← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

الإعراب: ﴿وَيُبَيِّنُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يبين): مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الاسمية: (الله عليم حكيم) في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتعظيم والتشريف، وكان حقه الإضمار، وجملة: (يبين...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ﴾ أي: تفشو، وتظهر، وتنتشر. ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: في المحصنين، والمحصنات، والمراد بهذا اللفظ العام عائشة وصفوان-﵄، وقيل: بل المراد العموم، فكل من أحب أن تشيع الفاحشة، أو تظهر في بيت من بيوت المسلمين فهو داخل في حكم هذه الآية. أقول: وهو الحق؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم، كما قد قررته مرارا. ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا﴾ أي: الحد، والذم في الدنيا، (و) في (الآخرة) لهم عذاب النار، وهذا للمنافقين فأما المؤمنون إذا أقيم عليهم حد القذف، فهو كفارة لهم، وقال الطبري: معناه إن مات مصرا على القذف غير تائب. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ أي: مقدار عظم الذنب، والمجازاة عليه، ويعلم كل شيء من براءة عائشة، وما خاضوا فيه... إلخ. ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ قيل: معناه: يعلم ما في قلب من يحب أن تشيع الفاحشة في المؤمنين والمؤمنات، فيجازيه على ذلك، وأنتم لا تعلمون ذلك، فقد روي من حديث أبي الدرداء-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «أيّما رجل شدّ عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها، فهو في سخط الله حتى ينزع عنها، وأيّما رجل قال بشفاعته دون حدّ من حدود الله أن يقام؛ فقد عاند الله حقا، وأقدم على سخطه، وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة. وأيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة، وهو منها بريء يرى أن يشينه بها في الدنيا؛ كان حقّا على الله تعالى أن يرميه بها في النار». ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ..﴾. إلخ. الآية. انتهى. قرطبي. هذا؛ والفعل (يعلم) من المعرفة، لا من العلم. انظر شرح ذلك في الآية رقم [٣٩] من سورة (الأنبياء)، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] من سورة (الحج)، وشرح (الإيمان) في الآية رقم [١٤] منها.

стр. 3957

الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يُحِبُّونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿يُحِبُّونَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَشِيعَ،﴾ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان ب: ﴿عَذابٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. (الآخرة): معطوف على ﴿الدُّنْيا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ عَذابٌ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله)، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ الشرح: قال البيضاوي رحمه الله تعالى: هذا تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة، ولذا عطف قوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ على حصول فضله، ورحمته عليهم. انتهى. هذا؛ ومن رأفته سبحانه إظهار براءة المقذوفين، وإثباتها. ومن رحمته غفران ذنب القاذف إذا تاب. قال ابن عباس-﵄: يريد بالخطاب مسطحا، وحسان بن ثابت، وحمنة ﵃ أجمعين-، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر شرح (رؤوف) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحج). هذا؛ وإعراب الآية مثل إعراب الآية رقم [١٠] بلا فارق. تأمّل. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ:﴾ زخارفه، ووساوسه، وأحابيله، فيحمل الإنسان على إشاعة الفاحشة، والكذب، والافتراء، والبهتان. ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ:﴾ يدعو، ويزين، ويزخرف. ﴿بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ أي: بالقبائح من الأقوال، والأفعال،

стр. 3958

وكل ما يكره الله تعالى. والآية عامة في حق كل واحد؛ لأن كل مكلف ممنوع من ذلك، وانظر مرجع الضمير في الإعراب. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي: ما اهتدى، ولا أسلم، ولا عرف رشدا، ولا صلح. هذا؛ ويقرأ بتشديد الكاف، فيكون المعنى: إن تزكيته، وتطهيره، وهدايته لكم إنما هي بفضله، وتوفيقه. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي:﴾ يطهر بالتوبة، وصالح الأعمال ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ تطهيره من الذنب بالرحمة، وقبول التوبة. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ:﴾ لأقوالكم. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بنياتكم وإخلاصكم. هذا؛ و ﴿خُطُواتِ﴾ جمع: خطوة بضم الخاء، وسكون الطاء، وهي في الأصل ما بين القدمين، فاستعيرت هنا لوسوسة الشيطان، وزخرفته، وتجمع في القلة على «خطوات» بضم الخاء، وتثليث الطاء، أي الضم بإتباع ثانيه لأوله، والفتح، وإبقاء السكون على حاله كما في المفرد، وتجمع في الكثرة على خطى بضم الخاء. هذا؛ والخطوة بفتح الخاء: المرة الواحدة، وجمعها: خطوات بفتح الخاء والطاء لا غير. بعد هذا أنقل لك ما قاله المرحوم مصطفى الغلاييني في جامع الدروس العربية: وإن جمعت اسما ثلاثيا مضموم الأول، أو مكسوره، ساكن الثاني، صحيحه، خاليا من الإدغام، مثل: خطوة، وجمل، وهند، وقطعة، وفقرة؛ جاز فيه ثلاثة أوجه: الأول: إتباع ثانية لأوله، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثاني: فتح ثانيه، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثالث: إبقاء ثانيه على حاله من السكون، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. أما الاسم فوق الثلاثي، كزينب، والاسم الصفة، كضخمة، والاسم الثلاثي المحرك الثاني، كشجرة، والاسم الثلاثي الذي ثانيه حرف علة، كجوزة، والاسم الثلاثي الذي فيه إدغام، كمرّة، فكل ذلك لا تغيير فيه عند جمعه جمع مؤنث سالما. انتهى. الإعراب: (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من (أي) أو عطف بيان عليه، أو صفة له، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الحج) ففيها بحث جيد، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا تَتَّبِعُوا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿خُطُواتِ﴾ مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية: ﴿لا تَتَّبِعُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، كالجملة الندائية قبلها.

стр. 3959

﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَّبِعْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به، و ﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فقد غوى وضل. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهي عائدة على: ﴿الشَّيْطانِ﴾ وقيل: عائدة على (من)، والمعنى: إن المتبع للشيطان يأمر... إلخ، فإنه بسبب اتباعه القبائح صار ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ؛﴾ لأنه لما ضل في نفسه؛ صار يضل غيره؛ لأن شأن الشيطان الإضلال، ومن اتبعه فإنه يترقى من رتبة الضلال، والفساد، إلى رتبة الإضلال، والإفساد. ﴿يَأْمُرُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (من)، أو إلى ﴿الشَّيْطانِ﴾. كما رأيت. والثاني هو المتبادر إلى الفهم. ﴿بِالْفَحْشاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْمُنْكَرِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَأْمُرُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، أو لجواب الشرط المحذوف، حسب ما رأيت في مرجع الضمير. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ:﴾ انظر الآية رقم [١٠] ففيها الكفاية. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿زَكى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». وهذا هو الأقوى. ﴿مَنْ:﴾ حرف صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿ما زَكى..﴾. إلخ جواب (لولا). وقال الكسائي: هذه الجملة جواب لقوله أولا، وثانيا: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ..﴾. إلخ وما بينهما معترض لا محل له، و (لولا) ومدخولها كلام معطوف على مثله فيما تقدم، لا محل له مثله. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يُزَكِّي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية خبر (لكن). ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يزكي الذي، أو شيئا يشاء تزكيته. والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿ما زَكى..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا من فاعل ﴿يُزَكِّي﴾ المستتر لا بأس به، وعليه: فالرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتعظيم، والتشريف.

стр. 3960

﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَلا يَأْتَلِ:﴾ ولا يحلف، من «الأليّة» وهي اليمين، ومنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ الآية رقم [٢٢٦] من سورة (البقرة)، وقالت جماعة: لا يقصّر، من قولك: ألوت في كذا: إذا قصرت فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً..﴾. إلخ الآية رقم [١١٨] من سورة (آل عمران). فالماضي: ائتلى، والمضارع: يأتلي، ولم أره في القاموس المحيط بهذا المعنى، ولكن فيه: أتل، يأتل أتلا، وأتلانا، وأتلالا محركتين: قارب الخطو في غضب، ومن الطعام امتلأ، والأوتل: الشبعان، وقوم أتل بضمتين، ووتل شباع انتهى. هذا؛ ويقرأ: «(ولا يتألّ)» من الأليّة، وهي اليمين. وفي المختار: آلى يؤلي إيلاء: حلف، وتألّى، وائتلى مثله، قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ والأليّة اليمين، وجمعها: ألايا، والألية بالفتح: ألية الشاة، ولا تقل: إلية بالكسر، ولا: ليّة وتثنيتها: أليان بغير تاء. انتهى. ﴿أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ أي: في الدين، ومكارم الأخلاق. ﴿وَالسَّعَةِ﴾ أي: في المال، والغنى. ﴿أَنْ يُؤْتُوا..﴾. إلخ أي: يعطوا وينفقوا من أموالهم على أصحاب القرابات والمساكين ﴿وَالْمُهاجِرِينَ﴾ من وطنهم من أجل دين الله. هذا؛ ويقرأ: «(تؤتوا)» بتاء المضارعة على الالتفات، ويعضده قوله: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء). ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا:﴾ وليتجاوزوا عن الجفاء، والإساءة عمن أساء إليهم، وليعرضوا عن عقوبتهم، وليرجعوا إلى الإحسان عمن أساء إليهم. هذا؛ وأولوا، وأولي هو جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده «ذو» المضاف إن كان مرفوعا، و «ذا» المضاف إن كان منصوبا، و «ذي» المضاف إن كان مجرورا. وأما (ليعفوا) فهو بمعنى: ليصفحوا، فهو مرادف لما بعده، وهو كثير في القرآن بهذا المعنى كثرة لا تعد، ولا تحصى، كما يأتي (عفا) بمعنى الكثرة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا﴾ أي: حتى كثروا، ونموا في أنفسهم، وأموالهم. من قولهم: عفا النبات، وعفا الشحم، والوبر: إذا كثر. قال الحطيئة: [الطويل] بمستأسد الغربان عاف نباته... بأسوق عافيات الشحم كوم وعفا المنزل، يعفو عفاء: إذا انمحت آثاره، وذهبت معالمه، قال الشاعر: [البسيط] وبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النّؤي والوتد

стр. 3961

وعفو المال ما يفضل عن النفقة، قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ والعافي: طالب المعروف، والإحسان، قال عروة بن الورد: [الطويل] وإنّي امرؤ عافي إنائي شركة... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد وجمع العافي: عفاة، قال الأعشى: [المتقارب] تطوف العفاة بأبوابه... كطوف النّصارى ببيت الوثن بعد هذا: فالآية الكريمة نزلت في قصة أبي بكر-﵁-ومسطح بن أثاثة، وهو ابن خالته، وكان من المهاجرين البدريين المساكين، وكان أبو بكر-﵁-ينفق عليه لفقره، وقرابته، فلما خاض مسطح في الإفك مع الخائضين، وأنزل الله براءة السيدة عائشة-كما رأيت فيما سبق-حلف أبو بكر-﵁-ألا ينفق عليه، ولا ينفعه بشيء أبدا. فلما نزلت الآية الكريمة؛ قال أبو بكر-﵁: والله إني لأحب أن يغفر الله لي! فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدا، وجاء مسطح، فاعتذر إليه، وأقيم الحد عليه، كما رأيت فيما سبق. وقال الضحاك، وابن عباس-﵄: إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم، وصلاتهم عن كل من قال في الإفك، وقالوا: لا نصل من تكلم في شأن عائشة. فنزلت الآية فيهم جميعا. والأول أصح، وذكره بلفظ الجمع فيه دلالة واضحة على فضل أبي بكر-﵁-وعلو شأنه، ومرتبته؛ حيث احتمل الأذى من ذوي القربى، ورجع على مسطح بما كان ينفقه عليه، وهذا من أشد الجهاد؛ لأنه جهاد النفس. هذا؛ وخصوص السبب لا يمنع التعميم، فهنيئا لمن اقتدى بأبي بكر-﵁-في عفوه وصفحه عمّن أساء إليه. وخذ هذه الطرفة اللطيفة، وهي: أن ابن المقري-رحمه الله تعالى-منع عن ولده النفقة تأديبا له على أمر وقع منه، فكتب إلى والده رحمه الله تعالى يقول: [السريع] لا تقطعن عادة برّ ولا... تجعل عقاب المرء في رزقه فإنّ أمر الإفك من مسطح... يحطّ قدر النّجم من أفقه وقد جرى منه الذي قد جرى... وعوتب الصّدّيق في حقّه فكتب إليه والده رحمه الله تعالى يقول: [السريع] قد يمنع المضطرّ من ميتة... إذا عصى بالسّير في طرقه لأنّه يقوى على توبة... تكون إيصالا إلى رزقه لو لم يتب مسطح من ذنبه... ما عوتب الصّدّيق في حقّه

