← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

﴿فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ﴾ أي: علوت على السفينة، واستقررت فيها. ﴿وَمَنْ مَعَكَ﴾ أي: من الذين آمنوا معك. ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي..﴾. إلخ: أمر الله نوحا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بالأمر بالدعاء والثناء المذكورين، إظهارا لفضله، وإشعارا بأن في دعائه، وحمده مندوحة عن دعاء قومه، وحمدهم، وثنائهم. هذا؛ والمراد ب: ﴿الظّالِمِينَ﴾ الكافرين، وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، لا سيما من قرأ القرآن، واطّلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب. هذا؛ وانظر (الظلم) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج). هذا؛ و ﴿الْحَمْدُ﴾ في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التبجيل، والتعظيم، سواء أكان في مقابلة نعمة أم لا؟ فالأول كمن يحسن إليك، والثاني كمن يجيد صلاته، وهو في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبي عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعما على الحامد أو غيره سواء أكان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان التي هي الأعضاء، كما قال القائل: [الطويل] أفادتكم النّعماء منّي ثلاثة... يدي ولساني والضمير المحجّبا ومما هو جدير بالذكر: أن معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح، فهو: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. الإعراب: ﴿فَإِذَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية السابقة. ﴿اِسْتَوَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المتصل. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على الضمير المتصل، وهو التاء. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْفُلْكِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿اِسْتَوَيْتَ﴾. ﴿فَقُلِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قل...) إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر

стр. 3852

صفة (الله) أو بدل منه. ﴿نَجّانا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة القوم مجرور... إلخ. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي..﴾. إلخ: قيل: هذا الأمر لنوح كان حين دخل السفينة، فيكون قوله: ﴿مُبارَكاً﴾ يعني: بالسلامة، والنجاة. وقال ابن عباس، ومجاهد-﵄: هذا حين خرج من السفينة، مثل قوله تعالى له في الآية رقم [٤٨] من سورة (هود): ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾. وهذا هو المعتمد. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وبالجملة فالآية تعليم من الله تعالى لعباده إذا ركبوا، وإذا نزلوا أن يقولوا هذا، بل وإذا دخلوا بيوتهم، وسلموا قالوا ذلك. وروي عن علي-﵁-أنه كان إذا دخل المسجد قال: (اللهمّ أنزلني منزلا مباركا، وأنت خير المنزلين). انتهى. ويقرأ: (منزلا) بضم الميم وفتح الزاي، وبفتح الميم وكسر الزاي، قراءتاه سبعيتان، وعلى القراءتين يحتمل أن يكون كل منهما مصدرا ميميا، وأن يكون اسم مكان، وانظر ﴿مُدْخَلاً﴾ في الآية رقم [٥٩] من سورة (الحج). هذا؛ وكسر الزاي هنا في القراءة الثانية لكسرها في المضارع، وفتحت الخاء في ﴿مُدْخَلاً﴾ لضمها في المضارع. تأمل، وتدبر. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: ما ذكر من أمر نوح، وسفينته، ونجاته وهلاك الكافرين. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات على كمال قدرة الله تعالى، وأنه ينصر أنبياءه، ويهلك أعداءه، ﴿وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: مختبرين قوم نوح وغيرهم من الأمم السابقة بإرسال الرسل إليهم، ليظهر المطيع منهم والعاصي، ويتبين للملائكة، وللناس حالهم، لا أن يستجد المولى سبحانه علما بأحوالهم. الإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، وانظر إعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٣] فهو مثله. ﴿أَنْزِلْنِي:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مُنْزَلاً:﴾ مفعول مطلق، أو هو ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. ﴿مُبارَكاً:﴾ صفة له. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، و (خير) مضاف، و ﴿الْمُنْزِلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الندائية والفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها.

стр. 3853

﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء، (آيات): اسم (إن) مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): مخففة من الثقيلة لا عمل لها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا) اسمها. ﴿لَمُبْتَلِينَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين المخففة والنافية. (مبتلين): خبر (كان) منصوب وعلامة نصبه الياء... إلخ، وهذا الإعراب إنما هو على مذهب البصريين، وأما الكوفيون فيعتبرون (إن) نافية، واللام بمعنى «إلا»، والتقدير عندهم: وما كنا إلا مبتلين، وعلى المذهبين فالجملة فعلية، وهي معطوفة على الجملة الاسمية قبلها لا محل لها مثلها. هذا؛ وقول الكوفيين: إن اللام بمعنى «إلا» مثل قولهم في قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٤٢٠] من كتابنا فتح القريب المجيب إعراب شواهد مغني اللبيب-: [البسيط] أمسى أبان ذليلا بعد عزّته... وما أبان لمن أعلاج سودان ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا:﴾ خلقنا، وأوجدنا. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ من بعد هلاك قوم نوح. ﴿قَرْناً آخَرِينَ:﴾ يعني: قوم عاد، وقيل: هم قوم ثمود. ﴿فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً:﴾ هو هود، أو صالح، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. والذين قالوا بالقول الأول استدلوا عليه بذكر قوم هود بعد ذكر قوم نوح في كثير من السور، والذين قالوا بالثاني استدلوا عليه بقوله تعالى في آخر القصة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ والذين قالوا بالقول الأول أولوا الصيحة بمطلق العذاب. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ..﴾. إلخ: هو مثل الآية رقم [٢٣]. هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وإنما جعل القرن موضع الإرسال ليدل على أنه لم يأتهم من مكان غير مكانهم، وإنما أوحي إليه، وهو بين أظهرهم. وانظر قول النسفي-رحمه الله تعالى-في الإعراب. هذا؛ و ﴿آخَرِينَ﴾ مفرده: آخر، وهو اسم على أفعل، والأنثى: أخرى، وجمعه: أخر، وأخريات. الإعراب: ﴿أَنْشَأْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (أرسلنا...) إلخ في الآية رقم [٢٣] لا محل لها مثلها. ﴿قَرْناً:﴾ مفعول به. ﴿آخَرِينَ:﴾ صفة ﴿قَرْناً﴾ وجمع؛ لأن ﴿قَرْناً﴾ يتضمن أفرادا كثيرين، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. (أرسلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿رَسُولاً،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على

стр. 3854

ما قبلها لا محل لها أيضا. هذا؛ وقد قال النسفي: الإرسال يعدى ب: «إلى» ولم يعد ب: «في» إلا هنا، وفي قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ﴾ ولكن الأمة، والقرية جعلت موضعا للإرسال ومثله قول رؤبة: [الرجز] أرسلت فيهم مصعبا ذا إقحام... طبّا فقيها بذوات الأبلام ﴿أَنِ:﴾ مفسرة؛ لأنّ (أرسلنا) متضمن معنى القول دون حروفه، وأجيز اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [٢٣]. هذا؛ ورؤبة يصف ممدوحه بأنه مسوّد في قومه ذو شجاعة فائقة، وبأنّه حاذق ماهر في حل القضايا المعقدة مثل الطبيب الماهر بجراحة النساء في أرحامهنّ. ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ هو مثل الآية رقم [٢٤] بلا فارق، والتقديم والتأخير في بعض الكلمات إنما هو للتفنن، وعطف الجملة هنا بالواو، وتلك بالفاء؛ لأن ما هنا عطف لما قالوه على ما قاله الرسول. ومعناه: أنه اجتمع في الحصول هذا الحق، وهذا الباطل، وليس بجواب للرسول متصل بكلامه، ولم يكن بالفاء، وجيء بالفاء في قصة نوح؛ لأنه جواب لقوله واقع عقيبه. انتهى. نسفي. ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ أي: بلقاء ما فيها من الحساب، والثواب، والعقاب، وغير ذلك. ﴿وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: وسعنا عليهم نعم الدنيا؛ حتى بطروا بسبب كثرة الأموال، والأولاد، مع الصحة، والعافية، وراحة البال، وهناءة الضمير. ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٤] فهو مثله، مع زيادة إيضاح هنا. الإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (أرسلنا...) إلخ ﴿مِنْ قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَلَأُ﴾ على اعتبار (أل) فيه للتعريف، أو بمحذوف صفة له على اعتبارها للجنس، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿قَوْمِهِ﴾ أو بدل منه، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (كذبوا بلقاء) معطوفة عليها لا محل لها مثلها، و (لقاء) مضاف، و ﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: ولقائهم الآخرة. ﴿وَأَتْرَفْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة،

стр. 3855

لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة (الحياة) مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وانظر إعراب: ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في الآية رقم [٢٤] وهي في محل نصب مقول القول مثلها أيضا. ﴿يَأْكُلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿بَشَرٌ﴾. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، واعتبارها مصدرية ضعيف، وجملة: ﴿تَأْكُلُونَ مِنْهُ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (من)، وجملة: ﴿يَأْكُلُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿بَشَرٌ﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة ﴿وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها، وإعرابها مثلها بلا فارق، وقد حذف العائد، أو الرابط لدلالة الأول عليه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً:﴾ المراد به: الرسول الذي دعاهم إلى توحيد الله، وعبادته. ﴿مِثْلَكُمْ:﴾ في أحوالكم، وتصرفاتكم، من أكل، وشرب، ونوم، ويقظة، وزواج، ومرض، وغير ذلك. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ أي: لمغبونون، ومغدورون بترككم آلهتكم، واتّباعكم إياه، وانقيادكم له من غير فضيلة له عليكم. ومن حمقهم الشديد: أنهم أبوا اتّباع مثلهم، وعبدوا أعجز منهم، وهي الحجارة؛ التي لا تنفع، ولا تضر. الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. واللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَطَعْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بَشَراً:﴾ مفعول به. ﴿مِثْلَكُمْ:﴾ صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل هنا. هذا؛ ونقل السيوطي في «همع الهوامع» عن شيخه الكافيجي: أن هذه هي «إذا» الشرطية، حذفت جملتها التي تضاف إليها، وعوض عنها التنوين كما في «يومئذ». ﴿لَخاسِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المدلول عليه باللام، وحذف جواب الشرط على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم هذا؛ والكلام كله من مقول الملأ. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.

