Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
على جملة (كاتبوهم...) إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف.
(لا تكرهوا): مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَتَياتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْبِغاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَرَدْنَ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والنون فاعله. ﴿تَحَصُّناً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية... إلخ، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن أردن تحصنا؛ فلا تكرهوهن على البغاء. وانظر الشرح، والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿لِتَبْتَغُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تُكْرِهُوا﴾. ﴿عَرَضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله... إلخ.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُكْرِهْهُنَّ:﴾ مضارع فعل الشرط. والفاعل يعود إلى (من) والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان ب: ﴿غَفُورٌ﴾ بعدهما. و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿إِكْراهِهِنَّ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والنون علامة جمع الإناث. ﴿غَفُورٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محلّ المفرد، وانظر المتعلق المحذوف في الشرح، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ:﴾ بكسر الياء المشددة، أي: بينت هذه الآيات الأحكام، والحدود، وهي واضحة في نفسها، يصدقها الكتب القديمة، والعقول السليمة، أو من بيّن بمعنى: تبين، ومنه المثل: [الرجز]
قد بيّن الصبح لذي عينين
стр. 3992
هذا؛ ويقرأ بفتح الياء المشددة على أن المراد الآيات التي بيّنت في هذه السورة، وأوضحت في معاني الأحكام والحدود، وجاز أن يكون الأصل مبينا فيها، فاتسع في الظرف، أي أجري مجرى المفعول به، ومنه قول رجل من بني عامر، لم يسم: [الطويل]
ويوما شهدناه سليما وعامرا... قليلا سوى الطّعن النّهال نوافله
﴿وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: ومثلا من أمثال من قبلكم، أي وقصة عجيبة مثل قصصهم، وهي قصة عائشة-﵂، فإنها كقصة يوسف، ومريم على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ:﴾ وتخصيص المتقين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بمواعظ القرآن، وتذكيره. هذا؛ وقد قيل: المثل من نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ..﴾. إلخ، ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾.
بعد هذا: انظر (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم)، وشرح أنزل، ونزل في الآية رقم [١].
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿آياتٍ:﴾ مفعول به. ﴿مُبَيِّناتٍ:﴾ صفة له منصوب مثله، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان، وجملة: (قد أنزلنا...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف. (مثلا): معطوف على ﴿آياتٍ﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (مثلا). ﴿خَلَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وهو أولى من تعليقهما بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. (موعظة):
معطوف على مثلا. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب: (موعظة) أو بمحذوف صفة لها، وجملة: ﴿خَلَوْا..﴾.
إلخ صلة الموصول لا محل لها.
﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ النور في كلام العرب: الأضواء المدركة بالباصرة، أو هو كيفية تدركها الباصرة أولا، وبواسطتها تدرك سائر المبصرات. وفي تأويل هذه الجملة أقوال
стр. 3993
كثيرة، وتفسيرات عديدة، فقد قال ابن عباس-﵄: معناه: الله هادي السموات، والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهدايته من حيرة الضلالة ينجون. وقيل: معناه: الله منوّر السموات والأرض، وقد قرئ به، وقيل: نور السماء بالملائكة، ونور الأرض بالأنبياء، وقيل:
معناه: مزين السموات والأرض، زين السماء بالشمس، والقمر، والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء، والعلماء، والمؤمنين، يقال: زين الأرض بالنبات، والأشجار، وقيل: معناه: أن الأنوار كلها منه تعالى. وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح، فيستعمل مجازا فيما صح من المعاني ولاح: فيقال منه: كلام له نور، ومنه الكتاب المنير، ومنه قول الشاعر: [الكامل]
نسب كأنّ عليه من شمس الضّحى... نورا، ومن فلق الصّباح عمودا
والناس يقولون: فلان نور البلد، وشمس العصر، وقمره، قال النابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل]
فإنّك شمس والملوك كواكب... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
فيجوز أن يقال: لله تعالى نور، من جهة المدح؛ لأنه أوجد الأشياء، ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة، تنزه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وجملة القول: إن بالله تعالى وبقدرته أنارت أضواء السموات والأرض، واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها. فالكلام على التقريب للذهن.
﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: مثل نور الله في قلب المؤمن، وهو النور الذي يهتدي به.
وقيل: أراد بالنور: القرآن. وقيل: هو محمد ﷺ ، وقيل: هو الطاعة، سمى سبحانه طاعته نورا، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تشريفا، وتفضيلا، وعلى الثلاثة الأخيرة فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر.
﴿كَمِشْكاةٍ:﴾ هي الكوة في الحائط غير النافذة، قاله ابن جبير، وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها، وهي على وزن مفعلة كالمقراض، والمصفاة، قال الشاعر: [البسيط]
كأنّ عينيه مشكاتان في حجر... قيضا اقتياضا بأطراف المناقير
﴿الْمِصْباحُ:﴾ الفتيل الذي تشتعل فيه النار للإضاءة، و ﴿الزُّجاجَةُ﴾ جسم شفاف، والمصباح فيه أضوأ، وأنور منه في غير الزجاج. ﴿كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أي في الإنارة، والضوء، والمراد ب: ﴿كَوْكَبٌ﴾ أحد الكواكب الخمسة السيارة، التي هي: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، ووصفه ب: ﴿دُرِّيٌّ﴾ أي شديد الإنارة نسبة إلى الدر في صفائه، وحسنه، وإن كان الكوكب أضوأ من الدر، لكنه يفضل الكوكب بصفائه، كما يفضل الدر على سائر اللؤلؤ، قيل:
стр. 3994
إن الله شبه المصباح بالكوكب، ولم يشبهه بالشمس، والقمر؛ لأنهما يلحقهما الكسوف بخلاف الكواكب. هذا؛ ويقرأ ﴿دُرِّيٌّ﴾ بقراآت كثيرة.
﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ أي: يستمد المصباح زيته من زيت شجرة كثيرة البركة، وهي شجرة الزيتون، ذات المنافع الكثيرة. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠] من سورة (المؤمنون).
هذا؛ ويقرأ: «(توقد)» بالتاء على إسناده إلى الزجاجة، و «(توقّد)» على أنه أصله: تتوقد.
﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ:﴾ فقد قال ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، وغيرهم: الشرقية هي التي تصيبها الشمس إذا أشرقت، ولا تصيبها إذا غربت؛ لأن لها سترا. والغربية عكسها، أما شجرة الزيتون المذكورة هنا فإنها في صحراء ومنكشف من الأرض، لا يواريها عن الشمس شيء في أول النهار، ولا في آخره، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي شرقية غربية، وما كانت بهذه المثابة؛ فزيتها أطيب زيت. وقيل: المعنى: أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ولا في غرب يضرها البرد. وقيل: المعنى: هي شامية؛ لأن الشام وسط الأرض لا شرقي، ولا غربي. وقيل: ليست هذه الشجرة من أشجار الدنيا؛ لأنها لو كانت في الدنيا، لكانت شرقية، أو غربية، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره. وقيل غير ذلك، والأول هو الأولى بالاعتبار.
﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يكاد يضيء بنفسه من غير نار تمسه، وذلك لشدة صفائه، وحسنه، وجودته، وفرط تلألئه، ورونقه. ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أي أنه اجتمع في المشكاة ضوء المصباح، إلى ضوء الزجاجة، وإلى ضوء الزيت الصافي الجيد، فصارت المشكاة كأنور ما يكون، لحصر النور فيها، وعدم نفاذه إلى خارجها، فكذلك براهين الله تعالى واضحة، وهي برهان بعد برهان، وتنبيه بعد تنبيه، كإرساله الرسل، وإنزاله الكتب، ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر.
﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ هدايته، وسعادته، ومن لم يهده الله فلا هادي له، ولا يرى النور مهما قدمت له من البراهين، والحجج. قال تعالى في الآية رقم [١٧] من سورة (الكهف): ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾. ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ﴾ أي:
يبين الله الأشياء للناس تقريبا للأفهام، وتسهيلا لسبيل الإدراك، وإدناء للمعقول من المحسوس توضيحا وبيانا. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ لا يخفى عن علمه شيء في الأرض، ولا في السماء، معقولا كان، أو محسوسا، ظاهرا كان، أم خفيا، وفيه وعد لمن تدبر الأمثال، وانتفع بها، ووعيد لمن لم يكترث بها، ولم يستفد منها.
هذا؛ وعلى اعتبار الممثل به فقد اختلف العلماء في معنى هذا التمثيل، فقيل: المراد به الهدى، ومعناه: أن هداية الله تعالى قد بلغت في الظهور، والجلاء إلى أقصى الغايات، وصار ذلك بمنزلة المشكاة التي فيها زجاجة صافية، وفي تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت، بلغ النهاية
стр. 3995
في الصفاء، والرقة، والبياض، فإذا كان كذلك؛ كان عاملا في صفائه، وصلح أن يجعل مثلا لهداية الله تعالى.
وقيل: وقع هذا التمثيل لنور محمد ﷺ . قال ابن عباس-﵄-لكعب الأحبار: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ﴾ قال كعب: هذا مثل ضربه الله لنبيه ﷺ ، فالمشكاة صدره، و ﴿الزُّجاجَةُ﴾ قلبه، و ﴿الْمِصْباحُ﴾ فيه النبوة. ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ هي شجرة النبوة، يكاد محمد ﷺ ، وأمره يتبين للناس، ولو لم يتكلم به أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء، ولو لم تمسسه نار.
وروي عن ابن عمر-﵄-في هذه الآية قال: المشكاة جوف محمد ﷺ ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعله الله فيه، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ:﴾ لا يهودي، ولا نصراني، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ:﴾ إبراهيم عليه الصلاة، والسّلام، ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ:﴾ نور قلب إبراهيم، ونور قلب محمد ﷺ .
وقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة: إبراهيم، و ﴿الزُّجاجَةُ:﴾ إسماعيل، و ﴿الْمِصْباحُ:﴾
محمد ﷺ وعليهم أجمعين، سمى الله محمدا مصباحا، كما سماه: (سراجا منيرا)، والشجرة المباركة إبراهيم ﵊؛ لأن أكثر الأنبياء من صلبه، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ،﴾ يعني إبراهيم لم يكن يهوديا، ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما؛ لأن اليهود تصلي إلى الغرب، والنصارى تصلي إلى الشرق، ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ تكاد محاسن محمد ﷺ تظهر للناس قبل أن يوحى إليه، ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ نور نبي من نسل نبي، نور محمد على نور إبراهيم.
وقيل: وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن، قال أبي بن كعب: هذا مثل المؤمن، فالمشكاة نفسه، والزجاجة قلبه، و ﴿الْمِصْباحُ﴾ ما جعله الله فيه من الإيمان، والقرآن، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ هي شجرة الإخلاص لله وحده، فمثله مثل شجرة التفّ بها الشجر، فهي خضراء ناعمة نضرة، لا تصيبها الشمس؛ إذا طلعت، ولا إذا غربت، فكذلك المؤمن قد احترس أن يصيبه شيء من الفتن، فهو بين أربع خلال، إن أعطي؛ شكر، وإن ابتلي؛ صبر، وإن حكم؛ عدل، وإن قال؛ صدق، ﴿يَكادُ زَيْتُها،﴾ أي يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يتبين له لموافقته إياه، ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ،﴾ قال أبيّ: أي: فهو يتقلب في خمسة أنوار، قوله نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.
وقال ابن عباس-﵄: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن، كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوآ على ضوئه، كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم؛ ازداد هدى على هدى، ونورا على نور.
وقال الكلبي: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يعني: إيمان المؤمن وعمله. وقيل: نور الإيمان، ونور القرآن، وقيل: هذا مثل القرآن، فالمصباح هو القرآن، فكما يستضاء بالمصباح؛ فكذلك يهتدى
стр. 3996
بالقرآن. والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة فمه ولسانه، والشجرة المباركة شجرة المعرفة في قلبه، ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ أي: نور المعرفة يشرق في قلب المؤمن، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾.
وقيل: تكاد حجة القرآن تتضح؛ وإن لم يقرأ. ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يعني: القرآن نور من الله لخلقه، مع ما أقام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نورا على نور. انتهى.
