← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

(النار) وإعلاله في الآية رقم [١٠] من سورة (طه)، وشرح (شر) في الآية رقم [٤٦] من سورة (الكهف)، وشرح (كاد) في الآية رقم [٧٣] من سورة (الإسراء)، وانظر شرح ﴿نَبَأَهُمْ﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف). الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٥٢] ﴿تُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به. ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة. وجملة: ﴿تُتْلى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال من ﴿آياتُنا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿تَعْرِفُ:﴾ مضارع، والفاعل: أنت. ﴿فِي وُجُوهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿وُجُوهِ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْمُنْكَرَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿تَعْرِفُ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين. ﴿يَكادُونَ:﴾ مضارع ناقص مرفوع... إلخ، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَسْطُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿يَكادُونَ﴾. ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿آياتُنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَكادُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الوجوه، وهو سائغ؛ لأنه يعبر بها عن أصحابها، كقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ،﴾ ثم قال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ،﴾ أو هي في محل نصب حال من الموصول، وإن كان مضافا إليه؛ لأن المضاف جزؤه، خذ قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلا إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزء ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف، انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء) لشرح ذلك تجد ما يسرك. (أنبئكم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿بِشَرٍّ:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿مِنْ ذلِكُمُ:﴾ متعلقان ب: (شرّ)؛ لأنه أفعل تفضيل، واللام للبعد. والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: (أنبئكم...) إلخ معطوفة على جملة مقدرة قبلها، التقدير: أي: أخاطبكم فأنبئكم، والكلام، كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 3817

﴿النّارُ:﴾ بقرأ بالحركات الثلاث، فالرفع من وجهين: أحدهما: الرفع على الابتداء، والخبر الجملة بعده، وعليه؛ فالجملة لا محل لها؛ لأنها مفسرة للشر المتقدم، كأنه قيل: ما شر من ذلك، فقيل: ﴿النّارُ وَعَدَهَا..﴾. إلخ، والثاني: أنها خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: ما شر من ذلك، فقيل: هو النار، وتبقى الجملة مفسرة للشر كما في الوجه الأول، وحينئذ يجوز في جملة: ﴿وَعَدَهَا..﴾. إلخ الرفع على أنها خبر بعد خبر، أو هي بدل من النار، وهو ضعيف؛ لأنه إبدال جملة من مفرد. والنصب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر، والمسألة من باب الاشتغال، الثاني: أنها منصوبة على الاختصاص. قاله الزمخشري. الثالث: أن ينتصب بأعني، وهو قريب مما قبله، أو هو هو، والجر على البدل من (شر). انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿وَعَدَهَا:﴾ ماض، و (ها): مفعوله الأول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعوله الثاني، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. هذا، وقيل: إن الضمير هو المفعول الثاني، والموصول هو المفعول الأول، وهذا يتمشى على القاعدة، وهي أنه متى اجتمع ما يتعدى إلى اثنين شيئان، ليس ثانيهما عبارة عن الأول، فالفاعل المعنوي رتبته التقديم، وهو المفعول الأول، فإذا قلت: وعدت زيدا دينارا، فالدينار هو المفعول الثاني؛ لأنه لا يتأتى منه فعل، وهو نظير قولك: أعطيت محمودا دينارا، فمحمود هو الفاعل في المعنى؛ لأنه آخذ للدينار. (بئس): ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف التقدير: النار، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ نداء يعم الناس أجمعين، والمخصوص أهل مكة. ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ:﴾ بيّن لكم حال مستغربة، أو قصة رائعة، ولذلك سميت مثلا. ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أي: تدبروه حق تدبره، فإن الاستماع بلا تدبر وتعقل لا ينفع، والمثل المضروب يحتمل وجهين: الأول: أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره، فكأنه تعالى قال: جعلوا لي شبيها في عبادتي، فاستمعوا خبر هذا الشبه. والثاني: هو ما ذكره الله صريحا من كون الأصنام المعبودة لم تستطع أن تخلق شيئا؛ حتى الذباب الضعيف؛ بل إن هذا المخلوق الضعيف إن سلب هذه الآلهة المصطنعة شيئا لا تقدر على إنقاذه منه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ تعبدون من دون الله، أو تسمونهم آلهة، وانظر ما ذكرته في: دعا، يدعو في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

стр. 3818

قال ابن عباس-﵄: كانوا يطلون الأصنام بالطيب والعسل، ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله. وقيل: كانوا يضعون الطعام بين أيدي الأصنام، فيقع الذباب عليه ويأكل منه، والأول أولى بالاعتبار، بل إن هذه الآلهة المصطنعة لا تقدر أن تدفع السوء عن نفسها، وقصة إبراهيم-﵇-في سورة (الأنبياء) شاهد على ذلك. وخذ ما يلي يروى: أن رجلا من بني سلمة اسمه غاوي بن ظالم كان سادنا على صنم لقومه، وكان يأتيه بالخبز، والزبد، ويضعه على رأسه لعله يأكل، فبينما هو كذلك إذ أقبل ثعلب ذات يوم، فرفع رجله بعد أن أكل الخبز، والزبد، وبال على رأس الصنم، ثم إن الرجل كسر الصنم، وأتى النبي ﷺ فأسلم، فقال له النبي ﷺ : ما اسمك؟ قال له: غاوي بن ظالم، فقال له: اسمك راشد بن عبد الله، وكان لما كسر الصنم قال أبياتا هاكها: [الطويل] لقد خاب قوم أمّلوك لشدّة... أرادوا نزالا أن تكون تحارب فلا أنت تغني عن أمور تواترت... ولا أنت دفّاع إذا حلّ نائب أربّ يبول الثّعلبان برأسه؟ ... لقد هان من بالت عليه الثعالب ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ:﴾ العابد، والمعبود. أو الطالب: الذباب، والمطلوب: الصنم. وقيل: بالعكس. هذا؛ وخص الذباب بالذكر لأربعة أمور تخصّه: لمهانته، وضعفه، ولا ستقذاره، وكثرته، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان، وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله- -على خلق مثله، ودفع أذيته، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين، وأربابا مطاعين، ولكن لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، ولا حول ولا قوة إلا بالله! بعد هذا انظر شرح (مثل) في الآية رقم [٦٠]، وشرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء). هذا؛ وأما (الذباب) فهو اسم جنس مثل: إبل، وبقر يقع على الذكر، والأنثى، وجمع القلة منه: أذبّة، وجمع الكثرة منه: ذبّان، مثل غراب، وأغربة، وغربان، وسمي به لكثرة حركته، قال الجوهري: والذباب معروف، الواحدة: ذبابة، ولا تقل: ذبّانة. والمذبّة: ما يذبّ به الذباب، وذباب السيف: طرفه الذي يضرب به، وذباب العين: إنسانها، والذبابة: البقية من الدين، وذبّب النهار: إذا لم يبق منه إلا بقية، والتذبذب: التحرك، وقال تعالى عن المنافقين: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي: مترددين بين الإيمان، والكفر. فائدة: ذكر: أن المنصور العباسي كان في مجلسه؛ وعنده بعض العلماء، فسقطت عليه ذبابة، فدفعها، فرجعت، وتكرر منه طردها، وهي تعاود السقوط على وجهه، وغيره، فضجر منها، فقال: لماذا خلقها الله تعالى؟ لا ريح لها طيب، ولا شكل جميل! فقال أحد العلماء:

стр. 3819

خلقها الله ليذل بها الجبابرة، فلم يحر المنصور جوابا. ولا تنس: أن الذباب لم يقع على النبي ﷺ في حياته تكريما له. تنبيه: روي عن الحسن البصري، وقتادة-﵄: أنهما قالا: لما ذكر الله الذباب، والعنكبوت في كتابه، أي في هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وضرب للمشركين بذلك المثل ضحكت اليهود، وقالت: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله تعالى قوله في سورة (البقرة): ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها..﴾. إلخ الآية رقم [٢٦]. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [١] ففيها الكفاية. ﴿ضُرِبَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿مَثَلٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿فَاسْتَمِعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣٠]. (استمعوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ضرب المثل حاصلا؛ فاستمعوا له، والشرط المقدر، ومدخوله كلام معطوف على ما قبله لا محل له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَخْلُقُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ذُباباً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً﴾ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿وَلَوِ:﴾ الواو: واو الحال. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجملة: ﴿اِجْتَمَعُوا لَهُ﴾ شرط (لو) لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال؛ لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لا يقدرون، و (لو) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة، جيء به للمبالغة؛ إذ التقدير: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً﴾ مجتمعين له متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين متفرقين؟! والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ تفسير ل: ﴿مَثَلٌ﴾ تأمل. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَسْلُبْهُمُ:﴾ مضارع فعل الشرط، والهاء مفعوله الأول. ﴿الذُّبابُ:﴾ فاعله. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعوله الثاني، وجملة: ﴿يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَنْقِذُوهُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب

стр. 3820

الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ مستأنفة أيضا لا محل لها، وقيل: هي في محل نصب حال، ولا وجه له ألبتة؛ لأنها لا يوجد فيها رابط يربطها بصاحب حال. ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموا الله حق تعظيمه، أو: ما عرفوه حق معرفته في الرحمة، والإنعام على العباد حيث أشركوا به أحقر خلقه، وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة، وهذه الجملة ذكرت في سورة (الأنعام) برقم [٩١]، وفي سورة (الزمر) برقم [٦٧]. ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ:﴾ قادر مقتدر على خلق الممكنات بأسرها. ﴿عَزِيزٌ:﴾ غالب قاهر، لا يغلبه، ولا يقهره شيء، وآلهتهم التي يعبدونها عاجزة، ذليلة، مهينة، لا تدفع عن نفسها ضرا، ولا تجلب لها نفعا، وانظر سبب نزول آية (الأنعام) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وإذا كانت الآية مدنية حسب ما رأيت في مطلع السورة، فيكون المراد: اليهود اللؤماء؛ الذين قالوا: إن الله فقير، ونحن أغنياء، وقالوا: يد الله مغلولة... إلخ إلى غير ذلك من الأقوال، والافتراآت على الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قَدَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿حَقَّ:﴾ مفعول مطلق، ويقال: نائب عنه، و ﴿حَقَّ﴾ مضاف، و ﴿قَدْرِهِ﴾ مضاف إليه. والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿ما قَدَرُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لَقَوِيٌّ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (قوي): خبر أول. ﴿عَزِيزٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين. ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ الشرح: ﴿اللهُ يَصْطَفِي:﴾ يختار. ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً:﴾ جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، وغيرهم، وانظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأنبياء). ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ أي: يصطفي من الناس رسلا أيضا، مثل: إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وغيرهم من الأنبياء، والرسل صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وانظر الآية رقم [٥٢] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال الناس أجمعين. ﴿بَصِيرٌ:﴾ بأفعالهم، ونياتهم، وسائر تصرفاتهم. هذا؛ ويجوز تسكين سين ﴿رُسُلاً﴾ وضمها. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: رحم، وحلم، وأسد... إلخ.

