← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الإعراب: ﴿أَيّاماً:﴾ مفعول به لفعل محذوف، دلّ عليه ﴿الصِّيامُ،﴾ التقدير: صوموا أياما، وقيل: هو ظرف متعلق بهذا المحذوف، التقدير: صوموا في أيام، وقيل: هو منصوب ب ﴿الصِّيامُ﴾ وردّه أبو البقاء للفصل بينهما. وقيل: هو منصوب ب ﴿كُتِبَ﴾ ولا وجه له؛ لأنه استوفى مفعوله، وهو الصّيام، الذي جعل نائب فاعل له، وقال الفراء: مفعول ثان له، ولا وجه له أيضا؛ لأنه ليس من الأفعال التي تنصب مفعولين إلا بتضمين بعيد. ﴿مَعْدُوداتٍ:﴾ صفة ﴿أَيّاماً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة المقدرة ب «صوموا... إلخ» مفسرة للصّيام، وهو أولى من الاستئناف. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر يعود إلى (من). ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كانَ،﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿مَرِيضاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿مَرِيضاً:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿عَلى سَفَرٍ﴾ معطوفان على قوله: ﴿مَرِيضاً﴾ فهما في محل نصب مثله. ﴿فَعِدَّةٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عدة): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير، فالواجب عدّة، أو هو مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: فعلية عدّة، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشّرط، وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: (عدّة...) إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره، فهو كلام سديد، وتقدّم كثير مثله. ﴿مِنْ أَيّامٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (عدة). ﴿أُخَرَ:﴾ صفة: ﴿أَيّامٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة والعدل، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولا تنس الجملة المقدّرة قبلها في الشرح «فأفطر». ﴿وَعَلَى:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿عَلَى الَّذِينَ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿يُطِيقُونَهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والمتعلق محذوف، التقدير: يطيقونه منكم، ﴿فِدْيَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿طَعامُ:﴾ بدل من: ﴿فِدْيَةٌ،﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي طعام، وعليه. فالجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿فِدْيَةٌ﴾ و ﴿طَعامُ﴾ مضاف، و ﴿مِسْكِينٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. هذا؛ وقرئ: («فدية طعام مساكين») بالإضافة والجمع. والجملة الاسمية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. ﴿تَطَوَّعَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿خَيْراً:﴾ منصوب على نزع

стр. 422

الخافض، التقدير: تطوع بخير، أو هو صفة مصدر محذوف، أي: تطوع تطوعا خيرا، وقيل: هو حال من ذلك المصدر المقدر معرفة عند سيبويه، وهو مذهبه، والمعتمد الأول. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو ﴿خَيْرٌ﴾): مبتدأ، وخبر. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وبقية الكلام كما في قوله تعالى: (من ﴿كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً..﴾.) إلخ بلا فارق. ﴿وَأَنْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْ﴾) حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تَصُومُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿أَنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و (﴿أَنْ تَصُومُوا﴾) في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ وتقدير الكلام: صيامكم خير لكم. والجملة الاسمية في محل نصب حال مقدرة من كاف الخطاب في ﴿مِنْكُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وقلت: مقدرة؛ لأنها مستقبلة بواسطة (﴿أَنْ﴾) وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، التقدير: تعلمون أنه خير، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كُنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية هذه لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشّرط محذوف، التقدير: فافعلوه، ونحو ذلك. و ﴿أَنْ﴾ مدخولها كلام معترض في آخر الكلام لا محلّ له، الغرض منه الحثّ على الصيام. ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ الشرح: ﴿شَهْرُ:﴾ الشهر فيه لأهل اللغة قولان: أشهرهما: أنه اسم مدّة الزّمان الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرا إلى أن يستتر، سمّي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في المعاملات، وغيرها. والثّاني: قاله الزّجاج: أنه اسم للهلال نفسه. ويجمع على: أشهر، وشهور. ﴿رَمَضانَ:﴾ مأخوذ من: رمض الصائم، إذا احترق جوفه من شدّة العطش، والرّمضاء (ممدودة): شدّة الحر، وفي هذه التسمية أقوال: أحدها: أنه وافق مجيئه في الرّمضاء. وهي شدّة الحر، فسمّي به، كما سمّي ربيع لموافقته فصل الربيع، وكما سمّي جمادى لموافقته فصل

стр. 423

الشتاء الشّديد البرد، وقيل: لأنّه يرمض الذنوب، أي: يحرقها. بمعنى: يمحوها، وقيل: لأن القلوب تحترق فيه من الموعظة، والقرآن. ويجمع على: رمضانات، وأرمضة. ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وشرح هذا الإنزال في شهر رمضان: أن جبريل ﵊ نسخه من اللّوح المحفوظ، ونزل به جملة واحدة، ووضعه في السّماء الدّنيا في مكان يسمّى بيت العزّة، وقد صادف ذلك ليلة القدر، قال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقال جل ذكره: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ ثم نزل به جبريل الأمين على الرسول ﷺ مفرّقا في ثلاث وعشرين سنة، على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال والحاجات. هذا؛ وقرآن مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. وخذ قول عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [١٧]: [الوافر] ذراعي عيطل أدمان بكر... هجان اللّون لم تقرأ جنينا «لم تقرأ جنينا»: لم تضم، ولم تجمع في رحمها ولدا قط. وهو في اللّغة مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء، قرآنا: إذا جمعته. وبمعنى القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدّفتين، المتعبّد بتلاوته المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة الناس. وهذا التعريف متّفق عليه بين العلماء والأصوليين، أنزله الله؛ ليكون دستورا للأمة، وهداية للخلق أجمعين، وليكون آية دالة على صدق الرسول ﷺ ، وبرهانا ساطعا على نبوته، ورسالته، وحجّة قائمة إلى يوم الدين، تشهد: أنّه تنزيل الحكيم الحميد، بل هو المعجزة الخالدة، التي تتحدى الأجيال، والأمم على مر الأزمان، ومرّ الدهور. ورحم الله شوقي إذ يقول: [البسيط] جاء النّبيّون بالآيات فانصرمت... وجئتنا بكتاب غير منصرم آياته كلّما طال المدى جدد... يزينهنّ جمال العتق والقدم وللقرآن أسماء عديدة، كلّها تدلّ على رفعة شأنه، وعلوّ مكانته، وعلى أنّه أشرف كتاب سماوي على الإطلاق، فيسمّى: القرآن، والفرقان، والتنزيل، والذّكر، والكتاب، والنور، والهدى... إلخ، كما وصفه الله بأوصاف عديدة، منها: نور، وهدى، ورحمة، وشفاء، وموعظة، وعزيز، ومبارك، وبشير، ونذير إلى غير ذلك من الأوصاف التي تشعر بعظمته، وقدسيّته. ويحرم على محدث حدثا أكبر: قراءته، ومسّه، وحمله، وعلى المحدث حدثا أصغر: حمله، ومسّه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب. قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٠٦]: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾. وعلى

стр. 424

اعتباره مصدرا جاء قول الشاعر-مع اختلاف في قائله، والمراد به عثمان بن عفّان-﵁، وهو الشاهد رقم [٣٩٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط] ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به... يقطّع اللّيل تسبيحا وقرآنا أي: قراءة. ﴿هُدىً لِلنّاسِ﴾ أي: هاديا لهم من الضّلالة. ﴿وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ أي: آيات، ودلائل، وحجج مبينة، واضحة، جلية لمن فهمها، وتدبرها، دالة على صحّة ما جاء به محمّد ﷺ من الهدى المنافي للضّلال، والرشد المخالف للغيّ، ومفرقا بين الحقّ، والباطل، والحلال، والحرام. ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ:﴾ أي: إيجاب حتم على من حضر استهلال الشهر، وهو صحيح مقيم مطيق للصوم، مع صحة إسلامه أن يصوم أيام رمضان، وهذه الجملة ناسخة للإباحة المتقدّمة في الآية السابقة. ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ انظر الآية السابقة ففيها الكفاية. ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ أي: التيسير، والتسهيل، فلذا أباح لكم الفطر في المرض، والسّفر، ونحوهما من الأعذار. ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ:﴾ التعسير، والتشديد في الأحكام. ففي الجملتين من المحسنات البديعية طباق السّلب. هذا؛ ويقرأ بتسكين السين في الكلمتين، وضمهما. وقال عيسى بن عمر رحمه الله تعالى: كلّ اسم على ثلاثة أحرف وسطها ساكن، فمن العرب من يخفّفه، ومنهم من يثقّله، وذلك مثل: حلم، ورحم، وعسر... إلخ. هذا؛ ودلت الآية الكريمة على: أنّ الله سبحانه مريد بإرادة قديمة أزلية، زائدة على الذّات. هذا مذهب أهل السّنّة، كما أنّه جلّت قدرته عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، وهذه كلّها معان وجودية أزلية زائدة على الذّات. وذهب المعتزلة، والشّيعة إلى نفيها، والّذي يقطع دابر هؤلاء أن يقال: لو لم يصدق كونه ذا إرادة؛ لصدق: أنه ليس بذي إرادة، ولو صح ذلك؛ لكان كل ما ليس بذي إرادة ناقصا بالنسبة إلى من له إرادة، فلم يبق إلا أن يكون الذي لم يتّصف بالإرادة أنقص ممّن هو متّصف بها، ولا يخفى ما فيه من المحال، فإنّه كيف يتصوّر أن يكون المخلوق أكمل من الخالق، والبديهة تقضي بردّه، وإبطاله، وقد وصف الباري نفسه ﷻ ، وتقدّست أسماؤه بأنّه مريد، فقال تعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وقال جل شأنه: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وقال جلت قدرته: ﴿وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي: عدّة أيام رمضان، وذلك بقضاء ما فاتكم منه بسبب المرض، والسفر، وغيرهما من الأعذار المبيحة للإفطار. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ أي: في يوم عيد الفطر، وليلته، قال الرسول ﷺ : «زيّنوا أعيادكم بالتّكبير». ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ أي: أرشدكم لمعالم

стр. 425

دينه، ووفقكم للقيام بها على الوجه الأكمل. وقيل: لما ضلّ فيه النصارى من تبديل صيامهم، ولما كانت الجاهلية تفعله، فأرشدكم إلى الحقّ والصواب، وتولاكم بعنايته، ورعايته. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على نعمه، وتوفيقه للقيام بطاعته، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا، واحتسابا؛ غفر له ما تقدّم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا، واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه». أخرجه الشيخان، وغيرهما. وعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النّبيّ ﷺ قال: «من صام رمضان، وعرف حدوده، وتحفّظ ما ينبغي له أن يتحفّظ؛ كفّر ما قبله». رواه ابن حبّان. والأحاديث في الترغيب في فضل رمضان كثيرة جدّا موجودة في الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وغيره، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة، ولا مرض؛ لم يقضه صوم الدّهر كلّه؛ وإن صامه». أخرجه الترمذيّ، وغيره. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «عرا الإسلام، وقواعد الدّين ثلاثة، عليهنّ أسّس الإسلام، من ترك واحدة منهنّ؛ فهو بها كافر، حلال الدّم: شهادة أن لا إله إلاّ الله، والصّلاة المكتوبة، وصوم رمضان». الإعراب: ﴿شَهْرُ:﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿الَّذِي﴾. أو هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: ذلكم، أو: هو شهر، أو: الأيام المعدودة شهر... إلخ، أو هو بدل من الصيام على حذف مضاف؛ أي: كتب عليكم الصّيام صيام شهر... إلخ، وعلى هذه الأوجه ف ﴿الَّذِي﴾ صفة: ﴿شَهْرُ﴾. هذا وقرئ بالنصب («شهر») وخرّج على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «أياما تصوموا». والثاني: على إضمار: أعني، والثالث: أن يكون منصوبا ب ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أو ب (﴿أَنْ تَصُومُوا﴾). ولم يجوّز هذا النحاس؛ لأنه يدخل في الصّلة، ثم يفرق بين الصلة والموصول، وهو يعني بالصّلة والموصول: (أن) والفعل المضارع: ﴿تَصُومُوا﴾. وقال: يجوز أن تنصبه على الإغراء، أي: الزموا شهر رمضان، وصوموا شهر رمضان. واستبعد هذا القرطبيّ. و ﴿شَهْرُ﴾ مضاف، و ﴿رَمَضانَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، وزيادة الألف والنون. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر، أو نعت ل ﴿شَهْرُ،﴾ وعلى نصبه فهو نعت فقط. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الْقُرْآنُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿هُدىً:﴾ حال من: ﴿الْقُرْآنُ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل

стр. 426

عليها، وليست عينها، وهو بمعنى: هاديا. ﴿لِلنّاسِ﴾ متعلقان ب ﴿هُدىً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَبَيِّناتٍ:﴾ معطوف على: ﴿هُدىً﴾ منصوبه مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مِنَ الْهُدى:﴾ متعلقان ب (﴿بَيِّناتٍ﴾) أو بمحذوف صفة له، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذر. ﴿وَالْفُرْقانِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو على تقدير حرف الجر؛ أي: ومن الفرقان. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿شَهِدَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، العائد إلى (من) و (من) بيان لما أبهم فيه. ﴿الشَّهْرَ﴾ مفعول به، وقيل: هو ظرف متعلق بالفعل قبله. ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. واللام: لام الأمر. (يصمه): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى (من)، والهاء عائدة على الشّهر على الوجهين المعتبرين فيه: ظرف زمان، أو مفعول به على السّعة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ صلته الجملة بعده، وخبره جملة: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ انظر الآية السابقة ففيها الكفاية، فهي مثلها محلاّ، وإعرابا. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْيُسْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية تعليل للتّرخيص في إفطار المريض، والمسافر، ونحوهما في شهر رمضان، والتي بعدها معطوفة عليها، مفيدة للتعليل مثلها. ﴿وَلِتُكْمِلُوا:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿لِتُكْمِلُوا﴾): اللام: لام التعليل. (تكملوا): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعِدَّةَ:﴾ مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محلّ جرّ باللام، والجار والمجرور معطوفان في المعنى على الجملة الفعلية السّابقة المفيدة للتعليل، وإعراب: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ مثلها، والجار والمجرور بعد التأويل معطوفان أيضا على ما قبلهما. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ مصدرية، ﴿هَداكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به، والمتعلق محذوف، التقدير: إليه، و ﴿ما﴾ المصدرية والفعل (﴿هُدىً﴾) في تأويل مصدر في محل جرّ ب ﴿عَلى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: لتكبروا الله على هدايتكم؛ أي: هدايته إيّاكم. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ تقدّم إعراب مثلها كثيرا، وهي معطوفة على ما قبلها، ومفيدة للتعليل أيضا.