стр. 3962

انتهى... من السيرة الحلبية. وابن المقري-رحمه الله تعالى-من علماء الشافعية القدامى. هذا؛ وفي الآية دليل، بل وحث كبير على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها؛ فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه. كيف لا؟ وقد قال النبي ﷺ لابن سمرة: «إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فائت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك». ويروى الحديث أيضا بلفظ الغيبة، وكلاهما في الصحيح. هذا؛ وقد ذكرت لك أن آية البقرة رقم [٢٢٣] نزلت في أبي بكر-﵁-وهي: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَأْتَلِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿أُولُوا:﴾ فاعله مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿أُولُوا﴾ مضاف، و ﴿الْفَضْلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أُولُوا الْفَضْلِ﴾. ﴿وَالسَّعَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَنْ يُؤْتُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من المضارع، وناصبه في محل جر بحرف جر محذوف مع «لا» النافية؛ إذ التقدير: على أن لا يؤتوا. ذكره الزجاج، وقال أبو عبيدة: التقدير: في أن يؤتوا. والأول أوضح معنى كما ترى. ﴿أُولِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و (أولي) مضاف، و ﴿الْقُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف. ﴿وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ:﴾ معطوفان على ﴿أُولِي﴾ وعلامة نصب الأول الفتحة، وعلامة نصب الثاني الياء. تأمل. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُؤْتُوا﴾ وتعليقهما ب: (المهاجرين) جيد، و (سبيل) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَلا يَأْتَلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلْيَعْفُوا:﴾ مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلا يَأْتَلِ..﴾. إلخ لا محل لها، وجملة ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾ معطوفة أيضا لا محل لها. هذا؛ ومتعلق الفعلين محذوف. ﴿أَلا:﴾ حرف عرض، وهو أولى من اعتباره حرف تحضيض. ﴿تُحِبُّونَ:﴾ مضارع، وفاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أَلا تُحِبُّونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتشريف، والتعظيم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 3963

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ أي: يقذفون بالزنى، وانظر الآية رقم [٤] ففيها الكفاية. ﴿الْغافِلاتِ:﴾ قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: السليمات الصدور، والنقيات القلوب، اللاتي ليس فيهن دهاء، ولا مكر؛ لأنهن لم يجربن الأمور، ولم يرزن الأحوال، فلا يفطنّ لما تفطن له المجربات العرافات، قال الشاعر: [الكامل] ولقد لهوت بطفلة ميّالة... بلهاء تطلعني على أسرارها الطّفلة بفتح الطاء: المرأة الناعمة، وطفلة الأنامل: رخصتها، وميّالة، أي: مختالة، وبلهاء من البله، وهي التي لا مكر لها، ولا دهاء، وكذلك البله من الرجال في قول النبي ﷺ : «أكثر أهل الجنّة البله». وهو جمع الأبله، وهو الغافل عن الشر، المطبوع على الخير، وأما الأبله الذي لا عقل له فغير مراد في الحديث؛ لأن المقام مقام مدح. ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيا﴾ أي: بإقامة الحد عليهم. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أي: بالطرد من رحمة الله. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ:﴾ جعل الله القذفة ملعونين في الدارين، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة؛ إن لم يتوبوا لعظم ذنوبهم. قيل: هو حكم كل قاذف ما لم يتب، وقيل: هو مخصوص بمن قذف أزواج النبي ﷺ ، ولذلك قال ابن عباس-﵄: لا توبة لعبد الله بن أبي، ولو فتشت وعيدات القرآن لم تجد أغلظ مما نزل في إفك عائشة-﵂، علما بأن ما ذكر في هذه السورة يشمل القاذفين، والقاذفات، والمقذوفين، والمقذوفات على السواء. وذلك بالنسبة للأجر، والثواب، والغضب، والعقاب. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَرْمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ:﴾ ثلاث صفات لموصوف محذوف منصوب؛ إذ التقدير: النساء المحصنات... إلخ، وعلامة النصب فيهن الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لُعِنُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (الآخرة): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَرْمُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿لُعِنُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿لُعِنُوا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. تأمل.

стр. 3964

﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ أي: تنطق الألسنة في الآخرة بما قذفت في الدنيا، وهذا قبل أن يختم الله على أفواههم، كما قال تعالى في سورة (يس) رقم [٦٥]: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ..﴾. وبعد الختم تنطق الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا، كما تشهد الأسماع والأبصار والجلود على العبد بما عمل صاحبها في الدنيا، وهو ما أفادته الآية رقم [٢٠] من سورة فصلت: ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هذا؛ وقول القرطبي، رحمه الله تعالى: «والمعنى: يوم تشهد ألسنة بعضهم على بعض بما كانوا يعملون من القذف، والبهتان» لا وجه له. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمتعلق (لهم) أي في الخبر المحذوف، وإنما لم يعلق ب: ﴿عَذابٌ﴾ وهو مصدر، وشرط عمله عند البصريين ألا يوصف، وهنا قد وصف، وأجيب عن هذا بأن الظرف يتسع فيه ما لا يتسع في غيره. ﴿تَشْهَدُ:﴾ مضارع. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به. ﴿أَلْسِنَتُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَشْهَدُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل (تشهد)، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والمفعول محذوف، وهو العائد، أو الرابط؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء كانوا يعملونه. وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: تشهد عليهم ألسنتهم... بعملهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وهو يوم القيامة الذي لا ريب فيه، وانظر الآية رقم [٥٦] من سورة (الحج). ﴿يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ﴾ أي: جزاءهم الواجب. وقيل: حسابهم العدل، وانظر شرح ﴿الدِّينِ﴾ في الآية رقم [٧٨] من سورة (الحج)، وانظر شرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] منها. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ أي: الموجود الظاهر الذي بقدرته وجود كل شيء. وقال البيضاوي: الثابت بذاته، الظاهر بألوهيته، لا يشاركه في ذلك غيره، ولا يقدر على الثواب، والعقاب سواه. أو ذو الحق البيّن، أي: العادل، الظاهر عدله، ومن كان هذا شأنه، ينتقم من الظالم للمظلوم لا محالة. انتهى.

стр. 3965

وقيل: معناه: يبين لهم أحقّيّة ما كان يعدهم في الدنيا. وقال عبد الله بن عباس-﵄: وذلك أن عبد الله بن أبي ابن سلول كان يشك في الدين، فيعلم يوم القيامة: أن الله هو الحق المبين؛ أي لارتفاع الشكوك، وحصول العلم الضروري. قال النسفي-رحمه الله تعالى-ولم يغلّظ الله في القرآن في شيء من المعاصي تغليظه في إفك عائشة-﵂، فأوجز في ذلك، وأشبع، وفصّل، وأجمل، وأكد، وكرّر، وما ذاك إلا لأمر. وعن ابن عباس-﵄: من أذنب ذنبا، ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة-﵂-وهذا منه تعظيم ومبالغة في أمر الإفك. ولقد برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف ﵇ بشاهد من أهلها، وبرأ موسى ﵇ من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم عليهاالسّلام بإنطاق ولدها، وبرأ عائشة-﵂-بهذه الآي العظام في كتابه المعجز، المتلوّ على وجه الدهر بهذه المبالغات. فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك، وما ذاك إلا لإظهار علوّ منزلة رسوله، والتنبيه على إنافة محله ﷺ وعلى آله. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بأحد الفعلين: ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾ و (يعلمون)، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة التي رأيت تقديرها في الشرح. ﴿يُوَفِّيهِمُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿دِينَهُمُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَقَّ:﴾ صفة ﴿دِينَهُمُ﴾. هذا؛ ويقرأ بالرفع فيكون صفة لفظ الجلالة، والجملة الفعلية: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَعْلَمُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعلمون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ توكيد للفظ الجلالة، أو هو ضمير فصل لا محل له. ﴿الْحَقَّ:﴾ خبر ﴿أَنَّ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و ﴿الْحَقَّ﴾ خبره، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة ﴿الْحَقَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يعلمون) وجملة: ﴿وَيَعْلَمُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ الشرح: قال ابن زيد رحمه الله تعالى: ﴿الْخَبِيثاتُ﴾ من النساء ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال، وكذا (الخبيثون للخبيثات)، وكذا (الطيبات للطيبين) و (الطيبون للطيبات) فتكون هذه الآية مبنية على قوله تعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ..﴾. إلخ الآية رقم [٣].

стр. 3966

وقال مجاهد، وابن جبير، وعطاء، وأكثر المفسرين: المعنى: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. قال النحاس في كتاب معاني القرآن: وهذا أحسن ما قيل في هذه الآية. انتهى. قرطبي. وعليه فالكلام الخبيث صدر من الرجل الخبيث، وهو عبد الله بن أبيّ، وأضرابه من المنافقين، والطيبون من الرجال، والطيبات من النساء لم يتكلموا في حق عائشة إلا بالقول الطيب، وهو تبرئتها مما رماها به الخبيثون، والخبيثات. وعليه في الكلام استعارة تصريحية. ﴿أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ:﴾ الإشارة إلى عائشة، وصفوان-﵄-وذكرهما الله بلفظ الجمع للتعظيم، والتكريم، أي: منزهون مما يقوله الخبيثون، والخبيثات في حقهما. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: لذنوبهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: في الجنة. وانظر الآية رقم [٥٠] من سورة (الحج) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وروي عن علي بن زيد بن جدعان، عن جدته، عن عائشة-﵂-أنها قالت: لقد أعطيت تسعا ما أعطيتهنّ امرأة: لقد نزل جبريل ﵇ بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكرا، وما تزوج بكرا غيري، ولقد توفّي رسول الله ﷺ ، وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه؛ وهو في أهله، فينصرفون عنه، وإن كان لينزل عليه؛ وأنا معه في لحافه، فما يبينني عن جسده، وإني لابنة خليفته، وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة وعند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما، تعني قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ انتهى. قرطبي. وكان مسروق رحمه الله تعالى إذا حدث عن عائشة-﵂-يقول: حدثتني الصّدّيقة بنت الصّدّيق، حبيبة رسول الله ﷺ ، المبرّأة من السماء. هذا؛ وانظر ما وصفها به حسان-﵁-في أبياته التي ذكرتها في الآية رقم [١٣]. وروي: أن ابن عباس-﵄-دخل على عائشة-﵂-في مرضها، وهي خائفة من القدوم على الله تعالى، فقال: لا تخافي! لأنك لا تقدمين إلا على مغفرة، ورزق كريم، وتلا الآية، فغشي عليها فرحا بما تلا. الإعراب: ﴿الْخَبِيثاتُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلْخَبِيثِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْخَبِيثُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لِلْخَبِيثاتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وما بعدها معطوفتان أيضا عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف

стр. 3967

خطاب لا محل له. ﴿مُبَرَّؤُنَ:﴾ خبره مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان ب: ﴿مُبَرَّؤُنَ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: مبرؤون من الذي، أو من شيء يقولونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من) أي: مبرؤون من قولهم. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدأ. ﴿وَرِزْقٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كَرِيمٌ:﴾ صفة له. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أي: تستأذنوا. والاستئناس في الأصل: الاستعلام، والاستكشاف، استفعال من: أنس الشيء: إذا أبصره ظاهرا مكشوفا، أي: حتى تستعلموا: أيؤذن لكم في الدخول أم لا؟ فإذا هو من باب الكناية عن الاستئذان، أو هو من باب الإرداف؛ أي: ترادف اللفظين. ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ أي: تقولوا: السّلام عليكم. ولقد اختلف في أيهما يقدم: الاستئذان، أم السّلام، فقيل: يقدم الاستئذان، فيقول: أأدخل؟ سلام عليكم، كما في الآية من تقديم الاستئذان قبل السّلام. وقال الأكثرون: يقدم السّلام، فيقول: سلام عليكم، أأدخل؟ وتقدير الآية حتى تسلموا على أهلها، وتستأذنوا. ولكل فريق دليله. ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: الاستئذان، والتسليم خير لكم من أن تدخلوا بغتة. أو ما ذكر خير لكم من تحية الجاهلية. كان الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته؛ قال: حييتم صباحا. أو حييتم مساء، ودخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد! هذا؛ والترجي إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله لا يحصل منه ترج لعباده. هذا؛ وإن سبب نزول هذه الآية ما رواه الطبري، وغيره عن عدي بن ثابت-﵁ أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله! إني أكون في بيتي على حال، لا أحبّ أن يراني عليها أحد، لا والد، ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليّ، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجال من أهلي؛ وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت الآية، فقال أبو بكر-﵁: يا رسول الله! أفرأيت الخانات، والمساكن في طرق الشام، ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾.