стр. 3856

﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ أي: هود النبي. ﴿أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً﴾ أي: مجردة من اللحوم، أو صارت تلك العظام ترابا متفتتا. ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ أي: مبعوثون من قبوركم. ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: هي كلمة للبعد، كأنهم قالوا: بعيد بعيد ما توعدون. قال ابن الأنباري: وفي هيهات عشر لغات: بفتح التاء، وهي قراءة الجماعة، وهيهات بكسرها من غير تنوين، وهيهات بالخفض، والتنوين، وهيهات بالضم من غير تنوين، وبالرفع مع التنوين، وهيهاتا بالنصب والتنوين، ومثله قول الأحوص: [الطويل] تذكّرت أياما مضين من الصّبا... وهيهات هيهاتا إليك رجوعها واللغة السابعة: أيهات أيهات، وأنشد الفراء قول جرير: [الطويل] فأيهات أيهات العقيق ومن به... وأيهات خلّ بالعقيق نواصله وقرأ عيسى الهمداني «(هيهات هيهات)» بالإسكان، قال ابن الأنباري: ومن العرب من يقول: أيهان، ومنهم من يقول: أيها بلا نون، وأنشد الفراء قول الشاعر: [الطويل] ومن دوني الأعيان والقنع كلّه... وكتمان أيها ما أشتّ وأبعدا الأعيان، والقنع، وكتمان كلها مواضع. انتهى. قرطبي بتصرف كبير مني. وألفت النظر إلى أنه لم يرد هذا اللفظ في القرآن في غير هذا الموضع. هذا؛ وانظر ﴿مِتَّ﴾ في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء). و (يعد) أصله: يوعد؛ لأن ماضيه: وعد، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها: الياء، والكسرة. وانظر الوعد ووفاءه في الآية رقم [٥٤]. من سورة (مريم). الإعراب: ﴿أَيَعِدُكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (يعدكم): مضارع، والفاعل يعود إلى الرسول المعبر عنه ب: (بشر،) والكاف مفعول به أول. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُخْرَجُونَ﴾. ﴿مِتُّمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. (كنتم): ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُراباً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. (عظاما): معطوف على ﴿تُراباً﴾. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ قال سيبويه: بدل من الأولى، وقال الفراء، والجرمي، والمبرد: مكررة للتوكيد، لما طال الكلام كان تكريرها حسنا. وقال الأخفش: (أنّ) الثانية تؤول مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل رفع فاعل بفعل مضمر يقع جوابا ل: ﴿إِذا،﴾ و (إذا) ومدخولها في محل رفع خبر (أنّ) الأولى.

стр. 3857

هذا؛ وقال الجمل: وعبارة السمين: ﴿أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ..﴾. إلخ فيه أوجه: أحدها: أن اسم الأولى مضاف لضمير الخطاب حذف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والخبر قوله: ﴿إِذا مِتُّمْ﴾ و ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ تكرير؛ ل: (أنّ) الأولى للتوكيد، والدلالة على المحذوف. والمعنى: أن إخراجكم إذا متم، وكنتم. والثاني: أن خبر (أن) الأولى هو ﴿مُخْرَجُونَ﴾ وهو العامل في ﴿إِذا﴾ وكررت الثانية توكيدا لما طال الفصل. وإليه ذهب الجرمي، والمبرد، والفراء. والثالث: أن خبر (أن) الأولى محذوف، لدلالة خبر الثانية عليه، تقديره: أنكم تبعثون، وهو العامل في الظرف، و (أنّ) الثانية وما في حيزها بدل من الأولى. وهذا مذهب سيبويه. والرابع: أن يكون ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ مبتدأ، وخبره الظرف مقدما عليه، والجملة خبر عن ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى، والتقدير: أيعدكم أنكم إخراجكم كائن، أو مستقر وقت موتكم. ولا يجوز أن يكون العامل في ﴿إِذا﴾ ﴿مُخْرَجُونَ﴾ على كل قول؛ لأن ما في حيز (أنّ) لا يعمل فيما قبلها، ولا يعمل فيها ﴿مِتُّمْ﴾ لأنه مضاف إليه، و ﴿أَنَّكُمْ﴾ وما في حيزه في محل نصب أو جر بعد حذف حرف الجر؛ إذ الأصل أيعدكم بأنكم. ويجوز ألا يقدر حرف جر، فيكون في محل نصب فقط انتهى. والمعتمد: أنه في محل جر بحرف جر محذوف، وهو مفاد كلام ابن هشام في المغني، والجار والمجرور هما المفعول الثاني، والجملة الفعلية: ﴿أَيَعِدُكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول الملأ. ﴿هَيْهاتَ:﴾ اسم فعل ماض مبني على الفتح، و ﴿هَيْهاتَ﴾ الثاني توكيد لفظي لا فاعل له، أما فاعل الأول ففيه وجهان: أحدهما: هو ضمير، تقديره: هيهات وقوع، وحصول خروجنا من القبور. ﴿لِما:﴾ اللام: حرف جر. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفاعل المحذوف؛ لأنه مصدر، واللام فيها معنى التبيين. الوجه الثاني: أن اللام زائدة، و (ما) هي الفاعل. قال ابن الأنباري: ترفع الظاهر، ولا يرفع بها المضمر، وأنشد بيت جرير السابق. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة صلة (ما) والعائد محذوف؛ إذ التقدير: للذي توعدونه. هذا؛ وقد رأيت في بعض القراآت: أنه قد نون هيهات؛ وعليه فهو مصدر مبتدأ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره، وعلى الاعتبارين: الفعلية، والاسمية؛ فالكلام مقول من الملأ. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا:﴾ أصله: إن الحياة إلا الحياة الدنيا، فأقيم الضمير مقام الأولى، لدلالة الثانية عليها حذرا من التكرير، وإشعارا بأن تعيينها مغن عن التصريح بها، كقوله: [الطويل] هي النّفس ما حمّلتها تتحمّل

стр. 3858

وهذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا ما يتلوه من بيانه، ولا يقال له: ضمير القصة؛ لأن ضمير القصة يجب تفسيره بجملة، ومعناه: لا حياة إلا هذه الحياة الدنيا. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيا:﴾ قيل: معناه: نحيا، ونموت، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ وقيل: نموت، أي: الآباء، ونحيا، أي: الأولاد، وقيل: المعنى: يموت قوم، ويحيا قوم. هذا؛ وفيهما مطابقة بين الموت والحياة، وهي من المحسنات البديعية، كما هو معروف، ومسطور. ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أي: من القبور بعد الموت، فهم يقرون بالموت، ويعترفون بوقوعه، ولكنهم ينكرون البعث، والحشر للحساب، والجزاء، وهذا ديدن الأمم السابقة في ذلك، وقريش كانت أشد الإنكار له، وفي عصرنا هذا؛ وجد كثيرون ينكرونه، وهم من أبناء المسلمين، فإذا كان كفار قريش قالوا كما حكى الله عنهم: ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ فأبناء المسلمين الملحدون يقولون: إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿حَياتُنَا:﴾ خبر المبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة له مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿نَمُوتُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الضمير فقط. وقول الجمل: جملة مفسرة لما ادعوه من أن حياتهم هي الحياة الدنيا؛ هذا حل معنى، لا حل إعراب، تأمّل. وجملة ﴿وَنَحْيا﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو هي واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمَبْعُوثِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مبعوثين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية: ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، أو هي في محل نصب حال من (نا) فتكون حالا متعددة بنفسها، والرابط: الواو، والضمير، وعلى الأول فهي متعددة بسبب العطف. هذا؛ وإن اعتبرتها حالا من فاعل ﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ فهي حال متداخلة، وهذا أقوى؛ لأن فيها معنى التوكيد. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ:﴾ يعنون الرسول المرسل إليهم. ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي: اختلق من تلقاء نفسه ما يدعيه من الرسالة، أو فيما يعدنا من البعث، والحساب، والجزاء... إلخ. ﴿وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ:﴾ بمصادقين له فيما يدعيه. هذا؛ وانظر شرح (الإيمان) في الآية رقم [١٤] من سورة (الحج).

стр. 3859

الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رَجُلٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿اِفْتَرى:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿كَذِباً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿كَذِباً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِفْتَرى..﴾. إلخ في محل صفة ﴿رَجُلٌ﴾. هذا؛ وإعراب: ﴿وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مثل إعراب ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بلا فارق، والجار والمجرور ﴿اللهِ﴾ متعلقان ب: (مؤمنين)، والجملة الاسمية هنا في محل نصب حال من ﴿رَجُلٌ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. وساغ مجيء الحال من النكرة؛ لأنها تخصصت بالوصف، ولا تنس: أن الكلام كله في الآية من مقول الملأ في الآية رقم [٣٣]. ﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤١)﴾ الشرح: قال: أي: هود أو صالح-﵉-كما رأيت في الآية رقم [٣١] ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ:﴾ شرح هذه الجملة مثل الآية رقم [٢٦] مع معرفة الفرق بين القائلين الداعيين. ﴿قالَ﴾ أي: الله مجيبا دعوة الرسول الداعي على قومه بالهلاك، والنصرة له عليهم. ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أي: بعد زمن قليل. ﴿لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ:﴾ على كفرهم، وتكذيبهم، وعدم إيمانهم، وذلك إذا عاينوا مقدمات العذاب الأليم، والعقاب الشديد. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ:﴾ صاح بهم جبريل ﵇ صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم الله تعالى بها، فماتوا عن آخرهم، ومعنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالعدل من الله حيث استحقوا ذلك العذاب بكفرهم، وعنادهم، يقال: فلان يقضي بالحق، أي: بالعدل، والإنصاف. ﴿فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً﴾ أي: هلكى هامدين، كغثاء السيل، وهو ما يحمله من بالي الشجر، والحشيش، والقصب مما يبس، وتفتت. ومثله الجفاء، ويجمع على: أغثية، كغراب، وأغربة، وعلى: غثيان، كغراب، وغربان، وخذ ما يلي: عن ثوبان-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: أمن قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن». قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حبّ الدّنيا وكراهية الموت». رواه أبو داود، وأحمد، وغيرهما. ﴿فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: هلاكا لهم، يقال: بعد فلان بكسر العين بعدا بضم فسكون، وبعدا بفتحتين: إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك، وخص بدعاء السوء. انتهى.

стр. 3860

بيضاوي، وقال القرطبي: والبعد: الهلاك، والبعد: التباعد من الخير، يقال: بعد يبعد بعدا؛ إذا تأخر، وتباعد، وبعد يبعد بعدا: إذا هلك. قالت خرنق أخت طرفة بن العبد البكري لأمه: [السريع] لا يبعدن قومي الّذين همو... سمّ العداة، وآفة الجزر وقال النابغة الذبياني: [الطويل] لا تبعدن إنّ المنيّة منهل... وكلّ امرئ يوما به الحال زائل وخذ قول فاطمة بنت الأخرم الخزاعية تبكي إخوتها: [المديد] إخوتي لا تبعدوا أبدا... وبلى والله قد بعدوا كلّ ما حيّ وإن أمروا... واردو الحوض الذي وردوا وانظر التعبير ب: ﴿الظّالِمِينَ﴾ ونحوه عن «الكافرين» هنا وفي الآية رقم [٢٨] ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى التكلم، وانظر (الأنبياء) [٣٤]. الإعراب: ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦] فالإعراب فيها واف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَمّا قَلِيلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، أو ب: ﴿نادِمِينَ﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف يدل عليه ما قبله، التقدير: ننصرك عما قليل، و (ما): مقحمة بين الجار والمجرور، وقيل: هي نكرة موصوفة بمعنى: «شيء»، فيكون ﴿قَلِيلٍ﴾ صفة لها، وقيل: هي بمعنى زمن فيكون ﴿قَلِيلٍ﴾ صفة، أو بدلا منه. ﴿لَيُصْبِحُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (يصبحن): مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوف لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة اسمه، والنون حرف لا محل له. هذا؛ وإعلاله مثل إعلال: (لتعلمن) في الآية رقم [٧١] من سورة (طه). ﴿نادِمِينَ:﴾ خبره، أو حال على اعتباره تاما من واو الجماعة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للقسم المقدر، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أخذتهم): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الصَّيْحَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الصَّيْحَةُ﴾. (جعلناهم): ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿غُثاءً:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَبُعْداً:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (بعدا): مفعول مطلق، لفعل محذوف لا يظهر. ﴿لِلْقَوْمِ:﴾ متعلقان بالمصدر، أو بمحذوف صفة له. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة القوم مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: (بعدا للقوم...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا؛ فبعدا... إلخ، والكلام مستأنف، لا محل له.