стр. 427

هذا وقدّر الجمل، والبيضاوي فعلا لتعليق هذه العلل، فقالا: وشرع الله تلك الأحكام على سبيل اللّف فإنّ قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ علّة للأمر بمراعاة العدّة، وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ علّة للأمر بالقضاء، وبيان كيفيته، وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ علّة للترخيص، والتيسير، ثمّ قال الجمل-رحمه الله تعالى-: وهذا نوع من اللّف لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبيينه إلا النقّاد من علماء البيان. انتهى. بعد هذا يجوز عطف (﴿لِتُكْمِلُوا﴾) و (﴿لِتُكَبِّرُوا﴾) على ﴿الْيُسْرَ﴾ و ﴿الْعُسْرَ﴾ وعليه في اللام أوجه، أحدها: أنها مزيدة في مفعول الإرادة. قاله الزمخشري في غير هذا الموضع، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له، لما فيها من معنى الإرادة. وقال ابن عطية-رحمه الله تعالى-: اللام مؤكدة دخلت على المفعول؛ لأن التّقدير: يريد الله بكم اليسر، وتكميل العدة والتكبير في يوم العيد، وليلته. والثاني: أنها لام العلّة، وهذا تقدّم. والثالث: أنها بمعنى «أن» الناصبة، وأنها نصبت الفعل بنفسها، قال الفراء: العرب تجعل لام «كي» في موضع «أن» في أراد، وأمر، وإليه ذهب الكسائي أيضا، انظر الآية رقم [٣٢] من سورة (التوبة) والآية رقم [٣٣] من سورة (الأحزاب) والآية رقم [٢٦] من سورة (النساء) والآية رقم [٧١] من سورة (الأنعام) والآية رقم [٨] من سورة (الصف)، ومثل ذلك قول كثيّر-وهو الشّاهد رقم [٣٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] أريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ الشرح: ﴿عِبادِي﴾ جمع: عبد، وهو الإنسان، حرّا كان، أو رقيقا، ويقال للملوك: عبد قن، وله جموع كثيرة، أشهرها: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، والإضافة إضافة تشريف، وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنّبيّ ﷺ اسم أشرف منه وأعظم؛ لسماه به حينما أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقال جلّ ذكره: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ..﴾. وفي معناه أنشدوا: [السريع] يا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السّامع والرّائي لا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنّه أشرف أسمائي ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ أي: منهم، أي: بالاطلاع على أحوالهم، وأقوالهم، وأفعالهم. ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ أي: بإعطائه ما سأل. ﴿دَعانِ:﴾ سألني حوائجه، وما يريد من خيري الدّنيا، والآخرة،

стр. 428

وهذا وعد من السميع العليم بإعطاء العبد سؤله. هذا؛ والياءان من قوله: ﴿الدّاعِ﴾ و ﴿دَعانِ؛﴾ من الزوائد عند القرّاء، ومعنى ذلك: أنّ الصحابة لم تثبت لها صورة في المصحف، فمن القرّاء من أسقطها تبعا للرّسم وقفا، ووصلا، ومنهم من يثبتها في الحالين، ومنهم من يثبتها وصلا، ويحذفها وقفا. ومثل هذا كثير مثل قوله تعالى في سورة (القمر): ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: بالطاعة، والخضوع، والامتثال لأمري. فيما آمر به، وفيما أنهى عنه. هذا؛ وأجاب، واستجاب بمعنى، فالسين والتاء زائدتان، انظر: ﴿اِسْتَوْقَدَ﴾ في الآية رقم [١٧]. ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي:﴾ هذا أمر بالثبات على الإيمان، والمداومة عليه. هذا؛ وقال القرطبيّ: الدّعاء هنا بمعنى: العبادة، والإجابة بمعنى: القبول، فصار المعنى: أقبل عبادة من عبدني. دليله ما رواه أبو داود عن النّعمان بن بشير-﵄-عن النّبي ﷺ قال: «الدّعاء هو العبادة، قال ربّكم: ادعوني أستجب لكم» فسمّى الدعاء عبادة. أقول: إبقاء الكلام على ظاهره من أنّ المراد الدّعاء أولى، وأصحّ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ:﴾ يهتدون، ويوفّقون إلى ما فيه خيرهم، وصلاحهم. هذا؛ والرّشد، والرّشد، والرّشاد: الهدى، والاستقامة، وضدّه: الغيّ، والضّلال، والفساد. والفعل رشد يأتي من الباب الأول، رشد، يرشد رشدا، ومن الباب الرّابع رشد، يرشد رشدا. تنبيه: روي: أنّ جماعة من الصّحابة قالوا: يا رسول الله! أقريب ربّنا، فنناجيه، أم بعيد، فنناديه؟ فنزلت الآية الكريمة. وقال ابن عبّاس-﵄: قال يهود المدينة: يا محمّد! كيف يسمع ربنا دعاءنا؛ وأنت تزعم أنّ بيننا وبين السّماء خمسمائة عام، وأن غلظ كلّ سماء مثل ذلك؟! هذا؛ وما ذكر في الكتاب والسنّة من قرب الله، ومعيّته لا ينافي ما ذكر من علوّه، وفوقيته، فإنه سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وفي الحديث الصحيح عن النبيّ ﷺ : «إنّ الّذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». تنبيه: لعلّك تدرك معي: أنّ هذه الآية معترضة بين سابقتها، ولاحقتها؛ لأنّ الآيتين، بل الآيات كلّها متعلقة بأحكام صيام رمضان. هذا؛ وإنّ الغرض من إقحام هذه الآية بينهما هو الاهتمام بالدّعاء، وبيان فضله، والحثّ على الإكثار منه، وأنّه عند الله بمقام عظيم، وأجر جزيل، ولذا قال النبيّ ﷺ : «الدّعاء مخّ العبادة»، رواه الترمذيّ عن أنس، ﵁. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الدّعاء سلاح المؤمن، وعماد الدّين، ونور السّماوات، والأرض». رواه الحاكم. وعن سلمان الفارسيّ-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله حييّ كريم، يستحيي إذا رفع الرّجل إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة.

стр. 429

وعن ابن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من نزلت به فاقة، فأنزلها بالنّاس؛ لم تسدّ فاقته، ومن نزلت به فاقة، فأنزلها بالله؛ فيوشك الله برزق عاجل، أو آجل». رواه أبو داود، والترمذي، والحاكم. وعن عائشة-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يغني حذر من قدر، والدّعاء ينفع ممّا نزل، وممّا لم ينزل، وإنّ البلاء لينزل، فيلقاه الدّعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة». رواه الطّبرانيّ، وغيره. وانظر ما ذكرته في سورة (الأعراف) رقم [٥٥] فإنّه جيد، والحمد لله! والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة مسطورة في (الترغيب والترهيب) للحافظ المنذري. وانظر فيه شروط الدّعاء، وأركانه، وآدابه لتحقيق الإجابة. وأهم ركن، وأعظم شرط لإجابة الدّعاء هو أكل الحلال، ولولا الإطالة عليك؛ لذكرتها لك، وانظر الآية رقم [١٧٢] المتقدّمة، وانظر رقم [١١] من سورة (الإسراء) وسورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وقد نهانا الرسول ﷺ عن الدّعاء على أنفسنا، وأولادنا؛ فعن جابر-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم». رواه مسلم. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿سَأَلَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿عِبادِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿عَنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على القول المشهور المرجوح، وهذا يعني: أنّ (﴿إِذا﴾) متعلقة بجوابها. وضعفه ابن هشام في المغني لاقتران الجواب بالفاء، ولا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها. ﴿فَإِنِّي:﴾ الفاء: واقعة في جواب (﴿إِذا﴾). (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿قَرِيبٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية جواب (﴿إِذا﴾): لا محل لها، وقال أبو البقاء: هو على تقدير: فقل لهم: إنّي قريب. ﴿أُجِيبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا» والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل (إنّ)، وقيل: نعت ل ﴿قَرِيبٌ﴾ والأول أولى. ﴿دَعْوَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الدّاعِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة، أو الثابتة، كما رأيت في الشرح، وهو من إضافة المصدر لمفعوله، ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل: ﴿أُجِيبُ،﴾ مبني على السكون في محل نصب. ﴿دَعانِ﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى الدّاع، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للتّخفيف في محل نصب مفعول به، والنون للوقاية، والكسرة دالة على الياء المحذوفة. هذا؛ وجوز اعتبار (﴿إِذا﴾) شرطية. والأول أقوى.

стр. 430

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا منّي... إلخ، اللام: لام الأمر. (يستجيبوا): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها جواب للشرط المقدر ب ﴿إِذا﴾ كما رأيت، والشرط المقدر، ومدخوله كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، والجملة: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمه. ﴿يَرْشُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعل)، والجملة الاسمية مفيدة للتوقع، والترجّي، والتعليل، لا محلّ لها. تنبيه: وما ذكره أبو البقاء من تقدير: «قل» قبل الجملة الاسمية: ﴿فَإِنِّي..﴾. إلخ؛ فقد قاسه على مثل قوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً﴾ ولكن عدم التقدير أولى وأبلغ، ولأن الله قد تولى جوابهم بنفسه إشعارا بفرط قربه منهم، وحضوره مع كل سائل؛ بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوي الحاجات. انتهى صابوني، وهو جيد إن شاء الله تعالى. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَاِبْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ الشرح: ﴿أُحِلَّ:﴾ الحلال ضدّ الحرام، انظر الآية رقم [٨٥] ولفظ ﴿أُحِلَّ﴾ يوحي أنّ شيئا كان محرما قبل ذلك، ثم نسخ كما ستعرفه. ﴿لَيْلَةَ الصِّيامِ﴾ أي: ليالي صيام رمضان. ﴿الرَّفَثُ:﴾ يطلق على الكلام الفاحش، والقبيح بين الناس، والمراد به: الجماع، فقد كنى الله به عنه، وعدّي ب ﴿إِلى﴾ لتضمّنه معنى الإفضاء، وهو من الكنايات الحسنة، كقوله تعالى: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ وقوله جل ذكره: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ وقوله تعالت حكمته: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ قال ابن عباس-﵄: إن الله- كريم، حليم، يكني.

