Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
الإعراب: ﴿فَتَعالَى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تعالى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمَلِكُ:﴾ بدل مما قبله، أو عطف بيان عليه. ﴿الْحَقُّ:﴾ بدل ثان، أو عطف بيان أيضا، وبعضهم يعتبرهما صفتين للجلالة، والمعتمد ما ذكرته. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف. وهو الأقوى.
﴿رَبُّ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر.
الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو رب. وحسن حذفه توالي اللفظ ب: ﴿هُوَ﴾ مرتين.
الثالث: أن يكون بدلا ثالثا من لفظ الجلالة، أو عطف بيان عليه. الرابع: أن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشرطين: أن يكون الضمير غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. و ﴿رَبُّ﴾ مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْكَرِيمِ:﴾ صفة ﴿الْعَرْشِ﴾ وعلى قراءته بالرفع فمن وجهين: أحدهما أنه نعت ل: ﴿الْعَرْشِ﴾ أيضا، ولكنه قطع عن إعرابه لأجل المدح على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الكريم، وهذا جيد لتوافق القراءتين في المعنى، والثاني كونه نعتا ل:
﴿رَبُّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط:
الضمير فقط، والجملة الفعلية: ﴿فَتَعالَى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ:﴾ يعبده وحده، أو يتخذه شريكا لله. ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ:﴾ لا حجة له باتخاذه إلها. ﴿فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ:﴾ جزاؤه، وعقابه عند خالقه، فهو مجازيه عليه لا محالة. ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ أي: لا يسعد من جحد، وكذب بالله، وآياته، ورسله. هذا؛ وقد جعل سبحانه، وتعالى فاتحة السورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وخاتمتها:
﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ وشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.
هذا؛ ويقرأ «(لا يفلح)» بفتح الياء واللام من الثلاثي، وقراءة الجمهور بضم الياء وكسر اللام من «أفلح» الرباعي، وإعلاله كما يلي: فأصله يؤفلح، فحذفت الهمزة للتخفيف حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل أؤفلح، الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين،
стр. 3922
فصار: يفلح. وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله للتعدية، مثل:
أجاب، يجيب، وأكرم، يكرم، ونحو ذلك، كما حذفت الهمزة الثانية من (يؤمنون)؛ لأن ماضيه: آمن، وأصله: أأمن، والمضارع: يؤأمن أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]
فإنّه أهل لأن يؤكرما
ولا تنس: أن الهمزة المزيدة هذه تحذف من اسمي الفاعل، والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، والقياس: مؤكرم، ومؤكرم، وقس على ذلك. تنبه لهذا؛ واحفظه، والله ولي التوفيق.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَدْعُ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿مَعَ:﴾
ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهاً:﴾ مفعول به.
﴿آخَرَ:﴾ صفة له. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿بُرْهانَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿لا﴾. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف الذي هو متعلق ﴿اللهِ﴾ قبله، أو بمحذوف خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿إِلهاً﴾ لازمة له، فإن الباطل لا برهان به جيء بها للتأكيد، أو هي معترضة بين فعل الشرط، وجوابه.
﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿حِسابُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّما حِسابُهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول:
لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَدْعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهو ضمير الشأن، والأمر. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿يُفْلِحُ:﴾ مضارع. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويقرأ بفتح الهمزة، وعليه ف: (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر
стр. 3923
محذوف، التقدير: بأنه، وهذا الجار، والمجرور متعلقان ب: ﴿حِسابُهُ،﴾ وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي: إن المصدر المؤول في محل رفع خبر المبتدأ، التقدير: فإنما حسابه عدم الفلاح، وهذا يعني: أنه خبر بعد خبر.
﴿وَقُلْ رَبِّ اِغْفِرْ وَاِرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١١٨)﴾
الشرح: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، أمره ربه أن يتوجه إليه بخاتمة هذه السورة الكريمة بطلب المغفرة، والرحمة، وهما خير ما يسأل، ويطلب، ولم يأمره أن يتوجه إليه بطلب الدنيا وزينتها؛ لأنها لا بقاء لها، فقد روي: أن أول هذه السورة، وآخرها من كنوز الجنة، ومن عمل بثلاث آيات من أولها، واتعظ بأربع آيات من آخرها؛ فقد نجا وأفلح.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ:﴾ إنما كان ذلك كذلك؛ لأن رحمته-جلّت قدرته-إذا أدركت أحدا؛ أغنته عن رحمة غيره، ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته تعالى، فهذه الآية مسك الختام لهذه السورة الكريمة، والحمد لله ربّ العالمين.
الإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (قل): أمر، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، وانظر ما فيه من أوجه الإعراب في: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٣] ﴿اِغْفِرْ وَارْحَمْ:﴾ فعلا دعاء مبنيان على السكون، وفاعلهما ضمير مستتر فيهما، ومفعولا هما محذوفان؛ إذ التقدير: اغفر لنا ذنوبنا، وارحمنا، والجملتان مع الجملة الندائية الجميع في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الرّاحِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة مقدرة قبلها، التقدير: احمد الله، واشكره، وقل... إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وعلى التقدير الأول الكلام مستأنف، لا محل له.
تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
انتهت سورة المؤمنون شرحا وإعرابا بعونه تعالى وتوفيقه، والحمد لله رب العالمين.
стр. 3924
سورة النّور
سورة (النور)، وهي مدنية بالإجماع، وهي اثنتان، وقيل: أربع وستون آية. قال القرطبي:
مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف، والسّتر. وكتب عمر-﵁-إلى أهل الكوفة:
علموا نساءكم سورة (النور). وقالت عائشة-﵂: لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلموهنّ الكتابة، وعلموهنّ سورة النور، والغزل. انتهى.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾
الشرح: ﴿سُورَةٌ:﴾ هي الطائفة من القرآن، التي أقلها ثلاث آيات، منقولة، ومستعارة من سور المدينة؛ لأنها محيطة بطائفة من القرآن، كالتي نحن بصدد شرحها، محتوية على أنواع من العلم، احتواء سور المدينة على ما فيها، أو من السّورة، وهي الرتبة؛ لأن السّور كالمراتب، والمنازل يرتقي فيها القارئ، ولها مراتب في الطول، والقصر، والفضل، والشرف، وثواب القراءة، قال النابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل]
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
والحكم في تفصيل القرآن، وتقطيعه سورا كثيرة: منها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف؛ كان أحسن من أن يكون بيانا واحدا. ومنها: أن القارئ إذا ختم سورة، ثم أخذ في أخرى؛ كان أنشط له، وأبعث على القراءة منه لو استمر على القرآن بطوله، ومن ثمّ جزّأ القراء القرآن أسباعا، وأجزاء، وعشورا، وأخماسا. ومنها: أن الحافظ إذا حفظ سورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، ولها فاتحة وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه، ومنه قول أنس-﵁: (كان الرّجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ فينا). أي: عظم ولذا أنزل الله التوراة، والإنجيل، وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة مترجمة السّور. وبوّب المصنفون في كل فن من كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. انتهى. نسفي في سورة (البقرة) آية [٣٢] بتصرف كبير مني.
﴿أَنْزَلْناها﴾ أي: نزل بها عليك جبريل يا محمد مفرقة منجمة، وهو بمعنى: نزلنا، والفرق بين الفعلين: أن أنزل يفيد: أن القرآن، أو السورة نزل دفعة واحدة، وأما نزّل فيفيد: أن القرآن نزل
стр. 3925
مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه أهل الشعر والخطابة، وهذا مما يريب القرشيين كما حكى ذلك عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ سورة (الفرقان) رقم [٣٢].
(فرضناها) أي: فرضنا عليكم، وعلى من بعدكم ما فيها من الأحكام. ويقرأ بتشديد الراء؛ أي: أنزلنا فيها فرائض مختلفة، أو للمبالغة في إيجاب أحكامها، أو المعنى: قطعناها في الإنزال نجما نجما، والفرض: القطع، ومنه فرائض الميراث، وفرض النفقة. ﴿وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ:﴾ واضحات الدلالة، وانظر شرح (آية) في (الأنبياء) رقم [٥]. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ:﴾ تتعظون فتنتفعون بذلك، وأصل الفعل: تتذكرون، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف، وهو كثير في القرآن الكريم، ويقرأ بتسكين الذال. هذا؛ والترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترجّ، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الإعراب: ﴿سُورَةٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هذه سورة، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فيما أوحينا إليك سورة، وقال أبو عبيدة، والأخفش: مبتدأ خبره الجملة الفعلية بعده، وهو ضعيف جدا؛ لأنه نكرة، ولا يجوز الابتداء بالنكرة، وأضعف منه اعتبار (سورة) مبتدأ، والجملة بعده صفة له، والخبر في قوله: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي..﴾. إلخ. هذا؛ ويقرأ:
«(سورة)» بالنصب فعلى اعتبارين: الأول: أنه منصوب بفعل محذوف، تقديره: اتل سورة.
والثاني: أنه منصوب بفعل محذوف، يفسره ما بعده، أي: أنزلنا سورة، ومثل ذلك قول الربيع بن ضبيع بن وهب: [المنسرح]
والذّئب أخشاه إن مررت به... وحدي، وأخشى الرّياح والمطرا
وقول الفراء: هو حال من الضمير المنصوب بعده، لا وجه له ألبتة، ومثله قول الزمخشري هو منصوب على الإغراء، التقدير: دونك سورة، ولا تنس: أن قراءة النصب ليست سبعية.
﴿أَنْزَلْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صفة ﴿سُورَةٌ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة في إعرابه، ما عدا وجه الاشتغال، فهي مفسرة للفعل المقدر ب: «أنزلنا»، والجملتان:
(فرضناها، وأنزلنا فيها) معطوفتان عليها. ﴿آياتٍ:﴾ مفعول به. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ صفة له، وكلاهما منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تَذَكَّرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية:
﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للإنزال وللفرض. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له ألبتة.
стр. 3926
﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾
الشرح: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي:﴾ لفظ الزنى مستعمل في اللغة قبل الشرع، مثل اسم السرقة، والقتل، وهو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح، ولا شبهة نكاح بمطاوعتها. وإنما قدم سبحانه الزانية؛ لأن الزنى يكون في الأغلب بتعرضها للرجل، وعرض نفسها عليه، ولأن مفسدته تتحق بالإضافة إليها. وقيل: لأن الزنى في النساء أعرّ، وهو لأجل الحبل أضرّ. وقيل:
لأن الشهوة في المرأة أكثر، وعليها أغلب، فصدّرها تغليظا لتردع شهوتها، وإن كانت قد ركّب فيها حياء أكثر من الرجل، لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله، وأيضا فإن العار بالنساء ألحق؛ إذ موضوعهن الحجب والصيانة، فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما، وهذا بخلاف حد السرقة حيث قدم جلت قدرته السارق على السارقة؛ لأن السرقة إنما تتولد من الجسارة، والقوة، والجراءة، وهي في الرجل أقوى، وأكثر. وهذه الآية ناسخة لآية الحبس، وآية الأذى اللتين في سورة (النساء) برقم [١٥ و ١٦]. هذا؛ والزنى بالمد والقصر، قال الفرزدق: [الطويل]
يا خالد من يزن يعلم زناؤه... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا
قال الفراء: المقصور من: زنى، والممدود من: زانى، يقال: زاناها مزاناة، وزناء، وخرجت فلانة تزاني، وتباغي، وقد زنى بها، يزني زناء، وزنى.
﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا:﴾ هذا حد الزاني الحر، البالغ، البكر، العاقل، وكذلك الزانية البالغة، العاقلة، البكر، الحرة. وثبت بالسنة تغريب عام على الخلاف في ذلك بين الفقهاء. هذا؛ والسوط الذي يضرب به كل واحد منهما يكون وسطا بين سوطين، لا شديدا، ولا ليّنا، ويجرّد من الثياب مع إبقاء ساتر للعورة عليه، ويجتنب في الضرب المقاتل، ويكون الضرب غير مبرح ضربا بين ضربين. هذا؛ والمخاطب بذلك ولاة الأمور، وقيل: الخطاب للمسلمين؛ لأن إقامة مراسم الدين واجبة على المسلمين، ثم الحاكم ينوب عنهم؛ إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود. ولا بد لإقامة الحد المذكور من شهادة أربعة يشهدون: أنهم رأوا الميل بالمكحلة، أو بالإقرار من الزانيين، أو من أحدهما، كما ستعرفه، واختلفوا فيما يجب على الرجل يوجد مع المرأة في ثوب واحد، أو لحاف واحد، فالمتفق عليه التعزير للرجل، والمرأة، وله درجات متفاوتة عند الفقهاء، لا تبلغ الحد المقرر الثابت بالشهادة المذكورة، مع ملاحظة التلويث لشرفهما، وشرف أسرتهما.
هذا؛ وأما حدّ الزانيين المحصنين، أواحدّ أحدهما؛ فهو الرجم بالحجارة حتى يموت.
والمراد بالإحصان التزوج بعقد صحيح، ودليل حدّ الرجم ما يلي: فعن عبادة بن الصامت
стр. 3927
-﵁-قال: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه حكم كرب لذلك، وتربّد وجهه، فأنزل الله عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلما سرّي عنه، قال: «خذوا عنّي قد جعل الله لهنّ سبيلا: البكر بالبكر جلد مئة، ونفي سنة، والثّيّب بالثّيّب الرّجم». رواه مسلم، والمراد بقوله ﷺ : «قد جعل الله لهنّ سبيلا». هو المذكور في الآية رقم [١٥] من سورة (النساء)، وكذلك الآية الكريمة المنسوخ تلاوتها، الباقي حكمها، إلى يوم القيامة، ونصها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، نكالا من الله، والله عزيز حكيم). وهذه الآية كانت من سورة (الأحزاب).
ولقد خطب سيدنا عمر بن الخطاب-﵁-على المنبر، فقال: (أيها الناس، إنّ الله بعث محمدا ﷺ بالحقّ، وأنزل عليه كتابا هاديا للنّاس، بشيرا ونذيرا، وكان فيما أنزل عليه:
(الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، نكالا من الله، والله عزيز حكيم) فقر أناها، ووعيناها.
ثم قال: إني خشيت أن يطول بالناس زمان، فيقول قائل: لا نجد الرّجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإنّ الرّجم حقّ لمن زنى؛ وقد أحصن).
وعن عمران بن حصين-﵁: أن امرأة من جهينة أتت رسول الله ﷺ ، وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا رسول الله! أصبت حدا، فأقمه عليّ! فدعا نبي الله ﷺ وليها، فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها». ففعل، فأمر بها نبيّ الله ﷺ ، فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها، فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر-﵁: تصلي عليها يا رسول الله! وقد زنت؟! قال: «لقد تابت توبة، لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله ». رواه مسلم.
وقد أيد ذلك قول الرسول ﷺ وفعله، فقد ثبت: أنه رجم ماعزا، والغامديّة في حديث صحيح حينما اعترفا بالزنى. وورد في الصحيح عن أبي هريرة-﵁: أن أعرابيين جاآ إلى رسول الله ﷺ ، ومع أحدهما ولده، فقال الوالد: يا رسول الله! إن ولدي هذا زنى في زوجته، وأشار إلى الأعرابيّ الذي معه، فسقت للأعرابيّ مئة شاة وجارية كفارة لولدي. فقال رسول الله ﷺ : «ردّ الشياه، وأرجع الجارية، ولا بدّ من جلد ولدك مئة جلدة، وأن يغرّب عاما وينفى». ثم قال ﷺ لأحد أصحابه: «اذهب مع هذا الأعرابيّ، واسأل المرأة، فإن أقرّت بالزّنى فاحفروا لها حفرة، وارجموها حتى تموت، وإن لم تقرّ فلا سبيل لكم عليها». ولكن المرأة أقرّت بالزّنى، فرجمت حتّى فاضت روحها، وكان ذلك كفارة لذنبها. رحمها الله تعالى.
﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ:﴾ رحمة، وقيل: الرأفة في دفع المكروه، والرحمة في إيصال المحبوب، والرأفة أرق من الرحمة، والمعنى: أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله، ولا يأخذهم اللين في استيفاء حدوده، فيعطلوا الحدود، أو يخففوا الضرب. وفي ﴿رَأْفَةٌ﴾ أربع قراآت. فعن أبي هريرة-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لحدّ يقام في الأرض خير
стр. 3928
لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحا». وفي رواية: «أربعين صباحا». رواه النسائي هكذا مرفوعا في الرواية الأولى، وموقوفا في الثانية، ورواه ابن ماجه مرفوعا في الأولى، ورواه ابن حبان في الأولى باختصار، وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستّين سنة، واحدّ يقام في الأرض بحقّه أزكى فيها من مطر أربعين عاما». رواه الطبراني. وعن عبادة بن الصامت-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ :
«أقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم». رواه ابن ماجه.
﴿فِي دِينِ اللهِ:﴾ في حكم الله، وطاعته، وإقامة حدوده؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ في حديث المخزومية التي سرقت: «وايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها». رواه الستة عن عائشة-﵂. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ فإن الإيمان يقتضي الجدّ في طاعة الله، والاجتهاد في إقامة حدوده، وتنفيذ أحكامه. وهو من باب التهييج، وإلهاب الغضب لله تعالى، ولتنفيذ أوامره.
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يحضر إقامة الحد عليهما جمع من المؤمنين، أقله ثلاثة، وذلك زيادة في التنكيل، فإن التفضيح، والتشهير قد ينكل أكثر ما ينكل التعذيب، وأيضا فيه ردع لمن حضره، وزجر لمن سمع به، وهذا لا ريب فيه.
تنبيه: بالإضافة لما ذكرته من أحاديث في الآية رقم [٣٢] من سورة (الإسراء) أذكر هنا ما يلي: عن حذيفة-﵁: -أن النبي ﷺ قال: «يا معاشر النّاس اتّقوا الزّنى، فإنّ فيه ستّ خصال، ثلاثا في الدّنيا، وثلاثا في الآخرة، فأمّا اللّواتي في الدّنيا: فيذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر. وأمّا اللّواتي في الآخرة: فيوجب السّخط، وسوء الحساب، والخلود في النار». وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أعمال أمّتي تعرض عليّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزّناة». وعن بريدة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ السموات السّبع، والأرضين السّبع ليلعنّ الشّيخ الزّاني، وإنّ فروج الزّناة ليؤذي أهل النار نتن ريحها».
والمراد بالشيخ: من تجاوز الأربعين من عمره، وهذا الوعيد يشمل الذكر، والأنثى على السواء.
الإعراب: ﴿الزّانِيَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿وَالزّانِي:﴾ معطوف على المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وفي الخبر وجهان: أحدهما: محذوف، وهو قول سيبويه، التقدير: فيما يتلى عليكم، أو فيما فرض عليكم حكم الزانية، فقد حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعند المبرد الخبر هو جملة: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ وهو موافق للكوفيين في هذا، ودخلت الفاء في الخبر زائدة؛ لأن الكلام في معنى الشرط التقدير: التي تزني؛ والذي يزني فاجلدوا... إلخ. هذا؛ وقد قرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره المذكور، وهذا هو المختار في أمثاله؛ لأن الخبر لا يكون إنشاء إلا بإضمار، وتأويل. هذا؛ ومثل هذه الآية في أوجه الإعراب الآية رقم [٣٨] من
стр. 3929
سورة (المائدة)، والآية رقم [١٥] من سورة (النساء). (اجلدوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة على قول سيبويه، وفي محل رفع خبر المبتدأ على قول المبرد، ومفسرة لا محل لها على قراءة النصب. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿واحِدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُما:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿واحِدٍ،﴾ والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِائَةَ:﴾ مفعول مطلق، أو نائب مفعول مطلق، و (مئة) مضاف، و ﴿جَلْدَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَأْخُذْكُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) والكاف مفعول به. ﴿بِهِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿رَأْفَةٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿فِي دِينِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، و ﴿دِينِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تُؤْمِنُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة اليوم، وجملة: ﴿تُؤْمِنُونَ..﴾.
إلخ في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿وَلْيَشْهَدْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو استئناف. (ليشهد): مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿عَذابَهُما:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بطائفة، أو بمحذوف صفة لها، وجملة ﴿وَلْيَشْهَدْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها.
﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾
الشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اختلف العلماء في معنى الآية، وحكمها، فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة، وفيهم فقراء، لا مال لهم، ولا عشائر، وفي المدينة نساء بغايا، هن أخصب أهل المدينة، فرغب ناس من فقراء المسلمين في نكاحهن، لينفقن عليهم، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في ذلك، فنزلت هذه الآية، فحرم على المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا؛ لأنهنّ كنّ مشركات. وهذا قول مجاهد، وعطاء، وقتادة، والزهري، والشعبي، ورواية عن ابن عباس، ﵃ أجمعين-.
стр. 3930
وقال عكرمة: نزلت في نساء كنّ بمكة، والمدينة، لهنّ رايات يعرفن بها، منهن: أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وكان الرجل في الجاهلية ينكح الزانية، يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الصفة، فاستأذن رجل رسول الله ﷺ في نكاح أم مهزول، واشترطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه الآية.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده-﵃-قال: كان رجل، يقال له:
مرثد بن أبي مرثد الغنوي-﵁-وكان يحمل الأسارى من مكة؛ حتى يأتي بهم المدينة، (وهذا عمل فدائي كان يقوم به-﵁-ينقذ به بعض المستضعفين في مكة من الأسر والتعذيب) وكانت بمكة امرأة بغيّ، يقال لها: عناق، وكانت صديقة له في الجاهلية، فلما أتى مكة؛ دعته عناق إلى نفسها، فقال مرثد-﵁: إنّ الله حرم الزنى. قالت:
فانكحني، فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ ، قال: فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! أنكح عناقا؟ فأمسك، فلم يرد شيئا، فنزلت الآية الكريمة، فدعاني، فقرأها عليّ، وقال: «لا تنكحها».
أخرجه الترمذي، والنسائي، وأبو داود بألفاظ متقاربة. انتهى. وما أجدرك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢٠] من سورة (البقرة)، فإنك تجد مثل هذا عن مرثد، ﵁. هذا؛ وانظر ما أذكره في الآية رقم [٣٢] الآتية.
وخذ المعنى من قول النسفي-﵁-أي: الخبيث الذي من شأنه الزنى، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في نكاح خبيثة من شكله، أو في نكاح مشركة، والخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصالحاء من الرجال، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة، أو المشركين. (أقول: والعكس مثله، وهو الواقع في كل زمان ومكان).
﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ لأنه تشبه بالفساق، وتعرض للتهمة، وتسبب لسوء المقالة، والطعن في النسب، وغير ذلك من المفاسد؛ ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة. انتهى. بيضاوي.
وانظر ما ذكرته بشأن الزنى السرّي، وهو تلقيح المرأة الشائع في هذه الأيام في أول سورة (المؤمنون).