стр. 3861

﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا:﴾ تتواتر، وتتوالى، ويتبع بعضهم بعضا، وهذا التتابع بمهلة. وقيل: بغير مهلة. هذا؛ ويقرأ: «(تترى)» بالتنوين على أنه مصدر، وعلى القراءتين فالتاء الأولى منقلبة عن واو، أصله وترى، فقلبت الواو تاء، مثل: التقوى، والتكلان، وتجاه، ونحو ذلك. ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ:﴾ وتلك هي سنة الأمم الكافرة تكذب رسلها؛ ليحق عليها العذاب. ﴿فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى. ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ أي: حكايات وقصصا يتحدث من بعدهم بأمرهم، وشأنهم، و ﴿أَحادِيثَ﴾ اسم جمع للحديث. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] من سورة (الحج)، أو هو جمع: أحدوثة، وهي ما يتحدث به تلهيا، كأضاحيك جمع: أضحوكة، وأكاذيب جمع: أكذوبة، وأعاجيب جمع: أعجوبة، وهي ما يتعجب منه. قال الأخفش: إنما يقال هذا في

стр. 3862

الشر، ولا يقال في الخير، كما يقال: صار فلان حديثا، أي: عبرة ومثلا، كما قال في آية أخرى، وهي رقم [١٩] من سورة (سبأ): ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. قال القرطبي قلت: وقد يقال: فلان حديث حسن: إذا كان مقيدا بذكر ذلك. ومنه قول ابن دريد في مقصورته: [الرجز] وإنّما المرء حديث بعده... فكن حديثا حسنا لمن وعى هذا؛ ويجدر بي أن أذكر هنا قول أحمد شوقي رحمه الله تعالى: [الكامل] دقّات قلب المرء قائلة له: ... إنّ الحياة دقائق وثوان فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها... فالذّكر للإنسان عمر ثان ولا تنس: أن الذكر يكون بالخير لمن عمل صالحا، ونافعا، ويكون بالشر لمن عمل سيئا، ومضرا، فالأنبياء، والصالحاء من علماء وغيرهم يذكرون بالخير، والثناء عليهم. والفاسدون، والطاغون يذكرون بالسوء، والذم لهم أمثال فرعون، ويزيد بن معاوية، والحجاج، ومن على شاكلتهم إلى يوم القيامة. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٢٣] لا محل لها مثلها. ﴿تَتْرا:﴾ حال من ﴿أَرْسَلْنا﴾ بمعنى: متواترين، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. وعلى قراءته بالتنوين فهو مفعول مطلق عامله ﴿أَرْسَلْنا؛﴾ لأنه متضمن معنى: واترنا، أي: تابعنا. وقيل: هو نعت مصدر محذوف، التقدير: أرسلنا إرسالا متتابعا، أو إرسالا إثر إرسال. ﴿كُلَّ ما:﴾ (كل): ظريفة متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، و (ما): مصدرية توقيتية. ﴿جاءَ:﴾ ماض. ﴿أُمَّةً:﴾ مفعول به. ﴿رَسُولُها:﴾ فاعله، و (ها): في محل جر بالإضافة، و ﴿ما﴾ والفعل جاء في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كلّ) إليه، التقدير: كل وقت مجيء رسولها. وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل)، وقيل: ﴿ما﴾ نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا. ﴿كَذَّبُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّ ما﴾ لا محل لها، و ﴿كُلَّ ما﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معترض بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿فَأَتْبَعْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أتبعنا): فعل، وفاعل. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْضاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح. ﴿فَبُعْداً لِقَوْمٍ:﴾ هو مثل الآية رقم [٤١]، والجملة المنفية: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم).

стр. 3863

﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ:﴾ هذا الإرسال تجده موسعا، وواضحا في سورة (الأعراف) وفي سورة (الشعراء) وسورة (القصص). ﴿بِآياتِنا﴾ أي: التسع المذكورة بالتفصيل في سورة (الأعراف) رقم [١٣٠] وما بعدها. (سلطان مبين): حجة واضحة ملزمة للخصم، ويجوز أن يراد به: العصا. وإفرادها؛ لأنها أول المعجزات، وأمها، تعلقت بها معجزات شتى، كانقلابها حية، وتلقفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر عند ضربه بها، وانفجار العيون من الحجر كلما ضربه بها، وحراستها له، ومصيرها شمعة تضيء بالليل المظلم، وشجرة خضراء مثمرة، ورشاء، ودلوا، وغير ذلك، ويجوز أن يراد ب: (سلطان مبين) المعجزات، وبالآيات: الحجج الدامغات، وأن يراد بهما المعجزات جميعا، فإنها آيات للنبوة، وحجة بينة على ما يدعيه النبي. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ أي: أعوانه على الظلم، والجبروت، والفساد، والطغيان. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا:﴾ عن الإيمان بالله، والمتابعة لموسى وهارون على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَكانُوا قَوْماً عالِينَ﴾ أي: متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم، كما قال تعالى في سورة (القصص): ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ﴾. هذا؛ وأصل ﴿عالِينَ﴾ عاليين، فحذفت الكسرة التي على الياء لاستثقالها، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الياء التي هي علامة الجمع، وهذا في الجمع، كما تحذف من المفرد لالتقائها ساكنة مع التنوين. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. (أخاه): معطوف على موسى منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هارُونَ:﴾ بدل من (أخاه) أو عطف بيان عليه. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل أرسلنا، وهما مفعوله الثاني. و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة (سلطان). ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مُوسى﴾ و ﴿هارُونَ﴾ أي: حالة كونهما مبعوثين. وقيل: ﴿بِآياتِنا﴾ متعلقان بمحذوف حال أيضا. وما ذكرته سابقا أقوى، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَمَلائِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٢٣] لا محل لها مثلها. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية

стр. 3864

معطوفة على جملة: ﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْماً:﴾ خبر (كان). ﴿عالِينَ:﴾ صفة قوما منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿فَقالُوا﴾ أي: فرعون وملؤه. ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا:﴾ انظر الآية رقم [٢٤] وثني «البشر» هنا؛ لأنه يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ كما يطلق على الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ ولم يثن «المثل» لأنه في حكم المصدر، وقد جاءت تثنيته في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ الآية رقم [١٣] من سورة (آل عمران)، وجاء جمعه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ وقيل: إنما وحد؛ لأن المراد المماثلة في البشرية، وليس المراد الكمية، وقيل: اكتفى بالواحد عن الاثنين. ﴿وَقَوْمُهُما﴾ يعني: بني إسرائيل. ﴿لَنا عابِدُونَ:﴾ خادمون، منقادون، متذللون، كالعبيد. ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ أي: في الغرق في البحر، انظر تفصيل ذلك في سورة (الشعراء). الإعراب: ﴿فَقالُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق، وانظر ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام. ﴿أَنُؤْمِنُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (نؤمن): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿لِبَشَرَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِثْلِنا:﴾ صفة (بشرين) و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَقَوْمُهُما:﴾ الواو: واو الحال. (قومهما): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِثْلِنا:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عابِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَقَوْمُهُما..﴾. إلخ في محل نصب حال من بشرين، وسوغ ذلك الصفة، والرابط: الواو، والضمير، وجملة ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي معطوفة على ما قبلها لا محل لها. (كذبوهما): ماض، وفاعله، ومفعوله، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (قالوا...) إلخ لا محل لها مثلها. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنَ الْمُهْلَكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.

стр. 3865

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي: التوراة. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: قومه بني إسرائيل، ولم يتقدم لهم ذكر، ولا يجوز إرجاع الضمير إلى فرعون وملئه؛ لأن موسى أعطي التوراة بعد هلاك فرعون وقومه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ وقد أوتي موسى التوراة جملة واحدة. هذا؛ وخصّ موسى بالذكر؛ لأن التوراة أنزلت عليه في الطور وهارون خليفته في قومه، كما رأيت في سورة (الأعراف) وسورة (طه) ولو قيل: ولقد آتيناهما الكتاب؛ لجاز بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ﴾ الآية رقم [٤٨] من سورة (الأنبياء). ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ:﴾ إلى طريق الخير، والفلاح، والنجاح، ولكن أكثرهم كانوا غير مهتدين بدليل اتخاذهم العجل إلها في حياة موسى وهارون، وقتلهم كثيرا من الأنبياء بعدهما، مثل: يحيى، وزكريا، وغيرهما. هذا؛ والترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا! ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: بولادتها إياه من غير مسيس ذكر لها. فالآية أمر واحد مضاف إليهما. أو المعنى: جعلنا عيسى ابن مريم آية؛ بأن ظهر منه معجزات كثيرة، أهمّها: أنه تكلم في المهد، وجعلنا أمه آية بأن حملت وولدت من غير مسيس ذكر لها، فحذفت إحداهما لدلالة الثانية عليها. وانظر الآية رقم [٩١] من سورة (الأنبياء)، فالكلام فيهما واحد، والمعنى واحد. ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ﴾ أي: مكان مرتفع، قيل: هي دمشق، وقيل: هي مدينة الرملة بفلسطين. وقيل: هي بيت المقدس، وهو قول ابن عباس-﵄. قال كعب: بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقيل: هي مصر، وسبب الإيواء: أنها فرت بابنها إليها بصحبة يوسف النجار ابن عمها. ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أي: أرض مستوية يستقر عليها، وقيل: ذات ثمار، وزروع، فإن ساكنيها يستقرون فيها لأجلها. و (معين): ماء جار ظاهر للعيون، يقال: معين، ومعن، كما يقال: رغيف، ورغف، فهو فعيل من: معن الماء: إذا جرى، أو من الماعون، وهو المنفعة؛ لأنه نفاع، أو هو مفعول من عانه: إذا أدركه بعينه؛ لأنه لظهوره مدرك بالعيون. وصف ماؤها بذلك؛ لأنه الجامع لأسباب التنزه، وطيب المكان. وانظر شرح: ﴿ذاتِ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الحج)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [١٢] ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والكلام معطوف على ما في الآية رقم [٢٣] أو هو مستأنف لا محل