خازن بحروفه. هذا؛ وضرب المثل يكون بدنيء محسوس معهود، لعليّ رفيع غير معاين، ولا مشهود، فأبو تمام لما قال في المأمون: [الكامل]
إقدام عمرو في سماحة حاتم... في حلم أحنف في ذكاء إياس
فقيل له: إن الخليفة فوق من مثلته بهم، فقال مرتجلا [الكامل]
لا تنكروا ضربي له من دونه... مثلا شرودا في النّدى والباس
فالله قد ضرب الأقلّ لنوره... مثلا من المشكاة والنّبراس
هذا؛ وقد اختلفوا أيضا في هذا التشبيه، هل هو تشبيه مركب، أي: قصد فيه تشبيه جملة بجملة من غير نظر إلى مقابلة جزء بجزء، بل قصد تشبيه هداه، وإتقان صنعته في كل مخلوق على الجملة بهذه الجملة من النور الذي تتخذونه، وهو أبلغ صفات النور عندكم؟ أو هو تشبيه غير مركب؛ أي: قصد مقابلة جزء بجزء؟ وهل المشكاة عربية، أم حبشية معربة؟ خلاف.
انتهى. جمل بحروفه.
الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿نُورُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه.
﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿نُورِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَمِشْكاةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما فهي الخبر، وتكون الكاف مضافا، و (مشكاة) مضافا إليه، والجملة الاسمية: ﴿مَثَلُ..﴾. إلخ مفسرة لما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِيها:﴾
متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِصْباحٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة (مشكاة). هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور فيها متعلقين بمحذوف صفة (مشكاة)، فيكون ﴿مِصْباحٌ﴾ فاعلا بمتعلق الجار والمجرور. ﴿الْمِصْباحُ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي زُجاجَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿مِصْباحٌ،﴾ أو هي مستأنفة، لا محل لها، وقيل:
مفسرة لما قبلها، وعلى الأول فالرابط: إعادة المصباح بلفظه. ﴿الزُّجاجَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿كَأَنَّها:﴾
حرف مشبه بالفعل، و (ها): اسمها. ﴿كَوْكَبٌ:﴾ خبرها. ﴿دُرِّيٌّ:﴾ صفة ﴿كَوْكَبٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الزُّجاجَةُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿زُجاجَةٍ،﴾ أو هي مستأنفة، لا محل لها، وقيل: مفسرة لما قبلها.
стр. 3997
﴿يُوقَدُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ويقرأ بالتاء، بالبناء للمعلوم، كما يقرأ بالبناء للماضي وبالتاء، ونائب الفاعل على الأول يعود إلى ﴿كَوْكَبٌ﴾ والفاعل على الثاني يعود إلى ﴿الزُّجاجَةُ﴾ وعلى الثالث يعود إلى ﴿كَوْكَبٌ،﴾ والجملة الفعلية على الأول، والثالث في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿كَوْكَبٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه ب: ﴿دُرِّيٌّ﴾ وعلى الثاني في رجوع الفاعل، فالجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ الذي هو الزجاجة. ﴿مِنْ شَجَرَةٍ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من نائبه المستتر في الفعل. ﴿مُبارَكَةٍ:﴾ صفة ﴿شَجَرَةٍ﴾. ﴿زَيْتُونَةٍ:﴾ بدل من ﴿شَجَرَةٍ﴾ أو هي عطف بيان عليها، وهذا مذهب الكوفيين، وتبعهم أبو علي الفارسي من البصريين، والأول أشهر، وهو قول البصريين، فإنهم لا يجيزون عطف البيان في النكرات، وهو مثل قوله تعالى في الآية رقم [١٦] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾. ﴿لا شَرْقِيَّةٍ:﴾ صفة ثانية ل: ﴿شَجَرَةٍ﴾ منفية. (لا غربية): معطوف على ما قبله.
﴿يَكادُ:﴾ مضارع ناقص مرفوع. ﴿زَيْتُها:﴾ اسم يكاد، و (ها): في محل جر بالإضافة.
﴿يُضِيءُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى زيتها، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿يَكادُ،﴾ وجملة: ﴿يَكادُ..﴾. إلخ في محل جر صفة ثانية، أو ثالثة ل: ﴿شَجَرَةٍ﴾ وقال أبو البقاء: نعت ل: ﴿زَيْتُونَةٍ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال.
(لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿تَمْسَسْهُ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) والهاء مفعول به. ﴿نارٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: ولو لم تمسسه نار؛ لأضاء، و (لو) ومدخولها في محل نصب حال من فاعل ﴿يُضِيءُ﴾ المستتر، وهذه الحال لاستقصاء الأحوال، أي: حتى في هذه الحال. انتهى. جمل.
﴿نُورُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلى نُورٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، وقيل: ﴿نُورُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، و ﴿عَلى نُورٍ﴾ متعلقان بمحذوف صفة له مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، أي: ذلك النور نور عظيم كائن على نور كذلك، لا على أنه عبارة عن نور واحد معين، أو غير معين فوق نور آخر مثله، ولا عن مجموع نورين اثنين فقط، بل عبارة عن نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه بحدّ معين، وتحديد مراتب تضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر؛ لكونه أقصى مراتب تضاعفه عادة. انتهى. جمل. والجملة الاسمية: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ فيها معنى التأكيد لجملة: ﴿يُضِيءُ..﴾. إلخ ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لِنُورِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يهدي الله لنوره الذي، أو: شخصا يشاء هدايته. وجملة: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ مستأنفة،
стр. 3998
لا محل لها. وجملة: ﴿وَيَضْرِبُ..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها، والجار والمجرور ﴿بِكُلِّ﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما والذي هو خبر المبتدأ، و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه.
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿فِي بُيُوتٍ:﴾ المراد به جميع المساجد. قال ابن عباس-﵄:
المساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء، كما تضيء النجوم لأهل الأرض. وقيل:
المراد بالبيوت أربعة مساجد، لم يبنها إلا نبي: (الكعبة) بناها إبراهيم، وإسماعيل، وجعلاها قبلة، و (بيت المقدس) بناه داود، وسليمان، و (مسجد المدينة) و (مسجد قباء) بناهما رسول الله ﷺ ، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين. والمعتمد الأول؛ لما رواه أنس بن مالك ﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ الله؛ فليحبني، ومن أحبّني؛ فليحبّ أصحابي؛ ومن أحبّ أصحابي؛ فليحبّ القرآن، ومن أحبّ القرآن؛ فليحبّ المساجد، فإنها أفنية الله، وأبنيته، أذن الله في رفعها، وبارك فيها، ميمونة ميمون أهلها، محفوظة محفوظ أهلها، هم في صلاتهم، والله في حوائجهم، هم في مساجدهم، والله من ورائهم». انتهى.
قرطبي بتصرف، والأحاديث المرغبة في لزوم المساجد كثيرة لا تعد، ولا تحصى.
﴿أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ:﴾ أمر، وقضى، وحكم أن تبنى، وتشيد. قاله مجاهد، وعكرمة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ..﴾. إلخ وقال ﷺ : «من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله؛ بنى الله له بيتا في الجنّة». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عثمان بن عفان-﵄-وعن أبي ذر-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من بنى لله مسجدا قدر مفحص قطاة، بنى الله له بيتا في الجنة». رواه الطبراني في الصغير، وابن حبّان، والبزار، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تحض على بناء المساجد، وتشييدها من غير إسراف في زخرفتها.
وقال الحسن البصري، وغيره: معنى ﴿تُرْفَعَ﴾ تعظم، وتطهر من الأنجاس، والأقذار. هذا؛ وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، فعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أخرج أذى من المسجد؛ بنى الله له بيتا في الجنّة». رواه ابن ماجه. وعن أبي قرصافة-﵁-أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ابنوا المساجد، وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة». فقال رجل: يا رسول الله! وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟ قال: «نعم، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين» رواه الطبراني في الكبير.
﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: بالتقديس، والتحميد، والتهليل، والتكبير، أو بقراءة القرآن الكريم، أو بالصلاة، والتسليم على سيد المرسلين، أو بمدارسة العلوم الشرعية على جميع
стр. 3999
أنواعها، واختلاف فنونها. ويجب أن تجنب المساجد البيع، والشراء، وإنشاد الضائع، والجلوس فيها لحديث الدنيا، فإن ذلك يمحق الحسنات، ويضاعف السيئات، فعن أبي هريرة ﵁-أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من سمع رجلا ينشد ضالّة في المسجد؛ فليقل:
لا ردّها الله عليك، فإنّ المساجد لم تبن لهذا». رواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم، وعنه-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد فقولوا:
لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالّة فقولوا: لا ردّها الله عليك». رواه الترمذي والنسائي وابن خزيمة والحاكم، وعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «سيكون في آخر الزّمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة».
رواه ابن حبّان في صحيحه. ولولا الإطالة لذكرت لك الكثير من هذا.
وأما تناشد الأشعار في المسجد فاختلف في ذلك، فمن مانع مطلقا، ومن مجيز مطلقا، والأولى التفصيل، وهو أن ينظر إلى الشعر، فإن كان مما يقتضي الثناء على الله ، أو على رسوله ﷺ ، أو الذب عنهما، كما في شعر حسان-﵁، أو يتضمن الحض على الخير والوعظ، والزهد في الدنيا، والتقلل منها؛ فهو حسن في المساجد، وغيرها كقول أبي العتاهية: [الكامل]
أقم الصّلاة لوقتها بشروطها... فمن الضّلال تفاوت الميقات
وإذا اتّسعت برزق ربّك فاجعلن... منه الأجلّ لأوجه الصدقات
في الأقربين وفي الأباعد تارة... إنّ الزكاة قرينة الصّلوات
وللشافعي-﵁-أشعار في الحكمة لا بأس بإنشادها حتى في مجالس الوعظ والإرشاد، كالذي ذكرته في الآية رقم [٣٢] من سورة (الإسراء). وأما الشعر المشتمل على المجون، والكذب، والتزين بالباطل، والمدح الكاذب، فلا يجوز إنشاده في المسجد، ولا في غيره، فعن عائشة-﵂. قالت: ذكر الشعراء عند رسول الله ﷺ ، فقال: «هو كلام حسنة حسن، وقبيحه قبيح». وأما النوم في المسجد فإنه مكروه إلا للغرباء، الذين لا بيوت لهم، فهو جائز.
وعن فاطمة الزهراء-﵂-قالت: كان رسول الله: ﷺ إذا دخل المسجد؛ قال:
«باسم الله، والسّلام على رسول الله. اللهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك». وإذا خرج؛ قال: «باسم الله، والسّلام على رسول الله. اللهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك». رواه ابن ماجه. وعن أبي قتادة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال:
«إذا دخل أحدكم المسجد؛ فليركع ركعتين قبل أن يجلس». رواه مسلم.
стр. 4000
﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ:﴾ اختلف العلماء في وصف الله تعالى المسبّحين، فقيل: هم المراقبون أمر الله، الطالبون رضاه، الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا. وقال كثير من الصحابة: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق، الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة؛ تركوا كل عمل، وبادروا. ورأى سالم بن عبد الله أهل الأسواق؛ وهم مقبلون إلى الصلاة، فقال: هؤلاء الذين أراد الله بقوله: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ..﴾. إلخ. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿يُسَبِّحُ﴾ بكسر الباء وفتحها، كما يقرأ «(تسبح)» بالتاء، وعلى ما تقدم؛ فالمراد من يسبح في الصلاة.
هذا؛ و (الغدو): جمع: غدوة بضم الغين فيهما، وهي ما بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس، وقيل: إلى الضحوة الكبرى، والغداة بفتح الغين في الأصل: الضحوة، ولو حملها حامل على أول النهار لجاز له التذكير، والجمع: غدوات. (الآصال): جمع: أصيل، وهو الوقت بين العصر، والمغرب، ويجمع أيضا على أصائل، وأصل، وأصلان. هذا؛ وقيل: الآصال جمع: أصل، والأصل جمع: أصيل، ثم أصائل جمع الجمع، قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]
لعمري أنت البيت أكرم أهله... وأقعد في أفيائه بالأصائل
هذا؛ ويطلق الأصيل على الشعاع الممتد من الشمس إلى الماء مثل الحبال، ويشبه لون أشعته في الماء لون الذهب، وانظر مقابلة (العشي) ب: (الإبكار) في الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران)، ومقابلة (البكرة) ب: (الأصيل) في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان)، ومقابلة (الغداة) ب: (العشي) في الآية رقم [٥٢] من سورة (الأنعام) ففيهما كبير فائدة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فِي بُيُوتٍ:﴾ فيه ستة أوجه: أحدها: أنهما متعلقان بمحذوف صفة (مشكاة) أي:
كمشكاة موجودة في بيوت. الثاني: أنهما متعلقان بمحذوف صفة ﴿مِصْباحٌ،﴾ أي: مصباح كائن في بيوت. الثالث: أنهما متعلقان بمحذوف صفة ﴿زُجاجَةٍ﴾ أي: زجاجة موجودة في بيوت.