стр. 3821

تنبيه: نزلت الآية الكريمة حين قال المشركون: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا﴾ ولا تنس: ما حكاه الله عنهم من قولهم: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ الزخرف [٣١] فأخبر الله تعالى: أن الاختيار إليه، يختار من يشاء من عباده لرسالته. هذا؛ ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر ما يتعلق بالإلهيات؛ ذكر هنا ما يتعلق بالنبوات. الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَصْطَفِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُسُلاً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿وَمِنَ النّاسِ:﴾ معطوفان على ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ وحذف ﴿رُسُلاً﴾ من بعدهما لدلالة الأول عليه، والجملة الفعلية: ﴿يَصْطَفِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة أيضا، وفيها معنى التوكيد لما قبلها. تأمل. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾ الشرح: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ:﴾ ما قدموا من الأعمال. ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي: ما تركوا وراء ظهورهم بعد مماتهم من أمور الدنيا. وقيل: يعلم ما عملوا، وما هم عاملون. وقيل: يعلم ما بين أيدي ملائكته، ورسله قبل أن يخلقهم، ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم، وانظر الآية رقم [١١٠] من سورة (طه). ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ:﴾ وإليه مرجع الأمور كلها؛ لأنه مالكها بالذات، لا يسأل عما يفعل من الاصطفاء، وغيره، وهم يسألون. هذا؛ والفعل «رجع» يستعمل لازما، ومتعديا، فالأول مثل قولك: رجع زيد من عمله. والثاني مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ..﴾. إلخ وما في الآية يحتمل اللازم، والمتعدي، فاللازم على قراءة الفعل للفاعل، والمتعدي على قراءته للمفعول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثالث؛ ل: ﴿إِنَّ﴾. (إلى الله): متعلقان بما بعدهما، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ:﴾ مضارع، ونائب فاعله، أو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.

стр. 3822

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ خص الله المؤمنين بهذا النداء؛ لأنهم هم الذين يستجيبون لأوامره، ونواهيه. وانظر (الإيمان) في الآية رقم [١٤]. ﴿اِرْكَعُوا وَاسْجُدُوا:﴾ أمرهم بهما؛ لأنهم ما كانوا يفعلونهما أول الإسلام، أو المعنى: صلوا، وعبر عن الصلاة بهما؛ لأنهما أعظم أركانها، أو المعنى: اخضعوا لله، وخروا له سجدا. ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ أي: بسائر ما تعبدكم به. ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ:﴾ وتحروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون، وما تذرون كنوافل الطاعات، وصلة الأرحام، ومكارم الأخلاق. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: افعلوا كل هذه الأفعال؛ وأنتم راجون الفلاح، غير متيقنين له، واثقين من قبول أعمالكم. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٣٦]. تنبيه: لم يختلف العلماء في السجدة الأولى المذكورة في الآية رقم [١٨]، واختلفوا في سجدة هذه الآية، فروي عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي الدرداء وأبي موسى الأشعري-﵃-أنهم قالوا: في الحج سجدتان، وبه قال ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، يدل عليه ما روي عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله! أفي سورة (الحج) سجدتان؟ قال: «نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما». أخرجه أبو داود، والترمذي، وعن عمر بن الخطاب-﵁: أنه قرأ سورة (الحج)، فسجد فيها سجدتين، وقال: إن هذه السورة، فضّلت بسجدتين. أخرجه مالك في الموطأ. وذهب قوم إلى أن في (الحج) سجدة واحدة، وهي الأولى، وليست هذه بسجدة، وهو قول الحسن، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، بدليل: أنه قرن السجود بالركوع، فدل ذلك على أنها سجدة صلاة، لا سجدة تلاوة، واختلف في عدة سجود التلاوة، فذهب الشافعي، وأحمد، وأكثر أهل العلم إلى أنها أربع عشرة سجدة، لكنّ الشافعي قال، في (الحج) سجدتان، وأسقط سجدة (ص). وقال أبو حنيفة: في (الحج) سجدة واحدة، وأثبت سجدة (ص). وبه قال أحمد في إحدى الروايتين عنه، فعنده أن السجدات خمس عشرة سجدة. وذهب قوم إلى أن المفصل ليس فيه سجود، يروى ذلك عن أبي بن كعب وابن عباس، وبه قال مالك، فعلى هذا: في القرآن إحدى عشرة سجدة. أخرجه أبو داود، وقال: إسناده واه، ودليل من قال: في القرآن خمس عشرة سجدة، ما روى عن عمرو بن العاص. قال: أقرأني رسول الله ﷺ في القرآن خمس عشرة سجدة، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة (الحج) سجدتان، أخرجه أبو

стр. 3823

داود، وصح من حديث أبي هريرة-﵁-قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في اقرأ، وإذا السماء انشقت، أخرجه مسلم، وسجود التلاوة سنة للقارئ والسامع والمستمع، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: واجب. انتهى. خازن بتصرف. وانظر ما ذكرته في مقدمة هذه السورة. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١] وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿اِرْكَعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، والجمل بعدها معطوفة عليها لا محل لها أيضا. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، والجملة الفعلية: ﴿تُفْلِحُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، التقدير: افعلوا هذه الأمور حالة كونكم راجين الفلاح. وفيه: أن الترجي إنشاء. ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ الشرح: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ﴾ أي: لله، ومن أجله أعداء دينه الظاهرة، كأهل الزيغ، والباطنة، كالهوى والنفس. ﴿حَقَّ جِهادِهِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: هو استفراغ الطاقة. وعنه: أنه قال: لا تخافوا في الله لومة لائم، فهو حق الجهاد. وقيل: معناه: اعملوا لله حق عمله، واعبدوه حق عبادته. وقال مقاتل، وهبة الله: هذه الآية منسوخة، بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فتكون مثل قوله تعالى في الآية رقم [١٠٢] من سورة (آل عمران): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾. وقال أكثر المفسرين: حق الجهاد أن يكون بنية صادقة خالصة لله، ولتكون كلمة الله هي العليا، بدليل قوله ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله». أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري-﵁. وقيل: مجاهدة النفس، والهوى هو حق الجهاد، وهو الجهاد الأكبر. روي: أن النبي ﷺ لما رجع من غزوة تبوك، قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». قيل: وما الجهاد الأكبر، قال: «جهاد النّفس». وانظر ما ذكرته في الجهاد في الآية رقم [٩٥] من سورة (النساء).

стр. 3824

﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أي: اختاركم للذبّ عن دينه، والتزام أمره. وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة، أي: وجب عليكم أن تجاهدوا؛ لأن الله اختاركم له. والخطاب لأمة محمد ﷺ ، فأية رتبة أعلى من هذا؟! وأية سعادة فوق هذا؟!. ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: ضيق، وشدة، وهو أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله منه مخرجا، بعضها بالتوبة، وبعضها برد المظالم والقصاص، وبعضها بأنواع الكفارات من الأمراض، والمصائب، وغير ذلك فليس في دين الإسلام ما لا يجد فيه العبد سبيلا إلى الخلاص من الذنوب، ومن العقاب لمن وفق. وقيل: معناه: الرخص عند الضرورات، كقصر الصلاة، والفطر في السفر، والتيمم عند فقد الماء، وأكل الميتة عند الضرورة، والصلاة قاعدا، والفطر مع العجز بعذر المرض، ونحو ذلك من الرخص؛ التي رخص الله لعباده المؤمنين. قيل: أعطى الله هذه الأمة خصلتين، لم يعطهما أحد غيرهم: جعلهم شهداء على الناس، وما جعل عليهم في الدين من حرج. وقال ابن عباس-﵄: الحرج: ما كان على بني إسرائيل من الآصار التي كانت عليهم وضعها الله عن هذه الأمة. هذا؛ وقال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلابة، والسراق وأصحاب الجرائم من زنى، وقتل نفس، وغير ذلك؛ فعليهم الحرج بإقامة الحدود عليهم، وهم جاعلوه على أنفسهم بمخالفة أوامر رب العالمين، وعدم الاهتداء بهدي نبيه الأمين ﷺ . ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ أي: ملتكم ملة إبراهيم. أو: اتبعوا ملة إبراهيم، وإنما سمى إبراهيم أبا لهذه الأمة كلها؛ لأنه أبو العرب قاطبة، وأيضا هو أبو المسلمين أب احترام. والمعنى: أن وجوب احترامه وحفظ حقه يجب، كما يجب احترام الأب، فهو كقوله تعالى: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ وقد قال الرسول ﷺ : «إنّما أنا لكم كالوالد». أي: في وجوب التقدير، والاحترام. ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ:﴾ الضمير يعود إلى ﴿اللهِ﴾ والمعنى: أن الله سماكم المسلمين في الكتب القديمة. أو الضمير يعود إلى إبراهيم ﵇، والمعنى: أن إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه من قبل هذا الوقت، وهو قوله: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ فاستجاب الله دعاءه فينا. والمعتمد الأول. ﴿وَفِي هذا﴾ أي: وفي القرآن سماكم المسلمين. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾ يعني: يوم القيامة: أنه قد بلغكم. ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ أي: تشهدون يوم القيامة على الأمم: أن رسلهم قد بلغتهم، وهذا المعنى قد ذكر في سورة (البقرة) رقم [١٤٣] وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ أي: فتقوبوا إلى الله بأنواع الطاعات؛ لما خصكم به من أنواع الفضل، والشرف. وانظر شرح (الصلاة، والزكاة) في الآية رقم [٣١] من سورة (مريم) على نبينا،

стр. 3825

وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ﴾ أي: ثقوا به، وتوكلوا عليه، ولا تطلبوا الإعانة، والنصرة إلا منه. ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ:﴾ ناصركم، ومتولي أمركم. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ؛﴾ إذ لا مثل له في الولاية، والنصرة، بل لا مولى، ولا ناصر سواه في الحقيقة. بعد هذا انظر شرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] أما (الملّة) فهي: الطريقة، والديانة، وهي بفتح الميم: الرماد الحار. و (الدّين) بكسر الدّال اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى، و (الدّين) أيضا: الملة، والشريعة، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ و (الدّين): الحساب، والجزاء، ومنه ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ أي: يوم الحساب، والجزاء. ومنه: كما تدين تدان؛ أي: كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس-﵄-قال: يوم الدين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشرّ؛ إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره. ثم قال: ألا له الخلق، والأمر. هذا؛ والدّين-بفتح الدال-: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء والحساب، والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله. أما (نعم) فهي فعل ماض لإنشاء المدح، وضدها: «بئس» لإنشاء الذم، ف: «نعم» منقول من: نعم فلان-بفتح النون، وكسر العين-: إذا أصاب النعمة، و: «بئس» منقول من: «بئس» فلان-بفتح الباء، وكسر الهمزة-: إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح، والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم، وبئس بكسر فسكون، وهي أفصحهنّ، وهي لغة القرآن، ثم: نعم، وبئس بكسر أولهما وثانيهما، غير أن الغالب في نعم أنه يجيء بعدها (ما) كقوله تعالى: ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وبئس جاءت بعدها (ما) على اللغة الأولى الفصحى، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ واللغة الثالثة: نعم وبئس، بفتح فسكون. والرابعة: نعم، وبئس بفتح فكسر، وهي الأصل فيهما. ولا بد لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي، بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ : «من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: (والله ما هي بنعم الولد نصرها بكاء، وبرّها سرقة)، وقول غيره: (نعم السّير على بئس العير)، وأوّله البصريون على حذف كلام مقدّر؛ إذ التقدير: (والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد، ونعم السّير على عير مقول فيه: بئس العير)، والمعتمد في ذلك قول البصريين هذا؛ ويجب في فاعلهما أن يكون مقترنا ب: «أل» أو مضافا لمقترن بها، أو ضميرا مميزا بنكرة، أو كلمة «ما» فالأول: كما في الآية الكريمة، والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾. والثالث: مثل قوله تعالى ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً،﴾ والرابع: نحو قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾.

