Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيَحْكُمَ:﴾ مضارع يقرأ بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول، فهو منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى رسوله. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بالفعل على أنه نائب فاعله على قراءة الفعل بالبناء للمجهول.
وقيل: نائب الفاعل يعود إلى مصدر الفعل؛ لأن معناه: ليفعل الحكم بينهم، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿دُعُوا،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر، وقرأ أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه، والحسن برفع «(قول المؤمنين)» على أنه اسم ﴿كانَ،﴾ والمصدر المؤول في محل نصب خبرها، وقراءة الجمهور بالنصب أقوى؛ لأن أولى الاسمين بكونه اسما ل: ﴿كانَ﴾ أو غلهما في التعريف، والمصدر المؤول أوغل بخلاف (قول المؤمنين) فإن الإضافة فيه بنية الانفصال. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (أطعنا) معطوفة عليها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ مستأنفة، لا محل لها، وإعرابها مثل إعراب: ﴿أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ في الآية السابقة.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمران به، وينهيان عنه، أو يطع الله في الفرائض، ورسوله في السنن. وقال ابن عباس-﵄: أي: فيما سره، وأحزنه. ﴿وَيَخْشَ اللهَ:﴾ على ما مضى من ذنوبه. ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ أي: فيما بقي من عمره. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ أي: برضوان الله ورحمته، وجنته؛ كيف لا؟ والله يقول: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ الآية رقم [٦٩] من سورة (النساء).
فائدة: ذكر أسلم-﵁: أن عمر بن الخطاب-﵁-بينما هو قائم في مسجد النبي ﷺ ، وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمدا رسول الله، فقال له عمر: ما شأنك؟ قال: أسلمت لله. قال: هل لهذا من سبب؟ قال: نعم، قرأت التوراة، والزبور، والإنجيل، وكثيرا من كتب الأنبياء، فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت: أنها من عند الله فأسلمت، قال: ما هذه الآية؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ والفائز من نجا من النار، وأدخل الجنة! فقال عمر-﵁: قال النبي ﷺ : «أوتيت جوامع الكلم». انتهى. قرطبي بتصرف. وانظر الآية رقم [٥٤] الآتية.
стр. 4027
هذا؛ والخشية: الخوف. وانظر الآية رقم [٨٠] من سورة (الكهف)، وانظر (التقوى) في الآية رقم [١] من سورة (الحج). هذا؛ وقرأ حفص (يتّقه) بسكون القاف على نية الجزم، قال الشاعر: [الوافر]
ومن يتّق فإن الله معه... ورزق الله مؤتاب وغادي
وكسرها الباقون؛ لأن جزمه بحذف حرف العلة من آخره على القاعدة في جزم المعتل.
وأسكن الهاء أبو عمر وأبو بكر، واختلس الكسرة يعقوب، وقالون، وأشبع كسرة الهاء الباقون، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُطِعِ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف عليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَخْشَ:﴾ مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿وَيَتَّقْهِ:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، ثم تلاها تسكين القاف للتخفيف، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، وانظر مثل إعراب الجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في الآية رقم [٥٠] فهي مثلها بلا فارق، وهي في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٣]. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ حلفوا، وسمي الحلف قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي، والأمر، وتحذف في المضارع مع ضم حرف المضارعة كما تراه في الآية رقم [٦٣] في إعلال (يصيب). هذا؛ وأما «قسم» الثلاثي فإنه بمعنى: جزأ وفرق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر همزة وصل. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ أي: غاية اجتهادهم فيها، و (الجهد) بفتح الجيم: المشقة، وبضمها الطاقة والقدرة، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ الآية رقم [٧٩] من سورة (التوبة).
﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ:﴾ قال القرطبي رحمه الله تعالى: عاد القول إلى ذكر المنافقين، فإن الله لما بيّن كراهتهم لحكم النبي ﷺ أتوه، فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا، ونسائنا، وأموالنا؛
стр. 4028
لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد؛ لجاهدنا، فنزلت هذه الآية؛ أي: وأقسموا بالله أنهم يخرجون معك في المستقبل، ويطيعون. انتهى. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ مستعار من جهد نفسه إذ بلغ أقصى وسعها.
﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ أي: لا تحلفوا كذبا بالله. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي: هذه طاعة القول باللسان، دون الاعتقاد بالقلب، وهي معروفة، أي أمر عرف منكم أنكم تكذبون، وتقولون ما لا تفعلون.
وقيل: معناه طاعة معروفة بنية خالصة أفضل، وأمثل من يمين باللسان، لا يوافقها الفعل.
انتهى. خازن. ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي: من طاعتكم بالقول، ومخالفتكم بالفعل، فلا يخفى عليه شيء من سرائركم.
بعد هذا انظر شرح (الإيمان) في الآية رقم [١٤] من سورة (الحج)، وإعلال ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ مثل إعلال (لتعلمن) في الآية رقم [٧١] من سورة (طه). هذا؛ وأمر يتعدى لمفعولين، تارة بنفسه.
كما في قولك: أمرتك الخير، وتارة يتعدى إلى الثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكال، ووزن، فمثال «استغفر» وقد نصب مفعولين صريحين قول الشاعر: [البسيط]
أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل
ومثال «أمر» وقد نصب مفعولين صريحين قول عمرو بن معدي كرب، وينسب لغيره: [البسيط]
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
هذا؛ والأمر من: أمر: مر، وأصله: اومر، لكن لم يستعمل على الأصل، وحذفت الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وهذا الحذف واقع في الأمر المأخوذ من: أخذ وأكل، فيقال: خذ، وكل، وقد قالوا: اؤمر، و: اؤخذ، فاستعملا على الأصل، ومنه: (أؤمر) في الآية رقم [١٤٤ و ١٩٩] من سورة (الأعراف)، ورقم [١٣٢] من سورة (طه)، والآية رقم [١٧] من سورة لقمان، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أقسموا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.
﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَهْدَ:﴾ مفعول مطلق عامله: (أقسموا) وهو من معناه، أو هو حال من واو الجماعة بمعنى جاهدين، أو مجتهدين، وجملة ﴿وَأَقْسَمُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (يقولون...) إلخ في الآية رقم [٤٧] و ﴿جَهْدَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْمانِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم.
﴿أَمَرْتَهُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيَخْرُجُنَّ:﴾
اللام: واقعة في جواب القسم. (يخرجن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والنون للتوكيد
стр. 4029
حرف لا محل له، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما»؛ ما لم يتقدم عليهما ما يحتاج إلى خبر، فيصح أن يكون الجواب للشرط المتقدم، وأن يكون جوابا للقسم، والمرجح أن يكون للشرط مطلقا، قال ابن مالك-﵀-في ألفيته: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
وإن تواليا وقبل ذو خبر... فالشّرط رجّح مطلقا بلا حذر
وربّما رجّح بعد قسم... شرط بلا ذي خبر مقدّم
هذا؛ والقسم المحذوف وجوابه المذكور، والشرط المذكور، وجوابه المحذوف كلّ ذلك جواب لقومه: (أقسموا بالله) ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا تُقْسِمُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿طاعَةٌ:﴾ مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: طاعة معروفة خير من قسمكم، أو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أمرنا طاعة ونحو ذلك: المطلوب منكم طاعة. وأجاز البيضاوي تقدير: ولتكن طاعة معروفة، فتكون طاعة فاعلا لفعل محذوف. ولكنه ضعيف؛ لأن الفعل لا يحذف إلا لدليل، وقال: قرئت بالنصب على تقدير: أطيعوا طاعة. وقال العكبري: ولو قرئ بالنصب لكان جائزا في العربية، وذلك على المصدر، أي: أطيعوا طاعة، وقولوا قولا، أو اتخذوا طاعة، وقولا... إلخ، وكانه لم يطلع على القراءة بالنصب، ﴿مَعْرُوفَةٌ:﴾ صفة ﴿طاعَةٌ،﴾ والجملة الاسمية أو الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿بِاللهِ:﴾ اسمها. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبرها. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: خبير بالذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: خبير بعملكم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها.
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: فيما يأمران به، وفيما ينهيان عنه. هذا؛ وقد قرن الله طاعته بطاعة رسوله ﷺ في كثير من الآيات، كما هو معلوم، من ذلك قوله تعالى في
стр. 4030
سورة (النساء) رقم [٨٠]. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ ومن القرطبي: وفي حديث: أن النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرسول، والله تعالى يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،﴾ ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزكاة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ،﴾ ومن فرّق بين شكر الله وشكر والديه، والله يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾. انتهى.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا عن طاعة الله وطاعة رسوله، وأصل الفعل: تتولوا، فحذف إحدى التاءين، وهو كثير في القرآن الكريم، ودل على ذلك: أن بعده ﴿وَعَلَيْكُمْ﴾ ولم يقل:
وعليهم. ﴿فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ:﴾ إذ المعنى: فإن تتولوا عن ما ذكر فإنكم لن تضروه، وإنما تضرون أنفسكم، فإن الرسول ﷺ ليس عليه إلا ما حمله الله تعالى، وكلفه من أداء الرسالة، فإذا أدى ما عليه فقد خرج عن عهدة تكليفه، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التقى بالقبول والإذعان، فإن لم تفعلوا، وتوليتم؛ فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وشديد انتقامه.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أي: وإن أطعتموه فيما يأمركم به، وينهاكم عنه؛ فقد أحرزتم نصيبكم من الهدى، فالضرر في توليكم، والنفع في طاعتكم عائدان إليكم. فقد جعل الاهتداء مقرونا بطاعة الرسول ﷺ . ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: ما على الرسول إلا أن يبلغكم ما يوحى إليه من ربه، فليس له نفع في طاعتكم، ولا عليه ضرر في إعراضكم. و ﴿الْبَلاغُ﴾ بمعنى التبليغ، كالأداء بمعنى التأدية، و ﴿الْمُبِينُ﴾ الظاهر لكونه مقرونا بالدلائل النيرة والمعجزات الباهرة، وانظر إعلال ﴿الْمُبِينُ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الحج). ولقد صرف الله الكلام عن الغيبة في الآية السابقة، إلى الخطاب في هذه الآية على طريق الالتفات، وهو أبلغ في تبكيتهم، وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَطِيعُوا:﴾ أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
والتي بعدها معطوفة عليها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف، وقيل: حرف عطف. (إن):
حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، وقيل: الجواب محذوف، التقدير: فاعلموا أنما عليه ﷺ ما حمل. وهو تكلف لا داعي له. (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فَإِنَّما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿حُمِّلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى الرسول، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فإنما
стр. 4031
عليه الذي، أو: شيء حمله، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق، و (إن) ومدخولها كلام مفرع عما قبله، ومستأنف لا محل له، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿فَإِنَّما:﴾ نافية. ﴿عَلَى الرَّسُولِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر قصر مهمة الرسول على التبليغ. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥)﴾
الشرح: الخطاب في هذه الآية لرسول الله ﷺ ، ولأصحابه، و ﴿مِنْكُمْ﴾ للبيان والتخصيص كالتي في آخر سورة (الفتح)، وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورثهم الأرض، ويجعلهم فيها خلفاء، كما فعل ببني إسرائيل؛ حين أورثهم أرض مصر، والشام بعد إهلاك الجبابرة، وأن يمكن الدين المرتضى، وهو دين الإسلام، وتمكينه: تثبيته، وتوطيده، وأن يؤمن سربهم، ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه، وذلك أن النبي ﷺ وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، أي بعد السر بالدعوة ثلاث سنين، ولما هاجروا إلى المدينة كانوا يصبحون في السلاح ويمسون فيه، حتى قال رجل: أما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع السلاح؟ فقال ﷺ :
«لا تلبثون إلا يسيرا؛ حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا، ليس عليه حديدة».