فالآية تزهيد في نكاح البغايا؛ إذ الزنى عديل الشرك في القبح، والإيمان قرين العفاف، والتحصن، وهو نظير قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٦] الآتية. وقيل: كان نكاح الزانية محرما في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] الآتية، وقيل: المراد بالنكاح: الوطء؛ لأن غير الزاني يستقذر الزانية، ولا يشتهيها، وهو صحيح، لكنه يقتضي إذا قولك: الزاني لا يزني إلا بزانية، والزانية لا يزني بها إلا زان، وسئل رسول الله ﷺ عمن زنى بامرأة، ثم تزوجها، فقال: «أوّله سفاح، وآخره نكاح، والحرام لا يحرّم الحلال».
стр. 3931
ومعنى الجملة الأولى: صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف، ولكن في الفواجر.
ومعنى الثانية: صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة. وهما معنيان مختلفان. وقدمت الزانية على الزاني أولا، أي في الآية السابقة، ثم قدم عليها ثانيا، أي في هذه الآية؛ لأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة التي نشأت منها تلك الجناية؛ لأنها لو لم تطمع الرجل، ولم تومض له، ولم تمكنه، لم يطمع، ولم يتمكن، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح، والرجل أصل فيه؛ لأنه الخاطب، ومنه بدئ الطلب. انتهى.
وانظر ما ذكرته في الآية السابقة في سبب تقديم ذكر الزانية على الزاني، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
بعد هذا انظر شرح (الحرام) في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنبياء). والنكاح: حقيقة في العقد، مجاز في الوطء على الأصح عندنا معاشر الشافعية، أما ﴿زانٍ﴾ فأصله: زاني بضمة على الياء علامة للرفع، وبكسرة على الياء علامة للجر في حالات الجر، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الضمة، أو الكسرة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت النون مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: (زان) بالكسر، وإنما لم يقل: زان بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للنون، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من «أل» والإضافة، سواء أكان ثلاثيا، أم رباعيا؟.
الإعراب: ﴿الزّانِي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿يَنْكِحُ:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى الزاني. هذا؛ ويقرأ الفعل بالجزم على النهي، وفي المرفوع أيضا معنى النهي، وهو أبلغ، وآكد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿زانِيَةً:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مُشْرِكَةً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿الزّانِي﴾ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. (الزانية): مبتدأ. ﴿لا:﴾
نافية. ﴿يَنْكِحُها:﴾ مضارع، والهاء مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿زانٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالزّانِيَةُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿مُشْرِكٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَحُرِّمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (حرم): ماض مبني للمجهول. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من «الزنى» المفهوم من المقام، وفحوى الكلام السابق، فيكون الرابط: الواو، وعود الإشارة إليه كما هو واضح، وتكون «قد» مقدرة قبل الجملة، والمعنى يؤيد هذا، ويقويه.
стр. 3932
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ أي: يقذفونهن بالزنى. واستعير الرمي لسب المرأة وقذفها بالزنى؛ لأنه أذية في القول، قال ابن أحمر: [الطويل]
رماني بأمر كنت منه ووالدي... بريئا ومن أجل الطّويّ رماني
الطوي: البئر. وشروط إحصان القذف: الحرية، والعقل، والبلوغ، والإسلام، والعفة عن الزنى، والمحصن كالمحصنة في وجوب حد القذف لمن قذفه، والقذف بغير الزنى، مثل قول القائل: يا فاسق! يا خبيث! يا شارب الخمر! يوجب التعزير، ويكفي فيه شاهدان ليدرأ عن نفسه حد التعزير.
﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ:﴾ يشهدون: أنهم رأوا الميل بالمكحلة، ولا يكفي رأيتهما في فراش واحد، ولا رأيته فوقها، وقد جلد عمر-﵁-ثلاثة شهداء على المغيرة بن شعبة حينما شهدوا عليه بالزنى، وجاء الرابع فقال: رأيت ساقا يرفع، ورجلا يدفع، لا أدري ينفع أو لا ينفع؟! وقد عزر المغيرة، وعزله في قصة يطول شرحها، فقد شهد عليه بالزنى أبو بكرة نفيع بن الحارث، وأخوه نافع، وقال الزهراوي: عبد الله بن الحارث، وزياد بن سمية، وهو مستلحق معاوية، وشبل بن معبد البجلي، فلما جاؤوا لأداء الشهادة وتوقف زياد ولم يؤدها، وقال ما ذكرته؛ جلد عمر-﵁-الثلاثة المذكورين. انتهى. قرطبي بتصرف.
﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً:﴾ أخف من ضربات الزاني لضعف سببه، واحتماله، ولذلك نقص عدده عن حد الزاني. هذا؛ وتخصيص المحصنات بالذكر لخصوص الواقعة، أو لأن قذف النساء أغلب، وأشنع، ولا يشترط اجتماع الشهود عند الأداء، بل يجوز أداء الشهادة منهم في حال تفرقهم؛ ولو في أيام.
﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً:﴾ هذا يقتضي مدة أعمارهم. فلا تقبل منهم ولهم أية شهادة كانت؛ لأن القاذف مفتر، ولا يتوقف ذلك على استيفاء الجلد؛ خلافا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، فإن الأمر بالجلد، والنهي عن القبول سيان في وقوعهما جوابا للشرط، لا ترتيب بينهما، فيترتبان عليه دفعة، كيف وحاله قبل الحد أسوأ مما بعده. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ:﴾ فهذا حكم على القاذفين للمحصنات بالفسوق، أي: الخروج عن طاعة الله تعالى بعد جلدهم ثمانين جلدة، ورد شهادتهم، وعدم قبولها في أي شيء، وهذا أكبر رادع، وأعظم زاجر للذين يتكلمون في أعراض المؤمنات المحصنات، وقد عدّه الرسول ﷺ من السبع الموبقات، وخذ ما يلي:
стр. 3933
فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات». قالوا:
يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».
رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
هذا؛ وانظر شرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأنبياء)، و «أتى» يستعمل لازما، كما في هذه الآية، ومتعديا، وهو كثير، أما «الأبد» فهو الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت:
لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر. هذا؛ وما ذكرته من عدم قبول شهادة القاذف مدّة حياته. هذا؛ و ﴿الْفاسِقُونَ﴾ جمع فاسق، وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله تعالى بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات: الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إياها، والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها، والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها. فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولا بس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن؛ لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمّى الإيمان انتهى. بيضاوي في غير هذا الموضع.
فائدة: قال القرطبي-رحمه الله تعالى- «عشرون» و «ثلاثون» و «أربعون... إلخ»: كل واحد منها موضوع على صورة الجمع لهذا العدد، فإن قال قائل: لم كسر أول عشرين، وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى ثمانين إلا ستين؟ فالجواب عند سيبويه-رحمه الله تعالى-: أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين كما كسر أول اثنان، والدليل على هذا قولهم:
ستون وتسعون كما قيل: ستة، وتسعة. انتهى. احفظه فإنه جيد. هذا؛ وقال صاحب المختار:
وإذا أضفته؛ أي: لفظ العقود؛ أسقطت النون، فقلت: هذه عشروك، وعشريّ.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، أو خبره الجملة الفعلية: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ وما يعطف عليها، أو هو مبني على الفتح في محل نصب مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، انظر تفصيل هذا في الآية رقم [٢] فهو مثلها بلا فارق، والله ولي التوفيق. ﴿يَرْمُونَ:﴾ مضارع، وفاعله.
﴿الْمُحْصَناتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِأَرْبَعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و (أربعة) مضاف، و ﴿شُهَداءَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع
стр. 3934
الصرف. هذا؛ وقرئ في الشاذ بتنوين «(أربعة)» فيكون في ﴿شُهَداءَ﴾ أربعة أوجه: النعت لأربعة، أو البدلية منه، فهو مجرور مثله على الاعتبارين، والثالث: اعتباره حالا من نكرة وهو: (أربعة)، والرابع: اعتباره تمييزا ل: (أربعة)، وهذان فيهما ضعف ظاهر، قال النحاس: ويجوز أن يكون شهداء في موضع نصب، بمعنى: ثم لم يحضروا أربعة ﴿شُهَداءَ﴾. انتهى. قرطبي.
﴿فَاجْلِدُوهُمْ:﴾ الفاء: حرف صلة، أو حرف استئناف. (اجلدوهم): أمر، وفاعله، ومفعوله.
﴿ثَمانِينَ:﴾ نائب مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مفسرة، أو في محل رفع خبر المبتدأ على مثال ما رأيت بجملة: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ﴾.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا تقبلوا): مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من شهادة، كان صفة له... ﴿شَهادَةً:﴾ مفعول به. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها.
(أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَاجْلِدُوهُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْفاسِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و ﴿الْفاسِقُونَ﴾ خبره فالجملة الاسمية هي خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، واعتبارها حالا من واو الجماعة جيد، والمعنى يؤيده، ويقويه، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ولكن العطف هو المرجح. كما ستعرفه في المستثنى الآتي.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾
الشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ:﴾ قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة، وفي حكم هذا الاستثناء، فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف؛ وإذا تاب، وندم على ما قال، وحسنت حالته بعد التوبة؛ قبلت شهادته، سواء تاب بعد إقامة الحد عليه، أو قبله، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ وقالوا: هذا الاستثناء يرجع إلى رد الشهادة، وإلى الفسق، وإذا تاب؛ تقبل شهادته، ويزول عنه اسم الفسق، يروى ذلك عن عمر، وابن عباس، وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وطاووس، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والشعبي، وعكرمة، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وبه قال مالك، والشافعي. وذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبدا؛ وإن تاب،
стр. 3935
وقالوا: الاستثناء يرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾. وهو قول النخعي، وشريح، وأصحاب الرأي، قالوا: بنفس القذف لا ترد شهادته ما لم يحد، قال الشافعي-﵁:
هو قبل أن يحد شرّ منه حين يحد؛ لأن الحدود كفارات، فكيف تردّونها في أحسن حاليه، وتقبلونها في شر حاليه؟! وذهب الشافعي إلى أنّ حد القذف يسقط بالتوبة، وقال: الاستثناء يرجع إلى الكل، (أي: إلى الجمل الثلاث المتضمنة للجلد، وردّ الشهادة، والتفسيق) وعامة العلماء على أنه لا يسقط الحد بالتوبة، إلا أن يعفو عنه المقذوف، فيسقط كالقصاص يسقط بالعفو، ولا يسقط بالتوبة. فإن قلت: إذا قبلت شهادته بعد التوبة فما معنى قوله تعالى: أبدا، قلت: معنى أبدا ما دام مصرا على القذف؛ لأن أبد كل إنسان مدته على ما يليق به، كما يقال:
شهادة الكافر لا تقبل أبدا، يراد بذلك ما دام على كفره، فإذا أسلم قبلت شهادته. انتهى.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أي: أعمالهم بالتدارك، ومنه: الاستسلام للحد، أو الاستحلال من المقذوف.
﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ أي: للقاذفين؛ إن هم تابوا، وأنابوا. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بهم حيث وفقهم للتوبة ولإصلاح العمل بما ذكر، فبالتوبة ينتهي فسقهم، وتقبل شهادتهم، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.
الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من الجملة الأخيرة، وهل هو متصل، أو منقطع؟ فيه خلاف، أو هو في محل جر بدلا من الضمير في لهم، وأجيز أن يكون مبتدأ، خبره الجملة الاسمية الآتية. ﴿تابُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (بعد) مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿تابُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران ل: (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر (الذين) على وجه مرّ ذكره، فتكون الفاء زائدة لتحسين اللفظ؛ ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ويجب تقدير رابط للمبتدأ، أي: غفور لهم، رحيم بهم.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٦)﴾
الشرح: سبب نزول هذه الآية هو ما رواه أبو داود عن ابن عباس-﵄-أن هلال بن أمية الواقفي-﵁-وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، كما رأيت في الآية رقم [١١٨] من سورة (التوبة) قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء البلوي، والسحماء أمه، سميت بذلك لشدة سوادها، وأبوه اسمه عبدة بن الجد العجلاني
стр. 3936
فقال النبي ﷺ : «البيّنة، أواحدّ في ظهرك!». قال: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول: «البيّنة، أواحدّ في ظهرك». فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلنّ الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد، فنزلت الآية الكريمة، وما بعدها.