стр. 3826

الإعراب: ﴿وَجاهِدُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (جاهدوا): أمر، وفاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فِي اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَقَّ:﴾ مفعول مطلق، ويقال: نائب مفعول مطلق، و ﴿حَقَّ﴾ مضاف، و ﴿جِهادِهِ﴾ مضاف إليه. والهاء في محل جر بالإضافة، والإضافة في الأول من إضافة الصفة للموصوف، أي: جهادا حقا. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف؛ أي: جهادا حق جهاده. والمعتمد الأول. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اِجْتَباكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل للأمر، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وقيل: هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، وهو ضعيف؛ لأن الجملة الاسمية الواقعة حالا، والمصدرة بالضمير تقترن بالضمير تقترن بالواو. وهو كثير في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿حَرَجٍ﴾ كان صفة له، كما رأيت في الآية رقم [٧٥] ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿حَرَجٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿وَما جَعَلَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مِلَّةَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اتبعوا ملة، وقيل: منصوب على الاختصاص؛ أي: أعني بالدين: ملة أبيكم، وقيل منصوب بمضمون ما تقدمه، كأنه قال: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: غير ذلك، واعتمد: أنه منصوب على الإغراء؛ أي: الزموا ملة أبيكم إبراهيم. و ﴿مِلَّةَ﴾ مضاف، و ﴿أَبِيكُمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ بدل من ﴿أَبِيكُمْ،﴾ أو عطف بيان عليه مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿سَمّاكُمُ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، وقيل: يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ والمعتمد الأول، والكاف مفعول به أول. ﴿الْمُسْلِمِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال من ﴿إِبْراهِيمَ،﴾ والكلام عليها مثل ما تقدم. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿وَفِي:﴾ الواو:

стр. 3827

حرف عطف. (في هذا): متعلقان بفعل محذوف لدلالة ما قبله عليه، والبدل من اسم الإشارة محذوف أيضا، وتقدير الكلام: وسماكم في هذا القرآن مسلمين أيضا، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿لِيَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿الرَّسُولُ:﴾ اسم (يكون). ﴿شَهِيداً:﴾ خبره. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيداً،﴾ و «أن» المضمرة، والمضارع الناقص في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿سَمّاكُمُ﴾. ﴿وَتَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿شُهَداءَ:﴾ خبره. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿شُهَداءَ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿فَأَقِيمُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (أقيموا): أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فأقيموا الصلاة. وهذا الكلام يحتمل العطف على ما قبله، والاستئناف، والجملتان بعدها معطوفتان على جملة: (أقيموا...) إلخ. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿مَوْلاكُمْ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية تعليل للأمر قبلها لا محلّ لها. وقيل: هي في محل نصب حال، والكلام عليها مثل ما تقدم. ﴿فَنِعْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (نعم): ماض جامد دال على إنشاء المدح. ﴿الْمَوْلى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والمخصوص بالمدح محذوف؛ إذ التقدير: هو الله. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة (الحج) بعونه تعالى تفسيرا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 3828

سورة المؤمنون وهي مكية بالإجماع، وهي مئة وثماني عشرة آية، وألف وثمانمئة وأربعون كلمة، وأربعة آلاف وثمانمئة حرف وحرفان. انتهى. خازن. فعن عمر بن الخطاب-﵁-قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دويّ كدويّ النّحل، فأنزل الله عليه يوما، فمكث ساعة، ثم سري عنه، فقرأ: ﴿*قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ..﴾. إلى عشر آيات من أولها، وقال: من أقام هذه العشر آيات دخل الجنة، ثم استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: «اللهم زدنا، ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا». أخرجه الترمذي. انتهى. خازن، ومعنى «أقام هذه العشر آيات» أقام عليهن، ولم يخالف ما فيهن، كما تقول: فلان يقوم بعمله على الوجه الأكمل. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)﴾ الشرح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ:﴾ فاز برضا الله، وجنة عرضها السموات والأرض، ونجا من عذاب الله، وسخطه. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ الموحدون، وانظر الإيمان في الآية رقم [١٤] من سورة (الحج)، والتعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، وقد مر معنا كثير من ذلك، ولذا دخلت «قد» على الماضي، وقد تقربه من الحال كما عرفته في الإعراب كثيرا. ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ:﴾ انظر شرح (الصلاة، والزكاة) في الآية رقم [٣١] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. أما «الخشوع» فهو لب الصلاة، وجوهرها، وقد قال ابن عباس-﵄-في تفسير ﴿خاشِعُونَ:﴾ مخبتون، أذلاء، متواضعون. هذا؛ والخشوع في الصلاة يكون في القلب والجوارح، أما خشوع القلب فهو الخوف من الله، وحضوره معه حينما يقول المصلي: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وملاحظة: أنه بين يديه تعالى في جميع حركاته، وسكناته. وأما خشوع الجوارح، فعدم الالتفات في الصلاة، وعدم رفع البصر إلى السماء، وعدم العبث بشيء من جسده وثيابه، وذلك لما يلي:

стр. 3829

فعن عائشة-﵂، وعن أبويها-قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاس يختلسه الشّيطان من صلاة العبد». الاختلاس: هو السرقة، والاختطاف. متفق عليه. وعن أبي ذر-﵁-عن النبي ﷺ قال: «لا يزال الله مقبلا على العبد، وهو في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض عنه». أخرجه أبو داود، والنسائي. وعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟». فاشتد قوله في ذلك حتى قال: «لينتهنّ عن ذلك، أو لتخطفنّ أبصارهم». أخرجه البخاري. وروي أن النبي ﷺ أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا؛ لخشعت جوارحه». ذكره البغوي بغير سند، وغير ذلك، وخذ قول الشاعر: [الطويل] ألا في الصّلاة الخير والفضل أجمع... لأنّ بها الآراب لله تخضع وأوّل فرض من شريعة ديننا... وآخر ما يبقى إذا الدّين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة... وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لربّ العرش حين صلاته... نجيّا فيا طوباه لو كان يخشع الآراب: جمع: الإرب بكسر فسكون، وهو العضو، وقال آخر: [الطويل] تصلّي بلا قلب صلاة بمثلها... يكون الفتى مستوجبا للعقوبة تظلّ وقد أتممتها غير عالم... تزيد احتياطا ركعة بعد ركعة فويلك تدري من تناجيه معرضا... وبين يدي من تنحني غير مخبت؟ تخاطبه إيّاك نعبد مقبلا... على غيره فيها لغير ضرورة ولو ردّ من ناجاك للغير طرفه... تميّزت من غيظ عليه وغيرة أما تستحي من مالك الملك أن يرى... صدودك عنه يا قليل المروءة إلهي اهدنا فيمن هديت وخذ بنا... إلى الحقّ نهجا في سواء الطريقة ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ:﴾ قيل المراد باللغو هنا: الشرك، وهو غير واضح؛ لأن الأفعال التي وصف الله بها المؤمنين كلها مأمور بها المؤمنون، والأولى تفسيره بكل باطل، ولهو، وما لا يجمل من القول، والفعل. وقد وصف الله عباده في سورة (الفرقان) بقوله: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ قال البيضاوي هناك: واللغو ما يجب أن يلغى ويطرح، و ﴿كِراماً﴾ معرضين عنه، مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه، والخوض فيه، وقال عن قوم مؤمنين في سورة (القصص): ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ..﴾. إلخ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ أي: الزكاة

стр. 3830

الواجبة مؤدون، فعبر عن التأدية بالفعل؛ لأنها فعل، وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب، قال أمية بن أبي الصلت: [الخفيف] المطعمون الطعام في السّنة الأز... مة والفاعلون للزّكوات الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَفْلَحَ:﴾ ماض. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ أو بدل، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذين، أو هو مبتدأ خبره الجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي صَلاتِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿خاشِعُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق، وأيضا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ..﴾. إلخ معطوف أيضا. هذا؛ وقال السمين: اللام في ﴿لِلزَّكاةِ﴾ زائدة، و (الزكاة) مفعول به مقدم لما بعده، وزيدت اللام في المفعول لتقدمه على عامله، ولكونه فرعا في العمل، وعليه فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وفي كلّ من ﴿خاشِعُونَ﴾ و ﴿مُعْرِضُونَ﴾ و ﴿فاعِلُونَ﴾ ضمير مستتر هو فاعله؛ لأنه جمع: اسم فاعل. هذا؛ وزيادة اللام في ﴿لِلزَّكاةِ﴾ على قول السمين مثل قول ابن هشام بزيادتها في قوله تعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ و ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ونحو ذلك، وسماها ابن هشام لام التقوية. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ:﴾ جمع: فرج، وهو اسم لسوأة الرجل، والمرأة، وحفظه: التعفف عن الحرام، وعن كل ما لا يحل من زنى، ولواط، واستمناء باليد، ومتعة. أما الزنى فإني قد استوفيت الكلام عليه في الآية رقم [٣٢] من سورة (الإسراء)، وأستدرك هنا، فأقول: إنه قد فشا في هذه الأيام زنى بشرف، وفخر، وترضى به المرأة، وهي مرفوعة الرأس، ويقره زوجها، وهو شامخ الأنف، ذلك هو تلقيح المرأة من مادة رجل أجنبي غير زوجها، الذي ثبت عقمه، فهو يقر الدياثة بنفسه ما دام يأخذها بيده إلى طبيب قذر، لا يعرف للمروءة سبيلا، ولا للشهامة طريقا، ويكون شريكا للرجل في الدياثة، والحرمان من جنة النعيم،

стр. 3831

فقد قال الرسول ﷺ : «ثلاثة حرّم الله ﵎ عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاقّ لوالديه، والدّيّوث، الّذي يقرّ في أهله الخبث». رواه الإمام أحمد والنسائي عن عبد الله بن عمر، ﵄. وأما اللواط؛ فإنه عمل قوم لوط، كما رأيت في سورة (الأعراف) وسورة (هود) و (الحجر) وغير ذلك، وهو كبيرة من الكبائر التي تستوجب غضب الله في الدنيا، وعقابه في الآخرة، والنبي ﷺ قد شدّد النكير على من اقترف هذه الجريمة، أو يقترفها، وإليك نبذة من أحاديثه الشريفة في ذلك. فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله سبعة من خلقه من فوق سبع سمواته، وردّد اللعنة على واحد منهم ثلاثا، ولعن كلّ واحد منهم لعنة تكفيه، قال: ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من أتى شيئا من البهائم، ملعون من عقّ والديه، ملعون من جمع بين امرأة وابنتها، ملعون من غيّر حدود الأرض، ملعون من ادّعى إلى غير مواليه». رواه الطبراني في الأوسط. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجدتّموه يعمل عمل قوم لوط؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. أقول: المفعول به يقتل إذا كان مطاوعا، وباختياره، أما إذا كان مكرها؛ فلا إثم عليه، ولا قتل له، بل إن النبي ﷺ حرم هذه الجريمة حتى عمل الرجل مع امرأته، فعن عبد الله بن عمرو-﵁-أن النبي ﷺ قال: «هي اللّوطيّة الصّغرى». يعني الرجل يأتي امرأته في دبرها. وعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا، فصدّقه كفر بما أنزل على محمد ﷺ ». رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وأبو داود، وهذا محمول على المستحل. وأما الاستمناء باليد، ويطلق عليه في هذه الأيام اسم العادة السرية، فقد قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿العادُونَ﴾ وهذا؛ لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة، وفيه يقول الشاعر: [البسيط] إذا حللت بواد لا أنيس به... فاجلد عميرة، لا داء ولا حرج فقد أجمع العلماء على تحريمه، وقال بعضهم: إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها إبليس حين نزل إلى الأرض، وأجراها بين الناس، وكان الإمام أحمد بن حنبل-﵁ على ورعه يجوّزه؛ لأنه فضلة في البدن يجوز إخراجها لحاجة، كالفصد، والحجامة؛ ولكن

