Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
البناء للمعلوم فالفاعل يعود إلى (الله)، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُقاتَلُونَ:﴾ مضارع مرفوع على القراءتين، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعل، أو نائب فاعل، وعلى الأول فالمفعول به محذوف، التقدير: يقاتلون أعداءهم.
﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر، (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿ظُلِمُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أُذِنَ﴾.
﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمه. ﴿عَلى نَصْرِهِمْ:﴾
متعلقان ب: (قدير) بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿لَقَدِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ:﴾ هم المهاجرون من أهل مكة، خرجوا مكرهين من ديارهم بسبب مضايقة المشركين لهم. وقد استدل بهذه الآية وأمثالها على جواز بيع دور مكة، وإجارتها، كما رأيت في الآية رقم [٢٥]. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: بغير موجب استحقوا به الإخراج من ديارهم. ﴿إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ:﴾ هذا هو السبب الوحيد في إخراجهم من ديارهم، وهو التوحيد، والإيمان بالله، ورسوله، ونبذ عبادة الأوثان. وهذا ينبغي أن يكون سبب التمكين، وموجبه لا موجب الإخراج، وما أشبه هذا بقول السحرة لفرعون: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ،﴾ وذكرته في سورة (الأعراف)، وسأذكره في سورة (البروج) إن شاء الله تعالى؛ لأنه مدح بما يشبه الذم.
﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء، والمؤمنين من قتال الأعداء؛ لا ستولى أهل الشرك، والضلال، وعطلوا ما بيّنته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع ذلك بأن أوجب الجهاد؛ ليتفرغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم، ومستمر إلى يوم القيامة، وبه صلحت، وتصلح الشرائع، وتثبت أمور العبادات، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٥٠] من سورة (البقرة).
﴿لَهُدِّمَتْ:﴾ خربت، وأزيلت، ويقرأ بالتشديد، والتخفيف. ﴿صَوامِعُ:﴾ هي معابد الرهبان المتخذة في الجبال، والوديان، جمع: صومعة. ﴿وَبِيَعٌ:﴾ هي معابد النصارى، وكنائسهم في
стр. 3782
البلد، جمع: بيعة، وتجمع أيضا على: بيعات، وقيل: البيع للصابئين، والصوامع للنصارى.
وقيل: العكس. ﴿وَصَلَواتٌ﴾ هي كنائس اليهود، ويسمونها بالعبرانية صلوتا، فعربت، فقيل:
صلوات، وفيها تسع قراآت ذكرها ابن عطية. ﴿وَمَساجِدُ﴾ أي: ومساجد للمسلمين، ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي لها كتاب على قديم الدهر، ولم يذكر في هذه الآية المجوس، ولا أهل الشرك؛ لأن هؤلاء ليس لهم ما يجب حمايته، ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع، والوثنيون في هذه الأيام مثلهم في الهند، وغيرها.
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: من ينصر دينه ونبيه، وقد أنجز الله وعده بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب، وأكاسرة العجم، وقياصرتهم، وأورثهم أرضهم، وديارهم. ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ:﴾ قادر مقتدر. ﴿عَزِيزٌ:﴾ لا يغلبه شيء في الأرض، ولا في السماء.
هذا؛ أما «الدار» فهي منزل الإنسان، ومسكنة في الدنيا، وهي مؤنثة، وقد تذكّر، أصلها:
دور بفتحتين، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وجمعها: ديار، ودور، وأدؤر، وأدور، وأدورة، وأدوار، ودورات، وديارات، ودوران، وديران، وأصل ديار: دوار، قلبت الواو ياء؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن فعال، لمفرد اعتلت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا البلد، والقبيلة، ودار القرار في الآخرة، إما الجنة، وأما النار، والداران: الدنيا والآخرة، ودار الحرب: بلاد العدو. هذا؛ وقد قال أبو حاتم: إن الديار العساكر، والخيام، لا البنيان والعمران، وإن الدار البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي:
في عساكرهم، وخيامهم ميتين. وقال جل شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ذلك؛ لجمع الدار، فعلم من كلامه: أن الديار مخصوصة بالخيام، انتهى. قال صاحب الخزانة: وهذا غفلة عن قول الشاعر، وهو مجنون ليلى: (أقبّل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله: [الوافر]
أمرّ على الدّيار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار، وذا الجدارا
وما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بدل مما قبله، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني الذين. أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. ﴿أُخْرِجُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (غير) مضاف، و ﴿حَقٍّ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ يَقُولُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾
стр. 3783
وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في محل جر بدلا من ﴿حَقٍّ،﴾ والمعنى: ما أخرجوا من ديارهم، إلا بسبب قولهم، واعتبره السمين في محل نصب على الاستثناء المنقطع. ﴿رَبُّنَا:﴾ مبتدأ، و (نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿دَفْعُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به للمصدر. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ بدل من ﴿النّاسَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بالمصدر ﴿دَفْعُ﴾ على أنهما مفعوله الثاني، وخبر المبتدأ محذوف، كما هو الغالب بعد «لولا»، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها.
﴿لَهُدِّمَتْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (هدمت): ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث.
﴿صَوامِعُ:﴾ نائب فاعل، ولم يصرف؛ لأنه صيغة منتهى الجموع، وما بعده معطوف عليه، وجملة:
﴿لَهُدِّمَتْ..﴾. إلخ جواب (لولا)، و (لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿يُذْكَرُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿فِيهَا:﴾ متعلقان به. ﴿اِسْمُ:﴾ نائب فاعله، و ﴿اِسْمُ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف؛ أي: ذكرا كثيرا، واعتباره حالا من ﴿اِسْمُ اللهِ﴾ لا بأس به، وجملة: ﴿يُذْكَرُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة (مساجد)، وبعضهم يعتبرها صفة للأماكن الأربعة، فيكون من باب التنازع. تأمل، والمعتمد الأول؛ لأن هذه الأمة هي المشهورة بكثرة ذكر الله تعالى في المساجد، وغيرها. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ:﴾
الواو: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (ينصرن): مضارع مبني على الفتح؛ لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَنْصُرُهُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿مِنْ﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ: انظر مثل هذه الجملة في الآية السابقة، فهي مثلها في إعرابها.
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: نصرناهم على عدوهم؛ حتى تمكنوا من البلاد.
وهو ثناء قبل بلاء، واختبار. قال البيضاوي: وفيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين؛ إذ لم
стр. 3784
يستجمع ذلك غيرهم من المهاجرين. هذا؛ وقال قتادة: هم أصحاب محمد ﷺ . وقال ابن عباس-﵄: المراد: المهاجرون، والأنصار، والتابعون لهم بإحسان. وقال عكرمة: هم أهل الصلوات الخمس. والأصح التعميم؛ وإن نزلت الآية في حق الأولين؛ إذ دل الدليل على أن المسلمين الأولين الذين أتوا بعد السابقين لم يفتحوا بلدا، وتمكنوا منه إلا نشروا الإسلام في ربوعه، وفعلهم في الأندلس، وغيرها من بلاد العجم شاهد صدق على ما أقول.
﴿أَقامُوا الصَّلاةَ:﴾ أدوها على الوجه الأكمل، وانظر الآية رقم [٣١ و ٥٨] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ:﴾ وهو ما استحسنه الشرع، والعقل، والفطرة السليمة، والمنكر: ما استقبحه الشرع، والعقل، والفطرة السليمة. ﴿وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي: آخر أمور الخلق، ومصيرها إليه تعالى؛ لأنه يبطل فيها كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور إليه بلا منازع. هذا؛ وإعلال (آتوا) و (نهوا) مثل إعلال: ﴿تَوَلَّوْا﴾ في الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا..﴾. إلخ، أو بدل من ﴿مِنْ﴾ انظر التفسير، والشرح يتضح لك ذلك، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، والبدلية أقوى؛ لشدة ارتباط الكلام بعضه ببعض.
تأمل. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿مَكَّنّاهُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا): فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَقامُوا:﴾ ماض مبني على الضم في محل جزم جواب الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة: (آتوا الزكاة...) إلخ كلها معطوفة على جملة جواب الشرط، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها صلة الموصول، فهو كلام لا محل له من الإعراب. ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله):
متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عاقِبَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الْأُمُورِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣)﴾
الشرح: في هذا الكلام تسلية للنبي، وتعزية عما كان يلقاه من أذى قومه له. أي: كان قبلك أنبياء كذّبوا، فصبروا، وأوذوا، فاحتملوا إلى أن أهلك الله المكذبين، فاقتد بهم، واصبر، فإنك منصور على قومك، كما نصرت الرسل على أقوامهم، وما أكثر مثل هذه التسلية للنبي ﷺ ، وإنك تجدها واضحة كل وضوح في سورة (الأنعام)، وإن أردت أن تعرف تفصيل ما جرى بين هؤلاء
стр. 3785
الأقوام وبين رسلهم؛ فانظر سورة (الأعراف)، وسورة (هود) ﵇، وسورة (الشعراء).
وانظر شرح ﴿قَوْمُ﴾ في الآية رقم [٧٤] من سورة (الأنبياء)، و (عاد) قوم هود، و (ثمود) قوم صالح، واستغنى فيهما عن ذكر قومهما لا ستشهارهم بهذا الاسم الأخصر، والأصل في التعبير العلم، ولا علم لغيرهما هذا؛ وفي الآية دليل على تأنيث ﴿قَوْمُ﴾ لأن الفعل ﴿كَذَّبَتْ﴾ أنث.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يُكَذِّبُوكَ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية... إلخ، وجواب الشرط محذوف؛ إذ التقدير:
فاصبر، وتأسّ. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿كَذَّبَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَعادٌ وَثَمُودُ:﴾ معطوفان على ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾. ﴿وَقَوْمُ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها تعليل للجواب المحذوف، وهو أولى من اعتبارها جوابا للشرط، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ معطوف أيضا، وهو مضاف ومضاف إليه.
﴿وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿وَأَصْحابُ مَدْيَنَ:﴾ المراد: من أرسل إليهم شعيب ﵇، ولم يقل: وقوم شعيب؛ لأن قومه يشملون أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة، وأصحاب مدين سابقون على أصحاب الأيكة في التكذيب له، فخصوا بالذكر لسبقهم في التكذيب، وانظر ﴿أَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ في سورة (الشعراء) الآية رقم [١٧٦] وما بعدها. ﴿وَكُذِّبَ مُوسى:﴾ غيّر النظم، وبنى الفعل للمفعول؛ لأن قومه بني إسرائيل لم يكذبوه، وإنما كذبه فرعون، وقوم فرعون، ولأن تكذيبه كان أشنع، وكانت آياته أعظم وأشيع، ولا تنس: أنه لقي من عنت بني إسرائيل، وفسادهم، وفجورهم، وفسوقهم ما لقي، وأكثر ما تجد ذلك في سورة (الأعراف)، وسورة (البقرة).
﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أي: أمهلتهم، وأخرت العقوبة عنهم إلى انتهاء آجالهم، وهذا كقوله تعالى في سورتي (الأعراف) و (ن): ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: عاقبتهم.
﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ:﴾ استفهام معناه التعجب، ومفاده التغيير، أي: فانظر كيف كان تغييري ما كانوا فيه من النعم، والرخاء بالعذاب، والهلاك؟! فكذلك أفعل بالمكذبين من قريش. قال الجوهري: النكير، والإنكار تغيير المنكر. أو المعنى: فكيف كان عقابي للمكذبين الأولين؟!
стр. 3786
فليحذر كفار قريش من مثله، أي: فحين كذبوا رسلهم جاءهم إنكاري بالتدمير، والإهلاك، والاستئصال، ولم تغن عنهم قوتهم، ولا أموالهم، ولا أولادهم شيئا، فما لكفار قريش لا يهتدون، ولا يعتبرون بهؤلاء؟! فلا يرتدعون عما هم عليه من الكفر، والعصيان، والطغيان.
بعد هذا انظر شرح (الكفر) في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح (صاحب) في الآية رقم [٣٤] من سورة (الكهف)، وشرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿وَأَصْحابُ:﴾ معطوف على ﴿قَوْمُ نُوحٍ..﴾. إلخ، و (أصحاب) مضاف، و ﴿مَدْيَنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. (كذّب): ماض مبني للمجهول. ﴿مُوسى:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قد كذبت...) إلخ أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. (أمليت): فعل، وفاعل. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَخَذْتُهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف):
اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، ومفاد الاستفهام الإنكار، والتعجب. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿نَكِيرِ:﴾ اسم كان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها.
﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: كثير من القرى. ﴿أَهْلَكْناها:﴾ أهلكنا أهلها، ويقرأ:
«(أهلكتها)». ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أي: لنفسها بالكفر، وارتكاب المعاصي. ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ:﴾ ساقطة.
﴿عَلى عُرُوشِها:﴾ على سقوفها، وقيل: إن أشجار العنب المعرشة سقطت عروشها على الأرض.
ومثله في (البقرة) الآية رقم [٢٥٩]، وفي الكهف [٤٢]. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: وكم من بئر عامرة في البوادي متروكة مخلاة، لا يسقى منها أحد لهلاك أهلها. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ أي: رفيع طويل، وقيل: مشيد بالجص، وأصحاب القصور ملوك الحضر، وأصحاب الآبار ملوك البوادي، والمعنى: أهلكنا هؤلاء، وهؤلاء، ول: (قصر) صفة محذوفة، أي: معطل غير مسكون.
هذا؛ وقيل: إن البئر المعطلة، والقصر المشيد باليمن، أما القصر فعلى قلّة جبل، والبئر في سفحه، ولكل واحد منهما قوم، كانوا في نعمة، فكفروا، فأهلكهم الله، وبقي القصر، والبئر
стр. 3787
خاليين. وقيل: إن هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح ﵇ لما نجوا من العذاب أتوا إلى حضرموت، ومعهم صالح، فلما وصلوا إلى حضرموت؛ مات صالح، فسمّي المكان حضرموت لذلك، ولما مات صالح؛ بنوا حاضوراء، وقعدوا على هذا البئر، وأمّروا عليهم رجلا منهم، فأقاموا دهرا، وتناسلوا حتى كثروا، وعبدوا الأصنام، فأرسل الله تعالى إليهم نبيا يقال له: حنظلة بن صفوان، فوعظهم، ونهاهم، فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم، وخرب قصرهم. انتهى. خازن.
هذا؛ وقال السهيلي. وأما القصر المشيد؛ فقصر بناه شدّاد بن عاد بن إرم، لم يبن مثله في الأرض-فيما ذكروا، وزعموا-. وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنيس. انتهى. قرطبي. أقول وهذا القصر ذكره الله تعالى في سورة (الفجر)، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى. هذا؛ وسمي القصر قصرا؛ لقصور الفقراء عن تحصيله، وحبسهم عن نيله، والوصول إليه، والأظهر أن البئر، والقصر على العموم من غير تعيين.
هذا؛ وأما (كأين): أصلها: «أي» الاستفهامية، دخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى «كم» الخبرية التكثيرية، وهي كناية عن عدد مبهم مثل: «كم» و «كذا» وفيها خمس لغات، كلها قرئ بها: إحداها: (كأيّن) وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة إلا ابن كثير. والثانية: «(كائن)» بوزن: كاعن، وبها قرأ ابن كثير، وجماعة، وهي أكثر استعمالا من (كأيّن) وإن كانت الأصل، وهو كثير في الشعر العربي. الثالثة: «(كئين)» بوزن: كريم. الرابعة: «(كيئن)» بياء ساكنة، وهمزة مكسورة. والخامسة: «(كأن)» بوزن: كفن. هذا؛ والجلال المحلي اعتبر (كأيّن) بسيطة غير مركبة، وأن آخرها نون من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل، والشيخ رحمه الله تعالى سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد، وتشحين الذهن، وتمرينه. انتهى.
جمل.
هذا؛ و (البئر) ركية الماء التي تطوى بالحجارة، قال سنان بن الفحل الطائي: [الوافر]
فإنّ الماء ماء أبي وجدّي... وبئري ذو حفرت وذو طويت
فإذا لم تبن بالحجارة فهي: جب، كما رأيت في الآية رقم [١٠] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهي مؤنثة، وجمعها في القلة: أبؤر، وأبآر، ومن العرب من يقلب الهمزة، فيقول: آبار، فإذا كثرت فهي البئار، كالديار.
الإعراب: ﴿فَكَأَيِّنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كأين): اسم كناية بمعنى كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وأجاز السمين اعتباره مفعولا به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ تمييز ل: (كأين) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة
стр. 3788
على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿أَهْلَكْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، أو هي مفسرة لا محل لها على الوجه الثاني، والكلام مستأنف لا محل له، وانظر ما نقلته عن الزمخشري في الآية رقم [٤٨] الآتية. ﴿وَهِيَ:﴾ الواو: واو الحال. (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿ظالِمَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. وجملة: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ معطوفة على جملة: ﴿أَهْلَكْناها﴾ فهي في محل رفع خبر مثلها. ﴿عَلى عُرُوشِها:﴾ متعلقان ب: ﴿خاوِيَةٌ﴾ وأجاز الزمخشري تعليقهما بمحذوف خبر ثان للمبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبِئْرٍ:﴾ معطوف على ﴿قَرْيَةٍ﴾.
﴿مُعَطَّلَةٍ:﴾ صفة (بئر). ﴿وَقَصْرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مَشِيدٍ:﴾ صفة (قصر) وله صفة أخرى محذوفة، مدلول عليها بصفة (بئر) أي: قصر مشيد معطل.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ:﴾ حث لكفار قريش على أن يسافروا، فيشاهدوا هذه القرى المهلكة، فيعتبروا، ويتعظوا، ويحذروا عقاب الله أن ينزل بهم كما نزل بمن قبلهم. ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها:﴾ ما يجب أن يعقل من التوحيد بما حصل لهم من الاستبصار، والاستدلال.
وأضاف العقل، -أي الفهم-إلى القلب؛ لأنه محله، كما أن السمع محله الأذن.
﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ:﴾ الضمير ضمير القصة، والجملة الفعلية بعده مفسرة له، ويقرأ:
«(فإنه)» بالتذكير على أن الضمير ضمير الشأن. ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ..﴾. إلخ: المعنى فما عميت أبصارهم عن الإبصار، بل عميت قلوبهم عن الاستبصار، والاعتبار، ولكل إنسان أربع أعين:
عينان في رأسه، وعينان في قلبه، فإذا أبصر ما في القلب، وعمي ما في الرأس؛ لم يضره، وإن أبصر ما في الرأس، وعمي ما في القلب؛ لم ينفعه، كيف لا؛ وقد اعتبر الله الكفار أهل جهنم كالأنعام بل هم أضل، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، انظر الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، واستعمال العمى في القلب استعمارة. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ زيادة تصوير وتقرير، فإن القلوب في الصدور كما هو معروف. وفيه إشعار: أن عيونهم سليمة لا عيب فيها، إنما الخلل في عقولهم، وفي قلوبهم. هذا؛ ولما عمي عبد الله بن عباس-﵄-أنشد يقول: [البسيط]
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما... فإنّ قلبي مضيّ ما به ضرر
أرى بقلبي دنياي وآخرتي... والقلب يدرك ما لا يدرك البصر
стр. 3789
فاحفظهما فإنهما درة ثمينة، وخذ قول بشار بن برد الأعمى: [مجزوء البسيط]
قالوا العمى منظر قبيح... قلت بفقدانكم يهون
والله ما في الوجود شيء... تبكي على فقده العيون
وله أيضا، وهي فائدة عظيمة: [الطويل]
شفاء العمى طول السّؤال وإنّما... دوام العمى طول السّكوت على الجهل
فكن سائلا عمّا عناك فإنّما... دعيت أخا عقل لتبحث بالعقل
هذا؛ وقال ابن عباس، ومقاتل، وقتادة، وابن جبير-﵃ أجمعين-: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى..﴾. إلخ الآية رقم [٧٢] من سورة (الإسراء) قال عبد الله بن أم مكتوم-﵁: يا رسول الله! أنا في الدنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى؟! فنزلت هذه الآية التي نحن بصدد شرحها، أي: من كان أعمى في الدنيا عن الحق، أو أعمى بقلبه عن الإسلام، فهو في الآخرة في النار، وأعمى عن طريق الجنة. هذا؛ وطلب السير في الأرض، والأمر فيه متكرر في القرآن الكريم بكثرة، والغرض منه الحث على التفكر والاعتبار، بما جرى للأمم السابقة التي كذبت رسلها من الهلاك، والاستئصال، وما يعتبر إلا ذوو البصيرة، والألباب. انظر مثل: ﴿أَفَلَمْ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري؛ إن كانوا قد سافروا، ولم يعتبروا. أو للحث على السفر؛ ليروا مضارع من تقدمهم؛ إن كانوا لم يسافروا. الفاء: حرف عطف، أو استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أغفلوا فلم يسيروا؟! أو هي مستأنفة، والكلام على الاعتبارين مستأنف لا محل له. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَتَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب:
«أن» مضمرة بعد الفاء السببية. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (تكون) مقدم. ﴿قُلُوبٌ:﴾ اسمه مؤخر، و «أن» المضمرة، والفعل (تكون) في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: ألا سير يحصل منهم في الأرض، ففهم لقلوبهم. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صفة ﴿قُلُوبٌ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿آذانٌ:﴾ معطوف على ﴿قُلُوبٌ،﴾ والجملة الفعلية ﴿يَسْمَعُونَ بِها﴾ صفة ﴿آذانٌ﴾. ﴿فَإِنَّها:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنها): حرف مشبه بالفعل (ها):
اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْمَى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿الْأَبْصارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ﴿فَإِنَّها..﴾. إلخ
стр. 3790
للتعليل لا محل لها، وجملة ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿الْقُلُوبُ﴾. ﴿فِي الصُّدُورِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ أي: يطلبون منك يا محمد أن تعجل لهم ما وعدتهم به من العذاب. والمراد: النضر بن الحارث، وأبو جهل، وأضرابهما، الذين قالوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾. ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾ أي: في إنزال العذاب. قال الزجاج: استعجلوا العذاب، فأعلمهم الله: أنه لا يفوته شيء، وقد نزل بهم في الدنيا يوم بدر. وانظر ما ذكرته في «العجلة» في الآية رقم [٣٧] من سورة (الأنبياء).
﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ:﴾ قال ابن عباس، ومجاهد: يعني من الأيام التي خلق الله فيها السموات، والأرض. وقال عكرمة: يعني من أيام الآخرة.
أعلمهم الله إذ استعجلوه بالعذاب في أيام قصيرة: أنه يأتيهم به في أيام طويلة. وقال الفراء:
هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة. هذا؛ ويوم النعيم في الآخرة كألف سنة أيضا، يدل عليه ما روي عن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنّور التّامّ يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك مقدار خمسمئة سنة». أخرجه أبو داود، والترمذي. هذا؛ وقال تعالى في سورة (المعارج):
﴿مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وقيل: المراد به يوم القيامة، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى هناك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ وقرئ: «(يعدون)» بالياء، فيكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، وقيل:
التفات على قراءته بالتاء. تأمل، انظر الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿عَذابِ﴾ في الآية رقم [٤٦] منها، وانظر شرح ﴿سَنَةٍ﴾ في الآية رقم [٢٥] من سورة (الكهف)، وانظر شرح ﴿يَوْماً﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء)، وشرح (ربك) في رقم [٨] منها.
الإعراب: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يستعجلونك): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِالْعَذابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يُخْلِفَ:﴾
مضارع منصوب ب: (لن). ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿وَعْدَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل
стр. 3791
لها مثلها. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف. (إن): حرف مشبه بالفعل.
﴿يَوْماً:﴾ اسم إنّ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة ﴿يَوْماً،﴾ و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَأَلْفِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) و (ألف) مضاف، و ﴿سَنَةٍ﴾ مضاف إليه.
﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿سَنَةٍ﴾ و (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: من الذي تعدونه في الدنيا، واعتبار (ما) مصدرية ضعيف، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ يَوْماً..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين، وقيل: هي في محل نصب حال، وهو ضعيف أيضا.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: وكم من أهل قرية، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب، ورجوع الضمائر. هذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: لم عطفت الأولى بالفاء، أي التي في الآية رقم [٤٥] وهذه بالواو؟ قلت: الأولى وقعت بدلا من قوله تعالى:
﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ،﴾ وأما هذه فحكمها حكم الجملتين قبلها، المعطوفتين بالواو، أعني قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ..﴾. إلخ.
﴿أَمْلَيْتُ لَها:﴾ أمهلتها كما أمهلتكم. ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أي: مثلكم، وانظر الآية رقم [٤٤ و ٤٥] ﴿ثُمَّ أَخَذْتُها﴾ أي: بالعذاب، والانتقام. ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي: مصير أهلها إليّ في الآخرة، ومالهم، ومرجعهم إليّ ففيه وعيد، وتهديد.
الإعراب: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ:﴾ انظر الآية رقم [٤٥] ففيها الكفاية. ﴿أَمْلَيْتُ:﴾ فعل، وفاعل.
﴿لَها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿وَكَأَيِّنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. والجملة الاسمية: ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَخَذْتُها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَمْلَيْتُ لَها﴾ فهي في محل رفع مثلها.
(إلي): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير.
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ بأن يقول لأهل مكة: إني منذر لكم من غضب الله، وسخطه، وانتقامه؛ إن أعرضتم عن الإيمان، والتوحيد، وإنما لم يقل: «بشير ونذير» لذكر
стр. 3792
الفريقين بعده؛ لأن الحديث مسوق للمشركين، والنداء خاص بهم، وهم الذين قيل فيهم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا،﴾ ووصفوا بالاستعجال، وإنما أقحم المؤمنون، وثوابهم؛ ليغاظوا، وانظر إعلال ﴿مُبِينٌ﴾ في الآية رقم [١١].
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١] وهي هنا في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بنذير بعدهما. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وإنما أفادت الحصر، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾
الشرح: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ على اختلاف أنواعها، وتفاوت درجاتها. وانظر الاحتراس في الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنبياء). ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ:﴾ لذنوبهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي:
لا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كد الاكتساب، وخوف الحساب، لا منة فيه، ولا عذاب. والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله، وهو صفة لكل ما يرضي في بابه، يقال:
وجه كريم؛ أي: مرض بحسنه وجماله. وكتاب كريم: مرض في معانيه، وفوائده. ونبات كريم:
مرض فيما يتعلق به من المنافع، قال تعالى: ﴿كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ وقس على ذلك الإنسان، والحيوان... إلخ، وانظر شرح ﴿رِزْقاً حَسَناً﴾ في الآية رقم [٥٨] الآتية.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ:﴾ مغالبين، أو معاندين، أو مثبطين الناس عن الإسلام، يقولون لهم: محمد ﷺ ساحر، وما جاء به سحر، أو يقولون لهم: هو كاهن، أو شاعر... إلخ، هذا؛ وعاجزه: سابقه؛ إذا كان كل واحد منهما يسعى في طلب إعجاز الآخر عن اللّحاق به، فإذا سبقه؛ قيل: أعجزه، وعجّزه. ويقرأ: «(معجّزين)» بتشديد الجيم. هذا؛ ومعنى: ﴿سَعَوْا:﴾
اجتهدوا. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ:﴾ النار الموقدة التي تشتعل بهم. هذا؛ وقد قابل سبحانه بين المؤمنين المطيعين وبين الكافرين المعاندين، وذكر جزاء كل فريق منهم. انظر الآية رقم [١٤].
هذا؛ ولا تنس: أن الوعد، والوعيد يشملان الذكور، والإناث من بني آدم، كما قد صرحت به بعض الآيات القرآنية، وانظر مثل إعلال (سعوا) في الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ:﴾ مبتدأ
стр. 3793
مؤخر. ﴿وَرِزْقٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كَرِيمٌ:﴾ صفة (رزق)، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ..﴾.
إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
(الذين): مبتدأ. ﴿سَعَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿فِي آياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مُعاجِزِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ.
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له.
﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية:
﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وانظر دخول الفاء في خبر (الذين) في الآية رقم [٥٦] الآتية.
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى:﴾ قرأ، وتلا. ﴿أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ:﴾ في قراءته وتلاوته. قال الشاعر في عثمان-﵁: [الطويل]
تمنّى كتاب الله أوّل ليلة... تمنّي داود الزّبور على رسل
أي: قرأ كتاب الله، ومثله قول حسان بن ثابت فيه-﵄: [الطويل]
تمنّى كتاب الله أوّل ليلة... وآخرها لاقى حمام المقادر
﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ:﴾ فيبطله، ويذهب به، بل ويمحقه. ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ:﴾ يثبتها، ويحفظها من لحوق الزيادة من الشيطان. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ:﴾ بما أوحى إلى نبيه، وبقصد الشيطان، لا يعزب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السماء. ﴿حَكِيمٌ:﴾ فيما يفعله، لا يدع لبسا؛ حتى يكشفه، ويزيله.
تنبيه: لقد كثر القيل والقال في سبب نزول هذه الآية، وما تضمنته من معنى، وكثرت الروايات فيها حتى زلت قدم بعض المفسرين في ذلك حيث نسبوا للرسول المعظم ما يحط من مكانته عند ربه، وما لا يليق بمقامه العظيم في الدنيا، والآخرة! ولقد أحسن الإمام النسفي القول في ذلك جزاه الله خيرا، وأكرم مثواه، حيث ذكر باختصار بعض الروايات التي عنيتها، ثمّ فنّدها ثمّ وصل إلى وجه الحقيقة منزها الرسول ﷺ عن كل ما لا يليق بمقامه الكريم، وهاك قوله بحروفه.
стр. 3794
قالوا: إنه ﵇ كان في نادي قومه يقرأ: ﴿وَالنَّجْمِ،﴾ فلما بلغ: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ جرى على لسانه تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. ولم يفطن له؛ حتى أدركته العصمة، فتنبه عليه، وقيل: نبهه جبريل ﵇، فأخبره: أن ذلك كان من الشيطان. وهذا القول غير مرض؛ لأنه لا يخلو إما أن يتكلم النبي ﷺ بها عمدا، وهذا لا يجوز؛ لأنه كفر، ولأنه بعث طاعنا للأصنام، لا مادحا لها. أو أجرى الشيطان ذلك على لسان النبي ﷺ جبرا، بحيث لا يقدر على الامتناع منه. وهو ممتنع؛ لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ ففي حقه أولى. أو أجرى ذلك على لسانه سهوا، وغفلة، وهو مردود أيضا؛ لأنه لا يجوز مثل هذه الغفلة عليه في حال تبليغ الوحي، ولو جاز ذلك؛ لبطل الاعتماد على قوله؛ ولأنه تعالى قال في صفة المنزل عليه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ وقال: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾.
فلما بطلت هذه الوجوه لم يبق إلا وجه واحد، وهو أنه ﵊ سكت عند قوله: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ فتكلم الشيطان بهذه الكلمات متصلا بقراءة النبي ﷺ ، فوقع عند بعضهم: أنه ﵇ هو الذي تكلم بها، فيكون هذا إلقاء في قراءة النبي ﵇، وكان الشيطان يتكلم في زمن النبي ﵇، ويسمع كلامه، فقد روي: أنه نادى يوم أحد: ألا إن محمدا قد قتل، وقال يوم بدر كما حكى الله تعالى عنه: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾. هذا؛ وانظر شرح هذه الآية برقم [٤٨] من سورة (الأنفال)، وقد رأيت: أنه تشخص بشخص رجل كبير السن ليلة الهجرة المباركة، ودخل على المؤتمرين، واشترك في المشاورة بأمر النبي ﷺ . انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنفال).
هذا؛ ولمّا قرأ النبي ﷺ سورة (النجم)؛ سجد في آخرها لآية سجدتها، وسجد معه من حضر من المسلمين، والمشركين. فعن عبد الله بن مسعود-﵁: أن النبي ﷺ قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فسجد فيها، وسجد من كان معه غير أنّ شيخا من قريش أخذ كفّا من حصى، أو تراب فرفعه إلى جبهته، قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا. أخرجه البخاري، ومسلم.
وهذا صريح بأن المشركين سجدوا معه ﷺ ، وهذه القصة حدثت بعد هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة، فأشيع أن أهل مكة أسلموا جميعا، وبلغ الخبر الذين كانوا بأرض الحبشة ففرح المسلمون، ورجعوا إلى مكة، ولكنهم رأوا قريشا لا تزال على دينها، وقد اشتدوا، وأمعنوا في إيذاء المسلمين المستضعفين، ولمّا تبيّن لهم: أن قريشا لم يسلموا؛ رجعوا إلى الحبشة، وتسمى هذه الرجعة بالهجرة الثانية، فهاجر غالب المسلمين، فكانوا عند النجاشي ثلاثة وثمانين رجلا، وثماني عشرة امرأة، فبقوا عنده؛ حتى هاجر الرسول ﷺ وأصحابه إلى المدينة المنورة، وحصلت غزوة بدر، وأحد، فذهبوا من الحبشة إلى المدينة، وكان يرأسهم جعفر بن أبي طالب، ﵃ أجمعين-.
