Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
الاستقبال، وبمعنى: صار، وبمعنى: ينبغي، وبمعنى: حضر، أو: وجد، أو حصل، وترد للتأكيد، وهي زائدة. انتهى. نقلا عن كرخي.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنْزَلَهُ:﴾ ماض، والهاء مفعوله.
﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿السِّرَّ:﴾ مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿السِّرَّ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿أَنْزَلَهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿غَفُوراً رَحِيماً:﴾ خبران ل: ﴿كانَ﴾ وجملة:
﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ:﴾ يعنون سيد الخلق، وحبيب الحق محمدا ﷺ . ﴿يَأْكُلُ الطَّعامَ:﴾ كما نأكل. ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾ أي: يلتمس المعاش، كما نلتمسه نحن، وإذا كان موصوفا بهذين الوصفين مثلنا؛ فمن أين له الفضل علينا؟ ولا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة، ولا يحق له أن يترفع علينا بشيء، وكانوا يقولون له: لست بملك؛ لأنك بشر مثلنا، والملك لا يأكل، ولا يملك؛ لأن الملك لا يتسوق، وأنت تتسوق، تبيع وتشتري في الأسواق. وما قالوه فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدميا، ولم يدّع أنه ملك، ومشيه في الأسواق لتواضعه. وكانت تلك صفته في التوراة، ولم يكن صخابا في الأسواق، وليس شيء من ذلك ينافي النبوة، ولم يدّع أنه ملك من الملوك. انتهى. خازن بتصرف.
وقال القرطبي: عيّروه بأكل الطعام؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكا، وعيّروه بالمشي في الأسواق حين رأوا الأكاسرة، والقياصرة، والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق، وكان ﷺ يخالطهم في أسواقهم، يأمرهم، وينهاهم، فقالوا: هذا يطلب أن يتملك علينا، فماله يخالف سيرة الملوك، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٠] الآتية، وإنما قالوا ما تقدم لعمههم، وقصور نظرهم على المحسوسات، فإن تميز الرسل عن سواهم ليس بأمور جسمانية، وإنما هو بأحوال نفسانية، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ...﴾. الآية آخر سورة (الكهف).
стр. 4062
﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: يصدقه، ويشهد له، ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ أي: داعيا إلى الله مرغبا في رحمته، مخوفا من عقابه، وانظر الآية رقم [١]. هذا؛ وفي الآية دليل على أن دخول الأسواق مباح للتجارة، وطلب المعاش لمن اتقى الله في بيعه، وشرائه، وكان ﷺ يدخلها لحاجته، وليذكر الخلق بأمر الله، ودعوته، ويعرض نفسه فيها على القبائل لتؤمن برسالته، ولم يكن فظّا ولا غليظا، ولا صخّابا في الأسواق.
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (لهذا): متعلقان بمحذوف خبره، والهاء حرف تنبيه لا محل له مقحم بينهما. ﴿الرَّسُولِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعربه صفة.
﴿يَأْكُلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّسُولِ﴾. ﴿الطَّعامَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الرَّسُولِ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال الاستفهام لتضمنه معنى الفعل: أستفهم، أو اسم الإشارة، وجملة: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ:﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول.
﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَلَكٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، كالجملة الاسمية: ﴿ما لِهذَا..﴾. إلخ. ﴿فَيَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، واسمه يعود إلى ﴿الرَّسُولِ﴾. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده، وقيل: متعلق بمحذوف حال. ولا وجه له. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿نَذِيراً:﴾ خبر (يكون)، و «أن» المضمرة والمضارع الناقص في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: فهلا نزول ملك من السماء، فيكون نذيرا معه؟! والجملة الفعلية ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨)﴾
الشرح: ﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي: ينزل عليه كنز من السماء ينفقه، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق لتحصيل معاشه. ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ:﴾ بستان فيه أنواع الثمار. ﴿يَأْكُلُ مِنْها﴾ أي: هو فلا أقل من ذلك إن لم يكن له كنز من ذهب، وانظر ما اقترحوه على رسول الله ﷺ في الآية رقم [٩٠] من سورة (الإسراء) وما بعدها تجد ما يسرك. هذا؛ ويقرأ:
«(نأكل)» بالنون.
﴿وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً:﴾ انظر الآية رقم [٤٧] من سورة (الإسراء) تجد فيها الكلام كافيا شافيا، وانظر شرح «الظلم» و (البغي) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج)،
стр. 4063
وانظر التعبير ب: ﴿الظّالِمِينَ﴾ عن الكافرين في الآية رقم [٢٨] من سورة (المؤمنون). وقد وضع الظالمين موضع الضمير تسجيلا عليهم بوصف الظلم، وتجاوز الحد.
الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُلْقى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَنْزٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أُنْزِلَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها.
﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُ﴾ مقدم. ﴿جَنَّةٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿يَأْكُلُ مِنْها﴾ على القراءتين في محل رفع صفة ﴿جَنَّةٌ﴾. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال):
ماض. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله، ومقتضى القياس الإضمار، غير أنه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوا. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿تَتَّبِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رَجُلاً:﴾ مفعول به. ﴿مَسْحُوراً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قالوا ما لهذا...) إلخ لا محل لها مثلها.
﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩)﴾
الشرح: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾ أي: اقترحوا عليك ما تقدم من نزول ملك من السماء يعاونك في تبليغ رسالتك، وإنزال كنز من السماء تنفقه على نفسك، أو يكون لك بستان فيه أنواع الثمار تتمتع فيه بحياتك، وتجد فيه هناءتك، وسرورك، كما أنهم مثلوك تارة بالساحر، وتارة بالشاعر، وتارة بالمجنون، وأخرى بالكاهن. ﴿فَضَلُّوا﴾ أي: فيما اقترحوا عليك، وفيما مثلوك به، وحاروا، وخرجوا عن جادة الحق والصواب في جميع تصرفاتهم، واقتراحاتهم، وأمثلتهم. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ أي: فلا يجدون طريقا وحيلة في صد الناس عنك، أو لا يجدون طريقا إلى الهدى والرشاد، والخطاب في ذلك للنبي ﷺ وحده. هذا؛ وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج)، وشرح (ضل) في الآية رقم [١٠٤] من سورة (الكهف)، ولا تنس: أن الآية مذكورة بحروفها كاملة برقم [٤٨]. من سورة (الإسراء).
