﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اِسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ:﴾ بالقحط، والجدب سبع سنين حين دعا عليهم الرسول ﷺ ، كما رأيت في الآية السابقة. ﴿فَمَا اسْتَكانُوا:﴾ ما خضعوا، ولا لانت قلوبهم، ولا ذلوا لربهم. ﴿وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: ما لجؤوا إلى الله بالتضرع، والتذلل وقت نزول الشدائد بهم. هذا؛ وأصل (استكان) استكن من السكون؛ لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده، والألف من إشباع الفتحة، أو أصله: استكون من الكون، فنقلت حركة الواو إلى الكاف، ثم قلبت الواو ألفا لتحركها بحسب الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن.
هذا؛ وجاء الفعل الأول ماضيا، والثاني مضارعا، ولم يجيئا ماضيين، ولا مضارعين، ولا جاء الأول مضارعا والثاني ماضيا لإفادة الماضي وجود الفعل، وتحققه، وهو بالاستكانة أليق، بخلاف التضرع، فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال، وأما الاستكانة فقد توجد منهم. انتهى. نقلا عن السمين. هذا؛ واعتبار الألف ب: (استكان) للإشباع، ومنه: [الكامل]
ينباع من ذفرى غضوب جسرة
فإن هذا الإشباع ليس بفصيح، وهو من ضرورات الشعر، فينبغي أن ترفع منزلة القرآن عن ورود مثله فيه.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب قسم. (قد): حرف تحقيق. ﴿أَخَذْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وقال الجمل: هذه الجملة تأكيد للشرطية قبلها.
﴿بِالْعَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿اِسْتَكانُوا:﴾
ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿لِرَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَتَضَرَّعُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف، التقدير: وما يتضرعون لنا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)﴾
الشرح: ﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ:﴾ في هذا العذاب ثلاثة أقوال: الأول:
الجوع الذي نزل بهم بسبب القحط، والجدب؛ الذي حصل بدعاء الرسول ﷺ . والثاني: القتل
стр. 3887
الذي وقع بهم في وقعة بدر. والثالث: العذاب الذي يحل بهم يوم القيامة. قال عكرمة: هو باب من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربعمئة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم؛ إذا بلغوه فتحه الله- -عليهم. ولعلك تدرك معي: أن هذا القول أولى بالاعتبار.
﴿إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ:﴾ متحيرون، آيسون من كل خير، لا يدرون ما يصنعون. هذا؛ وقد قال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، وذلك يقال لمن يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون له جواب: قد أبلس. وأقول: سمي إبليس من هذا؛ لأنه أفلس من رحمة الله، وانقطع رجاؤه من سعة فضل الله. بعد هذا خذ ما رواه عقبة بن عامر-﵁-عن النبي ﷺ : «إذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحبّ، وهو مقيم على معصيته، فذلك منه تعالى استدراج». ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطبري، وانظر الآية رقم [٤٤] من سورة (الأنعام)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَتَحْنا:﴾ فعل، وفاعل.
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿باباً:﴾ مفعول به. ﴿إِذا:﴾ صفة (بابا) منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذا) مضاف، و ﴿عَذابٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة عذاب، وجملة: ﴿فَتَحْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُبْلِسُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار ﴿إِذا﴾ حرفا، وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [٦٥]. و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿حَتّى﴾ في مثل هذه الآية جارة ل: ﴿إِذا،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قوله: ﴿حَتّى إِذا..﴾. إلخ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف التقدير: فليستمروا على ما ذكر حتى إذا... إلخ. هذا؛ والتعبير بالفعل الماضي عن المستقبل على الاعتبار الأخير، والمعتمد عندي إنما هو لتحقق وقوعه.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ:﴾ خلق، وأوجد. ﴿لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ:﴾ لتحسوا بها ما نصب الله في هذا الكون من الآيات. ﴿وَالْأَفْئِدَةَ:﴾ القلوب لتتفكروا فيها، وخص الحواس الثلاث بالذكر؛
стр. 3888
لأنها يتعلق بها من المنافع الدينية، والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها. هذا؛ وقد وحّد سبحانه السمع في هذه الآية، وأمثالها دون الأبصار، والأفئدة لأمن اللبس. ولأنه في الأصل مصدر، يقال:
سمعت الشيء سماعا، وسمعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع، وقيل: وحّد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد وهو الصوت، ومدركات البصر والقلب مختلفة، والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب.
﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ أي: شكركم قليل على هذه الجوارح التي خلقها الله لكم، وهي أساس منفعتكم في هذه الدنيا، وإنما كان شكركم قليلا؛ لأنكم لم تعرفوا عظم هذه النعم، ووضعتموها في غير مواضعها؛ لأنكم لم تعملوا، وتستخدموا أبصاركم، وأسماعكم في آيات الله، وأفعاله، ولم تستدلوا بقلوبكم على نعم الله، وإفضاله. وفيه تنبيه على أن من لم يعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له؛ فهو بمنزلة عادمها؛ لقوله تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [٢٦] من سورة (الأحقاف). وحقيقة الشكر: صرف كل نعمة لما خلقت له، واستخدامها في طاعة الله، . هذا؛ والفعل: «شكر» يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرت زيدا، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له. هذا؛ ولا تنس: أن في الكلام التفاتا من التكلم في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية، انظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَنْشَأَ:﴾
ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، والجملة الفعلية: ﴿أَنْشَأَ لَكُمُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ:﴾ لقد ذكر ابن هشام-رحمه الله تعالى-في مغني اللبيب في هذه الجملة وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار، فقال: ﴿ما﴾ محتملة لثلاثة أوجه: أحدها: الزيادة، فتكون إما لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، وقليلا في معنى النفي، وإما لإفادة التقليل مثلها في: «أكلت أكلا ما». وعلى هذا يكون تقليلا بعد تقليل.
الوجه الثاني: النفي، و ﴿قَلِيلاً﴾ نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف، أي: شكرا قليلا، أو زمانا قليلا. الثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب: (قليل) و ﴿قَلِيلاً﴾ حال معمول لمحذوف، وعليه المعنى، أي: شكروا، فأخروا قليلا شكرهم، أجازه ابن الحاجب، ورجح معناه على غيره. انتهى. بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب (قليلا) على الوجه الأول، وذكر سليمان الجمل الوجه الأول، واعتبر (قليلا) نعتا لمصدر محذوف مثل اعتباره في الوجه الثاني، وذكر أبو البقاء
стр. 3889
الوجه الثاني، وقال التقدير: فما يشكرون قليلا، ولا كثيرا. وجملة: ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين. وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ﴾ وهي الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ خلقكم، وبثكم فيها للتناسل، وباب الفعل: قطع، ومنه: الذرية، وهي نسل الثقلين، تركوا همزها، والجمع: الذراريّ بتشديد الياء. ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ:﴾ تجمعون للحساب والجزاء بعد إخراجكم من القبور.
الإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿ذَرَأَكُمْ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها.
﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): متعلقان بما بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اِخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ:﴾ المعنى: أن القادر على خلقكم، ثم جمعكم للحساب والجزاء هو الذي أحياكم بعد أن لم تكونوا شيئا، وهو الذي يميتكم عند انتهاء آجالكم. ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي: بقدرته، وحكمته، وتدبيره اختلاف الليل والنهار، بالزيادة والنقصان، كما هو مشاهد تبعا لفصول السنة. وقيل: اختلافهما في الظلمة، والنور، وقيل:
تكررهما يوما بعد ليلة، وليلة بعد يوم. وكله مختص بالله تعالى لا يقدر عليه غيره. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون، وتتدبرون ذلك، فتعرفوا قدرته تعالى على البعث، والحساب، والجزاء، والإثابة، أو العقاب، أو: فتستدلوا بالصنع على الصانع، فتؤمنوا. هذا؛ وانظر شرح «العقل» في الآية رقم [١٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح: ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٣٠] منها، وشرح ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ في الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء). ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والطباق بين ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وهي من المحسنات البديعية اللفظية.
الإعراب: (هو الذي): مبتدأ، وخبر، وانظر الآية رقم [٧٩] لتفصيله. ﴿يُحْيِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَيُمِيتُ﴾ معطوفة عليها، وحذف مفعول الفعلين
стр. 3890
للتعميم، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿اِخْتِلافُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿اللَّيْلِ:﴾
مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. (النهار): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة قبلها.
﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾
الشرح: ﴿بَلْ قالُوا﴾ أي: كفار مكة. ﴿مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: كذبوا كما كذب الأولون، وأنكروا البعث، والحساب، كما أنكر الأولون، وهم: قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وأمثالهم، ثم بيّن قولهم، وإنكارهم للبعث بالجملة التالية. هذا؛ ويقرأ: ﴿أَإِذا﴾ ﴿أَإِنّا﴾ بقراآت كثيرة جملتها تسع، وكلها سبعية، وهذا الكلام: ﴿أَإِذا..﴾. إلخ قد تكرر هو أو ما يماثله في آيات كثيرة، أذكر الآية رقم [٤٩ و ٩٨] من سورة (الإسراء) وقولهم هذا تعجب منهم، واستبعاد للبعث بعد الموت، وفناء الجسد، وشاعرهم هو الذي يقول: [الوافر]
ألا من بلّغ الرحمن عنّي... بأني تارك شهر الصّيام
أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا... وكيف حياة أصداء وهام؟!
أتترك أن تردّ الموت عنّي... وتحييني إذا بليت عظامي؟
فهو يقصد بابن كبشة: النبي ﷺ ، وأبو كبشة هي كنية زوج حليمة مرضعته ﷺ ، فقد كانوا يطلقون عليه ذلك تحقيرا له ﷺ ، ولكنهم لم يتأملوا: أنهم كانوا قبل ذلك ترابا، فخلقهم الله، وأظهرهم إلى الوجود، وهم ظنوا: أن البعث، والإعادة يكونان في الدنيا، وهم لم يروا أحدا رجع إلى الدنيا ممن تقدمهم.
وانظر شرح ﴿مِتَّ﴾ في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف انتقالي. ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به، وساغ ذلك؛ لأنه متضمن كلاما كثيرا، فهو بمعنى الجملة، وقيل: هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: قالوا قولا مثل... إلخ، و ﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: مثل الذي قاله الأولون. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية؛ فهي تؤول مع
стр. 3891
الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: مثل قول الأولين، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة مقدرة، التقدير: فلم يعتبروا، بل قالوا... إلخ.
﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعله. ﴿أَإِذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. وهذا عند سيبويه. ﴿مِتْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. وجواب (إذا) محذوف دل عليه الجملة الآتية، التقدير: أئذا متنا... نبعث، ولا يجوز أن يعمل فيها (مبعوثون)؛ لأن ما بعد (إنّ) لا يعمل فيما قبلها، وينبغي أن تعلم: أنّ (إذا) هنا ظرف مجرد عن الشرطية، فإن تقدير الكلام: أنبعث إذا... إلخ وهذا قول غير سيبويه، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا أَإِذا..﴾. إلخ مفسرة لمعنى ما تضمنه ﴿مِثْلَ﴾ من كلام. وقيل: بدل من سابقتها. تأمل. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿تُراباً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. (عظاما): معطوف على ما قبله. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إنا):
حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمَبْعُوثُونَ:﴾
اللام: هي المزحلقة. (مبعوثون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا..﴾. إلخ مؤكدة لما قبلها، والاستفهام فيها مبالغة بالإنكار، وبدون الاستفهام فيها حصل الإنكار بالأولى، وهذه مرتبطة فيها، فالإنكار بالأولى إنكار فيها أيضا.
﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾
الشرح: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا﴾ أي: هذا الوعد، وهو البعث بعد الموت. ﴿نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ:﴾ وعد آباءنا قوم زعموا: أنهم رسل الله من قبل مجيء محمد، فلم نرهم بعثوا، ولم نر لذلك حقيقة؛ لأنهم ظنوا: أن البعث، والإعادة إنما يكون في الدنيا، وهم لم يروا، ولم يسمعوا: أن أحدا رجع إلى الدنيا ممن تقدمهم بعد الموت. ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي:
ما هذا الذي يقوله محمد من أننا نبعث بعد الموت إلا أكاذيب الأولين، وترهاتهم، وخرافاتهم التي سطروها. وانظر الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان) لشرح ذلك. هذا؛ والآية بحروفها مذكورة في سورة (النمل) رقم [٦٨] مع ملاحظة تقديم (هذا) على (نحن) هناك؛ لأن المقصود بالذكر هناك إنما هو البعث، وأخّر في هذه السورة (هذا) على (نحن)؛ لأن المقصود به هنا المبعوثون نظرا إلى الاهتمام في الموضعين، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، أو هي لام الابتداء. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وُعِدْنا:﴾ ماض مبني للمجهول، مبني على السكون،
стр. 3892
و (نا): نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع توكيد ل: (نا). ﴿وَآباؤُنا:﴾ معطوف على (نا) بعد توكيدها، و (نا): في محل جر بالإضافة.
﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿وُعِدْنا،﴾ أو بمحذوف صفة ل: (آباؤنا) أي: الكائنون من قبل، ومقتضى القاعدة: أن يكونا متعلقين بمحذوف حال منه؛ لأنه معرفة بالإضافة للضمير، ولكن المراد به الماضي، وهو لا يتفق مع الحال. تأمل، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، لا محل لها، والقسم وجوابه، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هذا..﴾. إلخ الكلام كله ففي محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول كفار قريش. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ كلاحقه في الآيات التالية، وهو جواب عما قالوه فيما تقدم. ﴿لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها:﴾ يخبر بربوبيته، ويعترف بوحدانيته، وملكه الذي لا يزول، وقدرته التي لا تحول. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إن كنتم من أهل العلم، أو من العالمين بذلك. فيكون استهانة لهم، وتقريرا لفرط جهالتهم، حتى جهلوا مثل هذا الجلي الواضح، وإلزاما بما لا يمكن لمن له مسكة من العلم إنكاره، ولذا أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا، فقال: ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ ولا بد لهم من ذلك؛ لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر، وأقل تأمل إلى الإقرار بأنه تعالى خالقها. ﴿قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تتعظون وتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء، فهو على إحياء الموتى بعد موتهم أقدر، فإن بدأ الخلق ليس بأهون من إعادته، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ ويقرأ: «(تذكرون)» و «(تتذكّرون)».
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِمَنِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (من) اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام. ﴿الْأَرْضُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على ﴿الْأَرْضُ﴾. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.
﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.
﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف
стр. 3893
للتعميم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فأخبروني بخالقهما، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿سَيَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والسين حرف استقبال. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو لله، ويقرأ بغير لام، فيكون التقدير: هو الله، والقراءة باللام هي قراءة الجمهور، وهو جواب ما فيه اللام، فهو مطابق للفظ، والمعنى، والقراءة بغير لام حملا على المعنى؛ لأن معنى ﴿لِمَنِ الْأَرْضُ:﴾
من رب الأرض؟ فيكون الجواب: الله، أي: هو الله، والجملة الاسمية على القراءتين في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية مستأنفة في المعنى، وهي من مقول الله تعالى. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله:
«أنت» وجملة: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ في محل نصب مقول القول، وإعرابها مثل إعراب: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ في الآية رقم [٨٠] بلا فارق. وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾
الشرح: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ:﴾ هو مثل الآية [٨٥]. ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ ولا بد لهم من ذلك؛ لأن الواقع يضطرهم إلى الاعتراف بأن الله هو المالك لما في هذا الكون، وذلك بأدنى نظر، وأقل تأمل. ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أي: تخافون عقابه، فلا تشركوا به بعض مخلوقاته، ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته. أو المعنى: أفلا تخافونه في جحودكم قدرته على البعث مع اعترافكم بقدرته على خلق هذه الأشياء. هذا؛ وانظر الكلام على ﴿الْعَرْشِ﴾ في الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح (التقوى) في الآية رقم [١] من سورة (الحج). هذا؛ ويقرأ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ:﴾ بغير لام فيه، وفيما بعده على ما يقتضيه لفظ السؤال، بخلافه فيما قبله فحذف اللام منه حملا على المعنى كما رأيت، والقراءة باللام موافقة للفظ والمعنى، والقراءة هنا وفيما بعده باللام حملا على المعنى؛ لأنك إذا قلت: من ربّ هذا؟ فمعناه لمن هذا؟ فيجاب لفلان كقول الشاعر: [الطويل]
إذا قيل من ربّ المزالف والقرى... وربّ الجياد الجرد قيل: لخالد
فالمزالف جمع: مزلفة، وهي المرحلة من الطريق، وهي أيضا القرية بين الريف، والبرج.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿السَّبْعِ:﴾ صفة ﴿السَّماواتِ﴾. ﴿وَرَبُّ:﴾ معطوف على
стр. 3894
ما قبله، وهو مضاف، و ﴿الْعَرْشِ:﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة ﴿الْعَرْشِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿مَنْ رَبُّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ:﴾ انظر الآية السابقة فالإعراب واحد على القراءتين، وانظر إعراب: ﴿قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ فيها أيضا إفرادا، وجملا، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾
الشرح: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ ملك كل شيء، زيدت فيه، الواو، والتاء للمبالغة كالرهبوت، والرغبوت، والرحموت من الرهبة، والرغبة، والرحمة. والمراد: السموات، وما فوقهن، وما بينهن، والأرضين، وما تحتهن، وما بينهن، وما لا يعلمه إلا هو، وقال مجاهد:
﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ خزائن كل شيء. ﴿وَهُوَ يُجِيرُ:﴾ يغيث، ويحرس، ويحفظ، ويمنع.
﴿وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ أي: ولا يغاث أحد، ولا يمنع منه، يقال: أجرت فلانا على فلان: إذا أغثته منه، ومنعته. المعنى: يغيث من يشاء ممن يشاء، ولا يغيث أحد منه أحدا. ثم قيل: هذا في الدنيا، أي من أراد الله إهلاكه، وخوفه لم يمنعه منه مانع، ومن أراد نصره، وأمنه لم يدفعه من نصره، وأمنه دافع. وقيل: هذا في الآخرة؛ أي: لا يمنعه من مستحق الثواب مانع، ولا يدفعه عن مستوجب العذاب دافع. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: مجيرا، ومغيثا غير الله فاذكروه.
﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ أي: الإغاثة لله، أو هو المغيث، والمجير، لا مغيث غيره، ولا مجير سواه. ﴿فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: فكيف تخدعون، وتصرفون عن الإيمان بالله، وعبادته، وتوحيده مع ظهور الأمر. وتظاهر الأدلة على ما ذكر؟! أو: كيف يخيل إليكم أن تشركوا به ما لا يضر، ولا ينفع، والخادع: هو الهوى، والشيطان، والسحر: هو التخييل كما رأيت في الآية رقم [٥٧] من سورة (طه). وكل ما تقدم احتجاج على العرب المقرين بوجود الصانع، وهو الله تعالى.
هذا؛ ومعنى ﴿بِيَدِهِ:﴾ بقدرته، وتحت تصرفه.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِيَدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَلَكُوتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ بِيَدِهِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ مَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): مبتدأ. ﴿يُجِيرُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره:
стр. 3895
«هو»، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُجارُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٨٥]، والجملة الشرطية بكاملها في محل نصب مقول القول. ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ انظر الآية رقم [٨٦] ففيها الكفاية. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ، أو هي الفصيحة. (أنى): اسم استفهام، وتعجب بمعنى: كيف مبني على السكون في محل نصب حال صاحبها الواو، وعاملها الفعل بعدها. ﴿تُسْحَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية على اعتبار الفاء فصيحة لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كنتم تعترفون بذلك؛ فكيف تسحرون، أي: تخدعون... ؟ والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل.
﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠)﴾
الشرح: ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالقول الصدق من التوحيد، والوعد بالحساب، والثواب، والعقاب، لا ما يقوله الكفار من إثبات الشريك له تعالى، وإنكار البعث واليوم الآخر، وما يقع فيه. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي: الكافرين ﴿لَكاذِبُونَ﴾ أي: في قولهم: اتخذ الله ولدا من الملائكة، أو من البشر، وكاذبون أيضا في ادعائهم الشريك معه تعالى شأنه، وتعالت حكمته. وما أحراك أن تنظر ﴿الْكَذِبَ﴾ في الآية رقم [١٠٥] من سورة (النحل).
الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف انتقالي. ﴿أَتَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية رقم [٨٢] ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (نا).
﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكاذِبُونَ:﴾
اللام: هي المزحلقة. (كاذبون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير.
﴿مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (٩١)﴾
الشرح: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ:﴾ لتقدسه عن مماثلة أحد، وعدم احتياجه إلى أحد، بل
стр. 3896
واستغنائه عن كل أحد. وفيه رد على مشركي العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، وعلى اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، وعلى النصارى الذين قالوا: عيسى ابن الله. ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ:﴾ يساهمه في الألوهية، ويشاركه في الملكوتية. ﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ:﴾
المعنى لو كان مع الله آلهة كما يدعون، ويفترون لذهب كل واحد منهم بما خلقه، واستبد به، وامتاز ملكه عن ملك الآخرين، وقوى نفسه، وجيشه، وأعوانه، ووقع بينهم التحارب، وظهر التغالب كما هو حال ملوك الدنيا، فلم يكن بيده وحده ملكوت كل شيء، واللازم باطل بالإجماع، والاستقراء، وقيام البرهان على استناد جميع الممكنات إلى إله واحد.