وقيل: لما نزلت الآية المتقدمة في الذين يرمون المحصنات، وتناول ظاهرها الأزواج، وغيرهم؛ قال سعد بن معاذ-﵁: يا رسول الله! إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة؟! والله لأضربنه بالسيف غير مصفح عنه! فقال رسول الله ﷺ : «أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني». انتهى. قرطبي.
وعن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ..﴾. إلخ قال سعد بن عبادة-﵁: لو أتيت لكاع، وقد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء؟! فو الله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ حاجته ويذهب، وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة! فقال رسول الله ﷺ : «يا معشر الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سيدكم». قالوا: لا تلمه، فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة، واجترأ رجل منا أن يتزوجها.
فقال سعد-﵁: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، والله إني لأعرف: أنها من الله، وأنها حق، ولكن عجبت من ذلك لما أخبر الله! فقال النبي ﷺ : «فإن الله يأبى إلا ذلك». فقال:
صدق الله ورسوله، قال: فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له، يقال له: هلال بن أمية من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ ، وذكر له ما تقدم... إلخ. انتهى. خازن.
رضي الله عن السعدين، فلا يستغرب منهما غيرتهما، وحميتهما، فإنهما سيدا قومهما، الأول -سيد الأوس بلا منازع-والثاني-سيد الخزرج بلا مكابر-والأول هو الذي اهتز عرش الرحمن لموته، وشيعته ملائكة السماء. هذا؛ ويروى أن عويمر بن زيد بن الجد بن العجلاني قذف زوجته أيضا، وقد اختلف في المقذوف، فإن كان شريكا هو المقذوف في الروايتين فالواقعة واحدة، وقد اختلف فبعضهم يرجح: أنها حادثة هلال، وبعضهم يرجح: أنها واقعة عويمر، وإن كان المقذوف متعددا، فهما حادثتان، ولم يذكر أحد مقذوفا غير شريك، والله أعلم بذلك.
وكانت هذه القصة في شهر شعبان سنة تسع من الهجرة، منصرف رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة. قاله الطبري، وروى الدّارقطنيّ عن عبد الله بن جعفر-﵄-قال:
حضرت رسول الله ﷺ حين لا عن بين عويمر العجلاني وامرأته، مرجع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، وأنكر حملها الذي في بطنها، وقال: هو لابن السحماء، فقال رسول الله ﷺ : «هات امرأتك، فقد نزل القرآن فيكما». فلاعن بينهما بعد العصر عند المنبر.
بيان حكم الآية: أنّ الرجل إذا قذف امرأته، فموجبه موجب قذف الأجنبية في وجوب الحد عليه إن كانت محصنة، أو التعزير إن كانت غير محصنة، غير أن المخرج منهما مختلف، فإذا
стр. 3937
قذف أجنبيا، أو أجنبية يقام عليه الحد، إلا أن يأتي بأربعة يشهدون بالزنى، أو يقر المقذوف بالزنى، فيسقط عنه الحد، وفي الزوجة؛ إذا وجد أحد هذين الأمرين، أو لاعن سقط عنه الحد، فاللعان في قذف الزوجة بمنزلة البينة؛ لأن الرجل إذا رأى مع امرأته رجلا، ربما لا يمكنه إقامة البينة، ولا يمكنه الصبر على العار، فجعل الله اللعان حجة له على صدقه، فقال تعالى: ﴿فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾.
وإذا أقام الزوج بينة على زناها، أو اعترفت هي بالزنى سقط عنه الحد، واللعان؛ إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه، فله أن يلاعن لنفيه، وإذا أراد الحاكم المسلم أن يلاعن بينهما؛ بدأ بالرجل، فيقيمه، ويلقنه كلمات اللعان، فيقول: قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنى، وإن كان قد رماها برجل بعينه سماه في اللعان، ويقول كما يلقنه الحاكم المسلم، وإن كان هناك ولد، أو حمل يريد نفيه، يقول: وإن هذا الولد، أو هذا الحمل لمن الزنى، ما هو مني، ويقول في الخامسة: عليّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة! وإذا أتى بكلمة من كلمات اللعان من غير تلقين الحاكم له؛ لا تحسب، فإذا فرغ الرجل من اللعان وقعت الفرقة بينه وبين الزوجة، وحرمت عليه على التأبيد، وانتفى عنه النسب، وسقط عنه الحد، ووجب على المرأة حد الزنى، فهذه خمسة أحكام تتعلق بلعان الزوج.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ:﴾ صلة الموصول لا محل لها، ومتعلق الفعل محذوف تقديره بالزنى. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال.
(لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿لَهُمْ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر (يكن) مقدم. ﴿شُهَداءُ:﴾ اسمها مؤخر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾
بدل من ﴿شُهَداءُ،﴾ ويجوز نصب شهداء على اعتباره خبرا مقدما ل: ﴿يَكُنْ،﴾ ويكون ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ اسمه مؤخرا، ويجوز نصب ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ على الاستثناء، أو على أنه خبر ﴿يَكُنْ﴾ ولكن لم يقرأ بنصبه. انتهى. مكي بتصرف. هذا؛ وأجيز اعتبار (إلا) بمعنى: «غير» على أنها صفة ﴿شُهَداءُ﴾ ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية؛ لكونه على صورة الحرف، و (إلا) مضاف، و ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة (إلا) التي على صورة الحرف، وانظر تفصيل مثل هذا وشرحه في الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء). وجملة: ﴿وَلَمْ يَكُنْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الواو، والضمير. هذا؛ ويجوز اعتبارها معطوفة على جملة الصلة، والمعنى لا يأباه. تأمل.
﴿فَشَهادَةُ:﴾ الفاء: زائدة في الخبر لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم:
(شهادة): في رفعه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، خبره محذوف، مقدر التقديم؛ أي: فعليهم شهادة أحدهم، أو الخبر محذوف، ومقدر التأخير، أي: فشهادة أحدهم كائنة، أو واجبة.
الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: فالواجب شهادة أحدهم. الثالث: أنه فاعل بفعل محذوف،
стр. 3938
التقدير: فيكفي شهادة أحدهم. وهذه الوجوه صحيحة على نصب ﴿أَرْبَعُ،﴾ وأما على رفعه؛ فهو خبر (شهادة أحدهم) بلا ريب، وشهادة مضاف، و ﴿أَحَدِهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَرْبَعُ:﴾ خبر المبتدأ، و (أربع) مضاف، و ﴿شَهاداتٍ:﴾
مضاف إليه، والجملة الاسمية: (شهادة أحدهم...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٤]، وهي في الحقيقة عطف قضية على قضية، كما رأيت في الشرح. هذا؛ ويقرأ بنصب (أربع) على أنه مفعول مطلق عامله «(شهادة)» على حد قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً﴾ الآية رقم [٦٣] من سورة (الإسراء)، وهذا صحيح على جميع الوجوه الأولى المعتبرة في إعراب (شهادة أحدهم).
﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهاداتٍ﴾ قبلهما، وذلك على رفع ﴿أَرْبَعُ،﴾ وأما على نصبه فيجوز فيهما ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعلقا ب: ﴿شَهاداتٍ؛﴾ لأنه أقرب إليهما. والثاني: أنهما متعلقان بقوله: ﴿فَشَهادَةُ﴾ أي: فشهادة أحدهم بالله، ولا يضر الفصل ب: ﴿أَرْبَعُ؛﴾ لأنها معمولة للمصدر، فليست أجنبية عنه. والثالث: أن المسألة من باب التنازع، فإن كلاّ من (شهادة) و ﴿شَهاداتٍ﴾ يطلبه من حيث المعنى، وتكون المسألة من إعمال الثاني للحذف من الأول، وهو مختار البصريين، وعلى قراءة رفع ﴿أَرْبَعُ﴾ فيتعين تعليقهما ب: ﴿شَهاداتٍ؛﴾ إذ لو علق ب: (شهادة) لزم الفصل بين المصدر، ومعموله بالخبر، وهو لا يجوز؛ لأنه أجنبي.
﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. اللام: هي المزحلقة. (من الصادقين): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ في محل نصب مفعول به للمصدر ﴿شَهاداتٍ،﴾ أو (شهادة) على نصب (أربع)، ويتعين أن تكون الجملة الاسمية معمولة ل: ﴿شَهاداتٍ﴾ على رفع ﴿أَرْبَعُ﴾ لما ذكرنا من التفرقة بالأجنبي، ولم تفتح همزة (إنّ) من أجل اللام التي في الخبر، فإنها في الأصل لام الابتداء، وهي معلقة للمصدر عن العمل، كما علقت فعله عن العمل في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ وكما في الآية رقم [٨] الآتية. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
وكسروا من بعد فعل علّقا... باللاّم كاعلم إنّه لذو تقى
﴿وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧)﴾
الشرح: ﴿وَالْخامِسَةُ﴾ أي: والشهادة الخامسة، كما رأيت في شرح الآية السابقة. ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ:﴾ اللعن: الطرد من رحمة الله تعالى. هذا؛ ولقد كرر الله لعن الكفار في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة)، كما لعن الظالمين، والكاذبين، والناقضين للعهد، والميثاق في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره، فقد استحق اللّعن من الله،
стр. 3939
والملائكة، والناس أجمعين، وأما الأحياء من الكفار؛ فقد قال العلماء: لا يجوز لعن كافر معيّن؛ لأن حاله عند الوفاة لا تعلم، فلعله يؤمن، ويموت على الإسلام، وقد قيد الله في آية (البقرة) إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار، أي جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها فباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله... وهو الصحيح، كيف لا؛ وقد لعن حسان بن ثابت-﵁-أبا سفيان وزوجه هندا في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ وخذ قوله: [الكامل]
لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر
وقد لعن الفاروق-﵁-أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، وغيرهم، الذين قدموا المدينة المنورة، بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ : ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك! فشق ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق، فقال الفاروق: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم، فقال: إني أعطيتهم الأمان، فقال الفاروق: اخرجوا في لعنة الله، وغضبه، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، كيف لا؛ وهذه الآية تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين.
وأما العصاة من المسلمين، فلا يجوز لعن أحد منهم على التعيين قطعا، وأما على الإطلاق فيجوز كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات، والفاسدين، والفاسدات... إلخ، لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لعن الله السّارق يسرق البيضة، والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ : «الواشمة والمستوشمة، وآكل الرّبا، ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك». وكل هذا؛ وارد في الصحيح من الأحاديث.