الإعراب: ﴿اُنْظُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده.
﴿ضَرَبُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَمْثالَ:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ل: ﴿اُنْظُرْ﴾ المعلق عن العمل لفظا، وتقدير الكلام: انظر كيفية ضرب الأمثال لك. ﴿فَضَلُّوا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة
стр. 4064
الفعلية مع المعلق بها المحذوف معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. (لا): نافية.
﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، والفاء في الجملتين حرف عطف وسبب.
﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠)﴾
الشرح: ﴿تَبارَكَ الَّذِي:﴾ انظر الآية رقم [١] والمعنى هنا: تكاثر خير الذي إن شاء وهب لك في الدنيا خيرا مما قالوا، وهو أن يجعل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات، والقصور.
﴿إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ﴾ أي: من الذي قالوا وأفضل من البستان الذي ذكروا. ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي..﴾. إلخ: أي بيوتا مشيدة. فعن أبي أمامة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة ذهبا، قلت: لا يا ربّ، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما-أو قال: ثلاثا، أو نحو هذا-فإذا جعت؛ تضرعت إليك، وذكرتك، وإذا شبعت؛ حمدتك وشكرتك». وعن عائشة ﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «لو شئت؛ لسارت معي جبال مكة ذهبا، جاءني ملك، إنّ حجرته لتساوي الكعبة، فقال: يا محمد! ربّك يقرئك السّلام، ويقول: إن شئت نبيّا عبدا، وإن شئت نبيّا ملكا! فنظرت إلى جبريل، فأشار إليّ: أن ضع نفسك، فقلت: نبيّا عبدا».
قالت: فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك، لا يأكل متّكئا، يقول: «أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد». ذكر هذين الحديثين البغوي بسنده. انتهى. خازن. هذا؛ وذكر القرطبي: أن الملك الذي نزل على الرسول ﷺ ، وعرض عليه ما تقدم هو (رضوان) خازن الجنان، وساق الحديث مع تغيير في بعض ألفاظه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ و ﴿قُصُوراً﴾ جمع قصر، وهو البناء المشيد المتميز عن غيره بضخامة بنائه، وزخرفته. سمي بذلك؛ لقصور الفقراء عن تحصيله، وحبسهم عن نيله، والوصول إليه، أو لأن من فيه مقصور عن أن يوصل إليه، وقيل: العرب تسمي بيوت الطين: القصر، وما يتخذ من الصوف والشعر: البيت.
الإعراب: ﴿تَبارَكَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى الله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لَكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿جَعَلَ،﴾ وقيل: هما المفعول الثاني تقدم على الأول. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ ذلِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْراً﴾ لأنه أفعل تفضيل، فاعله مستتر فيه، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ لا محل لها؛
стр. 4065
لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية: ﴿إِنْ شاءَ جَعَلَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿تَبارَكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو مستأنفة. ﴿جَنّاتٍ:﴾ بدل من ﴿خَيْراً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾
فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية هذه في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿وَيَجْعَلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يجعل): مضارع معطوف على جواب الشرط، وهو ﴿جَعَلَ﴾ أي: على محله. هذا؛ ويقرأ بالرفع، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مستأنف، والثاني: أنه معطوف على جواب الشرط، وقال الزمخشري: لأن الشرط إذا وقع ماضيا جاز في جوابه الجزم، والرفع، وقال: وليس هذا مذهب سيبويه، بل مذهبه أن الجواب محذوف، وأن هذا المضارع منوي به التقديم، ومذهب المبرد والكوفيين: أنه جواب على حذف الفاء، ومذهب آخرين: أنه جواب لا على حذفها، بل لما كان الشرط ماضيا ضعيف تأثير: ﴿إِنْ﴾ فيه، فارتفع. قلت: فالزمخشري بنى قوله على هذين المذهبين. ثم قال الشيخ: وهذا التركيب جائز فصيح، وزعم بعض أصحابنا أنه لا يجيء إلا في الضرورة. انتهى. جمل نقلا عن السمين.
هذا؛ وذكر الزمخشري قول زهير بن أبي سلمى المزني في مدح هرم بن سنان: [البسيط]
وإن أتاه خليل يوم مسغبة... يقول لا غائب مالي ولا حرم
وقايس بينه وبين الآية، ولا وجه له؛ لأن الجواب في الآية مذكور، وفيها عطف (يجعل) على الجواب، والجواب في البيت غير مذكور، لذا قيلت فيه الأقوال الكثيرة، وأوّل التأويلات المتعددة. وينبغي أن تعلم أن بيت زهير هو الشاهد رقم [٧٨٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، انظر شرحه وإعرابه وما قيل فيه هناك؛ تجد ما يسرك. هذا؛ ولم يقرأ الفعل (يجعل) بالنصب، ولو قرئ؛ لطبقت القاعدة المشهورة عليها، وهي: «إذا عطف على جواب الشرط مضارع بالواو، أو بالفاء جاز جزمه، ورفعه، ونصبه» وآية البقرة رقم [٢٨٣] هي التي طبقت القاعدة المذكورة عليها لقراءة الفعل (فيغفر) بالأوجه الثلاثة، وإذا عطف بالواو أو بالفاء مضارع على فعل الشرط جاز جزمه ونصبه، ويمتنع الرفع. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته مقررا القاعدتين المذكورتين: [الرجز]
والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفاء، أو الواو بتثليث قمن
وجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو ان بالجملتين اكتنفا
وفاعل (يجعل) يعود إلى (الله) تعالى. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: هما في محل المفعول الثاني. ﴿قُصُوراً:﴾ مفعول به.
