الآية الضر، والنفع، ونفاهما عنه في الآية السابقة، فحصل التعارض، والتناقض، والجواب: أن الصنم لا يضر، ولا ينفع بنفسه، ولكن بسبب عبادته، فنسب الضرر إليه، كما في قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ حيث أضاف إلى الأصنام الإضلال، من حيث إنها سبب الضلال، وحاصله: أن الصنم لا ضرر له، ولا نفع له بنفسه، وله ذلك بسبب معبوديته، أما الضرر؛ فظاهر، وأما النفع؛ فبزعم عابديه، وانظر شرح الآية السابقة.
هذا؛ والضر-بفتح الضاد-شائع في كل ضرر، ومصيبة، وبضم الضاد خاص بما في النفس كمرض، وهزال. وفي القاموس المحيط: الضر، والضرر: ضد النفع، والشدة، والضيق، وسوء الحال والنقصان يدخل في الشيء، والجمع: أضرار، وانظر ما ذكرته في رقم [٨٣] من سورة (الأنبياء). أما ﴿الْمَوْلى،﴾ فإنه يطلق ويراد به الإله المعبود بحق، كما يطلق على السيد، والعبد، والحليف، والنصير، والصاحب، وابن العم، وانظر شرح (بئس) في الآية رقم [٧٨]. ﴿الْعَشِيرُ:﴾ المصاحب، والمعاشر..
الإعراب: ﴿يَدْعُوا:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿لَمَنْ﴾ أيضا. ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ..﴾. إلخ: قال أبو البقاء رحمه الله تعالى: هذا موضع اختلفت فيه آراء النحاة، وسبب ذلك: أن اللام تعلق الفعل الذي قبلها عن العمل إذا كان من أفعال القلوب، و (يدعو) ليس منها، وهم في ذلك على طريقين:
أحدهما: أن يكون ﴿يَدْعُوا﴾ غير عامل فيما بعده، لا لفظا، ولا تقديرا، وفيه على هذا ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون تكريرا ل: ﴿يَدْعُوا﴾ الأولى، فلا يكون له معمول، قال ابن هشام: وهذا خلاف الأصل مرتين؛ إذ الأصل عدم التوكيد، والأصل أن لا يفصل المؤكد من توكيده، ولا سيما في التوكيد اللفظي. الثاني: أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ [الحج: ١٠] بمعنى «الذي»
стр. 3742
في موضع نصب. ب: ﴿يَدْعُوا﴾ أي: يدعو الذي هو الضلال. ولكنه قدم المفعول، قال ابن هشام: وهذا الإعراب لا يستقيم عند البصريين؛ لأن (ذا) لا تكون عندهم موصولة إلا إذا وقعت بعد (ما) أو (من) الاستفهاميتين. انتهى. أي وهذا يجيزه الكوفيون. الثالث: أن يكون التقدير: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، فالجملة الفعلية في محل نصب حال، والمعنى: ذلك هو الضلال البعيد مدعوا. وقال أبو البقاء: وفيه ضعف، ولم يضعفه ابن هشام، وعلى هذه الأوجه الكلام بعده مستأنف و (من) مبتدأ، والخبر جملة: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى..﴾. إلخ.
الطريق الثاني: أن ﴿يَدْعُوا﴾ متصل بما بعده، وفيه على هذا ثلاثة أوجه أيضا: أحدها: أنّ ﴿يَدْعُوا﴾ يشبه أفعال القلوب؛ لأن معناه: يسمي من ضرّه أقرب من نفعه إلها، ولا يصدر ذلك إلا عن اعتقاد، فكأنه قال: يظن. والأحسن أن تقديره: يزعم؛ لأن «يزعم» قول مع اعتقاد، والثاني: أن يكون ﴿يَدْعُوا﴾ بمعنى يقول، و (من) مبتدأ، و (ضره) مبتدأ ثان، و (أقرب) خبره، والجملة الاسمية صلة (من)، وخبر (من) محذوف، تقديره: إله، أو إلهي، وموضع الجملة نصب بالقول، وجاء (يدعو) بمعنى «يقول» في قول عنترة: [الكامل]
يدعون عنتر والرماح كأنها... أشطان بئر في لبان الأدهم
﴿لَبِئْسَ..﴾. إلخ، مستأنف؛ لأنه لا يصح دخوله في الحكاية؛ لأن الكفار لا يقولون عن أصنامهم: لبئس المولى، والوجه الثالث: قول الفراء، وهو أن التقدير: يدعو من لضره، ثم قدم اللام على موضعها. وهذا بعيد؛ لأن ما في صلة «الذي» لا يتقدم عليها. انتهى.