стр. 431

﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ:﴾ هذه استعارة بديعة، وأصل اللباس في الثياب، فقد شبه الله كلّ واحد من الزوجين لاشتماله على صاحبه في العناق، والضم باللباس المشتمل على لابسه، وسمّي امتزاج كلّ واحد من الزّوجين بصاحبه لباسا، لانضمام الجسد إلى الجسد، وامتزاجهما، وتلازمهما بالثّوب، قال النابغة الجعدي-﵁: [الرمل] إذا ما الضّجيع ثنى جيدها... تداعت فكانت عليه لباسا وقال أيضا-وهو كناية عن جيل عاصره، ثمّ فني الجيل، وبقي حيّا؛ يريد بذلك بيان عمره الطّويل-: [المتقارب] لبست أناسا فأفنيتهم... وأفنيت بعد أناس أناسا وقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء، وواراه: لباس، فجائز أن يكون كلّ واحد منهما سترا لصاحبه عمّا لا يحل. كما ورد عن النبي ﷺ قوله: «من رزقه الله امرأة صالحة؛ فقد أعانه على شطر دينه، فليتّق الله في الشّطر الثّاني». رواه الطّبرانيّ في الأوسط، والحاكم عن أنس، ﵁. وفي رواية للبيهقيّ قال رسول الله ﷺ : «إذا تزوّج العبد؛ فقد استكمل نصف الدّين، فليتّق الله في النّصف الباقي». أقول: وهذا المعنى هو أولى ما تفسر به الآية، فإنّ الرجل، والمرأة حينما يكون أحدهما عزبا، فإنه يكون عرضة لكلام الناس، فحينما يتزوج تنقطع ألسنة الناس عنه. هذا بالإضافة لما فهم من الحديث الشريف من تحصين الفرج، وغضّ البصر، فصار كلّ منهما لباسا لصاحبه بهذا المعنى، وقدّم سبحانه قوله: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ تنبيها على شدّة احتياج الرّجل للمرأة، وعدم صبره عنها، ولأنّه هو البادئ بطلب ذلك منها، وعليه؛ فينبغي لكلّ منهما أن ينتقي هذا اللباس من أهل التّقوى، والدّين، والأحاديث التي ترغب في اختيار الزّوجين موجودة في كتاب الترغيب، والترهيب، وغيره، لا أطيل الكلام في ذلك، وخذ ما يلي: عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة؛ فليتزوّج، فإنّه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم، فإنّه له وجاء». رواه الستّة ما عدا ابن ماجة. ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ:﴾ تظلمون أنفسكم بتعريضها للعقاب، وتنقيص حقها من الثواب. والاختيان أبلغ من الخيانة، كالاكتساب من الكسب، وسمّاه الله: خائنا لنفسه؛ من حيث كان ضرره عائدا عليه، وكلّ عاص لله خائن لنفسه بتعريضها للعقاب، وتنقيص حقّها من الثواب، وألف: ﴿تَخْتانُونَ﴾ مبدلة من الواو؛ لأنه من: خان، يخون، وتقول في الجمع: خونة، واسم الفاعل: خائن، وأصله: خاون؛ مثل: قائل، أصله: قاول.

стр. 432

﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ:﴾ قبل توبتكم، ووفّقكم للتوبة، والاعتراف بالذّنب. ﴿وَعَفا عَنْكُمْ:﴾ أي: تجاوز عنكم، ولم يعاقبكم بذنوبكم. ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ:﴾ كناية عن الجماع، كما تقدّم، وسمّي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه، وأطلقت على الجماع للزومها فيه. وهذا الأمر، والثلاثة بعده للإباحة. ﴿وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ:﴾ اطلبوا ما قدّره الله لكم من الولد، وما يتبع ذلك من قصد التحصين، والعفة بالنسبة للرّجل، والزوجة، وبهذا القصد يؤجر الرجل على هذا العمل، ويؤيّده قول الرسول ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي ذرّ-﵁: «وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام؛ أكان عليه وزر؟» قالوا: نعم، قال: «فكذلك إذا وضعها في حلال؛ كان له أجر». أقول: ولكنّ الأجر متوقف على القصد؛ الّذي ذكرته. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا:﴾ قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في المغني: إذا تعلّق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليه، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثابت، ولا يسمّى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٩]: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ وأيضا ما في هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (الإنسان) رقم [٢٠]: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ،﴾ إذ المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء، والإماتة، وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم؟ وأوقعوا الأكل والشرب، وذروا الإسراف، وإذا حصلت منك رؤية هنالك. ومنه على الأصح قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٢٣]: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ..﴾. إلخ ألا ترى: أنّ موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-إنما رحمهما؛ إذ كانتا على صفة الذياد، وقومهما على السّقي، لا لكون المسقي غنما ومسقيهم إبلا، وكذلك المقصود من قولهما: (﴿نَسْقِي﴾) السّقي، لا المسقي، ومن لم يتأمل قدّر: يسقون إبلهم، وتذودان عنهما، ولا نسقي غنما. انتهى. ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ﴾ يقال: تبين الشيء، وبان، وأبان، واستبان، كلّه بمعنى واحد، وهو لازم، وقد يستعمل بعضها متعديا. ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ..﴾. إلخ: شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، وما يمتدّ معه من غبش الليل بخيطين: أبيض وأسود، واكتفى سبحانه ببيان الخيط الأبيض بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه، وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل. بيضاوي. وينبغي أن تعلم: أن الفجر الذي يحرم بطلوعه الطّعام، ويحلّ به الصّلاة هو الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة. روى مسلم-رحمه الله تعالى-عن سمرة بن جندب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغرّنّكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا؛ حتّى يستطير هكذا». وحكاه حماد بيديه، قال: يعني: معترضا. وروى الدّارقطني عن عبد الرحمن بن عباس: أنه بلغه أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «هما فجران: فأمّا الّذي

стр. 433

كأنّه ذنب السّرحان؛ فإنّه لا يحلّ شيئا، ولا يحرّمه، وأمّا المستطيل الّذي عارض الأفق؛ ففيه تحلّ الصّلاة، ويحرم الطّعام». هذا مرسل. وروى الدّارقطني عن عائشة-﵂-عن النبي ﷺ قال: «من لم يبيّت الصّيام قبل طلوع الفجر؛ فلا صيام له». قال الشاعر: [البسيط] الخيط الأبيض ضوء الصّبح منفلق... والخيط الاسود جنح اللّيل مكتوم ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ:﴾ فإذا جاء الليل؛ فقد حلّ الأكل، والشّرب، والجماع، وكلّ شيء كان محظورا، كما جاء في الصحيحين من قول الرسول ﷺ : «إذا أقبل اللّيل من هاهنا، وأدبر النّهار من هاهنا فقد أفطر الصّائم». ويستحبّ تعجيل الإفطار، لما رواه سهل بن سعد الساعدي-﵁-عن النبي ﷺ قال: «لا يزال النّاس بخير ما عجّلوا الفطر». أخرجه أحمد، والترمذيّ. ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ:﴾ لا تجامعوا النساء، وأنتم مقيمون في المساجد بنية الاعتكاف. والمعلوم: أنّ الجماع في المسجد حرام، بل هو كبيرة من غير نيّة الاعتكاف، ولكن المراد: أنّ الجماع لا يجوز للمعتكف، ولو في بيته ما دام متلبسا بنيّة الاعتكاف، وهذا إذا كان الاعتكاف منذورا، أو مقيّدا بمدة معلومة، فأما إذا كان مطلقا، وتطوعا، فله إبطال نيته، والجماع، ثم إذا أراد الاعتكاف؛ فليجدّد نيته. هذا؛ وأقلّ الاعتكاف عند مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد: يوم وليلة، وشرطه الصّوم، وعند الشافعيّ، وقول آخر لأحمد: أقلّه لحظة، ولا حدّ لأكثره، وليس من شرطه الصوم، لذا يندب في حق الدّاخل المسجد أن ينوي الاعتكاف، ولو دخل لأداء الصّلاة المفروضة عند الشّافعيّ. ونرجو من الله الأجر والثواب إن تأدب الدّاخل بآداب المسجد، وأمّا إن دخل يهرهر، وخرج يهرهر؛ فبشره بالوزر، وويل له إن جلس بعد الصّلاة، وتكلم الكلام في الدّنيا من غير ذكر، فبشره بأنه يخرج من المسجد محملا بالأوزار، وعرضة لغضب الواحد القهار. والأحاديث التي تشدّد النكير على الذين يجعلون المسجد مقهى كثيرة مشهورة مسطورة، أكتفي منها بما يلي: عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «سيكون في آخر الزّمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة». رواه ابن حبان. وفي رواية: «فلا تجالسوهم، فليس لله فيهم حاجة». ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي: الأحكام التي ذكرت في هذه الآية، جمع: حدّ، وهو في اللغة: الحاجز بين شيئين متجاورين، والمراد هنا: الحدّ الفاصل بين الحلال والحرام، فلذا يعاقب من تجاوزه بالحدّ، وهو العقوبة المقرّرة لذلك. ﴿فَلا تَقْرَبُوها:﴾ نهى عن قربانها، فضلا عن انتهاكها، والقاعدة: أنّ الأحكام إذا كانت نواهي، يقال فيها: فلا تقربوها؛ على حدّ قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى،﴾ ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ وهكذا، وإن كانت أوامر، يقال فيها: (لا ﴿تَعْتَدُوها﴾) أي: لا تتجاوزوها، كما في الآية رقم [٢٢٨] الآتية، وما هنا من قبيل الأوّل، والآية الأخرى من قبيل الثاني، فكلّ جاء على ما يليق به. انظر الآية رقم [٢٢٨] ففيها بحث جيّد، والحمد لله!.

стр. 434

﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ﴾ أي: كما بيّن الصيام، وأحكامه، وشرائعه، وتفاصيله، كذلك يبين سائر أحكام الشريعة على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ . ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يعرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون؟ فيبتعدون عن المعاصي، أو ينتظمون في سلك المتقين. والترجّي في هذه الآية، وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يقع منه ترجّ لعباده، وأعمالهم. تعالى عن ذلك علوّا كبيرا! تنبيه: سبب نزول الآية الكريمة: أنّه كان في ابتداء الأمر بالصّوم إذا أفطر الصائم عند الغروب؛ حلّ له الطعام، والشّراب، والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة، أو ينام قبلها، فإذا صلّى، أو رقد قبلها؛ حرم عليه ذلك كله إلى الليلة القابلة، ثم إن عمر بن الخطاب-﵁-واقع أهله بعد ما صلّى العشاء، فلما اغتسل؛ أخذ يبكي، ويلوم نفسه، ثم أتى النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله، وإليك من هذه الخطيئة، وإنّي رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء، فوجدت رائحة طيبة، فسولت لي نفسي، فجامعت أهلي. فقال النّبيّ ﷺ : «ما كنت جديرا بذلك يا عمر!» فقام رجال، فاعترفوا بمثل ذلك، فنزل في عمر، وأصحابه-﵃-أجمعين، قول الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ..﴾. إلخ. وعن البراء بن عازب-﵁-قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائما، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته، ولا يومه؛ حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري-﵁-كان صائما، فلمّا حضر الإفطار؛ أتى امرأته، فقال: أعندك طعام؟ قالت: لا، لكن انطلق، فأطلب لك طعاما، وكان يومه يعمل، فغلبته عينه، فنام، فجاءته امرأته، فلما رأته نائما؛ قالت: خيبة لك يا قيس! فلمّا انتصف النهار؛ غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت الآية الكريمة، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا..﴾. إلخ. تنبيه: من أكل، أو شرب ناسيا؛ فإنه لا يفطر، سواء أكان الصّوم فرضا، أم تطوّعا، لقوله ﷺ : «من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتمّ صومه، فإنّما أطعمه الله، وسقاه». ومن جامع في رمضان فإنّه يفطر، وتفطر المرأة، وتجب الكفارة على الفاعل فقط عند الشّافعي رحمه الله تعالى، وعند مالك، وأبي يوسف، وأصحاب الرأي تجب على الرّجل، والمرأة، وتوسّط أبو حنيفة، فقال: إن طاوعته؛ فعليها الكفارة مثله، وإن أكرهها؛ فلا كفارة عليها، وأظنّ: أن هذا مذهب أحمد بن حنبل أيضا، رحم الله الجميع برحمة واسعة، ورحمنا معهم. هذا؛ وأما الفطر في رمضان عامدا متعمدا من غير عذر، ومن غير جماع؛ فيجب عليه القضاء فقط عند الشّافعي، والقضاء مع الكفارة عند غيره، وتأوّل الشافعي الحديث الّذي رواه الترمذيّ عن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة، ولا مرض؛ لم يقضه صوم الدهر كله؛ وإن صامه» بأنّ المراد بتحصيل الأجر، والثواب؛ الذي يفوته

стр. 435

بفطره ذلك اليوم. وأرى: أن رأيه جدير بالاعتبار، وإذا أخذنا برأي غيره، ماذا يفعل من بلغ من العمر في هذه الأيام الثلاثين، والأربعين سنة؛ وهو لا يصوم شهرا، ولا أياما، ثم راجع نفسه، وصار يصلّي، فنراه يقضي ما فاته من صلاة، بينما لا يذكر ما فاته من صيام، ولا يخطر له على بال. الإعراب: ﴿أُحِلَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَيْلَةَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. هذا هو المشهور، ورده الجمل بقوله: وليس بشيء؛ لأنّ الإحلال ثابت قبل ذلك الوقت، وفيه قول ثان. هو: أنه مدلول عليه بلفظ الرّفث، تقديره: أحل لكم أن ترفثوا ليلة الصيام، وإنّما لم يجز أن ينتصب بالرفث؛ لأنه مصدر مقدّر بموصول، ومعمول الصّلة لا يتقدّم على الموصول. وفيه قول ثالث: أنه متعلّق بالرّفث، وذلك على رأي من يرى الاتساع في الظروف، والمجرورات. انتهى جمل بتصرف. و ﴿لَيْلَةَ﴾ مضاف، و ﴿الصِّيامِ﴾ مضاف إليه. ﴿الرَّفَثُ:﴾ نائب فاعل: ﴿أُحِلَّ﴾. ﴿إِلى نِسائِكُمْ:﴾ متعلقان بالرّفث، وجملة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة في الإعراب، ومرتبطة بالآيتين السّابقتين في المعنى. ﴿هُنَّ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لِباسٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل، وقال البيضاوي: مستأنفة. وليس بشيء. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿لِباسٌ﴾ ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لِباسٌ:﴾ خبره. ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿لِباسٌ﴾. والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿عَلِمَ اللهُ:﴾ ماض وفاعله. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَخْتانُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ:﴾ في محل نصب خبر: ﴿كُنْتُمْ﴾. وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّكُمْ﴾ و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسدّ مفعولي: ﴿عَلِمَ،﴾ وجملة ﴿عَلِمَ اللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، ولست مفنّدا. وقيل: هي تعليل. ولا وجه له. ﴿فَتابَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تاب): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿عَلِمَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فتبتم، فتاب عليكم، وهذا الكلام معطوف على جملة: ﴿عَلِمَ اللهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَعَفا عَنْكُمْ﴾ معطوفة على جملة: (تاب ﴿عَلَيْكُمْ﴾).