стр. 3866

له على الاعتبارين. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وجملة: ﴿يَهْتَدُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية تعليل للإتيان، لا محل لها. (جعلنا) فعل، وفاعل. ﴿اِبْنَ:﴾ مفعول به أول، وهو مضاف، و ﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. (أمه): معطوف على (ابن)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به ثان، وجملة ﴿وَجَعَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَآوَيْناهُما:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلى رَبْوَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ذاتِ:﴾ صفة ﴿رَبْوَةٍ،﴾ و ﴿ذاتِ﴾ مضاف، و ﴿قَرارٍ﴾ مضاف إليه. (معين): معطوف على ﴿قَرارٍ﴾ وهو صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل، وذات ماء معين. ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاِعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ..﴾. إلخ: قيل: أراد بالرسل محمدا ﷺ وحده، وقيل: أراد به عيسى ﵇ وحده، وقيل: أراد جميع الرسل. وخذ قول البيضاوي-رحمه الله تعالى-في ذلك، فقال: نداء، وخطاب لجميع الأنبياء، لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة واحدة؛ لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة، بل على معنى أن كلاّ منهم خوطب به في زمانه، فيدخل تحته عيسى دخولا أوليا، فيكون ابتداء كلام ذكر تنبيها على أن تهيئة أسباب التنعم لم تكن له خاصة، وأن إباحة الطيبات للأنبياء شرع قديم، واحتجاجا على الرهبانية في رفض الطيبات، أو حكاية لما ذكر لعيسى، وأمه عند إيوائهما إلى الربوة؛ ليقتديا بالرسل في تناول ما رزقا. وقيل: النداء له، ولفظ الجمع للتعظيم. والطيبات: ما يستلذ به من المباحات، وقيل: الحلال الصافي القوام، فالحلال ما لا يعصى الله فيه، والصافي ما لا ينسى الله فيه، والقوام: ما يمسك النفس، ويحفظ العقل. انتهى. هذا؛ وانظر عدد الرسل في سورة (الحج) [٤٢]. ﴿وَاعْمَلُوا صالِحاً﴾ أي: استقيموا على ما يوجبه الشرع، فإنه المقصود منكم، والنافع عند ربكم. ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي: فأجازيكم به. وفيه تحذير من مخالفة ما أمرهم الله به، قال الخازن-رحمه الله تعالى-: وإذا كان الرسل مع علو شأنهم كذلك؛ فلأن يكون تحذيرا لغيرهم أولى؛ لما روى أبو هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله طيّب لا يقبل إلا طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ «ثمّ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمدّ يده إلى السّماء: يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام. فأنّى يستجاب له؟». أخرجه مسلم.

стр. 3867

هذا؛ والمراد ب: ﴿الطَّيِّباتِ﴾ الحلالات، والحلال هو المراد عند الإطلاق، سواء أكان مستلذا أم لا؛ لأن الحرام خبيث، ونجس، ورديء؛ وإن كان مستلذا عند من يأكله من فاسقين، ومجرمين؛ الذين لا يبالون بما أخذوا، وما أكلوا؛ حتى حقّ، وصدق عليهم قول الرسول ﷺ : «يأتي على الناس زمان، لا يبالي المرء ما أخذ أمن الحلال أم من الحرام». رواه البخاري عن أبي هريرة-﵁. هذا؛ والأمر بالأكل مستعمل في كل من الوجوب، والندب والإباحة، فالأول: إذا كان لقيام البدن، والثاني: كالأكل مع الضيف، والثالث: في غير ما ذكر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو» أو أنادي. (أيها): نكرة: مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الرُّسُلُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل فيه أن الاسم الواقع بعد أي واسم إشارة، إن كان مشتقا فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا، فهو بدل، أو عطف بيان، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الحج) إن أردت الزيادة، والجملة الندائية ابتدائية، لا محل لها. ﴿كُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. وهذا؛ والمفعول محذوف، تقديره: كلوا رزقكم. ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وجوز الأخفش اعتبار ﴿مِنَ﴾ زائدة في الإيجاب، فيكون ﴿الطَّيِّباتِ﴾ مفعولا به، مجرورا لفظا، منصوبا محلا. والمعتمد الأول، وجملة: ﴿وَاعْمَلُوا صالِحاً﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، و ﴿صالِحاً﴾ صفة لموصوف محذوف هو المفعول، التقدير: اعملوا عملا صالحا. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و (ما): تحتمل الموصوفة، والموصولة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالياء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: ملتكم ملة واحدة متحدة في العقائد، أو أصول الشرائع، أو: جماعتكم جماعة واحدة متفقة على الإيمان، والتوحيد في العباد، والخطاب لأمة محمد ﷺ . ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ أي: متولي أموركم، ومالك جميع شؤونكم فخافون واحذرون. وقيل: المعنى: أمرتكم بما أمرت به المرسلين قبلكم، فأمركم واحد، وأنا ناصركم على

стр. 3868

أعدائكم فاتقون، وينبغي أن تعلم: أن الآية مذكورة بجميع ألفاظها برقم [٩٢] من سورة (الأنبياء) مع إبدال ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ هناك بقوله: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ هنا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم (إنّ) والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أُمَّتُكُمْ:﴾ خبر (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: (إني بما...) إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها، أو هي مستأنفة، وبه قال أبو البقاء، وغيره، وهذا على كسر الهمزة. ﴿أُمَّةً:﴾ حال من ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ والعامل اسم الإشارة. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة ﴿أُمَّةً﴾. ﴿وَأَنَا:﴾ الواو: واو الحال. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، وقد جاءت الحال من المضاف إليه، وانظر الآية رقم [٧٢] من سورة (الحج) أو هي مستأنفة، لا محل لها، وأجيز عطفها على الجملة الاسمية قبلها. ﴿فَاتَّقُونِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اتقون): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فاتقون. وهذا الكلام مستأنف لا محل له. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة (أنّ) مع التشديد، والإعراب كما سبق، ويقرأ بفتح الهمزة مع التخفيف على أن اسمها ضمير الشأن، وما بعدها مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل رفع خبرها، وعلى القراءتين تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو مجرور بحرف جر محذوف، التقدير: لأن هذه... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿فَاتَّقُونِ﴾. الوجه الثاني: أنه معطوف على ما قبله مع تقدير الباء؛ إذ التقدير: إني بما تعملون عليم، وبأن هذه. والثالث: أن في الكلام حذفا، التقدير: واعلموا: أن هذه... إلخ، وهذا معزوّ للفراء، والوجه الأول مغزوّ لسيبويه على حد قوله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ..﴾. إلخ انتهى. عكبري، وقرطبي بتصرف مني. هذا؛ وفي الآية قراآت، وأوجه إعراب، كما في آية سورة (الأنبياء) ينبغي ملاحظتها. ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ:﴾ اختلف بنو آدم في الدين، فصاروا فرقا، وأحزابا، فمن موحد، ومن يهودي، ومن نصراني، ومن عابد صنم، ومن عابد شخص، حتى لعن بعضهم بعضا، وتبرأ بعضهم من بعض. ثم ذكر الله تعالى أن كلاّ منهم معجب برأيه، وضلالته. وهذا غاية الضلال. ومعنى ﴿زُبُراً:﴾ كتبا وضعوها، وضلالات افتروها. قاله ابن زيد، وقيل: إنهم

стр. 3869

فرقوا الكتب، فاتبعت فرقة الصحف، وفرقة التوراة، وفرقة الزبور، وفرقة الإنجيل، ثم حرّف الكلّ وبدّل. قاله قتادة. وقيل: المعنى: أخذ كل فريق منهم كتابا آمن به، وكفر بما سواه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٣] من سورة (الأنبياء)، ففيها عظيم الفائدة. ﴿كُلُّ حِزْبٍ:﴾ كل فريق، وملة. هذا؛ والحزب في اللغة: أصحاب الرجل الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه، يعني: أهمه، والجمع: أحزاب. ﴿بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ:﴾ مسرورون، معجبون به، معتقدون أنه الحق. هذا؛ وقال القرطبي: وهذه الآية مثال لقريش خاطب به محمدا ﷺ في شأنهم متصلا بقوله: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ الآية التالية. هذا؛ و ﴿لَدَيْهِمْ﴾ ظرف مكان بمعنى: عند، وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا، قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، ثم اعلم: أن «عند» أمكن من «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به. ويمتنع ذلك في: «لدي»، ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه، والثاني: أنك تقول: عندي مال (وإن كان غائبا) ولا تقول: لدي مال (إلا إذا كان حاضرا) قاله جماعة. خاتمة: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذه الآية تنظر إلى قوله ﷺ : «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة، وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنّة، وهي الجماعة». الحديث. أخرجه أبو داود، ورواه الترمذي، وزاد: قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو، وهذا يبين: أن الافتراق المحذر منه في الآية، والحديث، إنما هو في أصول الدين، وقواعده؛ لأنه قد أطلق عليها مللا، وأخبر: أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار، ومثل هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديد الملل، ولا عذاب النار. انتهى. أقول: إنما يعني رحمه الله تعالى المذاهب الأربعة المختلفة في بعض الأحكام، فأهل هذه المذاهب يطلق عليهم اسم أهل السنة، والجماعة؛ لأنهم هم المتمسكون بسنّة رسول الله ﷺ ، وسنّة خلفائه الراشدين، وصحابته المهتدين، بل وعاضّون عليها بالنواجذ. والحمد لله رب العالمين. هذا؛ وأصل الفرق ستة: حرورية، قدرية، جهمية، مرجئة، رافضة، جبرية، وانقسم كل منها إلى اثنتي عشرة فرقة، فصارت اثنتين وسبعين، وإنما سموا فرقا؛ لأنهم فارقوا الإجماع. والحديث الشريف من جملة المعجزات؛ لأنه إخبار عن غيب قد وقع بعد وفاة النبي ﷺ .

стр. 3870

بعد هذا؛ فالفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب؛ ولذا أكثر ما يستعمل في اللذات البدنية، وقد ذم الله الفرح في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ،﴾ ولكنه مطلق، فإذا قيد الفرح لم يكن ذما لقوله تعالى في حق الشهداء: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: برحمته، وجوده، وإحسانه، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾ من سورة (الروم) رقم [٤ و ٥]. الإعراب: ﴿فَتَقَطَّعُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تقطعوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَمْرَهُمْ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب على نزع الخافض، أي: تقطعوا في أمرهم بمعنى: تفرقوا. الثاني: هو مفعول به على معنى: قطعوا أمرهم؛ أي: فرقوا أمرهم. الثالث: أنه تمييز. محول عن الفاعل، بمعنى: تقطع أمرهم. وهذا ضعيف؛ لأنه معرفة، وهو لا يجوز عند البصريين. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿فَتَقَطَّعُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿زُبُراً:﴾ حال من ﴿أَمْرَهُمْ﴾ أو من واو الجماعة، أو هو مفعول ثان للفعل السابق. اعتبارات. ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿حِزْبٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَرِحُونَ﴾ بعدهما، و (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء. ﴿لَدَيْهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء؛ لا تصاله بالهاء التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فَرِحُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿كُلُّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ الشرح: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، والغمرة هنا مراد بها: الحيرة، والغفلة، والضلالة، والجهالة، والغمرة في الأصل: ما يغمرك ويعلوك من ماء، ونحوه، فهي مستعارة لما في قلوبهم من كفر، ونحوه، ومنه: الغمر: الحقد؛ لأنه يغطي القلب، وهو بكسر الغين، وبفتحها: الماء الكثير؛ لأنه يغطي الأرض، وبضم الغين لمن لم يجرب الأمور، أي: فيه غباء، أو غباوة. وغمر الرداء الذي يشمل الناس بالعطاء، قال الشاعر: [الكامل] غمر الرّداء إذا تبسّم ضاحكا... غلقت لضحكته رقاب المال ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أي: إلى انقضاء آجالهم بالقتل، أو بالموت، فهو تهديد، ووعيد، والمعنى: اترك يا محمد هؤلاء المعاندين يتحيرون، ويترددون في كفرهم، وطغيانهم إلى انقضاء آجالهم.