стр. 4066
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً (١١)﴾
الشرح: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ أي: فقصرت أنظارهم على الدنيا وحطامها الفاني، وظنوا:
أن الكرامة إنما هي بالمال، فطعنوا فيك بفقرك. أو المعنى: فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب؟ وكيف يصدقون بتحقيق ما وعدك في الآخرة، وهم لا يؤمنون بها؟ ﴿وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً﴾ أي: وهيأنا للمكذبين بها نارا شديدة الاستعار. وقيل: هو اسم لواد من أودية جهنم، فيكون صرفه باعتبار المكان. هذا؛ والمراد ب: (الساعة) يوم القيامة، وانظر الآية رقم [٩٦] من سورة (الأنبياء) وانظر شرح (السعير) في الآية رقم [٤] من سورة (الحج). هذا؛ و (أعتدنا) دليل واضح على وجود النار الآن كما أن الجنة موجودة الآن، لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، تبتدأ بعده الجمل. ﴿كَذَّبُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالسّاعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (أعتدنا):
فعل، وفاعل. ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة:
﴿كَذَّبَ بِالسّاعَةِ:﴾ صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿سَعِيراً:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿وَأَعْتَدْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.
﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢)﴾
الشرح: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: من مسيرة خمسمئة عام، وتأنيث الفاعل، وهو عائد على ﴿سَعِيراً؛﴾ لأنه بمعنى النار، أو جهنم. ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ أي: سمعوا لها صوت التغيظ، شبّه صوت غليانها بصوت المغتاظ، وزفيره، وهو صوت يسمع من جوفه. هذا؛ وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبنية؛ أمكن أن يخلق الله فيها حياة، فترى، وتتغيظ، وتزفر، وقيل: إن ذلك لزبانيتها، فنسب إليها على حذف المضاف. انتهى. بيضاوي.
قال القرطبي: والأول أصح لما روي مرفوعا: أن رسول الله ﷺ قال: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ بين عيني جهنم مقعدا!». قيل: يا رسول الله! ولها عينان؟! قال: «أما سمعتم الله يقول: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ..﴾. إلخ. يخرج عنق من النار، له عينان تبصران، ولسان ينطق، فيقول: وكّلت بكلّ من جعل مع الله إلها آخر، فلهو أبصر بهم من الطّير بحبّ السّمسم فيلتقطه».
وخرج الترمذي من حديث أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكّلت بثلاثة: بكلّ جبّار عنيد، وبكلّ من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصوّرين». انتهى. قرطبي.
стр. 4067
بعد هذا انظر شرح ﴿يَسْمَعُ﴾ في الآية رقم [٤٥] من سورة (الأنبياء). بقي أن تعلم: أن التغيظ يرى بظهوره على وجه المغتاظ، ولا يسمع، والزفير يسمع؛ لأنه صوت يخرج من الصدر حتى تنتفخ منه الضلوع، فكيف جمع بينهما في السماع؟! وهو مؤول على أن المعنى: رأوا لها تغيظا، وسمعوا لها زفيرا. قال الشاعر: [مجزوء الكامل]
ورأيت زوجك في الوغى... متقلّدا سيفا ورمحا
أي: وحاملا رمحا؛ لأن الرمح لا يتقلد. ولنا كلام طويل في آية (الحشر) في قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ إن شاء الله تعالى، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَأَتْهُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿سَعِيراً﴾ وانظر الشرح، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿مِنْ مَكانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة (مكان). ﴿سَمِعُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَها:﴾
متعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف حال مما بعدها، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا.
﴿تَغَيُّظاً:﴾ مفعول به. (زفيرا): معطوف على ما قبله، وانظر الشرح، وجملة: ﴿سَمِعُوا..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل نصب صفة ﴿سَعِيراً﴾.
﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها﴾ أي: من النار. ﴿مَكاناً ضَيِّقاً:﴾ قال ابن عباس-﵄: تضيق عليهم النار، كما يضيق الزّج في الرمح. هذا؛ وإن الكرب يشتد مع الضيق، كما أن الراحة، والهدوء، والطمأنينة تزيد مع السعة؛ ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض. ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد، والأعمال، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ،﴾ أو قرنوا مع الشياطين لقوله تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي: قرناءهم من الشياطين، أو قرنوا مع ما اكتسبوا من العقائد الزائفة، والملكات الباطلة، لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ..﴾. إلخ. أو المعنى قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، ومعنى ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ مشدودين في الأغلال والقيود، قال عمرو بن كلثوم في معلقته: [الوافر]
فآبوا بالنّهاب وبالسّبايا... وأبنا بالملوك مقرّنينا
стр. 4068
قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾. ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً﴾ أي: هلاكا، يتمنون الهلاك، وينادونه، فيقولون: يا ثبوراه تعال، فهذا أوانك وحينك، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «أوّل من يقوله إبليس، وذلك: أنّه أوّل من يكسى حلّة من النار، فتوضع على حاجبيه، ويسحبها من خلفه، وذرّيّته من خلفه، وهو يقول: واثبوراه». انتهى. قرطبي. هذا؛ وإعلال ﴿دَعَوْا﴾ مثل ﴿تَوَلَّوْا﴾ في الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنبياء)، وأصل ﴿أُلْقُوا:﴾ «ألقيوا» فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية السابقة. ﴿أُلْقُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَكاناً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿مَكاناً:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والأصل: في مكان، فلما حذف الجار انتصب على الظرفية. ﴿ضَيِّقاً:﴾ صفة ﴿مَكاناً﴾. ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿دَعَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب إذا، لا محل لها، وإذا ومدخولها معطوف على مثله في الآية السابقة فهو في محل نصب صفة مثله، والضمير في منها عائد على ﴿سَعِيراً﴾ في الآية رقم [١١]، وانظر تأويله في الآية السابقة. ﴿هُنالِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلق بالفعل قبله، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿ثُبُوراً:﴾
مفعول مطلق، عامله محذوف، أي: ثبرنا ثبورا، قاله الزجاج: وقال أبو البقاء عامله: ﴿دَعَوْا﴾ من غير لفظه. وقيل: هو مفعول به للفعل قبله، وقيل: هو منادى، انظر الشرح.
﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَاُدْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤)﴾
الشرح: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً﴾ أي: يقال لهم: لا تدعوا... إلخ. ﴿وَادْعُوا ثُبُوراً:﴾
هلاكا. ﴿كَثِيراً﴾ أي: لأن عذابكم أنواع كثيرة، كل نوع منها ثبور لشدته، أو لأنه يتجدد على حد قوله تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ أو لأن العذاب لا ينقطع فهو في كل وقت ثبور. وقال القرطبي: وقال ﴿ثُبُوراً﴾ لأنه مصدر يقع للقليل والكثير، ولذلك لم يجمع، وهو كقولك: ضربته ضربا كثيرا، وقعد قعودا طويلا. ونزلت الآيات في ابن خطل وأصحابه.