стр. 436

﴿فَالْآنَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (الآن): ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿بَاشِرُوهُنَّ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَابْتَغُوا﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿كَتَبَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ابتغوا الذي، أو: شيئا كتبه الله لكم. هذا؛ والجملتان ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا:﴾ معطوفتان على ما قبلهما، لا محل لهما أيضا، ومفعول الفعلين محذوف، كما رأيت في الشرح. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة، وهي بمعنى: «إلى أن». ﴿يَتَبَيَّنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الْخَيْطُ:﴾ فاعله. ﴿الْأَبْيَضُ:﴾ صفته. ﴿مِنَ الْخَيْطِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾. ﴿الْأَسْوَدِ:﴾ صفة له. ﴿مِنَ الْفَجْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال أخرى من ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ وهما بمعنى البدل من: ﴿الْخَيْطُ﴾ وعلقهما الجمل بالفعل: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾. وقال أبو البقاء: يجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من الضمير في: ﴿الْأَبْيَضُ﴾ ويجوز أن يكونا تمييزا، والأول أولى بالاعتبار، و «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جرّ ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بأحد الفعلين (﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾) على التنازع. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف. ﴿أَتِمُّوا:﴾ فعل أمر، وفاعله. ﴿الصِّيامِ:﴾ مفعول به. ﴿إِلَى اللَّيْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الصِّيامِ﴾ أي: ممتدّا إلى الليل، وقيل: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تُبَاشِرُوهُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عاكِفُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع اسم فاعل. ﴿فِي الْمَساجِدِ﴾ متعلقان ب ﴿عاكِفُونَ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حُدُودُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (لا ﴿تَقْرَبُوها﴾): إعرابها مثل إعراب: (﴿لا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب

стр. 437

الشرط مقدر ب «إذا» التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فلا تقربوها، والجملة الشرطية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: دخول الفاء هنا عاطفة على محذوف، تقديره: تنبهوا، فلا تقربوها. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. و (ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، التقدير: يبين الله أحكام دينه، وشريعته للناس تبيينا مثل تبيينه أحكام الصيام في هذه الآيات، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿يُبَيِّنُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿آياتِهِ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يُبَيِّنُ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ انظر إعراب مثلها، ومحلها في الآية السابقة. ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ:﴾ لا يأخذ بعضكم مال البعض بالوجه الذي لم يبحه الشرع الشريف، والدين الحنيف. والتعبير ب ﴿أَمْوالَكُمْ﴾ فيه منتهى الردع، والزجر عن أكل مال المسلم؛ لأنه يجب عليك أن تحافظ على ماله، كما تحافظ على مالك، ولأن الاعتداء على ماله كالاعتداء على مالك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٤] فإنّه جيد، والحمد لله! وكلّ من أخذ مال غيره، لا على وجه إذن الشرع؛ فقد أكله بالباطل، ومن الأكل بالباطل أن يحكم الحاكم لك، وأنت تعلم أنك مبطل، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء الحاكم؛ لأنه يقضي بالظاهر، فقد روى الأئمة عن أمّ سلمة-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قطعت له من أخيه شيئا؛ فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من نار». وانظر شرح (الباطل) في الآية رقم [٤٢] ويجمع (باطل) على: أباطيل شذوذا، كما شذّ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع، في جمع: حديث، وعريض، وفظيع. وفي القرطبيّ: وجمع الباطل: بواطل، والأباطيل جمع: البطولة. هذا؛ وأخذ أموال الناس بالباطل يشمل، ويعمّ كلّ مال أخذ بدون وجه شرعيّ، وأبوابه كثيرة متنوعة، أذكر منها على سبيل المثال ما أشاع الفساد، والضّلال: الرّبا بآثامه وشروره، واستغلال النفوذ بأنواعه، وفجوره، والرّشوة بأنواعها، واحتكار البضائع لبيعها بثمن أعلى، وخزنها، وتصريفها بثمن أغلى، والذين يأخذون معاشاتهم، ولا يؤدون أعمالهم، ويقبضون

стр. 438

أجورهم، ويتهرّبون من واجباتهم، والذين يسرقون، ويخونون، ويغشّون، ويختلسون، ويدخل في ذلك: القمار، والخداع، والغصوب، وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، كما يؤخذ بالحياء، إذ ما أخذ بالحياء؛ فهو حرام، أو حرمته الشريعة؛ وإن طابت به نفس مالكه، وحلوان الكهّان، والمنجّمين، والمشعوذين، وأثمان الخمور، والخنازير، وأثمان الملاهي الشاغلة عن ذكر الله تعالى، وربحها، بل وتجارتها حرام، والغبن الفاحش في البيع والشّراء، وأفحش ذلك أكل مال اليتيم بغير حقّ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾. ﴿وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ:﴾ الإدلاء في الأصل: إرسال الدلو في البئر، ثم جعل كلّ إلقاء، أو رفع لقول، أو فعل إدلاء، يقال: أدلى بحجته، أي: أرسلها، والمراد بالإدلاء هنا: الدفع إلى الحاكم بطريق الرّشوة لأجل تغيير الحكم، وإضاعة الحق، وإقامة الباطل. والمعنى في الآية: لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل، الّذي تقدّم ذكره، وبين الإدلاء إلى الحكّام بالحجج الباطلة، والدّعاوى الفاسدة. وهو كقوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ وقيل: المعنى: لا تصانعوا الحكام بأموالكم، وترشوهم؛ ليقضوا لكم بالباطل على غيركم. وهذا القول يترجّح لأن الحكام مظنّة الرّشا، والحيف في الحكم، إلا من عصم الله، وهم قليل. ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ أي: لتأخذوا قطعة، وجزءا، وقسما من أموال الناس. هذا؛ والفريق في الأصل يطلق على الجماعة، والطائفة من الناس، قال تعالى: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ الآية رقم [٣٠] من سورة (الأعراف) وقال جل ذكره في سورة (الشورى) رقم [٧]: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ هذا؛ والإثم: الباطل، والمعصية، والذنب. والإثم: اسم من أسماء الخمرة، قال الشاعر: [الوافر] شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ أنكم مبطلون، وتأكلون أموال الناس بالباطل. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تَأْكُلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿أَمْوالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْباطِلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من واو الجماعة، أو من ﴿أَمْوالَكُمْ﴾ وجملة: ﴿وَلا تَأْكُلُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولا يوجد مناسبة للعطف على ما قبلها. ﴿وَتُدْلُوا:﴾ مضارع معطوف على ما قبله، فهو مجزوم مثله، وجوز أن يكون منصوبا ب «أن» مضمرة بعد الواو على اعتبارها للمعيّة، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله،

стр. 439

والألف للتفريق، وعلى النصب يؤول الفعل مع «أن» المضمرة بمصدر معطوف بواو المعية على مصدر متصيد من الفعل السابق، والتقدير: لا يكن منكم أكل لأموال الناس، وإدلاء بها إلخ. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأيضا: ﴿إِلَى الْحُكّامِ﴾ متعلقان به. ﴿لِتَأْكُلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، «أن» المضمرة والفعل (تأكلوا) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿تُدْلُوا﴾). ﴿فَرِيقاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَمْوالِ:﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقاً﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿أَمْوالِ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِالْإِثْمِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿تَأْكُلُوا﴾ أو بمحذوف حال من واو الجماعة، أو بمحذوف صفة ﴿فَرِيقاً﴾ أي: مقرونا بالإثم. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال، (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اِتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ الشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ أصل «سأل» إذا كان من السّؤال أن يتعدّى إلى مفعولين، نحو قوله تعالى في سورة (هود) على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ رقم [٤٦]، ويجوز أن تقتصر على مفعول واحد، كما تقتصر في أعطيت، وكسوت، نحو قوله تعالى في سورة (الممتحنة) رقم [١٠]: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا﴾ فإذا اقتصرت على مفعول واحد؛ جاز أن يتعدى إلى ذلك الواحد بحرف الجر، كما في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ والتقدير: سأل سائل النبيّ عن عذاب واقع؛ إذ الباء بمعنى «عن». فائدة: كلّ ما جاء في القرآن من السؤال أجيب ب «قل» بلا «فاء» إلا في قوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ..﴾. إلخ فبالفاء؛ لأن الجواب في الجميع كان بعد وقوع السؤال، وفي سورة (طه) كان قبله؛ إذ تقديره: إن سئلت عن الجبال؛ فقل. هذا؛ و (سأل) تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسئول، فيتعدى ب (عن) كهذه الآية، وفي أول سورة (الأنفال) وقد يكون لاقتضاء مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين، نحو: سألت زيدا مالا.

стр. 440

﴿الْأَهِلَّةِ﴾ جمع: هلال، سمّي به القمر لرفع أصواتهم عند رؤيته في جهة المغرب في أوّل الشهر. واختلف اللّغويون إلى متى يسمّى هلالا، فقال الجمهور: يقال لليلتين، وقيل: لثلاث، ثم يكون قمرا. وقال أبو الهيثم: لليلتين من أوّل الشهر، ولليلتين من آخره، وما بينهما قمر. انتهى جمل نقلا عن السّمين. هذا؛ وجمع الهلال على: أهلة، وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالا واحدا في شهر غير كونه هلالا في آخر، فإنّما جمع أحوال من الأهلة، ويريد بالأهلة شهورها، وقد يعبّر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه. وقيل: سمّي شهرا؛ لأن الأيدي تشير بالإشارة إلى موضع الرؤية، ويدلون عليه. وانظر الآية رقم [١٨٤]. ﴿قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ:﴾ تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر، ونقصانه، وهو زوال الإشكال في الآجال، والمعاملات، والأيمان، والحجّ، والعدد، والصّوم، والفطر، ومدّة الحمل، والإجارات، والأكرية إلى غير ذلك من مصالح العباد. ونظيره قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٢]: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ،﴾ وقوله تعالى في سورة يونس رقم [٥]: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾. هذا؛ و ﴿مَواقِيتُ﴾ جمع: ميقات، مثل موازين، ومواعيد، ومواريث، جمع: ميزان، وميعاد، وميراث، والأصل: موزان، وموعاد، وموراث، وموقات، قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، وردت الواو لأصلها في الجمع؛ لأن جمع التكسير يرد الأشياء إلى أصولها. وإنّما خصّ الحج بالذكر؛ لأنّه ممّا يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لم يقع فيه النسيء الّذي كانت العرب تفعله في الجاهلية من تأخير حرمة شهر إلى آخر. تنبيه: لقد استدل مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهما على أنّ الإحرام بالحجّ يصحّ، وينعقد في غير أشهر الحجّ بهذه الآية؛ لأنّ الله تعالى جعل الأهلة كلّها ظرفا لذلك، وخالف في ذلك الشافعي لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ رقم [١٩٧]. ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ أي: ليس البر بدخولكم المنازل من ظهورها، كما كنتم تفعلون في الجاهلية. وانظر: ﴿الْبِرُّ﴾ في الآية رقم [١٧٧]. ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ:﴾ عمل الخير؛ الذي يحبه الله، ويرضاه. ﴿مَنِ اتَّقى:﴾ امتثل أمر الله فيما أمر، واجتنب كل ما نهى عنه، فهذا الذي يقربكم إلى الله. ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها:﴾ ادخلوها كعادة الناس من الأبواب. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تقدّم شرح مثل ذلك كثيرا. هذا؛ وحكى المهدوي، ومكيّ عن ابن الأنباري، والماورديّ عن ابن زيد-رحم الله الجميع-: أنّ الآية مثل في جماع النساء، أمر بإتيانهن في القبل، لا من الدبر، وسمّي النساء بيوتا للإيواء إليهن كالإيواء إلى البيوت. قال ابن عطية: وهذا بعيد مغير نمط الكلام. أقول: بحث ذلك يأتي في الآية رقم [٢٢٢] الآتية، وانظر: (ائتوا) في الآية [٢٣].