стр. 3871

وانظر شرح ﴿حِينٍ﴾ في الآية رقم [٢٥]. ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ..﴾. إلخ: أي: يظنون: أنّ ما نعطيهم إياه من مال، وبنين، وصحة، وعافية، وغير ذلك هو ثواب ومكافأة لهم على أعمالهم لمرضاتنا عنهم. ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي: أن ذلك الإمداد، والمسارعة في الخيرات إنما هو استدراج لهم؛ لأنهم كالبهائم، لا فطنة لهم، ولا شعور. روي عن سعيد بن ميسرة-﵁: أنه قال: (أوحى الله إلى نبيّ من الأنبياء: أيفرح عبدي أن أبسط له الدنيا، وهو أبعد له مني، ويحزن أن أقبض عنه الدّنيا، وهو أقرب له مني؟). انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. هذا؛ و ﴿يَشْعُرُونَ﴾ من الشعور، وهو إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته. هذا؛ وفي الفعل نسارع وسابقة قراآت كثيرة. الإعراب: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (ذرهم): أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف مفعول ثان، التقدير: ذرهم مستقرين في غمرتهم، ويجوز اعتبارهما متعلقين بالفعل قبلهما، والمفعول الثاني محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كانوا مصرين على كفرهم، وعنادهم؛ فذرهم. ﴿حَتّى حِينٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَيَحْسَبُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (يحسبون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. و (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها. ﴿نُمِدُّهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿مِنْ مالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير العائد على الموصول، و ﴿مِنْ﴾ مبينة لما أبهم فيه. (بنين): معطوف على ﴿مالٍ﴾ مجرور مثله وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿نُسارِعُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، وعلى قراءته بالياء تقديره: «هو»، وعلى قراءته بالبناء للمجهول؛ فالجار والمجرور ﴿فِي الْخَيْراتِ﴾ نائب فاعله، وعلى قراءته بالبناء للمعلوم متعلقان به، مثل ﴿لَهُمْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، والرابط محذوف، التقدير: نسارع لهم بهم، أو فيه، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل (يحسبون)، وهذه الجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والجملة الاسمية هذه معطوفة على مقدر ينسحب عليه الكلام، التقدير: كلا لا نفعل ذلك، بل هم لا يشعرون بشيء أصلا؛ لأنهم كالبهائم؛ لا فطنة لهم، ولا شعور... إلخ. انتهى. جمل.

стр. 3872

﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أي: خائفون، والمعنى: أن المؤمنين بما هم عليه من خشية الله خائفون من عقابه، قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: المؤمن جمع إحسانا، وخشية، والمنافق جمع إساءة، وأمنا. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: آيات القرآن، أو الآيات الموجودة في الأرض، والسماء الدالة على قدرة الواحد الديان. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ يصدقون. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ أي: معه أحدا في ذاته، أو في صفاته، أو في أفعاله شركا جليا، ولا خفيا. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ أي: يعطون ما أعطوا من الزكاة، والصدقات. وقيل: يعملون ما عملوا من أعمال البر، وقرئ: «(يأتون ما أتوا)»: مقصور؛ أي: يفعلون ما فعلوا من الطاعات. ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ:﴾ خائفة أن لا يقبل منهم ما أعطوا من الصدقات، وما فعلوا من الطاعات، وأن لا يقع على الوجه اللائق، فيؤخذوا به. ﴿أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ أي: خوفهم؛ لأنهم إلى الله راجعون يوم القيامة، وهو يعلم ما يخفى عليهم. وفيه تنبيه على الخاتمة، وفي صحيح البخاري: «وإنما الأعمال بالخواتيم» وأما المخلط، والمسرف على نفسه، فينبغي له أن يكون تحت خوف من أن ينفذ عليه الوعيد بتخليطه وإسرافه. وقال أصحاب الخواص: وجل العارف من طاعته أكثر وجلا من وجله من مخالفته؛ لأن المخالفة تمحوها التوبة، والطاعة تطلب بتصحيح الغرض. بعد هذا: فعن عائشة الصديقية-﵂، وعن أبويها-أنها قالت: يا رسول الله! ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون؟ قال: «لا يا بنت الصديق! ولكن هم الّذين يصومون، ويصلون، ويتصدّقون، ويخافون ألا يقبل منهم، أولئك الّذين يسارعون في الخيرات». أخرجه الترمذي. وقال الحسن-رحمه الله تعالى-: لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن تردّ أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها. وفي رواية أخرى عنه: عملوا والله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن تردّ عليهم. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لما فرغ من ذكر الكفرة وتوعدهم؛ عقّب ذلك بذكر المؤمنين المسارعين في الخيرات، ووعدهم، وذكر ذلك بأبلغ صفاتهم. انتهى. أقول: وهذا من باب المقابلة بين الفريقين، وقد نبهت على ذلك مرارا، انظر الآية رقم [١٤] من سورة (الحج).

стр. 3873

هذا؛ والخشية: الخوف، وانظر الآية رقم [٨٠] من سورة (الكهف) والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة، وضعف، فالجمع بينهما ليس للتوكيد، وانظر الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء). الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ خَشْيَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُشْفِقُونَ﴾ بعدهما، و ﴿خَشْيَةِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. هذا؛ وإعراب الآيتين التاليتين مثل هذه الآية مع ملاحظة وقوع الجملة الفعلية فيهما في محل رفع خبر المبتدأ؛ الذي هو الضمير، والاسم الموصول معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾ في الآية الأولى. ﴿الَّذِينَ:﴾ معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾ أيضا. ﴿يُؤْتُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿آتَوْا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: يؤتون الذي آتوه، والجملة الاسمية: (قلوبهم وجلة) في محل نصب من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿إِلى رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿راجِعُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ. و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأنهم، أو من أجل أنهم، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿وَجِلَةٌ﴾. تأمل، وتدبر. ﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بالصفات المذكورة. ﴿يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ أي: يرغبون في الطاعات أشد الرغبة، فيبادرونها. أو: يسارعون في نيل الخيرات الدنيوية الموعودة على صالح الأعمال بالمبادرة إليها كقوله تعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ﴾ فيكون إثباتا لهم ما نفي عن أضدادهم. وقيل: المعنى: يسابقون من سابقهم إلى نيل المبرات. ﴿وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ أي: لأجلها فاعلون السبق، أو سابقون الناس إلى الطاعة، أو الثواب، أو الجنة، فتكون اللام بمعنى: إلى، أو المعنى: سابقونها، أي: ينالونها قبل الآخرة؛ حيث عجلت لهم في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ هذا؛ وانظر العجلة في الآية رقم [٣٧] من سورة (الأنبياء). الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُسارِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿فِي الْخَيْراتِ:﴾ متعلقان بالفعل

стр. 3874

قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، أو المفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) في الآية رقم [٥٨] التي رأيت أنّ اسمها أربع موصولات متعاطفة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿لَها:﴾ متعلقان بما بعدهما. وقدم للفاصلة، وللاختصاص. ﴿سابِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فهي مؤكدة لها، وهي في محل رفع مثلها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿الْخَيْراتِ﴾ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢)﴾ الشرح: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها:﴾ قدر طاقتها، يريد الله تعالى بهذه الجملة التحريض، والحث على ما وصف به الصالحين، وتسهيله على النفوس. وهذه الجملة ومثيلتها في آخر سورة (البقرة) وفي سورة (الأنعام) رقم [١٥٢] وفي سورة (الأعراف) رقم [٤٢] ناسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف لا يطاق، أو فيه مشقة شديدة، ومن ذلك من لم يستطع القيام في الصلاة؛ فليصل قاعدا، ومن لم يستطع الصوم في رمضان لسفر، أو مرض، ونحو ذلك؛ فليفطر، وليقض بعد التمكن من القضاء. ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ﴾ أي: اللوح المحفوظ. وقال القرطبي: أظهر ما قيل فيه: إنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة لذي الجلال والإكرام. وأضافه إلى نفسه؛ لأن الملائكة كتبت فيه أعمال العباد بأمره. انتهى. ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق، لا يوجد فيه ما يخالف الواقع، وفي هذا تهديد، وتأييس من الحيف، والظلم. ولفظ النطق للكتاب مجاز، والمراد أن الملائكة أو النبيين تنطق بما فيه. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ:﴾ بزيادة عقاب على ما يستحقون، ولا بنقصان ثواب على عمل صالح عملوه في دنياهم، وهذه الجملة تؤيد: أن المراد بالكتاب صحيفة الأعمال، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿نُكَلِّفُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿نَفْساً:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وُسْعَها:﴾ مفعول به ثان، و (ها): في محل جر بالإضافة؛ من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية: ﴿وَلا نُكَلِّفُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَدَيْنا:﴾ الواو: واو الحال. (لدينا): ظرف مكان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله ب: (نا) التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿كِتابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿يَنْطِقُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى كتاب. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، والجملة الفعلية: ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ في محل رفع صفة (كتاب)، والجملة الاسمية: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ..﴾. إلخ في محل نصب

стр. 3875

حال من فاعل (نكلف) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها حالا من ﴿كِتابٌ﴾ بعد وصفه بما تقدم؛ فيكون الرابط: الواو فقط، وقيل: معطوفة على ما قبلها. ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣)﴾ الشرح: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ:﴾ قلوب كفار قريش، ويعم جميع الكافرين. ﴿فِي غَمْرَةٍ:﴾ في حيرة، وعماية؛ لأنها مغطاة بغطاء الجهل، والكفر، والعناد، وانظر الآية رقم [٥٥]. ﴿مِنْ هذا﴾ أي: مما تقدم من أعمال البر في الآيات المتقدمة؛ قاله قتادة. أو من الكتاب الذي ينطق بالحق. ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ﴾ أي: للكفار أعمال خبيثة من المعاصي. ﴿مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ أي: الأعمال الخبيثة التي طبعوا عليها أهون من الشرك الذي جبلوا عليه، وهم به متمسكون، أو المعنى: متجاوزة لما وصفوا به. ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ أي: لتلك الأعمال الخبيثة يعملون عليها مقيمون، لا يتركونها حتى يأخذهم الله بالعذاب، وقيل: المعنى لا بد أن يعملوها، ليدخلوا النار بسببها؛ لأنها مقدرة عليهم، لما سبق لهم في الأزل من الشقاوة في الآخرة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف انتقال، وعطف. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي غَمْرَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الكلام في الآية رقم [٥٦] وما بينهما اعتراض. ﴿مِنْ هذا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿غَمْرَةٍ﴾ والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَعْمالٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَعْمالٌ﴾ و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ فيها معنى التأكيد للجملة قبلها، وقيل صفة ثانية ل: ﴿أَعْمالٌ﴾ وإعرابها مثل إعراب: ﴿وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾. ﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾ الشرح: ﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ:﴾ متنعّميهم، أي رؤساءهم، وأغنياءهم. والمترف: المتنعم بلذائذ الدنيا، وشهواتها، والترف: رغد العيش، وهناءة البال، وراحة الضمير. ﴿بِالْعَذابِ﴾ أي: بالجوع. قاله الضحاك. وذلك حين دعا عليهم الرسول ﷺ ، فقال: «اللهمّ اشدد وطأتك على