стр. 3832

بشروط ثلاثة: أن يخاف الزنى، وأن يفقد مهر حرة، أو ثمن أمة، وأن يفعله بيده، وبالجملة: فإن فعله حرام، ومضر بالصحة كما ثبت طبيا، ولو قام الدليل على جوازه؛ لكان ذو المروءة يعرض عنه لدناءته، ومع هذا فالدليل ضعيف، وهو عار بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الشريف؟ وسئل عطاء عنه، فقال: مكروه، سمعت أن قوما يحشرون، وأيديهم حبالى، فأظن أنهم هؤلاء. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: عذّب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم. وأما المتعة؛ فهي عقد مؤقت يعقده الرجل على امرأة يحل له زواجها شرعا بأجر معين مقبوض، فإذا انتهت المدة المتعاقد عليها تخلص منه بدون طلاق؛ لأنها كالمستأجرة. وقد كان للمتعة في التحليل، والتحريم أحوال، فمن ذلك: أنها كانت مباحة، ثم حرمها رسول الله ﷺ زمن خيبر، ثم حللها في غزوة فتح مكة، ثم حرمها بعد ذلك تحريما أبديّا. ويقال: إن عبد الله بن عباس-﵄-كان يقول بتحليلها، ثم رجع إلى التحريم حينما بلغه أحاديث النبي ﷺ وتأكد من صحتها، ويروى أن المأمون العباسي أباحها للمجاهدين، وهم بعيدون عن أهليهم، فدخل عليه العالم الجليل يحيى بن أكثم، وهو يرتعد غضبا، فقال المأمون: ما للإمام يشتاط غضبا؟ فقال الإمام العظيم: كيف لا؛ وقد انتهكت حرمات الله، وأحلّ ما حرّم الله، ورسوله؟ قال المأمون: ومن فعل ذلك؟ فقال: أمير المؤمنين فعل ذلك. قال: وكيف كان ذلك؟ قال: ألم تحل المتعة؛ وقد حرمها الله ورسوله إلى يوم القيامة؟ قال: أليست تحل بعقد شرعي، ومهر، ورضا، واختيار مع رشد، وعقل؟! قال: يا أمير المؤمنين! فالله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ أهي زوجة ترث وتورث؟ قال: لا! قال: أيلحق الولد المتمتع إذا كان بعيدا عن البلد المتمتع بها؟ قال: لا! قال: أيلحقها ولدها التي أتت به من المتعة؟ قال: لا! قال: أهي أمة في ملك اليمين؟ قال: لا! قال: فإذا هي محرمة إذا كانت ليست زوجة بالمعنى الصحيح، ولا أمة بملك. فرجع المأمون عن تحليلها، واستغفر الله. وأخيرا أقول: تأباها المروءة والشرف، فأي رجل فيه شيء من ذلك، ثم هو يرضى بأن يسلم أخته، أو ابنته لشخص أياما معدودة، ثم هو يردها له، وقد تكون حملت منه بولد، ثم ما مصير هذا الولد؟ هل هو لقيط، أو ابن زنى، أو هو ولد شرعي؟ فيجب أن يرث من والده، وينتسب إليه، وهل يتأتى هذا في نكاح المتعة؟. تنبيه: قد تحرم الزوجة، أي: إتيانها لعارض حيض، أو نفاس، وقد صرحت به آية البقرة رقم [٢٢١] هذا؛ و ﴿أَزْواجِهِمْ﴾ جمع: زوج، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٠] من سورة (الأنبياء). هذا؛ وإجراء (ما) وهي لغير العاقل على الإماء، وهن عاقلات؛ لأنهن ناقصات عقل، ولأنهن يبعن، ويشترين كالبهائم، كما أطلقت على النساء الحرائر في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ للسبب الأول فقط.

стр. 3833

﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أي: على إتيان أزواجهم وإمائهم إذا كان الإتيان على وجه أذن فيه الشرع، دون الإتيان في الدبر، وفي حال الحيض، والنفاس، فإنه محظور، فلا يجوز، ومن فعله؛ فإنه ملوم. ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ﴾ أي: التمس، وطلب سوى الأزواج، والإماء، وهن الجواري المملوكة. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ أي: المتجاوزون الحد من الحلال إلى الحرام، وذلك مما يوجب الحد على الزاني، واللائط، والتعزير على إتيان البهيمة، وإتيان المرأة في دبرها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ..﴾. إلخ: إعرابه مثل إعراب سابقه، ويقال في اللام الجارة لفروجهم ما قيل في اللام الجارة في: ﴿لِلزَّكاةِ﴾ في الآية السابقة؛ لأن ﴿فاعِلُونَ﴾ و ﴿حافِظُونَ﴾ كلاهما مأخوذ من فعل متعد لواحد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلى أَزْواجِهِمْ:﴾ في تعليقهما أوجه: أحدها: أنهما متعلقان ب: ﴿حافِظُونَ﴾ على تضمينه معنى: ممسكين، أو قاصرين. الثاني: أنهما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: حافظون فروجهم في كل حال؛ إلا في حال إتيان أزواجهم، أو إمائهم. الثالث: أنهما متعلقان بمحذوف يدل عليه ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وكأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿أَزْواجِهِمْ﴾. ﴿مَلَكَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: أو الذي ملكته أيمانهم. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿غَيْرُ:﴾ خبرها، و (غير) مضاف، و ﴿مَلُومِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: (إنهم غير ملومين) تعليل لنفي الحرج، والمؤاخذة، وهو ما تضمنه الاستثناء. ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِبْتَغى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿وَراءَ:﴾ مفعول به على تفسيره ب: «سوى»، وظرف مكان متعلق بما قبله على تفسيره ب «بعد» ونحوه، وقال الزجاج: التقدير: فمن ابتغى ما بعد ذلك، وعليه فالمفعول محذوف، و ﴿وَراءَ﴾ متعلق بمحذوف صلة المفعول المحذوف المقدر ب: ما، و ﴿وَراءَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل لها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (أولئك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب. ﴿هُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب. ﴿العادُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ثانيا و ﴿العادُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية: (أولئك هم...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، وخبر

стр. 3834

المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، وخبره الجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ:﴾ الأمانات تشمل الودائع التي يضعها أصحابها عند غيرهم، وتشمل جميع التكاليف الإلهية التي كلف الله بها عباده المؤمنين، وتشمل جميع جوارح الإنسان من عين، وأذن، ويد... إلخ، وتشمل جميع المعاملات من بيع، وشراء... إلخ، وتشمل جميع النعم التي أنعم الله بها على العبد من ولد، وزوجة... إلخ. والعهد يشمل جميع الوعود التي يقطعها العبد على نفسه لغيره من الناس، ويشمل جميع العقود التي يعقدها العبد مع غيره، مثل عقد النكاح، ونحوه، وأيضا الصنائع، والأسرار وغير ذلك، ولقد أحسن القرطبي- رحمه الله تعالى-إذ قال: والأمانة، والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه، ودنياه قولا، وفعلا. ومعنى ﴿راعُونَ﴾ قائمون بحفظها، ورعايتها. وأصله: راعيون، فحذفت الضمة التي على الياء لا ستثقالها، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو التي هي علامة الجمع، وهذا في الجمع، كما تحذف من المفرد لا لتقائها ساكنة مع التنوين. انظر الآية رقم [٣٣] من سورة (لقمان). هذا؛ ويقرأ: «(لأمانتهم)» بالإفراد، وقراءة حفص بالجمع، قال مكي بن أبي طالب القيسي: أمانة: مصدر، وحق المصادر أن لا تجمع؛ لأنها كالفعل يدل على القليل، والكثير من جنسه، ولكنه لما اختلفت أنواع الأمانة لوقوعها على الصلاة، والزكاة، والتطهر، والحج، وغير ذلك من العبادات جاز جمعها؛ لأنها لما اختلفت أنواعها شابهت المفعول به، فجمعت كما يجمع المفعول به. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أي: على أدائها في أوقاتها الأوائل، وعلى إتمام ركوعها، وسجودها، وطهارتها، وكل شروطها، وأركانها، وسننها، وليس ذلك تكرارا لما وصفهم به أولا، فإن الخشوع في الصلاة غير المحافظة عليها، وفي تصدير الأوصاف المذكورة، وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣١ و ٥٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ:﴾ الجامعون لهذه الصفات هم الأحقاء، والجديرون بأن يسموا ورّاثا دون غيرهم. ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ:﴾ بيان لما يرثونه، وتقييد للوراثة بعد إطلاقها تفخيما لها، وتأكيدا، وهي مستعارة لا ستحقاقهم الفردوس من أعمالهم، وإن كان بمقتضى وعده مبالغة

стр. 3835

فيه، وقيل: إنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها؛ حيث فوتوها على أنفسهم؛ لأنه تعالى جعل لكل إنسان منزلا في الجنة، ومنزلا في النار. فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى جعل لكلّ إنسان مسكنا في الجنّة، ومسكنا في النار، فأمّا المؤمنون فيأخذون منازلهم، ويرثون منازل الكفّار، ويجعل الكفّار في منازلهم في النار». خرجه ابن ماجه بمعناه. ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ أي: لا يخرجون منها، ولا يموتون، وأنث الضمير؛ لأنه اسم من أسماء الجنة، أو المراد طبقتها العليا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٧] من سورة (الكهف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. خاتمة: قال ابن العربي-رحمه الله تعالى-من غريب القرآن: إن هذه الآيات العشر عامة في الرجال، والنساء كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم، فإنها عامة فيهم، إلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات بدليل قوله تعالى: ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخر كآيات الإحصان عموما، وخصوصا، وغير ذلك من الأدلة أقول: وهذا شيء نوهت عنه كثيرا وذكرت: أن المدح، والثناء، والذم، والترغيب، والترهيب بلفظ المذكر يدخل تحته النساء إلحاقا؛ إذ ما من شك: أن في النساء متقيات، ومؤمنات، وصالحات، وخبيثات، وفاسقات... إلخ، والتعبير بلفظ المذكر هو من باب تغليب المذكر على المؤنث، خذ قوله تعالى في آخر سورة (التحريم) في مدح مريم: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ:﴾ معطوف هذا الكلام على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ وهو مثله في إعرابه بلا فارق بينهما، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وكذلك ما بعده معطوف عليه، وإعرابه مثل السابق. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ بلا فارق بينهما، والجملة الاسمية هنا مستأنفة، لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الموصول الأول في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ما عدا الوجه الأخير. وهو اعتباره مبتدأ، فتكون هذه الجملة في محل رفع خبره. ﴿الَّذِينَ:﴾ هو مثل ﴿الَّذِينَ﴾ في الآية رقم [٢] بلا فارق، وجملة: ﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿هُمُ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ مستأنفة على جميع الوجوه التي تعتبر في الموصول، ما عدا اعتباره مبتدأ. فتكون هذه الجملة في محل رفع خبره، وقال أبو البقاء: الجملة حال مقدرة، إما من الفاعل، أو من المفعول، وهذا يكون على الوجوه الأولى في الموصول، وانظر أنواع الحال في الآية رقم [٧٦] من سورة (الفرقان).