стр. 3968

هذا؛ وإن الرجل لا يستأذن على أهل بيته، ولكن يسن في حقه أن يسلم عليهم إذا دخل، وإذا دخل بيتا ليس فيه أحد؛ فيسن في حقه أن يقول: السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: وذكر لنا: أن الملائكة ترد السّلام. وقال: إذا دخلت بيتك؛ فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم، فإن كان فيه معك أمك، أو أختك، فقالوا: تنحنح، واضرب برجلك؛ حتى ينتبها لدخولك؛ لأن الأهل لا حشمة بينك، وبينها، وأما الأم، والأخت، فقد تكونان على حالة لا تحب أن تراهما فيها. وقد روى عطاء بن يسار: أن رجلا قال للنبي ﷺ : أستأذن على أمّي؟ قال: «نعم». قال إني أخدمها، قال: «استأذن عليها». فعاوده ثلاثا. قال: «أتحبّ أن تراها عريانة؟». قال: لا، قال: «فاستأذن عليها». ذكره الطبري. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢١] ففيها الكفاية. ﴿بُيُوتاً:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، رحمه الله تعالى. والمحققون -وعلى رأسهم الأخفش-ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: (دخلت المدينة، ونزلت المدينة، وسكنت الشام) ﴿غَيْرَ:﴾ صفة ﴿بُيُوتاً،﴾ و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿بُيُوتِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تَسْتَأْنِسُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿لا تَدْخُلُوا﴾. ﴿وَتُسَلِّمُوا:﴾ معطوف على ما قبله، فهو منصوب مثله... إلخ، والواو فاعله... إلخ. ﴿عَلى أَهْلِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿ذلِكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ:﴾ انظر مثلها في الآية رقم [١]، والجملة الاسمية هنا متعلقة بكلام محذوف، التقدير: أنزل عليكم حكم الاستئذان، أو قيل لكم: استئذنوا قبل دخول بيوت غيركم إرادة أن تذكروا، وتعملوا بما هو أصلح لكم. انتهى. بيضاوي بتصرف كبير. ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ اِرْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها﴾ أي: في البيوت. ﴿أَحَداً:﴾ يأذن لكم في الدخول. ﴿فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أي: حتى يأتي من يأذن لكم، فإن المانع من الدخول ليس الاطلاع على

стр. 3969

العورات فقط، بل وعلى ما يخفيه الناس عادة، مع أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه محظور، واستثني ما إذا عرض فيه حرق، أو غرق، أو كان فيه منكر ونحو ذلك؛ فإنه يجوز اقتحام البيوت من غير إذن أهلها في تلك الحالات. ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا:﴾ ولا تلحوا بطلب الدخول، ولا تقفوا على الباب ملازمين، ولا تجدوا في نفوسكم على صاحب البيت، بل ولا تروا أن فيه غضاضة، وانتقاصا من كرامتكم. ﴿هُوَ أَزْكى لَكُمْ﴾ أي: الرجوع المفهوم من الفعلين السابقين أطهر لقلوبكم، وأصلح لأعمالكم، فإن للناس حاجات وأحوالا يكرهون الدخول عليهم فيها، وإذا حضر إلى الباب، فلم يستأذن، وقعد على الباب منتظرا خروج صاحب الدار جاز له ذلك، فقد كان ابن عباس-﵄-يأتي دور الأنصار لطلب الحديث، فيقعد، ولا يستأذن، حتى يخرج إليه صاحب الدار، فإذا خرج، ورآه قال: يا بن عم رسول الله! لو أخبرتني بمكانك، فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم. وإذا وقف على الباب، فلا يجوز له أن ينظر من شقه إذا كان مردودا، فعن سهل بن سعد الساعدي-﵁: أن رجلا اطّلع على النّبيّ ﷺ من حجر في حجرة النبي ﷺ ، ومع رسول الله ﷺ مدراة يحكّ به رأسه، فقال النبي ﷺ : «لو علمت أنّك تنظر؛ لطعنت بها في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والمدراة المشط، ويروى: مدرى بالقصر. وعن عبد الله بن بسر-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تأتوا البيوت من أبوابها، ولكن ائتوها من جوانبها، فاستأذنوا، فإن أذن لكم فادخلوا، وإلاّ؛ فارجعوا». رواه الطبراني في الكبير، فينبغي أن يقف المستأذن على يمين الباب، أو يساره، ولا يستقبله، ثم إذا قيل: من هذا؟ قال: أنا فلان، أو: أبو فلان، ولا يقل: أنا؛ فإنه لا يعرف، وقد أنكر النبي ﷺ على من قال: أنا. فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: استأذنت على النبيّ ﷺ ، فقال: «من هذا؟». فقلت: أنا، فقال النبيّ ﷺ : «أنا، أنا». كأنه كره ذلك. رواه الشيخان وغيرهما. فينبغي مراعاة هذه الآداب في الاستئذان، وإنا لنفخر بما شرع الله لنا من آداب كثيرة، ومن جملتها هذا الاستئذان، وإن كثيرا من غير المسلمين يحسدوننا على هذا الأدب، فقد ذكر لي أحد إخواني: أن نصرانيا قال له: نحسدكم على ما في دينكم من آداب، وفي طليعتها أدب الاستئذان. ولكن الكثير من المسلمين قد أهملوا هذه الآداب، واعتبروها معرّة لهم، وانتقاصا من أقدارهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ توعّد لمن يتجسس على البيوت، ويحاول الدخول على غفلة من أهلها، والنظر إلى ما لا يحل، ولا يجوز، ولغيرهم ممّن يرتكب شيئا من المحظورات.

стр. 3970

فائدة: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-في مثل هذا التركيب: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا:﴾ دخلت «إن» على «لم» ليرتد الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأنّ «لم» تردّ لفظ المستقبل إلى معنى المضي، و «إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صارت «لم» ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي ردتها «إن» إلى الاستقبال؛ لأن «إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى. هذا؛ وإعلال ﴿تَجِدُوا﴾ مثل إعلال (يعد) في الآية رقم [٣٥] من سورة (المؤمنون)، وانظر شرح (أحد) في الآية رقم [٣٢] من سورة (الكهف)، وأما ﴿قِيلَ﴾ فأصلها: قول، بضم القاف، وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، بعد سلب حركتها، فصار (قول) بكسر القاف وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار قيل. الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَجِدُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تَدْخُلُوها:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) ... إلخ، والواو فاعله، و (ها): مفعول به، وانظر ما ذكرته في الآية السابقة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يُؤْذَنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ في محل رفع نائب فاعله، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلها، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: هو، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وإذا قيل قول، وقيل: الجار والمجرور لكم في محل رفع نائب فاعل، وقيل: جملة: (ارجعوا) هي نائب الفاعل، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «بحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا كلام لا غبار عليه، انظر الشاهد [٧٩٣] من كتابنا فتح القريب المجيب والكلام عليه. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِرْجِعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مفسرة لنائب الفاعل على اعتباره ضميرا، أو هي في محل

стр. 3971

نصب مقول القول، أو هي نفسها في محل رفع نائب فاعل، كما رأيت، فتكون على الحكاية، وهو المعتمد، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ لا محل لها... إلخ. ﴿فَارْجِعُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، والجملة: (ارجعوا) في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَزْكى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَزْكى﴾. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: الله عليم بعملكم، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾ الشرح: روي: أن بعض المسلمين لما نزلت آية الاستئذان السابقة تعمق في الأمر، فكان لا يأتي موضعا خربا، ولا مسكونا إلا سلم، واستأذن، فنزلت هذه الآية، حيث أباح الله تعالى فيها رفع الاستئذان في كل بيت، لا يسكنه أحد؛ لأن العلة إنما هي لأجل خوف الكشفة على الحرمات، فإذا زالت العلة زال الحكم. انتهى. قرطبي. هذا؛ والمراد بالبيوت غير المسكونة كالربط، والمدارس، والخانات المعدة لنزول المسافرين، والحوانيت المعدة للبيع والشراء، والمحلات المعدة لقضاء الحاجة من بول، وغائط، والفنادق المعدة لنوم الغرباء، وإيوائهم مع العلم أنه لا يجوز دخول غرفة من غرف الفندق حتى يعلم، ويتأكد: أنه ليس فيها أحد؛ لأن من المعلوم أن كثيرا من الغرباء يكونون مع أزواجهم، مصطحبين لهنّ في سفرهم. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ:﴾ إثم، ومؤاخذة. ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ أي: استمتاع كالاستكنان من الحر والبرد، وإيواء الأمتعة، والجلوس للمعاملة. وقيل: المراد لكم فيها أمتعة كالحقيبة ونحوها مما يصطحبه المسافر في سفره. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ..﴾. إلخ: فيه وعيد، وتهديد لمن يدخل مدخلا لفساد، أو بقصد تطلع على عورات، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جُناحٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ في محل جر بحرف جر

стр. 3972

محذوف، التقدير: في دخول بيوت غير مسكونة. والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿جُناحٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وانظر الآية رقم [٢٧] لإعراب مثل هذه الكلمات بالتفصيل. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَتاعٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَتاعٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿بُيُوتاً﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ هي بمنزلة الاستثناء من قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف اسئتناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، وهو بمعنى: يعرف، فيتعدى لمفعول واحد فقط، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو: شيئا تبدونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم إبداءكم، وفيه ضعف ظاهر. ﴿وَما تَكْتُمُونَ:﴾ معطوف على ما قبله على جميع الاعتبارات. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ:﴾ هذا خطاب موجه للنبي ﷺ أمره ربه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم عما لا يجوز النظر إليه، وغض البصر: كفه عن المحرمات، يقال: غض بصره، يغضه غضا. قال عنترة الجاهلي-وفيه شهامة أكثر من مئات الألوف من المسلمين في هذه الأيام-: [الكامل] وأغضّ طرفي ما بدت لي جارتي... حتّى يواري جارتي مأواها وقال حاتم الطائي، والجاهلي أيضا-وفيه غيرة وحمية أكثر من عشرات الملايين من مسلمي هذه الأيام-: [الكامل] وأغضّ طرفي إن بدت لي جارتي... حتّى يواري جارتي الخدر ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أي: يستروها عن أن يراها من لا يحل نظرهم إليها، أو يحفظوها عن الزنى، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ..﴾. إلخ انظر الآية رقم [٥] من سورة (المؤمنون). ولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه، ويحفظ الفرج منه؛ لأن ذلك معلوم بالعادة، وأن المراد منه المحرّم دون المحلّل، وعلى الاعتبار الأول فالصحيح أن الجميع مراد، واللفظ عام.