стр. 4069
الإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله.
﴿ثُبُوراً:﴾ يقال فيه: ما قيل في الآية السابقة. ﴿واحِداً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول محذوف، التقدير: يقال لهم: لا تدعوا، وهذه الجملة المقدرة معطوفة على جملة: ﴿وَادْعُوا..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَادْعُوا:﴾ الواو:
حرف عطف. (ادعوا): فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ثُبُوراً:﴾ هو مثل سابقه. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة له. ﴿وَادْعُوا..﴾. إلخ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.
﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥)﴾
الشرح: ﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ:﴾ الإشارة: إلى العذاب المذكور في الآيات السابقة، والاستفهام، والتفضيل، والترديد للتقريع مع التهكم. أو: إلى الكنز، والجنة المذكورين في الآية رقم [٨]. وإضافة (الجنة) إلى ﴿الْخُلْدِ﴾ للمدح، أو للدلالة على خلودهم، وعدم فنائها، أو للتمييز عن جنات الدنيا. ﴿كانَتْ لَهُمْ:﴾ في علم الله القديم الأزلي، أو في اللوح المحفوظ، أو لأن ما وعده الله المتقين في تحققه كالواقع، كأنه قد كان مكتوبا في اللوح المحفوظ، قيل: أن يخلقهم الله بأزمنة متطاولة: أن الجنة مالهم، ومصيرهم جزاء لهم على أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: إن قيل: كيف قال: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ﴾ ولا خير في النار؟! فالجواب أن سيبويه حكى عن العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم: أن السعادة أحبّ إليه. وقيل: ليس هو من باب: أفعل منك، وإنما هو كقولك: عنده خير، قال النحاس:
وهذا قول حسن، كما قال حسان-﵁-يمدح النبي ﷺ ، ويهجو أبا سفيان: [الوافر]
أتهجوه، ولست له بكفء؟! ... فشرّ كما لخير كما الفداء
وقيل: إنما قال ذلك على معنى: علمكم واعتقادكم أيها الكفار، وذلك أنهم لما كانوا يعملون عمل أهل النار، صاروا كأنهم يقولون: إن في النار خيرا. انتهى. أقول: وما آية (يوسف) رقم [٣٩] منك ببعيد.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَذلِكَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ وتقريع. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿جَنَّةُ:﴾ معطوف على اسم الإشارة، وهو مضاف،
стр. 4070
و ﴿الْخُلْدِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة الجنة.
﴿وُعِدَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْمُتَّقُونَ:﴾ نائب فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، وهو العائد؛ إذ التقدير: وعدها المتقون، وهذه الجملة صلة الموصول لا محل لها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى (الجنة). ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿كانَتْ؛﴾ لأنه يصح التعليق بالفعل الناقص على المعتمد، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿جَزاءً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿جَزاءً:﴾ خبر (كانت). ﴿وَمَصِيراً:﴾ معطوف عليه بالواو العاطفة، وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿جَنَّةُ الْخُلْدِ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وساغ ذلك؛ لأن الفعل كان من أفعال الاستمرار، كما قد نبهت عليه مرارا، وجملة: ﴿قُلْ أَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦)﴾
الشرح: ﴿لَهُمْ:﴾ للمتقين. ﴿فِيها:﴾ في جنة الخلد. ﴿ما يَشاؤُنَ:﴾ من النعيم، ولعله يقصر همّ كل طائفة على ما يليق برتبتها؛ لأن الظاهر: أن الناقص لا يدرك شيئا مما هو للكامل بالتشهي. وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة، وما فيها من النعيم دائم؛ لأن من تمام النعيم أن يكون دائما؛ إذ لو انقطع لكان مشوبا بضرب من الغم، وأنشد في المعنى: [الوافر]
أشدّ الغمّ عندي في سرور... تيقّن عنه صاحبه انتقالا
وينبغي أن تعلم: أن الله يزيل كل خاطر عن أهل الجنة مما هو مستحيل وجوده في الجنة كتشهي الولد، بل كل واحد من أهل الجنة مشتغل بما هو فيه من اللذات الشاغلة عن الالتفات إلى غيره. ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً﴾ أي: وعد الله عباده المؤمنين إذا دعوه، وسألوه من كرمه، وجوده أن ينيلهم مسؤولهم، فلذا سألوه بقولهم: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ وقالوا: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ،﴾ وكذلك الملائكة طلبوا للمؤمنين، وسألوا ربهم بقولهم: ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ..﴾. إلخ وما في: ﴿عَلى﴾ من معنى الوجوب لامتناع الخلف في وعده، ولا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز، فإن تعلق الإرادة بالموعود مقدم على الوعد الموجب للإنجاز.
الإعراب: ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾
متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع
стр. 4071
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل نصب حال ثانية من جنة الخلد.
و ﴿يَشاؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي يشاؤونه. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب فهي حال متداخلة من وجه، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله ضمير مستتر فيه.
﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما،﴾ أو يعود على الوعد المفهوم من قوله: ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾. ﴿عَلى رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من وعدا، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وقال أبو البقاء: متعلقان بخبر ﴿كانَ﴾ والمعنى لا يؤيده، ولو قال: متعلقان ب: ﴿كانَ﴾ نفسها؛ لكان مقبولا، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَعْداً:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿مَسْؤُلاً:﴾ صفة وعدا، وجملة: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ:﴾ يقرأ الفعل بالياء، والنون، والحشر: الجمع، والمراد: بعثهم للحساب، والجزاء. ﴿وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: غير الله من الملائكة، وعيسى، وعزير، والجن، فيكون قد خص العقلاء لقرينة السؤال، والجواب، فتكون (ما) مستعملة في العقلاء فقط، وهذا وجه أول، والوجه الثاني: أن المراد: ما عبد من دون الله جميعا العقلاء وغيرهم، وغلب غير العاقل على العاقل. والوجه الثالث: أن المراد: ما لا يعقل فقط، والله قادر على أن ينطق الحجارة التي عبدت من دون الله تعالى، أو تتكلم بلسان الحال، كما قيل: في شهادة الأيدي والأرجل، كما رأيت في الآية رقم [٢٤] من سورة (النور). ﴿فَيَقُولُ﴾ أي: الله تعالى للمعبودين. وقرئ الفعل بالنون. ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي:﴾ أو قعتموهم في الضلال بأمركم إياهم بعبادتكم. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: خرجوا عن الصراط المستقيم بإرادتهم. والمراد ب:
﴿السَّبِيلَ﴾ دين الإسلام، وتعاليمه السمحة.
تنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فالله سبحانه قد سبق في علمه بالمسؤول عنه؛ فما فائدة هذا السؤال؟ قلت: فائدته: أن يجيبوا بما أجابوا به حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم، فيبهتوا، وينخذلوا، وتزيد حسرتهم، ويكون ذلك نوعا مما يلحقهم من غضب الله، وعقابه، ويغتبط المؤمنون، ويفرحوا بحالهم، ونجاتهم من فضيحة أولئك، وليكون حكاية ذلك في القرآن لطفا للمكلفين، وفيه كسر بيّن لقول من يزعم: أن الله يضل عباده على الحقيقة حيث يقول للمعبودين من دونه: أأنتم أضللتموهم أم هم ضلوا بأنفسهم؟ فيتبرؤون من
стр. 4072
إضلالهم، ويستعيذون به أن يكونوا مضلين، ويقولون: بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وآبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر سبب الكفر، ونسيان الذكر، وكان ذلك سبب هلاكهم، فإذا برأت الملائكة، والرسل أنفسهم من نسبة الإضلال الذي هو عمل الشياطين إليهم، واستعاذوا منه؛ فهم لربهم الغني العدل أشد تبرئة، وتنزيها منه، ولقد نزهوه حين أضافوا إليه التفضيل بالنعمة، والتمتيع بها، وأسندوا نسيان الذكر، والتسبب للبوار إلى الكفرة، فشرحوا الإضلال المجازي الذي أسنده الله إلى ذاته في قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ ولو كان هو المضل على الحقيقة؛ لكان الجواب العتيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم. انتهى. كشاف، وهذا مبني على مذهبه في الاعتزال وهو أن العبد يخلق أفعال نفسه، وهذا بخلاف مذهب أهل السنّة، وهو أن الله خالق للعبد، ولعمله. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٤] من سورة (النمل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر.
﴿يَحْشُرُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل تقديره:
«هو» يعود إلى الله، أو تقديره: «نحن» على قراءته بالنون، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير:
والذي يعبدونه. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و ﴿يَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: «اذكر يوم...» إلخ المقدرة معطوفة على جملة: ﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَيَقُولُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يقول): فعل مضارع، والفاعل تقديره: «هو»، أو: «نحن» على القراءتين. ﴿أَأَنْتُمْ:﴾
الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿أَضْلَلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عِبادِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء حرف تنبيه لا محل له. و (أولاء) اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب بدل من ﴿عِبادِي،﴾ أو هو نعت له، أو عطف بيان عليه، وجملة: ﴿أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:
(يقول...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَحْشُرُهُمْ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَحْشُرُهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿ضَلُّوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿السَّبِيلَ:﴾
مفعول به، أو هو منصوب بنزع الخافض؛ إذ الأصل: «عن السبيل». وجملة: ﴿ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿يَحْشُرُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.
стр. 4073
﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال المعبودون من دون الله. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ تنزيها لك عن الأنداد، والشركاء. وقال البيضاوي: تعجبا مما قيل لهم؛ لأنهم إما ملائكة، أو أنبياء معصومون، أو جمادات لا تقدر على شيء، أو إشعار بأنهم الموسومون بتسبيحه، وتوحيده، فكيف يليق بهم إضلال عبيده، أو تنزيها لله عن الأنداد. ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ أي: ما صح، وما استقام لنا أن نوالي أعداءك، بل أنت ولينا من دونهم. وقيل: معناه: ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا، ونحن عبيدك. ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ:﴾ بطول العمر، والصحة، والنعمة في الدنيا على جميع أنواعها، فاستغرقوا في الشهوات. ﴿حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ أي: أعرضوا عن المواعظ، والإيمان بالقرآن، وقيل: تركوا ذكرك، وغفلوا عنه، فأشركوا بك بطرا، وجهلا، حتى عبدونا من غير أن نأمرهم به. ﴿وَكانُوا قَوْماً بُوراً﴾ أي: هلكى، قاله ابن عباس-﵄-مأخوذ من البوار، وهو الهلاك، وقال بعضهم: الواحد: بائر، والجمع: بور، كما يقال: عائذ، وعوذ، وقيل:
﴿بُوراً﴾ عميا عن الحق، والبوار: الهلاك.
وفي المصباح: بار الشيء يبور بورا بالضم: هلك، وبار الشيء بوارا: كسد على الاستعارة؛ لأنه إذا ترك صار غير منتفع به، فأشبه الهالك من هذا الوجه، ورجل بائر: فاسد، لا خير فيه، وفي الأساس: (فلان له نوره، وعليك بوره) أي: هلاكه، ونزلت بوار على الكفار، أي: هلاك، ومن المجازات: بارت البياعات: كسدت، وسوق بائرة، وبارت الأيم: إذا لم يرغب فيها، وكان الرسول الله ﷺ يتعوذ من بوار الأيم. وبارت الأرض: إذا لم تزرع، وأرض بوار، وأرضون بور. ودار البوار: جهنم، قال تعالى في حق زعماء الكفار: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ الآية رقم [٢٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾
فعل ماض ناقص، واسمه ضمير الشأن محذوف. ﴿يَنْبَغِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿نَتَّخِذَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿كانَ﴾ والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:
«نحن». ﴿مِنْ دُونِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما المفعول الثاني له، والكاف
стр. 4074
في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من أولياء، كان صفة له فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا».
﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وقرئ: «(نتّخذ)» بالبناء للمجهول، وعليه فنائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن»، وهو المفعول الأول، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نَتَّخِذَ﴾ في محل رفع فاعل ﴿يَنْبَغِي،﴾ وجملة: ﴿يَنْبَغِي لَنا..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ زائدة فالمعنى لا يأباه، وتكون جملة: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وتكون الجملة، والكلام مثل قوله تعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ الآية رقم [٩٢] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وإن اعتبرت الكلام من باب التنازع؛ فتكون ﴿كانَ﴾ و ﴿يَنْبَغِي﴾ قد تنازعا في المصدر المؤول، فيعمل فيه أحدهما، ويضمر في الآخر على الاختلاف بين البصريين، والكوفيين أيهما أولى، فالمعنى لا يأباه، وتبقى جملة: ﴿يَنْبَغِي﴾ في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك، مهمل لا عمل له. ﴿مَتَّعْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَآباءَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آباءهم):
معطوف على الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر.
﴿نَسُوا:﴾ ماض مبني على الضم في محل نصب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الذِّكْرَ:﴾ مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل ﴿نَسُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: واو الحال.
(كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْماً:﴾ خبر كان. ﴿بُوراً:﴾ صفة له، وجملة (كانوا...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وساغ ذلك؛ لأن الفعل (كان) من أفعال الاستمرار، وإن اعتبرت الجملة الفعلية مستأنفة؛ فلست مفندا، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩)﴾
الشرح: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ﴾ أي: يقول الله عند تبري المعبودين. والخطاب مع المشركين. وقال ابن زيد: المعنى: فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد ﷺ . وعلى هذا فمعنى: ﴿بِما تَقُولُونَ﴾ أي: من الحق. ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً﴾ أي:
стр. 4075
للعذاب. وهذا على القول الأول، والمعنى على قول ابن زيد: فما يستطيعون لكم صرفا عن الحق الذي هداكم الله إليه. ﴿وَلا نَصْراً﴾ أي: من الله، وهذا على القول الأول، وعلى القول الثاني: ولا نصرا؛ لأنفسهم مما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم، وقرئ الفعل:
﴿تَقُولُونَ﴾ بالتاء والياء. ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ أي: يشرك؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومن جعل المخلوق شريك خالقه؛ فقد ظلم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. هذا؛ وقيل: إن الخطاب يعم جميع المكلفين من المسلمين والكافرين، فيكون الشرط للعموم، ويشمل الظلم الشرك، وجميع المنكرات. ﴿نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً:﴾ فسر العذاب بالخلود في النار، وهو يليق بالمشرك، دون الفاسق إلا على قول المعتزلة والخوارج القائلين بتخليد الفاسق في النار. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ..﴾. إلخ التفاتا من الغيبة إلى الخطاب.
الإعراب: ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: زائدة على تقدير: «القول» قبلها، وقيل: الفاء الفصيحة، وليس بقوي. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبُوكُمْ:﴾ ماض، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ أي: فيقول الله لهم: فقد كذبوكم... إلخ. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِما:﴾
الباء: حرف جر. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء تقولونه. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف تفريع وعطف. (ما): نافية. ﴿تَسْتَطِيعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿صَرْفاً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي.
﴿نَصْراً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَظْلِمْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والمفعول محذوف، تقديره: نفسه، أو غيره. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر العائد على (من)، و (من) بيان لما أبهم فيها. ﴿نُذِقْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به ثان. ﴿كَبِيراً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿نُذِقْهُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين.
والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة بالنسبة لما قبلها، وهي من مقول الله تعالى المقدر.
стр. 4076
﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ..﴾. إلخ: هذا رد لقول المشركين في الآية رقم [٧]. قال ابن عباس-﵄: لمّا عير المشركون رسول الله ﷺ بالفاقة، وقالوا: ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ..﴾. إلخ حزن النبي ﷺ لذلك، فنزلت تعزية له، فقال جبريل ﵇:
السّلام عليك يا رسول الله! الله ربك يقرئك السّلام، ويقول لك: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ..﴾. إلخ.
ومعنى الآية: أن هذه عادة مستمرة من الله تعالى على رسله، فلا وجه لهذا الطعن، وما أنا إلا رسول، وما كنت بدعا من الرسل، وهم كانوا مثلي (يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق).
﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ أي: إن الدنيا دار ابتلاء، وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس: مؤمن، وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني. ومعنى هذا: أن كل واحد مختبر بصاحبه، فالغني ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه، ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني، عليه ألا يحسده، ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق.
فعن أبي الدرداء-﵁: أنه سمع النبي ﷺ أنه قال: «ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السّلطان، وبعضهم لبعض فتنة وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ»﴾. أسنده الثعلبي، تغمده الله برحمته.
وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وغيره من الزعماء حين رأوا أبا ذر، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما من فقراء المسلمين، فقالوا على سبيل الاستهزاء: أنسلم، فنكون مثل هؤلاء؟! ولا تنس: الالتفات من المفرد إلى الجمع.
﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ أي: على هذه الحالة من الفقر، والشدة، والأذى. ولهمزة الاستفهام معادل، تقديره: أم لا تصبرون، وهو يقتضي جوابا، كما قال المزني: بلى ربنا! نصبر، ونحتسب. ونظير هذه الجملة قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. ولما صبر المؤمنون الأولون؛ أنعم الله عليهم بنعم لا تعد، ولا تحصى، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا﴾. ﴿وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ أي: بكل امرئ، وبمن يصبر، أو يجزع، ومن يؤمن، ومن لا يؤمن، وبمن أدى ما عليه من الحق، ومن لا يؤدي. وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁، يبلغ به النبي ﷺ قال: «إذا نظر أحدكم إلى من فضّل عليه بالمال والجسم، فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم». أخرجه البخاري، وغيره. ولمسلم
стр. 4077
«انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم».
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.
﴿قَبْلَكَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال، وليس بقوي، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، واعتبرت مثله في الآية رقم [٢٥] من سورة (الأنبياء) مفعولا به.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَيَأْكُلُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يأكلون): مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿الطَّعامَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الْمُرْسَلِينَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، قال أبو البقاء: إذ المعنى إلا وهم يأكلون، وهو قول ابن هشام في المغني. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي كعادتهما: الجملة صفة لموصوف محذوف. والمعنى عندهم: وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين، وماشين.
وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور، أي: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ونحوه قوله تعالى: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ والأول أقوى، وجملة: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (جعلنا): فعل، وفاعل.
﴿بَعْضَكُمْ:﴾ مفعول به أول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (فتنة) كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَتَصْبِرُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام.