стр. 3795
هذا؛ وفي عطف ﴿نَبِيٍّ﴾ على ﴿رَسُولٍ﴾ إشارة واضحة على أنه غيره، وقيل: هو أعم منه؛ لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا. وتعريفهما، فالرسول: ذكر، حرّ من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبي، وليس رسولا. هذا؛ والنبي مأخوذ من النبأ: وهو الخبر، انظر الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف).
وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة: وهو الارتفاع: لأنّ رتبة النبي ارتفعت عن رتبة سائر الخلق.
وهو يقرأ بالهمز، وبدونه هذا؛ ويروى: أن أبا ذر-﵁-سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مئة ألف وأربعة وعشرون ألفا». قال: كم عدد الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمئة وثلاثة عشر، أول الرّسل آدم، وآخرهم نبيّكم محمد، ﵇».
هذا؛ وأربعة منهم من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد، صلّى الله عليهم جميعا، وسلم. وإسماعيل مستعرب، والمذكور منهم في القرآن بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة، على كل مسلم، ومسلمة من المكلفين، وأعني بمعرفتهم: أنه لو عرض اسم رسول على مسلم، فيجب أن يعرف، أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا؛ وقد ذكر الله في آيات الأنعام ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب، لا بحسب الزمان، ولا بحسب الفضل؛ لأن الواو العاطفة لا تقتضي الترتيب، انظر الآية رقم [٨٣] وما بعدها من سورة (الأنعام)، وبقي سبعة لم يذكروا في سورة (الأنعام)، وذكروا في غيرها، وهم: إدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب الذي ذكر في سورة (الأنبياء)، ومحمد صلّى الله عليهم جميعا، وسلم، فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا هم الذين يجب الإيمان بهم تفصيلا، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط]
حتم على كلّ ذي التّكليف معرفة... بأنبياء على التّفصيل قد علموا
في تلك حجّتنا منهم ثمانية... من بعد عشر، ويبقى سبعة وهمو
إدريس هود شعيب صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا
ويعني بقوله في ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ آيات الأنعام المذكورة. هذا؛ وفي الآية تسلية ثانية للرسول ﷺ .
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ:﴾
حرف جر صلة. ﴿قَبْلِكَ:﴾ ظرف زمان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو:
حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَبِيٍّ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء، أو حرف حصر. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿تَمَنّى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف
стр. 3796
للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿نَبِيٍّ﴾ و ﴿رَسُولٍ﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿أَلْقَى الشَّيْطانُ﴾ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها. ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
والهاء في محل جر بالإضافة، و (إذا) ومدخولها في محل نصب على الاستثناء المنقطع، أو في محل جرّ صفة ﴿نَبِيٍّ﴾ أفاده أبو البقاء، وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له ألبتة. والكلام:
﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿فَيَنْسَخُ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو عطف.
(ينسخ): مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي أو شيئا يلقيه الشيطان، وأجيز اعتبار ما مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: فينسخ الله إلقاء الشيطان، وجملة ﴿فَيَنْسَخُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿يُحْكِمُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله.
﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر.
﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً:﴾ محنة، وابتلاء، واختبارا، والله يختبر عباده بما يشاء. ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ شك، ونفاق، فهو يمرض القلوب؛ أي: يضعفها بضعف الإيمان فيها، والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتلال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وهو يؤدي إلى الموت، واستعير هنا وفي كثير من الآيات لما في القلوب من الجهل، وفساد العقيدة، والمراد بالذين في قلوبهم مرض ضعفاء الإيمان الذين ارتدوا عن الإسلام حين حصلت الحادثة؛ التي رأيتها في الآية السابقة.
﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ:﴾ المراد بهم: المشركون الذين سجدوا مع الرسول ﷺ ، ثم عادوا إلى عتوهم، وعنادهم. ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ﴾ أي: لأنفسهم من مشركين، ومن حذا حذوهم، وانظر التعبير ب: ﴿الظّالِمِينَ﴾ ونحوه عن المشركين في الآية رقم [٧٤] من سورة (طه). ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: لفي خلاف وعصيان ومشاقة لله ، ولرسوله ﷺ ، وللمؤمنين، ومعنى ﴿بَعِيدٍ﴾ شديد، وقول الجلال رحمه الله تعالى: لفي خلاف طويل مع النبي، والمؤمنين حيث جرى على لسانه ذكر آلهتهم بما يرضيهم، ثم أبطل ذلك انتهى. أقول: هذا كلام قد بينت بطلانه في الآية السابقة، فليتنبه له. ونقل الجمل عن الخازن ما تدارك الخازن نفسه بطلانه أيضا، فليتنبه له أيضا.
стр. 3797
هذا؛ ول (الشقاق) ثلاثة معان: أحدها: العداوة، كما في قوله تعالى حكاية عن قول شعيب ﵇ لقومه: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي..﴾. إلخ [٨٩] من سورة (هود). والثاني:
الضلال، والكفر كما في هذه الآية التي نحن بصدد شرحها. والثالث: الخلاف، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما..﴾. إلخ [٣٥] (النساء).
هذا؛ وقد قال الثعلبي: وفي الآية دليل على أن الأنبياء يجوز عليهم السهو، والنسيان، والخطأ بوسواس الشيطان، أو عند شغل القلب حتى يغلط، ثم ينبه، ويرجع إلى الصحيح، وهو معنى قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ ولكن إنما يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا، فأما ما يضاف إليه من قولهم: تلك الغرانيق العلا، فكذب على النبي ﷺ ؛ لأن فيه تعظيم الأصنام، ولا يجوز ذلك على الأنبياء، كما لا يجوز أن يقرأ بعض القرآن، ثم ينشد شعرا، ويقول: غلطت، وظننته قرآنا. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿لِيَجْعَلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يحكم) وإليه نحا الحوفي، فتكون الجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ معترضة، أو هما متعلقان بالفعل (ينسخ) وإليه ذهب ابن عطية، أو هما متعلقان بالفعل ﴿أَلْقَى،﴾ وليس بظاهر. انتهى. جمل. ﴿ما يُلْقِي الشَّيْطانُ:﴾ انظر الآية السابقة، ففيها الكفاية.
﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿فِتْنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها؛ هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة الموصول، و ﴿مَرَضٌ﴾ فاعلا بمتعلقهما، التقدير: للذين استقر في قلوبهم مرض. ﴿وَالْقاسِيَةِ:﴾ معطوف على الموصول. ﴿قُلُوبِهِمْ:﴾ فاعل له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ اسم (إن) منصوب، وعلامة نصبه الياء
إلخ. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في شقاق): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿بَعِيدٍ:﴾
صفة (شقاق) والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ وليوقن، ويعتقد. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ:﴾ وهم من المؤمنين الموحدين الذين ليس في قلوبهم مرض، ولا زيغ عن الإيمان، والتوحيد: ﴿أَنَّهُ﴾ أي: القرآن، والذي أحكم، وأثبت من آياته. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ:﴾ الحق النازل من عند الله، لا ريب فيه، ولا يشوبه تحريف،
стр. 3798
ولا تزييف، ولا يتلاعب به مخلوق من شيطان، وغيره من الجن، والإنس إلى يوم القيامة؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظه، ورعايته. ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أي: يؤمن أهل العلم بالقرآن، ويعترفوا: أنه من عند الله. ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تخضع، وتطيع، وتشخع عند تلاوته، أو سماعه.
﴿وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: لموفق لهم ومثبت أقدامهم على الطريق المستقيم، الذي لا اعوجاج فيه، ولا انحراف، وهو دين الإسلام الذي جاء به سيد الأنام محمد ﵊.
أما ﴿أُوتُوا﴾ فأصله: أوتيوا، فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فصار أوتوا، ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو، والفعل «أتى» يستعمل لازما إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، وقرب، كما في قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ..﴾. إلخ، ويستعمل متعديا لمفعول واحد إن كان بمعنى:
وصل، وبلغ، كما في قوله تعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ..﴾. إلخ، وكما في الآية التالية، وأما «أتى» بمعنى: أعطى، ومنح؛ فهو ينصب مفعولين كما في هذه الآية، فإن معنى أوتوا: أعطوا، ومنحوا، ولا تنس: أن الله ذكر حال الظالمين في الآية السابقة، ثم ذكر حال المؤمنين في هذه الآية، وذلك من باب المقابلة، والمقارنة بين حال الفريقين، انظر رقم [١٤].
الإعراب: ﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ معطوف على ﴿لِيَجْعَلَ﴾ وهو مثله في إعرابه، وتأويل المصدر وجره... إلخ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله. ﴿أُوتُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والعائد، والألف للتفريق. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل (يعلم). ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَيُؤْمِنُوا:﴾ معطوف على (ليعلم) بالفاء العاطفة منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، واعتبار الفاء للسببية، والنصب ب: «أن» مضمرة بعدها لا بأس به. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿فَتُخْبِتَ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾
اسمها ﴿لَهادِ:﴾ خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، واللام هي المزحلقة، و (هادي) مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ ويقرأ «(لهاد الّذين)» بتنوين الدال، فيكون الموصول مفعولا صريحا. تأمل. والكسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين.
وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان ب: (هاد).
﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿صِراطٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
стр. 3799
﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ:﴾ في شك، وريب. ﴿مِنْهُ:﴾ من القرآن، أو من الرسول، أو من الدّين، أو مما تكلم به الشيطان على لسان الرسول ﷺ ، يقولون: ما باله ذكر آلهتنا بخير، ثم ارتدّ عنه؟ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً:﴾ فجأة، وانظر الآية رقم [٤٩ و ٩٦] من سورة (الأنبياء) تجد شرح الساعة، وعلاماتها. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ:﴾ يعني: يوم بدر، فهو عقيم عن أن يكون للكافرين فيه فرج، أو راحة، كالريح العقيم، لا تأتي بخير، لا تنشئ مطرا، ولا تلقح شجرا، أو عذاب يوم شديد لا رحمة فيه، أو لا مثل له في عظم شأنه لقتال الملائكة فيه، وعن الضحاك: إنه يوم القيامة، فهو يوم لا ليلة بعده. انتهى. والعقيم في اللغة:
عبارة عمن لا يكون له ولد، ولما كان الولد إنما يكون بين أبوين، وكانت الأيام تتوالى قبل، وبعد؛ جعل الاتباع فيها بالبعدية كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم؛ وصف بالعقيم. انتهى. قرطبي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ وفي الكلام استعارة بالكناية، حيث شبه ما لا خير فيه من الزمان بالنساء العقيم، كما شبهت الريح التي لا تحمل السحاب، ولا تلقح الأشجار بهن تشبيها مضمرا في النفس، وإثبات العقم تخييل. انتهى. جمل بتصرف.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَزالُ:﴾ مضارع ناقص.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع اسم ﴿يَزالُ،﴾ وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿فِي مِرْيَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (لا يزال).
﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿مِرْيَةٍ﴾. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر، بعدها «أن» مضمرة.
﴿تَأْتِيَهُمُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والهاء مفعول به. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعله.
﴿بَغْتَةً:﴾ حال من ﴿السّاعَةُ﴾ بمعنى: باغتة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تبغتهم بغتة، وتكون هذه الجملة في محل نصب حال من الساعة. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا للفعل تأتي من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا، فتكون نائب مفعول مطلق. و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف أيضا، التقدير: مستمرا ذلك منهم إلى أن تأتيهم، أو إلى إتيان الساعة... إلخ. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿عَذابُ:﴾ فاعله، وهو مضاف و ﴿يَوْمٍ:﴾
مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسمه إلى ظرفه. ﴿عَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿يَوْمٍ،﴾ وجملة: ﴿وَلا يَزالُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
стр. 3800
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين فيه ينوب عن جملة محذوفة، دلت عليها الغاية، أي: يوم تزول حريتهم، و (إذ) مضافة لهذه الجملة في الأصل، فإن أصل الكلام يوم إذ تزول حريتهم، ويرون بأعينهم ما لم يكن بحسبانهم. فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في حينئذ، وساعتئذ ونحوهما.
﴿لِلّهِ:﴾ وحده لا شريك له فيه، ولا منازع، بخلاف الدنيا فكثير من الناس يدعون الملك، ويتكبرون، ويتجبرون. واللام مفيدة للملك الحقيقي الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين المؤمنين، والكافرين، وبين الظالمين، والمظلومين... إلخ، ثم بين حكمه بينهم، فقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا..﴾.
إلخ، وإدخال الفاء في خبر الثاني دون الأول تنبيه على أن إثابة المؤمنين بالجنات تفضل منه تعالى، وأنّ عقاب الكفار مسبب عن أعمالهم الخبيثة؛ ولذلك قال: لهم عذاب، ولم يقل: هم في عذاب. انتهى. بيضاوي بتصرف. أقول: لم تدخل الفاء في خبر الذين في الآية رقم [٥٠] مع أن المغزى واحد، فلله في كتابه حكم، وأسرار عجزت عن إدراكها البصائر والأبصار. انظر الاحتراس في الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿الْمُلْكُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالخبر المحذوف، الذي هو متعلق لله، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿يَحْكُمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (الذين) ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٥٠].
﴿فِي جَنّاتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿جَنّاتِ﴾ مضاف، و ﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: (الذين آمنوا...) إلخ مفرعة عما قبلها، ومستأنفة لا محل لها.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾
الشرح: هذه الآية مرتبطة في الآية السابقة، ومقابلة لها، انظر شرحها، وانظر شرح (عذاب) في الآية رقم [٤٦] من سورة (الأنبياء). ﴿مُهِينٌ﴾ مذل، فهو اسم فاعل من: أهان الرباعي، وإعلاله مثل إعلال: (مبين) في الآية رقم [١١]، وانظر (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم).
стр. 3801
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (قالوا) في الآية رقم [٢٧] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿بِآياتِنا:﴾
متعلقان بما قبلهما. و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: صلة، وزيدت في خبر الموصول؛ لأنه يشبه الشرط في العموم. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ (أولئك)، ويكون ﴿عَذابٌ﴾ فاعلا بالخبر المحذوف. ﴿مُهِينٌ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
(الذين...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٥٨)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: فارقوا أوطانهم، وعشائرهم في طاعة الله، وطلب مرضاته، وذلك بسبب مضايقة الكفار لهم، كالذي حصل من كفار مكة للمسلمين المستضعفين قبل فتح مكة. هذا؛ وقد سمى الله الجهاد في سبيله هجرة أيضا، وهناك هجرة ثالثة، وهي هجرة جميع المعاصي، والابتعاد عنها. فقد قال الرسول المعظم ﷺ من حديث طويل: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (النساء) إن أردت الزيادة.
﴿ثُمَّ قُتِلُوا:﴾ في قتالهم مع الكفار. ﴿أَوْ ماتُوا:﴾ في بيوتهم، وعلى فرشهم. ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ أي: لا ينقطع أبدا، وهو رزق الجنة؛ لأن فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وإنما سوى بين من قتل في الجهاد، وبين من مات في بيته في الوعد لا ستوائهما في القصد، والنية الحسنة، وهي نصرة هذا الدين، وإعلاء كلمته. هذا؛ وانظر شرح (رزق كريم) في الآية رقم [٥٠].
وسبب نزول هذه الآية الكريمة: أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون، وأبو سلمة بن عبد الأسد-﵄-قال بعض المسلمين: من قتل في سبيل الله أفضل ممن مات حتف أنفه، فنزلت هذه الآية مسوية بينهم في الأجر والثواب، وحسن الماب، وأن الله يرزق جميعهم رزقا حسنا. ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ:﴾ أعظم، وأكرم الرازقين.
стр. 3802
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: الرزاق في الحقيقة هو الله ، لا رازق للخلق غيره، فكيف قال: وإن الله لهو خير الرازقين؟ قلت: قد يسمى غير الله رازقا على المجاز، كقوله: رزق السلطان الجند؛ أي: أعطاهم أرزاقهم، وأن الرازق في الحقيقة هو الله تعالى، وقيل: لأن الله تعالى يعطي من الرزق ما لا يقدر عليه غيره. هذا؛ وانظر شرح (خير) في الآية رقم [٤٤] من سورة (الكهف).
الإعراب: (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ صلته، وانظر تفصيل الإعراب في الآية السابقة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿قُتِلُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿ماتُوا﴾ معطوفة أيضا عليها لا محل لها مثلها. ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (يرزقنّهم:) مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿اللهِ:﴾ فاعل. ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول به ثان، أو هو مفعول مطلق مؤكد للفعل. ﴿حَسَناً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآيتين السابقتين لا محل لها مثلهما. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿لَهُوَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إن)، وإن اعتبرت الضمير فصلا فيكون (خير) خبر (إنّ) ودخلت اللام على الضمير الفصل؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على خبر (إنّ) فدخولها على ضمير الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. و (خير) مضاف، و ﴿الرّازِقِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وانظر الآية رقم [٧] من سورة (العنكبوت) ففيها بحث قيم يتعلق بوقوع الجملة القسمية خبرا عن الموصول كما في هذه الآية.
﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾
الشرح: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ:﴾ الضمير يشمل من قتل في سبيل الله مجاهدا، ومن مات حتف أنفه.
﴿مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ:﴾ هو الجنة، ونعيمها الدائم، يكرمون به، ولا ينالهم فيه مكروه. هذا؛ ويقرأ ﴿مُدْخَلاً﴾ بضم الميم من الرباعي، وبفتحها من الثلاثي، فعلى الأول هو مصدر على صورة اسم المفعول، وكثيرا ما يرد المصدر كذلك، نحو قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ ويحتمل أن يكون اسم مكان، وعلى الثاني هو اسم مكان، ويحتمل أن يكون مصدرا
стр. 3803
أيضا، وانظر ﴿مُنْزَلاً﴾ في الآية رقم [٢٩] من سورة (المؤمنون). ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ:﴾ بأحوال المسلمين المجاهدين، وأحوال أعدائهم. ﴿حَلِيمٌ:﴾ لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ والحلم-بكسر الحاء، وسكون اللام: هو الأناة، والروية في الأمور، والتؤدة، والعقل، ومقابله السفه، والطيش الذي حدثتك عنه في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف) وغيرها. والحليم:
من أسماء الله الحسنى، ومعناه: الذي لا يستفزه عصيان العاصين، ولا يستثيره جحود الجاحدين. وانظر (الجهل) في الآية رقم [٦٣] من سورة (الفرقان) إن شاء الله تعالى.
الإعراب: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ﴾ في الآية السابقة، وهو بدل منه، أو الجملة جواب قسم محذوف مثل الآية السابقة، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له.
﴿مُدْخَلاً:﴾ مفعول مطلق فيكون المفعول محذوفا، التقدير: ليدخلنهم الجنة إدخالا يرضونه، أو هو ظرف مكان وقع مفعولا به، انظر الشرح. ﴿يَرْضَوْنَهُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (مدخلا) أي مرضيا عندهم، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها، وإعرابها واضح إن شاء الله.
﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الأمر ذلك، أو ذلك الأمر الذي قصصنا عليك. ﴿وَمَنْ عاقَبَ:﴾
جازى، وانتقم ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ:﴾ اعتدي عليه، والمعنى: جازى الظالم بمثل ظلمه، عبر عن الجزاء بالعقاب مشاكلة لفعل الظالم، وهذه المشاكلة كثيرة في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وقوله: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ:﴾ اعتدي عليه مرة ثانية، أي بالكلام، أو الإخراج من وطنه بالمضايقة ونحوها. ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ:﴾ لا محالة، والمراد محمد ﷺ وأصحابه، فإن الكفار بغوا عليهم، وهو يشمل كل مظلوم إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى.
﴿إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ:﴾ للمنتقم المجازي الظالم، حيث اتبع هواه في الانتقام، وأعرض عما ندب الله إليه في قوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ فإنه تعريض بالحث على العفو والمغفرة، فإنه تعالى مع كمال قدرته، وتعالي شأنه لما كان يعفو ويغفر، فغيره أولى، وتنبيه على أنه تعالى قادر على العقوبة؛ إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر، و (عفوّ): كثير العفو، و ﴿غَفُورٌ﴾ كثير المغفرة، فهما صيغتا مبالغة.
стр. 3804
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في قوم من مشركي مكة لقوا قوما من المسلمين في البرية، وذلك بعد الهجرة لليلتين بقيتا من المحرم، فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام، فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا القتال، فحملوا عليهم، فثبت المسلمون، ونصرهم الله على المشركين، وحصل في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام شيء، فنزلت هذه الآية، وما أشبه هذه الواقعة بالواقعة المذكورة في الآية رقم [٢١٦] من سورة (البقرة) إن لم تكن هي نفسها، فهي شبيهتها. تأمل.
وقيل: نزلت في قوم من المشركين مثّلوا بقوم من المسلمين قتلوهم يوم أحد، فعاقبهم رسول الله ﷺ بمثله، فتكون هي الحادثة المذكورة في الآية رقم [١٢٦] وما بعدها من سورة (النحل).
هذا؛ وأما (مثل) فهو بكسر الميم، وسكون الثاء؛ ومثله: مثيل، نحو شبه، وشبيه: وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير، وغيره من المعارف؛ ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهو واضح في مواضعه، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى: الشبيه، كما في الآية الكريمة، ونحوها. والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم، حيث قال: المعنى: ليس كذاته شيء. والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي بما آمنتم به، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٨] من سورة (المؤمنون).
هذا؛ وأما المثل في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً..﴾. إلخ وشبهه فهو عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، بينهما مشابهة؛ ليتبين أحدهما من الآخر، ويصوره.
وقيل: هو تشبيه شيء بشيء آخر وبالجملة: هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه والممثل بمضربه، أي: هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها. وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن الأمثال لا تغير، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، أي أصله، مثل: (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.