стр. 3973

وروى بهز بن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه، عن جده-﵃-قال: قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها، وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلاّ من زوجتك، أو ما ملكت يمينك». قال: الرجل يكون مع الرجل، قال: «إن استطعت ألاّ يراها أحد فافعل». قلت: الرجل يكون خاليا؟ فقال: «الله أحقّ أن يستحيا منه من الناس». وقد ذكرت عائشة-﵂ رسول الله ﷺ ، وحالها معه، ﷺ ، فقالت: (ما رأيت منه، ولا رأى منّي) فحذفت-﵂ مفعول الفعلين، والمراد به: الفرج. وعن أبي سعيد الخدري-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الرّجل إلى عورة الرّجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفض الرّجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفض المرأة إلى المرأة في ثوب واحد». أخرجه مسلم. ﴿ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ﴾ أي: غض البصر، وحفظ الفرج أطهر في الدين، وأبعد من دنس الآثام والريبة. ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ:﴾ لا يخفى عليه إجالة أبصارهم، واستعمال سائر حواسهم، وتحريك جوارحهم، وما يقصدون بها، فليكونوا على حذر منه في كل حركة وسكون. هذا؛ و ﴿يَصْنَعُونَ﴾ أبلغ من قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في الآية السابقة، من حيث إن الصنع عمل الإنسان بعد تدرب فيه، وتروّ، وتحرّي إجادة، ولذلك ذم به خواص اليهود وذلك في سورة (المائدة) الآية رقم [٦٣] بينما ذم عوامهم بقوله ﴿يَعْمَلُونَ﴾ وذلك في الآية رقم [٦٢] منها. هذا؛ ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته، أو أمه، أو أخته، وزمانه خير من زماننا هذا، وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرّمة نظر شهوة يردّدها. انتهى. قرطبي. تنبيه: البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأهم طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وعن كل ما يخشى الفتنة من أجله، ورحم الله من يقول: [البسيط] كلّ الحوادث مبداها من النّظر... ومعظم النّار من مستصغر الشّرر والمرء ما دام ذا عين يقلّبها... في أعين الغيد موقوف على الخطر كم نظرة فعلت في قلب صاحبها... فعل السّهام بلا قوس، ولا وتر يسرّ ناظره ما ساء خاطره... لا مرحبا بسرور عاد بالضّرر وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة تحذر من سقطاته. وترغب في غضه، وكفه عن النظر إلى المحرمات، فعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه : «النّظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي، أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه». رواه الطبراني والحاكم من حديث حذيفة-﵁. هذا؛ وإن الإسلام أباح النظرة الأولى نظرة الفجاءة، وحرم النظرة الثانية نظرة التتبع، والتمتّع، والمعاودة؛ لأن النظر إلى النساء باب عظيم من أبواب البلاء، فقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم

стр. 3974

لعلي كرم الله وجهه: «يا عليّ! لا تتبع النّظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وعليك الثانية». وفي رواية: «وليست لك الآخرة». والأحاديث في ذلك كثيرة مسطورة. خاتمة: نظر الرجل إلى المرأة على ستة أضرب: أحدها: نظره-ولو كان شيخا هرما، عاجزا عن الوطء-إلى أجنبية لغير حاجة؛ فغير جائز. الثاني: نظره إلى زوجته، فيجوز أن ينظر كل شيء منها حتى الفرج مع الكراهة. والثالث: نظره إلى ذوات محارمه، فيجوز فيما عدا ما بين السرة والركبة إذا كان بغير شهوة. والرابع: النظر لأجل النكاح أي نظر الخاطب إلى خطيبته، وبالعكس، فيجوز إلى الوجه والكفين. والخامس: النظر للمداواة، فيجوز إلى المواضع التي يحتاج إليها، وهذا عند فقد امرأة تعالج المرأة، فإن وجدت امرأة مسلمة؛ فهي أحق، وإذا لم توجد مسلمة؛ فامرأة كافرة أحق من الرجل؛ وإن كان مسلما صالحا. والسادس: النظر للشهادة عليها، أو للمعاملة معها، فيجوز النظر إلى الوجه خاصة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَغُضُّوا:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو جواب ﴿قُلْ﴾. وتقدير الكلام: إن تقل لهم يغضوا، قاله الأخفش، ورده قوم، قالوا: لأن قول الرسول لهم لا يوجب أن يغضوا، وهذا عندي لا يبطل قوله؛ لأنه لم يرد أمر الكفار، بل المؤمنين كما هو واضح، وإذا قال لهم الرسول: غضوا أبصاركم؛ غضوها؛ لأنهم مأمورون بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، استجابة لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. والوجه الثاني: حكي عن المبرد، وهو أن التقدير: قل لهم: غضوا؛ يغضوا، فيغضوا المصرح به جواب غضوا المحذوف، حكاه جماعة عنه، ولم يتعرضوا لإفساده، وهو فاسد لوجهين: أحدهما: أن جواب الشرط، يخالف الشرط، إما في الفعل، وإما في الفاعل، أو فيهما، فأما إذا كان مثله في الفعل والفاعل فهو خطأ، كقولك: قم تقم، والتقدير على ما ذكر في هذا الوجه: إن يغضوا يغضوا، والوجه الثاني أن الأمر المقدر للمواجهة، ويغضوا على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحدا. والوجه الثالث من الأوجه الأولى: أنه مجزوم بلام محذوفة، تقديره: ليغضوا، فهو أمر مستأنف، وجاز حذف اللام لدلالة ﴿قُلْ﴾ على الأمر، وهذه التوجيهات أخذتها من إعراب الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) -على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بالمقايسة بين ما هنا وهناك، فإن التعبير في الآيتين واحد، ولم يذكر أحد شيئا في إعراب الآية هنا، وما هناك منقول عن أبي البقاء العكبري، ومكي بن أبي طالب القيسي، مع الإشارة إلى ما ذكره ابن هشام في مغنيه. رحم الله الجميع رحمة واسعة، وشملنا معهم ببره، وإحسانه، وفضله، وكرمه، وجوده.

стр. 3975

هذا؛ و ﴿يَغُضُّوا﴾ مجزوم على جميع الوجوه المذكورة، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل نصب مقول القول على حسب الوجوه المعتبرة فيها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة وهذا على مذهب الأخفش الذي يجيز زيادتها في الإيجاب، ويؤيده قوله تعالى في سورة (الحجرات): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ﴾ وهو مذهب الكوفيين. ﴿أَبْصارِهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقيل: ﴿مِنْ﴾ أصلية جارة، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَحْفَظُوا:﴾ معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿فُرُوجَهُمْ:﴾ مفعول به، و (الهاء) في محل جر بالإضافة، ودخلت ﴿مِنْ﴾ في غض البصر، دون حفظ الفرج لتدل على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن، وصدورهن، وكذا الإماء المستعرضات للبيع في الزمن الماضي، وأما الفروج؛ فمضيق فيها. ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب حرف لا محل له. ﴿أَزْكى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وهو أفعل تفضيل، فاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَزْكى،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبرها. ﴿بِما:﴾ متعلقان بخبير، وانظر إعراب مثل الباقي في الآية رقم [٢٨] فهو مثله بلا فارق، وفي الآية السابقة ما يشبهه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ:﴾ خص الله الإناث هنا بالخطاب على طريق التأكيد، فإن قوله جل ذكره في الآية السابقة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يكفي؛ لأنه قول عام يتناول

стр. 3976

الذكر، والأنثى من المؤمنين، حسب كل خطاب عام في القرآن، وبدأ جل ذكره بغض البصر، قبل حفظ الفرج؛ لأن البصر رائد القلب، كما أن الحمّى رائد الموت، وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال: [الطويل] ألم تر أنّ العين للقلب رائد... فما تألف العينان فالقلب آلف ورحم الله من يقول: [الطويل] وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا... لقلبك يوما أتبعتك المناظر رأيت الّذي لا كلّه أنت قادر... عليه ولا عن بعضه أنت صابر هذا؛ وقد قيل: إن النظر بريد الزنى، ورسول الفحش، والخنا، ورحم الله أحمد شوقي؛ إذ يقول: [الخفيف] نظرة، فابتسامة، فسلام... فكلام، فموعد، فلقاء هذا؛ وإن الله جلت قدرته أمر المرأة بغض بصرها عن الرجل، كما أمر الرجل بغض البصر عنها؛ لأنه قد يعجبها من الرجال ما يعجب الرجال من النساء، حتى لا نقع في فتنة عمياء، تورثها البلاء، والشقاء، فقد روى الترمذي، وأبو داود-رحمهما الله تعالى-عن أم سلمة-﵂ قالت: كنت عند رسول الله ﷺ ، وعنده ميمونة بنت الحارث؛ إذ أقبل ابن أمّ مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله ﷺ : «احتجبا منه». فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى، لا يبصرنا، ولا يعرفنا؟! فقال: «أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟!». ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ:﴾ بالتستر، أو التحفظ عن الزنى، وهو الأولى. ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي: لغير محرم، والمراد بالزينة: ما تتزين به المرأة من حليّ، أو كحل، أو خضاب في الرجل، والسوار في المعصم، والقرط في الأذن، والقلائد في العنق، فلا يجوز للمرأة إظهارها، ولا يجوز للأجنبي النظر إليها، والمراد من الزينة النظر إلى مواضعها من البدن. ﴿إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ أي: من الزينة. قال سعيد بن جبير، والضحاك، والأوزاعي: الوجه والكفان، وقال ابن مسعود: هي الثياب، وقال ابن عباس-﵃ أجمعين-: هي الكحل، والخاتم، والخضاب في الكف، فما كان من الزينة الظاهرة، يجوز للرجل الأجنبي النظر إليه للضرورة، مثل تحمل الشهادات، ونحوه من الضرورات؛ إذا لم يخف فتنة، وشهوة، فإن خاف شيئا من ذلك؛ غضّ البصر، وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها؛ لأنه ليس بعورة، وتؤمر بكشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة، يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة-﵂: (أنّ أسماء بنت أبي بكر-﵄-دخلت على رسول الله ﷺ ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض

стр. 3977

عنها رسول الله ﷺ ، وقال لها: «يا أسماء! إنّ المرأة إذا بلغت المحيض؛ لم يصلح أن يرى منها إلاّ هذا، وأشار إلى وجهه، وكفّيه». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٠] الآتية. فهذا أقوى في جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس، فلا تبد المرأة من زينتها، إلا ما ظهر من وجهها وكفيها. والله الموفق لا رب سواه. وقد قال ابن خويز منداد من علماء المالكية: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها، وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزا، أو مقبّحة؛ جاز أن تكشف وجهها، وكفيها. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ:﴾ (الخمر) جمع: الخمار بكسر الخاء، وهو ما تغطي به رأسها، ومنه اختمرت المرأة، وتخمّرت، وهي حسنة الخمرة، ويجمع الخمار على أخمرة أيضا، قال الراعي النميري، وينسب للقتال الكلابي: [البسيط] صلّى على عزّة الرحمن وابنتها... ليلى وصلّى على جاراتها الأخر هنّ الحرائر لا ربّات أخمرة... سود المحاجر، لا يقرأن بالسّور و ﴿جُيُوبِهِنَّ:﴾ جمع: جيب، وهو موضع القطع عند الرقبة والصدر من الثوب، والمراد: ليلقين ثيابهن على نحورهن، وصدورهن. ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي: الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة، ولا للأجانب، وهي ما عدا الوجه والكفين، فقد روى البخاري عن عائشة ﵂: أنها قالت: رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن أزرهن، فاختمرن بها. ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن ﵃-وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها، وما هنالك، فشقته عليها، وقالت: إنما يضرب بالكثيف الذي يستر. ﴿إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ:﴾ فهؤلاء هم الذين يجوز لهم أن ينظروا إلى الزينة الباطنة، ولا ينظرون إلى ما بين السرة والركبة، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدن زوجته؛ غير أنه يكره له النظر إلى فرجها، ولهذا المعنى بدأ الله بالبعولة؛ لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا. هذا؛ ولا يفوتني أن أذكر أن نظر الرجل إلى فرج زوجته كثيرا، يورث عمى القلب، ومن ذلك كثرة النسيان. وقد تساهل أصبغ من المالكية تساهلا كبيرا في ذلك، ولا شك أنه تختلف مراتب ما يبدى لهم، فيبدى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج. هذا؛ والمراد ب: ﴿أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الذكور، ويدخل فيه أولاد الأولاد، وإن سفلوا من ذكور كانوا أو إناث كبني البنين وبني البنات، وكذلك آباء البعولة، والأجداد، وإن علوا، وكذلك أبناء البنات، وأبناء الإخوة، وأبناء الأخوات، وإن سفلوا، وهذا كله في معنى ما حرم من المناكح، فإن ذلك على المعاني في الولادات، وهؤلاء محارم، انظر الآية رقم [٢٣] من سورة (النساء). هذا؛