فأنجز الله وعده، وأظهرهم على جزيرة العرب، وافتتحوا بعدها بلاد المشرق، والمغرب، ومزقوا ملك الأكاسرة، وملكوا خزائنهم، واستولوا على الدنيا، قال الضحاك في كتاب النقاش:
هذه الآية تتضمّن صحة خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي-﵃؛ لأنهم أهل الإيمان، وعملوا الصالحات؛ وقد قال الرسول ﷺ : «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ تكون ملكا». رواه سفينة مولى رسول الله ﷺ . وفي رواية: «ثم تكون ملكا عضوضا». أي جائرا، وإلى هذا القول ذهب ابن العربي في أحكامه، واختاره، وقال: قال علماؤنا هذا الآية دليل على خلافة الخلفاء الأربعة-﵃، وأن الله تعالى استخلفهم، ورضي أمانتهم، وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم؛ لأنهم لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا، فاستقر الأمر
стр. 4032
لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذبّوا عن حوزة الدين، فنفذ الوعد فيهم، وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نجز، وفيهم نفذ، وعليهم ورد، ففيمن يكون إذا، وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا، ولا يكون فيمن بعدهم-﵃.
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ليجعلنهم متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم، وعطف (عملوا) على ﴿آمَنُوا﴾ احتراس يوحي: أن الإيمان بدون عمل صالح لا يحقق استخلافا في الأرض، بل ولا يدخل جنة، وهذا نبهت عليه مرارا وتكرارا. ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كما استخلف داود، وسليمان، وغيرهما من الأنبياء، وكما استخلف بني إسرائيل، وأهلك الجبابرة بمصر والشام، وأورثهم أرضهم، وديارهم.
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ:﴾ اختاره بقوله في سورة (المائدة) رقم [٣]: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ قال ابن عباس-﵄: يوسع لهم في البلاد؛ حتى يملكوها، ويظهر دينهم على سائر الأديان. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً:﴾ آمنين، فأنجز الله وعده، وأظهر دينه، ونصر أولياءه، وأبدلهم بعد الخوف أمنا، وبسطا في الأرض.
فقد أخرج البخاري عن عدي بن حاتم الطائي-﵁-قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذ أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر، فشكا إليه قطع السبيل، فقال:
«يا عديّ هل رأيت الحيرة؟». قلت: لم أرها، ولقد أنبئت عنها، قال: «فإن طالت بك حياة؛ لترينّ الظعينة ترحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله». قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعّار طيئ الذين قد سعّروا البلاد؟! «ولئن طالت بك حياة؛ لتفتحنّ كنوز كسرى» قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: «كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترينّ الرجل يخرج ملء كفه من ذهب، أو فضة يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقينّ الله أحدكم يوم القيامة، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فليقولنّ: ألم أبعث إليك رسولا، فيبلغك؟ فيقول: بلى! يا رب، فيقول: ألم أعطك مالا، وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم». قال عدي-﵁:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتقوا النار، ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة».
قال عديّ-﵁: فرأيت الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترونّ ما قال أبو القاسم ﷺ : يخرج الرجل ملء كفه ذهبا... إلخ. انتهى. خازن.
﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً:﴾ فيه أربعة أقوال: أحدها: لا يعبدون غيري. الثاني:
لا يراؤون بعبادتي أحدا. الثالث: لا يخافون غيري. قاله ابن عباس-﵄. الرابع:
لا يحبون غيري. قاله مجاهد. ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ﴾ أي: كفر هذه النعم، أي: جحدها، ولم
стр. 4033
يرد الكفر بالله، وانظر (الكفر) في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء). ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي:
العاصون الخارجون عن طاعة الله تعالى، وانظر الآية رقم [٤]، وانظر شرح ﴿الدِّينِ﴾ في الآية رقم [٧٨] من سورة (الحج)، وشرح (العبادة) في رقم [٦٧] من سورة (الأنبياء).
قال أهل التفسير: أول من كفر النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان-﵁، فلما قتلوه؛ غيّر الله ما بهم، وأدخل عليهم الخوف، حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانا، فعن ابن أخي عبد الله بن سلام-﵄-قال: لما أريد قتل عثمان جاء عبد الله بن سلام، فقال عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرك، قال: اخرج إلى الناس، فاطردهم، فإنك خارجا خير لي منك داخلا، فخرج عبد الله إلى الناس، فقال: أيها الناس، إن لله سيفا مغمودا عنكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه رسول الله ﷺ ، فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فو الله إن قتلتموه لتطردنّ جيرانكم الملائكة، وليسلّنّ الله سيفه المغمود عنكم، فلا يغمد إلى يوم القيامة! قالوا: اقتلوا اليهودي، واقتلوا عثمان. أخرجه الترمذي. زاد في رواية غير الترمذي، فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا. انتهى. خازن.
الإعراب: ﴿وَعَدَ:﴾ ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. (عملوا): ماض، وفاعله. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (يستخلفنهم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. والجملة الفعلية جواب قسم محذوف، التقدير: أقسم ليستخلفنهم في الأرض، والقسم وجوابه كلام معطوف على جملة: ﴿وَعَدَ..﴾. إلخ بواو محذوفة، أو نزّل ﴿وَعَدَ اللهُ﴾ في تحققه منزلة القسم، فتلقي بما يتلقى به القسم، كأنه قيل: أقسم الله ليستخلفنكم. انتهى. زمخشري من الكشاف، ومثله ما نقله الجمل عن السمين، وزاد فيه قوله على الاعتبار الأول: ويكون، مفعول الوعد محذوفا، تقديره:
وعدهم الاستخلاف، لدلالة قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ عليه.
وأما مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-فقد قال: أصل «وعد» أن يتعدى إلى مفعولين، ولك أن تقتصر على أحدهما، فلذلك تعدى في هذه الآية إلى مفعول واحد، وفسر العدة بقوله سبحانه: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ كما فسر العدة في المائدة بقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ رقم [١٠]
стр. 4034
وكما فسر الوصية في (النساء) بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية رقم [١١].
﴿كَمَا:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿اِسْتَخْلَفَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ ويقرأ بالبناء للمجهول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، أو هو في محل رفع نائب فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: ليستخلفنهم استخلافا مثل استخلاف الذين من قبلهم، وهذا ليس مذهب سيبويه؛ وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها، وجملة: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿دِينَهُمُ،﴾ والجملة بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذي ارتضاه لهم، وكذلك جملة: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، ويقرأ بتشديد النون، وتخفيفها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَمْناً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿خَوْفِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿أَمْناً:﴾ مفعول به ثان للفعل (يبدل). ﴿يَعْبُدُونَنِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ضمير الغائبين، والرابط: الضمير، وهو واو الجماعة، أو هي مستأنفة، لا محل لها. أو هي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم يعبدونني، والجملة الاسمية مستأنفة، وفي توجيه الحالية ذكر الجمل خمسة أوجه من الفاعل، أو من المفعول، وكلها تعود لما ذكرته. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿يُشْرِكُونَ:﴾ مضارع، والواو فاعله. ﴿بِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، أو هي بدل مما قبلها، فتكون حالا متداخلة على الأول، وبمعنى التفسير على الثاني.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من).
﴿بَعْدِ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وبعد مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَأُولئِكَ:﴾
стр. 4035
الفاء: واقعة في جواب الشرط، وإعراب: (أولئك هم الفاسقون) مثل إعراب ﴿أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ في الآية رقم [٥٠] بلا فارق، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٣]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرَ..﴾. إلخ صلته، وخبره الجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ:﴾ في جميع ما أمركم به، قال تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وانظر الآية رقم [٥٤]. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي:
تنالكم رحمة الله. وانظر ما ذكرته في مثل هذا الترجي في الآية رقم [١].
الإعراب: ﴿وَأَقِيمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أقيموا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على مقدر يقتضيه السياق، التقدير: دوموا على الإيمان. واعملوا صالحا، وأقيموا الصلاة، أو هي معطوفة على جملة: ﴿أَطِيعُوا اللهَ..﴾. إلخ في الآية رقم [٥٤] وما بينهما كلام معترض لا محل له، وهذا الاعتراض فاصل، وهو وعد على المأمور به، فيكون تكريرا للأمر بطاعة الرسول ﷺ للتأكيد، وتعليق الرحمة بها، أو بالمندرجة هي فيه بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ كما علق الهدى، وربطه بطاعته ﷺ ، والجملتان: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ معطوفتان عليها، وجملة: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ تعليل للأمر، و ﴿تُرْحَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ).
تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم..
﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ المعنى: لا تظنن يا محمد الكفار معجزين الله عن إدراكهم، وإهلاكهم، فهم لا يفوتونه، ولا يفلتون من عقابه وانتقامه. هذا؛ ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحد عاقل، ويقرأ الفعل بالياء. (مأواهم النار): مقرهم، ومالهم جهنم. ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ:﴾ المرجع، والماب، وانظر شرح (بئس) في الآية رقم [٧٨] من سورة (الحج).
الإعراب: ﴿لا تَحْسَبَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو في محل جزم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». وعلى قراءته بالياء، فالفاعل
стр. 4036
تقديره: «هو»، فعلى القراءتين الفاعل يعود إلى ﴿الرَّسُولَ﴾ كذا قيل، وهو غير مسلم؛ لأنه يمتنع، أو يبعد جعله الرسول ﷺ ؛ لأن مثل هذا الحسبان لا يتصور منه حتى ينهى عنه، وهذا على الخطاب، وأما على قراءته بالياء، فإن الفاعل مضمر يعود على ما دل السياق عليه، أي:
لا يحسبن حاسب، أو أحد، وعوده على الرسول ﷺ ضعيف للمعنى المتقدم، ويجاب: بأنه لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه من المنهي عنه، فيكون على سبيل الفرض، والتقدير.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته. ﴿مُعْجِزِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُعْجِزِينَ﴾. هذا؛ وقيل: إن فاعل (يحسبن) بالياء هو ﴿الَّذِينَ،﴾ والمفعول الأول محذوف، فيكون تقدير الكلام: ولا يحسبن الذين كفروا أحدا معجزين، أو لا يحسبوهم معجزين، فحذف المفعول الأول؛ لأن الفاعل، والمفعولين لشيء واحد، فاكتفى بذكر واحد عن اثنين. وقدر القرطبي الكلام: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض.