بتصرف كما رأيت.
هذا؛ وقيل: إن اللام زائدة، ورده ابن هشام بقوله: وهذا مردود؛ لأن زيادة اللام في غاية الشذوذ، فلا يليق تخريج التنزيل عليه، ونقل الجمل عن السمين قوله: وزيدت اللام فيه، كما زيدت في قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ في أحد القولين. وقرأ عبد الله: «(يدعو من ضره...)» إلخ بغير لام الابتداء، وهي مؤيدة لهذا الوجه. انتهى. هذا؛ وقال القرطبي: وقال الفراء، والكسائي، والزجاج: معنى الكلام القسم، والتأخير، أي: يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه، فاللام مقدمة في غير موضعها، و (من) في موضع نصب ب: ﴿يَدْعُوا،﴾ واللام جواب القسم. وضعف النحاس تأخير اللام، وقال: ليس للام من التصرف ما يوجب أن يكون فيها تقديم، ولا تأخير، وأخيرا استحسن النحّاس اعتبار ﴿يَدْعُوا﴾ بمعنى يقول. انتهى. بتصرف كبير. ﴿لَبِئْسَ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (بئس): ماض جامد دال على إنشاء الذم.
﴿الْمَوْلى:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف. والجملة الفعلية لا محل لها على الاعتبارين في اللام، والكلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿يَدْعُوا..﴾. إلخ بدل مما قبلها.
стр. 3743
﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤)﴾
الشرح: قال القرطبي: لما ذكر الله حال المشركين، وحال المنافقين، والشياطين؛ ذكر حال المؤمنين في الآخرة أيضا. وقال الجمل: وعبارة أبي حيان: لما ذكر تعالى من يعبده على حرف، وسفّه رأيه، وتوعّده بخسرانه في الآخرة، عقّبه بذكر حال مخالفهم من الإيمان، وما وعدهم به من الوعد الحسن، ثم أخذ في توبيخ أولئك الأولين، كأنه يقول: هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق، وظنوا: أن الله لن ينصر محمدا ﷺ وأتباعه، ونحن أمرناهم بالصبر، وانتظار وعدنا فمن ظن غير ذلك فليمدد... إلخ. الآية الآتية.
وأنا أقول: لقد اقتضت سنة الله في كتابه، وحكمته، ورحمته ألاّ يذكر التكذيب من الكافرين، والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا، راهبا، خائفا، راجيا.
هذا؛ والإيمان الصحيح هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان، ولما سئل الرسول ﷺ عنه قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره، وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما رأيت في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة، هي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله... وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين، بمعنى الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه. واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على:
أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم.
﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ أي: من إثابة الموحّد الصالح، وعقاب المشرك، لا دافع له، ولا مانع، فالأول بحكم وعده الصدق، وبفضله، والثاني بما سبق من عدله، لا أنّ فعله تعالى معلل بفعل العبيد. هذا؛ والإرادة: نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته، فقيل: إرادته لأفعاله: أنه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته، وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح، وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، وانظر الآية رقم [١٨].
стр. 3744
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُدْخِلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿آمَنُوا:﴾
ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وما بعدها معطوف عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿جَنّاتٍ:﴾
مفعول به ثان ليدخل، ويقال فيه مثل ما قيل في قوله تعالى: ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [١٠٤] من سورة (الإسراء). ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ،﴾ وجملة: ﴿يُدْخِلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَفْعَلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يفعل الذي، أو شيئا يريده، وجملة: ﴿يَفْعَلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، وفيها معنى التوكيد للجملة قبلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥)﴾
الشرح: في مرجع الضمير المنصوب اختلاف، فقيل: المراد به النبي ﷺ ، وإن لم يجر له ذكر، والمعنى عليه: من كان يظن ممّن يعادي محمدا ﷺ ، ومن يعبد الله على حرف: أنا لا ننصره؛ فليفعل كذا، وكذا. ونصره في الدنيا بإعلاء كلمته، وإظهار دينه. وفي الآخرة بإعلاء درجته، والانتقام ممن كذبه بعذاب النار. وقيل: الضمير يعود إلى الدين، والمعنى لا يختلف عن الأول، وقيل: يعود الضمير إلى ﴿مَنْ﴾ ومعنى النصر: الرزق، وعليه فالمعنى: من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة، فليبلغ غاية الجزع، وهو الاختناق، فإن ذلك لا يجعله مرزوقا. تقول العرب: من نصرني؛ نصره الله، أي من أعطاني؛ أعطاه الله.