стр. 3978

ولم يذكر الله الأعمام، والأخوال مع كونهم من المحارم، وأولادهم ليسوا من المحارم باتفاق جميع المسلمين؛ لأن مناكحتهم صحيحة لا حرج فيها. ولم يذكر جلت قدرته ما يحرم بالرضاع. وقد ذكرته آية النساء المذكورة. تنبه لهذا؛ واحفظه، وقيل: لم يذكر الأعمام، والأخوال؛ لأنهم في معنى الإخوان، أو؛ لأن الأحوط أن يتسترن عنهم أن يصفوهن لأولادهم. ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ﴾ أي: المؤمنات من أهل دينهم، أراد به: أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة ما عدا ما بين السرة، والركبة، فلا يجوز للمرأة المؤمنة أن تتعرى من ثيابها عند الذمية، أو الوثنية؛ لأنها ليست من نساء المؤمنات، ولأنها أجنبية في الدين. فكانت أبعد من الرجل المسلم الذي يحل نكاحه، وكان قد كتب عمر-﵁-إلى أبي عبيدة بن الجراح-﵁: أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات، وذلك لئلا تصف الكافرة جسد المسلمة لزوجها، أو غيره من أقاربها. ولا يفوتني أن أذكر: أنه تقدم الطبيبة الكافرة في معالجة المرأة المسلمة، ومداواتها على الطبيب المسلم، ولو كان صالحا، ولكن المسلمين في هذه الأيام يقدمون الطبيب الكافر على الطبيب المسلم بل وعلى الطبيبة المسلمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ أي: من العبيد والإماء، بمعنى يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف من بدنها ما عدا ما بين السرة والركبة لمن تملكه من العبيد، ولا أطيل الكلام في ذلك؛ لأنه لم يعد الرق موجودا في الدنيا. ﴿أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ الإربة: الحاجة، يقال: أربت كذا، آرب أربا، والإرب، والإربة، والمأربة، والأرب: الحاجة، والجمع: مارب، أي: حوائج، وانظر الآية رقم [١٨] من سورة (طه) وقال طرفة بن العبد البكري: [الطويل] إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا... تقدّم يوما ثمّ ضاعت ماربه هذا؛ وقد اختلف في المراد بذي الإربة، فقيل: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء، وقيل: هو الأبله، وقيل: هو العنين، وقيل: هو الخصي، وقيل: هو الرجل يتبع القوم، فيأكل معهم، لا همة له إلا ذلك، ولا حاجة له في النساء، وقيل: هو المخنث. وبهذه الصفة كان «هيت» المخنث عند رسول الله ﷺ ، فلما سمع منه ما سمع من وصف محاسن المرأة، وهي بادية بنة غيلان أمر بالاحتجاب منه. فقد ذكر الواقدي، والكلبي: أن «هيتا» المخنث، قال لعبد الله بن أمية المخزومي، وهو أخو أم سلمة لأبيها، وأمه عاتكة عمة رسول الله ﷺ ، قال له، وهو في بيت أخته أم سلمة، ورسول الله ﷺ يسمع: إن فتح الله عليكم الطائف، فعليك ببادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي، فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان، مع ثغر كالأقحوان، إن جلست تبنّت، وإن تكلمات تغنّت، بين رجليها كالإناء المكفوء، وهي كما قال قيس بن الخطيم: [المنسرح] تغترق الطّرف وهي لاهية... كأنّما شفّ وجهها نزف

стр. 3979

بين شكول النّساء خلقتها... قصد، فلا جبلة، ولا قضف تنام عن كبر شأنها فإذا... قامت رويدا تكاد تنقصف تغترق الطرف: أي من نظر إليها استغرقت طرفه، وبصره، وشغلته عن النظر إلى غيرها، وهي لاهية عنه، غير محتفلة به. نزف: أي: كأنما ينزف الدم من وجهها لشدة حمرته، وشقرته، والشكول: الضروب، والأمثال. وقصد: ليست بالجسيمة، ولا النحيفة. والجبلة: الغليظة. والقضف: الدقة، وقلة اللحم. فقال له النبي ﷺ : «لقد غلغلت النظر إليها يا عدوّ الله». ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى. رواه مسلم. وزاد أبو داود في رواية: فاحجبوه، وأخرجوه إلى البيداء، فكان يدخل كل جمعة فيستطعم، ولم يزل بذلك المكان حتى قبض النبي ﷺ ، فلما ولي أبو بكر-﵁-كلّم فيه، فأبى أن يرده، فلما ولي عمر-﵁؛ كلّم فيه، فأبى أن يرده، ثم كلّم فيه عثمان رضي الله بعد، وقيل: إنه كبر، وضعف، فأذن له أن يدخل المدينة. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ أي: لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع، فيطلعوا عليها، أو لم يعرفوا العورة من غيرها لصغرهم. وقيل: لم يطيقوا أمر النساء. هذا؛ والطفل اسم جنس وضع موضع الجمع اكتفاء بدلالة الوصف؛ أي الموصول. انظر الآية رقم [٥] من سورة (الحج) فالبحث فيها ضاف كاف، ويقرأ شاذا: «(الأطفال)» كما قرئ: «(عورات)» بفتح الواو شاذا قراءة، ولغة، وانظر ما ذكرته في خطوات في الآية رقم [٢١] وانظر شرح النساء في الآية رقم [٦٠] الآتية. ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ:﴾ قيل: كانت المرأة إذا مشت ضربت برجلها الأرض ليسمع صوت خلخالها، أو يتبين، فنهين عن ذلك، وقيل: إن الرجل تغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال، ويصير ذلك داعية له زائدة في مشاهدتهن، وقد علل الله ذلك برغبتهن في معرفة ما يخفين من زينتهن، فنهى الله عن ذلك؛ لأن إسماع صوت الزينة كإبداء الزينة، أو أشد، والغرض التستر، وسد الذريعة، ولذا نهى الله عنه، والنهي للتحريم، إن فعلت ذلك تبرجا، وتعرضا للرجال، علما بأن الخلخال لم يكن في هذه الأيام زينة للنساء، ولكن الآنسة في هذه الأيام تكشف عن ساعديها، ونحرها، وأذنيها لتري زينتها للغادين، والرائحين بلا خجل، ولا ارعواء، لا من الله، ولا من الناس، ولا حول، ولا قوة إلا بالله!. ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً﴾ أي: من التقصير الواقع في أمره، ونهيه، وراجعوا طاعته، فيما أمركم به، ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السورة. قيل: إن أوامر الله، ونواهيه في كل باب، لا يقدر العبد الضعيف على مراعاتها، وإن ضبط نفسه، واجتهد، فلا ينفك عن تقصير يقع

стр. 3980

منه، فلذلك وصى المؤمنين بالتوبة، والاستغفار، ووعد بالفلاح إذا تابوا، واستغفروا، وقد قيل: أحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس له حاجة إلى التوبة. وينبغي أن تعلم: أن التوبة المقبولة هي التوبة النصوح التي ذكرها ربنا في سورة (التحريم) ولها شروط: الندم بالجنان، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالأركان، ورد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان. وقد كان النبي ﷺ يكثر من الاستغفار، والتوبة مع كونه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وذلك تعليم لنا، وترغيب في كثرة الاستغفار، والتوبة إلى الله تعالى، فعن الأغر أغر مزينة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توبوا إلى ربّكم، فو الله إنّي لأتوب إلى ربّي ﵎ مئة مرّة في اليوم». رواه مسلم، وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: إن كنّا لنعدّ لرسول الله ﷺ في المجلس يقول: «ربّ اغفر لي، وتب عليّ إنّك أنت التواب الرّحيم مئة مرّة». أخرجه عبد بن حميد الكشي، والأحاديث المرغبة في التوبة كثيرة لا تعد، ولا تحصى. ولا تنس: أن في الآية التفاتا من الغيبة في كل ما تقدم إلى الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا..﴾. إلخ، وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء). خاتمة: يطعن المستشرقون، وكثير من المسلمين المثقفين في أحكام الإسلام، ويصفونه بالقسوة في حدوده التي وضعها لبعض الجرائم التي يقترفها العبد، مثل إقامة الحد على الزاني، والزانية، من جلد، أو رجم حسب ما رأيت في مطلع هذه السورة، فنرد عليهم، ونقول لهم: إن الإسلام الحنيف كرم المرأة، وأحاطها بسياج من العفة، وحفظ الشرف، ورفعة القدر، وعلو المكانة، فهو لم يفتح لها الباب على مصراعيه، تخالط من تشاء، وترافق من تشاء، وتتأبط من تشاء، وإنما أمرها في القعود في بيتها، وكلف الرجل بالإنفاق عليها، وتقديم مطالبها، وقد شرع من التعاليم، والآداب ما يجعلها في كن منيع من الوقوع في جريمة الزنى، فقد حرم النظر منها، وإليها كما رأيت، وشرع الاستئذان في الدخول على البيوت؛ حتى لا يداهمها رجل في بيتها، وقد تكون وحدها، وحرم عليها التبرج، والخروج إلى الشوارع متهتكة، وحرم عليها الخلوة بمن يحل له زواجها، فعن جابر بن عبد الله-﵄: أن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يخلونّ بامرأة ليس معها ذو محرم، فإنّ ثالثهما الشّيطان». وعن عقبة بن عامر-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم والدّخول على النساء». فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحم؟ قال: «الحم الموت». أخرجه البخاري، ومسلم. وقد فسر العلماء الحم بأنه أخو الزوج وابن أخيه، وعمه وابن عمه، ونحوهم مما يشمل أقارب الزوج وأقارب الزوجة، ومعنى قول النبي ﷺ : «الحم الموت». أي: الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه، والفتنة أكثر؛ لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة بها من غير أن ينكر عليه أحد، وكان المعنى: موته، ولا يختلي بامرأة قريبة.

стр. 3981

وعن أبي أمامة الباهلي-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «إيّاك والخلوة بالنّساء، والّذي نفسي بيده، ما خلا رجل بامرأة إلاّ ودخل الشّيطان بينهما، ولأن يزحم رجل خنزيرا متلطّخا بطين، أو حمأة خير من أن يزحم منكبه منكب امرأة لا تحلّ له». رواه الطبراني. تنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: ليس في كتاب الله تعالى آية أكثر ضمائر من هذه الآية، جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات، من مخفوض ومرفوع. تنبيه: قرأ الجمهور: (أيّه) بفتح الهاء، وبدون ألف، وقرأ ابن عامر بضمها، ووجهه أن تجعل الهاء من نفس الكلمة، فيكون إعراب المنادى فيها. وضعف أبو علي الفارسي ذلك جدا، وقال: آخر الاسم هو الياء الثانية من «أيّ» فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم، ولو جاز ضم الهاء ها هنا لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم في (اللهم) لاقترانها بالكلمة في كلام طويل، والصحيح: أنه إذا ثبت عن النبي ﷺ قراءة، فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة، فإن القرآن هو الحجة، وأنشد الفراء: [الرجز] يا أيّه القلب اللّجوج النّفس... أفق عن البيض الحسان اللّعس وبعضهم يقف (أيّه) وبعضهم يقف (أيها) بالألف؛ لأن علة حذفها في الوصل، إنما هو سكونها وسكون اللام، فإذا كان الوقف ذهبت العلة، فرجعت الألف. وهذا الاختلاف الذي ذكرناه كذلك هو في الآية رقم [٤٩] من سورة (الزخرف) في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ وأيضا في الآية رقم [٣١] من سورة (الرحمن) في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ انتهى. قرطبي، وقد رسمت الهاء في هذه المواضع الثلاثة بدون ألف، وثبتت في غير هذه المواضع حملا لها على الأصل، كما تراه في جميع آيات القرآن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿يَغْضُضْنَ:﴾ مضارع مبني على السكون، لا تصاله بنون النسوة، والنون فاعله، وهو في محل جزم، والكلام فيه كما في الآية السابقة. ﴿مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ:﴾ قل في هذا الكلام ما رأيته في الآية السابقة من الإعراب، والهاء فيهما وفيما يأتي في محل جر بالإضافة، والنون فيهما، وفيما يأتي حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿يُبْدِينَ:﴾ مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، وهو في محل جزم بلا الناهية، والنون فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَغْضُضْنَ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿زِينَتَهُنَّ:﴾ مفعول به... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء. وقيل: بدل من ﴿زِينَتَهُنَّ﴾ ولا وجه له. ﴿ظَهَرَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ والجملة