стр. 441

فائدة: يجوز عند مالك، وأحمد-رحمهما الله-البيع في السّلم، وغيره إلى الحصاد، أو إلى الدياس، وعند الشّافعيّ، وأبي حنيفة رحمهما لا يجوز إلا بتعيين اليوم، والشهر، ولا خلاف في ذلك بين العلماء في بيع شيء بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهر عربي، أو روميّ. تنبيه: ما في الآية الكريمة ممّا سأل عنه اليهود، واعترضوا به على النّبي ﷺ : فقال معاذ بن جبل-﵁: يا رسول الله! إن اليهود تغشانا، وتكثر مسألتنا عن الأهلّة، فما بال الهلال يبدو دقيقا، ثم يزيد؛ حتى يستوي، ويستدير، ثم ينقص؛ حتى يعود كما كان؟ وكان ناس من الأنصار إذا أحرموا بالحجّ، أو بالعمرة لم يدخل أحد منهم حائطا، ولا دارا، ولا فسطاطا من باب، فإن كان من أهل الدّار نقب نقبا في ظهر بيته، يدخل منه، ويخرج، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء، وكانوا يعدون ذلك برّا، وعملا صالحا، ووجه اتصال الكلام ببعضه: أنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر، وعن حكم دخولهم بيوتهم من غير أبوابها، فنزلت الآية الكريمة في هذين السّببين. تنبيه: في هذه الآية بيان: أنّ ما لم يشرعه الله قربة، ولا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب له به متقرّب. قال ابن خويز منداد: إذا أشكل ما هو برّ، وقربة بما ليس هو برّ، وقربة أن ينظر في ذلك العلم، فإن كان له نظير في الفرائض، والسنن؛ فيجوز أن يكون، وإن لم يكن؛ فليس ببرّ، ولا قربة. انتهى قرطبي. أقول: قد يكون حراما، وبدعة سيّئة، وما أكثر البدع في هذه الأيام، خذ منها الأذكار المشتملة على الرّقص، والدّبك، وما يحدث فيها من الهيام المخترع المسمّى بالحال، وأسوأ السوء فيه ما يحدث من ضرب الشّيش، وغير ذلك من الخزعبلات، والتّدجيل، ولا تنس الموالد وما يكون فيها من مغالاة، وما يقع فيها من إسراف، وتبذير، والمبذرون إخوان الشياطين، وما يحصل فيها من رياء، وحبّ السّمعة، والمحمدة. تنبيه: علماء البلاغة يعدون القسم الأول من الآية الكريمة، بل ويسمّونه: أسلوب الحكيم، ويكون بتنزيل السؤال منزلة سؤال آخر مناسب لحالة المسألة، فجاء الجواب في الآية الكريمة عن الحكمة المترتّبة على ذلك؛ لأنّها أهمّ للسائل، فنزّل سؤالهم عن سبب الاختلاف منزلة السّؤال عن حكمته، ومثلها الآية رقم [٢١٤] الآتية. الإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿عَنِ الْأَهِلَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، ومتعلقه محذوف، التقدير: قل لهم. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مَواقِيتُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿مَواقِيتُ﴾ أو بمحذوف صفة له، وهو أقوى. ﴿وَالْحَجِّ:﴾ معطوف على (الناس)، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدّر.

стр. 442

﴿وَلَيْسَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَيْسَ﴾): فعل ماض ناقص. ﴿الْبِرُّ:﴾ اسمها. ﴿بِأَنْ:﴾ الباء: حرف جر. (أن): حرف مصدري ونصب. ﴿تَأْتُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿الْبُيُوتَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ ظُهُورِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْبُيُوتَ،﴾ (وها): في محل جر بالإضافة، (وأن) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف خبر (﴿لَيْسَ﴾). هذا؛ وقيل: الباء حرف جر صلة، والمصدر مجرور لفظا، منصوب محلاّ، والأول أقوى، وتقدّم له نظائر كثيرة، وجملة: ﴿وَلَيْسَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنَّ﴾) حرف مشبه بالفعل. ﴿الْبِرُّ:﴾ اسمها. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جرّ بإضافة اسم محذوف إليه هو الخبر، التقدير: ولكنّ البرّ برّ من، ومثله الآية رقم [١٧٦]. ﴿اِتَّقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ﴾ وهو العائد، والجملة صلة لها. ﴿وَأْتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة معطوفة على ما قبلها: فهي من جملة مقول القول، مع ملاحظة: أنها إنشائية، والتي قبلها خبرية. ﴿الْبُيُوتَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَبْوابِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿الْبُيُوتَ،﴾ و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة أيضا. قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: ولمّا تقدم جملتان خبريّتان، وهما: (﴿لَيْسَ الْبِرُّ..﴾.) إلخ، ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ عطف عليهما جملتان أمريتان: الأولى للأولى، والثانية للثانية، وهما: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ،﴾ ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾. انتهى نقلا عن السّمين. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ تقدّم إعراب مثلها كثيرا. ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ الشرح: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ..﴾. إلخ هذه الآية أوّل آية نزلت في الأمر بالقتال؛ إذ من المعلوم: أنّ القتال كان محظورا قبل الهجرة، والآيات التي تنهى عن القتال قبل الهجرة، وتحثّ على الصّبر، وتحمّل الأذى من قريش كثيرة، فلمّا هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة؛ أمر بالقتال، فنزلت الآية الكريمة، قاله الرّبيع بن أنس، وغيره، وروي عن أبي بكر الصديق-﵁-

стр. 443

وأرضاه: أنّ أول آية نزلت في القتال قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٣٩]: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ والأوّل أكثر، وأنّ آية الإذن إنما نزلت في القتال غاية لمن قاتل، ولمن لم يقاتل من المشركين، وأن هذه الآية نزلت لمّا تجهز المسلمون لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي قريش بما وعدت من الشّروط، والعهود؛ الّتي عقدت في غزوة الحديبية، ويقاتلون المسلمين، وقد كره المسلمون قتالهم في الحرم، والشّهر الحرام، فنزلت الآية الكريمة تبيح قتال المشركين؛ إن هم قاتلوهم، انظر غزوة الحديبية وما حصل فيها من شروط، وعهود بين المسلمين، وبين المشركين-فإنّه جيد، والحمد لله-وذلك في سورة (الفتح). وفي الآية الكريمة إباحة القتال لمن يقاتل من المشركين دون من ليس من أهل المناصبة، والمقاتلة من الشيوخ، والصبيان، والرّهبان، والنّساء، والزّمنى، والأجراء، إلا أن يكون لأحد منهم إذاية للمسلمين، بقول، أو فعل، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ أي: لا تتجاوزوا ما شرعه الله، وأباحه لكم. تنبيه: لا يذكر في القرآن الكريم لفظ القتال، أو الجهاد؛ إلا ويقرن بكلمة: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الغاية من القتال، والجهاد غاية شريفة نبيلة، هي إعلاء كلمة الله، لا السيطرة، أو المغنم، أو الاستعلاء في الأرض، أو غير ذلك من الغايات الدنيئة. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: المتجاوزين ما شرعه الله لهم. هذا؛ وعدم محبّة الله لهم كناية عن البغض، والسّخط، والغضب، والطرد من رحمته، ورضوانه، ومحبته للعبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. الإعراب: ﴿وَقاتِلُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿قاتِلُوا﴾): فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿يُقاتِلُونَكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَقاتِلُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَعْتَدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿الْمُعْتَدِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.

стр. 444

﴿وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١)﴾ الشرح: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: حيث وجدتموهم، فهو مثل قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٥]: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ بل هذه أعمّ، والأولى أخصّ، لذا قيل: هذه ناسخة لتلك. هذا؛ والثقف في الأصل: الحذق في إدراك الشيء، علما كان، أو عملا، فهو يتضمن معنى الغلبة، يقال: ثقف، يثقف، ثقفا. ويقال: رجل ثقف لقف، أي: خفيف حاذق: إذا كان محكما لما يتناول من الأمور، قال الشاعر: [الوافر] فإمّا تثقفوني فاقتلوني... فمن أثقف فليس إلى خلود ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: أخرجوكم من مكّة كما فعلوا بكم، وقد تمّ ذلك بفضل الله عام الفتح. ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ فسر بالشرك، والأولى تفسيرها بالمحنة؛ التي يفتن بها الإنسان، كالتعذيب، والإخراج من الوطن أعظم من القتل؛ لدوام تعبها، وتألم النفس بها، ومنه قول الشاعر: [الطويل] لقتل بحدّ السّيف أهون موقعا... على النّفس من قتل بحدّ فراق «تقتلوهم»، «يقتلوكم»، «قتلوكم:» هذه الأفعال الثلاثة تقرأ بالألف، وبدونها، ولا يتغيّر معناها، ولا إعرابها. ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ..﴾. إلخ: جاء في الصحيحين من قول الرسول ﷺ : «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحلّ إلاّ ساعة من نهار-وإنّها ساعتي هذه-فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه، فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله ﷺ ؛ فقولوا: إنّ الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم». يعني بذلك ﷺ : قتاله أهله يوم فتح مكّة. هذا؛ ونصّ الآية الكريمة: أنه لا يجوز قتال الكافر حتّى يقاتل في الحرم، ولكن الآية الآتية: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ عمّمت القتال. ﴿كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ:﴾ أي: مثل ذلك جزاؤهم، يفعل بهم مثل ما فعلوا بكم، والجزاء من جنس العمل. الإعراب: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية، معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، مبني على الضم في محل نصب. ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذّكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة:

стр. 445

﴿وَأَخْرِجُوهُمْ:﴾ معطوفة على جملة: (﴿اُقْتُلُوهُمْ﴾) لا محل لها، وإعرابها مثلها. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جرّ ب ﴿مِنْ﴾ وجملة: ﴿أَخْرَجُوكُمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿وَالْفِتْنَةُ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿الْفِتْنَةُ أَشَدُّ﴾): مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، وهو أقوى من الحالية. ﴿مِنَ الْقَتْلِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَشَدُّ،﴾ ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تُقاتِلُوهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿الْمَسْجِدِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به، ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلّقان بالفعل: ﴿تَقْتُلُوهُمْ﴾. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿قاتَلُوكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاقْتُلُوهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اقتلوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، ومتعلقه مع متعلق سابقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، والشرط ومدخوله كلام معطوف، ومفرّع عمّا قبله لا محل له أيضا. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام مقوّية لمضمون الكلام السّابق. ﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾ الشرح: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: عن الكفر بأن أسلموا، وتركوا القتال. ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدّم من ذنوبهم، يرحم كلاّ منهم بالعفو عمّا اجترم، نظيره قوله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ رقم [٣٨]، والرّسول ﷺ قال: «الإسلام يجبّ ما قبله» أي: يمحو جميع ما فعله الكافر من إيذاء، وقتل للمسلمين.