الرابع: أنهما متعلقان ب: ﴿يُوقَدُ﴾ وعلى هذه الأوجه لا يوقف على ﴿عَلِيمٌ﴾. الخامس: أنهما متعلقان بمحذوف، أي: سبحوه في بيوت. السادس: أنهما متعلقان ب: ﴿يُسَبِّحُ﴾ أي: يسبح رجال في بيوت، ولفظ ﴿فِيهَا﴾ تكرر للتوكيد، وعلى هذين الوجهين يوقف على ﴿عَلِيمٌ﴾ انتهى. نقلا عن السمين بتصرف. وفي القرطبي: قال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول:
هو حال للمصباح، والزجاجة، والكوكب، كأنه قال: وهي في بيوت. وقال الترمذي الحكيم محمد بن علي: (في بيوت) منفصل، كأنه يقول: الله في بيوت... وبذلك جاءت الأخبار: أنه من جلس في المسجد، فإنه يجالس ربه. وجوز ابن الأنباري تعليقهما بمحذوف خبر مقدم، على أن ﴿رِجالٌ﴾ مبتدأ مؤخر، فإن قيل: فما الوجه في تعليقهما بمحذوف صفة لأحد الأسماء الثلاثة المذكورة، أو ب: ﴿يُوقَدُ،﴾ ولا يكون مشكاة، أو مصباح، أو زجاجة إلا في بيت واحد، قيل:
стр. 4001
هذا من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد، ويختم بالجمع، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ ونحوه، وقيل: رجع إلى كل واحد من البيوت، وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾.
﴿أَذِنَ:﴾ ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تُرْفَعَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ونائب الفاعل يعود إلى ﴿بُيُوتٍ﴾ و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في رفعها. والجار والمجرور متعلقان بالفعل:
﴿أَذِنَ،﴾ وجملة: ﴿أَذِنَ..﴾. إلخ في محل جر صفة (بيوت). ﴿وَيُذْكَرَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وهو مبني للمجهول أيضا. ﴿فِيهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِسْمُهُ:﴾ نائب فاعل. ﴿يُسَبِّحُ:﴾ مضارع، فعلى قراءته بالبناء للمعلوم فاعله ﴿رِجالٌ﴾. وعلى قراءته بالبناء للمجهول، فنائب الفاعل متعلّق أحد المجرورات بعده، والأول أولى، لاحتياج العامل إلى مرفوعه فالذي يليه أولى، وعلى هذا فالوقف على (الآصال) و ﴿فِيها بِالْغُدُوِّ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، وعلى هذا ف: ﴿رِجالٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: هو مبتدأ مؤخر، والخبر متعلق ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ وهذا وجه رأيته فيما سبق. والثاني: هو فاعل لفعل محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: يسبحه رجال، وهذه الجملة وقعت جوابا لسؤال مقدر، فكأن سائلا سأل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال، وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: المسبح لله تعالى رجال، وتبقى الجملة الاسمية جوابا للسؤال المقدر، ومثل هذه الآية قول نهشل بن حري، ونسب لغيره، وهو الشاهد رقم [١٩٣] من كتابنا فتح رب البرية، والشاهد رقم [١٠٤٨] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
ليبك يزيد ضارع لخصومة... ومختبط ممّا تطيح الطوائح
إذ التقدير: يبكيه ضارع، وجملة: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من نائب فاعل ترفع المستتر، والرابط: الضمير المجرور بقوله ﴿فِيهَا﴾ وقيل: صفة ثانية لبيوت.
﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿رِجالٌ:﴾ جمع: رجل. مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة، والشهامة، وغيرهما، والمرأة مأخوذة من المرء، وهو الرجل؛ لأنها خلقت منه، وجعلت نهمتها فيه. ﴿لا تُلْهِيهِمْ:﴾
لا تشغلهم. ﴿تِجارَةٌ:﴾ قيل: خص التجارة بالذكر؛ لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلوات، والطاعات. وأراد بالتجارة: الشراء، وإن كان اسم التجارة يقع على البيع، والشراء جميعا؛ لأنه ذكر البيع بعده، وقيل: التجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرجل على يده. ﴿وَلا بَيْعٌ﴾ أي: لا يشغلهم بيع.
стр. 4002
﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: باللسان، والقلب، وقيل: المراد به الصلاة، وحضور المساجد لإقامتها.
والأول أقوى لذكر الصلاة بعده، وعطفها عليه. ﴿وَإِقامِ الصَّلاةِ﴾ أي: إقامة الصلاة في وقتها؛ لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة. وانظر شرح الصلاة، والزكاة في الآية رقم [٣٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وانظر إعلال (إقام) في الآية رقم [٧٣] من سورة (الأنبياء) وانظر ما ذكرته في الآية السابقة بشأن أهل الأسواق.
﴿يَخافُونَ يَوْماً﴾ أي: يوم القيامة. ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ أي: من هوله، وحذر الهلاك. والتقلب: التحول، والمراد: قلوب الكفار، وأبصارهم، فتقلب القلوب: انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر، فلا هي ترجع إلى أماكنها، ولا هي تخرج، وأما تقلب الأبصار؛ فتحول هيئتها إلى العمى بعد البصر، بمعنى: تزيغ، ولا تبصر. وانظر الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ الآية رقم [١٠] من سورة (الأحزاب).
والمعنى: إن هؤلاء الرجال، وإن بالغوا في ذكر الله، والطاعات؛ فإنه مع ذلك وجلون خائفون لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته. وقد قيل في معنى تقلب القلوب والأبصار: إن القلوب تتقلب بين الطمع في النجاة، والخوف من العقاب في ذلك اليوم، وتقلب الأبصار، تنظر من أية ناحية يعطون كتبهم، وإلى أية ناحية يؤخذ بهم. وقيل: إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك، وكذلك أبصارهم؛ لرؤيتهم اليقين، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ فما كان يراه في الدنيا غيّا يراه رشدا في الآخرة، إلا أن ذلك لا ينفعهم.
وقيل: تقلب على جمر جهنم، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ﴾ الأحزاب رقم [٦٦]، وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ..﴾. الآية رقم [١١٠] من سورة (الأنعام).
وقيل: المعنى: تتقلب أحوالها، فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه، وتبصر الأبصار ما لم تبصر. هذا؛ وتخصيص الرجال بالذكر دليل على أن النساء لاحظ لهن في المساجد؛ إذ لا جمعة عليهن ولا جماعة، وأن صلاتهن في بيوتهن أفضل، فعن عبد الله بن مسعود-﵁-عن النبي ﷺ قال: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها». رواه أبو داود، وابن خزيمة في صحيحه. والمخدع: الخزانة ونحوها في داخل البيت، وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهنّ خير لهنّ». رواه أبو داود.
فهذا النهي للفتنة، فإذا أمن الإنسان الفتنة، وعدم النظر إليهن، فلا يمنعن، ولا سيما العجائز وهذا في عصر النبوة، وآداب الإسلام معمول بها، والإسلام في قمة رفعته، وعزته، والكل يخاف الله جل وعلا، فما بالك الآن أيها المسلم؛ وقد كثر الفجور والفسوق، وكثير من
стр. 4003
الفتيات عاريات، مائلات، مميلات في الشوارع، والنوادي، وعلى شواطئ الأنهار، والبحار، يا عجبا! يمنعهن نبي الإسلام من الذهاب إلى المساجد لعبادة الله، والأزواج، والآباء، والإخوة، لا يمنعونهن من هذا التبرج، ويل لكم يا أولياء النساء! إذا قدرتم على منعهن، ولم تمنعوهن، فإنه تنزل عليكم اللعنات، وتشملكم السخطات، ويلحقكم غضب الله، وانتقامه في يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعا، ولا دفعا.
الإعراب: ﴿رِجالٌ:﴾ فاعل ﴿يُسَبِّحُ﴾ أو هو مبتدأ مؤخر، خبره ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ انظر الآية السابقة.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُلْهِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿تِجارَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿رِجالٌ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿بَيْعٌ:﴾ معطوف على ﴿تِجارَةٌ﴾. ﴿عَنْ ذِكْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿ذِكْرِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف.
﴿وَإِقامِ:﴾ معطوف على ذكر، وهو مضاف، و ﴿الصَّلاةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَإِيتاءِ:﴾ معطوف على ذكر أيضا، وهو مضاف، و ﴿الزَّكاةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿يَخافُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿يَوْماً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب وهو الهاء، والرابط: الضمير فقط، وهو واو الجماعة، وأجيز اعتبارها صفة ثانية ل: ﴿رِجالٌ﴾. ﴿تَتَقَلَّبُ:﴾ مضارع. ﴿فِيهِ﴾ متعلقان به. ﴿الْقُلُوبُ:﴾ فاعله. ﴿وَالْأَبْصارُ:﴾
معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة يوما.
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)﴾
الشرح: المعنى: إن الرجال الذين اشتغلوا بذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتأدبوا بآداب المساجد إنما فعلوا ذلك ليجزيهم، أي: ليثيبهم أعظم من عملهم في الدنيا فرضا، كان أو نفلا، كيف لا؟! والله الحليم الكريم يجزي المؤمن على عمله الصالح في الدنيا الحسنة بعشر أمثالها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ الأنعام [١٦٠] وهذا أقل ما وعد به سبحانه من الأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين، وبسبعمئة وبغير حساب، كما في هذه الآية:
﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ:﴾ أشياء كثيرة لم يعدهم إياها على أعمالهم، ولم تخطر ببالهم.
وفي أبي السعود: أي: يتفضل عليهم بأشياء لم توعد لهم بخصوصياتها، أو بمقاديرها، ولم يخطر ببالهم كيفياتها، ولا كمياتها، بل إنما وعدت بطريق الإجمال في مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ الآية رقم [٢٦] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف
стр. 4004
سلام. وقول النبي ﷺ : «يقول الله ﵎: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» وغير ذلك من المواعيد الكريمة. انتهى. جمل.
خرج الحديث في الصحيح من حديث سهل بن سعد الساعدي-﵁. وهو ما في القرطبي، وأسنده الخازن إلى أبي هريرة-﵁.
﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ:﴾ بغير تقدير، فيوسع في الدنيا، استدراجا تارة، وابتلاء أخرى، وإكراما ثالثة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ سورة (الطلاق) رقم [٢ و ٣] هذا؛ وأما في الآخرة فرزقه جلت قدرته للمؤمنين واسع، لا يضبطه عد، ولا يحصره كيل، ولا وزن، بخلاف رزق الدنيا فإنه مضبوط محصور. وقول القرطبي:
أي: من غير أن يحاسب على ما أعطاه. لا وجه له؛ إذ ما ذكره خصوصية لسليمان بن داود ﵉؛ حيث قال الله له: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾. سورة (ص) رقم [٣٩].
خاتمة: الآيات الثلاث تثني على عباد الله المؤمنين الذين يألفون المساجد، ويتأدبون بآدابها، وبالإضافة لما ذكرته في الآيتين السابقتين أذكر لك نبذة من أحاديث سيد الخلق وحبيب الحق ﷺ في فضل صلاة الجماعة، والمحافظة عليها، وما يترتب على تركها، وإهمالها من الوعيد الشديد.