стр. 3836

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ:﴾ المراد به آدم ﵇. ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ:﴾ السلالة: الخلاصة؛ لأنها تسل من بين الكدر، وقيل: إنما سمي التراب الذي خلق منه آدم سلالة؛ لأنه سل من كل تربة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحجر)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وقيل: المراد ابن آدم. قاله ابن عباس، وغيره؛ وعلى هذا فالسلالة صفوة الماء، يعني: المني، فالنطفة سلالة، والولد سليل، وسلالة، عنى به الماء يسل من الظهر سلا، قال حسان بن ثابت-﵁: [الطويل] فجاءت به عضب الأديم غضنفرا... سلالة فرج كان غير حصين وقالت هند بنت النعمان في مدح نفسها، وذم الحجاج الذي تزوجها في قصة مشهورة مسطورة في كتب الأدب: [الطويل] وما هند إلاّ مهرة عربيّة... سليلة أفراس تجلّلها بغل فإن ولدت مهرا فلله درّها... وإن ولدت نغلا فجاء به البغل ومعنى ﴿مِنْ طِينٍ﴾ أي: إن الأصل آدم، وهو من طين. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أي: من طين خالص، فأما ولده؛ فهو من طين، ومني: وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (الحج). ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ أي: نسله، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ لأن آدم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لم يصر نطفة، فهو كقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ من سورة (السجدة) رقم [٧ و ٨]. ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أي: حريز، وهو الرحم، سمي مكينا لاستقرار النطفة فيه إلى وقت الولادة. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم، وجر، والمقسم به محذوف، التقدير، والله، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ سُلالَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿مِنْ طِينٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿سُلالَةٍ﴾ على تأويلها ب: «مسلومة»، أو بمحذوف صفة لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جَعَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿نُطْفَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فِي قَرارٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿نُطْفَةً﴾. ﴿مَكِينٍ:﴾ صفة قرار.

стр. 3837

﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً:﴾ هذا هو الطور الرابع الذي لم يذكر في آية الحج رقم [٥] حيث تتحول المضغة بعد تمام أربعة أشهر، ونفخ الروح في الجنين إلى عظام لينة غضروفية مكسوة باللحم. ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ:﴾ اختلف في تفسير هذا الخلق اختلافا كثيرا، وفي الحقيقة هو يشمل كل تصرفات الإنسان من النطق، والإدراك، وحسن المحاولة، وتحصيل المعقولات إلى أن يموت. هذا؛ والفعل (خلق) هنا بمعنى: صير، فلذا نصب مفعولين صريحين، فإن كان بمعنى: اخترع، وأحدث؛ تعدّى إلى مفعول واحد، وهو كثير. هذا؛ والفعل «جعل» ينصب مفعولين أيضا إذا كان من أفعال التصيير، فإن كان بمعنى: خلق؛ تعدى إلى واحد فقط، نحو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ أي: وخلق الظلمات، والنور. ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ:﴾ يروى: أن عمر بن الخطاب-﵁-لما سمع صدر الآية إلى قوله: ﴿خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله ﷺ : «هكذا أنزلت». وقيل: إن قائل ذلك معاذ بن جبل، ﵁. وقيل: إن عبد الله بن أبي سرح كان يكتب للنبي ﷺ الوحي، فنطق بذلك قبل إملائه عليه، فقال له رسول الله ﷺ : اكتب هكذا نزلت». فقال عبد الله: إن كان محمد نبيا يوحى إليه؛ فأنا نبي يوحى إلي، فارتد، ولحق بمكة، ثم أسلم يوم الفتح، وفي إسلامه دخن، ودغل. انظر ما ذكرته بشأنه، وشأن غيره في الآية رقم [٩٣] من سورة (الأنعام)، وقيل: هذه الحكاية غير صحيحة؛ لأن ارتداده كان في المدينة، وهذه السورة مكية كما رأيت في مقدمتها. هذا؛ ومعنى (تبارك) تقدس، وتعظم، وتعالى، وتنزه، وهو ملازم للماضي، لا يأتي منه مضارع، ولا أمر. وانظر الآية رقم [١] من سورة (الفرقان)، ومعنى ﴿أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ أحسن المصورين، والمقدرين. قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ قلت: الخلق له معان، منها: الإيجاد، والإبداع، ولا موجد، ولا مبدع إلا الله تعالى، ومنها: التقدير، قال زهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان المري: [الكامل] ولأنت تفري ما خلقت وبع... ض القوم يخلق ثمّ لا يفري معناه: أنت تقدر الأمور، وتقطعها، وغيرك لا يفعل ذلك. فعلى هذا يكون معنى الآية: الله أحسن المقدرين. وجواب آخر، وهو: أن عيسى-عليه الصلاة، والسّلام-خلق طيرا، وسمى نفسه خالقا بقوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ فقال: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾.

стр. 3838

مسألة، بل فائدة من هذه الآية: قال ابن عباس-﵄-لعمر-﵁-حين سأل مشيخة الصحابة-رضوان الله عليهم أجمعين-عن ليلة القدر، فقالوا: الله أعلم، فقال عمر: ما تقول يا بن عباس؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى خلق السموات سبعا، والأرضين سبعا، وخلق ابن آدم من سبع، وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين، فقال عمر-﵁: أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه؟! وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة. فأراد ابن عباس-﵄: خلق ابن دم من سبع بهذه الآية، وبقوله: (وجعل رزقه في سبع) قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ آية رقم [٢٧] وما بعدها من سورة (عبس) السبع الأولى منها لا بن آدم، والأب للأنعام، والقضب يأكله ابن آدم، ويسمن منه النساء. هذا قول. وقيل: القضب: البقول؛ لأنها تقضب، فهي رزق ابن آدم. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وأحفظ لا بن عباس-﵄-استدلالا آخر لليلة القدر؛ حيث عد كلمات سورة (القدر) فكانت ثلاثين كلمة بعدد أيام رمضان، ولياليه، ثم عدد كلماتها ثانية، فكانت لفظة الضمير (هي) السابعة والعشرين، فقال: هنا ليلة القدر؛ أي: في الليلة السابعة والعشرين، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل، و ﴿خَلَقْنَا﴾ بمعنى: صيرنا، ولذا نصب مفعولين، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، والجمل بعدها كلها معطوفة عليها، والأفعال كلها نصبت مفعولين. ﴿آخَرَ:﴾ صفة خلقا. (تبارك): ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَحْسَنُ:﴾ بدل، أو خبر لمبتدأ محذوف، وليس بصفة؛ لأنه نكرة، وإن أضيف؛ لأن المضاف إليه عوض من «من» وعليه فالجملة الاسمية المقدرة: «هو أحسن الخالقين» في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير المقدر مبتدأ، و ﴿أَحْسَنُ:﴾ مضاف، و ﴿الْخالِقِينَ﴾ مضاف إليه، وجملة (تبارك...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. خاتمة: قال الجمل: اختلاف العواطف بالفاء، وثم؛ لتفاوت الاستحالات، يعني: إن بعضها مستبعد حصوله مما قبله، وهو معطوف ب: ﴿ثُمَّ﴾ فجعل الاستبعاد عقلا، أو رتبة بمنزلة التراخي، والبعد الحسي... إلخ. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: فالفاآت في الآية بمعنى «ثم» لتراخي معطوفاتها، وهو جيد جدا. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ﴾ أي: بعد الخلق المذكور في أطواره المختلفة. ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ أي: عند انقضاء آجالكم. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ أي: تخرجون من القبور وتحشرون للجزاء والحساب، والثواب، أو العقاب. هذا؛ وقد أكد الجملتين الاسميتين

стр. 3839

ب: (إنّ) ولام الابتداء ليؤكد وقوع البعث، وما يتبعه، وما يتعلق به، وهو ما ينكره الجاحدون، والملحدون؛ أما الموت؛ فلا ينكره أحد أبدا؛ لأنه مشاهد لكل إنسان. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾ سبع سموات، سميت بذلك؛ لأنّ بعضها فوق بعض، والعرب تسمي كل شيء فوق شيء: طريقة، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها طرق الملائكة في الصعود، والهبوط، وقيل:؛ لأن الكواكب تطرقها، أي: تسير فيها. ﴿وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ:﴾ الخلق بمعنى المخلوق، والمراد به: السموات، أو جميع المخلوقات، وهو أولى، ومعنى ﴿غافِلِينَ﴾ مهملين أمرها، بل نحفظها من الاختلال، والزوال، وندبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة، وتعلقت به المشيئة. وقيل: المعنى: ما تركناهم سدى بغير أمر ونهي. وقيل: المعنى: ما كنا غافلين عن أعمالهم، وأقوالهم، وسائر تصرفاتهم، بل هي مسجلة عندنا، ومحفوظة لدينا حتى نحاسبهم عليها يوم يرجعون إلينا. أما (الموت): فهو انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته. وموت القلب: قسوته فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح، وأما الميت، والميتة بفتح الميم وسكون الياء فيهما فهو من فارقت روحه جسده، وجمعه: أموات، وأما المشدد؛ فهو الحي الذي سيموت، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وجمعه: موتى، قال الإمام علي، كرم الله وجهه: [البسيط] ففز بعلم، ولا تجهل به أبدا... فالنّاس موتى وأهل العلم أحياء هذا؛ وقد قال بعض الأدباء في الفرق بين المشدد، والمخفف: [الطويل] أيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل فمن كان ذا روح فذلك ميّت... وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل هذا هو الأصل الغالب في الاستعمال وقد يتعاوضان كما في قول ابن الرعلاء الغساني: [الخفيف] ليس من مات فاستراح بميت... إنّما الميت ميّت الأحياء إنّما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله، قليل الرّجاء أقول: ومن هذا ما في الآية رقم [٢٧] من سورة (آل عمران) وما في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام) حيث استعمل المشدد فيهما لفاقد الحياة، والروح، كما هو واضح فيهما. هذا؛ ولا تنس: أن أصل «ميّت» المشدد: (ميوت)؛ لأنه من مات يموت، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقل مثله في إعلال سيّد وهيّن، وليّن وصيّب، ونحو ذلك، وقال الشاعر في تخفيف: هين، ولين: [البسيط] هينون لينون أيسار بنو يسر... سوّاس مكرمة أبناء أيسار

