← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَكَذلِكَ..﴾. إلخ المعنى: أنزلنا القرآن على محمد ﷺ إنزالا كائنا مثل إنزال الكتب السابقة على الرسل السابقين قبله. وقيل: المعنى: أنزلنا القرآن الباقي. ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ:﴾ واضحات ظاهرات الدلالة. ﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ:﴾ له الهداية، والتوفيق للإيمان، أو من يريد ثباته على الإيمان. وانظر شرح (أنزل) و (نزل) في الآية رقم [٢] من سورة (طه) وشرح (آية) في الآية رقم [٥] من سورة (الأنبياء) وانظر شرح الإرادة في الآية رقم [١٤] وشرح ﴿يُرِيدُ﴾ في الآية رقم [١٨] الآتية. الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، عامله ما بعده. انظر الشرح. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿آياتٍ:﴾ حال من الضمير المنصوب، وهي حال موطئة؛ لأن المقصود الصفة، وهي ﴿بَيِّناتٍ،﴾ وكلتاهما منصوب، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالما. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَهْدِي:﴾ مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يهدي الذي، أو: شخصا يريده، وجملة: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على الضمير المنصوب، التقدير: وأنزلنا: أن الله يهدي... إلخ، وأجيز أن يكون المصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: والأمر: أن الله، وهذا يعني: أن الجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال، كما أجيز اعتبار المصدر مجرورا بحرف جر محذوف، التقدير: ولأن الله... إلخ، والأول أقوى معنى، وأتمّ سبكا. تأمّل. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله تعالى ربا، وبالقرآن إماما، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، وشفيعا. ﴿وَالَّذِينَ هادُوا:﴾ هم اليهود سموا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من: هاد بمعنى: تاب، ورجع، ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ أو سموا بذلك نسبة إلى يهوذا بن يعقوب، وهو أكبر أولاده. (الصابئين): جمع: صابئ، قيل: إنهم من اليهود، وقيل: إنّهم من النصارى، ولكنهم عبدوا الملائكة، وقيل: عبدوا الكواكب، والصابئ: هو التارك

стр. 3747

لدينه، من: صبأ يصبأ، صبأة، وقد كان كفار قريش، يقولون لمن يسلم منهم: صبأ. (النصارى): جمع: نصراني، سموا بذلك؛ لأنهم نصروا عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. أو لأنهم كانوا معه في قرية، يقال لها: نصران، أو ناصرة، فسموا باسمها، أو باسم من أسسها، قال سيبويه-رحمه الله تعالى-: لا يستعمل نصراني في الكلام إلا مع ياء النسب. (المجوس): هم عبدة النار، القائلين: إن للعالم أصلين: نور، وظلمة. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ هم العرب عبدة الأوثان. قيل: الأديان ستة، واحد لله، وهو الإسلام، وخمسة للشيطان، وهي ما عدا الإسلام. ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: بالحكومة بينهم، وإظهار المحق منهم من المبطل، أو الجزاء، فيجازي كلاّ ما يليق به، ويدخله المحلّ المعدّ له، وقيل: يفصل بينهم في الأحوال، والأماكن جميعا، فلا يجازيهم جزاء واحدا بغير تفاوت، ولا يجمعهم في موطن واحد، وانظر الآية رقم [١٩] الآتية. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ:﴾ عالم حاضر، فلا يعزب عنه شيء من أعمال خلقه، وحركاتهم، وأقوالهم. هذا؛ وانظر شرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿الْقِيامَةِ﴾ في الآية رقم [٤٧] منها، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣]. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض مبني على الضم لا تصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (قالوا) في الآية رقم [٢٧] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، ﴿وَالَّذِينَ هادُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿وَالصّابِئِينَ:﴾ معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ. ﴿وَالنَّصارى:﴾ معطوف أيضا على اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ معطوفان على اسم ﴿إِنَّ﴾ أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَفْصِلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَفْصِلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ الأولى، قال الزمخشري: وأدخلت ﴿إِنَّ﴾ على كل واحد من جز أي الجملة لزيادة التوكيد، ونحوه قال جرير من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن الوليد، بن عبد الملك: [البسيط] إنّ الخليفة إنّ الله سربله... سربال عزّ به ترجى الخواتيم قال الجمل: وحسن دخول ﴿إِنَّ﴾ في الخبر، وإن كان جملة واقعة خبرا عن ﴿إِنَّ﴾ طول الفصل بينهما بالمعاطيف. وقال أبو البقاء: وقيل: الخبر محذوف، تقديره: مفترقون يوم

стр. 3748

القيامة، أو نحو ذلك، والمذكور تفسير له. انتهى. والمعتمد الأول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدٌ﴾ بعدهما و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبارها خبرا ل: ﴿إِنَّ﴾ الأولى، والجملة الثانية توكيدا للأولى. والمعتمد الأول. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: ألم تعلم. وقال القرطبي: أي: ألم تر بقلبك، وعقلك. ﴿أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ:﴾ ﴿مَنْ﴾ في الأصل للعاقل، واستعملت هنا للعاقل، وغيره تغليبا. ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ..﴾. إلخ: قيل: السجود في هذه الآية تحول ظلال هذه الأشياء، فتكون كآية (الرعد) رقم [١٥]، وآية (النحل) رقم [٤٨] وقيل: ما في السماء نجم، ولا شمس، ولا قمر إلا يقع ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه. وقيل: معنى سجودها: الطاعة، والانقياد، فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله تعالى، خاشع، ومسبح له، كما وصفهم بالخشية، والتسبيح، كما رأيت في الآية رقم [٤٤] من سورة (الإسراء)، وهذا مذهب أهل السنة، وهو: أن الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي خلقها الله تعالى فيها من غير امتناع ألبتة؛ أشبهت بمطاوعتها أفعال المكلف، وهو السجود الذي كل خضوع دونه، وأفرد الشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب بالذكر لشهرتها، واستبعاد السجود منها. ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ أي: ويسجد له كثير من الناس سجود عبادة، وطاعة، وتخصيص (كثير من الناس) بالذكر مع كونه من جملة الموجودات في الأرض ليذكر بعده: أن كثيرا من الناس لا يعبدون الله، ولا يطيعونه، وهم الذين استحقوا العذاب، وهو قوله جل شأنه: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾. ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ أي: من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه، وهذا يعود إلى تقدير العزيز العليم في الأزل على من كتب له الشقاوة، وانظر الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد) فالبحث فيها جيد. ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أي: يكرم بالسعادة من يشاء، ويهين بالشقاوة من يشاء، فلا اعتراض عليه ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ هذا؛ وهذه الآية يسن السجود عند تلاوتها للقارئ، والمستمع، والسامع. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٧] من سورة (مريم)، والآية رقم [٥٠] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر ما ذكرته برقم [٧٧] الآتية.

стр. 3749

بعد هذا انظر شرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح (الناس) في الآية رقم [١] منها، أما (الدواب) فهو جمع: دابة، وهي تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان. هذا؛ و ﴿يَشاءُ﴾ ماضيه: شاء، فلم يرد له أمر، ولا ل: «أراد» فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل (شاء): شيء على فعل بكسر العين، بدليل شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول (أراد) حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل] فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو» وليس كذلك. الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَسْجُدُ:﴾ مضارع. ﴿اللهَ:﴾ متعلقان به. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل: ﴿يَسْجُدُ﴾. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿مَنْ﴾ الأولى، وجملة: ﴿يَسْجُدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي الفعل ﴿تَرَ،﴾ وجملة: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَكَثِيرٌ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مرفوع بفعل محذوف، تقديره: ويسجد له كثير من الناس. الثاني: أنه معطوف على ما قبله، وفي ذلك ثلاث تأويلات: أحدها: أن المراد بالسجود: القدر المشترك بين الكل العقلاء وغيرهم، وهو الخضوع، والطواعية، وهو من الاشتراك المعنوي، والتأويل. الثاني: أنه مشترك اشتراكا لفظيا، ويجوز استعمال المشترك في معنييه. والتأويل الثالث: أن السجود المسند للعقلاء حقيقة، ولغيرهم مجاز، ويجوز الجمع بين الحقيقة، والمجاز. الثالث من الأوجه المتقدمة: أن يكون (كثير) مرفوعا بالابتداء، وخبره محذوف، تقديره: مثابون، أو: مطيعون، ونحو ذلك. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان ب: (كثير) أو بمحذوف صفة له. ﴿وَكَثِيرٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كثير): مبتدأ، ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: وكثير منهم. ﴿حَقَّ:﴾ ماض. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقيل: إن (كثير) معطوف على ﴿مَنْ،﴾ وجاز ذلك؛ لأن السجود هو التذلل، والانقياد،

стр. 3750

فالكفار الذين حق عليهم العذاب أذلاء تحت قدر الله، وتدبيره، فهم منقادون لما سبق فيهم من علم الله، لا يخرجون عما سبق في علم الله تعالى فيهم. انتهى. مكي. والمعتمد الأول. تأمل. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه، أو هو مبتدأ. ﴿يُهِنِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿اللهَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على اعتبار (من) مفعولا مقدما. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿اللهَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مُكْرِمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر (من) على اعتباره مبتدأ مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥]، وعلى الاعتبارين في (من) فالجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَفْعَلُ﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿فَما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يفعل الذي، أو: شيئا يشاؤه، وجملة: ﴿يَفْعَلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَنَّ..﴾. إلخ تعليل للكلام قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر. ﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ الشرح: لقد ذكر في سبب نزول هذه الآيات ثلاثة أقوال: الأول: أنها في الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، ﵃، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، لعنهم الله، وأخزاهم، قال محمد بن إسحاق: خرج يوم بدر عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ودعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم فئة من الأنصار ثلاثة: عوف، ومعوذ ابنا الحارث، وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: أكفاء كرام، ثم نادى مناديهم: يا محمد! أخرج لنا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله ﷺ : «قم يا عبيدة بن الحارث، ويا حمزة بن عبد المطلب، ويا علي بن أبي طالب» فلما دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فذكروا أنفسهم، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة، وكان أسن القوم عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، وعليّ الوليد، واختلف عبيدة، وعتبة بينهما ضربتان، كلاهما أثخن صاحبه،

стр. 3751

فكر حمزة، وعلي بأسيافهما على عتبة، فذفّفا عليه، واحتملا عبيدة إلى أصحابه، وقد قطعت رجله، ومخها يسيل، فلما أتوا به رسول الله ﷺ قال: ألست شهيدا يا رسول الله! قال: «بلى!»، فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيّا لعلم: أنّا أحق بما قال منه، حيث يقول: [الطويل] ونسلمه حتّى نصرّع حوله... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وقال ابن عباس-﵄: نزلت الآيات في المسلمين، وأهل الكتاب، قال أهل الكتاب، أي: اليهود: نحن أولى بالله، وأقدم كتابا منكم، ونبيّنا قبل نبيكم. وقال المسلمون: نحن أحقّ بالله، آمنّا بنبينا محمد ﷺ ، ونبيّكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون نبينا، وكتابنا؛ وقد كفرتم حسدا، وبغضا. فهذه هي خصومتهم. وقال عكرمة: المراد بالخصمين: الجنة، والنار، فقد اختصمتا، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنة: خلقني لرحمته. فعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «احتجّت الجنة، والنار، فقالت النار: فيّ الجبّارون، والمتكبّرون. وقالت الجنّة: فيّ ضعفاء المسلمين، ومساكينهم. فقضى الله بينهما: إنك الجنّة رحمتي، أرحم بك من أشاء، وإنّك النّار عذابي، أعذّب بك من أشاء، ولكليكما عليّ ملؤها». رواه مسلم، وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ رواها البخاري، ومسلم: «فأمّا النار فلا تمتلئ حتّى يضع الله ﵎ رجله فتقول: قط، قط، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم ربّك أحدا من خلقه. وأمّا الجنة فإنّ الله تعالى ينشئ لها خلقا». وقيل: هم المؤمنون، والكافرون من أيّ ملة كانوا، فالمؤمنون خصم، والكفار خصم. والمعتمد من هذه الأقوال هو القول الأول، فقد روي عن علي-﵁-أنه قال: إني لأول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى، يريد قصته في مبارزته، هو وصاحباه. ذكره البخاري. بعد هذا ف: ﴿خَصْمانِ﴾ تثنية خصم، وهو هنا بمعنى فريق، أو فوج، على حد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا؛﴾ ولذا جمع في قوله تعالى: ﴿اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ومعنى ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ في دينه، أو في ذاته، أو في صفاته. ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ -وهو فصل الخصومة المعني بقوله تعالى في الآية رقم [١٧]: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ - ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ:﴾ قال سعيد بن جبير-﵁: ثياب من نحاس مذاب، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حرا منه، وسمي باسم الثياب؛ لأنها تحيط بهم كإحاطة الثياب، وهي السرابيل المذكورة في الآية رقم [٥٠] من سورة (إبراهيم) ﵇. هذا؛ وقيل: في الكلام استعارة تمثيلية، وليس بشيء؛ لأنه حقيقة، كما رأيت من قول سعيد بن جبير.