فعن أبي سعيد الخدري-﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد؛ فاشهدوا له بالإيمان، قال الله : ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»﴾. رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. وعنه أيضا: أن رسول الله ﷺ ، قال: «من ألف المسجد ألفه الله». رواه الطبراني في الأوسط. وعن أبي الدرداء ﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسجد بيت كلّ تقيّ، وتكفّل الله لمن كان المسجد بيته بالرّوح، والرّحمة، والجواز على الصّراط إلى رضوان الله إلى الجنّة». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، والبزار. وعن سلمان الفارسي-﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «من توضّأ في بيته، فأحسن الوضوء ثمّ أتى المسجد، فهو زائر الله، وحقّ على المزور أن يكرم الزّائر». رواه الطبراني في الكبير، والبيهقي. وعن أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد، أو راح، أعدّ الله له في الجنة نزلا كلّما غدا، أو راح». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما، وعنه أيضا قال، قال رسول الله ﷺ : «لا يتوضّأ أحدكم، فيحسن وضوءه، فيسبغه، ثمّ يأتي المسجد، لا يريد إلاّ الصلاة؛ إلاّ تبشّش الله إليه، كما يتبشّش أهل الغائب بطلعته». رواه ابن خزيمة في صحيحه.
هذا؛ وصلاة الجماعة تضعف على صلاة الرجل في بيته وفي سوقه سبعا وعشرين درجة؛ ومع ذلك فليست الأوقات الخمسة في درجة واحدة من الفضل، فأفضل صلاة في الجماعة، هي
стр. 4005
صلاة صبح يوم الجمعة، ثم صبح كل يوم، ثم صلاة عشاء كل يوم، ثم صلاة العصر، ثم صلاة الظهر، ثم صلاة المغرب، وكلما بعد بيت المصلي عن المسجد كان أعظم أجرا، وذلك لزيادة الأجر، المترتب على كثرة الخطى.
فعن بريدة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «بشّر المشّائين في الظّلم إلى المساجد بالنور التّامّ يوم القيامة». رواه أبو داود، والترمذي، وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «المشّاؤون إلى المساجد في الظّلم؛ أولئك الخوّاضون في رحمة الله تعالى».
رواه ابن ماجه، والترمذي.
وعن عثمان بن عفان-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلّى العشاء في جماعة فكأنّما قام نصف اللّيل، ومن صلّى الصّبح في جماعة فكأنّما صلّى الليل كلّه». رواه مسلم، ومالك، وأبو داود وهذا في ترغيب الصلاة في الجماعة ووعد الخير فيها، وعلى أدائها.
أما في التحذير من تركها، والوعيد في إهمالها-وعلى الأخص: صلاة الفجر، وصلاة العشاء-فخذ ما يلي: عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، (أي في الجماعة) ولو يعلمون ما فيهما (أي: من الأجر والثواب) لأتوهما، ولو حبوا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثمّ آمر رجلا، فيصلّي بالناس، ثمّ أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنّار». رواه البخاري، ومسلم.
وعن معاذ بن أنس-﵁، عن رسول الله ﷺ : أنه قال: «الجفاء كلّ الجفاء، والكفر والنّفاق، من سمع منادي الله ينادي إلى الصّلاة؛ فلا يجيبه». رواه أحمد، والطبراني، وفي رواية أخرى للطبراني: «بحسب المؤمن من الشّقاء والخيبة أن يسمع المؤذّن يثوّب بالصّلاة فلا يجيبه». والمراد بالتثويب هنا: إقامة الصلاة، أو: الأذان مطلقا.
وخذ ما يلي عن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى (أي: مع الإمام) كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق». رواه الترمذي. ومما يحزّ في القلب وتدمع له العين أن نرى من يصلي جماعة أربعين سنة لا تفوته التكبيرة الأولى مع الإمام، بل ويأتي إلى المسجد قبل الفجر بساعة، أو أكثر، يقوم، ويقعد يصلي، ولكنه مع الأسف معرضا عن الحق مؤيدا للباطل! وقد رأيت من يعتدي على كرامة الناس، وحرماتهم، وينفعل، ويثور، ويغضب لأقل شيء، فهؤلاء أقل ما أقول في شأنهم: إن صلاتهم لا ترفع فوق رؤوسهم شبرا، ولا صلاة لهم؛ لأن من شأن الصلاة أن تنهي صاحبها عن الفحشاء، والمنكر مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. وقال الرسول ﷺ : «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ لم يزدد من الله إلاّ
стр. 4006
بعدا». والله ولي التوفيق. علما بأن هذه الأحاديث مقتطفة من كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، رحمه الله تعالى، وهو نزر من بحر، والله ولي التوفيق.
الإعراب: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد لام التعليل، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَحْسَنَ:﴾ مفعول به ثان، وأحسن مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أحسن الذي، أو شيء عملوه، واعتبار ﴿ما﴾ مصدرية ضعيف، تأمل. و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُسَبِّحُ،﴾ أو ب: ﴿يَخافُونَ،﴾ أو بفعل محذوف، التقدير: فعلوا ذلك؛ ليجزيهم الله، أو بالفعل: ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار اللام لام العاقبة، والصيرورة، لا لام العلة على حد قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ ومتعلقة بمحذوف حال. ﴿وَيَزِيدَهُمْ:﴾
معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: ما يليق بكرمه، وجوده. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَرْزُقُ:﴾
مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يرزق الذي، أو شخصا يشاء الله رزقه. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول ثان محذوف، التقدير: رزقا كائنا بغير، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، و (غير) مضاف، و ﴿حِسابٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَرْزُقُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩)﴾
الشرح: لما ضرب الله مثلا لحال المؤمن، وأنه في الدنيا والآخرة في نور، وأنه فائز بالنعيم المقيم؛ أتبعه بضرب مثل لأعمال الكفار، وشبهها بالسراب، وهذا من لطف الله وكرمه وحكمته، ورحمته؛ حيث جرت سنته في كتابه ألا يذكر التكذيب من الكافرين، والمنافقين إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنّة إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة، إلا ويذكر الغضب، والسخط، ليكون المؤمن راغبا راهبا، خائفا راجيا.
هذا؛ والسراب: ما يرى نصف النهار في اشتداد الحر كالماء في البادية يلتصق بالأرض، وله رهجة، واهتزاز كالماء في الغدران، و «الآل» الذي يكون ضحى كالماء؛ إلا أنه يرتفع عن
стр. 4007
الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء، وسمي السراب سرابا؛ لأنه يسرب، أي يجري كالماء، ولا يكون إلا في البرية، والأرض الفلاة في أيام القيظ الحارة، فيغتر به العطشان، والمسافر، وقد يريق ما معه من الماء اغترارا به، قال الشاعر: [الطويل]
فلمّا كففنا الحرب صارت عهودهم... كلمع سراب بالفلا متألّق
وقال آخر: [الطويل]
فكنت كمهريق الذي في سقائه... لرقراق آل فوق رابية صلد
و (القيعة) جمع: القاع، مثل: جيرة وجار. قاله الهروي. وقال أبو عبيدة: قيعة، وقاع واحد حكاه النحاس، والقاع: ما انبسط من الأرض، واتسع، ولم يكن فيه نبات، وفيه يكون السراب، والآل، وجمع قاع على: أقوع، وأقواع، وقيعان، وأصله: قوعان، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وقرئ: «(بقيعات)» ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً:﴾ أي: يظنه، ويتوهمه العطشان ماء، وانظر (حسب) في الآية رقم [١٥]، وشرح ﴿الْماءِ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء).
﴿حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ أي: لم يجد ما قدره، وتوهمه ماء في مكان السراب، أو المعنى: لم يجده شيئا نافعا، فحذف الصفة، واكتفى بالموصوف، وهذا كثير في القرآن والكلام العربي. ﴿وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ﴾ أي: وجد الله بالمرصاد، أو وجد عقابه، ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ أي:
جزاء عمله، قال امرؤ القيس: [الوافر]
فولّى مدبرا يهوي حثيثا... وأيقن أنّه لاقى حسابا
﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ:﴾ يحاسب العباد على كثرتهم، وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة، ووصف سبحانه نفسه بسرعة الحساب مع ما ذكر ليدل بذلك على كمال قدرته؛ لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ولا يحتاج إلى آلة حاسبة، ولا إلى أمارة، ولا إلى مساعد، لا جرم كان قادرا على أن يحاسب جميع الخلائق في أقل من لمح البصر. وقيل: معناه: يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد، فبادروا إلى الطاعات، واكتساب الحسنات.
هذا؛ وفي الآية الكريمة مثل ضربه الله تعالى للكفار الذين يؤملون ثواب أعمالهم، فإذا قدموا على الله تعالى يوم القيامة؛ وجدوا ثواب أعمالهم محبطة بالكفر. ووجه التشبيه: أن الذي يأتي به الكافر من أعمال البر، يعتقد: أن له ثوابا عند الله تعالى، وليس كذلك، فإذا وافى عرصات القيامة؛ لم يجد الثواب الذي كان يؤمله، بل وجد العقاب العظيم، والعذاب الأليم، فعظمت حسرته، وتناهى غمه، فشبه الله تعالى حاله بحال العطشان الذي اشتدت حاجته إلى الماء، فإذا شاهد السراب في الأرض الفلاة؛ تعلق قلبه به، وأخذ يسعى إليه، فإذا جاء المكان الذي تراءى له فيه السراب لم يجد فيه شيئا، فكذلك الكافر يحسب أن عمله نافعه، فإذا احتاج
стр. 4008
إلى عمله؛ لم يجده أغنى عنه شيئا، ولا نفعه. وهذا يسمى بالتشبيه التمثيلي. وتفيد الآية الكريمة، والتي تليها: أن أفعال الكافر إذا كانت برّا، كصلة القرابة ونحوها، لا يثاب عليها، ولا ينتفع بها في الآخرة، ومثلها الآية رقم [٢٣] من سورة (الفرقان) بيد أنه يطعم بها في الدنيا، دليله ما رواه مسلم عن عائشة-﵂: أنها قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان، كان في الجاهلية يصل الرّحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنّه لم يقل يوما: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين». وروي عن أنس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدّنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأمّا الكافر، فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدّنيا، حتّى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها». وهذا نصّ. ثم قيل: هل بحكم هذا الوعد الصادق لا بد أن يطعم الكافر، ويعطى بحسناته في الدنيا، أو ذلك مقيد بمشيئة الله المذكورة في قوله تعالى: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ الآية رقم [١٨] من سورة (الإسراء) وهذا هو الصحيح من القولين؟ بينما نجد آية (هود) رقم [١٥] قد أطلقت، ولم تقيد بالمشيئة، وكذلك آية الشورى رقم [٢٠] أطلقت.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: والصحيح: أنه من باب الإطلاق، والتقييد، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع، دائما على كل حال، وليس كذلك لقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾.
والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
وأخيرا أقول: إن معنى إطعام الكافر في الدنيا: إدرار الرزق عليه، ومدّه بالصحة، والعافية، وسروره في الدنيا، وراحة باله، وهناءة عيشه، وغير ذلك من نعيم الدنيا، وملذاتها.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف، أي: بالله: صلة الموصول لا محل لها.
﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ مبتدأ ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، -أي جمعه-لفاعله.
﴿كَسَرابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ الثاني، وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى مثل؛ فهي الخبر، وتكون مضافة و (سراب) مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿أَعْمالُهُمْ﴾ بدل اشتمال من الموصول. و ﴿كَسَرابٍ﴾ متعلقين بمحذوف خبره.
ولا أرتضيه، والمعنى لا يقويه. ﴿بِقِيعَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (سراب). ﴿يَحْسَبُهُ:﴾
مضارع، والهاء مفعول به أول. ﴿الظَّمْآنُ:﴾ فاعله. ﴿ماءً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: (سراب) أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط:
الضمير فقط. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَهُ:﴾ ماض، ومفعوله، والفاعل يعود إلى ﴿الظَّمْآنُ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على
стр. 4009
المرجوح المشهور. ﴿لَمْ يَجِدْهُ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ والفاعل يعود إلى الظمان، والهاء مفعول به أول. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به ثان على اعتباره بمعنى: ماء، أو هو مفعول مطلق على اعتباره مصدرا بمعنى وجدانا، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف بعد ﴿حَتّى﴾ لا محل له.