هذا؛ وأما «البغي» الذي هو مصدر (بغي عليه): فهو الظلم، والاعتداء على حق غيرك.
وعواقبه ذميمة، ومال الباغي وخيم، وعقباه أليمة، ولو أن له جنودا بعدد الحصى، والرمل، والتراب، ورحم الله من يقول: [البسيط]
لا يأمن الدهر ذو بغي، ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل
стр. 3805
وعن النبي ﷺ قوله: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ، ولا تعن باغيا، ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ،﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ،﴾ وقال: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقال أبو بكر الصديق-﵁:
(ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه) وتلا الآيات الثلاث، وعن النبي ﷺ أنه قال: «أسرع الخير ثوابا صلة الرّحم، وأعجل الشّرّ عقوبة البغي، واليمين الفاجرة». وعن ابن عباس-﵄ أنه قال: (لو بغى جبل على جبل لدكّ الباغي) ورحم الله من يقول: [البسيط]
يا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير مقال المرء أعدله
فلو بغى جبل يوما على جبل... لا ندكّ منه أعاليه وأسفله
وكان المأمون العباسي يتمثل بهذين البيتين في أخيه الأمين حين ابتدأ بالبغي عليه، قال الشاعر الحكيم: [مجزوء الكامل]
والبغي يصرع أهله... والظّلم مرتعه وخيم
هذا؛ وانظر أنواع الظلم في رسالة: (الحج والحجاج في هذا الزمن) وأقبح أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه بارتكاب المعاصي والمنكرات، فيسبب لها الخلود في جهنم.
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أو في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، انظر الشرح، وانظر مثله في الآية رقم [٣٠]، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾
الواو: حرف استئناف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وأجيز اعتبارها اسم شرط جازما، ولا وجه له ألبتة. ﴿عاقَبَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والمفعول محذوف، تقديره: المعتدي. والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿بِمِثْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (مثل) مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿عُوقِبَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿بُغِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول.
﴿عَلَيْهِ:﴾ في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ:﴾ إعراب هذه مثل إعراب ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ﴾ في الآية [٥٨]، وهي مثلها جواب قسم محذوف، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو (من)، والجملة الاسمية حينئذ مستأنفة، لا محل لها ﴿إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ:﴾ وهذه الجملة اسمية أيضا، وهي مستأنفة، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى.
стр. 3806
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾
الشرح: أي: ذلك النصر للمظلوم المذكور في الآية السابقة، والغفران له إذا انتقم من المعتدي بسبب أنه قادر على ما يشاء، ومن علامات قدرته أنه يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، أي: يزيد من هذا في ذاك، ومن ذاك في هذا، أو بسبب: أنه خالق الليل، والنهار، ومصرفهما فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر، والبغي، والإنصاف، وأنه سميع لما يقولون، ولا يشغله سمع عن سمع، وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات، بصير بما يعملون، ولا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي، وإن توالت الظلمات. انتهى. نسفي بتصرف كبير.
هذا؛ ويولج: يدخل، والماضي: أولج، فهو رباعي، ومصدره: الإيلاج، وأما الثلاثي، فهو: ولج، يلج، ومصدره: الولوج، والمراد بإيلاج الليل في النهار وبالعكس بأن يزيد كلّ منهما بما نقص من الآخر، كما هو ظاهر في طول الليل وقصره تبعا لفصول السنة، قال تعالى:
﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ وقيل: المراد بالإيلاج: أنه يجعل ظلمة الليل مكان ضياء النهار، وذلك بغيبوبة الشمس، ويجعل ضياء النهار مكان ظلمة الليل بطلوع الشمس، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾
اسمها. ﴿يُولِجُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي النَّهارِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ) والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل جر مثله. هذا؛ ويقرأ بكسر همزة «(إنّ)» فتكون الجملة الاسمية مستقلة بنفسها، ومستأنفة لا محل لها.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: ذو الحق، فدينه حق، وعبادته حق، والمؤمنون
стр. 3807
يستحقون منه النصر بحكم وعده الحق. ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ﴾ أي: الأصنام التي يعبدونها لا استحقاق لها في العبادات.
﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ أي: العالي على كل شيء بقدرته، والعالي عن الأشباه، والأنداد، المقدس عما يقول الظالمون من الصفات التي لا تليق بجلاله. ﴿الْكَبِيرُ﴾ أي: الموصوف بالعظمة، والجلال، وكبر الشأن. وقيل: ﴿الْكَبِيرُ﴾ ذو الكبرياء، والكبرياء عبارة عن كمال الذات؛ أي: له الوجود المطلق أبدا، وأزلا، فهو الأول القديم، والآخر الباقي بعد فناء خلقه انتهى... قرطبي.
بعد هذا انظر شرح ﴿الْحَقُّ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء) وضده: الباطل، وهو بمعنى الفاسد، والبطلان: عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل: من باب: دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بضم، فسكون: الباطل، والكذب، والبطالة: التعطل، والتفرغ عن العمل، ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: حديث، وعريض، وفظيع.
الإعراب: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ..﴾. إلخ: إعراب هذه الآية مثل إعراب الآية رقم [٦] بلا فارق، وأوضح لك إعراب ما يلي. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: وأن الذي يدعونه.
﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب العائد إلى ﴿ما،﴾ ومن بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ وباقي الإعراب مثل سابقه، ولا حقه بلا فارق. هذا؛ والآية مذكورة، بحروفها في سورة لقمان برقم [٣٠].
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ ألم تعلم أن الله... إلخ: استفهام تقريري، ولذلك لم ينصب الفعل بعد الفاء، وهو عند سيبويه والخليل كلام خبري، قال الخليل:
المعنى: انتبه أنزل الله من السماء ماء، فكان كذا، وكذا، ومثله قول جميل بثينة: [الطويل]
ألم تسأل الرّبع القواء فينطق... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق؟
معناه قد سألته فنطق، وقال الفراء: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله ينزل من السماء ماء، هذا؛ والفعل (تصبح) بمعنى الماضي، وإنما عدل به عن صيغة الماضي للدلالة على بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان. وأيضا: لم ينصب الفعل بعد الفاء؛ لأن
стр. 3808
خضرة الأرض لا تتسبب عن الرؤية، وإنما تتسبب عن نزول المطر. وأيضا: جواب الاستفهام ينعقد منه شرط، وجزاء. وهنا لا يصح ذلك؛ إذ لا يقال: إن تر إنزال المطر تصبح الأرض مخضرة. انتهى. جمل بتصرف كبير.
﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ أي: باستخراج النبات من الأرض رزقا للعباد، والحيوان. ﴿خَبِيرٌ:﴾
بالتدابير الظاهرة، والباطنة، وخبير بحاجات العباد، وفاقتهم، وخبير بما في قلوب العباد إذا تأخر المطر عنهم. هذا؛ وانظر شرح (الماء) وإعلاله في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿السَّماءِ﴾ وإعلاله في الآية رقم [٣٢] منها.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها.
﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل ﴿تَرَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (تصبح): مضارع ناقص. ﴿الْأَرْضُ:﴾ اسمها. ﴿مُخْضَرَّةً:﴾ خبرها، وإن اعتبرت (تصبح) تاما؛ فيكون مخضرة حالا من ﴿الْأَرْضُ،﴾ وجملة (تصبح...) إلخ معطوفة على جملة:
﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. وهذا على اعتبار (تصبح) بمعنى: أصبحت، وعلى اعتباره مضارعا على ظاهره؛ فالجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهي تصبح، وهذا الضمير للقصة، وتكون الجملة الاسمية مستأنفة، وعلى الاعتبار الأول؛ فالرابط بالجملة الأولى رابط في الثانية بسبب العطف، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ:﴾ مستأنفة، لا محل لها.
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾
الشرح: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا، كل ذلك ملك له، لا يشركه فيه أحد. هذا؛ وفي ﴿ما﴾ تغليب غير العاقل على العاقل. ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ:﴾
عن عباده غير محتاج إليهم في شيء. ﴿الْحَمِيدُ:﴾ المحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال، وهو مستحق للحمد في ذاته، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات.
الإعراب: ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان
стр. 3809
بمحذوف صلة الموصول، ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ..﴾. إلخ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ بلا فارق، وهي هنا مستأنفة لا غير، انظر رقم [٥٨].
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ استفهام تقريري، وهو يشمل كل مخاطب، وعاقل من بني آدم.
﴿سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ:﴾ ذلّله، وجعله معدا لمنافعهم، وهو يشمل جميع ما يحتاجون إليه من الدواب، والنبات، والأنهار وغير ذلك. ﴿وَالْفُلْكَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٦] من سورة (الإسراء)، أو الآية رقم [٢٧] من سورة (المؤمنون).
وانظر شرح ﴿الْبَرِّ﴾ و (البحر) في الآية رقم [٧٠] من سورة (الإسراء). ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ أي: بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك. ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ:﴾
إلا بمشيئته، وذلك يوم القيامة؛ حيث تتغير معالمها، كما ذكر الله في سورة (التكوير) وغيرها، وفيه رد على من يدعي استمساكها بذاتها، فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية، فتكون قابلة للسقوط قبول غيرها، وآية (فاطر) رقم [٤١] توضح هذا المعنى، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا..﴾. إلخ.
﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ:﴾ حيث هيأ لهم أسباب الاستدلال، وفتح عليهم أبواب المنافع، ودفع عنهم أنواع المضار. هذا؛ والرأفة: أشد الرحمة، ورؤوف صيغة مبالغة، والله أرأف بعبادة من الوالدة بولدها، ومن رأفته أشياء كثيرة يعسر حصرها، وعدها، وهي معلومة عند ذوي الألباب.
الإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٦٣] ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (الفلك): معطوف على ﴿ما﴾. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الفلك). ﴿فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليق ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بمحذوف حال من فاعل تجري المستتر، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَجْرِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من (الفلك). هذا؛ وأجيز اعتبار الفلك معطوفا على لفظ الجلالة، فتكون الجملة الفعلية في محل رفع خبره، على تقدير:
وأن الفلك تجري... إلخ. هذا؛ ويقرأ برفع (الفلك) على أنه مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، وتكون الجملة مستأنفة، لا محل لها، وعطفها على ما قبلها لا يصح.
стр. 3810
(يمسك): مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْ تَقَعَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنَّ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿السَّماءَ﴾.
﴿عَلَى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والهاء في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَقَعَ﴾ في محل نصب بدل اشتمال من ﴿السَّماءَ،﴾ التقدير: ويمسك وقوعها بمعنى: يمنعه، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لئلا تقع، وهذا عند الكوفيين، وأما البصريون؛ فيعتبرون المصدر المؤول في محل جر بإضافة مفعول لأجله إليه محذوف، التقدير: كراهة وقوعها. تأمل. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿بِالنّاسِ:﴾ متعلقان بما بعدهما على التنازع. ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ:﴾ أنشأكم، ولم تكونوا شيئا، أو بعد أن كنتم نطفا في الأصلاب. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ:﴾ عند انقضاء آجالكم. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ:﴾ يوم القيامة للحساب، والثواب، والعقاب. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ:﴾ لجحود للنعم مع ظهورها، وتكاثرها ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾. هذا؛ وانظر شرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأنبياء)، وشرح (الكفر) في الآية رقم [٣٠] منها.