﴿إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ في قذف امرأته بالزنى وإلحاق العار بها. هذا؛ ولقد اختلف العلماء في حكم من قذف امرأته برجل سماه، وعيّنه، هل يحدّ، أم لا؟ فقال الإمام مالك: عليه اللعان لزوجته، واحدّ للمرمي، أي: لمن قذفه، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه قاذف لمن لم يكن له ضرورة إلى قذفه. وقال الشافعي: لا حدّ عليه؛ لأن الله لم يجعل على من رمى زوجته بالزنى إلا حدّا واحدا بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ..﴾. إلخ، ولم يفرق بين من ذكر رجلا بعينه، وبين من لم يذكر، وقد رمى العجلانيّ زوجته بشريك، وكذلك هلال بن أمية، فلم يحدّ واحد منهما. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿وَالْخامِسَةُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الخامسة): معطوف على ﴿أَرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ على قراءة رفعه، أو هو مبتدأ. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَعْنَتَ:﴾ اسمها، و ﴿لَعْنَتَ﴾ مضاف،
стр. 3940
و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع بدل من (الخامسة)، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن لعنة الله عليه، والجار والمجرور متعلقان ب: (الخامسة) أو ب: «الشهادة» المقدرة قبلها. هذا؛ والبدلية على اعتبار (الخامسة) معطوفة على ﴿أَرْبَعُ﴾ كما رأيت، وأما على اعتبارها مبتدأ؛ فالمصدر المؤول، أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره. هذا؛ ويقرأ بتخفيف النون على أنها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و (لعنة) بالرفع مبتدأ، و ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أن) المخففة من الثقيلة، وتتأول مع اسمها المحذوف وخبرها بمصدر على مثال ما رأيت في محله. ﴿أَنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر يعود إلى ﴿أَحَدِهِمْ﴾. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كان من الكاذبين؛ فلعنة الله عليه، والجملة الاسمية: ﴿وَالْخامِسَةُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (شهادة أحدهم...) إلخ فهي في محل رفع مثلها، والجملة الشرطية مرتبطة بها تمام الارتباط فهي في محل رفع مثلها.
﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨)﴾
الشرح: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ:﴾ يدفع الحد عن المرأة التي قذفها زوجها، ولا عنها، وتوجب عليها الحد بلعانه هو أن ترد على الزوج بخمس شهادات مثل شهاداته التي رأيتها في الآية رقم [٦] فتقوم على مكان مرتفع بالمسجد، وتشهد بعد تلقين الحاكم أربع شهادات بالله ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فيما رماني به من الزنى، وإن كان ولد، أو حمل، تقول: وإن هذا الولد، أو الحمل منه وليس من الزنى، وتقول في الخامسة: عليّ غضب الله، إن كان زوجي من الصادقين، فيما رماني به، ولا يتعلق بلعانها إلا هذا الحكم الواحد، وهو إسقاط الحد عنها، وانظر الأمور المتعلقة بلعان الزوج، ومن جملتها الفرقة بينهما، والتحريم على التأبيد لقول النبي ﷺ :
«المتلاعنان لا يجتمعان». حتى لو أكذب الزوج نفسه يقبل ذلك فيما عليه، لا فيما له، فيلزمه الحد، ويلحقه الولد، لكن لا يرتفع التحريم؛ لأنه على التأبيد.
هذا؛ ويغلظ اللعان بين الزوجين بأربعة أشياء: بتعدد الألفاظ، وبالمكان، والزمان، وأن يكون بمحضر جماعة من الناس، أما تعدد الألفاظ فيجب ولا يجوز الإخلال بشيء منها، وأما المكان؛ فهو أن يلاعن في أشرف الأماكن، فإن كان بمكة؛ فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند منبر النبي ﷺ ، وفي سائر البلاد في الجامع عند المنبر، وأما الزمان؛ فهو أن يكون بعد العصر، وأما الجمع؛ فأقله أربعة.
стр. 3941
الإعراب: ﴿وَيَدْرَؤُا:﴾ الواو: حرف استئناف. (يدرأ): مضارع. ﴿عَنْهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿أَنْ تَشْهَدَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، والفاعل يعود إلى المرأة المقذوفة، والمفهومة من الكلام السابق. ﴿أَرْبَعَ:﴾ مفعول مطلق، أو نائبه، و (أربع) مضاف، و ﴿شَهاداتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل، أو بالمصدر شهادات على التنازع، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، و (أن تشهد) في تأويل مصدر في محل رفع فاعل للفعل يدرأ، التقدير: ويدرأ عنها العذاب شهودها أربع شهادات. ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ إعراب هذه الجملة ومحلها والكلام فيها مثل: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ في الآية رقم [٦] وجملة: (يدرأ...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ (٩)﴾
الشرح: تضمنت هذه الآية الشهادة الخامسة التي ترد بها المرأة على زوجها؛ الذي قذفها، ولا عنها، كما رأيت في الآية السابقة. هذا؛ وجعل الغضب في جانب المرأة؛ لأن النساء يستعملن اللعن كثيرا؛ كما قال لهن النبي ﷺ : «لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير». فربما يجترئن على الإقدام لكثرة جري اللعن على ألسنتهن، وسقوط وقوعه في قلوبهن، فذكر الغضب في جانبهن، ليكون رادعا لهن. انتهى. نسفي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَالْخامِسَةَ:﴾ معطوف على ﴿أَرْبَعُ،﴾ على معنى: وتشهد الخامسة. ويقرأ بالرفع على اعتباره مبتدأ؛ لأنه صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل: والشهادة الخامسة. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿غَضَبَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾. هذا؛ ويقرأ بتخفيف (أنّ)، فيكون اسمها ضمير الشأن محذوفا، و «(غضب)» بالرفع مبتدأ، و ﴿عَلَيْها﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾. هذا؛ ويقرأ: «(غضب)» بكسر الضاد وفتح الباء على أنه ماض، وبرفع «(الله)» على أنه فاعله، و ﴿أَنَّ﴾ ومدخولها على جميع الاعتبارات والقراآت في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان ب: (الخامسة)، أو ب: (الشهادة) المقدّرة على قراءة النصب، أو في محل نصب بدلا منها، وعلى قراءته بالرفع فالمصدر في محل رفع خبرها، وكذا إن قدرت المصدر مجرورا بحرف جر محذوف، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبرها، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها: ﴿إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب: ﴿إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ في الآية رقم [٧] بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
стр. 3942
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: كرمه، وجوده، وإحسانه. ﴿وَرَحْمَتُهُ:﴾ الواسعة التي وسعت كل شيء، وجواب (لولا) محذوف، تقديره: لفضحكم، ولكنه ستر عليكم، أو:
لعاجلكم بالعقوبة، ولكنه رحيم بكم؛ حيث دفع عنكم الحد باللعان. هذا؛ وفي ﴿عَلَيْكُمْ﴾ التفات عن الغيبة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ،﴾ وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾ انظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء) والخطاب لكل من الفريقين، أي: القاذفين، والمقذوفات، ففي الكلام تغليب صيغة الذكور على صيغة الإناث؛ حيث لم يقل: عليكم، وعليكن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿تَوّابٌ:﴾ كثير قبول التوبة من عباده، أو الرجاع على عباده بالرحمة، والمغفرة، فهو صيغة مبالغة. وتوبة العبد: رجوعه عن المعصية إلى الطاعة، وقرع باب ربه بالندم، والإنابة.
﴿حَكِيمٌ:﴾ فيما قدر، وقضى، وفعل من فرض الحدود، ووضع الزواجر عن المعاصي، والسيئات، لا يقضي، ولا يفعل إلا ما فيه حكمة؛ وإن خفيت على كثير من الناس. وانظر شرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] من سورة (الحج).
الإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿فَضْلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله.
﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالمصدر ﴿فَضْلُ﴾ وهذا على اعتبار خبر المبتدأ محذوفا، التقدير: موجود.
هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ وهو قول ابن الشجري، ورده ابن هشام في المغني؛ لأن خبر المبتدأ بعد لولا واجب الحذف، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها، وجواب لولا محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿وَرَحْمَتُهُ:﴾ معطوف على ﴿فَضْلُ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومتعلقه محذوف؛ إذ التقدير: رحمته بكم. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾
اسمها. ﴿تَوّابٌ حَكِيمٌ:﴾ خبران لها، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع معطوف على ﴿فَضْلُ اللهِ﴾ ولولا ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾
الشرح: ﴿جاؤُ:﴾ هذا الفعل وقع هنا لازما متعديا بالحرف، ويأتي متعديا، وهو كثير.
(الإفك): هو أبلغ ما يكون من الكذب، والافتراء، وأصله الأفك، وهو القلب؛ لأنه قول مأفوك
стр. 3943
عن وجهه. أي: مقلوب عن وجهه الصحيح إلى الباطل، ومنه قيل للكذاب: أفّاك؛ لأنه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى الباطل، قال تعالى: ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾. ﴿عُصْبَةٌ:﴾
جماعة، وهي ما بين العشرة إلى الأربعين، ومثلها العصابة، ولا واحد لها من لفظها، كالنفر، والرهط، والمعشر... إلخ، والمراد هنا ب: ﴿عُصْبَةٌ﴾ عبد الله بن أبيّ، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم، وقال بقولهم. ﴿لا تَحْسَبُوهُ:﴾ لا تظنوه، والخطاب للنبي ﷺ ولعائشة، ولأبويها، ولصفوان المتهم فيها، وإنما كان ما أشيع على السيدة عائشة-﵂-خيرا؛ لأن الله آجرهم على ذلك أجرا عظيما، وأظهر براءتها، وشهد بكذب العصبة، وأوجب لهم الذم، وهذا غاية الفضل والشرف للنبي ﷺ ، ولعائشة، ولأبويها، ولصفوان، ومن ساءه ذلك من المؤمنين.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ أي: من العصبة الكاذبة. ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ أي: ما اجترح من الذنب، وعلى قدر ما خاض فيه. هذا؛ والخير في الحقيقة: ما زاد نفعه على ضره، والشر: ما زاد ضره على نفعه، وإن خيرا لا شرّ فيه هو الجنة، وشرّا لا خير فيه هو النار، فأما البلاء النازل على الأولياء فهو خير؛ لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا، وخيره هو الثواب الكثير في الآخرة، فنبه الله عائشة، وأهلها، وصفوان بهذا الخطاب لهم لرجحان النفع، والخير على جانب الشر في حقهم.
﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ:﴾ تحمل معظمه، وبدأ بالخوض فيه، وقام بإشاعته، وهو عبد الله بن أبيّ ابن سلول. ﴿لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: عذاب النار في الآخرة، وروي: أن النبي ﷺ أمر بالذين تكلموا في عائشة، فجلدوا الحد جميعا ثمانين ثمانين جلدة. وقيل: لم يحد أحد منهم. وقيل:
حد حسان، ومسطح، ولم يحد ابن أبيّ، والمعتمد: أنهم حدوا جميعا، وفي ذلك قال شاعر من المسلمين: [الطويل]
لقد ذاق حسّان الّذي كان أهله... وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح
وابن سلول ذاق في الحدّ خزية... كما خاض في إفك من القول يفصح
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيّهم... وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: المشهور من الأخبار، والمعروف عند العلماء: أن الذي حدّ حسان، ومسطح، وحمنة، ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبيّ، وإنما لم يحدّ؛ لأن الله تعالى قد أعدّ له في الآخرة عذابا عظيما، فلواحدّ في الدنيا، لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة، وتخفيفا عنه، وإنما حدّ هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة، وقد قال ﷺ في الحدود: «إنها كفارات لمن أقيمت عليه». كما في حديث عبادة بن الصامت، ﵁.
стр. 3944
ويحتمل أن يقال: إنما ترك حد ابن أبيّ استئلافا لقومه، واحتراما لابنه، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك، وقد ظهرت مبادئها من سعد بن عبادة، ومن قومه، كما في صحيح مسلم.
انتهى.
هذا؛ وإن الآية الكريمة، وما بعدها إلى رقم [٢٦] نزلت في قذف السيدة عائشة، وبينت براءتها أحسن بيان، وإن الذي يبقى في نفسه شيء عليها فلا حظّ له في الإسلام؛ لأنه ينكر صريح القرآن، ومن أنكر شيئا بيّنه القرآن فهو كافر بإجماع المسلمين. واحديث الإفك رواه البخاري ومسلم عن عائشة نفسها، وها أنذا أذكره لك بحروفه برواية البخاري. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.