стр. 3876

مضر! اللهمّ اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف». فابتلاهم الله بالقحط، والجدب، والجوع؛ حتى أكلوا العظام، والميتة، والجيف، والكلاب، وهلك الأموال، والأولاد، فاستغاثوا بالرسول ﷺ فدعا ربه، واستسقى فأغاثهم رب العزة بمطر غزير، نزل كأفواه القرب. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: ﴿بِالْعَذابِ﴾ يعني: بالسيف يوم بدر. وقال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ:﴾ هم الذين قتلوا ببدر، والذين يجأرون هم الذين بمكة، قال القرطبي: فجمع بين القولين المتقدمين، وهو حسن. وانظر ما ذكرته في الآية [٧٦]. هذا؛ ومعنى ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يضجون، ويستغيثون، وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع، كما يفعل الثور، قال الأعشى يصف بقرة وحشية: [الطويل] فطافت ثلاثا بين يوم وليلة... وكان النكير أن تطيف وتجأرا وجأر النبات: طال، والأرض: طال نبتها، والجأر من النبت: الغض، والكثير، والرجل الضخم. انتهى. جمل، وهو ما في القاموس المحيط. هذا؛ ولم يذكر هذا الفعل في غير هذه الآية، والآية رقم [٥٢] من سورة (النحل). وجأر الرجل إلى الله : تضرع بالدعاء. وقال قتادة: يصرخون بالتوبة، فلا تقبل منهم. قال الشاعر: [المتقارب] يراوح من صلوات المليك... فطورا سجودا وطورا جؤارا ﴿لا تَجْأَرُوا﴾ أي: لا تصرخوا ولا تستغيثوا. ﴿إِنَّكُمْ مِنّا﴾ أي: من عذابنا. ﴿لا تُنْصَرُونَ﴾ أي: لا تمنعون، ولا ينفعكم جزعكم. وعلى قول قتادة معناه: لا تنصرون بقبول التوبة، ورفع العذاب عنكم. وما أشبه ما تضمنته الآيتان هنا بما تضمنته الآيتان [١٢ و ١٣] من سورة (الأنبياء). الإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢٧] ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُتْرَفِيهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْعَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَخَذْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة، وانظر ما ذكرته بشأنها في الآية رقم [٩٧] من سورة (الأنبياء). ﴿مُتْرَفِيهِمْ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار ﴿إِذا﴾ حرفا، وهي عند التأمل جواب ل: ﴿إِذا﴾ الأولى، وكان الواجب أن تقترن بالفاء، لكن قام مقامها ﴿إِذا﴾ الفجائية، على حد قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وتخلف الفاء إذا المفاجأه... كإن تجد إذا لنا مكافأه

стр. 3877

هذا؛ و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿حَتّى﴾ في مثل هذه الآية جارة ل: ﴿إِذا،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قوله: ف: ﴿حَتّى إِذا﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف التقدير: استمروا على ما ذكر حتى إذا... إلخ. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَجْأَرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقال لهم: لا تجأروا. وهذه الجملة المقدرة مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر، التقدير: بماذا يجابون، فيقال لهم: لا تجأروا... إلخ. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها. ﴿مِنّا:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُنْصَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ الشرح: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي:﴾ آيات القرآن الكريم. ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ:﴾ يقرؤها عليكم محمد ﷺ . ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ:﴾ تعرضون مدبرين عن سماعها، وتصديقها، والأخذ بها، وهو هنا استعارة للإعراض عن الحق. هذا؛ وقال مجاهد: معناه: تستأخرون عن الإيمان. وأصله: أن ترجع القهقرى، قال الشاعر: [الكامل] زعموا بأنّهم على سبل النّجا... ة وإنما نكص على الأعقاب ونكص: رجع، قال الشاعر: [البسيط] ليس النّكوص على الأدبار مكرمة... إنّ المكارم إقدام على الأسل الأسل: الرماح، والمراد الإقدام في ساحة الوغى. وقال آخر: [الطويل] وما ينفع المستأخرين نكوصهم... ولا ضرّ أهل السابقات التّقدّم وينبغي أن تعلم: أنه لم يذكر من هذه المادة في القرآن الكريم سوى المضارع هنا، والماضي في الآية رقم [٤٩] من سورة (الأنفال)، والمضارع منه يقرأ بضم الكاف وكسرها من بابي: دخل، وجلس. ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ:﴾ قال الجمهور: الضمير عائد على الحرم، أو المسجد، أو البلد الذي هو مكة؛ وإن لم يتقدم له ذكر، لشهرته. ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ:﴾ نحن أهل الحرم، فلا نخاف، وقالت

стр. 3878

فرقة: الضمير عائد على القرآن من حيث ذكرت الآيات، والمعنى: يحدث لكم سماع آياتي كبرا، وطغيانا، فلا تؤمنوا به. قال ابن عطية: وهذا قول جيد. وقيل: الضمير للتكذيب. والقول الأول أولى بالاعتبار. ﴿سامِراً:﴾ معناه: سمارا، فهو في الأصل مصدر جاء على لفظ الفاعل، كالعافية، والعاقبة، والكاذبة، وقرئ: «(سمّرا)» و «(سمّارا)» جمع: سامر، ومثله قول امرئ القيس: [الطويل] فقالت سباك الله إنّك فاضحي... ألست ترى السّمّار والناس أحوال؟! وقيل: هو مفرد بمعنى الجمع كالحاضر، وهم القول النازلون على الماء، والباقر: جمع البقر، والجامل جمع: الإبل ذكورها، وإناثها، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي: أطفالا، الآية رقم [٥] من سورة (الحج). وفحوى الآية: أن كفار قريش كانوا يقضون ليلهم حول الكعبة، وكان عامة سمرهم في الليل ذكر القرآن، وتسميته: سحرا، وشعرا، وكهانة، ونحو ذلك من القول، وفي النبي ﷺ وقولهم فيه: هو ساحر، شاعر، كاهن، ونحو ذلك. ﴿تَهْجُرُونَ:﴾ من الإهجار، وهو: الإفحاش في القول، وهو يؤيد قراءة الفعل بضم التاء وكسر الجيم، من: أهجر الرباعي، أو هو من الهجر بمعنى الإعراض عن النبي ﷺ ، وعن الإيمان به، وعن الإيمان بالقرآن، وهو يؤيد قراءة الفعل بفتح التاء، وضم الجيم من: هجر الثلاثي، وقيل: هو بمعنى: تهذون وتقولون ما لا تعلمون، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿آياتِي:﴾ اسم (كان) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة. ﴿تُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿آياتِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿قَدْ كانَتْ..﴾. إلخ تعليل لعدم النصر. (كنتم): ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلى أَعْقابِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: «تنكصون على أعقابكم»: في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿فَكُنْتُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مُسْتَكْبِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه... إلخ. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو بما بعدهما، والمعنى جيد على الاعتبارين. ﴿سامِراً:﴾ حال ثانية، وجملة: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ في محل نصب حال ثالثة من واو الجماعة، فهي أحوال متكررة مترادفة، ويجوز اعتبار الثلاثة أحوالا متداخلة، كل واحدة حال من الضمير المستتر فيما قبلها. تأمل، وتدبر.

стр. 3879

﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ الشرح: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ أي: القرآن؛ ليعلموا: أنه الحق من ربهم، بإعجاز لفظه، ووضوح مدلوله، فهو كقوله تعالى في الآية رقم [٨٢] من سورة (النساء): ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾. وسمي القرآن هنا قولا؛ لأنهم خوطبوا به، وتدبر القرآن: التأمل في معانيه، والتبصر بما فيه، وأصل التدبر: النظر في عواقب الأمور، والتفكر في أدبارها، ثم استعمل في كل تدبر، وتأمل. والتفكر بمعنى التدبر، وهو تصرف القلب بالنظر في الدلائل. وهذا يرد قول من زعم من الروافض: أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول ﷺ ، والإمام المعصوم. ﴿أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ:﴾ من الرسول، والكتاب، أو الأمن من عذاب الله تعالى، فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون، كإسماعيل ﵇، وأعقابه، فآمنوا بالله، وكتبه، ورسله، وأطاعوه. هذا؛ وقيل: ﴿أَمْ﴾ بمعنى: «بل»، فيكون المعنى: بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه، وتركوا التدبر له، والتأمل فيه. هذا؛ والفعلان: جاء، ويأتي هنا بمعنى: وصل، وبلغ، فلذا تعديا لمفعول واحد، وإذا كانا بمعنى: حضر، وأقبل يكونان لا زمين، مثل قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ،﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. هذا؛ والكلام في: ﴿أَفَلَمْ﴾ مثل الكلام في: ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء). تنبيه: قال الجمل نقلا عن زاده: لما وصف الله حال الكفرة؛ الذين فرقوا دينهم؛ ردّ عليهم بأن بيّن: أنّ إقدامهم على هذه الضلالة لا بد أن يكون لأحد أربعة أمور: أحدها: ألاّ يتأملوا في دليل نبوته، وهو القرآن المعجز. ثانيها: أن يعتقدوا: أن بعثة الرسول أمر غريب لم تسمع، ولم ترد عن الأمم السالفة. وليس كذلك؛ لأنهم قد عرفوا بالتواتر: أن الرسل كانت ترسل إلى الأمم. ثالثها: ألاّ يكونوا عالمين بأمانة مدّعي الرسالة، وصدقه قبل ادعائه النبوة، وليس كذلك، فإنهم قد عرفوا منه قبل ادعاء النبوة كونه في نهاية الأمانة والصدق، فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين الصادق؟! رابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون، فهو الذي حمله على ادعائه الرسالة. وهذا أيضا فاسد؛ لأنهم كانوا يعلمون: أنه أعقل الناس. انتهى. وسيأتي خامس في قوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً﴾ الآية رقم [٧٣]. الإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَدَّبَّرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة مقدرة قبلها، التقدير: فعلوا ما فعلوا مما سبق، فلم يدبروا القول. والأول أقوى هنا فيما يظهر. ﴿الْقَوْلَ:﴾ مفعول به، وانظر المتعلق في الشرح. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض،

стр. 3880

والهاء مفعول به. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل (جاء). ﴿فَلَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَأْتِ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿فَلَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة صلة ﴿ما﴾ أو صفتها. ﴿آباءَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة ﴿آباءَهُمُ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿جاءَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾ الشرح: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ:﴾ قال ابن عباس-﵄: المعنى: أليس قد عرفوا محمدا ﷺ صغيرا، وكبيرا، وعرفوا نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفته، وطهره، ووفاءه بالعهود، وهذا على سبيل التوبيخ لهم على الإعراض عنه بعد ما عرفوه بصفاته النبيلة، وشيمه الحميدة. انتهى. ففي اتباعه النجاة، والفلاح، والخير، والنجاح لولا العنت، والتعنّت. ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: منكرون دعواه بعد ما عرفوه حق المعرفة. قال سفيان الثوري: بلى قد عرفوه، ولكنهم حسدوه. أقول: وقد تجلى ذلك في قول أمية بن أبي الصلت، وأبي جهل، والوليد بن المغيرة حين اعترفوا برسالته ﷺ ، ولكن كبرياؤهم، وعظمتهم، بل وحسدهم هو الذي سبب ضلالهم، وموتهم على الكفر، وذهابهم إلى جهنم وبئس المصير! الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَعْرِفُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿رَسُولَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (هم): مبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُنْكِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠)﴾ الشرح: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ:﴾ جنون، فلا يبالون بقوله، وليس هو كذلك؛ لزوال أمارات الجنون عنه، بل كانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلا، وأتقنهم نظرا، وأثبتهم فكرا. ﴿بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالقرآن، والتوحيد، والدين الحق، والأمر الذي لا تخفى صحته، وحسنه على عاقل. هذا؛ وانظر شرح ﴿جِنَّةٌ﴾ في الآية رقم [٢٥]. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ:﴾ لأنه يخالف شهواتهم، وأهواءهم، فلذلك أنكروه. وإنما قيد الحكم بالأكثر؛ لأنه كان منهم من ترك الإيمان استنكافا، كما رأيت في الآية السابقة، أو خوفا من توبيخ قومه له، ومنهم من ترك الإيمان لقلة