فقد قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٤٢]: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً،﴾ وقال في سورة (الأنبياء) رقم [٢٢]: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ انظر شرح الآيتين في محلهما، فإنه جيد من حمده تعالى، وإذا كان الأمر كذلك؛ فاعلموا: أن الله إله واحد، بيده ملكوت كل شيء، ويقدر على كل شيء، وهو غني عن كل شيء.
﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ:﴾ تنزه عن الولد والشريك لما سبق من الدليل على فساده. هذا؛ و ﴿سُبْحانَ﴾ اسم مصدر، وقيل: مصدر مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل سبّح بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل: معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع]
قد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر
وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ وقال ذو النون-﵇: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ،﴾ وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا به، وجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب من رفع وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين الألف والنون، ومعناه: التنزيه، والبراءة لله من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى لا يصلح لغيره. وقد روي عن طلحة الخير بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة-﵃ أجمعين-: أنه قال للنبي ﷺ :
ما معنى سبحان الله؟ فقال: «تنزيه الله من كل سوء» والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، فالتقدير عنده:
أنزه الله تنزيها، فوقع ﴿سُبْحانَ اللهِ﴾ مكان قولك: تنزيها لله.
الإعراب: ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ:﴾ حرف صلة يفيد التوكيد. ﴿وَلَدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها
стр. 3897
اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾
الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ تقدم على اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة كسابقه. ﴿إِلهٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء. وهو هنا مقدر ب: «لو» الشرطية، انظر الشرح، وهو مثل الآية رقم [٧٣ و ٧٦] من سورة (الإسراء). ﴿لَذَهَبَ:﴾ اللام: واقعة في جواب «لو» المقدرة. (ذهب): ماض. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿إِلهٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل: (ذهب)، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: لذهب كل إله بالذي، أو: بشيء خلقه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: لذهب كل إله بخلقه. والجملة الفعلية هذه جواب ل: «لو» المقدرة، والقائم مقامها (إذا) و «لو» المقدرة، ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَلَعَلا:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب «لو» تقديرا بسبب العطف. (علا):
ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل (علا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف كما رأيت في الشرح، وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿سُبْحانَ،﴾ و (ما):
تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية مثل ﴿بِما خَلَقَ﴾ فعلى الأولين التقدير: عن الذي، أو: عن شيء يصفونه به، وعلى الثالث التقدير: عن وصفهم الله بما لا يليق به.
﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾
الشرح: ﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي: يعلم ما غاب عن أبصار عباده، ويعلم ما يشاهدونه بحواسهم، فلا يغيب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم، فنبه سبحانه على انفراده بعلم الغيب، والإحاطة بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن يشاركه فيه أحد من خلقه، وهو دليل قاطع على تفرده بالوحدانية، وعلى نفي الشريك له، وعلى نفي الولد له. ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ:﴾ تنزه، وتعاظم عمّا يقوله المشركون من اتخاذ الشريك، والولد، والصاحبة له، جلّت قدرته. هذا، و (تعالى) يأتي منه
стр. 3898
مضارع: يتعالى بمعنى: يتعاظم ويتقدس، ولا أمر له، فهو ناقص التصرف، و «يتعالى» لم يرد في القرآن الكريم أيضا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿عالِمِ:﴾ بالجر بدل من لفظ الجلالة، أو صفة له، ويقرأ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو عالم، وعليه: فالجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها، و ﴿عالِمِ﴾ مضاف، و ﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿وَالشَّهادَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَتَعالى:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف.
(تعالى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو». ﴿عَمّا:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وما تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو: عن شيء يشركونه مع الله، وعلى الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، التقدير: عن شركهم، وجملة: ﴿فَتَعالى..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، وذلك على قراءة الرفع، فكأنه قال: عالم الغيب والشهادة فتعالى، كقولك: زيد شجاع، فعظمت منزلته؛ أي شجع، فعظمت. وعلى قراءة (عالم) بالجر، فهي مستأنفة، لا محل لها، وقيل: على إضمار القول؛ أي: أقول: فتعالى الله. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٩٤)﴾
الشرح: فقد علّم الله نبيه ﷺ ما يدعو به، والمعنى: قل: يا رب إن أريتني ما يوعدون من العذاب في الدنيا، أو في الآخرة، فلا تجعلني في عداد الظالمين، ولا تعذبني بعذابهم! فعن الحسن-﵁: أخبر الله نبيه ﷺ أن له في أمته نقمة، ولم يخبره متى وقتها، فأمره أن يدعو هذا الدعاء، ويجوز أن يسأل النبي المعصوم ربه ما علم أنه يفعله، وأنه يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله، إظهارا للعبودية، وتواضعا لربه. واستغفاره ﷺ إذا قام من مجلسه لذلك، وتعليمه هذا الدعاء إما لهضم النفس، أو؛ لأن شؤم الظلمة قد يحيق بمن وراءهم، كقوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
أقول: وهذا كله يعني: أن المراد بالظالمين هم ما يكونون في هذه الأمة، وسياق الآيات يدل على أن المراد الظالمين، وهم الكفرة الذين جعلوا لله شريكا، وجعلوا له صاحبة وولدا، وقد توعدهم بالعذاب في غير ما آية، وكان النبي ﷺ يعلم: أن الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل بهم العذاب، ومع هذا فقد أمره ربه بهذا الدعاء، والسؤال ليعظم أجره، وليكون في كل الأوقات ذاكرا لربه، . هذا؛ وتكرير النداء، وتصدير كل واحد بالشرط، والجزاء به فضل تضرع، وجؤار.
стр. 3899
تنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى: ونداء الرب قد كثر حذف «يا» النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أن في حذفها من نداء الرب فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد، فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت (يا) من نداء الرب ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن «يا» تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام في نداء الرب لذلك المعنى، انتهى.
هذا؛ والرب يطلق، ويراد به السيد، والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ..﴾. إلخ وقوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً..﴾. إلخ، وقال الأعشى: [الكامل]
ربّي كريم، لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
كما يقال: رب الدار، ورب الأسرة، أي مالكها، ومتولي شؤونها. كما يراد به المربي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة، يربها: إذا أصلحها، والله مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه، وهو خلق صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه؛ حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك.
والرب: المعبود بحق، وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇ لصاحبي السجن:
﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]
هنيئا لأرباب البيوت، بيوتهم... وللأكلين التّمر مخمس مخمسا
وهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر. وانظر شرح «الظلم» في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج).
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وباقي الإعراب مثل: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٣]. ﴿إِمّا:﴾ هي «إن» الشرطية مدغمة في «ما» الزائدة للتوكيد.
﴿تُرِيَنِّي:﴾ مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، وحذفت نون الوقاية للتخفيف، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿إِمّا:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في
стр. 3900
محل نصب مفعول به ثان. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، وهو العائد، أو الرابط؛ إذ التقدير: إما تريني الذي، أو: شيئا يوعدونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: وعيدك لهم، وجملة: ﴿تُرِيَنِّي..﴾.
إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. هذا؛ وينبغي أن تعلم:
أن الفعل يرى هنا بصري، وقد تعدى إلى المفعول الثاني بهمزة التعدية؛ لأن ماضيه هنا رباعي وهو أرى، ومضارعه: يري.
﴿رَبِّ:﴾ هذا النداء مؤكد لسابقه تأكيدا لفظيا، ومعترض بين فعل الشرط، وجوابه.
﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تَجْعَلْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب:
(لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿فِي الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و ﴿فِي﴾ بمعنى «مع». تأمل. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء
إلخ. هذا؛ والكلام: ﴿رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ رَبِّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥)﴾
الشرح: كان كفار قريش ينكرون الوعيد، والتهديد بالعذاب، ويضحكون منه، ويسخرون، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما يتوعدكم، ويتهددكم به، إن تأملتم، وعرفتم الحقيقة. وقد أخره سبحانه، وتعالى؛ لأنه علم أن بعضهم، أو بعض أعقابهم يؤمنون، وقد حصل ذلك حيث أسلم المئات منهم بعد الهجرة، وعلى رأسهم سيف الله، وسيف رسوله خالد بن الوليد الذي خرج من مكة مؤمنا طائعا بعد غزوة الحديبية، أو المعنى: أن الله لا يعذبهم، وأنت يا محمد موجود بينهم، ومقيم بين أظهرهم، وهذا ما صرحت به آية (الأنفال) رقم [٣٣] ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾.
الإعراب: ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.
﴿نُرِيَكَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول.
﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿نَعِدُهُمْ:﴾
مضارع، والفاعل: نحن، والهاء مفعول به أول، والثاني محذوف، وهو العائد، أو الرابط؛ إذ التقدير: نريك الذي، أو: شيئا نعدهموه، أو نعدهم إياه، و (أن) والمضارع في تأويل مصدر في
стр. 3901
محل جر ب: ﴿عَلى﴾ والجار، ومجرور متعلقان ب: (قادرون) بعدهما. ﴿لَقادِرُونَ:﴾ خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر بالفعلين السابقين، والرابط: الواو، والضمير. أو هي مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى، وأولى.
﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦)﴾
الشرح: لقد أمر الله نبيه ﷺ في هذه الآية بالصفح، والعفو، ومكارم الأخلاق، ودفع السيئة بالحسنة، فما كان منها لهذه الأمة فيما بينهم؛ فهو محكم باق في الأمة إلى يوم القيامة، وما كان فيها من موادعة الكفار، وترك التعرض لهم، والصفح عن أمورهم فمنسوخ بآية القتال، وقيل: هي محكمة أيضا في حق الكفار بحيث لم يؤد ذلك إلى وهن في الدين، أو إلى انتهاك حرمة المسلمين؛ إذ المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى ما ذكر، وسترى مزيدا لذلك في سورة (فصلت) رقم [٣٣] إن شاء الله تعالى.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ أي: يصفوننا من نسبة الشريك إلينا، ومن اتخاذ الصاحبة، والولد، أو بما يصفونك به يا محمد من قولهم: هو شاعر، ساحر، كاهن، مجنون، إلى غير ذلك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وأصل ﴿السَّيِّئَةَ:﴾ السّيوئة، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وأصل ﴿يَصِفُونَ:﴾ يوصفون، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة، وتحذف من المبدوء بالهمزة والنون والتاء حملا على المبدوء بالياء من كل مضارع مأخوذ من ماض مبدوء بالواو، مثل وعد، وزن، ورث... إلخ، و ﴿أَعْلَمُ﴾ ليس على بابه من التفضيل؛ لأن الله لا يشركه في علمه أحد.