عن عائشة-﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا؛ أقرع بين أزواجه، فأيتهنّ خرج سهمها؛ خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج، وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه.
فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن، ولم يغشهنّ اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج، فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السّنّ، فبعثوا الجمل، وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم، وليس فيه أحد، فأممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني، فيرجعون إليّ.
فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي، فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ، ثم الذّكوانيّ من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته، فوطئ يدها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرّسين في نحر الظّهيرة فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبيّ ابن سلول.
فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي أنّي لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل، فيسلّم، ثم يقول: «كيف تيكم»؟. لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت فخرجت أنا وأمّ مسطح قبل المناصع متبرّزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن تتّخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرّيّة، أو في التّنزّه.
стр. 3945
فأقبلت أنا وأمّ مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا، شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه! ألم تسمعي ما قالوا؟! فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ ، فسلّم، فقال: «كيف تيكم»؟ فقلت: ائذن لي إلى أبويّ، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله ﷺ .
فأتيت أبويّ، فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بنيّة! هوّني على نفسك الشأن، فو الله لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها، ولها ضرائر إلا أكثرن عليها! فقلت:
سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا؟! قالت: فبتّ تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت، فدعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله.
فأمّا أسامة؛ فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الودّ لهم، فقال أسامة: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم إلاّ خيرا! وأمّا عليّ، فقال: يا رسول الله! لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: «يا بريرة! هل رأيت فيها شيئا يريبك»؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحقّ إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها قطّ أكثر من أنها جارية حديثة السّنّ تنام عن العجين، فتأتي الداجن، فتأكله، فقام رسول الله ﷺ من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فقال رسول الله ﷺ : «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلاّ خيرا، وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي؟».
فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله! أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة، وهو سيّد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحميّة، فقال: كذبت، والله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك!
فقام أسيد بن الحضير، فقال: كذبت لعمر الله! والله لنقتلنّه! فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيّان: الأوس، والخزرج حتى همّوا ورسول الله ﷺ على المنبر، فنزل فخفّضهم حتّى سكتوا، وسكت، وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتين ويوما، حتى أظنّ أنّ البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي؛ إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن كذلك؛ إذ دخل رسول الله ﷺ ، فجلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء.
стр. 3946
قالت: فتشهّد، ثم قال: «يا عائشة لقد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة؛ فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب؛ فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه، ثمّ تاب، تاب الله عليه». فلمّا قضى رسول الله ﷺ مقالته؛ قلص دمعي؛ حتّى ما أحسّ منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ ، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ! فقلت لأمّي:
أجيبي عنّي رسول الله ﷺ فيما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله! قالت: وأنا جارية حديثة السّنّ، لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقلت: والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم، وصدّقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة-والله يعلم أنّي لبريئة- لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، -والله يعلم أني لبريئة-لتصدّقنّي، والله، ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف؛ إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾.
ثمّ تحوّلت على فراشي، وأنا أرجو أن يبرّئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا يتلى، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلّم بالقرآن في أمري، ولكنّي كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها، فو الله ما رام مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتّى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات.
فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ ؛ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال لي: «يا عائشة! احمدي الله، فقد برّأك الله». فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله ﷺ ! فقلت: لا والله، لا أقوم إليه ولا أحمد إلاّ الله! فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ..﴾. الآيات.
فلما أنزل الله هذا في براءتي؛ قال أبو بكر الصديق-﵁، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه-: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة ما قال! فأنزل الله : ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال أبو بكر: بلى! والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي! فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه.
وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: «يا زينب! ما علمت؟ ما رأيت؟». فقالت: يا رسول الله! أحمي سمعي، وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا! قالت:
وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع. انتهى.
تنبيه: الغزوة التي حصل فيها حديث الإفك، هي غزوة المريسيع، وتسمى غزوة بني المصطلق، وكانت في السنة الرابعة، وقيل: في السادسة للهجرة، وسببها: أن النبي ﷺ بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار والد جويرية-﵂. التي تزوجها الرسول ﷺ ، فلما سمع بذلك خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم،
стр. 3947
يقال له: المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل. فاقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وأمكن رسوله من أبنائهم، ونسائهم، وأموالهم، فأفاءها الله عليه، ثم ردها عليهم، وتزوج جويرية-﵂-تأليفا لهم؛ لأنهم أسلموا.
تنبيه: ذكرت لك فيما تقدم: أن قصة هلال بن أمية، وعويمر العجلاني-﵄ كانت سنة تسع من الهجرة منصرف رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، ويذكر أصحاب السير: أن قصة عائشة-﵄-كانت في غزوة بني المصطلق، وقد كانت سنة خمس، أو ست من الهجرة، وهذا يعني: أن الآيات التي تقص علينا قصة الإفك متقدمة في النزول على آيات اللعان، وإن كانت متأخرة عنها في التلاوة، وإنما قدمت آيات اللعان لتتصل بالآية التي تنص على قذف المحصنات، واحد القاذفين لهن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿جاؤُ:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْإِفْكِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عُصْبَةٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿عُصْبَةٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا تَحْسَبُوهُ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول. ﴿شَرًّا:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَرًّا﴾. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف. ﴿هُوَ خَيْرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الوجهين. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (كل) مضاف، و ﴿اِمْرِئٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة امرئ. ﴿مَا:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿اِكْتَسَبَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اِمْرِئٍ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي اكتسبه. ﴿مِنَ الْإِثْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مَا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ فيكون ما بينهما اعتراضا. ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف استئناف (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿تَوَلّى كِبْرَهُ:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من فاعل ﴿تَوَلّى﴾ المستتر.
﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة عذاب، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 3948
﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾
الشرح: ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ:﴾ حين سمعتم الإفك، والافتراء على السيدة عائشة.
﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ﴾ أي: اعتقدوا بالذين منهم، والتعبير بأنفسهم على حد قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فالمؤمنون كالجسد الواحد، والطاعن في أخيه كالطاعن في نفسه، واللامز لأخيه كاللامز لنفسه.
﴿خَيْراً:﴾ عفافا، وصلاحا، وذلك نحو ما يروى أن عمر-﵁-قال لرسول الله ﷺ : أنا قاطع بكذب المنافقين؛ لأن الله تعالى عصمك من وقوع الذباب على جلدك؛ لأنه يقع على النجاسات، فيتلطخ بها، فلما عصمك الله من ذلك القدر من القذر، فكيف لا يعصمك عن صحبة من تكون متلطخة بمثل هذه الفاحشة!
وقال عثمان-﵁: إن الله ما أوقع ظلك على الأرض، لئلا يضع إنسان قدمه على ذلك الظل، فلما لم يمكّن أحدا من وضع القدم على ظلك، كيف يمكن أحدا من تلويث عرض زوجتك! وكذا قال علي-﵁: إن جبريل ﵇ أخبرك أن على نعليك قذرا، وأمرك بإخراج النعل عن رجلك بسبب ما التصق به من القذر، فكيف لا يأمرك بإخراجها بتقدير أن تكون متلطخة بشيء من الفواحش؟
وروي: أن أبا أيوب الأنصاري-﵁-قال لامرأته: ألا ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرم رسول الله ﷺ سوآ؟ فقال: لا، قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله ﷺ ، فعائشة خير مني، وصفوان خير منك.
وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر، ولم يقل: ظننتم بأنفسكم خيرا، وقلتم؛ ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات، وليدل التصريح بلفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه، ولا مؤمنة على أختها قول غائب، ولا طاعن، وهذا من الأدب الحسن الذي قلّ القائم به، والحافظ له، وليتك تجد من يسمع، فيسكت، ولا يشيع ما سمعه بإخوانه. انتهى. كله من قول النسفي، رحمه الله تعالى.
﴿هذا إِفْكٌ مُبِينٌ:﴾ كذب بيّن لا حقيقة له، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٣٥] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح (مبين) وإعلاله في الآية رقم [١١] من سورة (الحج)، وانظر (الإيمان) في الآية رقم [١٤] منها، وانظر شرح (يسمع) في الآية رقم [٤٦] من سورة (الحج) أيضا.
الإعراب: ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض، وقيل: فيها معنى التوبيخ. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان بمعنى حين مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿ظَنَّ﴾ الآتي، وانظر ما
стр. 3949
ذكرته في الآية رقم [١٦] فإنه جيد. ﴿سَمِعْتُمُوهُ:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿ظَنَّ:﴾ ماض. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. (المؤمنات): معطوف على ما قبله. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿ظَنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به. وجملة: ﴿ظَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.
﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿هذا:﴾
اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِفْكٌ:﴾
خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿ظَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.
﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿جاؤُ عَلَيْهِ:﴾ على ما زعموا، وقذفوا به عائشة-﵂. ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ أي: يشهدون بما زعموا، وافتروا. ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: في حكم الله وشريعته. ﴿هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ أي: فيما زعموا، وافتروا؛ لأن الله تعالى جعل الفرق بين الرمي الصادق، والكاذب ثبوت شهادة الشهود الأربعة، وانتفاءها، والذين رموا عائشة-﵂-لم يكن لهم بينة على قولهم، فكانوا كاذبين. هذا؛ وانظر ما ذكرته بشأن ﴿الْكَذِبَ﴾ في الآية رقم [١٠٥] من سورة (النحل) فإنه جيد.
تنبيه: رتب الحدود على حكمه الذي شرعه في الدنيا، لا على مقتضى علمه الذي تعلق بالإنسان على ما هو عليه، فإنما يبنى على ذلك حكم الآخرة، ومما يقوي هذا المعنى ويعضده، ما خرجه البخاري-رحمه الله تعالى-عن عمر بن الخطاب-﵁: أنه قال: أيها الناس! إنّ الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا؛ أمنّاه، وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوآ؛ لم نأمنه، ولم نصدّقه؛ وإن قال: إن سريرته حسنة. وأجمع العلماء: أنّ الأحكام في الدنيا على الظاهر، وأن السرائر إلى الله . انتهى. قرطبي.
فائدة: روي: أن حسان بن ثابت-﵁-قد أنكر أن يكون قال شيئا في حق عائشة-﵂-يتجلى ذلك في قوله: [الطويل]
стр. 3950
حصان رزان ما تزنّ بريبة... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
حليلة خير الناس دينا ومنصبا... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل
عقيلة حيّ من لؤيّ بن غالب... كرام المساعي، مجدها غير زائل
مهذّبة قد طيّب الله خيمها... وطهّرها من كلّ شين وباطل
فإن كان ما بلّغت أنّي قلته... فلا رفعت سوطي إلّي أناملي
فكيف وودّي ما حييت ونصرتي... لآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على الناس فضلها... تقاصر عنها سورة المتطاول
وقد روي: أنه لما أنشدها قوله: (حصان رزان...) إلخ قالت له: لست كذلك، تريد: إنك وقعت في الغوافل. هذا؛ وحصان: عفيفة. ورزان: ذات ثبات، ووقار وعفاف. وغرثى: جائعة. ما تزن: ماتتّهم. الغوافل: جمع غافلة، أي: لا ترتع في أعراض الناس. والخيم: الطبيعة، والسجية.