стр. 3982

الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ:﴾ مضارع مبني على السكون لا تصاله بنون النسوة، وهو في محل جزم بلام الأمر، والنون فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِخُمُرِهِنَّ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (خمرهن): مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقيل: الباء حرف جر أصلي، وهي للتبعيض. ﴿عَلى جُيُوبِهِنَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهو بمعنى يلقين. ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ:﴾ هو مثل ما قبله في إعرابه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِبُعُولَتِهِنَّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والأسماء الآتية كلها معطوفة على هذا المجرور، و ﴿آباءِ﴾ مضاف، و ﴿لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ مضاف إليه، و ﴿أَبْناءِ﴾ مضاف، و ﴿لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ مضاف إليه. ﴿بَنِي:﴾ معطوف على ما قبله مجرور أيضا، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِخْوانِهِنَّ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على الأسماء المجرورة قبله. ﴿مَلَكَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿أَيْمانُهُنَّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: أو الذي ملكته أيمانهن. ﴿التّابِعِينَ:﴾ معطوفة على ما قبله، مجرور أيضا، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿غَيْرِ:﴾ بالجر صفة ﴿التّابِعِينَ﴾ أو بدل منه، ويقرأ بالنصب، وفيه وجهان: أحدهما: النصب على الحال من الضمير المستتر في ﴿التّابِعِينَ﴾ وثانيهما: النصب على الاستثناء من الضمير المستتر في ﴿التّابِعِينَ﴾ أيضا، و ﴿غَيْرِ﴾ مضاف، و ﴿أُولِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿أُولِي﴾ مضاف، و ﴿الْإِرْبَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الرِّجالِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿التّابِعِينَ﴾ أو من ﴿أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. ﴿الطِّفْلِ:﴾ معطوف على بعولتهن... إلخ، وما بعده من أسماء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿الطِّفْلِ﴾. ﴿لَمْ يَظْهَرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَلى عَوْراتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿عَوْراتِ﴾ مضاف، و ﴿النِّساءِ﴾ مضاف إليه. (لا): ناهية جازمة. ﴿لْيَضْرِبْنَ:﴾ مضارع مبني على السكون في محل جزم ب: (لا) الناهية، والنون فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (لا يبدين...) إلخ. ﴿بِأَرْجُلِهِنَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِيُعْلَمَ:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿يُخْفِينَ:﴾

стр. 3983

مضارع مبني على السكون لا تصاله بنون النسوة التي هي فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ليعلم الذي، أو شيء يخفينه. ﴿مِنْ زِينَتِهِنَّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما﴾ والهاء فيه وفي جميع ما تقدم في محل جر بالإضافة، والنون فيه وفي جميع ما تقدم حرف دال على جماعة الإناث، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل يضربن. ﴿وَتُوبُوا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (توبوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، وهو الأقوى لا محل لها. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من واو الجماعة، وهي حال مؤكدة. ﴿أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ في الآية رقم [٢١]، والجملة الندائية لا محل لها مثل الجملة الفعلية قبلها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿تُفْلِحُونَ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للحث على التوبة. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ الشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى: لما نهى عما عسى أن يفضي إلى السفاح، المخل بالنسب المقتضي للألفة، وحسن التربية، ومزيد الشفقة المؤدية إلى بقاء النوع الإنساني بعد الزجر عنه مبالغة فيه، عقبه بالأمر بالنكاح، الحافظ له. انتهى. والخطاب لأولياء الحرائر، وسادة الإماء. وفيه دليل واضح على أن المرأة، ليس لها أن تنكح نفسها بغير ولي، وهو قول أكثر الفقهاء، لقول النبي ﷺ : «لا نكاح إلاّ بوليّ». أخرجه أبو داود، والترمذي، عن أبي موسى الأشعري-﵁. ولهما عن عائشة-﵂-عن النبي ﷺ : أنه قال: «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها؛ فنكاحها باطل ثلاثا، فإن أصابها فلها المهر بما استحلّ من فرجها، فإن تشاجروا فالسّلطان وليّ من لا وليّ له». وقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: إذا زوجت الثيب، أو البكر البالغ نفسها بغير ولي، وبحضور شاهدين كفأ لها؛ جاز. وقال مالك: إن كانت المرأة دنيئة يجوز لها تزويج نفسها. وإن كانت شريفة فلا. ودليل الشافعي وأحمد بن حنبل-﵃ أجمعين-الحديثان المذكوران عن أبي موسى، وعائشة-﵄. هذا؛ وقد اختلف في هذا الأمر، فقال قوم: هو للوجوب، وقال قوم: هو للندب، والقول الفصل فيه: إن الرجل إن كان يتوق للزواج، وقادرا على تكاليفه، ويخشى على نفسه الهلاك في

стр. 3984

الدين، أو في الدنيا، أو فيهما؛ فهو واجب له، كيف لا؟ وقد قال الرسول ﷺ : «من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتّق الله في الشّطر الباقي». أخرجه الطبراني في الأوسط، عن أنس-﵁. وفي رواية للبيهقي: قال رسول الله ﷺ : «إذا تزوّج العبد؛ فقد استكمل نصف الدّين؛ فليتّق الله في النصف الباقي». وأقول: إن المرأة في هذه الأيام صارت الدين كله، وكذلك المرأة إن كانت محتاجة للنكاح لعدم نفقة، أو خوف زنى. وأما من لا تتوق نفسه إلى الزواج، وهو قادر عليه؛ فالتخلي للعبادة أفضل له من النكاح، كيف لا؟ وقد روى عبد الله بن مسعود-﵁-عن النبي ﷺ : أنه قال: «يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، فإنّه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم، فإنّه له وجاء». أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما، الباءة: كناية عن الجماع، كما تفسر بمؤن النكاح، والوجاء بكسر الواو: رضّ الأنثيين، وهو نوع من الخصاء، فالصوم يكسر شهوة الشاب، وكذلك المرأة، فالتخلي للعبادة أفضل لها؛ إن كانت غير محتاجة... إلخ. هذا؛ والنكاح لغة: الضم، يقال: تناكحت الأشجار؛ أي: انضم بعضها إلى بعض، وشرعا عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح، أو تزويج، وهو حقيقة في العقد، مجاز في الوطء على الأصح عندنا معاشر الشافعية، والكفاءة معتبرة في النكاح، ولها شروط ستة عند الحنفية، وهي: العلم، والمال، والسن، والجمال، والنسب، والدين، وأما عند الشافعية فقد نظمها بعضهم بقوله: [الكامل] شرط الكفاءة خمسة قد حرّرت... ينبيك عنها بيت شعر مفرد نسب ودين حرفة حرّية... فقد العيوب، وفي اليسار تردّد وأما في هذه الأيام فلم يعد لهذه الأمور اعتبار إلا المال، فإنه الميزان الذي توزن به النساء والرجال كما قال القائل: [الكامل] قالوا: الكفاءة ستّة فأجبتهم... قد كان هذا في الزّمان الأقدم أمّا بنو هذا الزّمان فإنهم... لا يعرفون سوى يسار الدّرهم وفي الآية الكريمة حث، وترغيب في نكاح الصالحين، والصالحات، ولو كانوا عبيدا، وإماء، أو فقراء، كيف لا؟ وقد روى أبو هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدّين تربت يداك!». رواه الستة إلا الترمذي، وكذلك الرجل ينكح للأربعة المذكورة، بل نفر الرسول ﷺ من زواج امرأة ليست ذات دين، فعن أنس-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من تزوّج امرأة لعزّها؛ لم يزده الله إلاّ ذلاّ، ومن تزوّجها لمالها؛ لم يزده الله إلاّ فقرا، ومن تزوّجها لحسبها؛ لم يزده الله

стр. 3985

إلاّ دناءة، ومن تزوّج امرأة لم يرد بها إلاّ أن يغضّ بصره، ويحصّن فرجه، أو يصل رحمه؛ بارك الله له فيها، وبارك الله لها فيه». رواه الطبراني في الأوسط، وعن عبد الله بن عمر-﵁-قال، قال رسول الله ﷺ : «لا تزوّجوا النّساء لحسنهنّ، فعسى حسنهنّ أن يرديهنّ، ولا تزوّجوهنّ لأموالهنّ؛ فعسى أموالهنّ أن تطغيهنّ، ولكن تزوّجوهنّ على الدّين، والخلق، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل». رواه ابن ماجه. والعكس صحيح. بعد هذا ف: ﴿الْأَيامى:﴾ جمع: أيم، وهي من ليس لها زوج؛ بكرا كانت، أو ثيبا، ومن ليس له زوج؛ بكرا كان، أو ثيبا، وقد آم، وآمت، وتأيّما: إذا لم يتزوجا؛ بكرين كانا، أو ثيّبين. قال الشاعر: [الطويل] فإن تنكحي أنكح، وإن تتأيّمي... وإن كنت أفتى منكم أتأيّم وقال جميل بن معمر العذري: [الطويل] أحبّ الأيامى إذ بثينة أيّم... وأحببت لمّا أن غنيت الغوانيا ويقال: أيّم بيّن الأيمة، وقد آمت هي، وإمت أنا. قال الشاعر: [الطويل] لقد إمت حتّى لامني كلّ صاحب... رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت و ﴿الْأَيامى﴾ أصله: يتائم، مثل اليتامى أصله: أيائم فقلبا. ﴿عِبادِكُمْ:﴾ جمع: عبد، ويجمع على عبيد، وأعبد وعبدان، والمراد هنا الأرقاء، ويطلق لفظ العبد على الحر أيضا، كيف لا؟ وقد أطلق الله هذا اللفظ على حبيبه محمد ﷺ ، وأضافه إلى نفسه تشريفا وتكريما في كثير من الآيات. (إمائكم): جمع أمة، والمراد به هنا: الرقيقات، والمملوكات، كما يطلق على الحرة؛ فقد قال النبي ﷺ : «ما من عبد، ولا أمة إلاّ وله ثلاثة أخلاّء...». الحديث. ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: لا تمتنعوا من زواج الرجل، وتزويج المرأة بسبب الفقر، فقد وعد الله المتزوجين الطالبين العفة بالزواج، والراغبين في طاعته تعالى بالغنى، وهذا شرط اشترطه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «التمسوا الرّزق بالنّكاح». وقال عمر-﵁: (عجب لمن لا يطلب الغنى بالنكاح) فإن قيل: كثيرا ما نجد الناكح فقيرا معدما، قلت: ينبغي أن يعرف العبد ما شرطه الله للغنى، وهو التقوى كما رأيت، وكذلك ما قيده بإرادته ومشيئته، ولا يشاء الحكيم العليم إلا ما اقتضته الحكمة، وما فيه مصلحة، فقد قال جل ذكره: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. فمن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضا بعزب كان غنيا، فأصبح فقيرا بالنكاح، وبفاسق تاب، واتقى الله، وكان له شيء، فأصبح فقيرا بعد توبته. ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ أي: غني ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق وهو أيضا واسع الفضل والرحمة، وواسع القدرة والعلم والحكمة.