стр. 446

الإعراب: ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِنْتَهَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها بساكنة مع واو الجماعة، وهو في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران ل (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، و (إنّ) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة لا محل لها مثله، والاستئناف ممكن. ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ (١٩٣)﴾ الشرح: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ:﴾ أمر بالقتال لكلّ مشرك في كلّ موضع على قول من رآها ناسخة، ومن رآها غير ناسخة؛ قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ قاتَلُوكُمْ﴾. والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق، لا بشرط أن يبدأ الكفار: دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾. وفي سورة (الأنفال): ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ وقال الرسول ﷺ : «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم، وأموالهم إلاّ بحقّ الإسلام». هذا؛ والفتنة هنا بمعنى الشّرك، ومثله في (الأنفال) رقم [٣٩] والآية رقم [٩١] السّابقة، وتكون الفتنة بمعنى العبرة، كقوله تعالى في سورة (يونس) رقم [٨٥]: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ولها معان أخر بحسب موقعها من الجملة. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا:﴾ أي: عن الكفر، إمّا بالإسلام، كما تقدّم، أو بأداء الجزية، كما رأيت في سورة (التّوبة). ﴿فَلا عُدْوانَ:﴾ المراد به هنا: المعاقبة، والمقاتلة، وسمّى ما يصنع بالظالمين: عدوانا من حيث هو جزاء عدوان؛ إذ الظلم يتضمّن العدوان، فسمّى جزاء العدوان عدوانا من قبيل المشاكلة، وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى، كما في الآية التالية: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وقوله تعالى في آخر سورة (النّحل): ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ومثل ذلك كثير في كتاب الله. قال الزجّاج-رحمه الله تعالى-: العرب تقول: ظلمني فلان، فظلمته؛ أي: جازيته بظلمه، وقال ابن الرقعمق في المشاكلة: [الكامل] أصحابنا قصدوا الصّبوح بسحرة... وأتى رسولهم إليّ خصيصا قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه... قلت: اطبخوا لي جبّة وقميصا

стр. 447

وقال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [١١٤]: [الوافر] ألا لا يجهلن أحد علينا... فنجهل فوق جهل الجاهلينا من ذلك قول الرسول ﷺ : «فإنّ الله لا يملّ؛ حتّى تملّوا» فمعناه أن الله تعالى لا يقطع فضله عنكم حتى تملوا من مسألته، وتزهدوا فيها؛ لأنّ الله لا يملّ في الحقيقة، وإنما نسب الملل إليه لازدواج اللّفظين. هذا؛ وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ تصريح بأن يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان، فهذا المراد والغاية من القتال، كما ثبت في الصّحيحين عن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرّجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». الإعراب: ﴿وَقاتِلُوهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿قاتِلُوهُمْ﴾): فعل أمر، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآيات السابقة، لا محل لها مثلها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَكُونَ:﴾ فعل مضارع تام منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ ﴿فِتْنَةٌ:﴾ فاعله، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب «حتى»، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿حَتّى﴾ بمعنى «كي» أو بمعنى: «إلى أن»، ﴿وَيَكُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يكون): معطوف على سابقه منصوب مثله، وهو يحتمل التّمام والنّقصان، ﴿الدِّينُ:﴾ فاعله، أو اسمه. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل (يكون)، أو هما متعلقان بمحذوف خبره على نقصانه. ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: حرف تفريع، (إن ﴿اِنْتَهَوْا﴾): انظر الآية السابقة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» ﴿عُدْوانَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلَى الظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (لا) وإن كانت بصورة النفي، فهي بالمعنى إثبات، ففي الإثبات تقول: العدوان على الظالمين، فإذا جئت بالنفي، وإلا بقي الإعراب على ما كان عليه. انتهى عكبري. هذا ويجوز أن يكون خبرها محذوفا، تقديره: فلا عدوان على أحد، فيكون الجار والمجرور بدلا من: «على أحد» بإعادة العامل. ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ الشرح: ﴿الشَّهْرُ﴾ انظر الآيتين رقم [١٨٥] و [١٨٩]. ﴿الْحَرامُ:﴾ أي: المحرم، والأشهر المحرمة أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وشهر رجب، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾

стр. 448

﴿عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. الآية رقم [٣٦] من سورة (التوبة). وقال الرسول الأعظم ﷺ في حجّة الوداع: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض، السّنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب الّذي بين جمادى، وشعبان». وسميت حرما لتحريم القتال فيها، وكان القتال محرّما في هذه الأشهر في بدء الإسلام، ثمّ نسخ هذا التحريم، كما ستعرفه فيما يأتي إن شاء الله تعالى، والمعنى: الشهر الحرام مقابل بمثله، أي: فكما قاتلوكم فيه؛ فاقتلوهم في مثله. (الحرمات): جمع: حرمة، وهي ما يجب المحافظة عليه من مال، وعرض، ونسب. هذا؛ والحرام في الأصل كلّ ممنوع، والحرمات كلّ ممنوع منك ممّا بينك وبين غيرك. وقولهم: لفلان بي حرمة، أي: ممتنع من مكروهه. وحرمة الرّجل محظورة به عن غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم هو الممنوع من المال، والتلذّذ به. والإحرام بالحجّ هو المنع من أمور معروفة، وإنّما جمعت الحرمات؛ لأن المراد حرمة الشّهر الحرام، وحرمة البلد الحرام، وحرمة الإحرام بالعمرة. ﴿قِصاصٌ﴾ أي: يجري فيها معاقبة؛ أي: فكما هتكوا حرمة شهركم بالصّدّ عن دخول الحرم، وقاتلوكم في الشهر الحرام؛ فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم عنوة، فاقتلوهم؛ إن قاتلوكم. ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ:﴾ انظر المشاكلة في الآية السابقة، وانظر المعاقبة في الآية رقم [١٢٦] من سورة (النّحل) وانظر المجازاة والانتقام من المعتدي، والظالم في الآية رقم [٤٠] من سورة (الشورى) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، فامتثلوا أمره فيما أمر، واجتنبوا كلّ شيء عنه نهى، وزجر، وراقبوه في جميع أعمالكم، وأقوالكم. وفيه التّحذير من مجاوزة الحدّ في الانتقام من المعتدي أكثر من اعتدائه. هذا ويؤخذ من قضاء الرسول ﷺ العمرة لمّا صدّ عن دخول مكة، وأدائها على أنّ الشروع في الحجّ، والعمرة ملزم بإتمامهما، فإن منع المحرم من أحدهما من الإتمام لسبب من الأسباب؛ وجب عليه القضاء لما منع من أدائه. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: بالنّصر، والمعونة، والتأييد في الدنيا، والآخرة. تنبيه: خرج المسلمون بصحبة النبي ﷺ للعمرة في شهر ذي القعدة في السنة السادسة للهجرة النّبوية، فصدّهم المشركون، ثم وقعت مفاوضات بين الرسول ﷺ وبين المشركين، وانتهت المفاوضات بعقد معاهدة الحديبية المشهورة، ومن شروطها: أن يعود الرسول ﷺ بالمسلمين هذا العام من غير عمرة، على أن يعتمروا في العام القادم، فلمّا أراد المسلمون قضاء العمرة في العام القادم في شهر ذي القعدة؛ خافوا من معارضة قريش لهم، وكرهوا قتالهم في

стр. 449

الشّهر الحرام، فقيل لهم: هذا الشهر الحرام بذلك الشّهر الحرام، وهتكه بهتكه، فلا تبالوا فيه. ومعناه: إن قاتلوكم؛ فقاتلوهم، ولا إثم عليكم، ولا مؤاخذة. الإعراب: ﴿الشَّهْرُ:﴾ مبتدأ. ﴿الْحَرامُ:﴾ صفته. ﴿بِالشَّهْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿الْحَرامُ:﴾ صفة (الشّهر) والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِعْتَدى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَاعْتَدُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اعتدوا): فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، وخبره جملة: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. والأول أقوى؛ لأن وقوع خبر المبتدأ جملة طلبية منازع فيه. والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، ومفرّعة عما قبلها، لا محل لها. ﴿بِمِثْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وقيل: الباء زائدة، و (مثل) صفة لمصدر محذوف، التقدير: اعتدوا عليه اعتداء مثل جناية اعتدائه عليكم، و (مثل) مضاف، و ﴿مَا:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اِعْتَدى عَلَيْكُمْ:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: بمثل الذي اعتدى عليكم به. هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿مَا﴾ مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة (مثل) إليه، أي: بمثل اعتدائه عليكم. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِتَّقُوا﴾): فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وأيضا جملة: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ معطوفة أيضا على ما قبلها. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبرها، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ مضاف إليه مجرور إلخ، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي: (﴿اِعْلَمُوا﴾). ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ الشرح: ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ أي: ابذلوا المال. ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ المراد به هنا: الجهاد بالمال، وهو أمر بالجهاد به بعد الأمر بالجهاد بالنفس، والروح. دلّ على ذلك الأمر به في الآيات

стр. 450

السابقة. وقيل: هو عام في الجهاد، وغيره. وهو الحقّ، انظر شرح: ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ في الآية [١٩٠] ﴿وَلا تُلْقُوا:﴾ الإلقاء: هو الطرح، والرمي. وقيل: معناه هنا: ولا تفضوا. ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ أي: بأنفسكم هكذا فسر. وقيل: الباء سببية، والمفعول محذوف، أي: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم. وانظر شرح (اليد) في الآية رقم [٧٩]. ﴿التَّهْلُكَةِ﴾ مصدر: هلك بكسر اللام، وهو مثل الهلك، والهلاك، والهلوك، فهذه كلها مصادر له، هذا معنى: ﴿وَلا تُلْقُوا..﴾. إلخ؛ أي: بالإسراف في الإنفاق، وتضييع الزوجة، والأولاد، والدستور في ذلك-وهو مما نفخر، ونعتز به-قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٢٩]: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾. وقوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٦٧]: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾. ﴿وَأَحْسِنُوا..﴾. إلخ؛ أي: في جميع أعمالكم، وأقوالكم، وأخلاقكم؛ حتّى يحبّكم الله، وتكونوا من أوليائه المقرّبين. هذا؛ ومضمون الآية وفحواها الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات، ووجوه الطاعات؛ وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوّي المسلمين على أعدائهم، والإخبار عن ترك ذلك بأنّه هلاك، ودمار لمن لزمه، واعتاده. ثم عطف الأمر بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة، ولما سئل الرسول ﷺ عن الإحسان قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». هذا؛ وقال ابن عبّاس-﵄: أنفق في سبيل الله، وإن لم يكن إلا سهم، أو مشقص، لا يقولنّ أحدكم: لا أجد شيئا. ونحوه عن السّدّي- رحمه الله تعالى-: أنفق ولو عقالا، ولا تلق بيدك إلى التهلكة، فتقول: ليس عندي شيء. فائدة: روي: أنّ رجلا من المسلمين حمل على جيش الروم في خلافة الفاروق حتى دخل فيهم، فصاح الناس: سبحان الله! ألقى بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري-﵁: إنّما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار حين أعزّ الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقلنا: لو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها. فنزلت الآية، فكانت التهلكة: الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وترك الجهاد في سبيل الله. أخرجه أبو داود، والترمذي، والنّسائي. فما زال أبو أيوب-﵁-شاخصا في سبيل الله حتى استشهد، ودفن بأرض الروم، وكان ذلك تحت إمرة يزيد في عهد معاوية. فعن البراء بن عازب-﵁-قال له رجل: يا أبا عمارة! قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أهو الرجل يلقى العدو، فيقاتل؛ حتى يقتل؟ قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب الذّنب، فيقول: لا يغفره الله. رواه الحاكم موقوفا، وقال: صحيح على شرط الشّيخين، وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (النساء) فالمعنى متشابه. الإعراب: ﴿وَأَنْفِقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنْفِقُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا،

стр. 451

والمفعول محذوف، تقديره: أنفقوا المال. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تُلْقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿بِأَيْدِيكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجرّ كسرة مقدّرة على الياء للثقل، وقيل: الباء: حرف جر صلة، و (أيديكم): هو المفعول، فهو مجرور لفظا، منصوب محلاّ، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة أيضا، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ مفيدة للتعليل، لا محل لها. وانظر إعراب ما يشبهها في الآية رقم [١٨٩]. ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)﴾ الشرح: المناسبة بين هذه الآيات، والتي قبلها: لمّا ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحكام الصيام؛ أعقب ذلك بذكر أحكام الحج؛ لأن شهوره تأتي مباشرة بعد شهر الصيام، وأمّا آيات القتال، فقد ذكرت عرضا لبيان حكم هامّ، وهو بيان الأشهر الحرم، والقتال فيها، وفيما لو تعرض المشركون للمؤمنين، وهم في حالة الإحرام، هل يباح لهم ردّ العدوان عن أنفسهم، والقتال في الأشهر الحرم؟ فقد وردت الآيات السابقة تبيّن حكم الأهلة، وأنها مواقيت للصيام، والحج، ثمّ بينت الآيات بعدها موقف المسلمين من القتال في الشهر الحرام، وذلك حين أراد رسول الله ﷺ العمرة، وصدّه المشركون، ومنعوه من دخول مكة، ووقع صلح الحديبية، ثم لما أراد القضاء في العام القابل، وخشي أصحابه غدر المشركين بهم؛ وهم في حالة الإحرام؛ نزلت الآية تبيّن: أنه ليس لهم أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء، بل على سبيل القصاص، ودفع العدوان، ثم عاد الكلام إلى أحكام الحجّ، وحكم الإحصار فيه. فهذا هو الارتباط بين الآيات السابقة، واللاحقة. انتهى صفوة التفاسير. ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ أدّوهما كاملين بأركانهما، وشروطهما، وجميع حقوقهما، قال تعالى في الآية رقم [١٢٤]: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ وهذا الأمر يدل على وجوبهما، ويؤيده قراءة من قرأ: («وأقيموا الحج والعمرة»)، وانظر شرحها في الآية رقم [١٥٨]. هذا؛ وحجّ الرسول