الإعراب: ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض، واعتبرها ابن هشام للتوبيخ، والتنديم. ﴿جاؤُ:﴾
ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِأَرْبَعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان ب: ﴿شُهَداءَ،﴾ و (أربعة) مضاف، و ﴿شُهَداءَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، والمانع له ألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. وجملة: ﴿لَوْلا جاؤُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِذْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إذ): يظهر فيها معنى «إن» الشرطية، ولم يقل به ابن هشام في مغنيه، ولا المرادي في جناه، أو معنى (إذا) الشرطية، ولم يقل به ابن هشام، ونقله المرادي عن قوم من المتأخرين، ونقل تصحيح المغاربة في إبطاله. وظاهر نص الآية: أنها متضمنة معنى الشرط. هذا؛ ونقل ابن هشام، والمرادي عن سيبويه أن تكون للمفاجأة، ولا تكون إلا بعد: «بينا» و «بينما» واستشهد ابن هشام لذلك بقول عنبر بن لبيد العذري الجاهلي: [البسيط]
استقدر الله خيرا وارضينّ به... فبينما العسر إذ دارت مياسير
وهو الشاهد رقم [١٣٠] من كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالشُّهَداءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذ)؛ لأنها مشبهة ب «إن» الشرطية لفظا ومعنى، كما رأيت قاله في المغني. وإعراب (أولئك...) إلخ مثل إعراب ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ في الآية رقم [٤] بلا فارق، و ﴿عِنْدَ﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿الْكاذِبُونَ،﴾
стр. 3951
و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ جواب (إذ) لا محل لها، و (إذ) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾
الشرح: معنى الآية: لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أتكرم عليكم في الآخرة بالرحمة، والعفو، والمغفرة؛ لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك. والخطاب للذين قذفوا السيدة عائشة، وهذا الفضل هو تأخير العذاب، وقبول التوبة لمن تاب. هذا؛ والإفاضة: الأخذ في الحديث. يقال:
أفاض في الحديث، وخاض فيه واندفع، وانظر شرح (الآخرة) في الآية رقم [١١] من سورة (الحج)، وشرح ﴿عَذابٌ﴾ في الآية رقم [٤٦] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ:﴾ انظر الآية رقم [١٠] ففيها الكفاية مع ملاحظة:
أن جواب (لولا) حذف هناك، وذكر هنا. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان ب: (رحمته)، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه. (الآخرة): معطوف على ما قبله. ﴿لَمَسَّكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، واللام واقعة في جواب (لولا). ﴿فِيما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما:) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿فِي،﴾ وجملة:
﴿أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: ﴿فِي،﴾ وعلى اعتبار ﴿فِيما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿فِي﴾ التقدير:
لمسكم بسبب إفاضتكم، وخوضكم فيه، وهذا على اعتبار (في) للسببية، وفيه ضعف ظاهر.
﴿عَذابٌ:﴾ فاعل (مس). ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما..﴾. إلخ جواب (لولا) لا محل لها، و (لولا) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية رقم [١٠] وهو في معنى التوكيد له، فيكون ما بينهما معترضا، أو هو مستأنف، ولا محل له على الاعتبارين.
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾
الشرح: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ:﴾ الضمير المنصوب عائد على (الإفك). هذا؛ والتّلقّي، والتّلقّف، والتّلقّن معان متقاربة خلا أن في الأول معنى الاستقبال، وفي الثاني معنى الخطف والأخذ بسرعة، وفي الثالث معنى الحذق، والمهارة. هذا؛ وقرأ جمهور السبعة بفتح التاء، واللام، والقاف
стр. 3952
المشددة، ويقرأ بقراآت كثيرة. والمعنى: يروي حديث الإفك بعضكم عن بعض، وذلك: أن الرجل منهم كان يلقى الرجل، فيقول: بلغني كذا، وكذا، فينقله الآخر، إلى غيره بدون تروّ، وتعقّل.
هذا؛ و (ألسنتكم): جمع: لسان، ويجمع أيضا على: لسن بضم اللام، وضم السين، وتسكينها أيضا، وهو على هذا مؤنث كذراع، وأذرع، والأول مذكر، كحمار، وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة، وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السوء، كما في قول الشاعر: [الوافر]
لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت، وما حسبتك أن تحينا
فيؤنث لا غير، كما يجعل كناية عن الرسالة، أو عن القصيدة من الشعر كقول الآخر: [المتقارب]
أتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر
وقد أطلقه الله على القرآن الكريم بكامله مع التذكير في قوله في سورة (النحل) الآية رقم [١٠٣] حيث قال جل ذكره: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ كما أطلقه على الثناء الجميل، والذكر الحسن في قوله: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ الآية رقم [٥٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: من غير أن تتأكدوا من صحته، وتعلموا: أنه حق، وإنما قيد بالأفواه؛ مع أن القول لا يكون إلا بالفم؛ لأن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب، ثم يترجم عنه اللسان، والإفك الذي تكلموا فيه ليس إلا قولا يدور في أفواههم من غير ترجمة عن علم به في القلب، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ رقم [١٦٧] من سورة (آل عمران).
هذا؛ وجمع (أفواهكم) على الأصل؛ لأن الأصل في فم: فوه، مثل: حوض، وأحواض.
﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً:﴾ تظنون ما تكلمتم به سهلا، لا إثم فيه، ولا حرج. هذا؛ وإعلال «هيّن» مثل إعلال «ميّت» في الآية رقم [١٥] من سورة (المؤمنون). هذا؛ و «حسب» من باب: تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس، فيكون من الباب السادس. ويقرأ (تحسبونه) بفتح السين، وكسرها، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا من باب: قتل بمعنى: أحصيته عددا. ﴿وَهُوَ﴾ أي: الإفك الذي تكلموا به. ﴿عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ:﴾ كبيرة من الكبائر. وهذا مثل قول النبي ﷺ في حديث القبرين: «إنهما ليعذّبان، وما يعذّبان في كبير». أي بالنسبة إليكم. هذا؛ وقد جزع بعضهم عند الموت، فقيل له ذلك، فقال: أخاف ذنبا لم يكن مني على بال، وهو عند الله عظيم، ومعنى ﴿عِنْدَ اللهِ:﴾ في حكمه وشريعته.
الإعراب: ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بأحد الفعلين: (مسكم) أو ﴿أَفَضْتُمْ﴾. هذا؛ وإن اعتبرتها حرف تعليل لما قبلها؛ فالمعنى لا يأباه.
﴿تَلَقَّوْنَهُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به،
стр. 3953
والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها، أو هي تعليل لما قبلها، فلا محل لها.
﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، و (تقولون) بمعنى: تنطقون. ﴿لَيْسَ:﴾
ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من ﴿عِلْمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ.
﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال.
(هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿عَظِيمٌ﴾ بعده، و (عند) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ..﴾. إلخ: هذا عتاب لجميع المؤمنين، أي: كان ينبغي عليكم أن تنكروه، ولا تتناقلوه بألسنتكم، وكان الواجب عليكم أن تنزهوا الله عن أن يقع من زوج نبيه ﷺ وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها بهتان، وحقيقة البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغيبة أن يقال في الإنسان ما فيه، وهذا المعنى جاء في قوله ﷺ لأصحابه: «أتدرون ما الغيبة؟». قالوا: الله، ورسوله أعلم! قال: «ذكرك أخاك فيما يكره لو بلغه ذلك». قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بهتّه». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة-﵁.
هذا؛ و ﴿سُبْحانَكَ:﴾ هنا للتعجب من عظم الأمر. قال في الكشاف: فإن قلت: ما معنى التعجب في كلمة التسبيح؛ قلت: الأصل في ذلك أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر، حتى استعمل في كل متعجب منه، أي بدون ملاحظة معنى التنزيه، أو لتنزيه الله تعالى من أن تكون حرمة نبيه فاجرة، فإنه لا يجوز؛ للتنفير عن النبي ﷺ ، وهو خلاف مقصود الإرسال بخلاف كفرها. انتهى.
تنبيه: حث الله المؤمنين على تنزيه الله، وتقديسه من أن تكون امرأة نبيه فاجرة، وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة، كالذي حصل من امرأة نوح، وامرأة لوط، ولم يجز أن تكون فاجرة؛ لأن النبي مبعوث إلى الكفار، ليدعوهم إلى التوحيد، والإيمان، فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه،
стр. 3954
والكفر غير منفر عندهم، وأما الدعارة، والفجور فمن أعظم المنفرات، وهذا يفيد أن الزنى لم تبحه أمة من الأمم، ما عدا الأمم البدائية في الأزمان الغابرة، والأمم الإباحية في العصور الحديثة.
هذا؛ وإعلال ﴿قُلْتُمْ﴾ مثل إعلال ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣٨] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح ﴿يَسْمَعُ﴾ في الآية رقم [٤٥] منها، وانظر الكلام في الآية رقم [١٠٩] من سورة (المؤمنون)، وشرح (سبحان) في الآية رقم [٩١] منها.
الإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لولا): حرف تحضيص، واعتبرها ابن هشام مفيدة للتوبيخ، والتنديم. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بالفعل ﴿قُلْتُمْ﴾ فهو مبني على السكون في محل نصب، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز الفصل بين لولا، وقلتم بالظرف. قلت: للظروف شأن، وهو تنزلها من الأشياء منزلة أنفسها لوقوعها فيها، وأنها لا تنفك عنها، فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها. قال أبو حيان: وهذا يوهم اختصاص ذلك بالظرف، وهو جار في المفعول به، تقول: لولا زيدا ضربت، ولولا عمرا قتلت، وقال الزمخشري أيضا: فإن قلت: أي فائدة في تقديم الظرف حتى وقع فاصلا؟ قلت: الفائدة فيه بيان: أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب تقديمه.
﴿سَمِعْتُمُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ وتسهيله، فتولدت واو الإشباع، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿قُلْتُمْ:﴾
فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُونُ﴾ تقدم على الاسم. ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والمصدر المؤول من المضارع، وناصبه في محل رفع اسم ﴿يَكُونُ﴾ مؤخر. ﴿بِهذا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه مقحم بين الجار والمجرور، لا محل له، وجملة: ﴿ما يَكُونُ..﴾.
إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْتُمْ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة:
﴿وَلَوْلا إِذْ..﴾. إلخ معطوفة على ما يشبهها في الآية رقم [١٢] لا محل لها مثلها. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. ﴿بِهذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بُهْتانٌ:﴾ خبره. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة (بهتان) والجملتان: ﴿سُبْحانَكَ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.
﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يحرم الله عليكم. وقيل:
معناه ينهاكم الله. ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾ أي: في عائشة؛ لأن مثله لا يكون إلا نظير القول في
стр. 3955
المقول عنه بعينه، أو فيمن كان في مرتبته من أزواج النبي ﷺ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ فلا تعودوا لقذف أزواج النبي ﷺ ، وفيه تعريض بأن من قذف أزواجه ﵊ فهو ليس بمؤمن.
قال هشام بن عمار: سمعت مالكا يقول: من سبّ أبا بكر، وعمر أدّب، ومن سب عائشة قتل؛ لأن الله يقول: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ..﴾. إلخ فمن سب عائشة فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل. وقال أصحاب الشافعي: من سب عائشة-﵂-أدّب كما في سائر المؤمنين، ولا يسلب عنه الإيمان، وإنما هو على حد قول النبي ﷺ : «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه».
قال أصحاب مالك في الرد عليهم بقولهم: ليس الأمر كما زعمتم، فإن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة، فبرأها الله تعالى مما قالوا، فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر. فهذا طريق قول مالك، وهي سبيل الآية، وهي لائحة لأهل البصائر، ولو أن رجلا سب عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب. انتهى. قرطبي بتصرف ﵃ أجمعين-.