стр. 3752

﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ أي: الماء الحار الذي انتهت حرارته. ﴿يُصْهَرُ بِهِ:﴾ يذاب بالحميم، والصهر: إذابة الشحم، وغيره من المعادن على اختلاف أنواعها، ولا سيما في هذا العصر، قال ابن أحمر يصف فرخ قطاة: [الرجز] تروي لقى ألقي في صفصف... تصهره الشمس فما ينصهر أي: تذيبه الشمس، فيصبر على ذلك، واللقى: الشيء الملقى لهوانه، والصفصف: المستوي من الأرض. فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنّ الحميم ليصبّ على رؤوسهم، فينفذ حتّى يخلص إلى جوف أحدهم، فيسلت ما في جوفه حتّى يمرق من قدميه، وهو الصّهر، ثمّ يعاد كما كان». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. ولا تنس: قوله في سورة (محمد) ﷺ : ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾. ﴿وَالْجُلُودُ﴾ أي: تحرق الجلود، أو تشوى الجلود، فإن الجلود لا تذاب، ولكن يضم في كل شيء ما يليق به، فهو كما تقول: أتيته فأطعمني ثريدا، أي والله ولبنا قارصا، قال الشاعر: [الرجز] علفتها تبنا وماء باردا... حتّى غدت همّالة عيناها ولنا كلام طويل في تفسير قوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ إن شاء الله تعالى. وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (الفرقان)، ففيها بحث جيد. بعد هذا انظر شرح: ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء)، وشرح (الكفر) في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح (النار) في الآية رقم [١٠] من سورة (طه). أما ﴿ثِيابٌ﴾ فهو جمع: ثوب، والقياس: ثواب، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها. انظر إعلال الصيام في الآية رقم [١٨٣] من سورة (البقرة)، فالبحث فيها جيد. الإعراب: ﴿هذانِ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وبعضهم يقول: مبني على الألف يعتبره مبنيا كباقي أسماء الإشارة، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿خَصْمانِ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿اِخْتَصَمُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، ومن إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في محل رفع صفة ﴿خَصْمانِ﴾ على المعنى كقوله تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا،﴾ وقال الجمل: حالية، ولا أراه وجيها؛ لأن خصمان نكرة، إلا إذا كان يريد من الضمير المستتر في خصمان على تأويله بفرق ونحوه، وأجيز اعتبارها خبرا، وخصمان بدلا من ﴿هذانِ﴾ والمعتمد الأول. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق

стр. 3753

المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قُطِّعَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿ثِيابٌ:﴾ نائب فاعل. ﴿مِنْ نارٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثياب، وجملة: ﴿قُطِّعَتْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة كالجملة الاسمية قبلها لا محل لهما. هذا؛ وعلى اعتبار الجملة الاسمية: ﴿فَالَّذِينَ..﴾. إلخ تفصيلا، وبيانا لفصل الخصومة في الآية رقم [١٧] فيكون ما بينهما كلاما معترضا، تأمل. ﴿يُصَبُّ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿مِنْ فَوْقِ:﴾ متعلقان به، و ﴿فَوْقِ﴾ مضاف، و ﴿رُؤُسِهِمُ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَمِيمُ:﴾ نائب فاعل ﴿يُصَبُّ،﴾ والجملة الفعلية هذه تحتمل أن تكون خبرا ثانيا للموصول، وأن تكون حالا من الضمير في ﴿لَهُمْ،﴾ وأن تكون مستأنفة لا محل لها. ﴿يُصْهَرُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان به. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿فِي بُطُونِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُصْهَرُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الْحَمِيمُ،﴾ والرابط: الضمير المجرور بالباء. ﴿وَالْجُلُودُ:﴾ معطوف على ﴿ما﴾ الواقعة نائب فاعل، هذا؛ وقيل: هو نائب فاعل لفعل محذوف، التقدير: وتحرق الجلود، وعليه فالجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُصْهَرُ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ أي: للذين كفروا. و ﴿مَقامِعُ﴾ جمع: مقمعة بكسر الميم؛ لأنها آلة القمع، يقال: قمعه، يقمعه من باب: قطع: إذا ضربه بشيء يزجره به، ويذله، والمقمعة: المطرقة، وقيل: السوط، وفي الخبر: «لو وقع مقمع من حديد في الأرض، ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلّوه من الأرض». ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها﴾ أي: من النار. ﴿مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ أي: ردوا إليها بالمقامع. قيل: إن جهنم لتجيش بهم، فتلقيهم إلى أعلاها، فيريدون الخروج منها، فتضربهم الزبانية بمقامع الحديد، فيهوون فيها سبعين خريفا، وقيل: إذا اشتد غمهم فيها؛ فروا، فمن خلص منهم إلى شفيرها؛ أعادتهم الملائكة فيها بالمقامع، ويقولون لهم: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: المحرق، مثل: الأليم، والوجيع. بعد هذا انظر (نذيقه) والاستعارة فيه في الآية رقم [٩]، وشرح ﴿عَذابَ﴾ في الآية رقم [٤٦] من سورة (الأنبياء). هذا؛ والتعبير بالأفعال الماضية عن شيء مستقبل إنما هو لتحقق وقوعه، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة. الإعراب: ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَقامِعُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ حَدِيدٍ:﴾ متعلقان بمحذوف

стр. 3754

صفة ﴿مَقامِعُ﴾. ﴿كُلَّما﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿أَرادُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، و (ما) والفعل (أراد) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت إرادة، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل)، وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى وقت أيضا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَخْرُجُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ غَمٍّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما بدل من ﴿مِنْها﴾ بدل الاشتمال، و ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿أُعِيدُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. (ذوقوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْحَرِيقِ﴾ مضاف إليه من إضافة الموصوف لصفته، وجملة: (ذوقوا...) إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقيل لهم: ذوقوا... إلخ، وهذه الجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، ويدل على هذا المحذوف التصريح به في سورة (السجدة) آية رقم [٢٠]. ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ﴾ ... ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ انظر شرح هذا الكلام وما يتعلق به في الآية رقم [١٤] وأضيف هنا: أنه يشمل العاملين الصالحين من الذكور، والإناث، وأن الله تعالى لما ذكر حال الخصم الكافر في الآيات السابقة؛ ذكر حال المؤمن في هذه الآية. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٣١] من سورة (الكهف). هذا؛ ويقرأ بجر (لؤلؤ) ونصبه، ويقرأ بهمز ودونه، وبقلب الهمزتين ياء، وغير ذلك. ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ أي: وجميع ما يلبسونه من فرشهم، ولباسهم، وستورهم حرير، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير. هذا؛ وروى النسائي عن أبي هريرة-﵁-أن النبي ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدّنيا؛ لم يلبسه في الآخرة. ومن شرب الخمر في الدّنيا؛ لم يشربه في الآخرة. ومن شرب في آنية الذّهب والفضّة في الدّنيا؛ لم يشرب فيها في الآخرة». ثم قال ﷺ : «لباس أهل الجنّة، وشراب أهل الجنّة، وآنية أهل الجنّة». وانظر «السندس والإستبرق» في الآية رقم [٣١] من سورة (الكهف).

стр. 3755

هذا؛ وقد غير الأسلوب؛ حيث لم يقل: (ويلبسون حريرا) للمحافظة على الفواصل، على رؤوس الآي، وللدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة في الجنة، فإن العدول إلى الجملة الاسمية يدل على الثبوت، والدوام بخلاف الجملة الفعلية، فإنها تدل على التجدد، كما هو مقرر في علم المعاني، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ انظر إعراب هذا الكلام إفرادا وجملا في الآية رقم [١٤]. ﴿يُحَلَّوْنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله وهو المفعول الأول. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ أَساوِرَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول به ثان، أي: شيئا كائنا من أساور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف، هذا؛ ويجوز على مذهب الأخفش اعتبار ﴿مِنْ﴾ زائدة في الإيجاب، فيكون ﴿أَساوِرَ﴾ مفعولا ثانيا، مجرورا لفظا، منصوبا محلا. ﴿مِنْ ذَهَبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَساوِرَ﴾. ﴿وَلُؤْلُؤاً:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ويؤتون لؤلؤا، أو هو معطوف على محل ﴿مِنْ أَساوِرَ؛﴾ لأنه يقدر: ويحلون شيئا كائنا من أساور، ولؤلؤا. هذا؛ وعلى قراءته بالجر، فهو معطوف على ﴿ذَهَبٍ،﴾ فيكون المراد أساور من ذهب مرصعة باللؤلؤ. وجملة: ﴿يُحَلَّوْنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَلِباسُهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لباسهم): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالمصدر. ﴿حَرِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، فتكون في محل نصب حال مثلها، وهو قوي معنى، وسبكا. ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ:﴾ قال ابن عباس-﵄-وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل: هو: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله اكبر. ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ أي: إلى دين الله، وهو الإسلام، والحميد هو الله المحمود في أفعاله، والمحمود في كل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال. هذا؛ وقيل: الأول في الآخرة حيث يلهمهم الله أن يقولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ..﴾. إلخ، وأن يقولوا: (الحمد لله الّذي أذهب عنّا الحزن) والثاني في الآخرة أيضا، والمراد به طريق الجنة المحمود عاقبته. هذا؛ ومعنى (هدوا) أرشدوا، أو: وفّقوا. الإعراب: ﴿وَهُدُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (هدوا): ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَى الطَّيِّبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة

стр. 3756

الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنَ الْقَوْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الطَّيِّبِ﴾ وقيل: من الضمير المستتر، والجملة الثانية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها أيضا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ:﴾ قال القرطبي: أعاد الكلام إلى مشركي العرب حين صدوا رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام عام الحديبية، وذلك: أنه لم يعلم لهم صدّ قبل ذلك الجمع، إلا أن يريد صدّهم لأفراد من الناس، فقد وقع ذلك في صدر المبعث، هذا؛ والمراد ب: (المسجد الحرام) نفسه، وهو ظاهر القرآن. وقيل: بل المراد الحرم كله، والأول هو المعتمد، هذا؛ ووصف المسجد بالحرام تنويها بشأنه، ورفعة لقدره، وتعظيما لحرمته، ومعنى (الحرام): المحرم فيه اللغو، والرفث، والإيذاء، وكل فعل قبيح، وعمل فاحش، وإن كان في غيره حراما، فهو أشد فيه حرمة، وكذلك محرم على الكفار، فلا يجوز أن يدخله كافر أبدا. وانظر شرح (الحرام) في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنبياء)، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾ أي: قبلة لصلاتهم، ومنسكا، ومتعبدا. ﴿سَواءً الْعاكِفُ﴾ أي: المقيم فيه، وقال بعضهم: يدخل فيه الغريب إذا جاور، وأقام به، ولزم التعبد فيه. ﴿وَالْبادِ﴾ أي: من يقدم عليه من خارج مكة، واختلف الفقهاء والمحدثون في هذه التسوية بين المقيم، والقادم. فقيل: التسوية في تعظيم الكعبة، وفي فضل الصلاة فيه، والطواف به، فعن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت، وصلّى أيّة ساعة شاء من ليل، أو نهار». أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي. وقيل: المراد: جميع الحرم، ومعنى التسوية: أن المقيم، والبادي سواء في النزول به، وليس أحدهما أحق بالمنزل من الآخر؛ غير أنه لا يزعج أحد أحدا إذا كان قد سبق إلى منزله، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن زيد. قالوا: هما سواء في البيوت، والمنازل، قال عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا، لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنزله منهم، وكان عمر بن الخطاب-﵁-ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في الموسم. فعلى هذا القول، لا يجوز بيع دور مكة، وإجارتها. قالوا: إن أرض مكة لا تملك؛ لأنها لو ملكت لم يستو فيها العاكف والبادي، فلما استويا؛ ثبت: أن سبيلها سبيل المساجد، وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وعلى القول الأول، وهو الأقرب إلى الصواب، ولا سيما في

стр. 3757

هذا العصر، الذي يبلغ فيه عدد الحجاج كل عام مئات الألوف، وقد تطورت فيه الأوضاع الاجتماعية والسياسية، والعمرانية: أنه يجوز بيع دور مكة، وإجارتها، وهو قول طاووس، وعمرو بن دينار، وإليه ذهب الشافعي، رحمه الله تعالى، وقد احتج في ذلك بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ فقد أضاف الديار إلى مالكيها، وقال النبي ﷺ يوم فتح مكة: «من أغلق بابه، فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن». فنسب الديار إليهم نسبة ملك، واشترى عمر بن الخطاب-﵁-دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، وجعلها سجنا، فدلت هذه النصوص على جواز بيعها. ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾ أي: في المسجد الحرام. ﴿بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ:﴾ الإلحاد: الميل، والعدول عن القصد. قيل: المراد فيه هنا: الشرك، وعبادة غير الله تعالى. وقيل: هو كل شيء كان منهيا عنه من قول، أو فعل؛ حتى شتم الخادم، وهو المعتمد، وقيل: هو دخول الحرم بغير إحرام، أو ارتكاب شيء من محظورات الحرم، من قتل صيد، وقطع شجر. والمعتمد ما ذكرته. ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ:﴾ انظر الاستعارة في الآية رقم [٩]. هذا؛ و (يصدون) بمعنى: يمنعون، ويصرفون، وهو بضم الصاد. هذا؛ ويأتي بمعنى: يعرضون، ويميلون، كما في قوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ويأتي بضم الصاد، وكسرها، كما يأتي بمعنى: يضجون فرحا، وهو بكسر الصاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ومصدر الأولين: صد، وصدود، ومصدر الأخير: صديد. أما ﴿سَواءً﴾ فهو مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صح الإخبار به عن متعدد في كثير من الآيات. وقيل: هو بمعنى مستو. وهو لا يثنى، ولا يجمع، قالوا: هم، وهما سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى؛ قالوا: سيان، وإن شئت قلت: سواآن، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر، وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون، هذا؛ والسّواء أيضا: العدل، والوسط، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وانظر الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنبياء). الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. (يصدون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَيَصُدُّونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، على تأويل الفعل بالماضي، أي: وصدوا، أو على تأويل الأول بالمضارع، أي: يكفرون، ويصدون، وقيل: جملة: (يصدون...) إلخ في محل نصب حال، وهذا لا يسوغ إلا على تقدير مبتدأ، أي: وهم

стр. 3758

يصدون؛ لأن الجملة المضارعية الواقعة حالا لا تقترن بالواو، وعلى هذه الاعتبارات؛ فخبر ﴿إِنَّ﴾ محذوف، يقدر بعد ﴿وَالْبادِ﴾ معذبون. هذا؛ وقيل: الواو زائدة، والجملة الفعلية خبر ﴿إِنَّ﴾ وهو أقوى معنى مما تقدم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالْمَسْجِدِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة (المسجد). ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة أو بدل من (المسجد). ﴿جَعَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول. هذا؛ وأجيز اعتبار الموصول مفعولا به لفعل محذوف، تقديره: أعني الذي، واعتباره خبر مبتدأ محذوف. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب. ﴿سَواءً:﴾ بالنصب حال من الضمير المنصوب، أو هو مفعول به ثان. ﴿الْعاكِفُ:﴾ فاعل بسواء، ويقرأ بالجر على أنه بدل من الناس. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بالعاكف. ﴿وَالْبادِ:﴾ معطوف على ﴿الْعاكِفُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، وقرئ بإثباتها، هذا؛ ويقرأ برفع سواء على أنه خبر مقدم، و ﴿الْعاكِفُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. ﴿يُرِدْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ:﴾ قال البيضاوي: حالان مترادفان، أو الثاني بدل من الأول بإعادة الجار وصلة له، أي: ملحدا بسبب الظلم، وهذا يعني: أن الحال من فاعل ﴿يُرِدْ﴾ المستتر، هذا؛ والمعتمد: أن الباء زائدة، و (إلحاد) مفعول به مجرور لفظا، منصوب محلا، و ﴿بِظُلْمٍ﴾ متعلقان بمحذوف صفة له. ﴿نُذِقْهُ﴾ جواب الشرط، والفاعل تقديره: «نحن». والهاء مفعول به. ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة ﴿عَذابٍ،﴾ وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥] والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ:﴾ يقال: بوأته منزلا، وبوأت له، كما يقال: مكنتك ومكنت لك، والمبوأ: المنزل الملزوم، ومنه بوأه الله منزلا، أي: ألزمه إياه، وأسكنه فيه، قال الرسول ﷺ : «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار». أخرجه البخاري عن أبي هريرة، ﵁. هذا؛ وقيل: المعنى: أرينا إبراهيم مكان البيت ليبنيه، وكان قد درس بالطوفان،

стр. 3759

وغيره، فلما جاءت مدة إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام-أمره الله ببنيانه، فجاء إلى موضعه، وجعل يطلب أثرا، فبعث الله ريحا، فكشفت عن أساس آدم على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام، فرتب قواعده كما رأيت في الآية رقم [١٢٧] من سورة (البقرة). ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً:﴾ الخطاب لإبراهيم ﵇، وهذا على سبيل الفرض والتقدير، فحاشاه من الشرك. هذا؛ ويقرأ: «(أن لا يشرك بي شيئا)»: وانظر الإعراب فإنه يوضح المعنى. ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ أي: من الشرك، والأوثان، والأقذار. ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ أي: الذين يطوفون بالبيت. ﴿وَالْقائِمِينَ﴾ أي: المقيمين فيه. ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: المصلين، جمع: راكع، وساجد. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن إبراهيم ﵇ قد أمر ببناء البيت بعد أن أسكن ولده إسماعيل وأمه هاجر في مكة بسنوات، وهي يومئذ أرض، لا ماء فيها، ولا أنيس، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] من السورة المسماة باسمه، فبعد أن شب إسماعيل، وترعوع ذهب أبوه إلى مكة، وأخبره: أن الله أمره ببناء الكعبة، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٧] وما قبلها وما بعدها من سورة (البقرة). هذا؛ وقد سها القرطبي-رحمه الله تعالى-حيث قال: وقيل: عنى به التطهير من الأوثان، كما قال تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم ﵇. انتهى. فهل كان يوجد في مكة ناس قبل سكنى إسماعيل، وأمه؟! وهل كان يوجد ماء فيها؟! وهل سكنت قبيلة جرهم في مكة قبل سكنى إسماعيل وأمه؟! بعد هذا انظر عمر إبراهيم، وانظر أولاده، وأحفاده في الآية رقم [٧١] من سورة (هود) ﵇، وانظر شرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية [٣٠] من سورة (الأنبياء). أما القائمين فهو جمع: قائم، فهو اسم فاعل من: قام، يقوم، وأصله قاوم، فقلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتد بالألف الزائدة، لكونها حاجزا غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية منهما همزة، ومثله قل: في: بائع، فإن أصله: بايع. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر. ﴿بَوَّأْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِإِبْراهِيمَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقال أكثر المعربين: اللام: حرف جر صلة، و (إبراهيم) مفعول به مجرور لفظا منصوب محلا، وهذا يعود إلى معنى (بوأنا) فمن قال: معناه: أرينا إبراهيم؛ فهو مفعول به، ومن قال: معناه: بينا؛ فاللام غير زائدة. ﴿مَكانَ:﴾ مفعول به ثان على اعتبار اللام زائدة، ومفعول به على اعتبار اللام غير زائدة. وقيل: هو ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والمعتمد الأول بدليل قوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

стр. 3760

﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾. و ﴿مَكانَ﴾ مضاف، و ﴿الْبَيْتِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿بَوَّأْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: «اذكر إذ...» إلخ المقدرة مستأنفة لا محل لها. ﴿مَكانَ:﴾ قيل: مفسرة على تقدير فعل: وأمرناه، وقيل: هي زائدة على تقدير فعل. وقلنا له: ﴿لا تُشْرِكْ﴾. وقيل: هي مصدرية على تقدير: فعلنا ذلك لئلا تشرك بعبادتي... إلخ. واعتبرها أبو حيان، وابن عطية مخففة من الثقيلة، وهو ضعيف كما ترى؛ لأنها لم يسبقها فعل من أفعال القلوب، ونحوها. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تُشْرِكْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لا تُشْرِكْ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار ﴿مَكانَ﴾ تفسيرية، وفي محل نصب مقول القول لقول محذوف على اعتبارها زائدة، وتؤول مع ﴿مَكانَ﴾ بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، على اعتبارها مصدرية، ويقويه قراءة: «(أن لا يشرك)» بالياء؛ إذ التقدير: لئلا يشرك. (طهر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَيْتِيَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلطّائِفِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْقائِمِينَ:﴾ معطوف على ما قبله. وأيضا ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ معطوف أيضا، وهما صفتان لموصوف محذوف؛ إذ التقدير: الرجال الركع السجود، وجملة: ﴿وَطَهِّرْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها. ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ:﴾ هذا الخطاب لإبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فإنه لما فرغ من بناء الكعبة بمعاونة ابنه إسماعيل، ﵇، كما رأيت فيما سبق؛ أمره ربه بأن ينادي في الناس، فقال: وما يبلغ صوتي؟ فقال الله له: عليك الأذان، وعلي الإبلاغ، فصعد جبل أبي قبيس، حتى صار كأطول الجبال، فأدخل أصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه يمينا وشمالا، وشرقا وغربا، وقال: يا أيها الناس! ألا إن ربكم قد بنى بيتا، وكتب عليكم الحج إليه، فأجيبوا ربكم. فأجابه كل من يحج من أصلاب الرجال، وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك، فمن أجاب يومئذ حج، إن أجاب مرة فمرة، وإن أجاب مرتين فمرتين... إلخ. هذا؛ وزعم الحسن-رحمه الله تعالى-أن المأمور بالتأذين هو محمد ﷺ ، أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع، فعن أبي هريرة ﵁، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيّها الناس قد فرض الله عليكم الحجّ فحجّوا». فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى

стр. 3761

قالها ثلاثا. فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم...». إلخ الحديث رواه مسلم. هذا؛ والمعتمد: أن الأمر في الآية لإبراهيم. ﴿يَأْتُوكَ رِجالاً﴾ أي: مشاة على أرجلهم، جمع: راجل. وإنما قال: ﴿يَأْتُوكَ﴾ وإن كانوا يأتون الكعبة؛ لأن المنادي إبراهيم، فمن أتى الكعبة حاجا، فكأنما أتى إبراهيم ﵇؛ لأنه أجاب نداءه، وفيه تشريف، وتعظيم له، هذا؛ وفي ﴿رِجالاً﴾ قراآت كثيرة، قال النحاس: في جمع (راجل) خمسة أوجه. وإنما قدم الرجال على الركبان لزيادة تعبهم في المشي، ودل ذلك على أنّ حج الراجل أفضل من حج الراكب. قال ابن عباس-﵄: ما آسى على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججت ما شيا. هذا؛ والركوب أفضل إذا كانت المسافة بعيدة، ويلحق الحاج بالمشي مشقة شديدة. ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ أي: على كل بعير مهزول ضعيف أتعبه السفر، وهو بمعنى: ضوامر، ودلت ﴿كُلِّ﴾ على العموم، فلذا جمع الضمير في ﴿يَأْتِينَ﴾ أي: جماعة الإبل. هذا؛ وقرئ «(يأتون)» صفة الرجال، والركبان. ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: من كل طريق بعيد، وانظر ما ذكرته في (مرضع) في الآية رقم [٢]. قال النسفي: قال محمد بن ياسين: قال لي شيخ في الطواف: من أين أنت؟ قلت: من خراسان، قال: كم بينكم وبين البيت؟ قلت: مسيرة شهرين، أو ثلاثة، قال: فأنتم جيران البيت، فقلت: أنت من أين جئت؟ قال: من مسيرة خمس سنوات، خرجت وأنا شاب، فاكتهلت، قلت: والله هذه الطاعة الجميلة، والمحبة الصادقة، فقال: [البسيط] زر من هويت، وإن شطّت بك الدّار... وحال من دونه حجب وأستار لا يمنعنّك بعد عن زيارته... إنّ المحبّ لمن يهواه زوّار هذا؛ ومن المعلوم: أنه لم يبق بعد في هذه الأيام. الإعراب: ﴿وَأَذِّنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أذن): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي النّاسِ بِالْحَجِّ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: ﴿بِالْحَجِّ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: معلنا بالحج، وجملة: ﴿وَأَذِّنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. ﴿يَأْتُوكَ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط مقدر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للطلب. ﴿رِجالاً:﴾ حال من واو الجماعة، وساغ ذلك؛ لأنه بمعنى: «ماشين» كما رأيت. ﴿وَعَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بحال محذوفة معطوفة على ما قبلها، التقدير: وركبانا على كل، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿ضامِرٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يَأْتِينَ:﴾ مضارع مبني على

стр. 3762

السكون، والنون فاعله. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿فَجٍّ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَمِيقٍ:﴾ صفة ﴿فَجٍّ،﴾ وجملة: ﴿يَأْتِينَ..﴾. إلخ في محل جر صفة (كل ضامر). ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ:﴾ ليحضروا منافع لهم دينية، ودنيوية على تفاوتها، واختلاف أنواعها. ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ:﴾ قيل: المراد: أيام عشر ذي الحجة، وأعتمد: أنها يوم عيد الأضحى، وأيام التشريق بعده، وهي ثلاثة أيام، وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ الآية رقم [٢٠٣] من سورة (البقرة). ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ:﴾ المراد بها: الضحايا، والهدايا تكون من النّعم، وهي: الإبل، والبقر، والغنم. وانظر رقم [٣٤]. وهذا يقوي: أن الأيام المعلومات هي: يوم النحر، وأيام التشريق؛ لأن التسمية على بهيمة الأنعام تكون عند نحرها، ونحر الهدايا يكون في هذه الأيام، وانظر شرح ﴿الْأَنْعامِ﴾ في الآية رقم [٢١] من سورة (المؤمنون). ﴿فَكُلُوا مِنْها:﴾ هذا الأمر للإباحة، وليس بواجب، وذلك؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا، فأمر الله بمخالفتهم. واتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعا، يجوز للمهدي أن يأكل منه، وكذلك أضحية التطوع؛ لما روى جابر بن عبد الله-﵄-في قصة حجة الوداع: قال: وقدم علي ﵁ ببدن من اليمن، وساق رسول الله ﷺ مئة بدنة، فنحر منها رسول الله ﷺ ثلاثا وستين بدنة، ونحر علي ﵁ ما بقي منها، وأشركه في بدنه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، وطبخت، فأكل من لحمها، وشرب من مرقها. أخرجه مسلم. واختلف العلماء في الهدي الواجب بالشرع، مثل دم التمتع والقران، والدم الواجب بإفساد الحج، وفوته، وجزاء الصيد، هل يجوز للمهدي أن يأكل منها شيئا. فقال الشافعي ﵁: لا يأكل منها شيئا، وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر. وقال ابن عمر-﵄: لا يأكل من جزاء الصيد، والنذر، ويأكل مما سوى ذلك. وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال مالك ﵁: يأكل من هدي التمتع، ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى، وجزاء الصيد المنذور. وقال أصحاب الرأي: إنه يأكل من دم التمتع، والقرآن، ولا يأكل من واجب سواهما. انتهى. خازن. ﴿وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ:﴾ الذي أصابه بؤس شديد. ﴿الْفَقِيرَ:﴾ المحتاج، والأمر فيه للوجوب، وأصل «فقير» في اللغة: الذي انكسر فقار ظهره، ثم يطلق على المعدم الذي لا يجد حاجته من

стр. 3763

المال؛ لأنه يشبه الذي انبتّ ظهره، وعدم الحول والقوة، وهو أسوأ حالا من المسكين عندنا معاشر الشافعية، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ فسماهم مساكين مع كونهم يملكون سفينة يتجرون فيها، وينقلون فيها بضائع للناس من صقع إلى صقع، وكان النبي ﷺ يسأل الله المسكنة، ويتعوذ بالله من الفقر، فعن أنس بن مالك-﵁ عن النبي ﷺ قال: «اللهمّ أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة». رواه الترمذي، فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير؛ لما تعوذ من الفقر، وسأل المسكنة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿لِيَشْهَدُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أذّن) أو ب: ﴿يَأْتُوكَ﴾. ﴿مَنافِعَ:﴾ مفعول به. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَنافِعَ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَيَذْكُرُوا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله... إلخ. ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فِي أَيّامٍ:﴾ متعلقان بالفعل (يذكروا). ﴿مَعْلُوماتٍ:﴾ صفة ﴿أَيّامٍ﴾. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يذكروا) وتعليقهما بمحذوف حال من اسم الله لا بأس به، وجملة: ﴿رَزَقَهُمْ﴾ صلة ﴿ما﴾ والعائد محذوف، التقدير: على الذي رزقهم الله إياه. ﴿مِنْ بَهِيمَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من العائد المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ و ﴿بَهِيمَةِ﴾ مضاف، و ﴿الْأَنْعامِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (كلوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا؛ فكلوا، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَأَطْعِمُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿الْفَقِيرَ:﴾ صفة (البائس) وهي صفة مؤكدة. ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أي: ليزيلوا أدرانهم، وأوساخهم، والمراد منه: الخروج عن الإحرام بالحلق، وقص الشارب، ونتف الإبط، وقلم الأظفار، والاستحداد، ولبس الثياب. والحاج أشعث أغبر إذا لم يزل هذه الأوساخ. هذا؛ وتفسير «القضاء» بالإزالة تفسير مجازي؛ لأن «القضاء» في الأصل: القطع، والفصل، فأريد به هنا الإزالة. وقال ابن عمر وابن عباس

стр. 3764

-﵄: قضاء التفث مناسك الحج كلها. وقال قطرب: تفث الرجل: إذا كثر وسخه. قال أمية بن أبي الصلت: [البسيط] حفّوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا... ولم يسلّوا لهم قملا وصئبانا وقال أيضا: [البسيط] ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا... وينزعوا عنهم قملا وصئبانا ساخين: تاركين آباطهم؛ أي: لم يزيلوا عنها وسخها. ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ:﴾ أراد به جميع ما ينذره المسلم من حج، وهدي، أمروا بوفاء النذر مطلقا إلا ما كان معصية، فقد قال النبي ﷺ : «لا وفاء لنذر في معصية». وقال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه». ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ:﴾ أراد به طواف الإفاضة الواجب، ووقته يوم النحر بعد الرمي، والحلق، والطواف ثلاثة أنواع: طواف القدوم، وهو أنّ من قدم مكة يطوف بالبيت سبعا، وهذا الطواف تحية البيت، وهو سنة مؤكدة كتحية غيره من المساجد في الدنيا، وهي ركعتان. عن عائشة-﵂-أن أول شيء بدأ به حين قدم رسول الله ﷺ أن توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر، وعمر مثله. متفق عليه. والثاني: طواف الركن، وهو طواف الإفاضة المتقدم. والثالث: طواف الوداع، وهو واجب، لا رخصة لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر في أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعا، فمن تركه؛ فعليه دم إلا المرأة الحائض، فإنه يجوز لها تركه، قال ابن عباس-﵄: أمر النبي ﷺ الناس أن يكون الطّواف آخر عهدهم بالبيت إلاّ أنّه رخّص للمرأة الحائض. متفق عليه.. وفي معنى ﴿الْعَتِيقِ﴾ أقوال كثيرة، فقال مجاهد، والحسن: العتيق: القديم، ويعضده قوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾ الآية رقم [٩٦] وفي الحديث الصحيح: أنه أول مسجد وضع في الأرض، وقيل: سمي عتيقا؛ لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار بالهوان إلى انقضاء الزمان. وفي الترمذي عن عبد الله بن الزبير ﵄-قال، قال رسول الله ﷺ : «إنّما سمّي البيت عتيقا؛ لأنّه لم يظهر عليه جبّار». فإن قال قائل: إن الحجاج الفاسق نصب المنجنيق على الكعبة حتى هدم قسما منها، قيل له: إنما أعتقها الله عن جبابرة الكفار؛ لأنهم أتوا بأنفسهم متمردين، ولحرمة البيت غير معتقدين، وقصدوا الكعبة بالسوء، فعصمت منهم، ولم تنلها أيديهم، وأما الحجاج فإنه لم يكن قصده الكعبة، وإنما كان قصده مضايقة عبد الله بن الزبير الذي اعتصم بها، ومع ذلك له عند الله ما يستحق من الخزي، والوبال، والمقت، والنكال.