الإعراب: ﴿اِدْفَعْ:﴾ أمر، وفاعله: «أنت». ﴿بِالَّتِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (التي) صفة لموصوف محذوف، التقدير: بالخصلة التي، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿السَّيِّئَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿اِدْفَعْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإنما لم يقل: فادفع بالتي هي أحسن، أي: بقرن الجملة الفعلية الطلبية بالفاء الفصيحة؛ لأنه على تقدير قائل قال: فكيف أصنع، فقال: ادفع بالتي هي أحسن. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. ﴿بِما:﴾ متعلقان به، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أعلم بالذي، أو:
بشيء يصفوننا به. أو بالذي، أو: بشيء يصفونك به. وعلى اعتبار المصدرية، تؤول (ما) مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: نحن أعلم بوصفهم لنا، أو بوصفهم لك، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له.
стр. 3902
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾
الشرح: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ:﴾ أمتنع، وأتحصن، وأعتصم بك. ﴿مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ أي: وساوسهم، ونخساتهم، ونزغاتهم الشاغلة عن ذكر الله تعالى، فعن جبير بن مطعم-﵁: أنه رأى النبي ﷺ يصلي صلاة، -قال عمرو-﵁: ولا أدري أي صلاة هي؟ - فقال: «الله أكبر كبيرا (ثلاثا)، والحمد لله كثيرا (ثلاثا)، وسبحان الله بكرة وأصيلا (ثلاثا)، أعوذ بالله من الشّيطان من نفخه، ونفثه، وهمزه، قال: نفثه: الشّعر، ونفخه: الكبر، وهمزه: الموتة» أخرجه أبو داود، والموتة: الجنون.
﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ أي: يكونوا معي في أموري، فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدّين للهمز، وإذا لم يكن حضور فلا همز. فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الشّيطان يحضر أحدكم عند كلّ شيء من شأنه، حتّى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللّقمة، فليمط ما كان بها من أذى، ثمّ ليأكلها، ولا يدعها للشّيطان، فإذا فرغ: فليلعق أصابعه، فإنّه لا يدري في أيّ طعامه البركة». أخرجه مسلم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وخذ ما يلي:
فعن أبي أمامة الباهلي-﵁-قال: حدّث خالد بن الوليد-﵁ رسول الله ﷺ عن أهاويل يراها باللّيل، حالت بينه وبين صلاة اللّيل، فقال رسول الله ﷺ : «يا خالد بن الوليد! ألا أعلّمك كلمات تقولهنّ، ولا تقولهنّ ثلاث مرّات؛ حتّى يذهب الله عنك ذلك؟». قال: بلى يا رسول الله بأبي أنت وأمّي! فإنّما شكوت هذا إليك رجاء هذا منك. قال:
قل: أعوذ بكلمات الله التّامّة من غضبه، وعقابه، وشرّ عباده، ومن همزات الشّياطين، وأن يحضرون». قالت عائشة-﵂: فلم ألبث ليالي حتّى جاء خالد بن الوليد، فقال:
يا رسول الله بأبي أنت وأمّي! والّذي بعثك بالحقّ ما أتممت الكلمات الّتي علّمتني ثلاث مرّات حتّى أذهب الله عني ما كنت أجد، ما أبالي لو دخلت على أسد في خيسته بليل. رواه الطبراني في الأوسط، خيسة الأسد: موضعه الذي يأوي إليه.
وعن خالد-﵁: أنه أصابه أرق، فقال رسول الله ﷺ : «ألا أعلّمك كلمات إذا قلتهنّ نمت، قل: اللهمّ ربّ السموات السبع وما أظلّت، وربّ الأرضين وما أقلّت، وربّ الشّياطين وما أضلّت، كن لي جارا من شرّ خلقك أجمعين أن يفرط عليّ أحد منهم، أو أن يطغى، عزّ جارك، وتبارك اسمك». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، ويزاد: «وجلّ ثناؤك، ولا إله غيرك».
стр. 3903
الإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله: أنت. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وفيه أوجه، انظرها بإعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٣]. ﴿أَعُوذُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ هَمَزاتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، ويجوز تعليقهما وتعليق ما قبلهما بمحذوف حال، التقدير: أعوذ مستجيرا بك من همزات، و ﴿هَمَزاتِ﴾ مضاف، و ﴿الشَّياطِينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الندائية والجملة الفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، و ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ﴾ الإعراب مثل ما قبلهما، والجملتان معطوفتان على ما قبلهما، فهما في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَحْضُرُونِ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير من حضورهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾
الشرح: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ:﴾ هذا الكلام متعلق بالفعل ﴿يَصِفُونَ﴾ في الآية رقم [٩١] والمعنى: لا يزالون مصرين على الشرك إلى وقت مجيء الموت، أو لا يزالون مستمرين على سوء الذكر، إلى هذا الوقت، وما بينهما مذكور على وجه الاعتراض، والتأكيد للإغضاء عنهم، مستعينا بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم، ويغريه على الانتصار منهم.
﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ:﴾ قال أبو البقاء: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جمع على التعظيم، كما قال تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾. وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا﴾. والثاني: أنه أراد: يا ملائكة ربّي ارجعون. والثالث: أنه دل بلفظ الجمع على تكرير القول، فكأنه قال: ربّ ارجعني، ربّ ارجعني، ربّ ارجعني انتهى. بتصرف. ومعنى التكرير قيل به في قوله تعالى في سورة (ق): ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ،﴾ وبقول امرئ القيس: [الطويل]
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
ومثله كثير في الشعر العربي. هذا؛ وسؤال الرجعة إلى الدنيا ليس مختصا بالكافر، فقد يسألها المؤمن كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الآية رقم [١٠] من سورة (المنافقون). بل إن الندامة بعد الموت تعم الصالح والطالح، والمؤمن، والكافر. المؤمن الصالح يندم على عدم
стр. 3904
الزيادة في الخيرات، والصالحات. والطالح الكافر يندم على عصيانه، وإسرافه في السيئات؛ فضلا عن ندامته في الكفر، وعبادة غير الله تعالى.
عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد يموت إلا ندم».
قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟! قال: «إن كان محسنا؛ ندم ألاّ يكون ازداد. وإن كان مسيئا؛ ندم أن لا يكون نزع». رواه الترمذي، والبيهقي.
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً:﴾ قال قتادة-رحمه الله تعالى-: ما تمنى أن يرجع إلى أهله، وعشيرته، ولا ليجمع الدنيا، ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع، فيعمل بطاعة الله، فرحم الله امرأ عمل فيما تمناه الكافر إذا رأى العذاب! فعن النبي ﷺ قال: «إذا عاين المؤمن الملائكة، قالوا:
نرجعك إلى الدّنيا، فيقول: إلى دار الهموم، والأحزان، بل قدوما إلى الله. وأما الكافر فيقول:
ربي ارجعون». وهذا بعد بشارة المؤمن برضا الله، ورضوانه، وبعد بشارة الكافر بغضب الله، وسخطه، وعذابه، فعن عائشة-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحبّ لقاء الله؛ أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله؛ كره الله لقاءه». فقلت: يا نبيّ الله! أكراهية الموت، فكلّنا نكره الموت؟ قال: «ليس ذلك، ولكنّ المؤمن إذا بشّر برحمة الله ورضوانه وجنّته؛ أحبّ لقاء الله، فأحبّ الله لقاءه، وإنّ الكافر إذا بشّر بعذاب الله، وسخطه؛ كره لقاء الله، وكره الله لقاءه». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وانظر ما ذكرته الآية رقم [١٠٨] الآتية.
﴿فِيما تَرَكْتُ﴾ أي: ضيعت من عمري، وتركت العمل به من الطاعات. أو المعنى: أقول:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأعمل بطاعته. فيدخل فيه الأعمال البدنية، والمالية. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر، وانظر شرحها في الآية رقم [٧٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها:﴾ المراد بالكلمة:
الطائفة من الكلام المنتظم بعضه مع بعض، وهو قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ﴾ ومعنى ﴿هُوَ قائِلُها﴾ أي: لا ينفك عنها، بل يقولها دائما؛ لا ستيلاء الحسرة، والندم عليه، وقيل: معناها: لو أجيب إلى ما يطلب من الرجعة إلى الدنيا؛ لما وفى بما يقول، كما قال تعالى في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنعام): ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ وذلك للحكم الأزلي في حقهم: أنهم أصحاب النار.
﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ﴾ أي: من أمامهم. ﴿بَرْزَخٌ:﴾ حائل، وحاجز بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا، وكل حاجز بين شيئين؛ فهو برزخ، والمراد به المدة التي تكون من حين الموت إلى البعث. هذا؛ وما يجري على ألسنة العوام (من أن البرزخ جب تحبس فيه الأرواح) لا أصل له، وإنما الروح لها تعلق بالجسد الذي خرجت منه، وإن فني، فلها تعلق بالقبر الذي دفن فيه الجسد ليصدق عليه قول الرسول ﷺ في نعيم القبر، وعذابه في أحاديث كثيرة أذكر منها ما يلي: عن عبد الله بن عمر-رضي
стр. 3905
الله عنهما-أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة، والعشيّ، إن كان من أهل الجنّة؛ فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النار؛ فمن أهل النّار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فجلس إلى قبر منها فقال: «ما يأتي على هذا القبر يوم إلاّ وهو ينادي بصوت ذلق طلق: يا بن آدم نسيتني ألم تعلم أنّي بيت الواحدة، وبيت الغربة، وبيت الوحشة، وبيت الدود، وبيت الضّيق إلاّ من وسّعني الله عليه». ثم قال رسول الله ﷺ : «القبر إمّا روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النّار».
﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ:﴾ لم يرد أنهم يرجعون يوم البعث إلى الدنيا، وإنما هو إقناط كلّي لما علم أن لا رجوع بعد البعث إلا إلى الآخرة.
أما ﴿كَلِمَةٌ﴾ ففيها ثلاث لغات: الأولى كلمة على وزن نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم كنبق، والثانية: كلمة على وزن سدرة، والثالثة: كلمة على وزن: تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى: كلم، كسدر، وجمع الثانية: كلم، كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو: كبد، وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق جاز فيه لغة رابعة، وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو فخذ، وشهد، وهي في الأصل قول مفرد، مثل: محمد، وقام، وقعد، وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة كما في هذه الآية التي نحن بصدد شرحها، وقال النبي ﷺ :
«أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: [الطويل]
ألا كلّ شيء-ما خلا الله-باطل... وكلّ نعيم لا محالة زائل»
المراد ب: «كلمة» الشطر الأول بكامله، وتقول: قال فلان: كلمة، والمراد بها كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربية في القديم، والحديث، وانظر شرح الكلام في الآية رقم [١٠٨] الآتية.
الإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٧٨]. ﴿جاءَ:﴾ ماض.
﴿أَحَدَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْمَوْتُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿أَحَدَهُمُ﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وفيه أوجه أخر انظرها بإعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٣]. ﴿اِرْجِعُونِ:﴾ فعل دعاء مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾
стр. 3906
ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿حَتّى﴾ في مثل هذه الآية جارة ل:
﴿إِذا،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قوله ف: ﴿حَتّى إِذا..﴾. إلخ جار ومجرور متعلقان بمحذوف. انظر الشرح، وهو يؤيد قول الأخفش في هذه الآية.
﴿لَعَلِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَعْمَلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿صالِحاً:﴾ صفة مفعول محذوف، التقدير: أعمل عملا صالحا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل). ﴿فِيما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: في الذي، أو: في شيء تركته، والجملة الاسمية:
﴿لَعَلِّي..﴾. إلخ تعليل لطلب الرجوع، لا محل لها.
﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر، مبني على السكون في محل نصب مقول القول لقول محذوف، وذلك على الحكاية، أي: فيقال له: كلا. ﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (ها): اسمها.
﴿كَلِمَةٌ:﴾ خبرها. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿قائِلُها:﴾ خبره، و (ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿كَلِمَةٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّها..﴾. إلخ تعليل للردع، والزجر، لا محل لها، والجملة المقدرة: يقال له:
كلا... إلخ لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر، فكأن قائلا قال: بماذا يجاب؟ فالجواب فيقال له: كلا... إلخ. ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من ورائهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَرْزَخٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَرْزَخٌ﴾. ﴿يُبْعَثُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمِ﴾ إليها، التقدير:
إلى يوم بعثهم، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، وقيل: معطوفة، وهما ضعيفان.
﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١)﴾
الشرح: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ أي: لقيام الساعة، والمراد بهذا النفخ النفخة الأولى. قاله ابن عباس-﵄. وقال ابن مسعود-﵁: المراد: النفخة الثانية، فقد قال: يؤخذ بيد العبد يوم القيامة، فينصب على رؤوس الأولين، والآخرين، ثم ينادي مناد: هذا فلان ابن فلان، فمن كان له قبله حقّ، فليأت إلى حقه! فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده، أو ولده، أو زوجته، أو أخيه، فيأخذه منه، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ فيقول الرب : آت هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب! قد فنيت الدنيا،
стр. 3907
فمن أين أوتيهم؟ فيقول الرب للملائكة: خذوا من حسناته، فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته، فإن كان وليا لله فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل، فيضاعفها الله تعالى حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ ابن مسعود-﵁-قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ الآية رقم [٤٠] من سورة (النساء)، وإن كان شقيّا؛ قالت الملائكة: ربّنا فنيت حسناته، وبقي طالبون، فيقول الله تعالى: «خذوا من أعمالهم، فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكّا إلى جهنم». انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف، ولا تنس: أن التعبير بالماضي عن المستقبل في هذه الآية، وأمثالها، إنما هو لتحقيق وقوع الأمر المحدّث عنه، وهو كثير في القرآن.
وفي رواية عن ابن عباس-﵄: أنها النفخة الثانية، ومعنى ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يتفاخرون بالأنساب يومئذ، كما كانوا يتفاخرون بها في الدنيا، ولا يتساءلون سؤال تواصل، كما كانوا يتساءلون في الدنيا: من أنت؟ ومن أي قبيلة أنت؟ ولم يرد: أن الأنساب تنقطع.
هذا؛ وقد قال الله في سورة (الطور) رقم [٢٥]: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ وقال في سورة (الصافات) رقم [٢٧]: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أقول: فآية (الطور) تنص على أن التساؤل إنما يكون في الجنة بلا ريب بدليل الآيات التي قبلها، والتي بعدها، وأما آية (الصافات) فهي تنص على أن التساؤل إنما يكون في يوم القيامة بدليل قوله تعالى قبلها بآيتين:
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ وهي تعارض الآية التي نحن بصدد شرحها، وقد قال ابن عباس-﵄-في حل هذا التعارض: إن للقيامة أحوالا، ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف، فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة، فيتساءلون.
انتهى.. خازن.
الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٧٧]. ﴿نُفِخَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿أَنْسابَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾
ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر (لا)، والجملة الاسمية جواب (إذا) لا محل لها. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بالخبر المحذوف الذي هو متعلق الظرف قبله، أو بمحذوف خبر ثان. و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَلا:﴾ الواو:
حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية، لا محل لها مثلها.
стр. 3908
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)﴾
الشرح: لقد ذكر الله تعالى الآية ولا حقتها في سورة (الأعراف) برقم [٨ و ٩] وهناك زيادة هذه الجملة قبلهما: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ وذكر ثقل الموازين وخفتها في سورة (القارعة) أيضا، وذكرت لك في الآية رقم [١٠٥] من سورة (الكهف) الاختلاف في الوزن، هل هو للأعمال، أو للأشخاص؟ انظرها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وأقول هنا: الجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان، له لسان، وكفتان، ينظر إليه الخلائق إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم فينكرون، ولكن تعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم، كما في سورة (النور)، وسورة (يس)، وسورة (فصلت).
والحكمة من وزن الأعمال مع علم الله بمقاديرها تتجلى فيما يلي: منها: إظهار العدل الإلهي، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة. ومنها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير، وشر، وحسنة، وسيئة. ومنها:
إظهار علامة السعادة، والشقاوة. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: رجحت حسناته على سيئاته، و (موازين) جمع: ميزان، وأصله موزان، قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، ومثله:
ميعاد، وميثاق، وميراث، وميقات، فأصل الياء فيهن واو. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ الفائزون برضا الله، ودخول الجنة، الناجون من سخطه، ومن عذاب النار؛ لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من كل مكروه، والفوز بكل محبوب، وأصله: المؤفلحون، انظر الآية رقم [١١٧] الآتية لإعلاله.
الإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ثَقُلَتْ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿مَوازِينُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾
خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر أولئك. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل لا محل له. فيكون ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر (أولئك)، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل:
هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى جميع الاعتبارات؛ فالجملة الاسمية مفرعة عما قبلها، ومستأنفة، لا محل لها.
стр. 3909
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: رجحت سيئاته على حسناته. هذا؛ وقد ذكر الله في الآية السابقة السعداء الذين غلبت حسناتهم على سيئاتهم، وذكر في هذه الآية الأشقياء الذين غلبت سيئاتهم على حسناتهم، وبقي صنف ثالث: وهم من تساوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم أصحاب الأعراف؛ الذين ذكرهم الله في الآية رقم [٤٥] من سورة (الأعراف). ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي:
ضيعوها، وحرموها من جزيل ثواب الله تعالى، وكرامته. ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ:﴾ مقيمون، ماكثون، لا يخرجون منها أبدا، فهذه هي خسارتهم، وأية خسارة أعظم من الحرمان من الجنة ونعيمها الدائم، والخلود في النار، وانظر (الخسران) في الآية رقم [١١] من سورة (الحج)، وانظر شرح ﴿يَرِثُونَ﴾ في الآية رقم [١١]، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٣٥] من سورة (الأنبياء).
تنبيه: روي عن أبي بكر الصديق-﵁-أنه قال حين حضره الموت في وصيته لعمر بن الخطاب-﵁: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا.
الإعراب: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ..﴾. إلخ: انظر إعراب هذا الكلام في الآية السابقة.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿خَسِرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي جَهَنَّمَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهم في جهنم، وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ:﴾ بدل من الصلة، أي من جملة: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ولا محل للبدل، ولا للمبدل منه، أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان ل: (أولئك)، وعلى هذه الأقوال ف:
(خالدون) فاعل بمتعلق الجار والمجرور. هذا؛ وإن اعتبرنا ﴿خالِدُونَ﴾ خبرا ثانيا للمبتدأ (أولئك)، أو خبرا لمبتدأ محذوف، فيكون الجار والمجرور متعلقين به، التقدير: فأولئك الذين... خالدون في جهنم، أو التقدير: فهم خالدون في جهنم. وبقي وجه آخر، وهو اعتبار الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و ﴿خالِدُونَ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية بدل من جملة الصلة، وذلك على قول الزمخشري، ومتابعيه. تأمل، وتدبر.
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤)﴾
الشرح: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ:﴾ تحرق، واللفح كالنفح؛ إلا أنه أشد تأثيرا، وانظر الآية
стр. 3910
رقم [٤٦] من سورة (الأنبياء) يقال: لفحته النار والسموم بحرها: أحرقته، ونفحته بالسيف نفحة:
إذا ضربته به ضربة خفيفة. ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ أي: عابسون، وقد بدت أسنانهم، وتقلصت شفاههم، كالرأس المشوي في النار، قال الأعشى: [الرمل]
وله المقدم لا مثل له... ساعة الشّدق عن النّاب كلح
وعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ ، قال: ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ قال:
«تشويه النّار فتقلص شفته العليا حتّى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السّفلى؛ حتّى تضرب سرّته». أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. هذا؛ ودهر كالح: شديد.
الإعراب: ﴿تَلْفَحُ:﴾ مضارع. ﴿وُجُوهَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿النّارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدأ:
(أولئك)، أو في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:
واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿كالِحُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، فهي حال متداخلة من وجه، وهو أولى من اعتبارها معطوفة على الجملة الفعلية قبلها.
﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾
الشرح: في الآية الكريمة توبيخ، وتقريع للذين دخلوا النار من الكفار. والمعنى: ألم تقرأ عليكم آيات القرآن، وزواجره، وفيها تبين طريق الحق والنور، والإسلام والسّلام، فأعرضتم عنها، ولم تصدقوا بها، وكنتم من المكذبين بما فيها؛ حتى استحققتم هذا العذاب الأليم، والعقاب الشديد؟!.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿آياتِي:﴾ اسم ﴿تَكُنْ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿تُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى (آياتي)، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿تَكُنْ﴾.
﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف. (كنتم): ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿فَكُنْتُمْ..﴾. إلخ
стр. 3911
معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: «يقال...» إلخ المقدرة معطوفة على جملة ﴿تَلْفَحُ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، والمقدّر كالموجود.
﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦)﴾
الشرح: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا:﴾ يقرأ: «(شقاوتنا)». قال القرطبي: وأحسن ما قيل في معناه: غلبت علينا لذاتنا، وأهواؤنا. فسمى اللذات والأهواء شقوة؛ لأنهما يؤديان إليها، كما قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٠]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً؛﴾ لأن ذلك يودي بهم إلى النار، وقيل: ما سبق في علمك، وكتب علينا في أمّ الكتاب من الشقاوة. وهذا رده النسفي بقوله:
لا يصح؛ لأنه إنما يكتب ما يفعل العبد، وما يعلم: أنه يختاره، ولا يكتب غير الذي علم أنه يختاره، فلا يكون مغلوبا، ومضطرا في الفعل، وهذا؛ لأنهم إنما يقولون ذلك اعتذارا لما كان منهم من التفريط في أمره، فلا يجمل أن يطلبوا لأنفسهم عذرا فيما كان منهم. انتهى.
وانظر الفعل «يشقى» في الآية رقم [٢] من سورة (طه).
﴿وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ﴾ أي: كنا في فعلنا ضالين عن الهدى، وليس هذا اعتذارا منهم، إنما هو إقرار، ويدل عليه الآية التالية. هذا؛ وانظر شرح: ﴿رَبِّ﴾ في الآية رقم [٩٤]، وشرح ﴿قَوْماً﴾ في الآية رقم [٢٣]، وإعلال ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣٨] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿غَلَبَتْ:﴾
ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿شِقْوَتُنا:﴾ فاعل، و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. والجملتان الندائية، والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و (نا):
اسمه. ﴿قَوْماً:﴾ خبر (كان). ﴿ضالِّينَ:﴾ صفة ﴿قَوْماً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة ﴿وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ (١٠٧)﴾
الشرح: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها﴾ أي: من النار، طلبوا الرجعة إلى الدنيا، كما طلبوها عند الموت، كما رأيت في الآية رقم [٩٩]. ﴿فَإِنْ عُدْنا﴾ أي: رجعنا إلى الكفر، والتكذيب بما جاءت به الرسل. ﴿فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ أي: لأنفسنا، والله أعلم بمراده.
стр. 3912
الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَخْرِجْنا:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إن):
حرف شرط جازم. ﴿عُدْنا:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا):
فاعله، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنّا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿ظالِمُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، ومتعلقه محذوف كما رأيت في الشرح، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع اسم الفاعل، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول.
﴿قالَ اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١٠٩)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله مجيبا لهم. ﴿اِخْسَؤُا فِيها:﴾ اسكتوا سكوت هوان، فإنها ليست مقام سؤال، من خسأت الكلب خسئا: طردته، وخسأ الكلب بنفسه خسوآ، يتعدى، ولا يتعدى، ولم يرد هذا الفعل في غير هذه الآية لا بصيغة الماضي، ولا المضارع، ولا الأمر، وقد جاء منه اسم الفاعل:
﴿خاسِئِينَ﴾ في البقرة رقم [٦٥]، وفي الأعراف رقم [١٦٦]، و ﴿خاسِئاً﴾ في سورة (الملك) رقم [٤].
﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: في رفع العذاب، أو تخفيفه، فإني لا أرفعه عنكم، فعند ذلك ييأس المجرمون من الفرج. قال الحسن رحمه الله تعالى: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلمون بعد ذلك، ما هو إلا الزفير، والشهيق، وعواء كعواء الكلاب، لا يفهمون، ولا يفهمون. انتهى. خازن.
وقال الزمخشري في الكشاف: وعن ابن عباس-﵄-قال: إن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار، قالوا ألف سنة: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً﴾ فيجابون بما يلي: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ سورة (السجدة)، فينادون ألف سنة: ﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ؟﴾ فيجابون:
﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ سورة (غافر)، فينادون ألف سنة: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ فيجابون: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ سورة (الزخرف)، فينادون ألف سنة: ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فيجابون: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾.
فينادون ألف سنة: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ فيجابون: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾
стр. 3913
﴿ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ سورة (فاطر). فينادون ألف سنة: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ فيجابون: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾.
هذا، وإذا نظرت في الكشاف يتبين لك ما زدته عليه من ذكر الآيات بكاملها، وعزوها إلى سورها زيادة في الإيضاح. وينبغي أن تعلم: أنه لا يوجد في الآخرة ليل، ولا نهار، ولا شهور، ولا أعوام، وإن ما ذكر من الآلاف إنما هو بالتقدير، وقد يعترض بعض الناس، فيقول: هذا العذاب الشديد، والمكث الطويل في جهنم، هذا كله من أجل كفر الكافر في أيام معدودة في الدنيا، وكثير من الكفار لا يعيشون في الدنيا عشرين عاما، ومنهم من يعيش أكثر، أو أقل، ولماذا استحقوا هذا العذاب الشديد الذي لا انتهاء له، ولا انقطاع؟ والجواب عن ذلك: أنهم استحقوا العذاب لإصرارهم على الكفر، ونيتهم البقاء عليه، ولو عاشوا آلاف السنين في الدنيا، فمن أجل هذا جوزوا بالخلود في نار الجحيم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي﴾ أي: المؤمنين، أمثال بلال، وخباب، وصهيب، وفلان، وفلان من ضعفاء المسلمين. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ أي: بما أنزلت من القرآن، وبما جاء به محمد ﷺ من الهدى، والفرقان. ﴿فَاغْفِرْ لَنا﴾ أي: ذنوبنا. ﴿وَارْحَمْنا﴾ أي: برحمتك الواسعة التي وسعت كل شيء. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ:﴾ وأنت أفضل، وأكرم ممن يرحم.
هذا؛ و ﴿فَرِيقٌ﴾ طائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، وقوم. أما الكلام بالنسبة للبشر فهو يدل على أحد ثلاثة أمور:
أولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا! تريد: تكليمك إياه.
وثانيها: ما يدور في النفس من هواجس، وخواطر، وكل ما يعبّر عنه باللفظ، لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية، تأمل قول الأخطل التغلبي: [الكامل]
لا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا
وثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطا، أو إشارة، أو دلالة حال. انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللّسانين)، وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفّتي المصحف: (كلام الله)، ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جل شأنه:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى كلمته جلّت حكمته: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينها القول، وذلك في قوله: [الطويل]
стр. 3914
أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم
فأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
ثم انظر إلى قول نصيب بن رباح: [الطويل]
فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿اِخْسَؤُا:﴾ أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾
الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُكَلِّمُونِ:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهو ضمير الشأن؛ لأنه لا يعود إلى مذكور.
﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿فَرِيقٌ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿مِنْ عِبادِي:﴾ متعلقان ب: (فريق) أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿آمَنّا:﴾ ماض مبني على السكون، و (نا): فاعله، ومتعلقه محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، وللنهي. هذا؛ وقرئ بفتح همزة (أن) وعليه فتؤول مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأنه... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تُكَلِّمُونِ﴾.
﴿فَاغْفِرْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يرى صحة عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة. (اغفر): فعل دعاء، وفاعله مستتر فيه تقديره:
«أنت»، ومفعوله محذوف، تقديره: ذنوبنا. ﴿لَنا:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا منا؛ فاغفر لنا... إلخ، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَارْحَمْنا﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الرّاحِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره
стр. 3915
الياء... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر بالفعل: (ارحمنا)، والرابط: الواو، والضمير.
﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)﴾
الشرح: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا:﴾ فجعلتموهم هزآ، وسخرية تسخرون منهم. هذا؛ ويقرأ بكسر السين، وضمها هنا، وفي سورة ص رقم [٦٣]. قال النحاس: وفرّق أبو عمرو بينهما، فجعل المكسورة من جهة التهزؤ، والمضمومة من جهة السخرة، ولا يعرف هذا التفريق الخليل، ولا سيبويه، ولا الكسائي، ولا الفراء. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال:
عصيّ وعصيّ، ولجيّ ولجيّ. وحكى الثعلبي عن الكسائي، والفراء الفرق الذي ذكره أبو عمرو، وأن الكسر بمعنى الاستهزاء، والسخرية بالقول، والضم بمعنى التسخير، والاستعباد بالفعل.
وقال المبرد: إنما يؤخذ التفريق بين المعاني عن العرب، وأما التأويل فلا يكون، والكسر في سخري في المعنيين جميعا؛ لأن الضمة تستثقل في مثل هذا. انتهى. قرطبي. هذا؛ وسخريا على اللغتين مصدر «سخر»، زيدت فيهما ياء النسبة للمبالغة.
﴿حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ أي: أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم ذكري؛ أي: توحيدي، والإيمان بي، فلم تخافوني، ولم تحفظوا كرامة أوليائي. ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ:﴾ استهزاء بهم، وأضاف سبحانه الإنساء إلى المؤمنين؛ لأنهم كانوا سببا لاشتغالهم عن ذكره، وتعدي شؤم استهزائهم بالمؤمنين إلى استيلاء الكفر على قلوبهم.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-وينظر إلى معنى هذا قوله تعالى في آخر المطففين: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ إلى آخر السورة، ويستفاد من هذا: التحذير من السخرية والاستهزاء بالضعفاء والمساكين، والاحتقار لهم، والإزراء عليهم، والاشتغال بهم فيما لا يعني، وأن ذلك مبعد من الله، . انتهى.
أقول: فإذا كان هذا في حق الكفار الذين كانوا يسخرون بالمؤمنين؛ فالمسلمون أحق بهذا الوعيد والتهديد؛ إذا كانوا يسخرون بإخوانهم المؤمنين، وقد وردت أحاديث كثيرة تشدد النكير على الذين يهزؤون بالناس، فعن الحسن-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم في الآخرة باب إلى الجنّة، فيقال له: هلمّ! فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه؛ أغلق دونه، ثمّ يفتح له باب آخر، فيقال له: هلم! فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه أغلق دونه، فما يزال كذلك، حتّى إنّ أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة، فيقال له: هلمّ فما يأتيه من الإياس». رواه البيهقي مرسلا، وعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التّقوى هاهنا، التقوى هاهنا،
стр. 3916
التقوى هاهنا (ويشير إلى صدره) بحسب امرئ من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله». رواه مسلم وغيره، وقال تعالى في سورة (الحجرات): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾.