وقال الجمل: غاية لمحذوف، تقديره: ويقصده، ولا يزال جائيا إليه، حتى إذا جاءه... إلخ، وهذا يؤيد رأي الأخفش الذي يعتبر «حتى» في مثل ذلك جارة ل: «إذا». (وجد):
ماض. ﴿اللهَ:﴾ مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الظَّمْآنُ﴾. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، أو هو متعلق بمحذوف مفعول ثان ل: (وجد)، وجملة:
﴿وَوَجَدَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة مدلول عليها بالمذكورة؛ إذ التقدير: لم يجد عمله الذي رجا ثوابه. ﴿فَوَفّاهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (وفّاه): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول. ﴿حِسابَهُ:﴾ مفعول به ثان، و (الهاء) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو:
حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: سريع حسابه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وفحوى الآية معطوف على فحوى قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ..﴾. إلخ.
﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ..﴾. إلخ: هذا مثل آخر ضربه الله تعالى للكفار، أي: أعمالهم كسراب بقيعة، أو كظلمات. قال الزجاج: إن شئت مثّل بالسراب، وإن شئت مثّل بالظلمات، ف: ﴿أَوْ﴾ للإباحة حسبما تقدم من القول في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ..﴾. الآية رقم [١٩] من سورة (البقرة). وقال الجرجاني: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ذكر كفرهم، ونسق الكفر على أعمالهم؛ لأنه أيضا من أعمالهم، وقد قال تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية رقم [٢٥٧] من سورة (البقرة) أي: من الكفر إلى الإيمان. وقال أبو علي الفارسي: التقدير: كذي ظلمات، ودل على هذا المضاف قوله تعالى: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ..﴾. إلخ فالضمير يعود إلى المضاف المحذوف. قال القشيري: فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار.
وعند الجرجاني لكفر الكافر. وعند أبي علي للكافر نفسه. وقال ابن عباس: هذا مثل قلب الكافر. انتهى. قرطبي. رحم الله الجميع رحمة واسعة، وأدخلنا معهم جنته! وقال الخازن:
стр. 4010
أعلم الله أن أعمال الكفار إن كانت حسنة؛ فهي كسراب بقيعة، وإن كانت قبيحة؛ فهي كظلمات. ومثله في البيضاوي.
﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ أي: عميق كثير الماء، ولجة البحر: معظمه، وجمعها: لجج، فأما اللّجّة؛ فأصوات الناس. يقال: سمعت لجّة الناس؛ أي: أصواتهم وصخبهم. قال أبو النجم الفضل بن قدامة العجليّ: [الرجز]
تدافع الشّيب ولم تقتّل... في لجّة أمسك فلانا عن فل
و ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ﴾ أي: يعلو ذلك البحر العميق، ويغطيه موج. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أي: من فوق الموج موج ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ أي: ومن فوق هذا الموج الثاني سحاب. هذا؛ والسحاب اسم جنس، واحده سحابة، فلذلك وصف بالجمع، وهو الثقال بقوله تعالى في الآية رقم [١٢] من سورة (الرعد): ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ وتجمع السحابة على سحاب، وسحائب، وسحب.
﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ:﴾ المعنى: أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جدا. بسبب غمورة الماء له، فإذا ترادفت الأمواج ازدادت الظلمة، فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى. ثم قيل: المراد بهذه الظلمات: ظلمة السحاب، وظلمة الموج، وظلمة الليل، وظلمة البحر، فلا يبصر من كان في هذه الظلمات شيئا، كذلك الكافر، له ظلمات كثيرة: ظلمة الاعتقاد، وظلمة التفكير، وظلمة القول، وظلمة العمل. وقيل: شبه بالبحر اللجي قلبه، وبالموج ما يتغشى قلبه من الشك، والجهل، والحيرة، وبالسحاب الختم، والطبع على قلبه. قال أبيّ بن كعب-﵁: الكافر يتقلب في خمس من الظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات في النار، وبئس القرار، والكلام جار مجرى الاستعارات، والكنايات. تأمّله، وتدبره.
﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: إذا أخرج شخص يده ليراها؛ لم يقرب أن يراها لشدة الظلمة. وقيل: المعنى لم يرها إلا بعد الجهد، كما تقول: ما كدت أراك من الظلمة، وقد رآه بعد يأس، وشدة. وقيل: هو مبالغة في لم يرها، أي لم يقرب أن يراها فضلا عن أن يراها، ومثله قول ذي الرمة: [الطويل]
إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
أي: لم يقرب من البراح فماله يبرح. هذا؛ وقال الفراء: «كاد» صلة، أي لم يرها، وحكاه أبو حاتم عن الأخفش أيضا، وهي مؤكدة لمعنى الكلام؛ لأن الظلمات التي ذكرها الله تعالى، بعضها يحول بين الناظر والمنظور إليه. وروي معناه عن سعيد بن جبير-﵄ واستشهدوا بقول زيد الخير-﵁: [الطويل]
стр. 4011
سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه... فما إن يكاد قرنه يتنّفس
أراد فما يتنفس قرنه، أي مقارنه، وهو محاربه. وقال آخر: [الطويل]
وألاّ ألوم النفس فيما أصابني... وألاّ أكاد بالّذي نلت أنجح
معناه: وألا أنجح بالذي نلت، وبه قيل في قوله تعالى في الآية رقم [١٥] من سورة (طه):
﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها..﴾. إلخ.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً﴾ أي: ومن لم يقدّر له الهداية، ولم يوفقه لأسبابها. وقال ابن عباس-﵄: أي من لم يجعل الله له دينا فما له من دين، ومن لم يجعل الله له نورا يمشي به يوم القيامة لم يهتد إلى الجنة، كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ وجملة القول: من لم يهده الله لم يهتد، وقد قال الرسول ﷺ : «إنّ الله خلق الخلق في ظلمة فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النّور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ». أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁. فإذا الهداية هداية الله، والتوفيق توفيق الله.
وقد يعترض بعض الناس على ذلك، فيقول: إذا لا مؤاخذة على العبد، فكيف يعذبه الله، ولم يهده، ولم يوفقه للإيمان؟ والجواب: أن عدم توفيق الله للعبد معناه تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن هذا العبد لو ترك وشأنه، لم يختر سوى الكفر، والضلال، ولذا قدره الله عليه، هذا بالإضافة إلى اختياره الضلال، بعد أن بين الله لكل واحد الخير، والشر، والحسن، والقبيح، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير، وطريق الشر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: قال مقاتل بن سليمان رحمه الله تعالى: نزلت الآيتان في عتبة بن ربيعة، كان يلتمس الدين في الجاهلية، ولبس المسوح، فلما جاء الإسلام؛ كفر. وقال الماوردي: في شيبة أخيه، كان يترهب في الجاهلية، ويلبس المسوح، ويطلب الدين، فكفر بالإسلام، وكلاهما مات كافرا، فلا يبعد أن يكونا هما المراد بالآية وغيرهما، وقد قيل: نزلتا في عبد الله بن جحش وكان قد أسلم، وهاجر إلى الحبشة، ثم تنصر بعد إسلامه. انتهى. قرطبي بتصرف. أقول:
والآيتان تشملان كل كافر بالله ورسوله إلى يوم القيامة بلا ريب ولا شك. تأمل، وتدبر.
الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كَظُلُماتٍ:﴾ معطوفان على ﴿كَسَرابٍ﴾ في الآية السابقة.
﴿فِي بَحْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (ظلمات). ﴿لُجِّيٍّ:﴾ صفة ﴿بَحْرٍ﴾. ﴿يَغْشاهُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿مَوْجٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: ﴿بَحْرٍ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنْ فَوْقِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (الهاء) في محل جر بالإضافة. ﴿مَوْجٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿مَوْجٌ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ متعلقين بمحذوف
стр. 4012
صفة ﴿مَوْجٌ،﴾ فيكون ﴿مَوْجٌ﴾ الثاني فاعلا بمتعلق الجار والمجرور: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ مثل سابقه على الاعتبارين فيه. ﴿كَظُلُماتٍ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هذه ظلمات، ويقرأ بالجر على اعتباره بدلا من (ظلمات) الأولى، كما يقرأ: «(سحاب ظلمات)» بالإضافة، ولا تنوين في (سحاب) للإضافة. ﴿بَعْضُها:﴾ مبتدأ، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿فَوْقَ﴾ مضاف، و ﴿بَعْضٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع، أو في محل جر صفة (ظلمات). هذا؛ والجملة الاسمية المقدرة هذه ظلمات إلخ على قراءة الرفع في محل جر صفة (ظلمات) الأولى، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، والرابط على الاعتبارين إعادة الظلمات بلفظها. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أَخْرَجَ:﴾ ماض، والفاعل تقديره:
«هو»، يعود إلى غير مذكور، والمراد به من كان في الظلمات. ﴿يَدَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿لَمْ يَكَدْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ واسمه يعود إلى ما عاد إليه فاعل ﴿أَخْرَجَ﴾. ﴿يَراها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ما عاد إليه... إلخ، و (ها):
مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خير ﴿لَمْ يَكَدْ،﴾ والجملة: ﴿لَمْ يَكَدْ..﴾. إلخ جواب:
(إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ يَجْعَلِ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله.
﴿اللهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من نورا، كان صفة له... إلخ.
﴿نُوراً:﴾ مفعول به. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نُورٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٣]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فالجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: (ما له من نور) خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية:
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١)﴾
الشرح: لما ذكر الله وضوح الآيات؛ زاد في الحجة، والبينات، وبين: أن مصنوعاته تدل بتغييرها على أن لها صانعا قادرا على الكمال، فله بعثة الرسل، وقد بعثهم، وأيدهم بالمعجزات،
стр. 4013
وأخبروا بالجنة والنار، والخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ ، وهو يعم كل مخاطب من العقلاء.
والمعنى: ألم تعلم علما يقينيا يشبه المشاهدة في اليقين، والوثاقة بالوحي والاستدلال.
﴿أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ﴾ أي: من الملائكة. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ أي: من الجن والإنس، والحيوان والنبات والجماد، وهو ما صرحت به الآية رقم [٤٤] من سورة (الإسراء): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. انظر شرحها هناك، والمعنى: يقدس الله، وينزهه عن كل نقص وآفة أهل السموات، والأرض. وانظر الكلام على (من) و (ما) في الآية رقم [٤٥] الآتية.
تنبيه: جاء لفظ التسبيح بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع: المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر. وهذا الفعل بألفاظه الأربعة قد عدي باللام تارة، مثل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ..﴾. إلخ وبنفسه أخرى، مثل قوله تعالى:
﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ وقوله تعالت حكمته: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى سبّحته: بعدته من السوء، منقول من «سبح»: إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل اللام في نصحته ونصحت له، وشكرته وشكرت له، وإما أن يراد ي: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ اكتسب التسبيح لأجل الله. ولو جهه خالصا. انتهى. نسفي. من سورة (الحديد).
﴿وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ﴾ أي: باسطات أجنحتهن في الهواء. قيل: خص الطير بالذكر من جملة الحيوان؛ لأنها تكون بين السماء والأرض أثناء طيرانها، فتكون خارجة عن حكم من في السموات والأرض.
﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ:﴾ قال مجاهد، وغيره: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سواه من الخلق. وقال سفيان: للطير صلاة ليس فيها ركوع، ولا سجود. وقيل: إن ضربها بأجنحتها صلاة، وإن أصواتها تسبيح، حكاه النقاش. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كل واحد مما ذكر. ﴿عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أي: علم الله تسبيح المسبح، وصلاة المصلي من جميع المخلوقات، ولهذا قال: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أي: لا يخفى عليه طاعتهم، ولا تسبيحهم. ومن هذه الجهة يجوز نصب ﴿كُلٌّ﴾ عند البصريين، والكوفيين بإضمار فعل يفسره ما بعده. وقد قيل: المعنى: قد علم كل مصلّ صلاة نفسه، وكل مسبح تسبيحه الذي كلّفه. هذا؛ وقد قرئ ﴿عَلِمَ﴾ بالبناء للمعلوم وللمجهول، كما قرئ بتشديد اللام، كما قرئ بنصب (الطير)، وقراءة الجمهور الرفع، مع نصب ﴿صَافّاتٍ﴾ على القراءتين، وقرئ برفعهما «(والطير صافات)»، وانظر شرح ﴿الطَّيْرُ﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (الحج). هذا؛ والصلاة هنا بمعنى التسبيح، فهو بمعنى المرادف، وكرر للتوكيد.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير هنا. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
стр. 4014
﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُسَبِّحُ:﴾ مضارع. ﴿اللهَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿وَالطَّيْرُ:﴾ معطوف على ﴿مَنْ﴾. ﴿صَافّاتٍ:﴾ حال منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. هذا؛ و (الطير) بالنصب مفعول معه، وعلى رفعه ورفع (صافات) فهما مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿يُسَبِّحُ..﴾.
إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل ﴿تَرَ﴾ وقيل: هو قلبي فالمصدر سد مسد مفعوليه، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به، وهو نكرة الإضافة المقدرة. ﴿قَدْ:﴾
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ أو إلى ﴿كُلٌّ،﴾ انظر الشرح. ﴿صَلاتَهُ:﴾ مفعول به. ﴿وَتَسْبِيحَهُ:﴾ معطوف عليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿عَلِمَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿كُلٌّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (الله): مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبره. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾.
و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عليم بالذي، أو بشيء يفعلونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: عليم بفعلهم، والجملة الاسمية: (الله...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾
الشرح أي: إن جميع الموجودات في السموات والأرض من أفلاك وكواكب في السموات، وما على الأرض من جبال وأنهار وبحار، فكل ذلك ملك لله تعالى، وفي تصرفه، وعنه نشأ،، ومنه بدأ لا يشركه فيه أحد، وما يملكه العبد في هذه الدنيا، فإنما هو ملك له في الظاهر، قد منحه الله له؛ ليتمتع به على سبيل الوكالة، والأمانة، فويل لمن قصر في الوكالة، وخان في الأمانة! وقيل: معناه: إن خزائن المطر، والرزق بيد الله، ولا يملكها أحد سواه. ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ أي:
المرجع، والماب، والمال بعد الموت إلى الله تعالى، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وانظر شرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾
مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. (إلى الله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
стр. 4015
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ: الكلام عليه هنا كما في الآية رقم [٤١]. ﴿يُزْجِي سَحاباً:﴾
يسوق، ويجري إلى حيث يشاء، والسحاب: الغيوم التي تراها العيون في السماء. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي: يجمعه عند انتشائه؛ ليقوى، ويتصل، ويكثف. وقرئ «(يولّف)» بدون همز، والسحاب واحد في اللفظ، ولكن معناه جمع، وهو غربال الماء. قاله علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه.
هذا، وقيل: السحاب: الغيم فيه الماء، أو لم يكن فيه ماء، ولهذا قيل: سحاب جهام، وهو الخالي من الماء، وأصل السحب: الجر، وسمي السحاب سحابا، إما لجر الريح له، أو لجره الماء، أو لا نجراره في سيره، ووصفه الله ب: ﴿الثِّقالَ﴾ في الآية رقم [١٢] من سورة (الرعد)، لثقله بالماء الذي يحمله إلى حيث شاء الله الخلاق العظيم.
هذا؛ وينبغي أن تعلم أن «بين» لا تقع إلا لاثنين فصاعدا، ووقوعها هنا لجماعة السحاب؛ لأنه بمعنى الجمع كما تقول: جلست بين الشجر؛ لأنه جمع، والسحاب مؤلف من قطع ينضم بعضها إلى بعض. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً﴾ أي: مجتمعا يركب بعضه بعضا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ والرّكم: جمع الشيء، يقال: ركم الشيء، يركمه ركما:
إذا جمعه، وألقى بعضه على بعض، وارتكم الشيء، وتراكم: إذا اجتمع.
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ أي: من وسطه وهو مخارج القطر، وقد قال كعب: إن السحاب غربال المطر، ولولا السحاب حين ينزل المطر من السماء؛ لأفسد ما يقع عليه من الأرض. وفي ﴿الْوَدْقَ﴾ قولان: أحدهما: أنه البرق قاله أبو الأشهب العقيلي، ومنه قول الشاعر: [الوافر]
أثرن عجاجة، وخرجن منها... خروج الودق من خلل السحاب
الثاني: أنه المطر قاله الجمهور، قال امرؤ القيس: [الطويل]
فدمعهما ودق، وسحّ، وديمة... وسكب وتوكاف، وتنهملان
وقال عامر بن جوين الطائي: [المتقارب]
فلا مزنة ودقت ودقها... ولا أرض أبقل إبقالها
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ:﴾ وفيه معنيان: أحدهما: أن يخلق الله في السماء جبالا من برد، كما خلق في الأرض جبالا من حجر. والثاني: أن يريد الكثرة بذكر الجبال،
стр. 4016
كما يقال: فلان يملك جبالا من ذهب. والأول فحوى قول ابن عباس-﵄، ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ:﴾ فيكون إصابته نقمة حيث يهلك من يصيبه، وأمواله، وزرعه، وهذا مشاهد في بعض السنين، ويكون صرفه نعمة، فلا يضر، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن ينزل البرد في الغالب في أواخر فصل الربيع، حين يكون الزرع قد قارب الحصاد، ولله في خلقه وحكمته شؤون، لا اعتراض عليها.
﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ أي: ضوء ذلك البرق الذي في السحاب. ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ:﴾ من شدة بريقه، وضوئه. هذا؛ والبرق مصدر: برق، يبرق: إذا لمع. والرعد: مصدر: رعد، يرعد، وهما معروفان ومشاهدان للناس جميعا، وتفسيرهما في الشرع غير تفسيرهما وشرحهما في العلم الحديث. هذا؛ وذكر الله في الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد) أن الناس بعضهم يخافون من البرق ولمعانه، وبعضهم يطمعون فيما وراءه، وفيما يبشر به من مطر. هذا؛ و (السنا) بالقصر الضوء، وشدة بريق البرق، قال الشماخ: [الوافر]
وما كادت إذا رفعت سناها... ليبصر ضوءها إلاّ البصير
وهو أيضا نبت يتداوى به، و «السناء» بالمد: الرفعة، والعلو في الشرف والحسب، وقد قرأه طلحة بن مصرّف هنا بالمد على المبالغة في شدة الضوء، والصفاء، فأطلق اسم العلو، والشرف. هذا؛ ويقرأ ﴿يَذْهَبُ﴾ بفتح الياء من الثلاثي، وهي سبعية، وقرئ بضم الياء من الرباعي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ والمشهور في العلم الحديث: أن الأبخرة إذا تصاعدت من البحار، والأنهار الموجودة في الأرض، ولم تحللها حرارة معينة، فبلغت الطبقة الباردة من الهواء، وقوي البرد هناك؛ اجتمع، وصار سحابا، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطرا، وإن اشتد، فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجا، وإلا نزل بردا، وقد يبرد الهواء بردا مفرطا، فينقبض، وينعقد سحابا، وينزل منه المطر أو الثلج، وكل ذلك لا بد وأن يستند إلى إرادة الواجب الحكيم؛ لقيام الدليل على أنها الموجبة لا ختصاص الحوادث بمحالها، وأوقاتها. انتهى. بيضاوي بتصرف.
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً:﴾ انظر الآية قبلها فالإعراب واحد. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُؤَلِّفُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بَيْنَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿يَجْعَلُهُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ أيضا، والهاء مفعوله الأول. ﴿رُكاماً:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿فَتَرَى:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (ترى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل
стр. 4017
مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْوَدْقَ:﴾ مفعول به. ﴿يَخْرُجُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الودق.
﴿مِنْ خِلالِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (الودق) والرابط: الضمير فقط، وجملة ﴿فَتَرَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا، والرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة.
(ينزّل): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ جِبالٍ:﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها هما بدل مما قبلهما، والثاني: هما متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: شيئا كائنا من جبال، و «شيئا» المحذوف، هو مفعول (ينزّل)، وهو فحوى كلام الزمخشري، وابن عطية. هذا؛ وأجاز الأخفش اعتبار ﴿مِنْ﴾ صلة، و ﴿جِبالٍ﴾ هو مفعول به، وهذا على مذهبه بجواز زيادة «من» في الإيجاب. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿جِبالٍ﴾. ﴿مِنْ بَرَدٍ:﴾ فيه ثلاثة أقوال أيضا: أحدها: هما بدل من قوله: ﴿مِنَ السَّماءِ،﴾ أو من قوله: ﴿مِنْ جِبالٍ﴾. والثاني: هما متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف، وهذا المحذوف بدل من المحذوف المقدر قبل: ﴿مِنْ جِبالٍ﴾. والثالث: ﴿مِنْ﴾ زائدة، و ﴿بَرَدٍ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، والخبر متعلق فيها، والجملة الاسمية صفة ﴿جِبالٍ﴾ وهذا على مذهب الأخفش الذي يجيز زيادة «من» في الإيجاب، وجملة: ﴿وَيُنَزِّلُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا.
﴿فَيُصِيبُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (يصيب): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿بِهِ:﴾
متعلقان بما قبلهما، ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:
فيصيب به الذي، أو: شخصا يشاء إصابته بذلك البرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن عطفتها على ما قبلها؛ فلست مفندا، والجملة بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها؛ إذ التقدير: ويصرفه-أي: البرد-عن الذي، أو: عن شخص يشاء صرفه عنه. ﴿يَكادُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿سَنا:﴾ اسم ﴿يَكادُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وعلى قراءته بالمد فالضمة ظاهرة، و ﴿سَنا﴾ مضاف، و ﴿بَرْقِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَذْهَبُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿سَنا بَرْقِهِ﴾. ﴿بِالْأَبْصارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلى قراءة الفعل بضم الياء؛ فالباء صلة، و (الأبصار) مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة:
﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ في محل نصب خبر (يكاد)، وجملة: ﴿يَكادُ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿سَحاباً﴾ على بعده عنها، والرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة؛ لأنها عائدة عليه، وقيل:
صفة ﴿بَرَدٍ،﴾ وليس بشيء، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. تأمّل.
стр. 4018
﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ أي: بالمعاقبة بينهما، أو بنقص أحدهما، وزيادة الآخر، تبعا لفصول السنة، أو بتغيير أحدهما بالحر، والبرد، والظلمة، والنور، وكل ذلك مشاهد، وقيل: تقليبهما باختلاف ما يقدر فيهما من خير، وشر، ونفع، وضر. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في الذي ذكر، من تقلب الليل، والنهار، وأحوال المطر، والصيف، والشتاء. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اعتبارا، وعظة، وتذكرة. ﴿لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ أي: لأهل العقول السليمة، والبصائر النيرة، فيستدلون بذلك على قدرة الله وتوحيده.
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: «يؤذيني ابن آدم، يسبّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلّب الليل، والنهار». متفق عليه، ومعنى هذا الحديث:
أن العرب كانوا يقولون عند النوازل، والشدائد: أصابنا الدهر، ويذمونه في أشعارهم، فقيل لهم: لا تسبوا الدهر، فإن فاعل ذلك هو الله عز جل، والدهر مصرّف تقع فيه التأثيرات، كما تقع بكم.
تنبيه: لقد عدد الله في هذه الآيات من الدلائل على وحدانيته وقدرته ما فيه عبرة لمن يعتبر، وذكرى لمن يتذكر، حيث ذكر تسبيح من في السموات والأرض، وكل ما يطير بين السماء والأرض، ودعاءهم له، وابتهالهم إليه، وأنه سخر السحاب التسخير الذي وصفه، وما يحدث فيه من أفعاله؛ حتى ينزل المطر منه، وأنه يقسم رحمته بين خلقه، ويقبضها، ويبسطها على ما تقتضيه حكمته، ويريهم البرق في السحاب، الذي يكاد يخطف أبصارهم؛ ليعتبروا، ويحذروا، ويعاقب بين الليل، والنهار، ويخالف بينهما في الطول، والقصر، وما هذه إلا براهين في غاية الوضوح على وجوده، وقدرته، ودلائل منادية على كمال صفاته لمن نظر، وفكر، وتبصر، وتدبر. انتهى. كشاف بتصرف.
الإعراب: ﴿يُقَلِّبُ:﴾ مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. (النهار): معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (عبرة): اسم (إنّ) مؤخر. ﴿لِأُولِي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (عبرة)، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (أولي) مضاف، و ﴿الْأَبْصارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة أيضا لا محل لها.