стр. 3986

﴿عَلِيمٌ:﴾ يبسط الرزق لمن يشاء، ويقدر. هذا؛ وقد قال الله تعالى في الآية رقم [١٣٠] من سورة (النساء): ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾. فجملة القول نفحات الله، وخيراته مأمولة في كل حال موعود بها، من عزوبة، أو تزوج، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَأَنْكِحُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنكحوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْأَيامى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الأيامى، والجملة الفعلية، بل الآية بكاملها معطوفة على ما تضمنت السورة الكريمة من حوادث. ﴿وَالصّالِحِينَ:﴾ معطوف على الأيامى منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿مِنْ عِبادِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه؛ لأنه جمع اسم فاعل، ﴿وَإِمائِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص، فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فُقَراءَ:﴾ خبره، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُغْنِهِمُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿يُغْنِهِمُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿واسِعٌ عَلِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ أي: ليجتهد في طلب العفة، وقمع الشهوة؛ حتى لا يقع في الزنى، والحرام الذين لا يجدون ما يتزوجون به من صداق، ونفقة، وقد أرشد هؤلاء الرسول ﷺ إلى الصوم، كما رأيت في الآية السابقة. ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يوسع عليهم في الرزق من جوده وإحسانه، ويجدون أهبة الزواج، وتكاليفه. ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ﴾ أي: المكاتبة، و ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبون، ويلتمسون. قيل: نزلت الآية الكريمة في عبد لحويطب بن عبد العزى، يقال له: صبح، أو صبيح، طلب من سيده أن يكاتبه،

стр. 3987

فأبى عليه، فأنزل الله هذه الآية، فكاتبه حويطب على مئة دينار، ووهب له منها عشرين دينارا، فأداها، وقتل يوم حنين-﵁، وأرضاه. بيان حكم الآية، وكيفية المكاتبة: وذلك أن يقول السيد لعبده: كاتبتك على كذا من المال، ويسمي مالا معلوما، تؤدي ذلك في نجمين، أو في نجوم معلومة، كل نجم (قسط) كذا، فإذا أديت ذلك؛ فأنت حر، ويقبل العبد ذلك، فإذا أدى العبد المال المتفق عليه عتق، ويصير أحق بمكاسبه من سيده، وما فضل بيده بعد أداء المال المتفق عليه فهو له، ويتبعه أولاده الذين حصلوا في الكتابة في العتق، وإذا عجز عن أداء المال كان لسيده أن يفسخ كتابته، ويرده إلى العتق، ويكون ما في يده من المال لسيده، لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده-﵃-أنه قال، قال رسول الله ﷺ : «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم». أخرجه أبو داود. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ أمر إيجاب، يجب على السيد أن يكاتب عبده الذي علم أن فيه خيرا؛ إذا سأل العبد ذلك على قيمته، أو على أكثر من قيمته، وإن سأل المكاتبة على أقل من قيمته، لا يجب، وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار؛ لما روي: أن سيرين، -أبا محمد بن سيرين- سأل أنس بن مالك-﵃ أجمعين-أن يكاتبه، فأبى، فانطلق سيرين إلى الفاروق ﵁، فشكاه إليه، فدعاه الفاروق، فقال له: كاتبه، فأبى، فضربه بالدّرّة، وتلا قوله تعالى: ﴿فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ فكاتبه. انتهى خازن بتصرف. وقد اختلف في معنى (الخير) فقال الشافعي-رحمه الله تعالى-: أظهر معاني الخير في العبد، الاكتساب مع الأمانة، فأحب أن لا يمنع من المكاتبة؛ إذا كان هكذا، وعن أبي هريرة ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة حقّ على الله عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، والنّاكح الّذي يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله». أخرجه الترمذي، والنسائي. ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ:﴾ هذا خطاب لسادات المكاتبين أن يحطوا عنهم شيئا من المال الذي كاتبوهم عليه. وقيل: هو حث لجميع المسلمين على مساعدتهم في تحرير رقابهم، ولذا فقد جعل الله لهم نصيبا مفروضا من الزكاة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ من آية التوبة رقم [٦٠]. وأكتفي بهذا؛ لأنه لم يبق للرق وجود في الدنيا. وقد كان في الزمن الغابر وقبل الإسلام يعمّ العالم وجوده، ولا أحكام تضبطه، ثمّ أخذت أحكامه قسطا كبيرا من الفقه الإسلامي. ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ:﴾ المراد ب: (الفتيات): الإماء، و ﴿الْبِغاءِ﴾ الزنى، فقد روي عن جابر، وابن عباس-﵄-أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ المنافق، فقد كانت له جاريتان: إحداهما تسمى: معاذة، والأخرى مسيكة، وكان يكرههما على الزنى، ويضربهما عليه ابتغاء المال، وكسب الولد، إن حبلت إحداهما، أو كلتاهما، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ ، فنزلت

стр. 3988

الآية فيه، وفيمن فعل فعله من المنافقين، ومعاذة هذه أم خولة التي جادلت النبي ﷺ في زوجها، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في مطلع سورة (المجادلة). انتهى. قرطبي بتصرف. ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ أي: إن أراد الفتيات؛ أي: الإماء تعففا عن الزنى، وذلك: أن الفتاة إذا أرادت التحصن، فحينئذ يمكن، ويتصور أن يكون السيد مكرها، ويمكن أن ينهى عن الإكراه، وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن، فلا يتصور أن يقال للسيد: لا تكرهها؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها، وهي مريدة للزنى، فهذا أمر في سادة، وفتيات حالهم هذه، وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي رحمه الله تعالى، فقال: إنما ذكر الله إرادة التحصن من المرأة؛ لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأما إذا كانت راغبة في الزنى لم يتصور إكراه، فحصّلوه. وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين: فقال بعضهم: إن الكلام راجع إلى ﴿الْأَيامى﴾ في الآية السابقة. قال الزجاج، والحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير، أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم، إن أردن تحصنا. وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ﴾ ملغى، ونحو ذلك مما يضعف، والله الموفق. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وقيل: هذا الشرط لا مفهوم له. ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها، والولد يسترق فيباع، وقيل: كان الزاني يفتدي ولده من المزنيّ بها بمئة من الإبل يدفعها إلى سيدها. وقال أبو السعود-رحمه الله تعالى-: وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ ليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنى، وإخراج ما عداها من حكمة، كما كان الإكراه بسبب كراهتهن الزنى لخصوص الزاني، أو لخصوص الزمان، أو لخصوص المكان، أو لغير ذلك من الأمور المصححة للإكراه في الجملة، بل للمحافظة على عادتهم المستمرة، حيث كانوا يكرهونهن على البغاء، وهن يردن التعفف عنه مع وفور شهرتهن الآمرة بالفجور، وقصورهن في معرفة الأمور، الداعية إلى المحاسن الزاجرة عن تعاطي القبائح. انتهى. هذا؛ و ﴿عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ حطامها الفاني، وإنما سمى سبحانه منافع الدنيا عرضا؛ لأنه لا ثبات لها ولا دوام، فكأنها تعرض، ثم تزول بخلاف منافع الآخرة، فإنها دائمة لا انقطاع لها، و ﴿عَرَضَ﴾ بفتح العين والراء هنا، وهو بضم العين وسكون الراء: ناحية الشيء من أي وجه جئته، وهو بفتح العين وسكون الراء: ضد الطول، وهو بكسر العين وسكون الراء: النفس، يقال: أكرمت عنه عرضي، أي صنت عنه نفسي، وهو أيضا: رائحة الجسد وغيره، طيبة كانت أو خبيثة، يقال: فلان طيب العرض، أو منتن العرض، وانظر شرح ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [٧٢] من سورة (طه). ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ:﴾ على الزنى. ﴿فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لهن، أو: له إن تاب، والأول أوفق للظاهر، ولما في مصحف ابن مسعود-﵁: (بعد إكراههنّ لهنّ

стр. 3989

غفور رحيم) وكان الحسن يقول: لهنّ والله! لهن والله! ولا يرد عليه: أن المكرهة غير آثمة، فلا حاجة إلى المغفرة؛ لأن الإكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات، ولذلك حرم على المكره القتل، وأوجب عليه القصاص. خاتمة: يطعن المستشرقون، والملحدون من أبناء المسلمين في الإسلام، وينعتونه بالقسوة، وبأنه عمل على تكديس الرق، وتكريسه، ويستدلون على ذلك بما كان عند الخلفاء والأثرياء من العبيد، والسراري الكثيرة. والجواب، بل والرد المفحم لهم: أن الإسلام لم يبتدع الرق، ولم يعمل على تشجيعه، وإنما جاء والبشرية غارقة بماسي الرقيق، فلو دعا الإسلام من أول نشأته إلى تحرير الرق، لنفر منه الأثرياء، وذوو الجاه، والسلطان. ولكنه عمل على تحرير الرقيق بشتى الوسائل، وفتح أبوابا كثيرة لتحريره، لم نجد ذلك في اليهودية، ولا في النصرانية، ولا في المجوسية وغيرها من الديانات على ممر العصور، فهذه المكاتبة التي رأيت شرحها، وقد جعل الإسلام تحرير الرقيق أول ما يجب في الكفارات لمن كان يملك رقيقا، أو قدر على شرائه، وذلك في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة القتل غير العمد، وكفارة الجماع في أيام رمضان، ونحو ذلك. هذا بالإضافة إلى الترغيب في عتق الرقيق احتسابا لوجه الله تعالى، يتجلى ذلك في قول الرسول ﷺ : «من عتق رقبة مؤمنة كانت فكاكه من النّار». هذا؛ بالإضافة إلى حسن المعاملة التي أمر بها الإسلام في التخاطب بين السيد وعبده، وفي المأكل، والملبس، والعمل. ففي التخاطب قال الرسول ﷺ : «لا يقل أحدكم عبدي، وليقل: يا مولاي». وذلك لئلا ينكسر خاطر العبد بكلمة: عبدي، فكانت كلمة: يا مولاي متبادلة بين السيد، ومملوكه. وأما في المأكل والملبس، والعمل؛ فقد قال الرسول الله ﷺ : «إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده، فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا يكلّفه من العمل ما يغلبه، فإن كلّفه ما يغلبه فليعنه عليه». رواه البخاري، وغيره من حديث أبي ذر-﵁. هذا؛ ويلحق بالعبد الأجير، والخادم الضعيف، والدابة. لذا لم يكن التذمر موجودا عند طبقة العبيد في الإسلام، بل كان السادة والعبيد متحابين متوادين متآلفين، ولم تقم ثورات للعبيد على أسيادهم في بلاد المسلمين، كالذي حدث عند الأوربيين وذلك للظلم الذي أحاط بالعبيد في أوربا خلال القرون الوسطى، وكان من أبرزها الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي، وما تلاها من ثورات واحتجاجات في إنكلترا وغيرها، حتى أدى ذلك إلى إلغاء الرق في مطلع القرن العشرين، ولو بقي الرق موجودا في بلاد المسلمين إلى اليوم لما رأينا أثرا لهذا التذمر الذي حصل في أوربا، وهذه دولة الولايات المتحدة التي تدعي التقدمية، وتدافع عن حقوق الإنسان لا يزال التمييز العنصري موجودا في جميع هيئاتها، فكيف يصمون الإسلام مما هو منه براء؟!.