стр. 452

صلّى الله عليه وسلّم حجّة واحدة، هي حجة الوداع، واعتمر أربع عمر، كلّها في ذي القعدة: عمرة الحديبية سنة ست، وعمرة القضاء سنة سبع، وعمرة الجعرّانة سنة ثمان، وعمرته التي اعتمر بها مع الحجّ سنة عشر، وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانئ: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي». وسبب ذلك: أنها عزمت على الحج معه ﷺ ، فاعتاقت عن ذلك بسبب الطّهر، وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: هو من خصائصها. هذا؛ والحج فرض في العمر مرّة واحدة متّفق عليه، وأما العمرة؛ فقد اختلف فيها، فقال جمع من الصحابة، والتابعين: هي فرض مثل الحجّ: وهو قول الشافعيّ، رحمه الله تعالى، وأحمد، رحمه الله تعالى، وسئل زيد بن ثابت-﵁-عن العمرة قبل الحجّ، فقال: صلاتان، لا يضرك بأيّهما بدأت. ذكره الدّارقطني. وروي مرفوعا عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الحجّ والعمرة فريضتان، لا يضرّك بأيهما بدأت». وقال جمع من الصحابة، والتابعين: هي سنّة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، رحمهما الله تعالى، وقالوا: معنى (أتموا): إلزام الإتمام؛ لو أحرم، وشرع، لا إلزام الابتداء. والله أعلم. هذا؛ وقرأ الشعبي، وأبو حيدة برفع تاء العمرة، وهي تدلّ على عدم الوجوب، وقرأ الجماعة بنصب التاء، وهي تدل على الوجوب. ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ:﴾ منعتم من إتمامهما، أو من أحدهما بعد الإحرام بها بسبب عدوّ، أو مرض، ونحو ذلك. والحصر: المنع، والحبس، وهو يحتمل أن يكون من الرّباعي: أحصر، ومن الثلاثي: حصر. وقال أبو عبيدة، والكسائي: أحصر بالمرض، وحصر بالعدو. وفي المجمل لابن فارس على العكس: حصر بالمرض، وأحصر بالعدو. وقالت طائفة: يقال: أحصر فيهما جميعا من الرّباعي، حكاه أبو عمر، والصحيح: أنهما يستعملان فيهما، وهو ما قدّمته أولا. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الأكثر من أهل اللغة على أنّ حصر في العدو، وأحصر في المرض. وأصل الكلمة من الحبس، ومنه الحصير للذي يحبس نفسه عن البوح بسرّه، والحصير: الملك لأنه كالمحبوس من وراء الحجاب. والحصير: الذي يجلس عليه لانضمام بعض طاقات القش إلى بعض. تنبيه: من أنواع الإحصار في هذه الأيام ما يطلب من دراهم زيادة على رسوم الحجّ المعتادة بمعنى: أنّ من طلب منه ذلك لا يجب عليك الحجّ، ولا يكلّف المسلم أن يعطي للواسطة مبلغا من المال يشترطه عليه. ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: إذا منعتم من إتمام الحج، أو العمرة بمرض، أو عدوّ، وأردتم التحلّل؛ فعليكم أن تذبحوا ما تيسر من بدنة، أو بقرة، أو شاة. و ﴿الْهَدْيِ:﴾ هو ما يساق من النّعم ليذبحه المحرم بحجّ، أو عمرة في الحرم، فإن أحصر؛ ذبح في موضع الإحصار. وهو

стр. 453

قول الشّافعي، وقال قتادة، وإبراهيم النّخعي: يبعث بهديه إن أمكن، فإذا بلغ محلّه؛ صار حلالا، ومحلّه الحرم، وقال أبو حنيفة: دم الإحصار لا يتوقف على يوم النّحر، بل يجوز ذبحه قبل يوم النحر؛ إذا بلغ محلّه. وخالفه صاحباه، فقالا: يتوقف على يوم النّحر، وإن نحر قبله؛ لم يجزه، فهذا فحوى قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. قال عبد الله ابن عمر ﵄: خرجنا مع رسول الله ﷺ -أي: إلى العمرة-فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله ﷺ هديه، وحلق رأسه. ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فالمحصر الذي خشي أن يفوته الوقوف بعرفة يتحلل من إحرامه في مكانه الذي أحصر بحلق رأسه، أو تقصيره بعد ذبح هديه؛ إن كان معه هدي، وإن لم يكن معه هدي؛ يشتري ما يتيسر له من النّعم، ويذبحه في مكان الإحصار، أو يبعثه إلى الحرم على اختلاف بين المذاهب كما قدّمته، فإن لم يتيسر له؛ عدل إلى قيمة الحيوان، واشترى به طعاما، وتصدّق به في مكان الإحصار، فإن لم يجد؛ صام عن كل مدّ يوما حيث شاء، وله التحلل حالا قبل الصوم، وهذا الدّم دم ترتيب، وتعديل، وهو في هذه الصّورة، وفي الوطء، كما أشار إليه ابن المقري-﵀-بقوله: [الرجز] والثّاني ترتيب وتعديل ورد... في محصر ووطء حج إن فسد إن لم يجد قوّمه ثمّ اشترى... به طعاما طعمة للفقرا ثمّ لعجز عدل ذاك صوما... أعني به عن كلّ مدّ يوما ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ:﴾ بأن كان به هوامّ تؤذيه، أو صداع شديد يصعب احتماله. وهنا معطوف محذوف، أي: فحلق شعره، أو لبس ثيابه. ومنه: التطيّب، وقلم الظفر، ووطء ثان، أو وقع وطء بين تحلّلين. ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وعن كعب بن عجزة ﵁-قال: أتى عليّ النبي ﷺ ، وأنا أوقد تحت قدر؛ والقمل يتناثر على وجهي، أو قال: حاجبي، فقال: «يؤذيك هوامّ رأسك؟» قلت: نعم، قال: «فاحلقه، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستّة مساكين، أو انسك نسيكة». قال أيوب: لا أدري بأيتهنّ بدأ. رواه الإمام أحمد. وكفارة ما ذكر مخيرة بين ثلاثة أمور، كما رأيت، وهذا الدّم دم تخيير، وتقدير، كما أشار له ابن المقري-رحمه الله تعالى-بقوله: [الرجز] وخيّرت وقدّرن في الرابع... إن شئت فاذبح أو فجد بآصع للشّخص نصف أو فصم ثلاثا... تجتثّ ما اجتنيته اجتثاثا في الحلق والقلم ولبس دهن... طيب وتقبيل ووطء ثني أو بين تحلّلي ذي إحرام... فذي دماء الحجّ بالتّمام

стр. 454

هذا؛ و (﴿نُسُكٍ﴾): جمع نسيكة، وهي الذّبيحة ينسكها العبد لله تعالى، ويجمع أيضا على: نسائك، والنّسك في الأصل: العبادة، ومنه قوله تعالى حكاية، عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في الآية رقم [١٢٨] -: ﴿وَأَرِنا مَناسِكَنا﴾ أي: متعبداتنا، وانظرها هناك، وانظر رقم [٢٠٠] الآتية. وقيل: إنّ أصل النسك في اللغة: الغسل، ومنه: نسك ثوبه: إذا غسله، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة. هذا؛ وسمّيت ذبيحة الأنعام نسكا؛ لأنها من أعظم العبادات، التي يتقرب بها إلى الله تعالى. هذا؛ والمنسك بفتح السين، وكسرها: المذبح، وهو موضع ذبح القربان، قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً..﴾. إلخ: الآية رقم [٣٤] من سورة (الحج). والمنسك: الشريعة، قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٦٧]: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ﴾. ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ﴾ أي: كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين. ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أي: أحرم بالعمرة قبل الحج، وفي أشهر الحج. وهذا يسمى متمتعا، ومتلذّذا يستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطّيب، واللّباس، والنّساء، وغيرها، فيصير بعد فراغه من العمرة كأهل مكّة، على أن يكون من أهل الآفاق، وقدم مكة، ففرغ من العمرة، ثمّ أقام بمكة حلالا إلى أن أنشأ الحجّ منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى بلده، أو قبل خروجه إلى ميقات أهل ناحيته، فإذا فعل ذلك صار متمتعا، وعليه ما أوجب الله على المتمتّع، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ يذبحه، ويعطيه للمساكين بمنى، أو بمكّة، وهو دم المتعة، وهو نسك عند أبي حنيفة، ويأكل منه، وعند الشّافعية يجري مجرى الجنايات، ولا يأكل منه، ويذبحه يوم النّحر عند أبي حنيفة، وعند الشّافعي: إذا أحرم بحجته. فإن لم يجد صام ثلاثة قبل يوم عرفة، وسبعة إذا رجع إلى بلده، وهذا دم ترتيب، وتقدير، وهو فداء لأمور كثيرة ذكرها ابن المقري رحمه الله تعالى بقوله: [الرجز] أربعة دماء حجّ تحصر... أوّلها المرتّب المقدّر تمتّع فوت وحجّ قرنا... وترك رمي والمبيت بمنى وتركه الميقات والمزدلفه... أو لم يودّع أو كمشي أخلفه ناذره يصوم إن دما فقد... ثلاثة فيه وسبعا في البلد فقد اشتملت الآية الكريمة على ثلاثة أنواع من أنواع الدم الواجب في النّسك، وبقي الرابع يذكر في سورة (المائدة) في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ..﴾. إلخ الآية رقم [٩٥] هو دم تخيير، وتعديل، ويجب في شيئين، كما أشار إليه-﵀-بقوله: [الرجز] والثّالث التخيير والتّعديل في... صيد وأشجار بلا تكلّف إن شئت فاذبح أو فعدّل مثل ما... عدّلت في قيمة ما تقدّما

стр. 455

﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ:﴾ هذه الجملة تأكيد لما قبلهما، وحثّ على صيامها، وعدم التهاون بها، أو تنقيص عددها، وهي تجزئ عن الذّبح، وثوابها كثوابه من غير نقصان إن شاء الله تعالى، وهذا عند فقدان الذّبيحة بأن كان فقيرا لا يجد ثمنها. وانظر شرح لفظ عشرة في الآية رقم [٦٠]، وانظر ما ألحق بالمتمتع في قول ابن المقري. ﴿ذلِكَ﴾ أي: الحكم المتقدّم ذكره. ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ:﴾ بأن لم يكن أهله على دون مرحلتين من الحرم عند الشّافعي، رحمه الله تعالى، فإن كان؛ فلا دم عليه، ولا صيام؛ وإن تمتع. وكذلك لا يحصر بمرض وغيره، بل يجب عليه أن يحضر المشاهد كلّها، وإن يمش مشيا لقرب المسافة بالبيت، وقال أبو حنيفة، وأصحابه: كل من منع من الوصول إلى البيت بعدوّ، أو مرض، أو ذهاب نفقة، أو إضلال راحلته، أو لدغ هامة فإنه يقف مكانه على إحرامه، ويبعث بهديه، أو بثمنه، فإذا نحر؛ فقد حلّ من إحرامه، كذلك قال عروة، وقتادة، والحسن، وعطاء، والنخعي، ومجاهد لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ انظر التقوى في الآية رقم [٢]. وفي الأمر بالتقوى حثّ على المحافظة على أوامره، ونواهيه، وخصوصا الحج، وأحكامه. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ:﴾ فيه تهديد، ووعيد لمن يخالف أوامر الله، ونواهيه. بعد هذا خذ ما يلي: عن عبد الله بن عباس-﵄-قال: جاءت ضباعة بنت الزّبير-﵄-إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إنّي امرأة ثقيلة، وإني أريد الحجّ، فكيف تأمرني أن أحجّ؟ قال: «أهلّي، واشترطي: أنّ محلّي حيث حبستني». قال: أدركت الحجّ، ولم تحلل؛ حتّى فرغت منه. الإعراب: ﴿وَأَتِمُّوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَتِمُّوا﴾): فعل أمر وفاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحَجَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآيات السابقة، والاستئناف ممكن. ﴿وَالْعُمْرَةَ:﴾ معطوف على ﴿الْحَجَّ،﴾ ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ أي: كائنين لله. هذا؛ وعلى قراءة: («العمرة») بضم التاء، فهو مبتدأ، و ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الْحَجَّ﴾ والرابط: الواو فقط. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أُحْصِرْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي ﴿فَمَا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: فعليكم ما... إلخ، أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب ما... إلخ، ويجوز أن تكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف،