هذا؛ وإعلال «يعظ» مثل إعلال «يعد» في الآية رقم [٣٥] من سورة (المؤمنون)، وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج)، وشرح (الأبد) في الآية رقم [٤].
الإعراب: ﴿يَعِظُكُمُ:﴾ مضارع، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَنْ تَعُودُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وفي المصدر المؤول من المضارع وناصبه أوجه: أحدها: أنه مجرور ب: «عن» محذوفة، وهذا على تأويل ﴿يَعِظُكُمُ﴾ ب «ينهاكم»، أو هو مجرور ب «في» محذوفة على لفظه، وهو عند البصريين في محل جر بإضافته لمفعول لأجله محذوف، التقدير: كراهة عودكم، وهو عند الكوفيين على تقدير:
لئلا تعودوا، وقد مر معنا كثير من مثله. ﴿لِمِثْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فلا تعودوا... إلخ، وجملة: ﴿يَعِظُكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾
الشرح: المعنى يبين ويوضح الله الدلالات الواضحات، وأحكام الشرائع، والآداب الجميلة، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بأمر عائشة، وصفوان، وبكم جميعا، وأعمالكم، وتصرفاتكم.
﴿حَكِيمٌ:﴾ في جميع تشريعاته، وتدابيره، بل وبجميع صنعه.
стр. 3956
الإعراب: ﴿وَيُبَيِّنُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يبين): مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَكُمُ:﴾
متعلقان به. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الاسمية: (الله عليم حكيم) في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتعظيم والتشريف، وكان حقه الإضمار، وجملة:
(يبين...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ﴾ أي: تفشو، وتظهر، وتنتشر. ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: في المحصنين، والمحصنات، والمراد بهذا اللفظ العام عائشة وصفوان-﵄، وقيل: بل المراد العموم، فكل من أحب أن تشيع الفاحشة، أو تظهر في بيت من بيوت المسلمين فهو داخل في حكم هذه الآية.
أقول: وهو الحق؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم، كما قد قررته مرارا. ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا﴾ أي: الحد، والذم في الدنيا، (و) في (الآخرة) لهم عذاب النار، وهذا للمنافقين فأما المؤمنون إذا أقيم عليهم حد القذف، فهو كفارة لهم، وقال الطبري: معناه إن مات مصرا على القذف غير تائب.
﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ أي: مقدار عظم الذنب، والمجازاة عليه، ويعلم كل شيء من براءة عائشة، وما خاضوا فيه... إلخ. ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ قيل: معناه: يعلم ما في قلب من يحب أن تشيع الفاحشة في المؤمنين والمؤمنات، فيجازيه على ذلك، وأنتم لا تعلمون ذلك، فقد روي من حديث أبي الدرداء-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «أيّما رجل شدّ عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها، فهو في سخط الله حتى ينزع عنها، وأيّما رجل قال بشفاعته دون حدّ من حدود الله أن يقام؛ فقد عاند الله حقا، وأقدم على سخطه، وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة. وأيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة، وهو منها بريء يرى أن يشينه بها في الدنيا؛ كان حقّا على الله تعالى أن يرميه بها في النار». ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ..﴾. إلخ. الآية. انتهى. قرطبي.
هذا؛ والفعل (يعلم) من المعرفة، لا من العلم. انظر شرح ذلك في الآية رقم [٣٩] من سورة (الأنبياء)، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] من سورة (الحج)، وشرح (الإيمان) في الآية رقم [١٤] منها.
стр. 3957
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يُحِبُّونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمصدر المؤول من:
﴿أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿يُحِبُّونَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَشِيعَ،﴾ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.
﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان ب: ﴿عَذابٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. (الآخرة): معطوف على ﴿الدُّنْيا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ عَذابٌ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف.
(الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله)، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾
الشرح: قال البيضاوي رحمه الله تعالى: هذا تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة، ولذا عطف قوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ على حصول فضله، ورحمته عليهم.
انتهى. هذا؛ ومن رأفته سبحانه إظهار براءة المقذوفين، وإثباتها. ومن رحمته غفران ذنب القاذف إذا تاب. قال ابن عباس-﵄: يريد بالخطاب مسطحا، وحسان بن ثابت، وحمنة ﵃ أجمعين-، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر شرح (رؤوف) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحج). هذا؛ وإعراب الآية مثل إعراب الآية رقم [١٠] بلا فارق. تأمّل.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ:﴾ زخارفه، ووساوسه، وأحابيله، فيحمل الإنسان على إشاعة الفاحشة، والكذب، والافتراء، والبهتان. ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ:﴾ يدعو، ويزين، ويزخرف. ﴿بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ أي: بالقبائح من الأقوال، والأفعال،
стр. 3958
وكل ما يكره الله تعالى. والآية عامة في حق كل واحد؛ لأن كل مكلف ممنوع من ذلك، وانظر مرجع الضمير في الإعراب.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي: ما اهتدى، ولا أسلم، ولا عرف رشدا، ولا صلح. هذا؛ ويقرأ بتشديد الكاف، فيكون المعنى: إن تزكيته، وتطهيره، وهدايته لكم إنما هي بفضله، وتوفيقه. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي:﴾ يطهر بالتوبة، وصالح الأعمال ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ تطهيره من الذنب بالرحمة، وقبول التوبة. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ:﴾ لأقوالكم. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بنياتكم وإخلاصكم.
هذا؛ و ﴿خُطُواتِ﴾ جمع: خطوة بضم الخاء، وسكون الطاء، وهي في الأصل ما بين القدمين، فاستعيرت هنا لوسوسة الشيطان، وزخرفته، وتجمع في القلة على «خطوات» بضم الخاء، وتثليث الطاء، أي الضم بإتباع ثانيه لأوله، والفتح، وإبقاء السكون على حاله كما في المفرد، وتجمع في الكثرة على خطى بضم الخاء. هذا؛ والخطوة بفتح الخاء: المرة الواحدة، وجمعها: خطوات بفتح الخاء والطاء لا غير.
بعد هذا أنقل لك ما قاله المرحوم مصطفى الغلاييني في جامع الدروس العربية: وإن جمعت اسما ثلاثيا مضموم الأول، أو مكسوره، ساكن الثاني، صحيحه، خاليا من الإدغام، مثل:
خطوة، وجمل، وهند، وقطعة، وفقرة؛ جاز فيه ثلاثة أوجه: الأول: إتباع ثانية لأوله، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثاني: فتح ثانيه، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثالث: إبقاء ثانيه على حاله من السكون، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات.
أما الاسم فوق الثلاثي، كزينب، والاسم الصفة، كضخمة، والاسم الثلاثي المحرك الثاني، كشجرة، والاسم الثلاثي الذي ثانيه حرف علة، كجوزة، والاسم الثلاثي الذي فيه إدغام، كمرّة، فكل ذلك لا تغيير فيه عند جمعه جمع مؤنث سالما. انتهى.
الإعراب: (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من (أي) أو عطف بيان عليه، أو صفة له، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الحج) ففيها بحث جيد، وجملة:
﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا تَتَّبِعُوا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿خُطُواتِ﴾ مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية: ﴿لا تَتَّبِعُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، كالجملة الندائية قبلها.
стр. 3959
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَّبِعْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به، و ﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فقد غوى وضل. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء:
حرف تعليل. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهي عائدة على: ﴿الشَّيْطانِ﴾ وقيل:
عائدة على (من)، والمعنى: إن المتبع للشيطان يأمر... إلخ، فإنه بسبب اتباعه القبائح صار ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ؛﴾ لأنه لما ضل في نفسه؛ صار يضل غيره؛ لأن شأن الشيطان الإضلال، ومن اتبعه فإنه يترقى من رتبة الضلال، والفساد، إلى رتبة الإضلال، والإفساد. ﴿يَأْمُرُ:﴾
مضارع، وفاعله يعود إلى (من)، أو إلى ﴿الشَّيْطانِ﴾. كما رأيت. والثاني هو المتبادر إلى الفهم. ﴿بِالْفَحْشاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْمُنْكَرِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة:
﴿يَأْمُرُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، أو لجواب الشرط المحذوف، حسب ما رأيت في مرجع الضمير.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ:﴾ انظر الآية رقم [١٠] ففيها الكفاية. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿زَكى:﴾
ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». وهذا هو الأقوى. ﴿مَنْ:﴾ حرف صلة.
﴿أَحَدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿ما زَكى..﴾.
إلخ جواب (لولا). وقال الكسائي: هذه الجملة جواب لقوله أولا، وثانيا: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ..﴾.
إلخ وما بينهما معترض لا محل له، و (لولا) ومدخولها كلام معطوف على مثله فيما تقدم، لا محل له مثله.
﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يُزَكِّي:﴾
مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية خبر (لكن). ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يزكي الذي، أو شيئا يشاء تزكيته.
والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿ما زَكى..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا من فاعل ﴿يُزَكِّي﴾ المستتر لا بأس به، وعليه: فالرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتعظيم، والتشريف.
стр. 3960
﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿وَلا يَأْتَلِ:﴾ ولا يحلف، من «الأليّة» وهي اليمين، ومنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ الآية رقم [٢٢٦] من سورة (البقرة)، وقالت جماعة: لا يقصّر، من قولك: ألوت في كذا: إذا قصرت فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً..﴾. إلخ الآية رقم [١١٨] من سورة (آل عمران).
فالماضي: ائتلى، والمضارع: يأتلي، ولم أره في القاموس المحيط بهذا المعنى، ولكن فيه: أتل، يأتل أتلا، وأتلانا، وأتلالا محركتين: قارب الخطو في غضب، ومن الطعام امتلأ، والأوتل: الشبعان، وقوم أتل بضمتين، ووتل شباع انتهى. هذا؛ ويقرأ: «(ولا يتألّ)» من الأليّة، وهي اليمين. وفي المختار: آلى يؤلي إيلاء: حلف، وتألّى، وائتلى مثله، قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ والأليّة اليمين، وجمعها: ألايا، والألية بالفتح: ألية الشاة، ولا تقل: إلية بالكسر، ولا: ليّة وتثنيتها: أليان بغير تاء. انتهى.
﴿أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ أي: في الدين، ومكارم الأخلاق. ﴿وَالسَّعَةِ﴾ أي: في المال، والغنى.
﴿أَنْ يُؤْتُوا..﴾. إلخ أي: يعطوا وينفقوا من أموالهم على أصحاب القرابات والمساكين ﴿وَالْمُهاجِرِينَ﴾ من وطنهم من أجل دين الله. هذا؛ ويقرأ: «(تؤتوا)» بتاء المضارعة على الالتفات، ويعضده قوله:
﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء).
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا:﴾ وليتجاوزوا عن الجفاء، والإساءة عمن أساء إليهم، وليعرضوا عن عقوبتهم، وليرجعوا إلى الإحسان عمن أساء إليهم. هذا؛ وأولوا، وأولي هو جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده «ذو» المضاف إن كان مرفوعا، و «ذا» المضاف إن كان منصوبا، و «ذي» المضاف إن كان مجرورا.
وأما (ليعفوا) فهو بمعنى: ليصفحوا، فهو مرادف لما بعده، وهو كثير في القرآن بهذا المعنى كثرة لا تعد، ولا تحصى، كما يأتي (عفا) بمعنى الكثرة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا﴾ أي: حتى كثروا، ونموا في أنفسهم، وأموالهم. من قولهم: عفا النبات، وعفا الشحم، والوبر: إذا كثر. قال الحطيئة: [الطويل]
بمستأسد الغربان عاف نباته... بأسوق عافيات الشحم كوم
وعفا المنزل، يعفو عفاء: إذا انمحت آثاره، وذهبت معالمه، قال الشاعر: [البسيط]
وبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النّؤي والوتد
следующие страницы →