стр. 4019
﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ أي: كل ما يدب على وجه الأرض، من إنسان، وحيوان، وهوام، وغير ذلك. هذا؛ ويقرأ: «(والله خالق كلّ دابة)» ﴿مِنْ ماءٍ﴾ أي: من نطفة، وأراد به كل حيوان يشاهد في الدنيا، ولا يدخل فيه الملائكة والجن؛ لأنّا لم نشاهدهم، وقيل: إن أصل جميع الخلق من الماء، وذلك أن الله خلق ماء، فجعل بعضه ريحا ونورا، فخلق منه الملائكة، وجعل بعضه نارا، فخلق منه الجن، وجعل بعضه طينا، فخلق منه آدم.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ:﴾ كالحيات، والديدان، والحيتان، ونحو ذلك، وسمي الزحف على البطن مشيا على الاستعارة، أو المشاكلة لما بعده. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ:﴾ كبني آدم، والطير إذا مشى على الأرض. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ:﴾ كالبهائم، والسباع، قال النقاش: إنما اكتفى في القول بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر؛ لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهي قوام مشيه، وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في خلقته، لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها.
هذا؛ و ﴿دَابَّةٍ﴾ تشمل من يعقل، وما لا يعقل، فغلب من يعقل لما اجتمع مع من لا يعقل؛ لأنه المخاطب، والمتعبد، ولذلك قال: ﴿فَمِنْهُمْ،﴾ وقال: ﴿مَنْ يَمْشِي﴾ لأن الأصل أن تكون (من) للعاقل، و (ما) لغير العاقل، وقد يعكس هذا فتستعمل (من) لغير العاقل كما في هذه الآية، وتستعمل (ما) للعاقل كما في الآية رقم [٦] من سورة (المؤمنون) وهي قوله تعالى:
﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وذلك قليل، وأكثر ما تكون (ما) للعاقل إذا اقترن العاقل بغير العاقل في حكم واحد، كما في الآية رقم [٤٩] من سورة (النحل)، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ، وقوله سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ الآية رقم [١] من سورة (الجمعة)، وكذلك الآية رقم [١] من سورة (الحديد)، ورقم [١] من سورة (الصف)، فإن كل ما في السموات والأرض ممن يعقل، وما لا يعقل قد اقترنا في حكم واحد، وهو السجود والتسبيح، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ﴾ ويكون في الكلام تغليب، كما تستعمل في المبهم أمره كقولك، وقد رأيت شبحا من بعد: (انظر إلى ما أرى) و (من، وما) تكونان بلفظ واحد للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث.
﴿يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ:﴾ ما ذكر، وما لم يذكر، بسيطا أو مركبا على اختلاف الصور في الأعضاء، والهيئات، والحركات، والطبائع، والقوى، والأفعال مع اتحاد العنصر بمقتضى
стр. 4020
مشيئته، وحكمته. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ على ما ذكر، لا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وهذه الآية فيها من دلائل قدرة الله تعالى ما لا يخفى على ذي لب.
الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿دَابَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، وعلى القراءة الثانية ف: «(خالق)» هو خبر المبتدأ، و «(خالق)» مضاف، و ﴿كُلَّ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والآية بجملتها معطوفة على ما ذكر في الآيات السابقة من دلائل قدرته، جلت حكمته. ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ الفاء: حرف تفريع وعطف.
(منهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، هذا هو الظاهر والمتبادر، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و ﴿مِنْ﴾ هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض؛ أي: فبعض المخلوقات، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى:
﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ من الآية رقم [١١٠] من سورة (آل عمران)، فعطف (أكثرهم) على (منهم) يؤيد: أن معناه بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل]
منهم ليوث، لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب
حيث قابل لفظ «منهم» بما هو مبتدأ أعني لفظة «بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث جمع: ليث، وهو الأسد. لا ترام: لا تقصد. قمشت: جمعت من هنا وهناك، والمراد رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء. ﴿يَمْشِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿عَلى بَطْنِهِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة من، أو صفتها، والجملة: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ..﴾. إلخ معطوفة، ومفرعة عما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملتان: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ﴾ معطوفتان عليها، وإعرابهما لا خفاء فيه إن شاء الله تعالى.
﴿يَخْلُقُ:﴾ مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يخلق الله الذي، أو شيئا يشاء خلقه، وجملة: ﴿يَخْلُقُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، وكل مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل لمشيئة الله تعالى، لا محل لها.
стр. 4021
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ للحقائق بأنواع الدلائل، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٤]. ﴿يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ أي: بالتوفيق للنظر في هذه الآيات، والتدبر لمعانيها. ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إلى دين الإسلام، الذي هو دين الله، وطريقه إلى جنته ورضاه، وانظر الآية رقم [٧٣] من سورة (المؤمنون). ولا تنس: الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وانظر رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره:
والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آياتٍ:﴾ مفعول به. ﴿مُبَيِّناتٍ:﴾ صفة لها، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ لا محل لها على الاعتبارين في اللام. تأمل. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله):
مبتدأ. ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يهدي الذي، أو: شيئا يشاء هدايته ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾
تنبيه: لما ذكر الله إنزال الآيات مبينات موضحات ذكر بعدها افتراق الناس إلى ثلاث فرق:
فرقة صدقت ظاهرا، وكذبت باطنا، وهم المنافقون، وهم المذكورون في هذه الآية وما بعدها إلى رقم [٥٤]، وفرقة صدقت ظاهرا وباطنا، وهم المؤمنون المخلصون، وهم المذكورون في الآية رقم [٥٥ و ٥٦]، وفرقة كذبت ظاهرا وباطنا، وهم الكافرون المذكورون في الآية رقم [٥٧]، وبدأ بالمنافقين لشدة شكيمتهم، وبيان: أنهم أسوأ حالا من المشركين.
وهذه الآيات نزلت في رجل منافق اسمه بشر، تخاصم مع يهودي في قضية، فدعاه اليهودي إلى النبي ﷺ ليحاكمه عنده، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت في الآية رقم [٦٠] من سورة (النساء) فأبى اليهودي عليه، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله ﷺ ، فحكم لليهودي، فلم يرض المنافق بقضاء رسول الله ﷺ ، وقال: تعال نتحاكم
стр. 4022
إلى عمر، فأتيا عمر-﵁، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد، فقضى لي عليه، فلم يرض بقضائه، وزعم أنه مخاصمي إليك، فقال عمر-﵁-للمنافق:
أكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما: رويدا حتى أخرج إليكما، فدخل البيت، وأخذ السيف، ثم خرج، فضرب به عنق المنافق حتى برد-أي: مات-وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله، وقضاء رسوله، فنزلت الآيات، وآية النساء رقم [٦٠] وقال جبريل ﵇: (إنّ عمر فرّق بين الحقّ والباطل) فسمي الفاروق-﵁-حينئذ.
الشرح: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: المنافقون، وإنما جمع الضمير، والمراد به هنا واحد فقط؛ لأن كل المنافقين على طريقته في المكر، والخبث، والكفر، وبمقالته يقولون، وأضمر قبل الذكر لعلمهم من المقام، ولدلالة الكلام عليهم. ﴿آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا﴾ أي: يقولون ذلك بألسنتهم من غير اعتقاد بقلوبهم. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: يعرض عن الإيمان بالله ورسوله، وعن الانقياد لحكمهما وطاعتهما. ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي: من بعد قولهم: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، ويدعون إلى غير حكم الله. ﴿وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويدعون إلى حكم الطاغوت، ليسوا بالمؤمنين الحقيقيين؛ لأن المؤمنين المخلصين يقولون: سمعنا، وأطعنا، ويرضون بحكم الله وحكم رسوله. وفيه إعلام من الله بأن جميع المنافقين منتف عنهم الإيمان لا عتقادهم ما يعتقد هؤلاء، والإعراض؛ وإن كان من بعضهم؛ فالرضا بالإعراض من كلهم جعلهم جميعا في حكم واحد.
الإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعله. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَبِالرَّسُولِ:﴾
معطوفان على ما قبلهما. (أطعنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتَوَلّى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَرِيقٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَتَوَلّى،﴾ و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿يَتَوَلّى..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس».
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم (ما)، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (المؤمنين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها حالا من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، واسم الإشارة العائد إلى الواو.
стр. 4023
﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: ليحكم النبي ﷺ ، فإنه الحاكم ظاهرا، أو المدعو إليه، وذكر الله لتعظيمه، والدلالة على أن حكمه في الحقيقة حكم الله. ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: فاجأ فريق منهم الإعراض إذا كان الحق عليهم، لعلمهم بأنك لا تحكم لهم، بل تحكم عليهم؛ لأنك لا تحكم إلا بالحق، وهو مبالغة في شرح التولي، والإعراض عن حكم الرسول ﷺ ، وعدم الرضا به.
﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي: إذا عرفوا: أن الحق معهم ولهم على غيرهم. ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ أي: مطيعين منقادين لحكمه لثقتهم: أنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضا، لا رضا بحكم الله، وحكم رسوله.
قال الزجاج: الإذعان: الإسراع مع الطاعة، والمعنى: أنهم لمعرفتهم: أنه ليس معك إلا الحق الخالص والعدل البحت يمتنعون عن المحاكمة إليك إذا كانوا مبطلين؛ لئلا تنتزع الحق من قلوبهم، وعيونهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن عرفوا، وأيقنوا: أن الحق لهم على خصمهم؛ أسرعوا إليك، ولم يرضوا إلا بحكومتك لتأخذ لهم ما وجب لهم في ذمة غيرهم.
وهذا المرض قد استشرى عند الأغلبية الساحقة من المسلمين في هذه الأيام، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأكثرهم لا يرضون بشرع الله.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٣٩]. ﴿دُعُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتقدير الكلام: دعوا إلى حكم الله، وحكم رسوله، فحذف المضاف لوضوحه.
﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيَحْكُمَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة جوازا بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (رسوله).
﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿دُعُوا إِلَى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.
﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على الفجاءة، وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الأنبياء) تجد البحث وافيا كافيا. ﴿فَرِيقٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في
стр. 4024
الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿فَرِيقٌ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وهذا على اعتبار ﴿إِذا﴾ الفجائية ظرفا، والجملة الاسمية جواب (إذا) الشرطية، و ﴿إِذا﴾ الفجائية واقعة في جواب (إذا) الشرطية، كما إذا وقعت الفاء في جوابها، وفي الآية دليل على أن «إذا» الشرطية لا تكون معمولة لجوابها؛ لأن ما بعد «إذا» الفجائية لا يعمل فيما قبلها، ومثلها الآية رقم [٥٤] من سورة (النحل)، ﴿وَإِذا﴾ ومدخولها كلام معطوف على جملة: (يقولون...) إلخ لا محل له مثلها.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص فعل الشرط. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُنْ﴾ مقدم. ﴿الْحَقُّ:﴾ اسمه مؤخر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَأْتُوا:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿مُذْعِنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿يَأْتُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وإن ومدخولها كلام معطوف على (إذا) ومدخولها لا محل له مثله.
﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ اِرْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك، ونفاق، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعفها، وذلك بضعف الإيمان فيها، والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، واستعير هنا لما في قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة. ﴿أَمِ ارْتابُوا﴾ أي: شكوا في نبوة محمد ﷺ ، وعدله، أو رأوا منه تهمة، فزالت ثقتهم، ويقينهم به.
﴿أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ:﴾ ذكر الله السبب في صدودهم عن حكومة الرسول ﷺ ؛ إذا كان الحق عليهم بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين في أمر نبوته، أو خائفين من جوره وظلمه، ثم أبطل خوفهم من جوره وظلمه، حيث قال جلت قدرته: ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي: لا يخافون أن يجور عليهم بحكمه لمعرفتهم بعدله، وإنما هم ظالمون، يريدون أن يظلموا من له الحق، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله ﷺ ، فمن ثمّ يأبون المحاكمة إليه. والحيف: الميل، والجور في القضاء.
وفي البيضاوي في قوله تعالى: ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ:﴾ إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول؛ أي: هو النفاق في قلوبهم. ووجه التقسيم: أن امتناعهم، إما لخلل فيهم،
стр. 4025
أو في الحاكم. والثاني: إما أن يكون محققا عندهم، أو متوقعا، وكلاهما باطل؛ لأن منصب نبوته، وفرط أمانته يمنعه، فتعين الأول، وظلمهم يعمّ خلل عقيدتهم، وميل نفوسهم إلى الحيف.