стр. 456

التقدير: فاهدوا، أو: فأدوا ما... إلخ. ﴿اِسْتَيْسَرَ:﴾ فعل ماض، والفعل يعود إلى (ما) ﴿مِنَ الْهَدْيِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها إن اعتبرتها نكرة موصوفة، والعائد أو الرابط هو الفاعل المستتر، العائد عليها، وجملة: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ في محل جزم جواب الشرط، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها، و (إن) ومدخولها كلام مفرع عمّا قبله لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَحْلِقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رُؤُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَبْلُغَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الْهَدْيِ:﴾ فاعله. ﴿مَحِلَّهُ:﴾ اسم مكان متعلق بالفعل قبله، وهو يطلق على الزمان أيضا، وقيل: مفعول به ولا وجه له، و «أن» المضمرة والفعل ﴿يَبْلُغَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَلا تَحْلِقُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (﴿أَتِمُّوا..﴾.) إلخ لا محل لها مثلها، وقيل: معطوفة على (إنّ) ومدخولها، والأوّل أقوى. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء حرف عطف، أو استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه يعود إلى (من). ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كانَ،﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿مَرِيضاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿مَرِيضاً:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف معطوف على: ﴿مَرِيضاً،﴾ التقدير: أو كائنا به. ﴿أَذىً:﴾ فاعل بمتعلق الجار والمجرور؛ لأن الجار إذا اعتمد رفع الفاعل عند الجمهور، وهو في الحقيقة فاعل بالمتعلق المحذوف، كما رأيت، ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و ﴿أَذىً﴾ مبتدأ مؤخر، فهو مرفوع على الوجهين، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب، وهي معطوفة على خبر: ﴿كانَ﴾ وهو: ﴿مَرِيضاً﴾. ﴿مِنْ رَأْسِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع صفة ﴿أَذىً﴾. ﴿فَفِدْيَةٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (فدية): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب فدية، أو هو مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: فعليه فدية، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، الجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَفِدْيَةٌ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، فهو كلام

стр. 457

سديد، والجملة الاسمية: (من ﴿كانَ..﴾.) إلخ مفرعة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ صِيامٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة. (فدية). ﴿صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ معطوفان على ﴿صِيامٍ﴾. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء حرف عطف، وقيل: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَمِنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل ما تقدّم، فهو واضح إن شاء الله تعالى، لا أطيل الكلام في إعرابه، والجملة الاسمية الحاصلة منه على الوجهين المعتبرين في (من) جواب: (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على (إن) ومدخولها. وقيل: مستأنف. ﴿إِلَى الْحَجِّ:﴾ متعلقان بمحذوف، التقدير: واستمر تمتّعه إلى الحج، أي: إلى الإحرام بالحجّ. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء حرف عطف، أو استئناف. (من): تحتمل الشرطية، والموصولة. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجِدْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿فَصِيامُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (صيام): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الواجب صيام، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليه صيام، و (صيام) مضاف، و ﴿ثَلاثَةِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله، و ﴿ثَلاثَةِ:﴾ مضاف، و ﴿أَيّامٍ﴾ مضاف إليه، ﴿فِي الْحَجِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ل ﴿ثَلاثَةِ أَيّامٍ،﴾ وقيل: حال من: ﴿ثَلاثَةِ أَيّامٍ،﴾ ﴿وَسَبْعَةٍ﴾ معطوف على لفظ: ﴿ثَلاثَةِ﴾ وقرئ بنصبه، فيكون معطوفا على محل: ﴿ثَلاثَةِ﴾. وقيل: منصوب بفعل محذوف، التقدير: وصوموا سبعة. ﴿إِذا:﴾ ظرف متعلق ب (صيام) مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَجَعْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿عَشَرَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿كامِلَةٌ:﴾ صفة: ﴿عَشَرَةٌ﴾ صفة مؤكدة، والجملة الاسمية مؤكدة لما قبلها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. ﴿أَهْلُهُ:﴾ اسمه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حاضِرِي:﴾ خبر (﴿يَكُنْ﴾) منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و ﴿الْمَسْجِدِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة: ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١٩٤]. و ﴿شَدِيدُ:﴾ مضاف، و ﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعله، التقدير: شديد عقابه.

стр. 458

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)﴾ الشرح: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ وهي: شوال، وذو، والعشر الأول من ذي الحجة. وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى. والقول بصحّة الإحرام بالحجّ في جميع السنة هو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد رحمهم الله تعالى. واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فعند الشافعية إذا أحرم بغير أشهر الحج انعقد إحرامه عمرة. ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ:﴾ بنية الإحرام عند الشّافعي، وعند أبي حنيفة بالتلبية، وإنّما سمي شهران، وبعض الشهر أشهرا، إقامة للبعض مقام الكل، أو إطلاقا للجمع على ما فوق الواحد، أو هو من باب التغليب. ﴿فَلا رَفَثَ:﴾ المراد به هنا: الجماع، انظر الآية رقم [١٨٧] فإنه جيد. أي: من أحرم بالحج، أو بالعمرة؛ فليجتنب الجماع، وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة، والتقبيل، ونحو ذلك، وكذلك التكلم به بحضرة النساء. قال ابن عمر-﵄: الرفث: إتيان النساء، والتكلم بذلك للرّجال، والنساء، إذا ذكروا ذلك بأفواههم، ومنه قول المحرم لامرأته: فإذا أحللنا؛ فعلنا بك كذا من غير كناية. وقاله ابن عباس أيضا، وأنشد وهو محرم: [الرجز] وهنّ يمشين بنا هميسا... إن تصدق الطّير ننك لميسا فقال له صاحبه حصين بن قيس: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إن الرّفث ما قيل عند النّساء. هذا؛ والرّفث: كلّ كلام ساقط لا قيمة له، قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الشاعر: [الرجز] وربّ أسراب حجيج كظّم... عن اللّغا ورفث التّكلّم ﴿وَلا فُسُوقَ:﴾ ولا خروج عن حدود الشّريعة. وقيل: هو السباب، والتنابز بالألقاب، وقال ابن عباس-﵄: الفسوق: جميع المعاصي المنهي عنها في حال إحرامه بالحج، أو بالعمرة، ومنه قتل الصيد، وقصّ الظفر. وقد ثبت عن أبي هريرة-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حجّ هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه». ورواية الصّحيحين: «رجع كيوم ولدته أمّه». ﴿وَلا جِدالَ﴾ أي: ولا مماراة، ولا مخاصمة. وهذه الأمور الثلاثة منهي عنها في جميع الحالات، وفي جميع الأوقات، والأمكنة. وفي حالة الإحرام آكد، وهي في الحج أقبح، صيغته نفي، وحقيقته نهي، أي: لا يرفث... إلخ، وهو أبلغ من النّهي الصريح، كما هو معروف في فن البلاغة. قال رسول الله ﷺ :

стр. 459

«ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل» ثم قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً﴾. رواه الترمذي، وابن ماجة عن أبي هريرة، ﵁. ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهو الذي يجازيكم عليها. حثّ الله على فعل الخير عقيب النهي عن الشرّ، وهو أن يستعملوا مكان الرّفث الكلام الحسن، ومكان الفسوق البرّ، والتقوى، ومكان الجدال الوفاق، والأخلاق الجميلة. هذا؛ وذكر سبحانه الخير، وإن كان عالما بجميع أفعال العباد لفائدة، وهي: أنّه تعالى إذا علم من عبده المؤمن الخير؛ ذكره في الملأ الأعلى، وأشهره، وإذا علم منه الشر؛ أسرّه، وأخفاه: فإذا كان هذا فعله مع عبده المؤمن في الدنيا؛ فكيف يكون في العقبى، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا يخجل العبد من ربّه حين ارتكابه المعصية؛ وهو يوقن: أنّه يراه، ويعلم ما يفعل. هذا؛ والإحرام بالحج، والعمرة على ثلاثة أنواع: إفراد، وتمتّع، وقران. فصورة الإفراد: أن يحج، ثم بعد فراغه منه يعتمر من أدنى الحلّ. وصورة التّمتّع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجّ، ويأتي بأعمالها، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من مكّة في تلك السّنة. وصورة القرآن: أن يحرم بالعمرة، والحج في أشهر الحجّ، فينويهما بقلبه، وكذلك: لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم أدخل عليها الحجّ قبل أن يفتتح الطواف، فيصير قارنا. واختلفوا في الأفضل: فذهب مالك، والشّافعي إلى أن الإفراد أفضل، ثم التمتّع، ثم القران. وذهب الثوريّ، وأبو حنيفة إلى أن القرآن أفضل. وذهب الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه إلى أن التمتّع أفضل، ولكلّ دليله، علما بأن المفرد بالحج لا يلزمه شيء، وأما القارن، والمتمتع؛ فيلزمهما دم، أو صيام، كما قدّمته فيما سبق. ﴿وَتَزَوَّدُوا:﴾ أمر الله باتخاذ الزاد في سفر الحج. نزلت في أناس من أهل اليمن، كانوا يخرجون للحجّ من غير زاد، ويقولون: نحن متوكّلون، ويقولون: نحج بيت ربنا. أفلا يطعمنا؟ فإذا قدموا مكة؛ سألوا الناس، وربما أفضى بهم الحال إلى الغصب، والنهب، والسّرقة. قال رجل للإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: أريد أن أخرج إلى مكة على التوكّل بلا زاد. فقال له: اخرج في غير القافلة. فقال: لا، إلا معهم، قال ﵀: فعلى جرب النّاس توكّلت!. ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ أي: تزودوا ما تتبلّغون به. وتكفّون به وجوهكم عن الناس، واتّقوا إبرامهم، والتثقيل عليهم، وكذلك ما تتقون به من الهلكة، والضياع. وقيل: المعنى تزوّدوا من العبادة، والطّاعة، فإن الإنسان لا بدّ له من سفر في الدنيا، ولا بدّ له من زاد، ويحتاج فيه إلى الطّعام، والشراب... إلخ، ولا بدّ له من سفر في الدّنيا إلى الآخرة، ولا بدّ له من زاد، وهو تقوى الله، والعمل بطاعته، وهذا أفضل من الزاد الأول، فإن زاد الدنيا يوصل إلى مراد الدنيا، وشهواتها، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم، وفي هذا المعنى يقول الأعشى من قصيدته التي أعدّها لمدح الرسول ﷺ : [الطويل]

стр. 460

إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى... ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكون مكانه... وأنّك لم ترصد كما كان أرصدا انظر الشاهد رقم [٣٩١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وانظر حياة الأعشى في كتابنا: «فتح الكبير المتعال إعراب المعلقات العشر الطوال» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَاتَّقُونِ﴾ أي: خافوا عقابي، واشتغلوا بطاعتي، وتقواي، وفيه تنبيه على كمال الله ﷻ . ﴿يا أُولِي الْأَلْبابِ:﴾ يا أصحاب العقول السليمة، والقلوب الفاهمة، وقد خص الله أولي الألباب بالخطاب، وإن كان الأمر يعم جميع الناس؛ لأنهم الذين قامت عليهم الحجّة، وهم العاملون بأوامر الله، المنتهون عن زواجره. وانظر الآية رقم [١٧] فإنه جيد. الإعراب: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، وقال بعضهم: التقدير: الحج حجّ أشهر معلومات، وقيل: التقدير: وقت الحج. ﴿مَعْلُوماتٌ:﴾ صفة ﴿أَشْهُرٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فَرَضَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الْحَجُّ:﴾ مفعول به. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿رَفَثَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي في الموضعين. ﴿فُسُوقَ،﴾ ﴿جِدالَ:﴾ معطوفان على ﴿رَفَثَ﴾. ﴿فِي الْحَجِّ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (﴿لا﴾). هذا وجه للإعراب، ويجوز اعتبار (﴿لا﴾) عاملة في الثلاثة، والجار والمجرور: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ متعلقان بمحذوف خبر الأخيرة، وخبر الأولى والثانية محذوف لدلالة خبر الثالثة عليه. هذا؛ وتقرأ الأسماء الثلاثة بالرّفع، وخرج على وجهين: إهمال (﴿لا﴾)، وإعمالها، فعلى الإهمال فيه أيضا وجهان: اعتبار الأول مبتدأ، والثاني، والثالث معطوفان عليه، و ﴿فِي الْحَجِّ﴾ متعلقان بمحذوف خبره. والوجه الثاني اعتبار الكل مبتدءات، و ﴿فِي الْحَجِّ﴾ خبر الثالث، وخبر الثاني والأول محذوفان لدلالة الثالث عليهما، كما يجوز اعتبار: ﴿فِي الْحَجِّ:﴾ خبرا للأول، وخبر الثاني، والثالث محذوفان لدلالة خبر الأول عليهما، وعلى إعمال (﴿لا﴾) عمل ليس يجوز أيضا جميع الاعتبارات التي ذكرتها في إهمالها، كما قرئ برفع الأولين، وتنوينهما، وفتح الأخير، وعلى هذه القراءة يجوز في الأولين ما ذكرته في وجهي إهمال (﴿لا﴾) وإعمالها من الاعتبارات، وتعتبر الأخيرة عاملة عمل «إنّ» والخبر لها، وخبر الأولين محذوف على جميع الاعتبارات، وخذ قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] وركّب المفرد فاتحا كلا... حول ولا قوّة والثّان اجعلا
следующие страницы →