стр. 3840

الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب (ميتون) بعده، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَمَيِّتُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ميتون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجمل الفعلية السابقة لا محل لها مثلهن. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ مثل سابقه. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿تُبْعَثُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا﴾ انظر الآية رقم [١٢] فالإعراب لا يتغير، وهذا الكلام معطوف عليه لا محل له مثله. ﴿فَوْقَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿طَرائِقَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿عَنِ الْخَلْقِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿غافِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨)﴾ الشرح: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ انظر شرح (الماء) وإعلاله، وما قيل فيه في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿السَّماءِ﴾ وإعلاله في الآية رقم [٣٢] منها. ﴿بِقَدَرٍ﴾ أي: على مقدار مصلح؛ لأنه لو كثر؛ أهلك، كما هو مشاهد في بعض الأحيان، كما قال تعالى في الآية رقم [٢١] من سورة (الحجر): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. ﴿فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: جعلناه مستقرا فيها مخزونا، قال تعالى في الآية رقم [٢٢] من سورة (الحجر). ﴿وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ ثم أخرجناه من الأرض ينابيع، كالعيون، والآبار، والأنهار، فكل ماء ينتفع به الإنسان، والحيوان أصله من السماء. ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أي: على ذهاب الماء المختزن. وفيه تهديد، ووعيد، أي: إنا قادرون على إزالته بالإفساد، أو التصعيد، أو التعميق بحيث يتعذر استخراجه والاستفادة منه، فعند ذلك يهلك الناس، والحيوان، والنبات من شدة العطش. هذا؛ وقد قيل: إن ما في هذه الآية أبلغ من قوله تعالى في سورة (الملك) رقم [٣٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 3841

الإعراب: ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ماء، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به. ﴿بِقَدَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف صفة ماء، والجملة الفعلية: ﴿وَأَنْزَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جواب القسم لا محل لها مثله. ﴿فَأَسْكَنّاهُ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجر المفعول به الثاني هنا على الأصل في مفعول: (سكن، ودخل، ونزل). ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت ألفها. ﴿عَلى ذَهابٍ:﴾ متعلقان ب (قادرون). ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بذهاب؛ لأنه مصدر. ﴿لَقادِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: (إنا...) إلخ في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)﴾ الشرح: ﴿فَأَنْشَأْنا لَكُمْ:﴾ خلقنا وأوجدنا لكم. ﴿بِهِ:﴾ بالماء. ﴿جَنّاتٍ:﴾ بساتين. ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ:﴾ إنما أفردهما بالذكر لكثرة منافعهما، فإنهما يقومان مقام الطعام، والإدام في سنوات المحل، والجدب، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٤] وما بعدها من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿لَكُمْ فِيها﴾ أي: في الجنة. ﴿فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: غير النخيل، والأعناب، وذلك كالخوخ، والتفاح... إلخ. ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي: ومن الجناب تأكلون تغذّيا، أو ترتزقون، وتحصلون معايشكم، من قولهم: فلان يأكل من حرفته، ويجوز أن يكون الضميران للنخيل، والأعناب؛ أي: لكم في ثمرتهما أنواع من الفواكه: الرطب، والعنب، والتمر، والزبيب، والعصير، والدبس، وغير ذلك، وطعام تأكلونه وتتغذون به. وانظر قوله تعالى في الآية رقم [٤] من سورة (الرعد): ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿فَأَنْشَأْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنشأنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لَكُمْ بِهِ:﴾ كلاهما متعلق بالفعل قبلهما. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مِنْ نَخِيلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿وَأَعْنابٍ:﴾ معطوف على ﴿نَخِيلٍ﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿فَواكِهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية لجنات، أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿كَثِيرَةٌ:﴾ صفة ﴿فَواكِهُ﴾. (منها):

стр. 3842

متعلقان بما بعدهما. ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها، هذا؛ وعلى اعتبار الضميرين عائدين على ﴿نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ،﴾ فالجملتان في محل جر صفة لهما. ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ:﴾ المراد بها: شجرة الزيتون، وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في بلاد الشام، والحجاز، وغيرهما من البلاد، وقلة تعاهدها بالسقي، والحفر، وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار، وخص طور سيناء بالزيتون؛ لأنه منه نشأ. وقيل: إن أول شجرة نبتت في الأرض بعد الطوفان هي شجرة الزيتون، وقيل: إنها تبقى في الأرض نحو ثلاثة آلاف سنة، والمراد بطور سيناء: الجبل الذي كلم الله عليه موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وفي سورة والتين ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال البيضاوي: ولا يخلو من أن يكون (الطور) اسما للجبل، و ﴿سَيْناءَ﴾ اسم بقعة أضيف إليها، أو المركب منهما علم له، كامرئ القيس، ومنعه من الصرف للتعريف، والعجمة، أو التأنيث على تأويل البقعة، وصحراء سيناء معروفة تعتبر من البلاد المصرية جغرافيا. وقال الخازن: ومعناه: الجبل الملتف بالأشجار، وقيل: كل جبل فيه أشجار مثمرة، يسمى: سيناء، وسينين. انتهى. أقول: وهو ضعيف جدا، والمعتمد الأول. هذا؛ وسيناء بفتح السين، والمد، من السناء، وهو: الرفعة، وعلو الشأن، ويقرأ بالفتح والقصر بمعنى: النور، ويقرأ بالكسر، والقصر. ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ:﴾ يقرأ الفعل بفتح التاء، وضم الباء على أنه لازم، ويقرأ بضم التاء وكسر الباء على أن المفعول محذوف، أو الباء زائدة في المفعول، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الآية رقم [١٩٥] من سورة (البقرة)، ومثل الآية قول الراعي النميري، أو القتال الكلابي: [البسيط] هنّ الحرائر لا ربّات أخمرة... سود المحاجر، لا يقرأن بالسّور وقيل: نبت، وأنبت بمعنى واحد، وهو مذهب الفراء، وأبي إسحاق، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: [الطويل] رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم... قطينا بها حتّى إذا أنبت البقل أي: نبت البقل. هذا؛ وفيه قراآت أخر، ويقرأ: «(بالدّهان)» ايضا. ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ:﴾ ويقرأ: وصباغ، مثل: دبغ، ودباغ. هذا؛ ولشجرة الزيتون فوائد كثيرة، أهمها: أنها يؤتدم بزيتونها، ويدهن بزيتها، وهو علاج نافع لكثير من الأمراض، ولا سيما الأمراض العصبية،

стр. 3843

والمعدية، فقد روى الترمذي-رحمه الله تعالى-من حديث عمر بن الخطاب-﵁: قال، قال رسول الله ﷺ : «كلوا الزّيت وادّهنوا به فإنّه من شجرة مباركة». وقال ابن عباس-﵄: في الزيتونة منافع: يسرج بزيتها، أي يستضاء به، وهو إدام، ودهان، ودباغ، ووقود يوقد بحطبه، وتفله، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة حتى الرماد يغسل به الإبريسم، أي: الحرير بكسر الراء، والسين، وفتحهما لغتان، وهي أول شجرة نبتت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان، وتنبت في منازل الأنبياء، والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيا بالبركة، منهم إبراهيم، ومنهم محمد ﷺ ، فإنه قال: «اللهمّ بارك في الزّيت، والزّيتون». قاله مرتين. انتهى. قرطبي من تفسير سورة (النور)، وانظر الآية رقم [٣٥] من سورة (النور). الإعراب: ﴿وَشَجَرَةً:﴾ معطوف على جنات، ويقرأ بالرفع على اعتباره مبتدأ خبره محذوف، التقدير: ومما أنشئ لكم به شجرة، أو: وهناك شجرة. ﴿تَخْرُجُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (شجرة)، والجملة صفة (شجرة). ﴿مِنْ طُورِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿طُورِ﴾ مضاف، و ﴿سَيْناءَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، وانظر الشرح. ﴿تَنْبُتُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (شجرة)، ومفعوله محذوف. ﴿بِالدُّهْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وتقدير الكلام: تنبت جناها، أو ثمرها مصحوبا بالدهن، وانظر الشرح لأوجه القراآت، والجملة الفعلية في محل صفة ثانية ل: (شجرة)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. (صبغ): معطوف على لفظ (الدهن)، وهو في المعنى مفعول به. ﴿لِلْآكِلِينَ:﴾ متعلقان ب: (صبغ)، أو بمحذوف صفة له. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ أي: في خلق الأنعام، والتفكر فيها للدلالة على قدرة الله تعالى. هذا؛ وواحد ﴿الْأَنْعامِ:﴾ نعم، وهو يطلق على الإبل خاصة، فيكون الجمع من باب التغليب غلب الإبل على البقرة، والغنم. والأنعام تؤنث كما في هذه الآية، وكما في الآية رقم [٥] من سورة (النحل) تبعا للمعنى، فإن الأنعام جمع كما رأيت، ولذلك عده سيبويه -رحمه الله تعالى-في المفردات المبنيّة على أفعال، كأخلاق، وكقولهم: ثوب أكياش. هذا؛ وذكّر في الآية رقم [٦٦] من سورة (النحل) تبعا للفظ، انظر شرحها، فإنه جيد. ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ:﴾ في ظهورها، وأصوافها، وأوبارها، وأشعارها. ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي: من لحومها بعد ذبحها. ﴿وَعَلَيْها﴾ أي: على الأنعام، والمراد به: الإبل؛ لأنها هي التي يحمل عليها.

стр. 3844

﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ أي: السفن التي تجري في البحر. ﴿تُحْمَلُونَ﴾ أي: في أسفاركم، فالإبل للبر، والسفن للبحر. هذا؛ وانظر شرح (الفلك) في الآية رقم [٦٦] من سورة (الإسراء)، أما ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ فهو من الرباعي: «أسقى»، ويقرأ بفتح النون على أنه من الثلاثي: «سقى»، وهما بمعنى واحد، تقول: سقى الله هذه البلاد الغيث، وأسقاها الغيث، فيكون بالهمز تارة، وبدونه أخرى، وشاهد المهموز قوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً﴾ وشاهد غير المهموز قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ ويحتملهما قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً﴾ وقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقد ورد في قول لبيد-﵁-اللغتان جميعا: [الوافر] سقى قومي بني مجد وأسقى... نميرا والقبائل من هلال ولكنه حذف المفعول الثاني من كليهما، وفرق الأعلم بينهما، فقال: تقول: سقيتك ماء: إذا ناولته إياه يشربه، وتقول: أسقيتك: إذا حصلت له سقيا. تنبيه: جملة ما ذكره الله في الآيات المتقدمة من أول السورة إلى هنا من الدلائل على قدرته أربعة أنواع: الأول: الاستدلال بتقلب الإنسان في أطوار الخلقة، وهي تسعة آخرها: ﴿تُبْعَثُونَ﴾. النوع الثاني من الأدلة: خلق السموات، وأشار له بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾. النوع الثالث: إنزال الماء، وأشار له بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾. النوع الرابع: الاستدلال بأحوال الحيوانات، وأشار له بقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ..﴾. إلخ. وأحوال الحيوان أربعة مذكورة في الآية. انتهى. جمل نقلا من الرازي. الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْأَنْعامِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (عبرة): اسم (إنّ) مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿نُسْقِيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف صرحت به آية (النحل) المذكورة في الشرح. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي بُطُونِها:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿نُسْقِيكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب المجرورة محلا باللام، أو من الأنعام، والرابط: الضمير على الاعتبارين، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مَنافِعُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة على جميع الاعتبارات فيها. ﴿كَثِيرَةٌ:﴾ صفة ﴿مَنافِعُ﴾. (منها):