والفصل-أي: ضمير الفصل-لنفي ذلك عن غيرهم، سيما المدعو إلى حكمه. انتهى. بتصرف.
الإعراب: ﴿أَفِي:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وذم. (في قلوبهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، ويجوز اعتباره فاعلا بمتعلق الجار والمجرور بالاتفاق لاعتماده على الاستفهام، والتقدير: أيوجد في قلوبهم مرض؟ وعليه هو نائب فاعل لهذا المقدر.
﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل» للانتقال. ﴿اِرْتابُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل» أيضا. ﴿يَخافُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَحِيفَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿قُلُوبِهِمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و ﴿الظّالِمُونَ﴾ خبره؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأن «بل» للإضراب. تأمل، وتدبر.
﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: كتاب الله وحكم رسوله.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بما أنزل الله عليه، وبما ألهمه، وعلمه من لدنه علما. ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا:﴾ قال: ابن عباس-﵄: أخبر الله بطاعة المهاجرين، والأنصار؛ وإن كان ذلك فيما يكرهون، أي: هذا قول المؤمنين، وهؤلاء المنافقون لو كانوا مؤمنين حقا، لكانوا يقولون: سمعنا وأطعنا. وفي الآية الكريمة تعليم أدب الشرع على معنى: أن المؤمنين، كذا ينبغي أن يكونوا أن يقولوا. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الفائزون برضا الله، ونعيم الجنة في الآخرة، وهذا من عادته تعالى في لطفه، وكرمه في إتباع المحقّ المبطل، والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره ما لا ينبغي، وانظر زيادة على ذلك في الآية رقم [٣٩] ..
الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿قَوْلَ:﴾ خبر كان مقدم، وهو مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لفاعله.
﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية هنا، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر قبله. ﴿دُعُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في
стр. 4026
محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيَحْكُمَ:﴾ مضارع يقرأ بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول، فهو منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى رسوله. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بالفعل على أنه نائب فاعله على قراءة الفعل بالبناء للمجهول.
وقيل: نائب الفاعل يعود إلى مصدر الفعل؛ لأن معناه: ليفعل الحكم بينهم، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿دُعُوا،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر، وقرأ أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه، والحسن برفع «(قول المؤمنين)» على أنه اسم ﴿كانَ،﴾ والمصدر المؤول في محل نصب خبرها، وقراءة الجمهور بالنصب أقوى؛ لأن أولى الاسمين بكونه اسما ل: ﴿كانَ﴾ أو غلهما في التعريف، والمصدر المؤول أوغل بخلاف (قول المؤمنين) فإن الإضافة فيه بنية الانفصال. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (أطعنا) معطوفة عليها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ مستأنفة، لا محل لها، وإعرابها مثل إعراب: ﴿أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ في الآية السابقة.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمران به، وينهيان عنه، أو يطع الله في الفرائض، ورسوله في السنن. وقال ابن عباس-﵄: أي: فيما سره، وأحزنه. ﴿وَيَخْشَ اللهَ:﴾ على ما مضى من ذنوبه. ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ أي: فيما بقي من عمره. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ أي: برضوان الله ورحمته، وجنته؛ كيف لا؟ والله يقول: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ الآية رقم [٦٩] من سورة (النساء).
فائدة: ذكر أسلم-﵁: أن عمر بن الخطاب-﵁-بينما هو قائم في مسجد النبي ﷺ ، وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمدا رسول الله، فقال له عمر: ما شأنك؟ قال: أسلمت لله. قال: هل لهذا من سبب؟ قال: نعم، قرأت التوراة، والزبور، والإنجيل، وكثيرا من كتب الأنبياء، فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت: أنها من عند الله فأسلمت، قال: ما هذه الآية؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ والفائز من نجا من النار، وأدخل الجنة! فقال عمر-﵁: قال النبي ﷺ : «أوتيت جوامع الكلم». انتهى. قرطبي بتصرف. وانظر الآية رقم [٥٤] الآتية.
стр. 4027
هذا؛ والخشية: الخوف. وانظر الآية رقم [٨٠] من سورة (الكهف)، وانظر (التقوى) في الآية رقم [١] من سورة (الحج). هذا؛ وقرأ حفص (يتّقه) بسكون القاف على نية الجزم، قال الشاعر: [الوافر]
ومن يتّق فإن الله معه... ورزق الله مؤتاب وغادي
وكسرها الباقون؛ لأن جزمه بحذف حرف العلة من آخره على القاعدة في جزم المعتل.
وأسكن الهاء أبو عمر وأبو بكر، واختلس الكسرة يعقوب، وقالون، وأشبع كسرة الهاء الباقون، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُطِعِ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف عليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَخْشَ:﴾ مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿وَيَتَّقْهِ:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، ثم تلاها تسكين القاف للتخفيف، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، وانظر مثل إعراب الجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في الآية رقم [٥٠] فهي مثلها بلا فارق، وهي في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٣]. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ حلفوا، وسمي الحلف قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي، والأمر، وتحذف في المضارع مع ضم حرف المضارعة كما تراه في الآية رقم [٦٣] في إعلال (يصيب). هذا؛ وأما «قسم» الثلاثي فإنه بمعنى: جزأ وفرق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر همزة وصل. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ أي: غاية اجتهادهم فيها، و (الجهد) بفتح الجيم: المشقة، وبضمها الطاقة والقدرة، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ الآية رقم [٧٩] من سورة (التوبة).
﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ:﴾ قال القرطبي رحمه الله تعالى: عاد القول إلى ذكر المنافقين، فإن الله لما بيّن كراهتهم لحكم النبي ﷺ أتوه، فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا، ونسائنا، وأموالنا؛
стр. 4028
لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد؛ لجاهدنا، فنزلت هذه الآية؛ أي: وأقسموا بالله أنهم يخرجون معك في المستقبل، ويطيعون. انتهى. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ مستعار من جهد نفسه إذ بلغ أقصى وسعها.
﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ أي: لا تحلفوا كذبا بالله. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي: هذه طاعة القول باللسان، دون الاعتقاد بالقلب، وهي معروفة، أي أمر عرف منكم أنكم تكذبون، وتقولون ما لا تفعلون.
وقيل: معناه طاعة معروفة بنية خالصة أفضل، وأمثل من يمين باللسان، لا يوافقها الفعل.
انتهى. خازن. ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي: من طاعتكم بالقول، ومخالفتكم بالفعل، فلا يخفى عليه شيء من سرائركم.
بعد هذا انظر شرح (الإيمان) في الآية رقم [١٤] من سورة (الحج)، وإعلال ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ مثل إعلال (لتعلمن) في الآية رقم [٧١] من سورة (طه). هذا؛ وأمر يتعدى لمفعولين، تارة بنفسه.
كما في قولك: أمرتك الخير، وتارة يتعدى إلى الثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكال، ووزن، فمثال «استغفر» وقد نصب مفعولين صريحين قول الشاعر: [البسيط]
أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل
ومثال «أمر» وقد نصب مفعولين صريحين قول عمرو بن معدي كرب، وينسب لغيره: [البسيط]
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
هذا؛ والأمر من: أمر: مر، وأصله: اومر، لكن لم يستعمل على الأصل، وحذفت الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وهذا الحذف واقع في الأمر المأخوذ من: أخذ وأكل، فيقال: خذ، وكل، وقد قالوا: اؤمر، و: اؤخذ، فاستعملا على الأصل، ومنه: (أؤمر) في الآية رقم [١٤٤ و ١٩٩] من سورة (الأعراف)، ورقم [١٣٢] من سورة (طه)، والآية رقم [١٧] من سورة لقمان، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أقسموا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.
﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَهْدَ:﴾ مفعول مطلق عامله: (أقسموا) وهو من معناه، أو هو حال من واو الجماعة بمعنى جاهدين، أو مجتهدين، وجملة ﴿وَأَقْسَمُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (يقولون...) إلخ في الآية رقم [٤٧] و ﴿جَهْدَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْمانِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم.
﴿أَمَرْتَهُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيَخْرُجُنَّ:﴾
اللام: واقعة في جواب القسم. (يخرجن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والنون للتوكيد
стр. 4029
حرف لا محل له، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما»؛ ما لم يتقدم عليهما ما يحتاج إلى خبر، فيصح أن يكون الجواب للشرط المتقدم، وأن يكون جوابا للقسم، والمرجح أن يكون للشرط مطلقا، قال ابن مالك-﵀-في ألفيته: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
وإن تواليا وقبل ذو خبر... فالشّرط رجّح مطلقا بلا حذر
وربّما رجّح بعد قسم... شرط بلا ذي خبر مقدّم
هذا؛ والقسم المحذوف وجوابه المذكور، والشرط المذكور، وجوابه المحذوف كلّ ذلك جواب لقومه: (أقسموا بالله) ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا تُقْسِمُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿طاعَةٌ:﴾ مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: طاعة معروفة خير من قسمكم، أو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أمرنا طاعة ونحو ذلك: المطلوب منكم طاعة. وأجاز البيضاوي تقدير: ولتكن طاعة معروفة، فتكون طاعة فاعلا لفعل محذوف. ولكنه ضعيف؛ لأن الفعل لا يحذف إلا لدليل، وقال: قرئت بالنصب على تقدير: أطيعوا طاعة. وقال العكبري: ولو قرئ بالنصب لكان جائزا في العربية، وذلك على المصدر، أي: أطيعوا طاعة، وقولوا قولا، أو اتخذوا طاعة، وقولا... إلخ، وكانه لم يطلع على القراءة بالنصب، ﴿مَعْرُوفَةٌ:﴾ صفة ﴿طاعَةٌ،﴾ والجملة الاسمية أو الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿بِاللهِ:﴾ اسمها. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبرها. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: خبير بالذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: خبير بعملكم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها.
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: فيما يأمران به، وفيما ينهيان عنه. هذا؛ وقد قرن الله طاعته بطاعة رسوله ﷺ في كثير من الآيات، كما هو معلوم، من ذلك قوله تعالى في
стр. 4030
سورة (النساء) رقم [٨٠]. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ ومن القرطبي: وفي حديث: أن النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرسول، والله تعالى يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،﴾ ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزكاة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ،﴾ ومن فرّق بين شكر الله وشكر والديه، والله يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾. انتهى.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا عن طاعة الله وطاعة رسوله، وأصل الفعل: تتولوا، فحذف إحدى التاءين، وهو كثير في القرآن الكريم، ودل على ذلك: أن بعده ﴿وَعَلَيْكُمْ﴾ ولم يقل:
وعليهم. ﴿فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ:﴾ إذ المعنى: فإن تتولوا عن ما ذكر فإنكم لن تضروه، وإنما تضرون أنفسكم، فإن الرسول ﷺ ليس عليه إلا ما حمله الله تعالى، وكلفه من أداء الرسالة، فإذا أدى ما عليه فقد خرج عن عهدة تكليفه، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التقى بالقبول والإذعان، فإن لم تفعلوا، وتوليتم؛ فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وشديد انتقامه.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أي: وإن أطعتموه فيما يأمركم به، وينهاكم عنه؛ فقد أحرزتم نصيبكم من الهدى، فالضرر في توليكم، والنفع في طاعتكم عائدان إليكم. فقد جعل الاهتداء مقرونا بطاعة الرسول ﷺ . ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: ما على الرسول إلا أن يبلغكم ما يوحى إليه من ربه، فليس له نفع في طاعتكم، ولا عليه ضرر في إعراضكم. و ﴿الْبَلاغُ﴾ بمعنى التبليغ، كالأداء بمعنى التأدية، و ﴿الْمُبِينُ﴾ الظاهر لكونه مقرونا بالدلائل النيرة والمعجزات الباهرة، وانظر إعلال ﴿الْمُبِينُ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الحج). ولقد صرف الله الكلام عن الغيبة في الآية السابقة، إلى الخطاب في هذه الآية على طريق الالتفات، وهو أبلغ في تبكيتهم، وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَطِيعُوا:﴾ أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
والتي بعدها معطوفة عليها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف، وقيل: حرف عطف. (إن):
حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، وقيل: الجواب محذوف، التقدير: فاعلموا أنما عليه ﷺ ما حمل. وهو تكلف لا داعي له. (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فَإِنَّما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿حُمِّلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى الرسول، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فإنما
следующие страницы →