стр. 3765

وقالت طائفة: سمي عتيقا؛ لأنه لم يملك موضعه قط. وقالت فرقة: سمي عتيقا؛ لأن الله يعتق فيه رقاب المذنبين من النار. وقيل: سمي عتيقا؛ لأنه أعتق من غرق الطوفان. هذا؛ والعتيق: الكريم، والعتق: الكرم. قال طرفة يصف أذني فرس: [الطويل] مؤلّلتان تعرف العتق فيهما... كسامعتي مذعورة وسط ربرب وعتق الرقيق: خروجه من ذل الرق إلى كرم الحرية، والعتيق: الكريم الأصل، قال الشاعر يهجو غيره: [الوافر] أما والله أن لو كنت حرّا... وما بالحرّ أنت ولا العتيق أي ولست بالكريم الأصل. ومن أسماء أبي بكر الصديق-﵁-عتيق؛ أي: معتوق من النار، وقيل: بيت عتيق من قولهم: عتاق الخيل، والطير، أي: كرامها. والعواتق: النساء الشريفات اللاتي لم يخرجن من بيوت أهلهن قط. جاء في الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ صعد المنبر يوما وقال بصوت رفيع سمعته العواتق في المنازل، فقال: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم، فإنّه من تتّبع عورة أخيه تتّبع الله عورته، ومن تتّبع الله عورته فضحه، ولو في جوف بيته». الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لْيَقْضُوا:﴾ مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿تَفَثَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مرتبطة بكلام محذوف؛ أي: ثم بعد حلهم، وخروجهم من الإحرام، وبعد الإتيان بما عليهم من النسك؛ ليزيلوا أو ساخهم وأدرانهم. وما بعدها معطوف عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما ذكر في الآيات السابقة. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ:﴾ المراد بذلك هنا: أفعال الحج، ومناسكه، ويدخل في ذلك تعظيم الأماكن المقدسة جميعها، ويجمع ذلك أن تقول: الحرمات: امتثال الأمر، والنهي. ومعنى التعظيم: العلم بأنه يجب على الإنسان القيام بمراعاتها، وحفظ حرمتها. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها. وقيل: ذلك التعظيم خير من خيراته ينتفع به، وليست ﴿خَيْرٌ﴾

стр. 3766

للتفضيل، وإنما هي عدة بخير، وانظر شرح (الحرام) في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنبياء)، والعندية عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان، وقرب. ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ﴾ أي: أكل لحمها، والانتفاع بجميع أجزائها؛ لأن الحكم الشرعي؛ وإن نسب إلى ذات؛ فالطلب لا يتعلق إلا بالأفعال، نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ أي: الاستمتاع بهن. و: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي: أكلها، و: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ أي: تناولها، لا أكلها؛ لتناول شرب ألبان الإبل، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ أي: منافعها: الركوب، والتحميل. ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أي: إلا المتلو عليكم في القرآن تحريمه، وهو ما ذكر في الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٤] من سورة (المائدة). ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ:﴾ ﴿الرِّجْسَ:﴾ الشيء القذر، وصفها الله بالرجس، و ﴿الرِّجْسَ:﴾ النجس، فهي نجسة حكما، و ﴿الْأَوْثانِ:﴾ جمع: وثن، وهو التمثال من خشب، أواحديد، أو ذهب، أو فضة، ونحوها، انظر الآية رقم [٥٢] من سورة (الأنبياء)، وكانت العرب تنصبها، وتعبدها. والنصارى تنصب الصليب، وتعبده، وتعظمه، فهو كالتمثال أيضا. قال عدي بن حاتم الطائي-﵁: أتيت النبي ﷺ ، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي ألق عنك هذا الوثن!». أي: الصليب. وأصله من: وثن الشيء أي: أقام في مقامه، وسمي الصنم وثنا؛ لأنه ينصب، ويركز في مكان، فلا يبرح عنه، والمراد: اجتنبوا عبادة الأوثان. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ:﴾ اتركوا قول الزور، واجتنب الشيء: ابتعد عنه، والزور: الباطل، والكذب، وسمي زورا؛ لأنه ميل عن الحق، وكل ما عدا الحق فهو كذب، وباطل، وزور، ولا تنس: أن الحكيم العليم قد قرن قول الزور-أي شهادة الباطل-بعبادة الأوثان، وأيده النبي ﷺ ، فعن أيمن بن خريم: أن النبي ﷺ قام خطيبا، فقال: «أيّها الناس عدلت شهادة الزّور الإشراك بالله. ثمّ قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ.» أخرجه الترمذي، وأخرجه أبو داود عن خريم بن فاتك بنحوه، وعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر-ثلاثا-» قلنا: بلى يا رسول الله! قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». وكان متّكئا فجلس، فقال: «ألا وقول الزّور، وشهادة الزّور». فما زال يكرّرها؛ حتّى قلنا: ليته سكت. أخرجه البخاري. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الطّير لتضرب بمناقيرها، وتحرّك أذنابها من هول يوم القيامة، وما يتكلّم به شاهد الزّور، ولا تفارق قدماه على الأرض حتى يقذف به في النّار». رواه الطبراني في الأوسط، وكان عمر بن الخطاب-﵁-يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخم وجهه، ويطوف به في الأسواق. هذا؛ وكتمان الشهادة-أي: الامتناع عن أدائها-كشهادة الزور، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨٣]:

стр. 3767

﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وعن أبي موسى الأشعري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من كتم شهادة إذا دعي إليها؛ كان كمن شهد بالزّور». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط. تنبيه: لقد ذكرت في الآية رقم [٩٠] من سورة (المائدة) الرد على الفسقة، والفجرة الذين يقولون: إن الله لم يحرم الخمر تحريما قاطعا؛ لأنه لم يذكر مادة (حرّم) في تحريمها، انظرها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والله الموفق، والمعين، وبه أهتدي، وأستعين. الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: الأمر، أو الشأن ذلك، أو في محل مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: ذلك أمر الله، وحكمه، وأجاز القرطبي اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: امتثلوا ذلك، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، واسم الإشارة يذكر للفصل بين كلامين، أو بين وجهي كلام واحد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. ﴿يُعَظِّمْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿حُرُماتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿حُرُماتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥]، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿خَيْرٌ﴾ أيضا، وقيل: متعلق بمحذوف حال، وهو غير وجيه. و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَأُحِلَّتْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أحلت): ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَنْعامُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، وهو يحتمل الاتصال، والانقطاع. ﴿يُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ لا محل لها. وينبغي أن تعلم: أن أصل الكلام: إلا ما يتلى عليكم تحريمه، فحذف المضاف، واستتر الضمير في الفعل، وهو المضاف إليه في الأصل. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، هذا؛ وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب على الاستثناء، التقدير: إلا المتلو عليكم تحريمه. ﴿فَاجْتَنِبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها، وأمثالها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط محذوف.

стр. 3768

(اجتنبوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك متلوا عليكم؛ فاجتنبوا. ﴿الرِّجْسَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْأَوْثانِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الرِّجْسَ﴾ على اعتبار «أل» للتعريف، أو بمحذوف صفة له على اعتبار «أل» للجنس، والكلام «وإذا كان...» إلخ المقدر معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿قَوْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الزُّورِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: قولكم الزور. ﴿حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ الشرح: ﴿حُنَفاءَ لِلّهِ:﴾ مسلمين. وقيل: مخلصين. وهو جمع مفرده: حنيف، وتكرر الكلام على إبراهيم-﵊-بأنه كان حنيفا، وفسر بحقه بأنه مائل عن كل دين باطل إلى دين الحق قال الشاعر: [الوافر] ولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين هذا؛ والحنف: الميل في القدمين. هذا؛ وقال القرطبي: ولفظة «حنفاء» من الأضداد تقع على الاستقامة، وتقع على الميل. أقول: وهذا يكون بالمعنى المأخوذ منه، وهو الميل، وقد ذكرت لك فيما مضى: أن الفعل «مال» يتغير معناه بتغير الجار، تقول: ملت إليه، وملت عنه، وهو ظاهر. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ﴾ أي: بعبادة غيره، أو في صفة من صفاته، أو في فعل من أفعاله. وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٠] من سورة (الكهف) ففيها الدواء الشافي لقلبك. ﴿فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ:﴾ سقط، والفعل من باب ضرب. ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ:﴾ تسلبه، وتذهب به. ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: تميل، وتذهب به الرياح العاتية. ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ:﴾ بعيد، وفي الفعل (تخطف) قراآت كثيرة. قيل في معنى الآية: من أشرك بالله؛ فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس وراءه إهلاك بأن صور حاله بصورة حال من خرّ من السماء، فاختطفته الطير، ففرقت أجزاءه في حواصلها، أو عصفت به الرياح العاتية؛ حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة، فالمراد من الآية تصوير تلك الحالة العجيبة، لا وقوعها في الوقت الحاضر، قال ابن هشام: إنهم يعبرون عن الماضي والآتي، كما يعبرون عن الشيء الحاضر قصدا لإحضاره في الذهن؛ حتى كأنه مشاهد حالة الإخبار. قال الزمخشري في كشافه: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب، والمفرق، فإن كان تشبيها مركبا؛ فكأنه قال: من أشرك بالله؛ فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده إهلاك بأن صور

стр. 3769

حاله بصورة حال من خر من السماء، فاختطفته الطير متفرقا موزعا في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض الأماكن البعيدة. وإن كان مفرقا؛ فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المهلكة. هذا؛ و ﴿الطَّيْرُ﴾ اسم جمع، مثل: غنم، وخيل، وقيل: بل هو جمع طائر، مثل: صحب، وصاحب، ويصح إطلاقه على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وجمع الطير: طيور، وأطيار، مثل فرخ، وفروخ، وأفراخ. وقال قطرب، وأبو عبيدة: الطير قد يقع أيضا على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ﴾ وطائر الإنسان: عمله الذي قلّده، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. والطير أيضا: الاسم من التطير، ومنه قولهم: لا طير إلاّ طير الله. كما يقال: لا أمر إلاّ أمر الله. انتهى. مختار الصحاح. الإعراب: ﴿حُنَفاءَ:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان به. ﴿غَيْرَ:﴾ حال ثانية فيها معنى التوكيد، و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف و ﴿مُشْرِكِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمشركين؛ لأنه جمع اسم فاعل، ففاعله مستتر فيه. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ:﴾ مثل: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ..﴾. إلخ. ﴿فَكَأَنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (كأنما): كافة ومكفوفة. ﴿خَرَّ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (من) وهو بمعنى: «يخر» ليصح العطف عليه. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (كأنما...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما في الآية السابقة، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَتَخْطَفُهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تخطفه): مضارع، والهاء مفعول به. ﴿الطَّيْرُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَهْوِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعة ضمة مقدرة على الواو. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الرِّيحُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿فِي مَكانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَحِيقٍ:﴾ صفة ﴿مَكانٍ﴾. ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما ذكر في الآيتين السابقتين من اجتناب الرجس، وقول الزور... إلخ. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ:﴾ جمع شعيرة، أو شعارة: وهي كل شيء لله تعالى فيه أمر، أشعر به، وأعلم، فشعائر الله: أعلام دينه؛ لا سيما ما يتعلق بالمناسك، لذا فسرت

стр. 3770

الشعائر هنا بدين الله، أو فرائض الحج، أو مواضع نسكه، أو ما يقدم إلى الحرم من الهدايا؛ لأنها من معالم الحج، وهو أوفق لظاهر ما بعده. وتعظيمها أن تختار حسانا، سمانا، غالية الأثمان، فقد روي أنّ النبي ﷺ أهدى مئة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب، وأنّ عمر ﵁ أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمئة دينار. هذا؛ وسميت البدن شعائر؛ لإشعارها بما يعرف به: أنها هدي، كطعن حديدة بسنامها. ﴿فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي: فإن تعظيم شعائر الله من أعمال أصحاب القلوب التقية المتقية، ففيه حذف هذه المضافات، وإضافة الصفة للموصوف، ومثل الآية الكريمة قول كلحبة العرني اليربوعي: [الطويل] فأدرك إرقال العرادة ظلعها... وقد جعلتني من حزيمة إصبعا إذ التقدير: جعلتني منه ذا مسافة إصبع واحدة، وهذا هو الشاهد رقم [١٠٥٧] من كتابنا فتح القريب المجيب. وانظر (التقوى) في الآية رقم [١]. هذا؛ وقد ذكرت القلوب؛ لأنها مراكز للتقوى، ولذا قال النبي ﷺ : «التّقوى ها هنا». ثلاث مرات، وأشار إلى صدره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٣٠]. ﴿فَإِنَّها:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنها): حرف مشبه بالفعل، و (ها) اسمه. ﴿مِنْ تَقْوَى:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وتقوى مضاف، و ﴿الْقُلُوبِ﴾ مضاف إليه. قال القرطبي: وقرئ برفع القلوب على أنها فاعلة بالمصدر الذي هو (تقوى). ولم أره لغيره. هذا؛ والجملة الاسمية: (إنها...) إلخ في محل جزم جواب الشرط وهي خالية من ضمير يعود إليه، فيقدر: فإنها من تقوى القلوب منهم على معنى (من)، أو تقديره: فإن تعظيمها منه على لفظ (من). وانظر حذف المضافات في الشرح، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٥]. ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿لَكُمْ فِيها:﴾ أي: في البدن المهداة إلى البيت. ﴿مَنافِعُ﴾ أي: من الركوب والدرّ، والنسل، والصوف، وغير ذلك. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى أن يسميها هديا، فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، ورواية عن ابن عباس ﵃ أجمعين-وقيل: المراد بالأجل المسمى: هو نحرها، وهو قول عطاء، وعلى القول الأول يركبها بعد تسميتها هديا عند الحاجة، ويشرب لبنها بعد ري فصيلها.