стр. 3881

فطنته، وعدم فكرته، لا لكراهته للحق. وما ذكرته مشاهد في كل زمان، ومكان. هذا؛ والذي أعرض عن الإيمان خوفا من توبيخ قومه له هو أبو طالب، كما قال في شعره: [الكامل] لولا الملامة أو حذار مسبّة... لرأيتني سمحا بذاك مبينا الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. وهي في المواضع الثلاثة مقدرة ب: «بل» الانتقالية، وهمزة الاستفهام التقريري، والتقدير: بل أجاءهم، بل ألم يعرفوا رسولهم، بل أيقولون: به جنة... إلخ. انتهى. جمل. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جِنَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى رسولهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أي: ملتبسا بالحق. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (أكثرهم): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلْحَقِّ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿كارِهُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلَوِ اِتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾ الشرح: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ..﴾. إلخ: فيه أقوال كثيرة: ﴿الْحَقُّ﴾ هنا هو الله سبحانه، وتعالى؛ قاله الأكثرون، منهم: مجاهد، وابن جريج، وأبو صالح، وغيرهم. ومن المعلوم: أن من أسماء الله تعالى «الحق» وعليه؛ فالمعنى: لو وافق الله أهواءهم، وما يريدون؛ لفسدت السموات. وقيل: المعنى: لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله ، ثم لا يعاقبون، ولا يجازون على ذلك، إما عجزا، وإما جهلا؛ لفسدت السموات، والأرض. وقيل: المعنى: لو كان الحق ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى؛ لا ختلفت الآلهة فيما بينها، وأراد بعضهم ما لا يريده بعض، فاضطرب التدبير، وفسدت السموات، والأرض، وإذا فسدتا؛ فسد من فيهما، فيكون على حد قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء). وقيل: المعنى: لو اتبع الحق أهواءهم بما يهوونه، وما يشتهونه؛ لبطل نظام العالم؛ لأن شهوات الناس تختلف، وتتضاد، وسبيل الحق أن يكون متبوعا، وسبيل الناس الانقياد للحق. انتهى. قرطبي بتصرف.

стр. 3882

وقيل: المراد ب: ﴿الْحَقُّ﴾ القرآن، وعليه فالمعنى: ولو اتبع الحق الذي جاء به محمد ﷺ أهواءهم، وانقلب الحق شركا؛ لجاء الله بالقيامة، وأهلك العالم من فرط غضبه، أو: لو اتبع الله أهواءهم بأن أنزل ما يشتهونه من الشرك، والمعاصي؛ لخرج عن الألوهية، ولم يقدر أن يمسك السموات والأرض. وهو على أصل المعتزلة. انتهى. بيضاوي بتصرف. ﴿وَمَنْ فِيهِنَّ:﴾ إشارة إلى من يعقل من ملائكة، وإنس الأرض وجنّها. وفيه تغليب العاقل على غير العاقل. هذا؛ وقرأ ابن مسعود-﵁: (وما بينهما) فيكون فيه تغليب غير العاقل على العاقل. ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ:﴾ قال ابن عباس-﵄: بما فيه شرفهم، وفخرهم، وعزهم، وهو القرآن، فهو كقوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٤٤]: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ،﴾ وفي سورة (ص) رقم [٤٩] ﴿هذا ذِكْرٌ،﴾ ورقم [٨٧] منها أيضا ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾. هذا؛ وأعاد الذكر مصرحا به مع أن المقام مقام إضمار للتوكيد، والتشنيع عليهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلَوِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿اِتَّبَعَ:﴾ ماض. ﴿الْحَقُّ:﴾ فاعله. ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر المجموع لفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَفَسَدَتِ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (فسدت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿السَّماواتُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على ما قبله. ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والنون حرف دال على جماعة الإناث، و (لو) ومدخولها كلام معترض بين المتعاطفات، لا محل له. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَتَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على (لو) ومدخولها لا محل لها أيضا. ﴿بِذِكْرِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿عَنْ ذِكْرِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٧٢)﴾ الشرح: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً:﴾ أجرا على ما جئتهم به من الرسالة، وهو في آية (الكهف) رقم [٩٤] بمعنى الجعل، والقسم من الأموال. هذا؛ ويقرأ هنا «(خراجا)». ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ:﴾ رزقه في الدنيا، أو ثوابه في الآخرة، ويقرأ: «(فخرج ربك)»، ويقرأ: «(خرجا)» في الموضعين، و «(خراجا)» فيهما، فالقراآت ثلاث، وهي سبعية، وهما بمعنى واحد، وقال أبو حاتم: الخرج:

стр. 3883

الجعل، والخراج: العطاء، وقال النضر بن شميل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج، والخراج، فقال: الخراج: ما لزمك، والخرج: ما تبرعت به. وعنه: أن الخرج من الرقاب، والخراج من الأرض، ذكر الأول الثعلبي، والثاني الماوردي. أقول: ويراد بقوله: من الرقاب، ما كان يؤخذ من الجزية، وبالخراج: ما يفرض على الأرض؛ التي يستولي عليها المسلمون، ويتركونها بيد أصحابها. هذا؛ وقال الإمام النسفي: خراجا فخراج، وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك، وإلى كل عامل من أجرته وجعله، والخرج أخص من الخراج، تقول: خراج القرية، وخرج الكوفة، فزيادة اللفظ لزيادة المعنى، ولذا حسنت القراءة الأولى. انتهى. ويعني بها: المرسومة في المصحف. انتهى. وفي المختار: وجمع الخرج: أخراج، وجمع الخراج: أخرجة، كزمان، وأزمنة، وجمع الجمع: أخاريج. ﴿خَيْرٌ﴾ أي: أفضل، وأعظم لكثرته، ودوامه. هذا؛ وسمى الله ثوابه وإكرامه لنبيه ﷺ على دعوته خراجا للمشاكلة، والمزاوجة على حد قوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، ونبهت عليه في محاله، وانظر شرح: ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ في الآية رقم [٥٨] من سورة (الحج) القريبة منك. الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَسْأَلُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿خَرْجاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. (خراج): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كنت تسألهم أجرا وجزاء؛ فجزاء ربك خير من جزائهم، وعليه: فالفاء هي الفصيحة، وقال الجمل: تعليل لنفي السؤال المستفاد من الإنكار؛ أي: لا تسألهم ذلك، فإنّ ما رزقك الله خير. انتهى نقلا من أبي السعود. تأمل، وتدبر. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ربك، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ الصراط في اللغة: الطريق. فسمي الدين طريقا على سبيل الاستعارة؛ لأنه يؤدي إلى الجنة، فهو طريق إليها، والدين الإسلامي تشهد العقول السليمة على

стр. 3884

استقامته، فلا عوج فيه يوجب اتهامهم له. واعلم: أن الله ، ألزمهم الحجة، وأزاح العلة في هذه الآيات بأن حصر أقسام ما يؤدي إلى الإنكار، والاتهام، وبين انتفاء ما عدا كراهة الحق، وقلة الفطنة. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ:﴾ لا يعتقدون بوجودها بعد الموت، ولا يعترفون بها. ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ أي: المستقيم. ﴿لَناكِبُونَ:﴾ لعادلون عنه. يقال: نكب عن الطريق ينكب نكوبا: إذا تركه، ومال إلى غيره، ومنه نكبت الريح: إذا لم تستقم على مجرى، وشر الريح النكباء، وهي الآتية بين جهتين من الجهات، سميت بذلك لعدولها عن المهاب. ونكبت حوادث الدهر، أي: أصابت بشدة، وهبت هبوب النكباء، هذا؛ ولا تنس: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة. هذا؛ و (الآخرة) هي الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار والخلود فيها. و ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أصله: مستقوم؛ لأنه من: استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، فصار «مستقوم» ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار مستقيم. الإعراب: ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الواو: واو الحال. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَتَدْعُوهُمْ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تدعوهم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة (صراط)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر بالفعل ﴿تَسْأَلُهُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (إنّ). ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَنِ الصِّراطِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿لَناكِبُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ناكبون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: (إن الذين...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والضمير الموجود في الأولى يكفي رابطا لهذه، كما هو منصوص عليه في مغني اللبيب، ومن أمثلته: (الذّباب يطير، فيغضب زيد). ﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ:﴾ يروى: أنه لما دعا النبي ﷺ على كفار قريش كما رأيت في الآية رقم [٦٥] واستجاب الله دعاءه، واشتد البلاء عليهم؛ حتى أكلوا الجيف، وغيرها؛ جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: أنشدت الله والرحم! ألست تزعم: أنك بعثت رحمة

стр. 3885

للعالمين؟ فقال: «بلى!». فقال: قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع، فنزلت الآية. انتهى. نسفي، وهذا يفيد: أن القحط، والجوع نزل بهم بعد الهجرة، وأن أبا سفيان، ذهب إلى المدينة بعد غزوة بدر. لقوله: قتلت الآباء بالسيف، وهذا يتناقض مع اعتبار السورة مكية كلها. وأيضا، فإن طلبهم الاستسقاء من النبي ﷺ كان في حياة أبي طالب، ولذا قال أبو طالب في مدحه ﷺ : [الطويل] وأبيض يستسقى الغمام بوجهه... ثمال اليتامى، عصمة للأرامل لذا فالقول: إن المعنى: لو رددناهم إلى الدنيا، ولم ندخلهم النار. وامتحناهم بعرض الإيمان عليهم هو المعتمد. ﴿لَلَجُّوا:﴾ لثبتوا على كفرهم، وعنادهم، واللجاج: التمادي في العناد في تعاطي الفعل المزجور عنه. ﴿طُغْيانِهِمْ﴾ أي: في عنادهم، وتمردهم. هذا؛ والطغيان: مجاوزة الحد، يقال: طغا، يطغى، ويطغو طغيانا: جاوز الحد، وكل مجاوز حده في العصيان طاغ، وكل مسرف في الظلم، والمعاصي طاغ. وطغى البحر: هاجت أمواجه. وطغا السيل: جاء بماء كثير، قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾. ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ يتحيرون، ويترددون، والعمه: التحير، والتردد، وهو قريب من العمى، لكن العمى يطلق على ذهاب نور العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني. وفي المصباح: عمه عمها من باب: تعب: إذا تردد متحيرا، وتعامه مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء: إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه، وأعمه. انتهى. جمل. وهذا الفعل لم أر له ماضيا، ولا أمرا، فيظهر أنه فعل جامد لا يأتي منه غير المضارع، وإن ذكر في كتب اللغة ماض له لكنه لم يستعمل، ولم يتداول. هذا؛ والضر بضم الضاد خاص بما في النفس كمرض وهزال، والضر بفتح الضاد شائع في كل ضرر ومصيبة، وفي القاموس المحيط: الضّر والضّر والضّرر ضد النفع، والشدة، والضيق، وسوء الحال، والنقصان يدخل في الشيء، والجمع أضرار. الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿رَحِمْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ ضُرٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿ما،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿لَلَجُّوا:﴾ اللام: واقعة في جواب لو. (لجّوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها. ﴿فِي طُغْيانِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الضمير المجرور محلا بالإضافة، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.