هذا؛ وأرى: أن الآية تشمل كل من لم يرض بقضاء الله وقدره، ويتبرم بما يصيبه في هذه الدنيا من متاعب، ومصائب في جسمه، أو ولده، أو ماله. فإذا لم يرض بذلك فليفعل ما أرشده إليه ربه في هذه الآية من الانتحار بأيّ سبب من الأسباب؛ ليرى هل ينفعه ذلك شيئا، أو يخلصه من متاعبه، ومصائبه؟! وخصوص السبب لا يمنع التعميم، كما بينته كثيرا فما مضى.
стр. 3745
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ:﴾ بحبل. والسبب: ما يتوصل به إلى الشيء، وجمعه: أسباب. وأسباب السموات: طرقها، ونواحيها، قال تعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ﴾ هذا؛ والمراد بالسماء: سقف البيت، والمعنى: فليمدد إلى سقف بيته، ثم ليختنق؛ حتى يموت. ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ:﴾ والمعنى: فليفعل كل ما يستطيع من الكيد، وليصور في نفسه: أنه فعل ذلك؛ هل يذهب عنه الذي يغيظه؟ وسمي فعله كيدا على سبيل الاستهزاء؛ لأنه لم يكد به غيره، وإنما كاد به نفسه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿يَظُنُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿كانَ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال.
﴿يَنْصُرَهُ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والهاء مفعوله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿كانَ،﴾ و ﴿كانَ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿يَظُنُّ،﴾ وجملة: ﴿يَظُنُّ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (الآخرة): معطوف على ﴿الدُّنْيا﴾. ﴿فَلْيَمْدُدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(ليمدد): مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿بِسَبَبٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلَى السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (سبب)، وجملة: ﴿فَلْيَمْدُدْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: هو جملة جواب الشرط، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مَنْ﴾ موصولة مبتدأ، والجملة بعدها صلتها، والخبر جملة: ﴿فَلْيَمْدُدْ..﴾. إلخ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وهو ضعيف؛ لأن الجملة الإنشائية لا يجيز كثير من النحاة وقوعها خبرا، كما ذكرته فيما مضى، وانظر الآية رقم [٢] من سورة (النور).
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لْيَقْطَعْ:﴾ مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والمفعول محذوف، التقدير: ليقطع السبب، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة:
﴿فَلْيَنْظُرْ..﴾. إلخ معطوفة عليها أيضا. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿يُذْهِبَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهي حرف لا محل له. ﴿كَيْدُهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَغِيظُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، التقدير: الذي، أو: شيئا يغيظه، هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر، التقدير: هل يذهبن كيده غيظه، وجملة: ﴿هَلْ..﴾.
إلخ في محل نصب سدت مسد مفعول (ينظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام.
стр. 3746
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾
الشرح: ﴿وَكَذلِكَ..﴾. إلخ المعنى: أنزلنا القرآن على محمد ﷺ إنزالا كائنا مثل إنزال الكتب السابقة على الرسل السابقين قبله. وقيل: المعنى: أنزلنا القرآن الباقي. ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ:﴾ واضحات ظاهرات الدلالة. ﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ:﴾ له الهداية، والتوفيق للإيمان، أو من يريد ثباته على الإيمان. وانظر شرح (أنزل) و (نزل) في الآية رقم [٢] من سورة (طه) وشرح (آية) في الآية رقم [٥] من سورة (الأنبياء) وانظر شرح الإرادة في الآية رقم [١٤] وشرح ﴿يُرِيدُ﴾ في الآية رقم [١٨] الآتية.
الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، عامله ما بعده. انظر الشرح. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.
﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿آياتٍ:﴾ حال من الضمير المنصوب، وهي حال موطئة؛ لأن المقصود الصفة، وهي ﴿بَيِّناتٍ،﴾ وكلتاهما منصوب، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالما. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف.
(أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَهْدِي:﴾ مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾.
﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يهدي الذي، أو:
شخصا يريده، وجملة: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على الضمير المنصوب، التقدير: وأنزلنا: أن الله يهدي... إلخ، وأجيز أن يكون المصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: والأمر: أن الله، وهذا يعني: أن الجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال، كما أجيز اعتبار المصدر مجرورا بحرف جر محذوف، التقدير: ولأن الله... إلخ، والأول أقوى معنى، وأتمّ سبكا. تأمّل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله تعالى ربا، وبالقرآن إماما، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، وشفيعا. ﴿وَالَّذِينَ هادُوا:﴾ هم اليهود سموا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من:
هاد بمعنى: تاب، ورجع، ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ أو سموا بذلك نسبة إلى يهوذا بن يعقوب، وهو أكبر أولاده. (الصابئين): جمع: صابئ، قيل: إنهم من اليهود، وقيل: إنّهم من النصارى، ولكنهم عبدوا الملائكة، وقيل: عبدوا الكواكب، والصابئ: هو التارك
стр. 3747
لدينه، من: صبأ يصبأ، صبأة، وقد كان كفار قريش، يقولون لمن يسلم منهم: صبأ. (النصارى):
جمع: نصراني، سموا بذلك؛ لأنهم نصروا عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. أو لأنهم كانوا معه في قرية، يقال لها: نصران، أو ناصرة، فسموا باسمها، أو باسم من أسسها، قال سيبويه-رحمه الله تعالى-: لا يستعمل نصراني في الكلام إلا مع ياء النسب.
(المجوس): هم عبدة النار، القائلين: إن للعالم أصلين: نور، وظلمة. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ هم العرب عبدة الأوثان. قيل: الأديان ستة، واحد لله، وهو الإسلام، وخمسة للشيطان، وهي ما عدا الإسلام. ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: بالحكومة بينهم، وإظهار المحق منهم من المبطل، أو الجزاء، فيجازي كلاّ ما يليق به، ويدخله المحلّ المعدّ له، وقيل: يفصل بينهم في الأحوال، والأماكن جميعا، فلا يجازيهم جزاء واحدا بغير تفاوت، ولا يجمعهم في موطن واحد، وانظر الآية رقم [١٩] الآتية.
﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ:﴾ عالم حاضر، فلا يعزب عنه شيء من أعمال خلقه، وحركاتهم، وأقوالهم. هذا؛ وانظر شرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿الْقِيامَةِ﴾ في الآية رقم [٤٧] منها، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣].
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض مبني على الضم لا تصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (قالوا) في الآية رقم [٢٧] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، ﴿وَالَّذِينَ هادُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿وَالصّابِئِينَ:﴾ معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ. ﴿وَالنَّصارى:﴾ معطوف أيضا على اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ معطوفان على اسم ﴿إِنَّ﴾ أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَفْصِلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾
ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَفْصِلُ..﴾.
إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ الأولى، قال الزمخشري: وأدخلت ﴿إِنَّ﴾ على كل واحد من جز أي الجملة لزيادة التوكيد، ونحوه قال جرير من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن الوليد، بن عبد الملك: [البسيط]
إنّ الخليفة إنّ الله سربله... سربال عزّ به ترجى الخواتيم
قال الجمل: وحسن دخول ﴿إِنَّ﴾ في الخبر، وإن كان جملة واقعة خبرا عن ﴿إِنَّ﴾ طول الفصل بينهما بالمعاطيف. وقال أبو البقاء: وقيل: الخبر محذوف، تقديره: مفترقون يوم
стр. 3748
القيامة، أو نحو ذلك، والمذكور تفسير له. انتهى. والمعتمد الأول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدٌ﴾ بعدهما و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبارها خبرا ل: ﴿إِنَّ﴾ الأولى، والجملة الثانية توكيدا للأولى. والمعتمد الأول.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: ألم تعلم. وقال القرطبي: أي: ألم تر بقلبك، وعقلك. ﴿أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ:﴾ ﴿مَنْ﴾ في الأصل للعاقل، واستعملت هنا للعاقل، وغيره تغليبا. ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ..﴾. إلخ: قيل: السجود في هذه الآية تحول ظلال هذه الأشياء، فتكون كآية (الرعد) رقم [١٥]، وآية (النحل) رقم [٤٨] وقيل: ما في السماء نجم، ولا شمس، ولا قمر إلا يقع ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه. وقيل: معنى سجودها: الطاعة، والانقياد، فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله تعالى، خاشع، ومسبح له، كما وصفهم بالخشية، والتسبيح، كما رأيت في الآية رقم [٤٤] من سورة (الإسراء)، وهذا مذهب أهل السنة، وهو: أن الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي خلقها الله تعالى فيها من غير امتناع ألبتة؛ أشبهت بمطاوعتها أفعال المكلف، وهو السجود الذي كل خضوع دونه، وأفرد الشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب بالذكر لشهرتها، واستبعاد السجود منها.
﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ أي: ويسجد له كثير من الناس سجود عبادة، وطاعة، وتخصيص (كثير من الناس) بالذكر مع كونه من جملة الموجودات في الأرض ليذكر بعده: أن كثيرا من الناس لا يعبدون الله، ولا يطيعونه، وهم الذين استحقوا العذاب، وهو قوله جل شأنه: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾. ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ أي: من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه، وهذا يعود إلى تقدير العزيز العليم في الأزل على من كتب له الشقاوة، وانظر الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد) فالبحث فيها جيد. ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أي: يكرم بالسعادة من يشاء، ويهين بالشقاوة من يشاء، فلا اعتراض عليه ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ هذا؛ وهذه الآية يسن السجود عند تلاوتها للقارئ، والمستمع، والسامع. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٧] من سورة (مريم)، والآية رقم [٥٠] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر ما ذكرته برقم [٧٧] الآتية.
стр. 3749
بعد هذا انظر شرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح (الناس) في الآية رقم [١] منها، أما (الدواب) فهو جمع: دابة، وهي تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان. هذا؛ و ﴿يَشاءُ﴾ ماضيه: شاء، فلم يرد له أمر، ولا ل: «أراد» فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل (شاء): شيء على فعل بكسر العين، بدليل شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول (أراد) حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل]
فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو» وليس كذلك.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾
اسمها. ﴿يَسْجُدُ:﴾ مضارع. ﴿اللهَ:﴾ متعلقان به. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل: ﴿يَسْجُدُ﴾. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿مَنْ﴾ الأولى، وجملة: ﴿يَسْجُدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي الفعل ﴿تَرَ،﴾ وجملة: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَكَثِيرٌ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مرفوع بفعل محذوف، تقديره: ويسجد له كثير من الناس.
الثاني: أنه معطوف على ما قبله، وفي ذلك ثلاث تأويلات: أحدها: أن المراد بالسجود: القدر المشترك بين الكل العقلاء وغيرهم، وهو الخضوع، والطواعية، وهو من الاشتراك المعنوي، والتأويل. الثاني: أنه مشترك اشتراكا لفظيا، ويجوز استعمال المشترك في معنييه. والتأويل الثالث:
أن السجود المسند للعقلاء حقيقة، ولغيرهم مجاز، ويجوز الجمع بين الحقيقة، والمجاز.
الثالث من الأوجه المتقدمة: أن يكون (كثير) مرفوعا بالابتداء، وخبره محذوف، تقديره:
مثابون، أو: مطيعون، ونحو ذلك. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان ب: (كثير) أو بمحذوف صفة له.
﴿وَكَثِيرٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كثير): مبتدأ، ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: وكثير منهم. ﴿حَقَّ:﴾ ماض. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقيل: إن (كثير) معطوف على ﴿مَنْ،﴾ وجاز ذلك؛ لأن السجود هو التذلل، والانقياد،
стр. 3750
فالكفار الذين حق عليهم العذاب أذلاء تحت قدر الله، وتدبيره، فهم منقادون لما سبق فيهم من علم الله، لا يخرجون عما سبق في علم الله تعالى فيهم. انتهى. مكي. والمعتمد الأول. تأمل.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه، أو هو مبتدأ. ﴿يُهِنِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿اللهَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على اعتبار (من) مفعولا مقدما. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿اللهَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مُكْرِمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر (من) على اعتباره مبتدأ مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥]، وعلى الاعتبارين في (من) فالجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها.
﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَفْعَلُ﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله.
﴿فَما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يفعل الذي، أو:
شيئا يشاؤه، وجملة: ﴿يَفْعَلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَنَّ..﴾.
إلخ تعليل للكلام قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر.
﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾
الشرح: لقد ذكر في سبب نزول هذه الآيات ثلاثة أقوال:
الأول: أنها في الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، ﵃، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، لعنهم الله، وأخزاهم، قال محمد بن إسحاق:
خرج يوم بدر عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ودعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم فئة من الأنصار ثلاثة: عوف، ومعوذ ابنا الحارث، وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة، فقالوا:
من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: أكفاء كرام، ثم نادى مناديهم: يا محمد! أخرج لنا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله ﷺ : «قم يا عبيدة بن الحارث، ويا حمزة بن عبد المطلب، ويا علي بن أبي طالب» فلما دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فذكروا أنفسهم، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة، وكان أسن القوم عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، وعليّ الوليد، واختلف عبيدة، وعتبة بينهما ضربتان، كلاهما أثخن صاحبه،
следующие страницы →