стр. 3990

الإعراب: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ليستعفف): مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَجِدُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وهو العائد. ﴿نِكاحاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر، بعدها «أن» مضمرة. ﴿يُغْنِيَهُمُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، والهاء: مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وفي الخبر وجهان: أحدهما محذوف، وهو قول سيبويه، التقدير: فيما يتلى عليكم حكم الذين يبتغون... إلخ، وعند المبرد الخبر هو جملة: ﴿فَكاتِبُوهُمْ..﴾. إلخ، وهو موافق للكوفيين في هذا، ودخول الفاء في الخبر زائدة؛ لأن الكلام في معنى الشرط، أو الموصول في محل نصب مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وهو المختار في أمثاله؛ لأن الخبر لا يكون جملة إنشائية، إلا بإضمار وتأويل، ومثل هذه الآية في أوجه الإعراب الآية رقم [٢ و ٤]. ﴿يَبْتَغُونَ:﴾ مضارع وفاعله. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿مَلَكَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف إذ التقدير: من الذين ملكتهم أيمانكم، وجملة: ﴿يَبْتَغُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَكاتِبُوهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي زائدة. (كاتبوهم): أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة على قول سيبويه، وفي محل رفع خبر المبتدأ على قول المبرد، ومفسرة لا محل لها على الاشتغال، والجملة الاسمية، أو الفعلية المقدرة لا محل لها. تأمل. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿عَلِمْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿فِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من خيرا، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة... إلخ، وجملة: ﴿عَلِمْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها، لا محل لها أيضا. (آتوهم): أمر، وفاعله، ومفعوله. ﴿مِنْ مالِ:﴾ متعلقان به، و ﴿مالِ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿مالِ اللهِ﴾. ﴿آتاكُمْ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي آتاكموه، وجملة: ﴿وَآتُوهُمْ..﴾. إلخ معطوفة

стр. 3991

على جملة (كاتبوهم...) إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا تكرهوا): مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَتَياتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْبِغاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَرَدْنَ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والنون فاعله. ﴿تَحَصُّناً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية... إلخ، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن أردن تحصنا؛ فلا تكرهوهن على البغاء. وانظر الشرح، والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لِتَبْتَغُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تُكْرِهُوا﴾. ﴿عَرَضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله... إلخ. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُكْرِهْهُنَّ:﴾ مضارع فعل الشرط. والفاعل يعود إلى (من) والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان ب: ﴿غَفُورٌ﴾ بعدهما. و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿إِكْراهِهِنَّ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والنون علامة جمع الإناث. ﴿غَفُورٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محلّ المفرد، وانظر المتعلق المحذوف في الشرح، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ:﴾ بكسر الياء المشددة، أي: بينت هذه الآيات الأحكام، والحدود، وهي واضحة في نفسها، يصدقها الكتب القديمة، والعقول السليمة، أو من بيّن بمعنى: تبين، ومنه المثل: [الرجز] قد بيّن الصبح لذي عينين

стр. 3992

هذا؛ ويقرأ بفتح الياء المشددة على أن المراد الآيات التي بيّنت في هذه السورة، وأوضحت في معاني الأحكام والحدود، وجاز أن يكون الأصل مبينا فيها، فاتسع في الظرف، أي أجري مجرى المفعول به، ومنه قول رجل من بني عامر، لم يسم: [الطويل] ويوما شهدناه سليما وعامرا... قليلا سوى الطّعن النّهال نوافله ﴿وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: ومثلا من أمثال من قبلكم، أي وقصة عجيبة مثل قصصهم، وهي قصة عائشة-﵂، فإنها كقصة يوسف، ومريم على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ:﴾ وتخصيص المتقين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بمواعظ القرآن، وتذكيره. هذا؛ وقد قيل: المثل من نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ..﴾. إلخ، ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾. بعد هذا: انظر (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم)، وشرح أنزل، ونزل في الآية رقم [١]. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتٍ:﴾ مفعول به. ﴿مُبَيِّناتٍ:﴾ صفة له منصوب مثله، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان، وجملة: (قد أنزلنا...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف. (مثلا): معطوف على ﴿آياتٍ﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (مثلا). ﴿خَلَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وهو أولى من تعليقهما بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. (موعظة): معطوف على مثلا. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب: (موعظة) أو بمحذوف صفة لها، وجملة: ﴿خَلَوْا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ النور في كلام العرب: الأضواء المدركة بالباصرة، أو هو كيفية تدركها الباصرة أولا، وبواسطتها تدرك سائر المبصرات. وفي تأويل هذه الجملة أقوال

стр. 3993

كثيرة، وتفسيرات عديدة، فقد قال ابن عباس-﵄: معناه: الله هادي السموات، والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهدايته من حيرة الضلالة ينجون. وقيل: معناه: الله منوّر السموات والأرض، وقد قرئ به، وقيل: نور السماء بالملائكة، ونور الأرض بالأنبياء، وقيل: معناه: مزين السموات والأرض، زين السماء بالشمس، والقمر، والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء، والعلماء، والمؤمنين، يقال: زين الأرض بالنبات، والأشجار، وقيل: معناه: أن الأنوار كلها منه تعالى. وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح، فيستعمل مجازا فيما صح من المعاني ولاح: فيقال منه: كلام له نور، ومنه الكتاب المنير، ومنه قول الشاعر: [الكامل] نسب كأنّ عليه من شمس الضّحى... نورا، ومن فلق الصّباح عمودا والناس يقولون: فلان نور البلد، وشمس العصر، وقمره، قال النابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل] فإنّك شمس والملوك كواكب... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب فيجوز أن يقال: لله تعالى نور، من جهة المدح؛ لأنه أوجد الأشياء، ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة، تنزه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وجملة القول: إن بالله تعالى وبقدرته أنارت أضواء السموات والأرض، واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها. فالكلام على التقريب للذهن. ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: مثل نور الله في قلب المؤمن، وهو النور الذي يهتدي به. وقيل: أراد بالنور: القرآن. وقيل: هو محمد ﷺ ، وقيل: هو الطاعة، سمى سبحانه طاعته نورا، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تشريفا، وتفضيلا، وعلى الثلاثة الأخيرة فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر. ﴿كَمِشْكاةٍ:﴾ هي الكوة في الحائط غير النافذة، قاله ابن جبير، وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها، وهي على وزن مفعلة كالمقراض، والمصفاة، قال الشاعر: [البسيط] كأنّ عينيه مشكاتان في حجر... قيضا اقتياضا بأطراف المناقير ﴿الْمِصْباحُ:﴾ الفتيل الذي تشتعل فيه النار للإضاءة، و ﴿الزُّجاجَةُ﴾ جسم شفاف، والمصباح فيه أضوأ، وأنور منه في غير الزجاج. ﴿كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أي في الإنارة، والضوء، والمراد ب: ﴿كَوْكَبٌ﴾ أحد الكواكب الخمسة السيارة، التي هي: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، ووصفه ب: ﴿دُرِّيٌّ﴾ أي شديد الإنارة نسبة إلى الدر في صفائه، وحسنه، وإن كان الكوكب أضوأ من الدر، لكنه يفضل الكوكب بصفائه، كما يفضل الدر على سائر اللؤلؤ، قيل:

стр. 3994

إن الله شبه المصباح بالكوكب، ولم يشبهه بالشمس، والقمر؛ لأنهما يلحقهما الكسوف بخلاف الكواكب. هذا؛ ويقرأ ﴿دُرِّيٌّ﴾ بقراآت كثيرة. ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ أي: يستمد المصباح زيته من زيت شجرة كثيرة البركة، وهي شجرة الزيتون، ذات المنافع الكثيرة. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠] من سورة (المؤمنون). هذا؛ ويقرأ: «(توقد)» بالتاء على إسناده إلى الزجاجة، و «(توقّد)» على أنه أصله: تتوقد. ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ:﴾ فقد قال ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، وغيرهم: الشرقية هي التي تصيبها الشمس إذا أشرقت، ولا تصيبها إذا غربت؛ لأن لها سترا. والغربية عكسها، أما شجرة الزيتون المذكورة هنا فإنها في صحراء ومنكشف من الأرض، لا يواريها عن الشمس شيء في أول النهار، ولا في آخره، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي شرقية غربية، وما كانت بهذه المثابة؛ فزيتها أطيب زيت. وقيل: المعنى: أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ولا في غرب يضرها البرد. وقيل: المعنى: هي شامية؛ لأن الشام وسط الأرض لا شرقي، ولا غربي. وقيل: ليست هذه الشجرة من أشجار الدنيا؛ لأنها لو كانت في الدنيا، لكانت شرقية، أو غربية، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره. وقيل غير ذلك، والأول هو الأولى بالاعتبار. ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يكاد يضيء بنفسه من غير نار تمسه، وذلك لشدة صفائه، وحسنه، وجودته، وفرط تلألئه، ورونقه. ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أي أنه اجتمع في المشكاة ضوء المصباح، إلى ضوء الزجاجة، وإلى ضوء الزيت الصافي الجيد، فصارت المشكاة كأنور ما يكون، لحصر النور فيها، وعدم نفاذه إلى خارجها، فكذلك براهين الله تعالى واضحة، وهي برهان بعد برهان، وتنبيه بعد تنبيه، كإرساله الرسل، وإنزاله الكتب، ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر. ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ هدايته، وسعادته، ومن لم يهده الله فلا هادي له، ولا يرى النور مهما قدمت له من البراهين، والحجج. قال تعالى في الآية رقم [١٧] من سورة (الكهف): ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾. ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ﴾ أي: يبين الله الأشياء للناس تقريبا للأفهام، وتسهيلا لسبيل الإدراك، وإدناء للمعقول من المحسوس توضيحا وبيانا. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ لا يخفى عن علمه شيء في الأرض، ولا في السماء، معقولا كان، أو محسوسا، ظاهرا كان، أم خفيا، وفيه وعد لمن تدبر الأمثال، وانتفع بها، ووعيد لمن لم يكترث بها، ولم يستفد منها. هذا؛ وعلى اعتبار الممثل به فقد اختلف العلماء في معنى هذا التمثيل، فقيل: المراد به الهدى، ومعناه: أن هداية الله تعالى قد بلغت في الظهور، والجلاء إلى أقصى الغايات، وصار ذلك بمنزلة المشكاة التي فيها زجاجة صافية، وفي تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت، بلغ النهاية

стр. 3995

في الصفاء، والرقة، والبياض، فإذا كان كذلك؛ كان عاملا في صفائه، وصلح أن يجعل مثلا لهداية الله تعالى. وقيل: وقع هذا التمثيل لنور محمد ﷺ . قال ابن عباس-﵄-لكعب الأحبار: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ﴾ قال كعب: هذا مثل ضربه الله لنبيه ﷺ ، فالمشكاة صدره، و ﴿الزُّجاجَةُ﴾ قلبه، و ﴿الْمِصْباحُ﴾ فيه النبوة. ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ هي شجرة النبوة، يكاد محمد ﷺ ، وأمره يتبين للناس، ولو لم يتكلم به أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء، ولو لم تمسسه نار. وروي عن ابن عمر-﵄-في هذه الآية قال: المشكاة جوف محمد ﷺ ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعله الله فيه، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ:﴾ لا يهودي، ولا نصراني، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ:﴾ إبراهيم عليه الصلاة، والسّلام، ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ:﴾ نور قلب إبراهيم، ونور قلب محمد ﷺ . وقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة: إبراهيم، و ﴿الزُّجاجَةُ:﴾ إسماعيل، و ﴿الْمِصْباحُ:﴾ محمد ﷺ وعليهم أجمعين، سمى الله محمدا مصباحا، كما سماه: (سراجا منيرا)، والشجرة المباركة إبراهيم ﵊؛ لأن أكثر الأنبياء من صلبه، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ،﴾ يعني إبراهيم لم يكن يهوديا، ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما؛ لأن اليهود تصلي إلى الغرب، والنصارى تصلي إلى الشرق، ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ تكاد محاسن محمد ﷺ تظهر للناس قبل أن يوحى إليه، ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ نور نبي من نسل نبي، نور محمد على نور إبراهيم. وقيل: وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن، قال أبي بن كعب: هذا مثل المؤمن، فالمشكاة نفسه، والزجاجة قلبه، و ﴿الْمِصْباحُ﴾ ما جعله الله فيه من الإيمان، والقرآن، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ هي شجرة الإخلاص لله وحده، فمثله مثل شجرة التفّ بها الشجر، فهي خضراء ناعمة نضرة، لا تصيبها الشمس؛ إذا طلعت، ولا إذا غربت، فكذلك المؤمن قد احترس أن يصيبه شيء من الفتن، فهو بين أربع خلال، إن أعطي؛ شكر، وإن ابتلي؛ صبر، وإن حكم؛ عدل، وإن قال؛ صدق، ﴿يَكادُ زَيْتُها،﴾ أي يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يتبين له لموافقته إياه، ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ،﴾ قال أبيّ: أي: فهو يتقلب في خمسة أنوار، قوله نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة. وقال ابن عباس-﵄: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن، كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوآ على ضوئه، كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم؛ ازداد هدى على هدى، ونورا على نور. وقال الكلبي: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يعني: إيمان المؤمن وعمله. وقيل: نور الإيمان، ونور القرآن، وقيل: هذا مثل القرآن، فالمصباح هو القرآن، فكما يستضاء بالمصباح؛ فكذلك يهتدى
следующие страницы →