قال النحاس: وما علمت أحدا من أهل العربية بصريا، ولا كوفيا، إلا وهو يخطّئ قراءة حمزة، وهي قراءة الياء، فمنهم يقول: هي لحن؛ لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ل: (يحسبنّ) وممن قال هذا أبو حاتم. وقال الفراء: هو ضعيف، وأجازه على ضعفه، على أنه يحذف المفعول الأول. انتهى. قرطبي. (مأواهم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿النّارُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها عطف خبر على إنشاء على رأي بعضهم، أو هي معطوفة على مقدر. تقديره: بل هم مقهورون مدركون، أي فهو عطف خبر على خبر.
﴿وَلَبِئْسَ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (بئس): ماض جامد دال على إنشاء الذم.
﴿الْمَصِيرُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. هذا؛ ويجوز اعتبارها واقعة في جواب قسم محذوف، والجملة الفعلية جوابه.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)﴾
سبب نزول الآية الكريمة: قال ابن عباس-﵄: وجّه رسول الله ﷺ غلاما من الأنصار-يقال له: مدلج بن عمرو-إلى عمر بن الخطاب-﵁-وقت الظهيرة؛ ليدعوه، فدخل-أي: بدون استئذان-فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته فيها، فقال-﵁:
стр. 4037
لوددت: أن الله نهى آباءنا، وأبناءنا، وخدمنا أن يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذن؛ ثم انطلق معه إلى النبي ﷺ ، فوجده، وقد أنزلت عليه هذه الآية، وهي إحدى الآيات التي نزلت توافق رأي عمر، ﵁.
وقيل: نزلت في أسماء بنت مرثد-﵂، كان لها غلام كبير، فدخل عليها في وقت كرهته، فأتت رسول الله ﷺ ، فقالت: إن خدمنا، وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها! فأنزل الله الآية.
قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: الآية رجوع إلى تتمة الأحكام السالفة-أي: في الاستئذان- بعد الفراغ من الإلهيات، الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيرها، والوعد عليها، والوعيد على الإعراض عنها، والمراد به: خطاب الرجال، والنساء، غلّب فيه الرجال.
انتهى. أقول: وهذا نبهت عليه كثيرا بأن نداء الذكور يعمّ النساء، إلا ما ورد بخصوصه.
الشرح: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ من العبيد، والإماء، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤] من سورة (الحج). ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ أي: من الأطفال الأحرار، والمراد بهم: من بلغوا سن التمييز، والعقل وغيرهما، واتفق العلماء على أنّ الاحتلام بلوغ، وعلى أن الحيض بلوغ، ولو كانا في السن العاشرة، أو غيرها، واختلفوا فيما إذا بلغا خمس عشرة سنة، ولم يحتلم الذكر، ولم تحض الأنثى، فقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: لا يكون بالغا حتى يبلغ ثمان عشرة سنة، ويستكملها، والجارية سبع عشرة سنة، وتستكملها. وقال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد -رضوان الله عليهم-: في الغلام والجارية بخمس عشرة سنة يصير مكلفا، وتجري عليهما الأحكام الشرعية، وتجب عليهما التكاليف الإلهية. وعن علي-كرم الله وجهه-أنه كان يعتبر القامة، وقدرها، بخمسة أشبار، وبه أخذ الفرزدق في قوله يمدح يزيد بن المهلب في مرثية له: [الكامل]
ما زال مذ عقدت يداه إزاره... وسما فأدرك خمسة الأشبار
وهذا هو الشاهد رقم [٦٣٤] من كتابنا فتح القريب المجيب، انظر شرحه، وإعرابه هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ:﴾ في اليوم والليلة، وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها، وملازمة التعري. ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ:﴾ فهذا وقت القيام من المضاجع، وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب النهار. ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ:﴾ وهو وقت القيلولة، والراحة، والهدوء والسكون في البيت. ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ:﴾ وهو وقت التعري للنوم، ولقد خص الله هذه الأوقات الثلاثة بالذكر؛ لأنها ساعات الخلوات، ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يجوز أن يراه أحد من العبيد، والصبيان، فأمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، وغير العبيد، والصبيان يستأذن في جميع الأوقات، وهو ما رأيته في الآية رقم [٢٨] وما بعدها.
стр. 4038
﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ أي: هي ثلاثة أوقات تكون فيها عوراتكم متعرضة للانكشاف، وسميت هذه الأوقات عورات؛ لأن الإنسان يضع فيها ثيابه. فتبدو عورته. هذا؛ و ﴿عَوْراتٍ﴾ جمع:
عورة، ولم تحرك عين الاسم بالفتح؛ لأنها حرف علة، ولو حركت بالفتح، لا نقلبت ألفا على القاعدة المشهورة: إذا تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. انظر ﴿خُطُواتِ﴾ في الآية رقم [٢١] وما ذكرته في شرحها. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي: إثم ومؤاخذة بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان من المماليك والصبيان والخدم.
﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ:﴾ يتردد هؤلاء عليكم، يدخلون، ويخرجون في أشغالكم، وقضاء حوائجكم. ﴿بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ:﴾ يطوف بعضكم على بعض، والمراد به كثرة الدخول، والخروج. ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ أي: كما بين حكم الاستئذان في هذه الآية، وفي الآية رقم [٢٨] يبين لكم غيره من الآيات التي احتجتم إلى بيانها، والتي أيضا هي دلالات واضحة على قدرته، وحكمته العالية. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ:﴾ بأمور خلقه، وبمصالحهم. ﴿حَكِيمٌ:﴾ فيما شرع لهم.
خاتمة: لقد اختلف في حكم هذه الآية، فقيل: إنها منسوخة، وعليه ابن عباس وسعيد بن المسيب، وعكرمة-﵃. وذهب قوم إلى أنها غير منسوخة قاله الشعبي، وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: إن ناسا يقولون: نسخت، والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون به الناس، قيل: ثلاث آيات ترك الناس العمل بهن: هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ؛﴾ والناس يقولون: أعظمكم بيتا، وقوله تعالى: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى﴾.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢١] فالإعراب فيها واف. ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ:﴾
مضارع مجزوم بلام الأمر، والكاف مفعول به. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مَلَكَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذين ملكتهم أيمانكم، والجملة الفعلية: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل رفع مثله. ﴿لَمْ يَبْلُغُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحُلُمَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿ثَلاثَ:﴾
ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ وقيل: هو مفعول مطلق على معنى: ثلاثة استئذانات، والأول أقوى؛ لأنه لم يرد تكرار الاستئذان، و ﴿ثَلاثَ﴾ مضاف، و ﴿مَرّاتٍ﴾ مضاف إليه، وجملة:
﴿لَمْ يَبْلُغُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها.
﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ في محل نصب بدل من (ثلاث مرات) أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي من قبل، وأجاز أبو البقاء وجها
стр. 4039
ثالثا، وهو الجر بدلا من مرات، و (قبل) مضاف، و ﴿صَلاةِ﴾ مضاف إليه، و (صلاة) مضاف، و ﴿الْفَجْرِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَحِينَ:﴾ ظرف زمان معطوف على ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ على جميع الاعتبارات.
﴿تَضَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ثِيابَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و ﴿مِنْ﴾ بمعنى «في» أو بمعنى أجل، وجملة: ﴿تَضَعُونَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (حين) إليها. (من بعد): معطوفان على ﴿مِنْ قَبْلِ،﴾ على جميع الاعتبارات فيهما، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿صَلاةِ﴾ مضاف إليه، و ﴿صَلاةِ﴾ مضاف، و ﴿الْعِشاءِ﴾ مضاف إليه. ﴿ثَلاثَ:﴾ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، أي: هي أوقات ثلاث عورات، فحذف المبتدأ، والمضاف، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويقرأ بنصب ﴿ثَلاثَ﴾ على البدلية من ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ أو على تقدير:
أعني: ثلاث، وذلك على القطع. و ﴿ثَلاثَ﴾ مضاف، و ﴿عَوْراتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿عَوْراتٍ﴾.
﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (ليس) تقدم على اسمها.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما.
﴿جُناحٌ:﴾ اسم ليس مؤخر. ﴿بَعْدَهُنَّ:﴾ ظرف زمان متعلق بجناح، أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وقيل: صفة ﴿عَوْراتٍ،﴾ وليس بشيء. ﴿طَوّافُونَ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم طوافون مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان به، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي تعليل لنفي الجناح. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: يطوف على بعض، أو طائف على بعض، والجملة الاسمية هذه بدل مما قبلها، أو هي مؤكدة مبينة، بمعنى: أنها أفادت ما أفادته الجملة التي قبلها، فكانت بدلا، أو مؤكدة. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿بَعْضُكُمْ﴾ بدلا من ﴿طَوّافُونَ،﴾ قاله ابن عطية، كما أجيز اعتباره فاعلا لفعل مقدر، أي: يطوف بعضكم، حذف الفعل لدلالة ﴿طَوّافُونَ﴾ عليه، قاله الزمخشري، وعليه البيضاوي.
﴿كَذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا عامله ما بعده، التقدير: يبين الله لكم الآيات تبيينا كائنا مثل تبيين آيات الاستئذان المتقدم ذكرها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُبَيِّنُ:﴾ مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ مستأنفة أيضا، لا محل لها. تأمل.
стр. 4040
﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اِسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾
الشرح: معنى هذه الآية: أن الأطفال أمروا بالاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة في الآية السابقة، وأبيح لهم الأمر في غير ذلك كما ذكرنا، ثم أمر الله تعالى في هذه الآية أن يكونوا إذا بلغوا الحلم على حكم الرجال في الاستئذان في كل وقت، وهذا بيان من الله لأحكامه، وإيضاح حلاله وحرامه. وقال هنا: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ ولم يقل: فليستأذنوكم، وقال في الأولى: ليستأذنكم؛ لأن الأطفال غير مخاطبين، ولا متعبدين، وإنما المخاطب أولياؤهم.
هذا؛ وبينت في الآية رقم [٢٨] أن الاستئذان واجب حتى إن الرجل يستأذن على أمه كلما دخل عليها، وكرر سبحانه هنا قوله: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ للمبالغة، والتأكيد في الأمر بالاستئذان. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٣٩]. ﴿بَلَغَ الْأَطْفالُ:﴾
ماض، وفاعله. ﴿مِنْكُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْأَطْفالُ﴾. ﴿الْحُلُمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا:﴾
الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ليستأذنوا): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿كَمَا:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما):
مصدرية. ﴿اِسْتَأْذَنَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل.
﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذين كانوا، أو وجدوا من قبلهم، والهاء في محل جر بالإضافة، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا للفعل قبله، التقدير: فليستأذنوا استئذانا كائنا مثل استئذان الذين من قبلهم، وانظر مذهب سيبويه -رحمه الله تعالى-في الآية رقم [٥٥] وذلك بقوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ..﴾. إلخ هذا؛ وانظر إعراب: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ في الآية السابقة، فهو مثلها بلا فارق.
﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾
الشرح: ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ:﴾ (القواعد): جمع: قاعد بلا هاء؛ ليدل حذفها على أنه قعود الكبر، كما قالوا: امرأة حامل، ليدل بحذف الهاء على أنه حمل حبل، وقالوا في غير
стр. 4041
ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها. وقال مكي: على النسب، أي ذات قعود. وقيل:
حذفت الهاء للفرق بينه وبين القاعدة؛ أي الجالسة. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (الحج) تجد ما يسرك، و ﴿النِّساءِ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأن مفرده: امرأة، وجمعها في القلة: نسوة، وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على: نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان الذي رأيته في الآية رقم [٢٤] من سورة (الكهف) فهي مطبوعة عليه؛ إما إهمالا، وإما كذبا. ويقال لكل واحد من هذه الجموع: اسم جمع، لا واحد له من لفظه. هذا؛ والمرأة مأخوذة من المرء، وهو الرجل؛ فلذا سميت بذلك، والأم الأولى حواء سميت بذلك؛ لأنها مأخوذ من: حي، وهو آدم ﵉.
هذا؛ والقواعد من النساء: اللاتي قعدن عن الولد، والمحيض. وقال ربيعة: هي التي إذا رأيتها تستقذرها من كبرها. أقول: والمراد من تجاوزت الستين من عمرها، فإنها لا يميل إليها، ولا يشتهيها إلا من كان في سنها، أو أسنّ منها. ﴿اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً﴾ أي: لا يردن الأزواج لكبرهن، فأما من كانت فيها بقية جمال، وهي محل الشهوة؛ فلا تدخل في حكم هذه الآية، والمراد: لا يرغبن في الزواج.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ:﴾ إثم، ومؤاخذة. ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ أي: الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار. وأقول: ولا حرج عليها في كشف دائرة وجهها إذا كانت قد سترت جميع جسدها، وكانت في السن التي ذكرتها، وغير متبرجة، ولكن مما يؤسف له، بل ويحز في القلب أن نرى في هذه الأيام بنت الستين، والسبعين متحجبة، متسترة، محتشمة، وبناتها، وكناتها، وقريباتها يمشين معها، وهنّ هالعات، خالعات من الحياء، خاليات، ومن الدين مارقات، ولا حول، ولا قوة إلا بالله!.
﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي: غير مظهرات من زينتهن، ومحاسنهن ما يجب عليهن ستره، وذلك ليستهوين الرجال، فإن ذلك من أقبح الأشياء، وأبعده عن الحق، والتبرج: التكشف، والظهور للعيون، ومنه بروج مشيدة، وبروج السموات والأسوار، أي: لا حائل دونها يسترها، ثم قيل: من التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفان حجم أعضائها، فعن أبي هريرة-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أهل النار، لم أر هما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها النّاس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا، وكذا». أخرجه مسلم، وغيره، وفي حديث آخر عن ابن عمر-﵄: «العنوهنّ فإنّهنّ ملعونات».
وعن أبي موسى الأشعريّ، ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: «أيّما امرأة استعطرت فمرّت على قوم؛ ليجدوا ريحها، فهي زانية، وكلّ عين زانية». رواه النسائي، وابن خزيمة، وابن حبّان في صحيحهما، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠ و ٣١].
стр. 4042
هذا؛ وقد قيل: إن المعنى: كاسيات من الثياب، عاريات من لباس التقوى؛ الذي قال الله تعالى فيه في الآية رقم [٢٦] من سورة (الأعراف): ﴿وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ وأنشدوا: [الطويل]
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التّقى... تقلّب عريانا، وإن كان كاسيا
وخير لباس المرء طاعة ربّه... ولا خير فيمن كان لله عاصيا
وفي هذا الكلام إستعارة لا تخفى: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أي: يطلبن العفة، والمحافظة على الشرف، ولا يلقين شيئا من الثياب، ويسترن وجوههنّ، وجميع أجسادهن؛ لأنه أبعد من التهمة. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾ بنياتهن، وأقوالهن.
الإعراب: ﴿وَالْقَواعِدُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (القواعد): مبتدأ. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من القواعد على اعتبار أل للتعريف، أو بمحذوف صفة له، على اعتبارها للجنس، وهو أولى؛ لأن كثيرين لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ. ﴿اللاّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة (القواعد) لا ل: ﴿النِّساءِ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجُونَ:﴾
مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة التي هي فاعله. ﴿نِكاحاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَلَيْسَ:﴾ الفاء: زائدة للتوكيد. (ليس): ماض ناقص.
﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿جُناحٌ:﴾
اسم ليس مؤخر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن المبتدأ موصوف بموصول، لو كان ذلك الموصول مبتدأ؛ لجاز دخولها في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ولا يجوز أن يكون ﴿اللاّتِي﴾ صفة ل: ﴿النِّساءِ؛﴾ إذ لا يبقى مسوغ لدخول الفاء في خبر المبتدأ، وقال أبو البقاء: ودخلت الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط؛ لأن الألف، واللام بمعنى: اللاتي قعدن، وهذا مذهب الأخفش. انتهى.
﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿يَضَعْنَ:﴾ مضارع مبني على السكون، وهو في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ والنون فاعله. ﴿ثِيابَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من نون النسوة، أو من الضمير المجرور محلا بالإضافة، و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿مُتَبَرِّجاتٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِزِينَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في وضعهن ثيابهن، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿جُناحٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿وَالْقَواعِدُ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها، والمصدر المؤول من: (أن يستعففن) في محل رفع مبتدأ، و ﴿خَيْرٌ:﴾
خبره التقدير: والاستعفاف خير لهن من الوضع. ﴿لَهُنَّ:﴾ متعلقان بخير، والجملة الاسمية:
﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 4043
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾
الشرح: اختلف العلماء في هذه الآية، فقال عبد الله بن عباس-﵄: لما أنزل الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى، والزمنى، والعمي، والعرج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا الله عن أكل الأموال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول، فلا يستوفي من الطعام حقه.
فأنزل الله هذه الآية، فعلى هذا التأويل تكون ﴿عَلَى﴾ بمعنى «في» أي: ليس في الأعمى.
والمعنى: ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى، والمريض، والأعرج حرج؛ أي: إثم ومؤاخذة.
وقيل: كان العميان، والعرجان، والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء؛ لأن الناس يقذرونهم، ويكرهون مؤاكلتهم، وكان الأعمى يقول: ربما آكل أكثر من ذلك، ويقول الأعرج والمريض: ربما أجلس مكان اثنين. فنزلت هذه الآية.
وقيل: نزلت ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سماهم الله في باقي الآية، وذلك: أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل في طلب الطعام، فإذا لم يكن عنده شيء ذهب بهم إلى بيت أخيه، أو بيت أمه، أو بعض من سمى الله تعالى، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك، ويقولون: ذهب بنا إلى غير بيته. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقيل: كان المسلمون إذا غزوا؛ دفعوا مفاتيح بيوتهم إلى الزمنى، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك، ويقولون: لا ندخلها، وأصحابها غيّب، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم. وقيل: نزلت رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد.
فعلى هذا تم الكلام عند قوله: ﴿وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ..﴾. إلخ كلام مستأنف. انتهى. خازن. وهذا الأخير نفاه البيضاوي، حيث قال: وهو لا يلائم ما قبله، وما بعده.
стр. 4044
هذا؛ وقيل: لما نزلت: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل من أحد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ والمعنى: ولا عليكم أيها الناس حرج، ولكن لما اجتمع المخاطب وغير المخاطب غلّب المخاطب لينتظم الكلام. وذكر بيوت القرابات، وسقط منها بيوت الأبناء، فقال المفسرون: ذلك؛ لأنها داخلة في قوله في بيوتكم؛ لأن بيت ابن الرجل بيته، لما جاء في قول النبي ﷺ للرجل الذي شكا إليه أباه، وأنه يأخذ ماله: «أنت ومالك لأبيك». وقوله ﷺ : «إنّ أطيب ما يأكل المرء من كسبه، وإنّ ولده من كسبه».
هذا؛ وقال العلماء: الأكل من بيوت المذكورين إذا أذنوا في ذلك، وقال آخرون: أذنوا له، أو لم يأذنوا فله أن يأكل؛ لأن القرابة التي بينهم هي إذن منهم، والمعتمد: أن الإذن شرط في حل الأكل في هذه الأيام؛ لأن بعض النفوس لا تسمح حتى للإخوة، والأخوات، وذلك ملموس عند كثير من الأشحاء.
﴿أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ:﴾ قال ابن عباس-﵄: عنى بذلك: وكيل الرجل، وقيّمه في ضيعته، وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمرة ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل، ولا يدخر. وقيل: يعني: بيوت عبيدكم، ومماليككم، وذلك: أن السيد يملك منزل عبده. هذا؛ ويقرأ «(مفتاحه)» وقرأ سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: «(مفاتيحه)» وعلى قراءة «(مفاتح)» يكون قد حذف منه عند الجمع الألف التي تقلب ياء في صيغة منتهى الجموع، كما تقول في مصباح: مصابح، وفي محراب: محارب، والمفتاح: آلة الفتح، كالمفتح. وقيل: مفاتح جمع: مفتح أو مفتح، ومفاتيح جمع: مفتاح.
﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ:﴾ يعني: أو بيوت صديقكم، كان الرجل من السلف يدخل دار صديقه، وهو غائب، فيسأل جاريته كيسه، فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها، فأخبرته، أعتقها سرورا بذلك، فأما الآن؛ فقد غلب الشح على النفوس، فلا يأكل الإنسان إلا بإذن. هذا؛ والصديق هو من يصدقك في مودته، وتصدقه في مودتك، وهو يطلق على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث؛ لأنه على وزن فعيل، وفعيل يطلق على ما ذكر، قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾. و (عدو) على وزن فعيل يطلق على ما ذكر، كما رأيت في الآية رقم [٣٩] من سورة (طه). وقال جرير، وقد أطلق صديقا على جماعة الإناث: [الطويل]
دعون الهوى ثمّ ارتمين قلوبنا... بأسهم أعداء وهنّ صديق
وعن ابن عباس-﵄-قال: الصداقة أو كد من القرابة ألا ترى: أن الجهنميين لما استغاثوا، لم يستغيثوا بالآباء والأمهات، فقالوا: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الآيتان رقم [١٠٠ و ١٠١] من سورة (الشعراء)، وانظر ما ذكرته في الخل والخليل في الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
стр. 4045
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ:﴾ إثم، ومؤاخذة. ﴿أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً﴾ أي: متفرقين، جمع: شت، والشت: المصدر بمعنى التفرق، قيل: إنها نزلت في بني ليث بن بكر، وهم حيّ من بني كنانة، كان الرجل منهم، لا يأكل وحده حتى يجد ضيفا يأكل معه، فربما قعد الرجل من الصباح إلى المساء، وربما كانت معه الإبل الحفّل، فلا يشرب من ألبانها حتى يأتي من يشاربه، فإذا أمسى؛ ولم يجد أحدا؛ أكل. وقال القرطبي: وقد يمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله، وهي مبالغة غير مقبولة منه، وهذا خلق ورثه أولئك القوم من (إبراهيم) ﵇، فقد كان لا يأكل وحده؛ حتى يجد من يأكل معه، وهذا مشهور عنه. وقد قال قيس بن عاصم المنقري الصحابي-﵁-وينسب لحاتم الطائي يخاطب زوجته: [الطويل]
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي
وانظر الشاهد [٣٩٨] من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك. وقال ابن عباس-﵄: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته، وصداقته، فيدعوه إلى طعامه، فيقول:
والله إني لأجنح-أي: أتحرج-أن آكل معك؛ وأنا غني، وأنت فقير. فنزلت هذه الآية، وقيل:
نزلت في قوم من الأنصار، كانوا لا يأكلون؛ إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا جميعا، أو متفرقين. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف. وهذا يفيد: أن الآية الكريمة نزلت في أسباب متعددة، كما يحتمل أن يكون نزولها جملة واحدة، وأن يكون متفرقا.
﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ليسلم بعضكم على بعض، هذا في دخول الرجل بيت نفسه، يسلم على أهله، ومن في بيته. قال قتادة-﵁: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليه، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السّلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، السّلام على أهل البيت، ورحمة الله وبركاته. حدّثنا أن الملائكة ترد عليه. وقال ابن عباس-﵄: إذا لم يكن في البيت أحد: فليقل: السّلام علينا من ربنا، السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السّلام على أهل البيت، ورحمة الله وبركاته. وعن زيد بن أسلم-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخلتم بيوتا؛ فسلّموا على أهلها، واذكروا اسم الله، فإنّ أحدكم إذا سلّم حين يدخل بيته، وذكر اسم الله على طعامه، يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم هاهنا، ولا عشاء. وإذا لم يسلّم أحدكم؛ إذا دخل، ولم يذكر اسم الله على طعامه؛ قال الشيطان لأصحابه، أدركتم المبيت، والعشاء».
﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: ثابتة بأمره، مشروعة من لدنه. ﴿مُبارَكَةً:﴾ لأنها ترجى بها زيادة الخير، وتكثير الحسنات، ورفع الدرجات في الجنة. ﴿طَيِّبَةً:﴾ تطيب بها نفس المستمع، فعن أنس بن مالك-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «متى لقيت أحدا من أمّتي؛ فسلّم عليه؛ يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلّم عليهم، يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضّحى، فإنّها
стр. 4046
صلاة الأبرار الأوّابين». لذا وصف الله التحية ب: ﴿طَيِّبَةً﴾ وب: ﴿مُبارَكَةً؛﴾ لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها ما ذكرت.
﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ:﴾ كرر الله هذه الجملة ثالثة لمزيد التأكيد، وتفخيم أمر الأحكام المختتمة بها، وفصل الأوليين بما هو المقتضي لذلك، وختم هذه بما هو المقصود منه، فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون، فتتدبرون الحق، والخير في الأمور، فتتبعونه، وتهتدون بهديه، وانظر شرح (العقل) في الآية رقم [١٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح (النفس) في الآية رقم [٣٥] منها.
الإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿عَلَى الْأَعْمى:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿حَرَجٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿عَلَى الْأَعْرَجِ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿حَرَجٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وجه للإعراب، والوجه الثاني: أن تعطف الجار، والمجرور على مثلهما. و ﴿حَرَجٌ﴾ على مثله، والعامل في الأولين، والمعطوفين عليهما عامل واحد، وهو ﴿لَيْسَ،﴾ وتكون (لا) زائدة لتأكيد النفي، ومثل الآية الكريمة قول الأعور الشني: [المتقارب]
هوّن عليك فإنّ الأمو... ربكفّ الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها
وهذان البيتان هما الشاهد رقم [٢٥٧] من كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿وَلا:﴾ الواو:
حرف عطف (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ:﴾ معطوفان على ما تقدم، والكاف في محل جر بالإضافة فيه، وفيما يلي، والميم حرف دال على جماعة الذكور، و «حرج» المعطوف على مثله محذوف، لدلالة ما قبله عليه، وهذا إن كان الكلام مرتبطا ببعضه، وإن كان غير مرتبط بما قبله، فالجملة الاسمية مستأنفة، وهو ما أفاده القرطبي، والخازن، وغيرهما من المفسرين، ويكون الوقف على قوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ تاما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في الأكل، فالجار والمجرور متعلقان ب: «حرج» المحذوف المقدر، أو في محل جر صفة له، وهذا لا يرتضيه سيبويه؛ لأنه لا يجيز حذف الموصوف وبقاء صفته إلا في مواضع معينة معروفة، انظرها في مغني اللبيب باب الحذف، والتقدير، وقيل: المصدر المؤول مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وهذا لا يؤيده معنى، ولا يصح إعرابا. ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وما بعدهما معطوف عليهما، ولا تنس: الإضافة.
стр. 4047
﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوفة على بيوتكم.
﴿مَلَكْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَفاتِحَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها. ﴿صَدِيقِكُمْ:﴾ معطوف على ﴿آبائِكُمْ﴾. هذا؛ وإعراب: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ لا يخفى عليك بعد ما تقدم إن شاء الله تعالى، وهذه الجملة بدل من الجملة السابقة على اتصال الكلام ببعضه، ومستأنفة، لا محل لها بالإعراض عن الكلام السابق. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿أَشْتاتاً:﴾
معطوف عليه.
﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٣٩]. ﴿دَخَلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل.
﴿بُيُوتاً:﴾ انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] في مثله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿فَسَلِّمُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (سلموا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تَحِيَّةً:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: فحيوا تحية. وقيل: عامله:
سلموا من غير لفظه؛ لأنه بمعنى تسليما، على حد قعدت جلوسا، وجملة: ﴿فَسَلِّمُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان ب ﴿تَحِيَّةً:﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿مُبارَكَةً:﴾ صفة (تحية). ﴿طَيِّبَةً:﴾ صفة ثانية، أو حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ:﴾ انظر الآية رقم [٥٨] ففيها الكفاية، وجملة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تعليل لتبيين ما ذكر من الأحكام السابقة.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اِسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾
الشرح: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: الكاملون في الإيمان. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ إيمانا خالصا من صميم قلوبهم. ﴿وَإِذا كانُوا مَعَهُ﴾ أي: مع الرسول ﷺ . ﴿عَلى أَمْرٍ جامِعٍ:﴾ كالجمعة، والعيدين، والحروب، والمشاورة في الأمور المهمة في الدين، أو الدنيا. ووصف الأمر بالجامع للمبالغة، وفيه إسناد مجازي؛ لأن الأمر لما كان سببا في جمعهم، نسب الجمع إليه مجازا. ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أي: لم يتفرقوا عنه. ﴿حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ أي: يستأذنوا رسول الله ﷺ ، فيأذن
стр. 4048
لهم. واعتباره في كمال الإيمان؛ لأنه كالمصداق لصحته، والمميز للمخلص فيه من المنافق الذي ديدنه التسلل، والفرار، ولتعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس الرسول ﷺ بغير إذنه ولذلك أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فإنه يفيد: أن المستأذن مؤمن لا محالة، وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك، وإنما ضيق عليهم في ذلك؛ لأنه لا بد لرسول الله ﷺ في الأمور المهمة من ذوي رأي، وقوة يظاهرونه عليها، ويعاونونه، ويستضيء بآرائهم، ومعارفهم، وتجاربهم، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق عليه، ويشعث عليه رأيه، فمن ثمّة ضيق عليهم الأمر في الاستئذان.
﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ:﴾ ما يعرض لهم من المهام. ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ أي:
في الذهاب، والانصراف، والمعنى: إن شئت؛ فأذن، وإن شئت؛ فلا تأذن. ففيه تفويض الأمر إلى رأي رسول الله ﷺ ، واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ:﴾ بعد الإذن، فإن الاستئذان ولو لعذر قصور؛ لأنه تقديم لأمر الدنيا على الدين. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ:﴾ لذنوب عباده. ﴿رَحِيمٌ:﴾ حيث يسّر عليهم، ورخّص لهم في الضرورة في أمور كثيرة، كما هي معروفة في الشريعة.
تنبيه: روي: أن هذه الآية نزلت في حفر الخندق حين جاءت قريش بجيوشها؛ وقائدها أبو سفيان، وغطفان؛ وقائدها عيينة بن حصن الفزاري، فضرب النبي ﷺ الخندق حول المدينة باستشارة سلمان الفارسي-﵁-وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة، فكان المنافقون يتسللون لو اذا من العمل، يعتذرون الأعذار الكاذبة.
وقال المفسرون: كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد رجل أن يخرج من المسجد لحاجة، أو عذر، لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله ﷺ ، بحيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن، فيأذن لمن شاء منهم، وهذا كان بعد انتهاء غزوة الخندق.
قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيديه، قاله أهل العلم، وكذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام، لا يخالفونه، ولا يرجعون عنه إلا بإذن، وإذا استأذن الإمام؛ إن شاء؛ أذن له، وإن شاء؛ لم يأذن، وهذا إذا لم يكن حدث يمنعه من المقام بأن يكونوا في المسجد، فتحيض امرأة منهم، أو يجنب رجل، أو يعرض له مرض، فلا يحتاج إلى الاستئذان. انتهى. خازن.
الإعراب: ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة مفيدة للحصر. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا بِاللهِ﴾ صلة
стр. 4049
الموصول لا محل له. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّمَا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف.
(إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (كان)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى أَمْرٍ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ﴿جامِعٍ:﴾ صفة أمر، وجملة:
﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿لَمْ يَذْهَبُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَسْتَأْذِنُوهُ:﴾
مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على جملة الصلة، لا محل له مثلها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها. ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية:
﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ هي توكيد للجملة السابقة، وتعظيم، وتفخيم لهذا الأمر المذكور. ﴿فَإِذَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا):
مثل سابقتها. ﴿اِسْتَأْذَنُوكَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿لِبَعْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (بعض) مضاف، و ﴿شَأْنِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأْذَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ائذن): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿شِئْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو: لشخص شئته. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و (من) بيان لما أبهم في (من)، وجملة ﴿فَأْذَنْ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ﴾ معطوفة على جواب (إذا)، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل للأمر، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
стр. 4050
﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ أي: لا تنادوا الرسول ﷺ من بعيد بقولكم: يا أبا القاسم، ونحوه، بل عظموه، كما قال تعالى في سورة (الحجرات):
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ..﴾. إلخ الآيات من أولها. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد -رحمهما الله تعالى-: المعنى: قولوا: يا رسول الله! في رفق، ولين، ولا تقولوا: يا محمد! بتجهم. وقال ابن عباس-﵄: المعنى: احذروا دعاء الرسول إذا أسخطتموه، فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره، أي: موجب للانتقام. وقيل: المعنى: لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا في جواز الإعراض، والمساهلة في الإجابة، والرجوع بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرمة، وإجابته ﷺ واجبة، ولو كان المسلم في الصلاة، كما صحت بذلك الأحاديث.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً:﴾ التسلل، والانسلال: الخروج قليلا قليلا في استخفاء، واللواذ: من الملاوذة، وهي أن تستتر بشيء مخافة من يراك، فقد كان المنافقون يتسللون، ويخرجون من المسجد يوم الجمعة؛ لأنه لم يكن أثقل عليهم منه، وحضور الخطبة، وسماعها فيه. وقال الحسن: ﴿لِواذاً﴾ فرارا من الجهاد، وثبت هذا عنهم في حفر الخندق حول المدينة، ومنه قول حسان بن ثابت-﵁: [الخفيف]
وقريش تلوذ منّا لواذا... لم يقيموا وخفّ منها الحلوم
ولم تقلب الواو في لواذا ألفا لتحركها في لاوذ، يقال: لاوذ، يلاوذ ملاوذة، ولواذا. ولاذ يلوذ لوذا، ولياذا، انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها اتباعا ل: لاذ في الاعتلال. هذا؛ وقد قال السيوطي في همع الهوامع في باب الإبدال ما يلي: تبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر لفعل معل العين، موزون بفعال، نحو قام قياما، وعاد عيادا، بخلاف عين غير المصدر كصوان، وسواك، والمصدر المفتوح أوله، كرواح، أو المضموم كقوار، أو المكسور الذي لم يعل عين فعله، ك: لاوذ لواذا، وعاود عوادا، أو الموزون بفعل كالحول. وتبدل أيضا بعد كسرة من واو هي عين جمع لواحد ساكن العين، أو معتلها، صحيح اللام، موزون بفعال، كثوب وثياب، وحوض وحياض، ودار وديار، وريح ورياح بخلاف عين المفرد. انتهى. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ﴾ تهديد، ووعيد.
стр. 4051
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: يعرضون عن أمره، وهم المنافقون، يقال: خالفه إلى الأمر؛ إذ ذهب إليه دونه، ومنه ما حكى الله تعالى من قول شعيب ﵇ لقومه: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ وخالفه عن الأمر: إذا صد عنه دونه، والضمير في ﴿أَمْرِهِ﴾ لله سبحانه، أو للرسول ﷺ ، والمعنى: يخالفون عن طاعته، ودينه. هذا؛ وقال أبو عبيدة، والأخفش: ﴿عَنْ﴾ في هذا الموضع زائدة. وقال الخليل، وسيبويه: ليست بزائدة، وإنما هي بمعنى: بعد أمره، ومنه قوله تعالى في الآية رقم [٥١] من سورة (الكهف): ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. هذا؛ وقال ابن هشام في المغني: «يخالفون» متعد، وقد جاء لازما هنا؛ لأنه بمعنى:
يخرجون عن أمره، وأورد بيت ذي الرمة، وهو الشاهد رقم [٩٢٠] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها... إلى الضّيف يجرح في عراقيبها نصلي
فإنه قال: ضمن «يجرح» معنى: «يفسد». ولذا جاء لازما.
﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ:﴾ بلاء في الدنيا، أو قتل، أو زلازل، وأهوال، أو تسليط سلطان جائر، أو قسوة القلب عن معرفة الله تعالى ومعرفة حقوقه، وهو أعظم ما يصاب به العبد: فعند ذلك لا تؤثر فيه المواعظ، ولا يقبل النصائح، انظر الآية رقم [٥٨] من سورة (الكهف)، أو إسباغ النعم استدراجا. ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: وجيع في الآخرة.
هذا؛ و ﴿تُصِيبَهُمْ﴾ ماضيه: أصاب، وهو يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم، يصيب إذا لم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأية أتى بالصواب، وأصاب فلانا البلاء، يصيبه وقع عليه، وهو المراد هنا وفي أكثر الآيات القرآنية. هذا؛ وأصاب يأتي بمعنى أراد، وقصد، ومنه قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٣٦]: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ قاله مجاهد. والعرب تقول: أصاب الصواب، وأخطأ الجواب. قاله ابن الأعرابي، وقال الشاعر: [المتقارب]
أصاب الكلام فلم يستطع... فأخطا الجواب لدى المفصل
أي: أراد الكلام.
وأصل يصيب: يؤصوب، أو يؤصيب، فقل في إعلاله: حذفت الهمزة للتخفيف، حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل: أؤصيب الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: (يصوب، أو يصيب)، ثم يقال: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو، أو الياء، وهي الكسرة إلى الصاد قبلها، بعد سلب سكونها، فصار: (يصيب أو يصوب)، ثم قلبت الواو في
стр. 4052
الثاني ياء لا نكسار ما قبلها. هذا؛ وإذا دخل الجازم على المضارع، فيصير: لم تصيب. فيحذف حرف العلة لالتقاء الساكنين، فيصير لم يصب، وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله للتعدية، مثل: أجاب، يجيب، وأكرم، يكرم، ونحو ذلك، كما حذفت الهمزة الثانية من «يؤمنون» لأن ماضيه: آمن. وأصله أأمن، والمضارع يؤأمن، أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]
فإنّه أهل لأن يؤكرما
ولا تنس: أن الهمزة المزيدة هذه تحذف من اسمي الفاعل والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، ومصيبة، ومصاب. وقس على ذلك.
تنبه لهذا، واحفظه، فإنه جيد.
الإعراب: ﴿لا تَجْعَلُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿دُعاءَ:﴾ مفعول به أول، وهو مضاف، و ﴿الرَّسُولِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، أو من إضافة المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالمصدر قبله، وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كَدُعاءِ:﴾ الكاف: اسم بمعنى «مثل» مبني على الفتح في محل نصب مفعول به ثان للفعل السابق، والكاف مضاف، و (دعاء):
مضاف إليه، و (دعاء): مضاف، و ﴿بَعْضِكُمْ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْضاً:﴾ مفعول به للمصدر، وجملة: ﴿لا تَجْعَلُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق هنا. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به وجملة: ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿لِواذاً:﴾ حال بمعنى: ملاوذين، وقيل: هو مفعول مطلق عامله ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ من غير لفظه، وجملة: ﴿قَدْ يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلْيَحْذَرِ:﴾ الفاء: حرف عطف، على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (ليحذر):
مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿يُخالِفُونَ:﴾ صلة الموصول، ﴿عَنْ أَمْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقال أبو عبيدة والأخفش: ﴿عَنْ﴾ زائدة، و ﴿أَمْرِهِ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ في محل نصب مفعول به للفعل (يحذر).
стр. 4053
﴿يُصِيبَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿عَذابٌ:﴾ فاعله.
﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿فَلْيَحْذَرِ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، وعلى اعتبار الفاء الفصيحة؛ فالتقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منهم فليحذر... إلخ.
﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾
الشرح: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خلقا، وملكا، وعبيدا، وقد غلّب غير العاقلين على العاقلين. انظر الآية رقم [٤٥]. ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيها المكلفون من المخالفة، والموافقة لأوامر الله، ورسوله، والنفاق، والإخلاص في الأعمال. وإنما أكد علمه ب ﴿قَدْ﴾ لتأكيد الوعيد، والتهديد. ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ:﴾ جل شأنه يوم القيامة للحساب، والجزاء. والمراد: المنافقون الذين كانوا يتسللون لواذا، أو هو عام، وهو أولى. وفي الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة. انظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء)، والفعل ﴿يُرْجَعُونَ﴾ يقرأ بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ أي: من الخير والشر، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعقابه. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ لا تخفى عليه خافية من أعمال العباد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، لا محل لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق هنا. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله).
﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (يوم): معطوف على محل ﴿ما﴾ الموصولة فهو مفعول به مثله. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ مضارع مبني للمعلوم، أو للمجهول مرفوع... إلخ، والواو فاعل، أو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ينبئهم):
مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها،
стр. 4054
والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فينبئهم بالذي، أو: بشيء عملوه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم. والجملة الفعلية:
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. (الله): مبتدأ. ﴿بِكُلِّ:﴾
متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
انتهت سورة (النور) شرحا وإعرابا، بعون الله وتوفيقه، والحمد لله رب العالمين
стр. 4055
سورة الفرقان
سورة (الفرقان) وهي مكية، وآياتها سبع وسبعون، وكلماتها ثمانمئة واثنتان وتسعون، وحروفها ثلاثة آلاف وسبعمئة وثلاثون، وقال ابن عباس وقتادة-﵄:
السورة مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت في المدينة، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ..﴾. إلى قوله: ﴿... وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾.
قال القرطبي: ومقصود هذه السورة ذكر موضع عظم القرآن، وذكر مطاعن الكفار في النبوة، والرد على مقالاتهم، فمن جملتها قولهم: إن القرآن افتراه محمد ﷺ ، وإنه ليس من عند الله.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١)﴾
الشرح: ﴿تَبارَكَ الَّذِي:﴾ تكاثر خيره من البركة، وهي كثرة الخير، وزيادته، ومعنى «تبارك الله» تزايد خيره، وتكاثر، أو تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته، وأفعاله، وهي كلمة تعظيم وتقديس، لم تستعمل إلا لله وحده، وهو ملازم للماضي، لا يأتي منه مضارع، ولا أمر، قال الطّرمّاح: [الطويل]
تباركت لا معط لشيء منعته... وليس لما أعطيت يا ربّ مانع
وقال آخر: [الطويل]
تباركت ما تقدر يقع ولك الشّكر
﴿نَزَّلَ الْفُرْقانَ:﴾ القرآن سماه الله: فرقانا؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام بتقريره، أو بين المحق والمبطل بإعجازه، أو لكونه نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة، ولهذا قال:
﴿نَزَّلَ﴾ بالتشديد لتكثير التفريق، وينبغي أن تعلم: أن الفرقان يطلق على كل منزل من السماء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ..﴾. إلخ الآية رقم [٤٨] من سورة (الأنبياء).
﴿عَلى عَبْدِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الإسراء) ففيها الكفاية. ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً:﴾ النذير: المحذر من الهلاك، والنذير: المنذر من الشر، و (نذير) مخوف من غضب الله تعالى، وعقابه، والمراد ب: (العالمين) الإنس والجن؛ لأن النبي ﷺ قد كان أرسل إليهما،
стр. 4056
ونذيرا لهما، ولم يكن غيره عام الرسالة إلا نوح، ﵊، فإنه عمّ برسالته جميع الإنس، والجن بعد الطوفان؛ لأنه بدأ به الخلق.