стр. 3845

متعلقان بما بعدهما، وجملة: «تأكلون منها» معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿وَعَلَيْها:﴾ الواو: حرف عطف. (عليها): متعلقان بما بعدهما. (على الفلك): معطوفان على ما قبلهما، وهما متعلقان بالفعل بعدهما حكما. ﴿تُحْمَلُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ:﴾ هذا شروع في خمس قصص: الأولى: قصة نوح، هذا أولها، والثانية: قصة هود، ﵇. وانظر تفصيل ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى. هذا؛ وقد ذكرت قصة نوح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وسلام في سورة (الأعراف)، وسورة (هود) مفصلة تفصيلا كافيا، وسأعود إلى تفصيلها ثانية في سورة (الشعراء) إن شاء الله تعالى. هذا؛ و (قوم) اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، وهو يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟ وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إنّ كل لفظ «قوم» في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا. هذا؛ ولفظ (قوم) يذكر، ويؤنث؛ قال تعالى في سورة (الشعراء) الآية رقم [١٠٥]: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ،﴾ وانظر شرح (التقوى) في الآية رقم [١] من سورة (الحج)، ومعنى ﴿تَتَّقُونَ﴾ أفلا تخافون أن يزيل الله عنكم نعمه، فيهلككم، ويعذبكم بإعراضكم عن عبادته، وإقبالكم على عبادة غيره، وكفرانكم نعمه؛ التي لا تعد، ولا تحصى. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [١٢] فهو مثله بلا فارق، والكلام مستأنف لا محل له. ﴿إِلى قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من نوحا، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى (نوح). (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: يا قومي. ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: يا قومي. ومنهم من

стр. 3846

يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا قوما. ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: يا قوم. ففيه خمس لغات ذكرها ابن مالك-رحمه الله تعالى-بقوله: [الرجز] واجعل منادى صحّ إن يضف ل: «يا» ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا هذا؛ ويزاد سادسة، وهي البناء على الضم، والقطع عن الإضافة تشبيها له بالنكرة المقصودة، فيقول: يا قوم، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿غَيْرُهُ:﴾ يقرأ بالرفع صفة ﴿إِلهٍ﴾ على المحل، أو بدل منه. وبالجر صفة على اللفظ، وبالنصب على الاستثناء، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وفيها معنى التعليل للأمر بالعبادة، وقيل: مستأنفة، ولا وجه له، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب القسم لا محل لها مثله. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف. أو حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، أو هي مستأنفة، وتعود إلى أنها في محل نصب مقول القول. ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ:﴾ ف: ﴿الْمَلَأُ﴾ الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملؤون العيون بكبريائهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، والملأ: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، وقوم، ومعشر... إلخ، وانظر شرح ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وقول الملأ المذكور إنما هو لعوامهم، وسفلتهم الذين يتبعونهم، خاطبوهم بالجملة التالية. ﴿ما هذا:﴾ الإشارة إلى نوح ﵇. ﴿بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: آدمي مثلكم يأكل كما تأكلون، ويشرب كما تشربون، وهو مثلكم في جميع الأمور، وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج)، وشرح (بشر) في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء). وانظر ما ذكرته في الآية [٤٨] الآتية. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يحب الشرف، والرياسة بأن يكون سيدا متبوعا، وأنتم له تبع. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أي: يبعث ملائكة، يكونون رسلا، وواسطة بينه وبين خلقه.

стр. 3847

﴿ما سَمِعْنا بِهذا﴾ أي: بالذي يدعونا إليه نوح. أو المعنى: ما سمعنا بنوح: أنه نبي مرسل إلينا، وهذا من فرط عنادهم، أو؛ لأنهم كانوا في فترة متطاولة لم يرسل الله فيها رسولا؛ لأن نوحا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كان أول رسول جاء برسالة بعد آدم، وشيث ابنه. ﴿فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ:﴾ أي في الأمم الماضية. قاله ابن عباس-﵄. الإعراب: (قال الملأ): ماض، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة ﴿الْمَلَأُ،﴾ وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (من) بيان لما أبهم في الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ نافية مهملة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له من الإعراب. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُكُمْ:﴾ صفة له، ولم يتعرف بالإضافة؛ لأنه متوغل في الإبهام كما رأيت في شرحه، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿ما هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿يُرِيدُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿بَشَرٌ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتَفَضَّلَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يُرِيدُ أَنْ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿بَشَرٌ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: ولو شاء الله أن يرسل رسولا. ﴿لَأَنْزَلَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (أنزل): ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿مَلائِكَةً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ جواب (لو)، لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف، وهو من قول الملأ بلا ريب. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهذا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعند التأمل يتبين لك: أن الباء حرف صلة، واسم الإشارة مفعول به، مجرور لفظا، منصوب محلا، تأمل. ﴿فِي آبائِنَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من اسم الإشارة، و (نا): في محل جر بالإضافة، ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة آبائنا مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ. والجملة الفعلية: ﴿ما سَمِعْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول كالجمل قبلها. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ:﴾ بكسر الجيم: جنون. وهو أيضا: الجن، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ،﴾ وهو بفتح الجيم: الحديقة ذات الأشجار، وجمعها: جنات، وهو بضم الجيم كل ما استترت به، وكل ما وقيت به نفسك من السلاح، وغيره، ومنه المجن، والمجنة بكسر الميم

стр. 3848

فيهما، وهو الترس الذي كان يتخذ للوقاية من ضربات السيوف، والرماح. هذا؛ ورجل مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة، والشجاعة، والشهامة، والحمية، وغير ذلك. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ أي: فانتظروا، واصبروا عليه إلى زمان حتى ينجلي أمره، فإن أفاق من جنونه، وإلا قتلتموه. هذا؛ والحين: الوقت قليلا كان أو كثيرا، والمدة من الزمن قصيرة كانت أو طويلة، وجمعه أحيان، وجمع الجمع: أحايين. هذا؛ والحين بفتح الحاء: الهلاك، والموت. ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ:﴾ طلب هذا من الله تعالى لمّا أيس من إيمانهم بعد أن دعاهم إلى الله، وعبادته ألف سنة إلا خمسين عاما. والمعنى: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي؛ إذ في نصرتي إهلاكهم، أو المعنى: أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رَجُلٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية من قول الملأ أيضا. و ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جِنَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿فَتَرَبَّصُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وهي حرف عطف عند من يجيز عطف الإنشاء على الخير، وابن هشام يعتبرها في مثل ذلك للسببيّة المحضة. (تربصوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الجنون واقعا به؛ فتربصوا، وانتظروا... إلخ، والكلام كله من مقول الملأ. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَتّى حِينٍ:﴾ متعلقان به أيضا. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (نوح). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، وهو مثل: ﴿يا قَوْمِ﴾ في إعرابه في الآية السابقة. ﴿اُنْصُرْنِي:﴾ فعل دعاء، والفاعل تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كَذَّبُونِ:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب تكذيبهم إياي، والجار، والمجرور متعلقان بما قبلهما، واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة ضعيف معنى، والكلام: ﴿رَبِّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ﴾ أي: إلى نوح، ﵇. وهذا بعد أن قال له في سورة (هود) ﵇: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾. هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة

стр. 3849

السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد ﷺ أجمعين، والوحي: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا؛ حيث تبني بيوتها على شكل هندسي يعجز عنه العقل البشري، ولها تنظيم في حياتها يدهش أولي الألباب. ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ أي: اعمل السفينة التي ستنجو فيها أنت، ومن آمن معك، وإني أحيلك على الآيات رقم [٣٦] وما بعدها من سورة (هود)، فإنك ستجد الشرح فيها وافيا كافيا، ومعنى (اسلك): أدخل فيها، واجعل فيها، يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه: إذا أدخلته. قال عبد مناف بن ربع الهذلي: [البسيط] حتّى إذا أسلكوهم في قتائدة... شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا قتائدة: موضع بعينه، والشل الطرد، والشرد جمع شرود. ومعنى ﴿سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: في تقدير الله الأزلي بهلاكه لكفره، وإنما جيء بعلى؛ لأن السابق ضار، كما جيء باللام حيث كان نافعا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ الآية رقم [١٠١] من سورة (الأنبياء). هذا؛ وقد قال الحسن-رحمه الله تعالى-: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد، أو يبيض، فأما البق، والذباب، والدود؛ فلم يحمل شيئا منها، وإنما خرج من الطين، والذين سبق عليه القول منهم هنا، ما عبر عنه في قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وكان من جملتهم ابنه كنعان، ووالدته كما رأيت في سورة (هود) ﵇. ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا:﴾ ولا تسألني نجاة الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي. ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ:﴾ لا محالة لظلمهم أنفسهم بالشرك، والمعاصي. هذا؛ وتأكيد الجملة الاسمية ب: (إنّ) لأن المقام يقتضي ذلك، فكأن سائلا سأل عن سبب النهي، فجيء بإن المؤكدة، وهذا من مباحث علم المعاني، كما لا يخفى. هذا؛ وقد يعترض بعض الناس على سبق قضاء الله، وقدره بكفر الكافرين، فيقول: إذن لا مؤاخذة عليهم، فكيف يعذبهم الله ما داموا مقدرا عليهم ذلك؟ والجواب: أن هذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن العبد منهم لو ترك، وشأنه لم يختر سوى الكفر، والضلال، ولذا قدره الله عليهم، هذا بالإضافة لما نصب لهم في هذا الكون من دلائل على قدرته، ووحدانيته، وبعد أن بين الله لكل واحد منهم طريق الخير، وطريق الشر، والحسن، والقبيح، كما قال جل ذكره: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير، وطريق الشر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَأَوْحَيْنا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أوحينا): فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. ﴿اِصْنَعِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْفُلْكَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها من

стр. 3850

الإعراب. هذا؛ وبعضهم يعتبر ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، في محل نصب مفعول به. والمعتمد الأول. ﴿بِأَعْيُنِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْفُلْكَ﴾ أي: مصنوعا بأعيننا. أو من الفاعل المستتر، التقدير: محفوظا برعايتنا. و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَوَحْيِنا:﴾ معطوف على ما قبله، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿جاءَ أَمْرُنا﴾ في محل جر بإضافة (إذا) على القول المشهور المرجوح، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فَاسْلُكْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اسلك): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له أيضا. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ كُلٍّ:﴾ هنا قراءتان: يقرأ (كل) بالإضافة وبدون تنوين، وفيه وجهان: أحدهما: أنّ ﴿اِثْنَيْنِ﴾ مفعول به، وعليه فالجار والمجرور ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿اِثْنَيْنِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والثاني: أن ﴿مِنْ﴾ زائدة، وكل مفعول به مجرور لفظا، منصوب محلا، وعليه ف: ﴿اِثْنَيْنِ﴾ توكيد، وهذا على قول الأخفش، الذي يجيز زيادة «من» في الإيجاب، والقراءة الثانية بتنوين (كلّ) ولا إضافة، وعليه فمفعول (اسلك) هو ﴿زَوْجَيْنِ،﴾ و ﴿اِثْنَيْنِ﴾ توكيد له، والجار والمجرور: ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ يحتمل تعليقهما ب: (اسلك) ويحتمل تعليقهما بمحذوف حال من ﴿زَوْجَيْنِ﴾ كان صفة له، التقدير: اسلك زوجين اثنين حالة كونهما من كل صنف من أصناف الحيوانات. ولا تنس: أن القراءتين ترجعان إلى معنى واحد، معه آخر لا يستغنى عنه. ﴿وَأَهْلَكَ:﴾ معطوف على مفعول (اسلك) على القراءتين. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء. ﴿سَبَقَ:﴾ ماض. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان به. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا ب: (على) و (من) بيان لما أبهم في ﴿مِنْ،﴾ وجملة: ﴿سَبَقَ..﴾. إلخ صلة ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (على). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تُخاطِبْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (اسلك...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فِي الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُغْرَقُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها.