تنبيه: لقد ذكر الله تعالى في الآيات الأربع من آثار قدرته ستة أشياء:
أولها: إنزال المطر الناشئ عنه اخضرار الأرض، وفسر الرؤية بالعلم دون الإبصار؛ لأن الماء وإن كان مرئيا؛ إلا أن كون الله منزلا له من السماء غير مرئي، وقال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ﴾ دون أصبحت لإفادته بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان.
الثاني: قوله: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ومن جملته خلق المطر، والنبات نفعا للحيوان، مع أن الله لا يحتاج لذلك، ولا ينتفع به.
الثالث: تسخير ما في الأرض، أي: ذلك لكم، كل ما فيها كالحجر، والحديد، والنار لما يراد منها، والحيوان للأكل، والركوب، والحمل عليه، والنظر إليه.
الرابع: تسخير الفلك بالماء، والأرياح، فلولا أن الله سخرها، لكانت تغوص، أو تقف.
الخامس: إمساك السماء؛ لأن النعم المتقدمة لا تكمل إلا به، والسماء جرم ثقيل، وما كان كذلك لا بد له من السقوط؛ لولا مانع يمنعه منه، وهو القدرة، فأمسكها الله بقدرته؛ لئلا تقع، فتبطل هذه النعم التي امتن الله بها علينا.
стр. 3811
سادسها: الإحياء ثم الإماتة، ثم الإحياء. نبه بهذا على أنّ هذه النعم لمن أحياه الله، فنبه بالإحياء الأول على إنعامه في الدنيا بكل ما تقدم، ونبه بالإماتة، والإحياء ثانيا على إنعامه علينا في الآخرة، ولما فصّل الله هذه النعم؛ قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ أي: لهذه النعم. انتهى.
نقلا من الفخر الرازي.
الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَحْياكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ مستأنفة، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾
الشرح: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً:﴾ شرح هذه الكلمات مثل الآية رقم [٣٤] ولكن المراد ب: ﴿مَنْسَكاً﴾ هنا غير ما هنالك، فإن المراد به هنا: الشريعة التي تعبد الله بها الأمم السابقة، وإنما حذف الواو هنا، ولم يقل: ولكل أمة؛ لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله. ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أن هذه مشتملة على النعم التكليفية، والتي قبلها مشتملة على نعم غير تكليفية. وهذا الكلام مستأنف جيء به لزجر معاصريه ﷺ من أهل الأديان السماوية عن مفارقته، فكيف بمعاداته؟!
﴿هُمْ ناسِكُوهُ﴾ أي: عاملون به، أي بتلك الشريعة، وذلك الدين الذي جاءهم به رسولهم.
﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: فلا يخاصمك أصحاب الأديان الأخرى في أمر الدين؛ لأنهم بين جهال، وأهل عناد، أو؛ لأن دينك أظهر من أن يقبل النزاع. وقيل: المراد: نهي رسول الله ﷺ عن الالتفات إلى قولهم، وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى نزاعهم، فإنها تنفع طالب الحق، وهؤلاء أهل جدال بالباطل. وقيل: نزلت في كفار بني خزاعة، قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله؟!. وقرئ: «(فلا ينزعنّك)» على تهييج الرسول ﷺ ، والمبالغة في تثبيته على دينه على أنه من نازعته، فنزعته إذا غلبته. قال القرطبي: ولفظ النهي في القراءتين للكفار، والمراد: النبي ﷺ .
﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ أي: إلى توحيده، ودينه، والإيمان به، ولا تنس: قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ رقم [١٢٥] ﴿إِنَّكَ لَعَلى هُدىً﴾ أي: دين.
﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: قديم لا اعوجاج فيه.
стр. 3812
الإعراب: ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم عليه، و (كل) مضاف، و ﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَنْسَكاً:﴾ مفعول به أول، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ناسِكُوهُ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ﴿مَنْسَكاً﴾ أي: منسوكا من قبلهم. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣٠]. (لا): ناهية. ﴿يُنازِعُنَّكَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، وعلى القراءة الثانية فلا يتغير الإعراب، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فلا... إلخ، والشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف لا محل له. ﴿فِي الْأَمْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
(ادع): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وانظر تقدير المضاف في الشرح، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَعَلى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (على هدى): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لا لتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها.
﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿هُدىً،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.
﴿وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ جادَلُوكَ﴾ أي: خاصموك يا محمد! والمراد: مشركو مكة، وغيرهم. ﴿فَقُلِ اللهُ..﴾. إلخ: أي: من المجادلة الباطلة، وغيرها، فيجازيكم عليها. وهو وعيد فيه رفق، وهذا قبل الأمر بالقتال، فهو منسوخ بآية السيف. أو قل: أمره الله تعالى بالإعراض عن مماراتهم صيانة له عن الاشتغال بتعنتهم، ولا جواب لصاحب العناد إلا الإعراض، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جادَلُوكَ:﴾ ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ وهو بمعنى: عالم،
стр. 3813
و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين، مبينة على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: الله عالم بعملكم، والجملة الفعلية: ﴿فَقُلِ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾
الشرح: ﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أي: يفصل بين المؤمنين منكم، والكافرين بالثواب، والعقاب. ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ يوم الحسرة، والندامة، وانظر الآية رقم [٤٧] من سورة (الأنبياء).
﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: من أمر الدين. هذا؛ وقال القرطبي: في هذه الآية أدب حسن، علمه الله عباده في الرد على من جادل تعنتا، ومراء ألا يجاب، ولا يناظر، ويدفع بهذا القول الذي علمه الله لنبيه ﷺ .
الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَحْكُمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله أيضا، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿فِيما:﴾ متعلقان بالفعل (يحكم) أيضا، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في). ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: (تختلفون فيه) في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط:
الضمير المجرور محلا ب: (في)، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ يَحْكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ..﴾. إلخ: هذا خطاب للنبي ﷺ ، ويدخل فيه كل عاقل، والمعنى: وإذا قد علمت يا محمد هذا؛ وأيقنت؛ فاعلم: أنه يعلم أيضا ما أنتم مختلفون فيه، فهو يحكم بينكم يوم القيامة في ذلك. ﴿إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ﴾ أي: كل ما يجري في هذا الكون، فهو مكتوب، ومسجل عند الله في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله آدم بآلاف السنين. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ أي:
إن الفصل بين المختلفين، أو: إن كتب الحوادث في اللوح المحفوظ. ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرٌ:﴾ هين.
стр. 3814
الإعراب: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ:﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ﴾ في الآية رقم [٦٣] بلا فارق. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (الأرض): معطوف على ﴿السَّماءِ،﴾ والكلام:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ،﴾ والجملة الاسمية بمنزلة التعليل لما قبلها، لا محل لها، وما بعدها بمنزلة التأكيد لها. ﴿عَلَى اللهِ:﴾
متعلقان ب: ﴿يَسِيرٌ﴾ بعدهما. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)﴾
الشرح: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ المراد بهم كفار قريش؛ الذين يعبدون الحجارة، والأوثان من دون الله، وانظر (العبادة) في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأنبياء)، وشرح (دون) في الآية رقم [١٤] من سورة (الكهف). ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً:﴾ حجة، وبرهانا على ما يعبدون. ﴿وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ:﴾ أي أنهم فعلوا ما فعلوا عن جهل، لا علم، ولا دليل عقلي. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ:﴾
للمشركين. ﴿مِنْ نَصِيرٍ:﴾ من مانع يمنعهم من عذاب الله تعالى، وانظر (الظلم) في الآية رقم [٦٠].
هذا؛ و (سلطان) تسلط وولاية، ومعناه هنا: الحجة، والبرهان، كما رأيت، قال بعض المفسرين المحققين: سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة له، كالسلطان يقهر غيره بقوته، وقال الزجاج: السلطان: هو الحجة، وسمي السلطان سلطانا؛ لأنه حجة الله في أرضه. انتهى. ولا تنس: ما قاله عثمان بن عفان-﵁: (إنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) أي: يكف عن المعاصي، ويردع. وجمعه بمعنى الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفراء: أن العرب تؤنث السلطان، تقول: قضت به عليك السلطان، أما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنه بمعنى الحجة.
الإعراب: ﴿وَيَعْبُدُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يعبدون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل:
متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له ألبتة. و ﴿يَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾
اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُنَزِّلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿بِهِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سُلْطاناً﴾ كان صفة له... إلخ، انظر
стр. 3815
الآية [٧٥]. ﴿سُلْطاناً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَمْ يُنَزِّلْ..﴾. إلخ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿ما:﴾ معطوفة على سابقتها. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها.
﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، وتعلقيهما ب: ﴿عِلْمٌ﴾ بعدهما، فالمعنى لا يأباه. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها على مثال ما تقدم. ﴿وَما:﴾ الواو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، أو بمحذوف خبر (ما) على إعمالها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَصِيرٍ:﴾ مبتدأ مؤخر، أو اسم (ما) مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أي: على كفار قريش. ﴿آياتُنا بَيِّناتٍ:﴾ مرتبات الألفاظ، ملخصات المعاني، بينات المقاصد، مفصلات الحلال، والحرام، والنافع، والضار... إلخ.
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ:﴾ الإنكار لشدة نكيرهم للحق، وغيظهم لأباطيل ورثوها تقليدا لآبائهم، وهذا منتهى الجهالة، والحمق، والسفاهة.
﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ:﴾ يبطشون، والسطوة: شدة البأس، يقال: سطا به، يسطو: إذا بطش به، كان ذلك بضرب، أو بشتم. ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أي: بمحمد ﷺ وأصحابه، وقد بطشوا بالنبي كثيرا، وبطشوا بأبي ذر الغفاري حينما قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبطشوا بعبد الله بن مسعود حينما قرأ عليهم سورة (الرحمن)، وبطشوا بالمستضعفين أمثال عمار، وأبويه، وبلال. والسيرة النبوية طافحة بإيذاء المشركين للمؤمنين.
﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: أخبركم. ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ﴾ أي: أكره لكم، وأغيظ لقلوبكم من هذا القرآن الذين تسمعون. ﴿النّارُ:﴾ فكأنهم تساءلوا، ما الذي هو شر؟ فقيل: هو النار. ﴿وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: يلقون عذاب النار يوم القيامة، وقد وعدهم الله ذلك، وقد جاء (وعد) في الشر، وانظر الآية رقم [٧٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وشرح (نا) برقم [٥٨] منها.
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمال، وانظر شرح «بئس» و «نعم» في الآية رقم [٧٨] الآتية، وانظر شرح (آية) في الآية رقم [٥] من سورة (الأنبياء). و (الكفر) في الآية رقم [٣٠]، وشرح
стр. 3816
(النار) وإعلاله في الآية رقم [١٠] من سورة (طه)، وشرح (شر) في الآية رقم [٤٦] من سورة (الكهف)، وشرح (كاد) في الآية رقم [٧٣] من سورة (الإسراء)، وانظر شرح ﴿نَبَأَهُمْ﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف).