الإعراب: ﴿تَبارَكَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿نَزَّلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الْفُرْقانَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلى عَبْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَزَّلَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِيَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو الله تعالى، أو عبده، وهو أوفق بالمقام، وأقوى في المعنى، كما أجيز عوده على الفرقان. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿نَذِيراً:﴾ خبر (يكون)، و «أن» المضمرة والفعل (يكون) في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نَزَّلَ،﴾ وجملة: ﴿تَبارَكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢)﴾
الشرح: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المتصرف فيهما كيف يشاء. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً:﴾ نزه نفسه عما قاله المشركون من أن الملائكة بنات الله، وعما قالته اليهود: عزير ابن الله، جل الله تعالى، وعما تقوله النصارى: المسيح ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ أي: هو المنفرد بالإلهية، وفيه رد على الثنوية، والحلولية، وعبّاد الأوثان. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: مما تطلق عليه صفة المخلوق، أحدثه إحداثا مراعيا فيه التقدير حسب إرادته، كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة، وصور، وأشكال معينة. ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ أي: سواه، وهيأه لما يصلح له، لا خلل فيه، ولا تفاوت. وقيل: قدر كل شيء تقديرا من الأجل، والرزق، فجرت المقادير على ما خلق. ولا شبهة فيه لمن يقول: إن الله شيء، ويقول بخلق القرآن؛ لأن الفاعل بجميع صفاته، لا يكون مفعولا له، على أن لفظ شيء اختص بما يصح أن يخلق بقرينة خلق، وهذا أوضح دليل لأهل السنة والجماعة في الرد على المعتزلة في خلق أفعال العباد. انتهى. نسفي بتصرف.
وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: فقدّر كل شيء، وهيأه لما أراد منه من الخصائص، والأفعال، كتهيئة الإنسان للإدراك، والفهم، والنظر، والتدبير، واستنباط الصنائع المتنوعة، ومزاولة الأعمال المختلفة، إلى غير ذلك. أو: فقدره للبقاء إلى أجل مسمى. وقد يطلق الخلق
стр. 4057
لمجرد الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق، فيكون المعنى: وأوجد كل شيء، فقدره في إيجاده، حتى لا يكون متفاوتا. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ بدل مما قبله، أو نعت له. أو عطف بيان عليه، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أمدح، أو أعني.
﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَلَمْ:﴾
الواو: حرف عطف. (لم يتخذ): مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿وَلَداً:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور باللام فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَمْ:﴾
الواو: حرف عطف. (لم يكن): مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر يكن مقدم. ﴿شَرِيكٌ:﴾ اسمه مؤخر. ﴿فِي الْمُلْكِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة شريك، أو هما متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَخَلَقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (خلق): ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَقَدَّرَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قدره): ماض، ومفعوله، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿تَقْدِيراً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا.
﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣)﴾
الشرح: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: الكفار عبدة الأوثان. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ من دون الله تعالى.
﴿آلِهَةً:﴾ المراد بها: الحجارة، ونحوها مما كانوا يتخذونه آلهة. ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً﴾ أي:
عاجزون عن خلق أي شيء. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ:﴾ لأن عبدتهم ينحتونهم، ويصورونهم. ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً:﴾ وما فعله إبراهيم الخليل في الأصنام أكبر دليل على ذلك.
﴿وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً﴾ أي: إماتة أي إنسان، أو حيوان، ونحوه. ﴿وَلا حَياةً﴾ أي: إحياء أي ميت من إنسان، أو غيره. ﴿وَلا نُشُوراً﴾ أي: بعثا بعد الموت، والمعنى: لا يميتون أحدا، ولا يحيونه، ولا بعثا له بعد موته.
الإعراب: ﴿وَاتَّخَذُوا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (اتخذوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آلِهَةً،﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وقيل: في محل نصب مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول
стр. 4058
به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْلُقُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿آلِهَةً﴾. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَخْلُقُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ معطوفة على جملة: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً﴾ فهي في محل نصب مثلها، وجملة: ﴿وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً:﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿حَياةً:﴾ معطوف على ﴿مَوْتاً،﴾ وأيضا: ﴿نُشُوراً﴾ معطوف عليه، و ﴿لا﴾ في الجميع زائدة لتأكيد النفي، وجملة: ﴿وَاتَّخَذُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة على الاعتبارين فيها، والرابط هنا: الضمير المجرور محلا بالإضافة، أو هي مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ اِفْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفار قريش، أو النضر بن الحارث. ﴿إِنْ هَذا﴾ أي: ما هذا القرآن. ﴿إِلاّ إِفْكٌ﴾ أي: كذب، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (النور).
﴿اِفْتَراهُ﴾ أي: اختلقه، واخترعه محمد ﷺ من عند نفسه. ﴿وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ أي:
اليهود، قاله مجاهد. وقال ابن عباس-﵄: المراد: أبو فكيهة مولى بني الحضرمي، وعداس، وجبر، وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب. ﴿فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً﴾ أي: بظلم حيث اعتبروا الكلام المعجز إفكا مختلفا متلقفا من اليهود. ﴿وَزُوراً:﴾ بنسبة ما هو بريء منه إليه، واعتبارهم العربي يتلقن من العجمي كلاما عربيا، أعجز بفصاحته جميع الفصحاء، وأخرس ببلاغته جميع البلغاء.
الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿هَذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿إِفْكٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿اِفْتَراهُ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ المعبر عنه ب: ﴿عَبْدِهِ﴾ في الآية رقم [١]، أو هو محذوف لدلالة المقام عليه، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿إِفْكٌ﴾. (أعانه): ماض، والهاء مفعول به. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿قَوْمٌ:﴾ فاعله. ﴿آخَرُونَ:﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو... إلخ، وجملة: ﴿وَأَعانَهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي
стр. 4059
في محل رفع مثلها، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اتخذوا من دونه...) إلخ.
﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاؤُ:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ظُلْماً:﴾ مفعول به على اعتبار «جاء» متعديا، أو هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: جاؤوا بظلم. وأجاز فيه السمين أن يكون حالا بمعنى: ظالمين. ﴿وَزُوراً:﴾
معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه، وجملة: ﴿فَقَدْ جاؤُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قال الذين...) إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وقيل: الفاء الفصيحة، ولا معنى لها كما ترى.
﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ القائل هو النضر بن الحارث، كان يقول: إن هذا القرآن ليس من عند الله، وإنما هو مما سطره الأولون، مثل حديث رستم، وإسفنديار. ومعنى ﴿اِكْتَتَبَها﴾ انتسخها محمد ﷺ من جبر، ويسار، وعداس، وأبي فكيهة، وطلب أن تكتب له؛ لأنه كان لا يكتب، ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أي: تقرأ عليه؛ لأنه كان لا يكتب. هذا؛ وانظر شرح (الآصال) في الآية رقم [٣٦] من سورة (النور)، والبكرة: من طلوع الشمس إلى الضحوة الكبرى، وهي بضم الباء، وسكون الكاف، ومثله: الإبكار، وقد قوبل بالعشي في الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران). هذا؛ و ﴿أَساطِيرُ﴾ جمع: أسطورة، وإسطارة بكسر الهمزة، فالأول مثل: أحدوثة، وأضحوكة، وأعجوبة، وجمعها: أحاديث، وأضاحيك، وأعاجيب. وقيل: واحدها: سطر بفتح السين والطاء، وأسطار: جمع، وأساطير: جمع الجمع، مثل: أقوال، وأقاويل. هذا؛ وسطر الكتابة جمعه في القلة: أسطر، وفي الكثرة: سطور، مثل فلس، وأفلس، وفلوس. هذا؛ وقد قيل في معنى ﴿أَساطِيرُ:﴾ إنها الترهات وهي عند العرب غامضة، ومسالك وعرة مشكلة، يقول قائلها:
أخذنا في التّرّهات، بمعنى عدلنا عن الطريق الواضح إلى الطريق المشكل؛ الذي لا يعرف، فجعلت الترهات مثلا لما لا يعرف، ولا يتضح من الأمور المشكلة الغامضة؛ التي لا أصل لها.
﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ جمع أوّل، وفيه مسائل: الأولى: الصحيح: أن أصله (أوأل) بوزن: أفعل، قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت في الأولى، بدليل قولهم في الجمع: أوائل، وقيل: إن أصله (ووّل) بوزن: فوعل، قلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.
الثانية: الصحيح: أن أول لا يستلزم ثانيا، وإنما معناه ابتداء الشيء، ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد لا تكتسب بعده شيئا، وقد تكتسب، وقيل: إنه يستلزم ثانيا، كما أن الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا، فأنت طالق، فولدت ذكرا، ولم تلد غيره، وقع الطلاق على الأول دون الثاني.
стр. 4060
الثالثة: لأول استعمالان: أحدهما: أن يكون صفة، أي أفعل تفضيل بمعنى الأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو هذا أوّل من هذين، ولقيته عاما أوّل. والثاني: أن يكون اسما مصروفا، نحو لقيته عاما أولا، ومنه قولهم: ما له أول، ولا آخر، قال أبو حيان: في محفوظي: أن هذا يؤنث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أوّله، وآخره بالتنوين. انتهى. جمع الجوامع شرح همع الهوامع للسيوطي.
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذه أساطير، وهو مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿اِكْتَتَبَها:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ الذي يعنونه، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ و «قد» قبلها مقدرة، وقيل: ﴿أَساطِيرُ﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية خبره. وليس بشيء. ﴿فَهِيَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تُمْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿بُكْرَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. (أصيلا): معطوف عل ما قبله، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ . ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ..﴾. إلخ: ذكر السر دون الجهر؛ لأنه من علم السر فهو في الجهر أعلم، ولو كان القرآن مأخوذا من أهل الكتاب، وغيرهم لما زاد عليه، وقد أعجزكم عن آخركم بفصاحته، وتضمن أخبارا مغيبة مستقبلة، وأشياء مكنونة، لا يعلمها إلا عالم الأسرار؛ فكيف تجعلونه أساطير الأولين؟! وأيضا لو كان مأخوذا من هؤلاء لتمكن المشركون منه أيضا، كما تمكن محمد ﷺ ، وحينئذ كانوا يقدرون على معارضته، ولكنهم كانوا معاندين للحق، لا يهتدون إليه سبيلا.
﴿إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً:﴾ فلذلك لا يعاجلكم بالعقوبة أيها المبطلون على ما تفترونه؛ مع كمال قدرته عليها، واستحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صبا. هذا؛ و ﴿كانَ﴾ في هذه الآية، وأمثالها من أفعال الاستمرار ليس على بابه من المضي، وإن المعنى: كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الآبدين في الدنيا، والآخرة.
قال المرحوم سليمان الجمل: ومعلوم: أن ﴿كانَ﴾ في القرآن الكريم على أوجه: بمعنى الأزل، والأبد، وبمعنى المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى الحال، وبمعنى
стр. 4061
الاستقبال، وبمعنى: صار، وبمعنى: ينبغي، وبمعنى: حضر، أو: وجد، أو حصل، وترد للتأكيد، وهي زائدة. انتهى. نقلا عن كرخي.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنْزَلَهُ:﴾ ماض، والهاء مفعوله.
﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿السِّرَّ:﴾ مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿السِّرَّ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿أَنْزَلَهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿غَفُوراً رَحِيماً:﴾ خبران ل: ﴿كانَ﴾ وجملة:
﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ:﴾ يعنون سيد الخلق، وحبيب الحق محمدا ﷺ . ﴿يَأْكُلُ الطَّعامَ:﴾ كما نأكل. ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾ أي: يلتمس المعاش، كما نلتمسه نحن، وإذا كان موصوفا بهذين الوصفين مثلنا؛ فمن أين له الفضل علينا؟ ولا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة، ولا يحق له أن يترفع علينا بشيء، وكانوا يقولون له: لست بملك؛ لأنك بشر مثلنا، والملك لا يأكل، ولا يملك؛ لأن الملك لا يتسوق، وأنت تتسوق، تبيع وتشتري في الأسواق. وما قالوه فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدميا، ولم يدّع أنه ملك، ومشيه في الأسواق لتواضعه. وكانت تلك صفته في التوراة، ولم يكن صخابا في الأسواق، وليس شيء من ذلك ينافي النبوة، ولم يدّع أنه ملك من الملوك. انتهى. خازن بتصرف.
وقال القرطبي: عيّروه بأكل الطعام؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكا، وعيّروه بالمشي في الأسواق حين رأوا الأكاسرة، والقياصرة، والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق، وكان ﷺ يخالطهم في أسواقهم، يأمرهم، وينهاهم، فقالوا: هذا يطلب أن يتملك علينا، فماله يخالف سيرة الملوك، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٠] الآتية، وإنما قالوا ما تقدم لعمههم، وقصور نظرهم على المحسوسات، فإن تميز الرسل عن سواهم ليس بأمور جسمانية، وإنما هو بأحوال نفسانية، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ...﴾. الآية آخر سورة (الكهف).
стр. 4062
﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: يصدقه، ويشهد له، ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ أي: داعيا إلى الله مرغبا في رحمته، مخوفا من عقابه، وانظر الآية رقم [١]. هذا؛ وفي الآية دليل على أن دخول الأسواق مباح للتجارة، وطلب المعاش لمن اتقى الله في بيعه، وشرائه، وكان ﷺ يدخلها لحاجته، وليذكر الخلق بأمر الله، ودعوته، ويعرض نفسه فيها على القبائل لتؤمن برسالته، ولم يكن فظّا ولا غليظا، ولا صخّابا في الأسواق.
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (لهذا): متعلقان بمحذوف خبره، والهاء حرف تنبيه لا محل له مقحم بينهما. ﴿الرَّسُولِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعربه صفة.
﴿يَأْكُلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّسُولِ﴾. ﴿الطَّعامَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الرَّسُولِ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال الاستفهام لتضمنه معنى الفعل: أستفهم، أو اسم الإشارة، وجملة: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ:﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول.
﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَلَكٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، كالجملة الاسمية: ﴿ما لِهذَا..﴾. إلخ. ﴿فَيَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، واسمه يعود إلى ﴿الرَّسُولِ﴾. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده، وقيل: متعلق بمحذوف حال. ولا وجه له. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿نَذِيراً:﴾ خبر (يكون)، و «أن» المضمرة والمضارع الناقص في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: فهلا نزول ملك من السماء، فيكون نذيرا معه؟! والجملة الفعلية ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨)﴾
الشرح: ﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي: ينزل عليه كنز من السماء ينفقه، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق لتحصيل معاشه. ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ:﴾ بستان فيه أنواع الثمار. ﴿يَأْكُلُ مِنْها﴾ أي: هو فلا أقل من ذلك إن لم يكن له كنز من ذهب، وانظر ما اقترحوه على رسول الله ﷺ في الآية رقم [٩٠] من سورة (الإسراء) وما بعدها تجد ما يسرك. هذا؛ ويقرأ:
«(نأكل)» بالنون.
﴿وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً:﴾ انظر الآية رقم [٤٧] من سورة (الإسراء) تجد فيها الكلام كافيا شافيا، وانظر شرح «الظلم» و (البغي) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج)،
стр. 4063
وانظر التعبير ب: ﴿الظّالِمِينَ﴾ عن الكافرين في الآية رقم [٢٨] من سورة (المؤمنون). وقد وضع الظالمين موضع الضمير تسجيلا عليهم بوصف الظلم، وتجاوز الحد.
الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُلْقى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَنْزٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أُنْزِلَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها.
﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُ﴾ مقدم. ﴿جَنَّةٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿يَأْكُلُ مِنْها﴾ على القراءتين في محل رفع صفة ﴿جَنَّةٌ﴾. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال):
ماض. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله، ومقتضى القياس الإضمار، غير أنه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوا. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿تَتَّبِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رَجُلاً:﴾ مفعول به. ﴿مَسْحُوراً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قالوا ما لهذا...) إلخ لا محل لها مثلها.
﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩)﴾
الشرح: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾ أي: اقترحوا عليك ما تقدم من نزول ملك من السماء يعاونك في تبليغ رسالتك، وإنزال كنز من السماء تنفقه على نفسك، أو يكون لك بستان فيه أنواع الثمار تتمتع فيه بحياتك، وتجد فيه هناءتك، وسرورك، كما أنهم مثلوك تارة بالساحر، وتارة بالشاعر، وتارة بالمجنون، وأخرى بالكاهن. ﴿فَضَلُّوا﴾ أي: فيما اقترحوا عليك، وفيما مثلوك به، وحاروا، وخرجوا عن جادة الحق والصواب في جميع تصرفاتهم، واقتراحاتهم، وأمثلتهم. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ أي: فلا يجدون طريقا وحيلة في صد الناس عنك، أو لا يجدون طريقا إلى الهدى والرشاد، والخطاب في ذلك للنبي ﷺ وحده. هذا؛ وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج)، وشرح (ضل) في الآية رقم [١٠٤] من سورة (الكهف)، ولا تنس: أن الآية مذكورة بحروفها كاملة برقم [٤٨]. من سورة (الإسراء).
الإعراب: ﴿اُنْظُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده.
﴿ضَرَبُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَمْثالَ:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ل: ﴿اُنْظُرْ﴾ المعلق عن العمل لفظا، وتقدير الكلام: انظر كيفية ضرب الأمثال لك. ﴿فَضَلُّوا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة
стр. 4064
الفعلية مع المعلق بها المحذوف معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. (لا): نافية.
﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، والفاء في الجملتين حرف عطف وسبب.
﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠)﴾
الشرح: ﴿تَبارَكَ الَّذِي:﴾ انظر الآية رقم [١] والمعنى هنا: تكاثر خير الذي إن شاء وهب لك في الدنيا خيرا مما قالوا، وهو أن يجعل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات، والقصور.
﴿إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ﴾ أي: من الذي قالوا وأفضل من البستان الذي ذكروا. ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي..﴾. إلخ: أي بيوتا مشيدة. فعن أبي أمامة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة ذهبا، قلت: لا يا ربّ، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما-أو قال: ثلاثا، أو نحو هذا-فإذا جعت؛ تضرعت إليك، وذكرتك، وإذا شبعت؛ حمدتك وشكرتك». وعن عائشة ﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «لو شئت؛ لسارت معي جبال مكة ذهبا، جاءني ملك، إنّ حجرته لتساوي الكعبة، فقال: يا محمد! ربّك يقرئك السّلام، ويقول: إن شئت نبيّا عبدا، وإن شئت نبيّا ملكا! فنظرت إلى جبريل، فأشار إليّ: أن ضع نفسك، فقلت: نبيّا عبدا».
قالت: فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك، لا يأكل متّكئا، يقول: «أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد». ذكر هذين الحديثين البغوي بسنده. انتهى. خازن. هذا؛ وذكر القرطبي: أن الملك الذي نزل على الرسول ﷺ ، وعرض عليه ما تقدم هو (رضوان) خازن الجنان، وساق الحديث مع تغيير في بعض ألفاظه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ و ﴿قُصُوراً﴾ جمع قصر، وهو البناء المشيد المتميز عن غيره بضخامة بنائه، وزخرفته. سمي بذلك؛ لقصور الفقراء عن تحصيله، وحبسهم عن نيله، والوصول إليه، أو لأن من فيه مقصور عن أن يوصل إليه، وقيل: العرب تسمي بيوت الطين: القصر، وما يتخذ من الصوف والشعر: البيت.
الإعراب: ﴿تَبارَكَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى الله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لَكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿جَعَلَ،﴾ وقيل: هما المفعول الثاني تقدم على الأول. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ ذلِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْراً﴾ لأنه أفعل تفضيل، فاعله مستتر فيه، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ لا محل لها؛
стр. 4065
لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية: ﴿إِنْ شاءَ جَعَلَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿تَبارَكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو مستأنفة. ﴿جَنّاتٍ:﴾ بدل من ﴿خَيْراً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾
فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية هذه في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿وَيَجْعَلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يجعل): مضارع معطوف على جواب الشرط، وهو ﴿جَعَلَ﴾ أي: على محله. هذا؛ ويقرأ بالرفع، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مستأنف، والثاني: أنه معطوف على جواب الشرط، وقال الزمخشري: لأن الشرط إذا وقع ماضيا جاز في جوابه الجزم، والرفع، وقال: وليس هذا مذهب سيبويه، بل مذهبه أن الجواب محذوف، وأن هذا المضارع منوي به التقديم، ومذهب المبرد والكوفيين: أنه جواب على حذف الفاء، ومذهب آخرين: أنه جواب لا على حذفها، بل لما كان الشرط ماضيا ضعيف تأثير: ﴿إِنْ﴾ فيه، فارتفع. قلت: فالزمخشري بنى قوله على هذين المذهبين. ثم قال الشيخ: وهذا التركيب جائز فصيح، وزعم بعض أصحابنا أنه لا يجيء إلا في الضرورة. انتهى. جمل نقلا عن السمين.
هذا؛ وذكر الزمخشري قول زهير بن أبي سلمى المزني في مدح هرم بن سنان: [البسيط]
وإن أتاه خليل يوم مسغبة... يقول لا غائب مالي ولا حرم
وقايس بينه وبين الآية، ولا وجه له؛ لأن الجواب في الآية مذكور، وفيها عطف (يجعل) على الجواب، والجواب في البيت غير مذكور، لذا قيلت فيه الأقوال الكثيرة، وأوّل التأويلات المتعددة. وينبغي أن تعلم أن بيت زهير هو الشاهد رقم [٧٨٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، انظر شرحه وإعرابه وما قيل فيه هناك؛ تجد ما يسرك. هذا؛ ولم يقرأ الفعل (يجعل) بالنصب، ولو قرئ؛ لطبقت القاعدة المشهورة عليها، وهي: «إذا عطف على جواب الشرط مضارع بالواو، أو بالفاء جاز جزمه، ورفعه، ونصبه» وآية البقرة رقم [٢٨٣] هي التي طبقت القاعدة المذكورة عليها لقراءة الفعل (فيغفر) بالأوجه الثلاثة، وإذا عطف بالواو أو بالفاء مضارع على فعل الشرط جاز جزمه ونصبه، ويمتنع الرفع. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته مقررا القاعدتين المذكورتين: [الرجز]
والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفاء، أو الواو بتثليث قمن
وجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو ان بالجملتين اكتنفا
وفاعل (يجعل) يعود إلى (الله) تعالى. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: هما في محل المفعول الثاني. ﴿قُصُوراً:﴾ مفعول به.
следующие страницы →