стр. 3851

﴿فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ﴾ أي: علوت على السفينة، واستقررت فيها. ﴿وَمَنْ مَعَكَ﴾ أي: من الذين آمنوا معك. ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي..﴾. إلخ: أمر الله نوحا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بالأمر بالدعاء والثناء المذكورين، إظهارا لفضله، وإشعارا بأن في دعائه، وحمده مندوحة عن دعاء قومه، وحمدهم، وثنائهم. هذا؛ والمراد ب: ﴿الظّالِمِينَ﴾ الكافرين، وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، لا سيما من قرأ القرآن، واطّلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب. هذا؛ وانظر (الظلم) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج). هذا؛ و ﴿الْحَمْدُ﴾ في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التبجيل، والتعظيم، سواء أكان في مقابلة نعمة أم لا؟ فالأول كمن يحسن إليك، والثاني كمن يجيد صلاته، وهو في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبي عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعما على الحامد أو غيره سواء أكان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان التي هي الأعضاء، كما قال القائل: [الطويل] أفادتكم النّعماء منّي ثلاثة... يدي ولساني والضمير المحجّبا ومما هو جدير بالذكر: أن معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح، فهو: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. الإعراب: ﴿فَإِذَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية السابقة. ﴿اِسْتَوَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المتصل. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على الضمير المتصل، وهو التاء. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْفُلْكِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿اِسْتَوَيْتَ﴾. ﴿فَقُلِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قل...) إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر

стр. 3852

صفة (الله) أو بدل منه. ﴿نَجّانا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة القوم مجرور... إلخ. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي..﴾. إلخ: قيل: هذا الأمر لنوح كان حين دخل السفينة، فيكون قوله: ﴿مُبارَكاً﴾ يعني: بالسلامة، والنجاة. وقال ابن عباس، ومجاهد-﵄: هذا حين خرج من السفينة، مثل قوله تعالى له في الآية رقم [٤٨] من سورة (هود): ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾. وهذا هو المعتمد. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وبالجملة فالآية تعليم من الله تعالى لعباده إذا ركبوا، وإذا نزلوا أن يقولوا هذا، بل وإذا دخلوا بيوتهم، وسلموا قالوا ذلك. وروي عن علي-﵁-أنه كان إذا دخل المسجد قال: (اللهمّ أنزلني منزلا مباركا، وأنت خير المنزلين). انتهى. ويقرأ: (منزلا) بضم الميم وفتح الزاي، وبفتح الميم وكسر الزاي، قراءتاه سبعيتان، وعلى القراءتين يحتمل أن يكون كل منهما مصدرا ميميا، وأن يكون اسم مكان، وانظر ﴿مُدْخَلاً﴾ في الآية رقم [٥٩] من سورة (الحج). هذا؛ وكسر الزاي هنا في القراءة الثانية لكسرها في المضارع، وفتحت الخاء في ﴿مُدْخَلاً﴾ لضمها في المضارع. تأمل، وتدبر. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: ما ذكر من أمر نوح، وسفينته، ونجاته وهلاك الكافرين. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات على كمال قدرة الله تعالى، وأنه ينصر أنبياءه، ويهلك أعداءه، ﴿وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: مختبرين قوم نوح وغيرهم من الأمم السابقة بإرسال الرسل إليهم، ليظهر المطيع منهم والعاصي، ويتبين للملائكة، وللناس حالهم، لا أن يستجد المولى سبحانه علما بأحوالهم. الإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، وانظر إعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٣] فهو مثله. ﴿أَنْزِلْنِي:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مُنْزَلاً:﴾ مفعول مطلق، أو هو ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. ﴿مُبارَكاً:﴾ صفة له. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، و (خير) مضاف، و ﴿الْمُنْزِلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الندائية والفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها.

стр. 3853

﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء، (آيات): اسم (إن) مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): مخففة من الثقيلة لا عمل لها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا) اسمها. ﴿لَمُبْتَلِينَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين المخففة والنافية. (مبتلين): خبر (كان) منصوب وعلامة نصبه الياء... إلخ، وهذا الإعراب إنما هو على مذهب البصريين، وأما الكوفيون فيعتبرون (إن) نافية، واللام بمعنى «إلا»، والتقدير عندهم: وما كنا إلا مبتلين، وعلى المذهبين فالجملة فعلية، وهي معطوفة على الجملة الاسمية قبلها لا محل لها مثلها. هذا؛ وقول الكوفيين: إن اللام بمعنى «إلا» مثل قولهم في قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٤٢٠] من كتابنا فتح القريب المجيب إعراب شواهد مغني اللبيب-: [البسيط] أمسى أبان ذليلا بعد عزّته... وما أبان لمن أعلاج سودان ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا:﴾ خلقنا، وأوجدنا. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ من بعد هلاك قوم نوح. ﴿قَرْناً آخَرِينَ:﴾ يعني: قوم عاد، وقيل: هم قوم ثمود. ﴿فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً:﴾ هو هود، أو صالح، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. والذين قالوا بالقول الأول استدلوا عليه بذكر قوم هود بعد ذكر قوم نوح في كثير من السور، والذين قالوا بالثاني استدلوا عليه بقوله تعالى في آخر القصة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ والذين قالوا بالقول الأول أولوا الصيحة بمطلق العذاب. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ..﴾. إلخ: هو مثل الآية رقم [٢٣]. هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وإنما جعل القرن موضع الإرسال ليدل على أنه لم يأتهم من مكان غير مكانهم، وإنما أوحي إليه، وهو بين أظهرهم. وانظر قول النسفي-رحمه الله تعالى-في الإعراب. هذا؛ و ﴿آخَرِينَ﴾ مفرده: آخر، وهو اسم على أفعل، والأنثى: أخرى، وجمعه: أخر، وأخريات. الإعراب: ﴿أَنْشَأْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (أرسلنا...) إلخ في الآية رقم [٢٣] لا محل لها مثلها. ﴿قَرْناً:﴾ مفعول به. ﴿آخَرِينَ:﴾ صفة ﴿قَرْناً﴾ وجمع؛ لأن ﴿قَرْناً﴾ يتضمن أفرادا كثيرين، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. (أرسلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿رَسُولاً،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على

стр. 3854

ما قبلها لا محل لها أيضا. هذا؛ وقد قال النسفي: الإرسال يعدى ب: «إلى» ولم يعد ب: «في» إلا هنا، وفي قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ﴾ ولكن الأمة، والقرية جعلت موضعا للإرسال ومثله قول رؤبة: [الرجز] أرسلت فيهم مصعبا ذا إقحام... طبّا فقيها بذوات الأبلام ﴿أَنِ:﴾ مفسرة؛ لأنّ (أرسلنا) متضمن معنى القول دون حروفه، وأجيز اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [٢٣]. هذا؛ ورؤبة يصف ممدوحه بأنه مسوّد في قومه ذو شجاعة فائقة، وبأنّه حاذق ماهر في حل القضايا المعقدة مثل الطبيب الماهر بجراحة النساء في أرحامهنّ. ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ هو مثل الآية رقم [٢٤] بلا فارق، والتقديم والتأخير في بعض الكلمات إنما هو للتفنن، وعطف الجملة هنا بالواو، وتلك بالفاء؛ لأن ما هنا عطف لما قالوه على ما قاله الرسول. ومعناه: أنه اجتمع في الحصول هذا الحق، وهذا الباطل، وليس بجواب للرسول متصل بكلامه، ولم يكن بالفاء، وجيء بالفاء في قصة نوح؛ لأنه جواب لقوله واقع عقيبه. انتهى. نسفي. ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ أي: بلقاء ما فيها من الحساب، والثواب، والعقاب، وغير ذلك. ﴿وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: وسعنا عليهم نعم الدنيا؛ حتى بطروا بسبب كثرة الأموال، والأولاد، مع الصحة، والعافية، وراحة البال، وهناءة الضمير. ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٤] فهو مثله، مع زيادة إيضاح هنا. الإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (أرسلنا...) إلخ ﴿مِنْ قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَلَأُ﴾ على اعتبار (أل) فيه للتعريف، أو بمحذوف صفة له على اعتبارها للجنس، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿قَوْمِهِ﴾ أو بدل منه، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (كذبوا بلقاء) معطوفة عليها لا محل لها مثلها، و (لقاء) مضاف، و ﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: ولقائهم الآخرة. ﴿وَأَتْرَفْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة،

стр. 3855

لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة (الحياة) مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وانظر إعراب: ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في الآية رقم [٢٤] وهي في محل نصب مقول القول مثلها أيضا. ﴿يَأْكُلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿بَشَرٌ﴾. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، واعتبارها مصدرية ضعيف، وجملة: ﴿تَأْكُلُونَ مِنْهُ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (من)، وجملة: ﴿يَأْكُلُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿بَشَرٌ﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة ﴿وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها، وإعرابها مثلها بلا فارق، وقد حذف العائد، أو الرابط لدلالة الأول عليه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً:﴾ المراد به: الرسول الذي دعاهم إلى توحيد الله، وعبادته. ﴿مِثْلَكُمْ:﴾ في أحوالكم، وتصرفاتكم، من أكل، وشرب، ونوم، ويقظة، وزواج، ومرض، وغير ذلك. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ أي: لمغبونون، ومغدورون بترككم آلهتكم، واتّباعكم إياه، وانقيادكم له من غير فضيلة له عليكم. ومن حمقهم الشديد: أنهم أبوا اتّباع مثلهم، وعبدوا أعجز منهم، وهي الحجارة؛ التي لا تنفع، ولا تضر. الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. واللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَطَعْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بَشَراً:﴾ مفعول به. ﴿مِثْلَكُمْ:﴾ صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل هنا. هذا؛ ونقل السيوطي في «همع الهوامع» عن شيخه الكافيجي: أن هذه هي «إذا» الشرطية، حذفت جملتها التي تضاف إليها، وعوض عنها التنوين كما في «يومئذ». ﴿لَخاسِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المدلول عليه باللام، وحذف جواب الشرط على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم هذا؛ والكلام كله من مقول الملأ. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
следующие страницы →