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٥٢] ﴿تُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به.
﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة. وجملة: ﴿تُتْلى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال من ﴿آياتُنا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿تَعْرِفُ:﴾ مضارع، والفاعل: أنت. ﴿فِي وُجُوهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿وُجُوهِ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.
﴿كَفَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْمُنْكَرَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿تَعْرِفُ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين.
﴿يَكادُونَ:﴾ مضارع ناقص مرفوع... إلخ، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَسْطُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿يَكادُونَ﴾. ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿آياتُنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَكادُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الوجوه، وهو سائغ؛ لأنه يعبر بها عن أصحابها، كقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ،﴾ ثم قال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ،﴾ أو هي في محل نصب حال من الموصول، وإن كان مضافا إليه؛ لأن المضاف جزؤه، خذ قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
ولا تجز حالا من المضاف له... إلا إذا اقتضى المضاف عمله
أو كان جزء ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا
﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام.
الفاء: حرف عطف، انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء) لشرح ذلك تجد ما يسرك.
(أنبئكم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿بِشَرٍّ:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿مِنْ ذلِكُمُ:﴾ متعلقان ب: (شرّ)؛ لأنه أفعل تفضيل، واللام للبعد. والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: (أنبئكم...) إلخ معطوفة على جملة مقدرة قبلها، التقدير: أي: أخاطبكم فأنبئكم، والكلام، كله في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 3817
﴿النّارُ:﴾ بقرأ بالحركات الثلاث، فالرفع من وجهين: أحدهما: الرفع على الابتداء، والخبر الجملة بعده، وعليه؛ فالجملة لا محل لها؛ لأنها مفسرة للشر المتقدم، كأنه قيل: ما شر من ذلك، فقيل: ﴿النّارُ وَعَدَهَا..﴾. إلخ، والثاني: أنها خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: ما شر من ذلك، فقيل:
هو النار، وتبقى الجملة مفسرة للشر كما في الوجه الأول، وحينئذ يجوز في جملة: ﴿وَعَدَهَا..﴾.
إلخ الرفع على أنها خبر بعد خبر، أو هي بدل من النار، وهو ضعيف؛ لأنه إبدال جملة من مفرد.
والنصب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر، والمسألة من باب الاشتغال، الثاني: أنها منصوبة على الاختصاص. قاله الزمخشري. الثالث: أن ينتصب بأعني، وهو قريب مما قبله، أو هو هو، والجر على البدل من (شر). انتهى. جمل نقلا عن السمين.
﴿وَعَدَهَا:﴾ ماض، و (ها): مفعوله الأول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعوله الثاني، وجملة:
﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. هذا، وقيل: إن الضمير هو المفعول الثاني، والموصول هو المفعول الأول، وهذا يتمشى على القاعدة، وهي أنه متى اجتمع ما يتعدى إلى اثنين شيئان، ليس ثانيهما عبارة عن الأول، فالفاعل المعنوي رتبته التقديم، وهو المفعول الأول، فإذا قلت: وعدت زيدا دينارا، فالدينار هو المفعول الثاني؛ لأنه لا يتأتى منه فعل، وهو نظير قولك:
أعطيت محمودا دينارا، فمحمود هو الفاعل في المعنى؛ لأنه آخذ للدينار. (بئس): ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف التقدير: النار، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ نداء يعم الناس أجمعين، والمخصوص أهل مكة. ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ:﴾ بيّن لكم حال مستغربة، أو قصة رائعة، ولذلك سميت مثلا. ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أي:
تدبروه حق تدبره، فإن الاستماع بلا تدبر وتعقل لا ينفع، والمثل المضروب يحتمل وجهين:
الأول: أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره، فكأنه تعالى قال: جعلوا لي شبيها في عبادتي، فاستمعوا خبر هذا الشبه. والثاني: هو ما ذكره الله صريحا من كون الأصنام المعبودة لم تستطع أن تخلق شيئا؛ حتى الذباب الضعيف؛ بل إن هذا المخلوق الضعيف إن سلب هذه الآلهة المصطنعة شيئا لا تقدر على إنقاذه منه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ تعبدون من دون الله، أو تسمونهم آلهة، وانظر ما ذكرته في: دعا، يدعو في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
стр. 3818
قال ابن عباس-﵄: كانوا يطلون الأصنام بالطيب والعسل، ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله. وقيل: كانوا يضعون الطعام بين أيدي الأصنام، فيقع الذباب عليه ويأكل منه، والأول أولى بالاعتبار، بل إن هذه الآلهة المصطنعة لا تقدر أن تدفع السوء عن نفسها، وقصة إبراهيم-﵇-في سورة (الأنبياء) شاهد على ذلك.
وخذ ما يلي يروى: أن رجلا من بني سلمة اسمه غاوي بن ظالم كان سادنا على صنم لقومه، وكان يأتيه بالخبز، والزبد، ويضعه على رأسه لعله يأكل، فبينما هو كذلك إذ أقبل ثعلب ذات يوم، فرفع رجله بعد أن أكل الخبز، والزبد، وبال على رأس الصنم، ثم إن الرجل كسر الصنم، وأتى النبي ﷺ فأسلم، فقال له النبي ﷺ : ما اسمك؟ قال له: غاوي بن ظالم، فقال له: اسمك راشد بن عبد الله، وكان لما كسر الصنم قال أبياتا هاكها: [الطويل]
لقد خاب قوم أمّلوك لشدّة... أرادوا نزالا أن تكون تحارب
فلا أنت تغني عن أمور تواترت... ولا أنت دفّاع إذا حلّ نائب
أربّ يبول الثّعلبان برأسه؟ ... لقد هان من بالت عليه الثعالب
﴿ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ:﴾ العابد، والمعبود. أو الطالب: الذباب، والمطلوب:
الصنم. وقيل: بالعكس. هذا؛ وخص الذباب بالذكر لأربعة أمور تخصّه: لمهانته، وضعفه، ولا ستقذاره، وكثرته، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان، وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله- -على خلق مثله، ودفع أذيته، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين، وأربابا مطاعين، ولكن لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
بعد هذا انظر شرح (مثل) في الآية رقم [٦٠]، وشرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء). هذا؛ وأما (الذباب) فهو اسم جنس مثل: إبل، وبقر يقع على الذكر، والأنثى، وجمع القلة منه: أذبّة، وجمع الكثرة منه: ذبّان، مثل غراب، وأغربة، وغربان، وسمي به لكثرة حركته، قال الجوهري: والذباب معروف، الواحدة: ذبابة، ولا تقل: ذبّانة. والمذبّة: ما يذبّ به الذباب، وذباب السيف: طرفه الذي يضرب به، وذباب العين: إنسانها، والذبابة: البقية من الدين، وذبّب النهار: إذا لم يبق منه إلا بقية، والتذبذب: التحرك، وقال تعالى عن المنافقين:
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي: مترددين بين الإيمان، والكفر.
فائدة: ذكر: أن المنصور العباسي كان في مجلسه؛ وعنده بعض العلماء، فسقطت عليه ذبابة، فدفعها، فرجعت، وتكرر منه طردها، وهي تعاود السقوط على وجهه، وغيره، فضجر منها، فقال: لماذا خلقها الله تعالى؟ لا ريح لها طيب، ولا شكل جميل! فقال أحد العلماء:
стр. 3819
خلقها الله ليذل بها الجبابرة، فلم يحر المنصور جوابا. ولا تنس: أن الذباب لم يقع على النبي ﷺ في حياته تكريما له.
تنبيه: روي عن الحسن البصري، وقتادة-﵄: أنهما قالا: لما ذكر الله الذباب، والعنكبوت في كتابه، أي في هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وضرب للمشركين بذلك المثل ضحكت اليهود، وقالت: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله تعالى قوله في سورة (البقرة): ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها..﴾. إلخ الآية رقم [٢٦].
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [١] ففيها الكفاية. ﴿ضُرِبَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿مَثَلٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿فَاسْتَمِعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣٠]. (استمعوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ضرب المثل حاصلا؛ فاستمعوا له، والشرط المقدر، ومدخوله كلام معطوف على ما قبله لا محل له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَخْلُقُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ذُباباً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً﴾ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿وَلَوِ:﴾ الواو: واو الحال. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجملة:
﴿اِجْتَمَعُوا لَهُ﴾ شرط (لو) لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال؛ لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لا يقدرون، و (لو) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة، جيء به للمبالغة؛ إذ التقدير: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً﴾ مجتمعين له متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين متفرقين؟! والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ تفسير ل: ﴿مَثَلٌ﴾ تأمل.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَسْلُبْهُمُ:﴾ مضارع فعل الشرط، والهاء مفعوله الأول. ﴿الذُّبابُ:﴾ فاعله. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعوله الثاني، وجملة: ﴿يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لا:﴾
نافية. ﴿يَسْتَنْقِذُوهُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب
стр. 3820
الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ مستأنفة أيضا لا محل لها، وقيل: هي في محل نصب حال، ولا وجه له ألبتة؛ لأنها لا يوجد فيها رابط يربطها بصاحب حال.
﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾
الشرح: ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموا الله حق تعظيمه، أو: ما عرفوه حق معرفته في الرحمة، والإنعام على العباد حيث أشركوا به أحقر خلقه، وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة، وهذه الجملة ذكرت في سورة (الأنعام) برقم [٩١]، وفي سورة (الزمر) برقم [٦٧]. ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ:﴾ قادر مقتدر على خلق الممكنات بأسرها. ﴿عَزِيزٌ:﴾ غالب قاهر، لا يغلبه، ولا يقهره شيء، وآلهتهم التي يعبدونها عاجزة، ذليلة، مهينة، لا تدفع عن نفسها ضرا، ولا تجلب لها نفعا، وانظر سبب نزول آية (الأنعام) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وإذا كانت الآية مدنية حسب ما رأيت في مطلع السورة، فيكون المراد: اليهود اللؤماء؛ الذين قالوا: إن الله فقير، ونحن أغنياء، وقالوا: يد الله مغلولة... إلخ إلى غير ذلك من الأقوال، والافتراآت على الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قَدَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿حَقَّ:﴾ مفعول مطلق، ويقال: نائب عنه، و ﴿حَقَّ﴾ مضاف، و ﴿قَدْرِهِ﴾ مضاف إليه. والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿ما قَدَرُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لَقَوِيٌّ:﴾ اللام: هي المزحلقة.
(قوي): خبر أول. ﴿عَزِيزٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين.
﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾
الشرح: ﴿اللهُ يَصْطَفِي:﴾ يختار. ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً:﴾ جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، وغيرهم، وانظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأنبياء). ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ أي: يصطفي من الناس رسلا أيضا، مثل: إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وغيرهم من الأنبياء، والرسل صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وانظر الآية رقم [٥٢] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال الناس أجمعين. ﴿بَصِيرٌ:﴾ بأفعالهم، ونياتهم، وسائر تصرفاتهم. هذا؛ ويجوز تسكين سين ﴿رُسُلاً﴾ وضمها. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: رحم، وحلم، وأسد... إلخ.
следующие страницы →