стр. 3771

واختلف العلماء في ركوب الهدي، فقال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يجوز ركوبها، والحمل عليها من غير ضرر بها؛ لما روي: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: «اركبها» فقال: يا رسول الله! إنّها بدنة، فقال: «اركبها». قال: إنّها بدنة، قال: «اركبها ويلك!». في الثانية، أو في الثّالثة. أخرجاه في الصحيحين. وروى جابر بن عبد الله-﵄-وسئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتّى تجد ظهرا» وهذا يؤيد حجة أهل الرأي الذين يقولون: لا يركبها إلاّ أن يضطر إليها. ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي: محل نحر الهدايا عند البيت العتيق، والمراد به: جميع أرض الحرم. روي عن جابر-﵄-في حديث حجة الوداع: أن رسول الله ﷺ قال: «نحرت هاهنا، ومنى كلّها منحر، فانحروا في رحالكم». ومن قال الشعائر: المناسك، فالمراد: التحلل منها إلى البيت، أي: يطوفون به طواف الإفاضة، ويحلقون بعد رمي جمرة العقبة، ويلبسون ثيابهم، ويحل لهم ما كان محظورا عليهم من محرمات الإحرام. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والماب. الإعراب: ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مَنافِعُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَنافِعُ﴾. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿مَحِلُّها:﴾ مبتدأ، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى الْبَيْتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿الْعَتِيقِ:﴾ صفة (البيت)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: جماعة مؤمنة سلفت قبلكم. ﴿جَعَلْنا مَنْسَكاً:﴾ قرئ بكسر السين؛ أي: مذبحا وهو موضع ذبح القربان. وقرئ بفتح السين على أنه مصدر، بمعنى: إراقة الدم، وذبح القرابين. ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ:﴾ المراد بها: الضحايا، والهدايا للبيت تكون من النّعم، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، سماها الله بهيمة؛ لأنها لا تتكلم، وقيد بالأنعام؛ لأن ما سواها لا يجوز ذبحه في القرابين؛ وإن جاز أكله من حيوانات البر والبحر. ﴿فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي: لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فاذكروا على ذبح قرابينكم اسمه وحده. ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أي: أخلصوا له العبادة،

стр. 3772

وانقادوا لأوامره، وأطيعوا. ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: المتواضعين، وقيل: المطمئنين إلى الله، وقيل: الخاشعين الرقيقة قلوبهم. وقيل: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لا ينتصرون، وانظر صفاتهم فيما يلي. هذا؛ وفي الآية التفات من الغيبة إلى خطاب الجمع، ومنه إلى خطاب المفرد، انظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء). هذا؛ والبشارة: عبارة عن الخبر السار الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك الفرح، والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه؛ كان كذلك الحزن، والغم يظهر أثرهما على الوجه وهو الكمودة التي تعلو الوجه عند حصول الغم والحزن، فثبت بهذا: أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار، والخبر المحزن، فصح قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ولكن قد تستعمل البشارة بالشر وبما يسوء على سبيل التهكم، والاستهزاء، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم. هذا؛ وأما ﴿أُمَّةٍ﴾ فهي بمعنى الجماعة، كما رأيت، ولا واحد لها من لفظها، وتكون واحدا إذا كان ممن يقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً﴾ انظر شرح هذه الآية برقم [١٢٠] من سورة (النحل)، والأمة: الطريقة، والملة في الدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾. وبها فسرت الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنبياء) وقال النابغة: [الطويل] حلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع؟! هذا؛ وكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد وقت، وحين. الإعراب: ﴿وَلِكُلِّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لكل): متعلقان بالفعل بعدهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم عليه، و (كل) مضاف، و ﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَنْسَكاً:﴾ مفعول به أول، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِيَذْكُرُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ انظر الآية رقم [٢٨] ففيها الكفاية. ﴿فَإِلهُكُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إلهكم): مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة (إله)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة: وانظر الآية رقم [٣٠]. (له): متعلقان بما بعدهما، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿أَسْلِمُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق،

стр. 3773

والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك هو الواقع؛ فله أسلموا، والكلام كله مستأنف، لا محل له. ﴿وَبَشِّرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (بشر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْمُخْبِتِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ:﴾ فزعت لذكر الله، وخافت استعظاما له، وتهيبا من جلاله. وقيل: هو الرجل يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله، فينزع عنها خوفا من عقابه. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وهذه الإحالة مني على ما ذكرت من أجل الاختصار. ﴿وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ:﴾ من ضر، ومتاعب في هذه الدنيا. وانظر (الصبر) في الآية رقم [٨٥] من سورة (الأنبياء). ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ أي: المؤدين لها على الوجه الأكمل، وانظر الآية رقم [٣١ و ٥٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: ينفقون بعض المال الذي رزقناهم إياه في وجوه الخير، والإحسان، والمعروف. تنبيه: لقد وصف الله المتقين في مطلع سورة (البقرة) بخمس صفات، وجعلهم جديرين بالفلاح، والنجاح، ووصف المؤمنين في مطلع سورة (الأنفال) بخمس صفات، واعتبرهم مؤمنين حقا، ووصف المخبتين في هذه الآية بأربع صفات، ولم يذكر جزاءهم، ولكنه جلّت قدرته، وتعالت حكمته وصف المؤمنين في مطلع سورة (المؤمنون) بسبع صفات، وجعلهم جديرين بوراثة الفردوس، والخلود فيها. تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من ﴿الْمُخْبِتِينَ،﴾ أو صفة له، أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، ونحوه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين... إلخ. والجر لا وجه له هنا. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿ذُكِرَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿اللهُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿وَجِلَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول. (الصابرين): منصوب على المدح بفعل محذوف، تقديره: أمدح الصابرين. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان ب: (الصابرين). ﴿أَصابَهُمْ:﴾ ماض: وفاعله يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به،

стр. 3774

والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَالْمُقِيمِي:﴾ معطوف على (الصابرين) فهو منصوب مثله، وعلامة النصب فيهما الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مذكر، وفاعلهما مستتر فيهما، وحذفت النون من الثاني للإضافة، وهو مضاف، و ﴿الصَّلاةِ﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، هذا؛ وقرئ: «(والمقيمين الصلاة)» بإثبات النون ونصب الصلاة على الأصل، كما قرئ بحذف النون ونصب الصلاة على توهم النون، وأن حذفها للتخفيف لطول الاسم، وأنشد سيبويه قول الشاعر: [المنسرح] الحافظو عورة العشيرة لا... يأتيهم من ورائنا نطف هذا، وجملة «أمدح الصابرين...» إلخ مستأنفة، وعطفها على صلة الموصول غير منسجم معنى. ﴿وَمِمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (مما): متعلقان بالفعل ﴿يُنْفِقُونَ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ينفقون من الذي، أو: من شيء رزقناهم إياه، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها. هذا؛ ويظهر لي صحة عطف الجمل الثلاث على الموصول، وصلته، وذلك على اعتبار «أل» ب: (الصابرين) و (المقيمي) موصولة فيكون المعنى: والذين يصبرون، والذين يقيمون الصلاة، والذين ينفقون مما رزقناهم. وهذا حل معنى، لا حل إعراب. تأمل. ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَالْبُدْنَ:﴾ جمع بدنة وهي الناقة من الإبل، وقد سميت بها الإبل لعظم بدنها، مأخوذة من: بدن الرجل، يبدن بدنا، وبدانة، فهو بادن، أي: ضخم. والصحيح: أن البدنة لا تطلق على البقرة، وإن كانت تشاركها في الإجزاء عن سبعة؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة-﵁-في فضل التبكير لصلاة الجمعة: «من راح في الساعة الأولى؛ فكأنّما قرّب بدنة، ومن راح في السّاعة الثانية؛ فكأنّما قرّب بقرة...» إلخ فتفريقه ﷺ بين البقرة، والبدنة يدل على أن البقرة، لا يقال لها بدنة. والله أعلم. هذا؛ ويقرأ (البدن) بضم الدال وسكونها. ﴿جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ أي: من أعلام دينه. قيل: لأنها تشعر؛ أي: تطعن بحديدة في سنامها فتعرف بذلك: أنها هدي، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٢]. ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ:﴾ المراد بهذا الخير: المنافع التي ذكرت في الآية [٣٣]. والصواب عمومه هنا في خيري الدنيا والآخرة.

стр. 3775

﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر. اللهم إنّ هذا منك وإليك. و ﴿صَوافَّ﴾ قائمة معقولة إحدى قوائمها، توقف، وقد صفت رجلاها ويدها اليمنى، والأخرى معقولة، أي: مربوطة ركبتها، فتنحر كذلك، وهو سنة. عن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها، قال: ابعثها قياما مقيّدة سنة محمد ﷺ . متفق عليه. ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها﴾ أي: سقطت بعد النحر، ووقع جنبها على الأرض، وهو كناية عن الموت. كما كنى عن النحر، والذبح بقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾. ﴿فَكُلُوا مِنْها:﴾ أمر معناه الندب، فقال كل الفقهاء: يستحب أن يأكل من هديه، وفيه أجر، وثواب، ومخالفة لما كان الجاهليون من الامتناع من أكلها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] فإنه جيد. ﴿وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ:﴾ فالأول: هو الراضي بما عنده، وبما يعطى من غير مسألة، فهو جالس في بيته متعفف عن ذلّ المسألة، والثاني: هو الذي يريك نفسه، ويتعرض، ولا يسأل. وقيل: القانع: السائل، وعليه يكون قانع من الأضداد، فإن كان فعله: قنع، يقنع من باب: سلم، وعلم؛ فهو من القناعة، وهو الرضا، والعفة عن التذلل بالسؤال، وإن كان فعله: قنع، يقنع من باب: فتح، وقطع، فهو من التذلل بالسؤال، وعليه قولهم: والعبد حرّ إن قنع، والحر عبد إن قنع، ومصدر الأول: قنعا، وقناعة، ومصدر الثاني: قنوع بضم القاف. وقال بعض أهل العلم: إن القنوع بضم القاف أيضا قد يكون بمعنى: الرضا، والقانع بمعنى: الراضي، وأنشد قول الشاعر: [الوافر] وقالوا: قد زهيت فقلت كلاّ... ولكنّي أعزّني القنوع وقال لبيد بن ربيعة الصحابي ﵁: [الطويل] فمنهم سعيد آخذ بنصيبه... ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع وفي المثل: خير الغنى القنوع، وشرّ الفقر الخضوع. انتهى. مختار. وخذ قول أبي ذؤيب الهذلي: [الكامل] والنّفس راغبة، إذا رغّبتها... وإذا تردّ إلى قليل تقنع هذا؛ والقنوع بفتح القاف بوزن «فعول» هو مبالغة اسم الفاعل: قانع على الاعتبارين اللذين رأيتهما. هذا؛ والأمر للوجوب عند الشافعي، ﵁. ﴿كَذلِكَ:﴾ أي: مثل ما وصفنا من نحرها قياما. ﴿سَخَّرْناها لَكُمْ:﴾ ذللناها لكم مع عظمها، وقوتها حتى تأخذونها منقادة، فتعقلونها، وتحبسونها صافّة قوائمها، ثم تطعنون في لباتها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ إنعامنا عليكم بالهداية، والإيمان، والتوفيق، والإذعان لما يرضي الواحد