стр. 3886

﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اِسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ:﴾ بالقحط، والجدب سبع سنين حين دعا عليهم الرسول ﷺ ، كما رأيت في الآية السابقة. ﴿فَمَا اسْتَكانُوا:﴾ ما خضعوا، ولا لانت قلوبهم، ولا ذلوا لربهم. ﴿وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: ما لجؤوا إلى الله بالتضرع، والتذلل وقت نزول الشدائد بهم. هذا؛ وأصل (استكان) استكن من السكون؛ لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده، والألف من إشباع الفتحة، أو أصله: استكون من الكون، فنقلت حركة الواو إلى الكاف، ثم قلبت الواو ألفا لتحركها بحسب الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن. هذا؛ وجاء الفعل الأول ماضيا، والثاني مضارعا، ولم يجيئا ماضيين، ولا مضارعين، ولا جاء الأول مضارعا والثاني ماضيا لإفادة الماضي وجود الفعل، وتحققه، وهو بالاستكانة أليق، بخلاف التضرع، فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال، وأما الاستكانة فقد توجد منهم. انتهى. نقلا عن السمين. هذا؛ واعتبار الألف ب: (استكان) للإشباع، ومنه: [الكامل] ينباع من ذفرى غضوب جسرة فإن هذا الإشباع ليس بفصيح، وهو من ضرورات الشعر، فينبغي أن ترفع منزلة القرآن عن ورود مثله فيه. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب قسم. (قد): حرف تحقيق. ﴿أَخَذْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وقال الجمل: هذه الجملة تأكيد للشرطية قبلها. ﴿بِالْعَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿اِسْتَكانُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لِرَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَتَضَرَّعُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف، التقدير: وما يتضرعون لنا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)﴾ الشرح: ﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ:﴾ في هذا العذاب ثلاثة أقوال: الأول: الجوع الذي نزل بهم بسبب القحط، والجدب؛ الذي حصل بدعاء الرسول ﷺ . والثاني: القتل

стр. 3887

الذي وقع بهم في وقعة بدر. والثالث: العذاب الذي يحل بهم يوم القيامة. قال عكرمة: هو باب من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربعمئة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم؛ إذا بلغوه فتحه الله- -عليهم. ولعلك تدرك معي: أن هذا القول أولى بالاعتبار. ﴿إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ:﴾ متحيرون، آيسون من كل خير، لا يدرون ما يصنعون. هذا؛ وقد قال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، وذلك يقال لمن يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون له جواب: قد أبلس. وأقول: سمي إبليس من هذا؛ لأنه أفلس من رحمة الله، وانقطع رجاؤه من سعة فضل الله. بعد هذا خذ ما رواه عقبة بن عامر-﵁-عن النبي ﷺ : «إذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحبّ، وهو مقيم على معصيته، فذلك منه تعالى استدراج». ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطبري، وانظر الآية رقم [٤٤] من سورة (الأنعام)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَتَحْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿باباً:﴾ مفعول به. ﴿إِذا:﴾ صفة (بابا) منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذا) مضاف، و ﴿عَذابٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة عذاب، وجملة: ﴿فَتَحْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُبْلِسُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار ﴿إِذا﴾ حرفا، وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [٦٥]. و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿حَتّى﴾ في مثل هذه الآية جارة ل: ﴿إِذا،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قوله: ﴿حَتّى إِذا..﴾. إلخ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف التقدير: فليستمروا على ما ذكر حتى إذا... إلخ. هذا؛ والتعبير بالفعل الماضي عن المستقبل على الاعتبار الأخير، والمعتمد عندي إنما هو لتحقق وقوعه. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ:﴾ خلق، وأوجد. ﴿لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ:﴾ لتحسوا بها ما نصب الله في هذا الكون من الآيات. ﴿وَالْأَفْئِدَةَ:﴾ القلوب لتتفكروا فيها، وخص الحواس الثلاث بالذكر؛

стр. 3888

لأنها يتعلق بها من المنافع الدينية، والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها. هذا؛ وقد وحّد سبحانه السمع في هذه الآية، وأمثالها دون الأبصار، والأفئدة لأمن اللبس. ولأنه في الأصل مصدر، يقال: سمعت الشيء سماعا، وسمعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع، وقيل: وحّد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد وهو الصوت، ومدركات البصر والقلب مختلفة، والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ أي: شكركم قليل على هذه الجوارح التي خلقها الله لكم، وهي أساس منفعتكم في هذه الدنيا، وإنما كان شكركم قليلا؛ لأنكم لم تعرفوا عظم هذه النعم، ووضعتموها في غير مواضعها؛ لأنكم لم تعملوا، وتستخدموا أبصاركم، وأسماعكم في آيات الله، وأفعاله، ولم تستدلوا بقلوبكم على نعم الله، وإفضاله. وفيه تنبيه على أن من لم يعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له؛ فهو بمنزلة عادمها؛ لقوله تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [٢٦] من سورة (الأحقاف). وحقيقة الشكر: صرف كل نعمة لما خلقت له، واستخدامها في طاعة الله، . هذا؛ والفعل: «شكر» يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرت زيدا، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له. هذا؛ ولا تنس: أن في الكلام التفاتا من التكلم في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية، انظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء). الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَنْشَأَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، والجملة الفعلية: ﴿أَنْشَأَ لَكُمُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ:﴾ لقد ذكر ابن هشام-رحمه الله تعالى-في مغني اللبيب في هذه الجملة وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار، فقال: ﴿ما﴾ محتملة لثلاثة أوجه: أحدها: الزيادة، فتكون إما لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، وقليلا في معنى النفي، وإما لإفادة التقليل مثلها في: «أكلت أكلا ما». وعلى هذا يكون تقليلا بعد تقليل. الوجه الثاني: النفي، و ﴿قَلِيلاً﴾ نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف، أي: شكرا قليلا، أو زمانا قليلا. الثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب: (قليل) و ﴿قَلِيلاً﴾ حال معمول لمحذوف، وعليه المعنى، أي: شكروا، فأخروا قليلا شكرهم، أجازه ابن الحاجب، ورجح معناه على غيره. انتهى. بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب (قليلا) على الوجه الأول، وذكر سليمان الجمل الوجه الأول، واعتبر (قليلا) نعتا لمصدر محذوف مثل اعتباره في الوجه الثاني، وذكر أبو البقاء

стр. 3889

الوجه الثاني، وقال التقدير: فما يشكرون قليلا، ولا كثيرا. وجملة: ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين. وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ﴾ وهي الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾ الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ خلقكم، وبثكم فيها للتناسل، وباب الفعل: قطع، ومنه: الذرية، وهي نسل الثقلين، تركوا همزها، والجمع: الذراريّ بتشديد الياء. ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ:﴾ تجمعون للحساب والجزاء بعد إخراجكم من القبور. الإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿ذَرَأَكُمْ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): متعلقان بما بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اِخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ:﴾ المعنى: أن القادر على خلقكم، ثم جمعكم للحساب والجزاء هو الذي أحياكم بعد أن لم تكونوا شيئا، وهو الذي يميتكم عند انتهاء آجالكم. ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي: بقدرته، وحكمته، وتدبيره اختلاف الليل والنهار، بالزيادة والنقصان، كما هو مشاهد تبعا لفصول السنة. وقيل: اختلافهما في الظلمة، والنور، وقيل: تكررهما يوما بعد ليلة، وليلة بعد يوم. وكله مختص بالله تعالى لا يقدر عليه غيره. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون، وتتدبرون ذلك، فتعرفوا قدرته تعالى على البعث، والحساب، والجزاء، والإثابة، أو العقاب، أو: فتستدلوا بالصنع على الصانع، فتؤمنوا. هذا؛ وانظر شرح «العقل» في الآية رقم [١٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح: ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٣٠] منها، وشرح ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ في الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء). ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والطباق بين ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وهي من المحسنات البديعية اللفظية. الإعراب: (هو الذي): مبتدأ، وخبر، وانظر الآية رقم [٧٩] لتفصيله. ﴿يُحْيِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَيُمِيتُ﴾ معطوفة عليها، وحذف مفعول الفعلين

стр. 3890

للتعميم، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿اِخْتِلافُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿اللَّيْلِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. (النهار): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة قبلها. ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾ الشرح: ﴿بَلْ قالُوا﴾ أي: كفار مكة. ﴿مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: كذبوا كما كذب الأولون، وأنكروا البعث، والحساب، كما أنكر الأولون، وهم: قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وأمثالهم، ثم بيّن قولهم، وإنكارهم للبعث بالجملة التالية. هذا؛ ويقرأ: ﴿أَإِذا﴾ ﴿أَإِنّا﴾ بقراآت كثيرة جملتها تسع، وكلها سبعية، وهذا الكلام: ﴿أَإِذا..﴾. إلخ قد تكرر هو أو ما يماثله في آيات كثيرة، أذكر الآية رقم [٤٩ و ٩٨] من سورة (الإسراء) وقولهم هذا تعجب منهم، واستبعاد للبعث بعد الموت، وفناء الجسد، وشاعرهم هو الذي يقول: [الوافر] ألا من بلّغ الرحمن عنّي... بأني تارك شهر الصّيام أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا... وكيف حياة أصداء وهام؟! أتترك أن تردّ الموت عنّي... وتحييني إذا بليت عظامي؟ فهو يقصد بابن كبشة: النبي ﷺ ، وأبو كبشة هي كنية زوج حليمة مرضعته ﷺ ، فقد كانوا يطلقون عليه ذلك تحقيرا له ﷺ ، ولكنهم لم يتأملوا: أنهم كانوا قبل ذلك ترابا، فخلقهم الله، وأظهرهم إلى الوجود، وهم ظنوا: أن البعث، والإعادة يكونان في الدنيا، وهم لم يروا أحدا رجع إلى الدنيا ممن تقدمهم. وانظر شرح ﴿مِتَّ﴾ في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء). الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف انتقالي. ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به، وساغ ذلك؛ لأنه متضمن كلاما كثيرا، فهو بمعنى الجملة، وقيل: هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: قالوا قولا مثل... إلخ، و ﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: مثل الذي قاله الأولون. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية؛ فهي تؤول مع
следующие страницы →