الإعراب: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (اتخذتموهم): ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به أول. ﴿سِخْرِيًّا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ، وقد قال الجمل: هي محط التعليل؛ أي: للنهي عن الكلام. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿أَنْسَوْكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لا لتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿ذِكْرِي:﴾ مفعول به ثان أوصل الفعل إليه همزة التعدية، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل (أنسوكم) في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ ويعتبر الجرجاوي في إعرابه لشواهد ابن عقيل ﴿حَتّى﴾ في مثل ذلك حرف ابتداء، والمعنى على ما جريت عليه في الإعراب. تأمل. (كنتم): ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: (تضحكون منهم) في محل نصب خبر (كان)، وجملة ﴿وَكُنْتُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة (اتخذتموهم...) إلخ لا محل لها مثلها.
﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١)﴾
الشرح: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا﴾ أي: على أذاكم، واستهزائكم بهم، وصبروا على طاعتي، وانظر (الصبر) في الآية رقم [٨٥] من سورة (الأنبياء). ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ أي:
بجميع مراداتهم في جنة عرضها السموات والأرض. هذا؛ وإعلال (فائز) مثل إعلال (قائم) في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحج).
هذا؛ و (الجزاء) و (المجازاة): المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول ما في الآية الكريمة، وقوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ والثاني مثل قوله تعالى في آيات كثيرة بعد أن يذكر عذاب الكافرين، والظالمين:
﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ،﴾ ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ هذا؛ والفعل جزى، يجزي ينصب مفعولين.
الإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿جَزَيْتُهُمُ:﴾ فعل، وفاعل ومفعوله الأول، والثاني محذوف، التقدير: جزيتهم النعيم المقيم. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف متعلق بما
стр. 3917
قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية لا غير. ﴿صَبَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، و (ما) والفعل ﴿صَبَرُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير:
بصبرهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. (إنّهم) (١): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿جَزَيْتُهُمُ:﴾ توكيد لاسم (إنّ) على المحل، أو هو ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
﴿الْفائِزُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ مبتدأ؛ ف: ﴿الْفائِزُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿أَنَّهُمْ..﴾.
إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة ﴿أَنَّهُمْ﴾ (٢)، وعليه فهي تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر، وفي هذا المصدر وجهان: أحدهما هو في محل نصب مفعول ثان للفعل (جزي)، وثانيهما هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأنهم، أو لأنهم، فيبقى المفعول الثاني لجزي محذوفا، كما رأيت تقديره، ولعلك تدرك معي: أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول الله تعالى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)﴾
الشرح: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ:﴾ أقمتم، ومكثتم، وبابه: فهم، وله مصادر كثيرة. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أحياء على ظهرها، أو أمواتا في جوفها في القبور. ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: كم سنة لبثتم في الأرض؟ وانظر الآية رقم [٢٥] من سورة (الكهف) فالبحث فيها جيد، وهذا السؤال للمشركين في النار، أو في عرصات القيامة.
تنبيه: الغرض من السؤال التبكيت والتوبيخ؛ لأنهم كانوا ينكرون اللبث في الآخرة أصلا، ولا يعدون اللبث إلا في دار الدنيا، ويظنون أن بعد الموت يدوم الفناء، ولا إعادة، فلما حصلوا في النار، وأيقنوا دوامهم وخلودهم فيها؛ سألهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ منبها لهم على ما ظنوه دائما طويلا، وهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه، فحينئذ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا من حيث تيقنوا خلافه، وهذا هو الغرض من السؤال. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الله، أو إلى الملك المأمور بسؤالهم، ويقرأ بلفظ الأمر: «(قل)» للملك، أو لبعض رؤساء أهل النار. ﴿كَمْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده، وتمييزه محذوف، أي: كم سنة لبثتم؟ ﴿لَبِثْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب
стр. 3918
مقول القول. ﴿عَدَدَ:﴾ بدل من ﴿كَمْ﴾. ﴿سِنِينَ:﴾ بدل من عدد منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، هذا الإعراب منقول عن أبي البقاء، وقال الجمل: ﴿عَدَدَ:﴾ تمييز ل: ﴿كَمْ،﴾ و ﴿عَدَدَ﴾ مضاف، و ﴿سِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، والمعنى: لبثتم كم عددا من السنين. انتهى.
وبقول الجمل قال البيضاوي، والنسفي، ومكي، والجلال، وغيرهم وهو أخصر، وأفهم، وأولى، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣)﴾
الشرح: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أي: أقمنا، ومكثنا على وجه الأرض أحياء، أو في جوفها أمواتا يوما، أو بعض يوم، نصفه، أو ثلثه... إلخ استقصارا لمدة لبثهم فيها بالنسبة إلى خلودهم في النار، أو لأنها كانت أيام سرورهم، وأيام السرور قصار، قال الشاعر: [الكامل]
فقصارهنّ مع الهموم طويلة... وطوالهنّ مع السرور قصار
أو لأنها منقضية، والمنقضي في حكم المعدوم. وقيل: لأن العذاب رفع عنهم بين النفختين، فنسوا ما كانوا فيه من العذاب في قبورهم، وهو فحوى قول ابن عباس-﵄. ﴿فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ أي: اسأل الحسّاب الذين يعرفون ذلك، أو الذين يتمكنون من عد أيامها إن أردت تحقيقها، فإنا لما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكرها، وإحصائها. أو اسأل الملائكة الذين يعدون أعمار الناس، ويحصون أعمالهم، الأول قول قتادة، والثاني قول مجاهد. هذا؛ وقرئ: «(العادين)» بتخفيف الدال؛ أي: الظالمين، فإنهم يقولون ما نقول، أو المعنى: اسأل العاديين، أي: المتقدمين المعمرين الذين عاشوا مئات السنين، كقولك: هذه بئر عادية، أي: قديمة، وحذف إحدى يائي النسب، كما قالوا: الأشعرون، وحذفت الأخرى لالتقاء الساكنين، كما رأيت في ﴿عالِينَ﴾ رقم [٤٦].
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، وانظر الآية رقم [٢٧] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿لَبِثْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب (نذرت) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) أيضا. ﴿يَوْماً:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله.
﴿بَعْضَ:﴾ ظرف زمان معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و ﴿يَوْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَسْئَلِ:﴾
الفاء: الفصيحة، وانظر مثلها في الآية رقم [١١٠] (اسأل): ويقرأ بحذف الهمزة فهو أمر على القراءتين، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْعادِّينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿لَبِثْنا..﴾. إلخ والمعطوفة عليها كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 3919
﴿قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ ويقرأ: «(قل)» كما في الآية رقم [١١٤]. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي: ما لبثتم إلا زمانا قليلا، أو لبثا قليلا، فقد سماه الله قليلا؛ لأن الإنسان، وإن طال مكثه، ولبثه في الدنيا، فإنه يكون قليلا في جنب ما يلبث في الآخرة؛ لأن الأول ينتهي، والثاني لا ينتهي أبدا.
﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ صدقهم الله تعالى في تقالهم لسني لبثهم في الدنيا، أي: لو علمتم عدد سني مكثكم في الدنيا، وعدد سني مكثكم في الآخرة، بل في النار لعلمتم علم اليقين: أن الأول لا يكاد يذكر بجانب الثاني؛ لأن الأول انقضى وانتهى، وأما الثاني فلا انقضاء له، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، أو أمر على نحو ما رأيت في الآية رقم [١١٤]. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿لَبِثْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة زمان محذوف، أو صفة مفعول مطلق محذوف، انظر الشرح. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّكُمْ:﴾
حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: تعلمون مقدار لبثكم في الدارين، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط ﴿لَوْ﴾ عند المبرد، التقدير: لو حصل علمكم ونحو ذلك. وقال سيبويه-﵏ جميعا-: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو علمكم حاصل، أو واقع. وقول المبرد هو المرجح؛ لأن ﴿لَوْ،﴾ لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لو كنتم تعلمون مقدار لبثكم... لعلمتم يومئذ قلة لبثكم في الدنيا، كما علمتم اليوم، أو لعملتم بموجبه، ولم تركنوا إلى الدنيا، أو لما أجبتم بهذا الجواب، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾
الشرح: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً﴾ أي: مهملين كما خلقت البهائم، لا ثواب لها، ولا عقاب عليها، مثل قوله تعالى في الآية رقم [٣٦] من سورة (القيامة): ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ أي: هملا كالبهائم، بل خلقناكم للتكليف، ثم للرجوع من دار التكليف، إلى دار الجزاء، فنثيب المحسن، ونعاقب المسيء، قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ..﴾. إلخ من سورة (الذاريات).
стр. 3920
قال الترمذي الحكيم رحمه الله تعالى: (إن الله خلق الخلق عبيدا ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة، ويعاقبهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار كرام من رق الدنيا، ملوك في دار الإسلام، وإن رفضوا العبودية لله فهم اليوم عبيد أبّاق، سقّاط، لئام، وغدا أعداء في السجون بين أطباق النيران). انتهى. قرطبي. هذا؛ ويقرأ: ﴿لا تُرْجَعُونَ﴾ بالبناء للمجهول فيكون متعديا، ويقرأ بالبناء للمعلوم، فيكون لازما، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
روى البغوي بسنده عن الحسن-﵁-أن رجلا مصابا مرّ به على ابن مسعود-﵁، فرقاه في أذنه ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ..﴾. إلخ حتى ختم السورة، فبرأ، فقال رسول الله ﷺ :
بماذا رقيت في أذنه؟». فأخبره. فقال رسول الله ﷺ : «والّذي نفسي بيده لو أنّ رجلا موقنا قرأها على الجبل لزلّ». انتهى خازن. ومعنى لزل: لتحرك من مكانه، ويروى (لزال) من الزوال، وهو الذهاب.
الإعراب: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الفاء: حرف استئناف، أو هي حرف عطف على محذوف، انظر تفصيل ذلك في سورة (الأنبياء) رقم [٣٠] (حسبتم): فعل، وفاعل. ﴿أَنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة، وتبقى مؤولة مع ما بعدها بمصدر في محل نصب سد مسد مفعولي حسب. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والميم علامة جمع الذكور. ﴿عَبَثاً:﴾
مصدر فهو حال بمعنى: عابثين، أو هو مفعول لأجله، أي: لأجل العبث. ﴿وَأَنَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنكم): حرف مشبه، والكاف اسمها. ﴿إِلَيْنا:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿تُرْجَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، أو نائب فاعله حسبما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول من: ﴿أَنَّما..﴾. إلخ فيكون الحسبان منسحبا عليه، ويجوز أن يكون معطوفا على ﴿عَبَثاً﴾. هذا؛ والكلام ﴿أَفَحَسِبْتُمْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول.
﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾
الشرح: ﴿فَتَعالَى اللهُ﴾ أي: تنزه، وتقدس عن الأولاد، والشركاء، والأنداد، وعن أن يخلق شيئا عبثا، أو لعبا؛ لأنه الحكيم. ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: الذي يحق له الملك مطلقا، فإن من عداه مملوك بالذات مالك بالعرض من وجه دون وجه، وفي حال دون حال. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ فهو الواحد، الأحد، الفرد، الصمد؛ الذي يستحق العبودية، وما عداه عبيد له مملوكون في قبضته. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ:﴾ مالكه، وهو الذي خلقه. ﴿الْكَرِيمِ﴾ أي: الحسن، وقيل: الرفيع المرتفع، وقال البيضاوي: الذي يحيط بالأجرام، وتنزل منه محكمات الأقضية، والأحكام، ولذلك وصفه بالكريم، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين، وإنما خص ﴿الْعَرْشِ﴾ بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات. هذا؛ وقرئ برفعه على أنه تابع للفظ الجلالة.
стр. 3921
الإعراب: ﴿فَتَعالَى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تعالى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمَلِكُ:﴾ بدل مما قبله، أو عطف بيان عليه. ﴿الْحَقُّ:﴾ بدل ثان، أو عطف بيان أيضا، وبعضهم يعتبرهما صفتين للجلالة، والمعتمد ما ذكرته. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف. وهو الأقوى.
﴿رَبُّ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر.
الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو رب. وحسن حذفه توالي اللفظ ب: ﴿هُوَ﴾ مرتين.
الثالث: أن يكون بدلا ثالثا من لفظ الجلالة، أو عطف بيان عليه. الرابع: أن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشرطين: أن يكون الضمير غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. و ﴿رَبُّ﴾ مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْكَرِيمِ:﴾ صفة ﴿الْعَرْشِ﴾ وعلى قراءته بالرفع فمن وجهين: أحدهما أنه نعت ل: ﴿الْعَرْشِ﴾ أيضا، ولكنه قطع عن إعرابه لأجل المدح على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الكريم، وهذا جيد لتوافق القراءتين في المعنى، والثاني كونه نعتا ل:
﴿رَبُّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط:
الضمير فقط، والجملة الفعلية: ﴿فَتَعالَى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ:﴾ يعبده وحده، أو يتخذه شريكا لله. ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ:﴾ لا حجة له باتخاذه إلها. ﴿فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ:﴾ جزاؤه، وعقابه عند خالقه، فهو مجازيه عليه لا محالة. ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ أي: لا يسعد من جحد، وكذب بالله، وآياته، ورسله. هذا؛ وقد جعل سبحانه، وتعالى فاتحة السورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وخاتمتها:
﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ وشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.
هذا؛ ويقرأ «(لا يفلح)» بفتح الياء واللام من الثلاثي، وقراءة الجمهور بضم الياء وكسر اللام من «أفلح» الرباعي، وإعلاله كما يلي: فأصله يؤفلح، فحذفت الهمزة للتخفيف حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل أؤفلح، الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين،
стр. 3922
فصار: يفلح. وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله للتعدية، مثل:
أجاب، يجيب، وأكرم، يكرم، ونحو ذلك، كما حذفت الهمزة الثانية من (يؤمنون)؛ لأن ماضيه: آمن، وأصله: أأمن، والمضارع: يؤأمن أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]
فإنّه أهل لأن يؤكرما
ولا تنس: أن الهمزة المزيدة هذه تحذف من اسمي الفاعل، والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، والقياس: مؤكرم، ومؤكرم، وقس على ذلك. تنبه لهذا؛ واحفظه، والله ولي التوفيق.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَدْعُ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿مَعَ:﴾
ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهاً:﴾ مفعول به.
﴿آخَرَ:﴾ صفة له. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿بُرْهانَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿لا﴾. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف الذي هو متعلق ﴿اللهِ﴾ قبله، أو بمحذوف خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿إِلهاً﴾ لازمة له، فإن الباطل لا برهان به جيء بها للتأكيد، أو هي معترضة بين فعل الشرط، وجوابه.
﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿حِسابُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّما حِسابُهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول:
لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَدْعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهو ضمير الشأن، والأمر. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿يُفْلِحُ:﴾ مضارع. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويقرأ بفتح الهمزة، وعليه ف: (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر
стр. 3923
محذوف، التقدير: بأنه، وهذا الجار، والمجرور متعلقان ب: ﴿حِسابُهُ،﴾ وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي: إن المصدر المؤول في محل رفع خبر المبتدأ، التقدير: فإنما حسابه عدم الفلاح، وهذا يعني: أنه خبر بعد خبر.
﴿وَقُلْ رَبِّ اِغْفِرْ وَاِرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١١٨)﴾
الشرح: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، أمره ربه أن يتوجه إليه بخاتمة هذه السورة الكريمة بطلب المغفرة، والرحمة، وهما خير ما يسأل، ويطلب، ولم يأمره أن يتوجه إليه بطلب الدنيا وزينتها؛ لأنها لا بقاء لها، فقد روي: أن أول هذه السورة، وآخرها من كنوز الجنة، ومن عمل بثلاث آيات من أولها، واتعظ بأربع آيات من آخرها؛ فقد نجا وأفلح.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ:﴾ إنما كان ذلك كذلك؛ لأن رحمته-جلّت قدرته-إذا أدركت أحدا؛ أغنته عن رحمة غيره، ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته تعالى، فهذه الآية مسك الختام لهذه السورة الكريمة، والحمد لله ربّ العالمين.
الإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (قل): أمر، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، وانظر ما فيه من أوجه الإعراب في: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٣] ﴿اِغْفِرْ وَارْحَمْ:﴾ فعلا دعاء مبنيان على السكون، وفاعلهما ضمير مستتر فيهما، ومفعولا هما محذوفان؛ إذ التقدير: اغفر لنا ذنوبنا، وارحمنا، والجملتان مع الجملة الندائية الجميع في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الرّاحِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة مقدرة قبلها، التقدير: احمد الله، واشكره، وقل... إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وعلى التقدير الأول الكلام مستأنف، لا محل له.
تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
انتهت سورة المؤمنون شرحا وإعرابا بعونه تعالى وتوفيقه، والحمد لله رب العالمين.
стр. 3924
سورة النّور
سورة (النور)، وهي مدنية بالإجماع، وهي اثنتان، وقيل: أربع وستون آية. قال القرطبي:
مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف، والسّتر. وكتب عمر-﵁-إلى أهل الكوفة:
علموا نساءكم سورة (النور). وقالت عائشة-﵂: لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلموهنّ الكتابة، وعلموهنّ سورة النور، والغزل. انتهى.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾
الشرح: ﴿سُورَةٌ:﴾ هي الطائفة من القرآن، التي أقلها ثلاث آيات، منقولة، ومستعارة من سور المدينة؛ لأنها محيطة بطائفة من القرآن، كالتي نحن بصدد شرحها، محتوية على أنواع من العلم، احتواء سور المدينة على ما فيها، أو من السّورة، وهي الرتبة؛ لأن السّور كالمراتب، والمنازل يرتقي فيها القارئ، ولها مراتب في الطول، والقصر، والفضل، والشرف، وثواب القراءة، قال النابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل]
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
والحكم في تفصيل القرآن، وتقطيعه سورا كثيرة: منها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف؛ كان أحسن من أن يكون بيانا واحدا. ومنها: أن القارئ إذا ختم سورة، ثم أخذ في أخرى؛ كان أنشط له، وأبعث على القراءة منه لو استمر على القرآن بطوله، ومن ثمّ جزّأ القراء القرآن أسباعا، وأجزاء، وعشورا، وأخماسا. ومنها: أن الحافظ إذا حفظ سورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، ولها فاتحة وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه، ومنه قول أنس-﵁: (كان الرّجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ فينا). أي: عظم ولذا أنزل الله التوراة، والإنجيل، وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة مترجمة السّور. وبوّب المصنفون في كل فن من كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. انتهى. نسفي في سورة (البقرة) آية [٣٢] بتصرف كبير مني.
﴿أَنْزَلْناها﴾ أي: نزل بها عليك جبريل يا محمد مفرقة منجمة، وهو بمعنى: نزلنا، والفرق بين الفعلين: أن أنزل يفيد: أن القرآن، أو السورة نزل دفعة واحدة، وأما نزّل فيفيد: أن القرآن نزل
стр. 3925
مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه أهل الشعر والخطابة، وهذا مما يريب القرشيين كما حكى ذلك عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ سورة (الفرقان) رقم [٣٢].
(فرضناها) أي: فرضنا عليكم، وعلى من بعدكم ما فيها من الأحكام. ويقرأ بتشديد الراء؛ أي: أنزلنا فيها فرائض مختلفة، أو للمبالغة في إيجاب أحكامها، أو المعنى: قطعناها في الإنزال نجما نجما، والفرض: القطع، ومنه فرائض الميراث، وفرض النفقة. ﴿وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ:﴾ واضحات الدلالة، وانظر شرح (آية) في (الأنبياء) رقم [٥]. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ:﴾ تتعظون فتنتفعون بذلك، وأصل الفعل: تتذكرون، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف، وهو كثير في القرآن الكريم، ويقرأ بتسكين الذال. هذا؛ والترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترجّ، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الإعراب: ﴿سُورَةٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هذه سورة، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فيما أوحينا إليك سورة، وقال أبو عبيدة، والأخفش: مبتدأ خبره الجملة الفعلية بعده، وهو ضعيف جدا؛ لأنه نكرة، ولا يجوز الابتداء بالنكرة، وأضعف منه اعتبار (سورة) مبتدأ، والجملة بعده صفة له، والخبر في قوله: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي..﴾. إلخ. هذا؛ ويقرأ:
«(سورة)» بالنصب فعلى اعتبارين: الأول: أنه منصوب بفعل محذوف، تقديره: اتل سورة.
والثاني: أنه منصوب بفعل محذوف، يفسره ما بعده، أي: أنزلنا سورة، ومثل ذلك قول الربيع بن ضبيع بن وهب: [المنسرح]
والذّئب أخشاه إن مررت به... وحدي، وأخشى الرّياح والمطرا
وقول الفراء: هو حال من الضمير المنصوب بعده، لا وجه له ألبتة، ومثله قول الزمخشري هو منصوب على الإغراء، التقدير: دونك سورة، ولا تنس: أن قراءة النصب ليست سبعية.
﴿أَنْزَلْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صفة ﴿سُورَةٌ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة في إعرابه، ما عدا وجه الاشتغال، فهي مفسرة للفعل المقدر ب: «أنزلنا»، والجملتان:
(فرضناها، وأنزلنا فيها) معطوفتان عليها. ﴿آياتٍ:﴾ مفعول به. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ صفة له، وكلاهما منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تَذَكَّرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية:
﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للإنزال وللفرض. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له ألبتة.