стр. 3776

الديان. هذا؛ و «الشكر»: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. وفعله يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما نصحته، ونصحت له. هذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. الإعراب: ﴿وَالْبُدْنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (البدن): مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، ويقرأ بالرفع على أنه مبتدأ. ﴿جَعَلْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مفسرة على نصب (البدن) وفي محل رفع خبره على رفعه، والكلام مستأنف على الاعتبارين لا محل له. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ شَعائِرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني في المعنى، و ﴿شَعائِرِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿خَيْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو من ﴿شَعائِرِ اللهِ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وأجيز اعتبارها مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣٠]. (اذكروا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَاذْكُرُوا..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿صَوافَّ:﴾ حال من الهاء في (عليها) فهو منصوب، ولم ينصرف؛ لأنه على وزن: فواعل، وهي صيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. هذا؛ ويقرأ: «(صوافن)» على أنّ واحده: صافن، ويقرأ: «(صوافي)» أي: خوالص لله تعالى، ويقرأ: «(صواف)» بكسر الفاء وتنوينها مخففة، وهي بمعنى التي قبلها، لكن حذفت الياء تخفيفا على غير قياس على لغة من يسكن الياء مطلقا، كقولهم: أعط القوس باريها، قال مجنون ليلى: [الطويل] ولو أنّ واش باليمامة داره... وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا وهذا هو الشاهد، رقم [٥٣٨] من كتابنا فتح القريب المجيب. والقراءة بالتسكين شاذة، لكن ذكرتها؛ لأن المفسرين ذكروها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية السابقة ﴿وَجَبَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿جُنُوبُها:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (كلوا): أمر، وفاعله، ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله في المعنى، وجملة: (كلوا منها) جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: (أطعموا القانع والمعتر) معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثله. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: سخرناها لكم تسخيرا كائنا مثل وصفنا إياها فيما

стр. 3777

تقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [١٦]. ﴿سَخَّرْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وأجيز اعتبارها حالا؛ أي: حالة كونها مسخرة. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، تقديره: إنعامنا، وتفضلنا عليكم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾ أي: لن يصل إلى الله لحومها، ولا دماؤها؛ ولكن يصل إليه، ويرفع لديه التقوى، أي: ما أريد به وجهه، فذلك الذي يقبله، ويرفع إليه، ويثيب عليه، قال الرسول المعظم ﷺ : «إنّما الأعمال بالنّيات، وإنما لكلّ امرئ ما نوى». هذا؛ ويقرأ الفعلان بالتاء، نظرا إلى اللحوم. هذا؛ و ﴿لُحُومُها﴾ جمع: لحم، ويجمع أيضا على: لحام، قال لبيد-﵁-في معلقته: [الكامل] أدعو بهنّ لعاقر أو مطفل... بذلت لجيران الجميع لحامها هذا؛ ويقال: لحم، وألحم، ولحمان، ولحام، ورجل لحيم شحيم: إذا كان قرما إلى اللحم، والشحم. ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ..﴾. إلخ: أي: سخر البدن، وذللها للذبح، ومكننا من التصرف فيها، وهي أعظم منا أبدانا، وأقوى منا أعضاء؛ ذلك ليعلم ابن آدم: أن الأمور ليست على ما تظهر للعبد من التدبير، وإنما هي بحسب ما يريدها العزيز القدير، فيغلب الصغير الكبير؛ ليعلم الخلق: أن الغالب هو الله الواحد القهار فوق عباده انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وكرر ذكر التسخير للتأكيد، وزيادة التذكير بالنعمة. ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ:﴾ ذكر سبحانه في الآية السابقة ذكر اسمه على البدن ونحوها التي تذبح تقربا إليه، وذكر هنا التكبير ليجمع المسلم بينهما عند ذبح القربة، بل وغيرها من الذبائح، وكان عبد الله بن عمر-﵄-يجمع بينهما إذا نحر هديه، فيقول: باسم الله، والله أكبر، وهذا من فقهه ﵁،، كيف لا وقد روى أبو داود عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: ذبح النبي ﷺ يوم الذّبح كبشين أقرنين، موجوءين، خصيّين، أملحين، فلمّا وجّههما؛ قال: «إنّي وجّهت وجهي للّذي فطر السّموات والأرض... إلى قوله: وأنا أوّل المسلمين، اللهمّ منك، ولك، عن محمد، وأمّته، باسم الله، والله أكبر». ثم ذبح. ومعنى ﴿هَداكُمْ:﴾ أرشدكم، ووفقكم لذبح الذبائح، والتقرب به إليه.

стр. 3778

﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ:﴾ بجناب النعيم، ورضا رب العالمين، و (محسنين) جمع: محسن، وهو من أحسن العمل، وأخلص فيه النية لله تعالى، وانظر «البشارة» في الآية رقم [٣٤]. وانظر شرح ﴿التَّقْوى﴾ في الآية [١]، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣]. أما ﴿دِماؤُها﴾ فهو جمع: دم، وأصله: دميّ، وقيل: دمو، حذفت لامه، فيثنى على لفظه: دمان بدون رد لامه، ويثنى: دميان، أو: دموان برد لامه، أما في الجمع فلا بدّ من ردّ لامه، فيقال: دماي أو دماو، فيقال في إعلاله: تحركت الياء، أو الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتدّ بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. وأضيف: أن أهل الجاهلية كانوا إذا ذبحوا القرابين؛ لطخوا الكعبة بدمائها تقربا إلى الله، فهمّ المسلمون بذلك، فنزلت الآية الكريمة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَنالَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿لُحُومُها:﴾ فاعل، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة للتأكيد. ﴿دِماؤُها:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك. ﴿يَنالُهُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به. ﴿التَّقْوى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من التقوى. ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة. ﴿لِتُكَبِّرُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هَداكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: على الذي هداكم إليه. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ التقدير: على هدايته إياكم. ﴿وَبَشِّرِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (بشر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: مبالغ في الدفع عنهم مبالغة من يغالب فيه. ويقرأ «(يدفع)» والمفعول محذوف على هذه القراءة؛ أي: يدفع غائلة المشركين، وكيدهم عن المؤمنين

стр. 3779

منهم، وينصرهم عليهم. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ أي: خوان في أمانة الله، كفور لنعمته، قال ابن عباس-﵄: خانوا الله، فجعلوا معه شريكا، وكفروا نعمه. هذا؛ وكل من أشرك مع الله أحدا في ذاته، أو في أفعاله، فهو خائن، و ﴿خَوّانٍ﴾ صيغة مبالغة، و ﴿كَفُورٍ﴾ كذلك، وانظر (الكفر) في الآية رقم [٣٠]، وانظر خيانة الله والرسول في الآية رقم [٢٧] من سورة (الأنفال). تنبيه: في الآية الكريمة مسألة بيانية لم يتعرض لها المفسرون، وهي أنه إذا وقعت «كل» في حيز النفي-أي: بعده-كان النفي موجها إلى الشمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: (ما جاء كلّ القوم، ولم آخذ كلّ الدراهم، وكلّ الدّراهم لم آخذ). وإن وقع النفي في حيزها-أي: بعدها لفظا، ومحلا-اقتضى السلب عن كل فرد، كقول النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين: أنسيت أم قصرت الصلاة يا رسول الله؟!: «كلّ ذلك لم يكن» وقد يشكل على قولهم قوله تعالى في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ،﴾ وكقوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٨]: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ،﴾ وقوله في سورة (البقرة) رقم [٢٧٦]: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (ن) رقم [١٠]: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ،﴾ حيث وقعت (كل) في حيز النفي، فتفيد أن المنفي الشمول، وأن البعض ثابت له المحبة من الله تعالى. والجواب عن الآيات: أن دلالة المفهوم، إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو هنا موجود؛ إذ دل الدليل وهو الإجماع على تحريم الخيانة، والكفر، والاختيال، والفخر، والحلف، ومستند هذا الإجماع الآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة الكثيرة. وأخيرا: فمعنى عدم محبة الله لهؤلاء كناية عن بغضهم، والسخط عليهم، وطردهم من رحمة الله، وأما محبته تعالى للعبد؛ فكناية عن رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُدافِعُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿عَنِ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. وإعراب الجملة الثانية واضح إن شاء الله تعالى. هذا؛ و ﴿كَفُورٍ﴾ صفة ل: ﴿خَوّانٍ﴾ في الظاهر، وفي الحقيقة إنما هما صفتان لموصوف محذوف، التقدير: إن الله لا يحب كل شخص أو عبد خوان كفور، فهما صيغتا مبالغة، كما رأيت، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها مثل سابقتها. والله أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على الهادي، وسلّم. ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ..﴾. إلخ: أي: أذن الله للمسلمين بالجهاد؛ ليقاتلوا المشركين. قال المفسرون: كان المشركون من أهل مكة يؤذون المؤمنين، فلا يزالون يجيئون من بين مضروب،

стр. 3780

ومشجوج، ويشكون ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فيقول لهم: «اصبروا، فإني لم أؤمر بقتال». حتى هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، فاعترضهم المشركون، فأذن الله لهم في قتال الكفار، وهي أول آية في القتال بعد ما نهى الله عنه في نيف وسبعين آية، وهذا الإذن من الله كان بسبب ظلم الكفار لهم، والاعتداء عليهم. هذا؛ ويقرأ الفعلان ﴿أُذِنَ﴾ و ﴿يُقاتَلُونَ﴾ بالبناء للمجهول والبناء للمعلوم. ﴿وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ:﴾ هذا وعد من العلي القدير بنصر المستضعفين من المسلمين، وقد أنجز الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. هذا؛ والآية الكريمة تتضمّن الإذن بالجهاد، كما رأيت، وقد حث الرسول ﷺ عليه، وحذر من تركه، فعن أبي هريرة ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الجهاد واجب مع كلّ أمير، برّا كان أو فاجرا. والصلاة واجبة عليكم خلف كلّ مسلم، برا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر». رواه أبو داود. وعن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم». رواه أبو داود، والنسائي. وعن عبد الرحمن بن جبر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما اغبرّت قدما عبد في سبيل الله، فتمسه النّار». أخرجه البخاري. وعن معاذ بن جبل-﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة؛ فقد وجبت له الجنة. ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا، ثمّ مات، أو قتل؛ فإنّ له أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله، أو نكب نكبة؛ فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزّعفران، وريحها ريح المسك». رواه أبو داود، والترمذي. وعن عبادة بن الصامت رضي الله قال: قال رسول الله ﷺ : «جاهدوا في سبيل الله، فإنّ الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنّة ينجّي الله ﵎ به من الهمّ، والغمّ». رواه أحمد. وعن النعمان بن بشير-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصّائم نهاره، القائم ليله حتى يرجع متى رجع» رواه أحمد. وانظر ما ذكرته في (النساء) رقم [٩٥]، وفي (الأنفال) رقم [٦١]، وفي (التوبة) [١٢١] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم». أخرجه أبو داود، وغيره. وعن ثوبان-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». قالوا: أمن قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: «بل أنتم يومئذ كثيرون، ولكنكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن». قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: «حبّ الدنيا وكراهية الموت». أخرجه أبو داود، وأحمد وغيرهما. الإعراب: ﴿أُذِنَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل، وقيل: نائب الفاعل محذوف؛ إذ التقدير: أذن في القتال للذين، وهو جيد معنى، وعلى

стр. 3781

البناء للمعلوم فالفاعل يعود إلى (الله)، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُقاتَلُونَ:﴾ مضارع مرفوع على القراءتين، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعل، أو نائب فاعل، وعلى الأول فالمفعول به محذوف، التقدير: يقاتلون أعداءهم. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر، (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿ظُلِمُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أُذِنَ﴾. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمه. ﴿عَلى نَصْرِهِمْ:﴾ متعلقان ب: (قدير) بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿لَقَدِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ:﴾ هم المهاجرون من أهل مكة، خرجوا مكرهين من ديارهم بسبب مضايقة المشركين لهم. وقد استدل بهذه الآية وأمثالها على جواز بيع دور مكة، وإجارتها، كما رأيت في الآية رقم [٢٥]. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: بغير موجب استحقوا به الإخراج من ديارهم. ﴿إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ:﴾ هذا هو السبب الوحيد في إخراجهم من ديارهم، وهو التوحيد، والإيمان بالله، ورسوله، ونبذ عبادة الأوثان. وهذا ينبغي أن يكون سبب التمكين، وموجبه لا موجب الإخراج، وما أشبه هذا بقول السحرة لفرعون: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ،﴾ وذكرته في سورة (الأعراف)، وسأذكره في سورة (البروج) إن شاء الله تعالى؛ لأنه مدح بما يشبه الذم. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء، والمؤمنين من قتال الأعداء؛ لا ستولى أهل الشرك، والضلال، وعطلوا ما بيّنته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع ذلك بأن أوجب الجهاد؛ ليتفرغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم، ومستمر إلى يوم القيامة، وبه صلحت، وتصلح الشرائع، وتثبت أمور العبادات، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٥٠] من سورة (البقرة). ﴿لَهُدِّمَتْ:﴾ خربت، وأزيلت، ويقرأ بالتشديد، والتخفيف. ﴿صَوامِعُ:﴾ هي معابد الرهبان المتخذة في الجبال، والوديان، جمع: صومعة. ﴿وَبِيَعٌ:﴾ هي معابد النصارى، وكنائسهم في

стр. 3782

البلد، جمع: بيعة، وتجمع أيضا على: بيعات، وقيل: البيع للصابئين، والصوامع للنصارى. وقيل: العكس. ﴿وَصَلَواتٌ﴾ هي كنائس اليهود، ويسمونها بالعبرانية صلوتا، فعربت، فقيل: صلوات، وفيها تسع قراآت ذكرها ابن عطية. ﴿وَمَساجِدُ﴾ أي: ومساجد للمسلمين، ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي لها كتاب على قديم الدهر، ولم يذكر في هذه الآية المجوس، ولا أهل الشرك؛ لأن هؤلاء ليس لهم ما يجب حمايته، ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع، والوثنيون في هذه الأيام مثلهم في الهند، وغيرها. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: من ينصر دينه ونبيه، وقد أنجز الله وعده بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب، وأكاسرة العجم، وقياصرتهم، وأورثهم أرضهم، وديارهم. ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ:﴾ قادر مقتدر. ﴿عَزِيزٌ:﴾ لا يغلبه شيء في الأرض، ولا في السماء. هذا؛ أما «الدار» فهي منزل الإنسان، ومسكنة في الدنيا، وهي مؤنثة، وقد تذكّر، أصلها: دور بفتحتين، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وجمعها: ديار، ودور، وأدؤر، وأدور، وأدورة، وأدوار، ودورات، وديارات، ودوران، وديران، وأصل ديار: دوار، قلبت الواو ياء؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن فعال، لمفرد اعتلت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا البلد، والقبيلة، ودار القرار في الآخرة، إما الجنة، وأما النار، والداران: الدنيا والآخرة، ودار الحرب: بلاد العدو. هذا؛ وقد قال أبو حاتم: إن الديار العساكر، والخيام، لا البنيان والعمران، وإن الدار البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم، وخيامهم ميتين. وقال جل شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ذلك؛ لجمع الدار، فعلم من كلامه: أن الديار مخصوصة بالخيام، انتهى. قال صاحب الخزانة: وهذا غفلة عن قول الشاعر، وهو مجنون ليلى: (أقبّل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله: [الوافر] أمرّ على الدّيار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار، وذا الجدارا وما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بدل مما قبله، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني الذين. أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. ﴿أُخْرِجُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (غير) مضاف، و ﴿حَقٍّ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ يَقُولُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾

стр. 3783

وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في محل جر بدلا من ﴿حَقٍّ،﴾ والمعنى: ما أخرجوا من ديارهم، إلا بسبب قولهم، واعتبره السمين في محل نصب على الاستثناء المنقطع. ﴿رَبُّنَا:﴾ مبتدأ، و (نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿دَفْعُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به للمصدر. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ بدل من ﴿النّاسَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بالمصدر ﴿دَفْعُ﴾ على أنهما مفعوله الثاني، وخبر المبتدأ محذوف، كما هو الغالب بعد «لولا»، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها. ﴿لَهُدِّمَتْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (هدمت): ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿صَوامِعُ:﴾ نائب فاعل، ولم يصرف؛ لأنه صيغة منتهى الجموع، وما بعده معطوف عليه، وجملة: ﴿لَهُدِّمَتْ..﴾. إلخ جواب (لولا)، و (لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿يُذْكَرُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿فِيهَا:﴾ متعلقان به. ﴿اِسْمُ:﴾ نائب فاعله، و ﴿اِسْمُ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف؛ أي: ذكرا كثيرا، واعتباره حالا من ﴿اِسْمُ اللهِ﴾ لا بأس به، وجملة: ﴿يُذْكَرُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة (مساجد)، وبعضهم يعتبرها صفة للأماكن الأربعة، فيكون من باب التنازع. تأمل، والمعتمد الأول؛ لأن هذه الأمة هي المشهورة بكثرة ذكر الله تعالى في المساجد، وغيرها. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (ينصرن): مضارع مبني على الفتح؛ لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَنْصُرُهُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿مِنْ﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ: انظر مثل هذه الجملة في الآية السابقة، فهي مثلها في إعرابها. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: نصرناهم على عدوهم؛ حتى تمكنوا من البلاد. وهو ثناء قبل بلاء، واختبار. قال البيضاوي: وفيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين؛ إذ لم

стр. 3784

يستجمع ذلك غيرهم من المهاجرين. هذا؛ وقال قتادة: هم أصحاب محمد ﷺ . وقال ابن عباس-﵄: المراد: المهاجرون، والأنصار، والتابعون لهم بإحسان. وقال عكرمة: هم أهل الصلوات الخمس. والأصح التعميم؛ وإن نزلت الآية في حق الأولين؛ إذ دل الدليل على أن المسلمين الأولين الذين أتوا بعد السابقين لم يفتحوا بلدا، وتمكنوا منه إلا نشروا الإسلام في ربوعه، وفعلهم في الأندلس، وغيرها من بلاد العجم شاهد صدق على ما أقول. ﴿أَقامُوا الصَّلاةَ:﴾ أدوها على الوجه الأكمل، وانظر الآية رقم [٣١ و ٥٨] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ:﴾ وهو ما استحسنه الشرع، والعقل، والفطرة السليمة، والمنكر: ما استقبحه الشرع، والعقل، والفطرة السليمة. ﴿وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي: آخر أمور الخلق، ومصيرها إليه تعالى؛ لأنه يبطل فيها كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور إليه بلا منازع. هذا؛ وإعلال (آتوا) و (نهوا) مثل إعلال: ﴿تَوَلَّوْا﴾ في الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنبياء). الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا..﴾. إلخ، أو بدل من ﴿مِنْ﴾ انظر التفسير، والشرح يتضح لك ذلك، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، والبدلية أقوى؛ لشدة ارتباط الكلام بعضه ببعض. تأمل. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿مَكَّنّاهُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا): فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَقامُوا:﴾ ماض مبني على الضم في محل جزم جواب الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة: (آتوا الزكاة...) إلخ كلها معطوفة على جملة جواب الشرط، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها صلة الموصول، فهو كلام لا محل له من الإعراب. ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عاقِبَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الْأُمُورِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣)﴾ الشرح: في هذا الكلام تسلية للنبي، وتعزية عما كان يلقاه من أذى قومه له. أي: كان قبلك أنبياء كذّبوا، فصبروا، وأوذوا، فاحتملوا إلى أن أهلك الله المكذبين، فاقتد بهم، واصبر، فإنك منصور على قومك، كما نصرت الرسل على أقوامهم، وما أكثر مثل هذه التسلية للنبي ﷺ ، وإنك تجدها واضحة كل وضوح في سورة (الأنعام)، وإن أردت أن تعرف تفصيل ما جرى بين هؤلاء

стр. 3785

الأقوام وبين رسلهم؛ فانظر سورة (الأعراف)، وسورة (هود) ﵇، وسورة (الشعراء). وانظر شرح ﴿قَوْمُ﴾ في الآية رقم [٧٤] من سورة (الأنبياء)، و (عاد) قوم هود، و (ثمود) قوم صالح، واستغنى فيهما عن ذكر قومهما لا ستشهارهم بهذا الاسم الأخصر، والأصل في التعبير العلم، ولا علم لغيرهما هذا؛ وفي الآية دليل على تأنيث ﴿قَوْمُ﴾ لأن الفعل ﴿كَذَّبَتْ﴾ أنث. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يُكَذِّبُوكَ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية... إلخ، وجواب الشرط محذوف؛ إذ التقدير: فاصبر، وتأسّ. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَعادٌ وَثَمُودُ:﴾ معطوفان على ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾. ﴿وَقَوْمُ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها تعليل للجواب المحذوف، وهو أولى من اعتبارها جوابا للشرط، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ معطوف أيضا، وهو مضاف ومضاف إليه. ﴿وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿وَأَصْحابُ مَدْيَنَ:﴾ المراد: من أرسل إليهم شعيب ﵇، ولم يقل: وقوم شعيب؛ لأن قومه يشملون أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة، وأصحاب مدين سابقون على أصحاب الأيكة في التكذيب له، فخصوا بالذكر لسبقهم في التكذيب، وانظر ﴿أَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ في سورة (الشعراء) الآية رقم [١٧٦] وما بعدها. ﴿وَكُذِّبَ مُوسى:﴾ غيّر النظم، وبنى الفعل للمفعول؛ لأن قومه بني إسرائيل لم يكذبوه، وإنما كذبه فرعون، وقوم فرعون، ولأن تكذيبه كان أشنع، وكانت آياته أعظم وأشيع، ولا تنس: أنه لقي من عنت بني إسرائيل، وفسادهم، وفجورهم، وفسوقهم ما لقي، وأكثر ما تجد ذلك في سورة (الأعراف)، وسورة (البقرة). ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أي: أمهلتهم، وأخرت العقوبة عنهم إلى انتهاء آجالهم، وهذا كقوله تعالى في سورتي (الأعراف) و (ن): ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: عاقبتهم. ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ:﴾ استفهام معناه التعجب، ومفاده التغيير، أي: فانظر كيف كان تغييري ما كانوا فيه من النعم، والرخاء بالعذاب، والهلاك؟! فكذلك أفعل بالمكذبين من قريش. قال الجوهري: النكير، والإنكار تغيير المنكر. أو المعنى: فكيف كان عقابي للمكذبين الأولين؟!
следующие страницы →