(تصبرون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، وانظر الشرح.
﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. وهو من أفعال الاستمرار.
﴿رَبُّكَ:﴾ اسم (كان) والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بَصِيراً:﴾ خبر (كان) والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ:﴾ لا يؤملون، وأصل الرجاء: الأمل في الشيء، والطماعية فيه، قال الشاعر: [الوافر]
أترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب
стр. 4078
وقيل: معنى ﴿لا يَرْجُونَ﴾ هنا: لا يبالون، قال خبيب بن عدي-﵁: [الطويل]
لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما... على أيّ جنب كان في الله مصرعي
وقد يأتي الرجاء بمعنى الخوف، وبه فسر كثير من المفسرين الآية هنا، وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال، أي الذي يقطف عسل النحل: [الطويل]
إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل
وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد، أي: النفي، كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى، وهو المعتمد. ﴿لِقاءَنا﴾ أي: بالبعث، والحشر، والنشر، ولا يؤملون خيرا، أو لا يخافون لقاءنا بالشر، وأصل اللقاء: الوصول إلى الشيء، ومنه الرؤية، فإنه وصول إلى المرئي، وأصل «لقاء» لقاي؛ لأنه من: لقي، فقل في إعلاله: تحركت الياء، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين.
﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ﴾ فيخبروننا بصدق محمد ﷺ ، أو يكونون رسلا إلينا من دونه. ﴿أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ أي: جهرة، وعيانا، فيأمرنا بتصديقه، واتباعه. ونظيره الآية رقم [٩٤] و [٩٥] من سورة (الإسراء).
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: تعظموا. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في شأنها حتى أرادوا لها ما يتفق للأفراد من الأنبياء، الذين هم أكمل خلق الله في أكمل أوقاتها، وما هو أعظم من ذلك. ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً﴾ أي: تجاوزوا الحد في الظلم تجاوزا بالغا أقصى مراتبه؛ حيث عاينوا المعجزات القاهرة، فأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية؛ لأن الملائكة لا ترى إلا عند الموت، أو عند نزول العذاب، والله تعالى لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، فلا عين تراه. هذا؛ والعتو: العناد، والطغيان، والعاتي: المجاوز للحد في الاستكبار، والعاتي: الجبار أيضا. وقيل: العاتي: هو المبالغ في ركوب المعاصي، المتمرد الذي لا يقع منه الوعظ، والتنبيه موقعا. انتهى. مختار. وانظر الآية رقم [٨] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وقال الزمخشري: وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ التعجب، ألا ترى: أن المعنى: ما أشد استكبارهم، وما أكبر عتوهم!. انتهى.
الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ صلة الموصول لا محل لها.
﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان
стр. 4079
بالفعل قبلهما. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَوْ:﴾
حرف عطف. ﴿نَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿رَبَّنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَقَدِ:﴾ اللام:
واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿اِسْتَكْبَرُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. (عتوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَتَوْا:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَبِيراً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَعَتَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ﴾ أي: عند الموت، وقيل: يوم القيامة، وعلى الأول فالمراد:
ملائكة الموت، وعلى الثاني فالمراد: ملائكة العذاب. ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ:﴾ وذلك أن ملائكة الرحمة تبشر المؤمنين بالجنة، والرحمة، ويقولون للمجرمين: لا بشرى لكم بالخير، ولا بشارة لكم بالجنة، كما بشر المؤمنون. ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً:﴾ قال ابن عباس-﵄: تقول الملائكة: حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقيل: إذا خرج الكفار من قبورهم تقول الملائكة لهم: حراما محرما عليكم أن تكون لكم البشرى. وقيل: هذا قول الكفار للملائكة، وذلك أن العرب كانت إذا نزلت بهم شدة، ورأوا ما يكرهون قالوا: حجرا محجورا، فهم يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة.
ومعنى الآية على ذلك: أنهم يطلبون نزول الملائكة، وهم إذا رأوهم عند الموت أو يوم القيامة؛ كرهوا لقاءهم، وفزعوا منهم؛ لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون، وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو الموتور وشدة النازلة. هذا؛ وانظر شرح الملائكة في الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأنبياء) أما ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فالتنوين ينوب عن جملة محذوفة دل عليها ما قبلها؛ أي: يرون الملائكة و (إذ) مضافة لهذه الجملة في الأصل، فحذفت الجملة، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في: صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما.
стр. 4080
هذا؛ والحجر يطلق على أشياء كثيرة: حجر الإنسان بفتح الحاء وكسرها، وهو ما بين يديه من ثوبه، ويقال: نشأ فلان في حجر فلان؛ أي: تحت رعايته، وعنايته، وهو بفتح الحاء: المنع من التصرفات المالية لصغر، أو سفه، أو فلس، وغير ذلك، والحجر بكسر الحاء، يطلق على الفرس الأنثى، وعلى العقل، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ،﴾ ويطلق على حجر إسماعيل بجوار الكعبة المعظمة، وعلى حجر ثمود؛ أي: بلادهم، وعلى الحرام، كما في هذه الآية، وقال الشاعر: [الطويل]
ألا أصبحت أسماء حجرا محرّما... وأصبحت من أدنى حموّتها حما
أراد: ألا أصبحت أسماء حراما محرما. قاله رجل كانت له امرأة، فطلقها، وتزوجها أخوه. أي: أصبحت أخا زوجها بعد ما كنت زوجها. وقد نظم بعضهم المعاني المتقدمة بقوله: [البسيط]
ركبت حجرا، وطفت البيت خلف الحجر... وحزت حجرا عظيما في دخول الحجر
لله حجر منعني من دخول الحجر... ما قلت حجرا، ولو أعطيت ملء الحجر
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ قال أبو البقاء: في العامل فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اذكر يوم، والثاني:
يعذبون يوم، والكلام الذي بعده يدل عليه، والثالث: لا يبشرون يوم يرون، ولا يجوز أن تعمل فيه البشرى لأمرين: أحدهما: أن المصدر لا يعمل فيما قبله. والثاني: أن المنفي لا يعمل فيما قبل «لا». ﴿يَرَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿بُشْرى:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على فتح مقدر على الألف في محل نصب. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ فيه أوجه: أحدها: هو تكرير ل: ﴿يَوْمَ﴾ الأول، أي: تأكيد له. والثاني: هو خبر ﴿بُشْرى﴾ فيعمل فيه المحذوف، والجار والمجرور ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ تبيين، أو خبر ثان. والثالث: أن يكون الخبر ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ والعامل في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ما يتعلق به اللام. والرابع: أن يعمل فيه ﴿بُشْرى﴾ إذا قدرت أنها منونة غير مبنية مع ﴿لا،﴾ ويكون الخبر ﴿لِلْمُجْرِمِينَ،﴾ وسقط التنوين لعدم الصرف، ولا يجوز أن يعمل فيه بشرى؛ إذا بنيتها مع ﴿لا﴾. انتهى. وقال ابن هشام في المغني: ألا ترى أن اليوم لو علق ب: ﴿بُشْرى﴾ لم يصح من وجهين: أنه مصدر، وأنه اسم ل ﴿لا،﴾ انتهى. و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
والجملة الاسمية: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، تقديره: تقول الملائكة، أو يقولون، فعلى الأول: الجملة في محل نصب حال من ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ وعلى الثاني: الجملة في محل نصب حال من واو الجماعة، وعلى الوجهين الرابط الضمير فقط. (يقولون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿حِجْراً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف
стр. 4081
واجب الحذف. ﴿مَحْجُوراً:﴾ تأكيدا لما قبله؛ أي: فهو صفة مؤكدة، والجملة الناتجة من المصدر، وفعله المحذوف في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَرَوْنَ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها.
﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣)﴾
الشرح: ﴿وَقَدِمْنا..﴾. إلخ: أي: وعمدنا إلى ما عمل الكفار في كفرهم من أعمال صالحات كقرى الضيف، وصلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وبر الوالدين، والإحسان إلى اليتيم، والأرملة، والمسكين، فأحبطناه لفقد الشرط الأساسي لقبول عمل البر، وهو الإيمان بالإسلام، وبمحمد ﷺ . ففي الآية الكريمة تشبيه حال الكفار، وأعمالهم بحال قوم استعصوا سلطانهم، فقدم إلى أشيائهم، وقصد إلى ما تحت أيديهم، فأفسدها، فمزقها وأبطلها، ولم يبق لها أثرا.
والهباء: غبار يرى في شعاع الشمس يدخل من كوة في بيت مظلم. فقد شبه عملهم المحبط في حقارته، وعدم نفعه بالهباء المنثور الذي لا يمكن نظمه، والانتفاع به، ولا يمس بالأيدي، ولا يرى في الظل. ولا تنس: أن في الكلام استعارة عن كونه لا يقبل الاجتماع، ولا يقع به الانتفاع، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٩] من سورة (النور) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا؛ ومثل هذه الآية في معناها، ومغزاها قوله تعالى في الآية رقم [١٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾.
الإعراب: ﴿وَقَدِمْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قدمنا): فعل، وفاعل. ﴿إِلى:﴾ حرف جر.
﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب ﴿إِلى،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلى الذي، أو إلى شيء عملوه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ عَمَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، وجملة: ﴿وَقَدِمْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَجَعَلْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (جعلناه): فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿هَباءً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مَنْثُوراً:﴾ صفة ﴿هَباءً،﴾ وقيل: من تعدد المفعول الثاني، ولا وجه له، وجملة: ﴿فَجَعَلْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤)﴾
الشرح: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ:﴾ يوم القيامة. ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا:﴾ مكانا يستقر فيه في أكثر الأوقات للتجالس، والتحادث، و ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً:﴾ مكانا يأوون إليه للاسترواح بالأزواج،
стр. 4082
والتمتع بهن، تجوزا له من مكان القيلولة على التشبيه، كما أن المترفين في الدنيا يعيشون على ذلك الترتيب، ولا نوم في الجنة، ولكن الله تعالى سمى مكان استراحتهم إلى الحور العين، وأزواجهم اللاتي دخلن معهم الجنة مقيلا على طريق التشبيه، وانظر ما ذكرته في مثل هذا التفضيل في الآية رقم [١٥]. هذا؛ وقد جعل المؤمنون المطيعون ربّهم أصحاب الجنة؛ بمعنى:
مالكيها؛ لملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها. وقل مثله في أصحاب النار. والمقيل: مكان القيلولة.
الإعراب: ﴿أَصْحابُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْجَنَّةِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم):
ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر أول، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ووقع ظرف الزمان خبرا عن الجثة؛ لأنه أفاد فائدة، قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز]
ولا يكون اسم زمان خبرا... عن جثّة، وإن يفد فأخبرا
﴿خَيْرٌ:﴾ خبر ثان، ﴿مُسْتَقَرًّا:﴾ تمييز. ﴿وَأَحْسَنُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مَقِيلاً:﴾ تمييز أيضا، وقد حذف المفضل عليه، والتقدير: خير مستقرا من مستقر أهل النار، وأحسن مقيلا من مقيل أهل النار. هذا؛ وقيل: إن التفضيل ليس على بابه، وليس مرادا هنا وعليه ف: ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿خَيْرٌ،﴾ و ﴿مَقِيلاً﴾ ظرف مكان متعلق ب (أحسن)، والجملة الاسمية:
﴿أَصْحابُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقيل: الظرف متعلق ب ﴿خَيْرٌ،﴾ والأول أقوى معنى، وأولى اعتبارا.
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (٢٥)﴾
الشرح: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ:﴾ أصله: تتشقق فحذفت إحدى التاءين للتخفيف، وهو كثير في القرآن الكريم، والكلام العربي. ﴿بِالْغَمامِ﴾ أي: بسبب طلوع الغمام منها، وهو الغمام المذكور في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾. والغمام: سحاب أبيض مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ أي: ينزلون بصحائف العباد إلى الأرض، وذلك لحساب الثقلين من الإنس، والجن. قال ابن عباس-﵁:
تتشقق سماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن، والإنس، ثم تشقق السماء الثانية، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في سماء الدنيا، ثم كذلك حتى تنشق السماء السابعة؛ وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي تليها، ثم ينزل الكروبيون، ثم حملة العرش. هذا؛ وقرئ الفعل: (نزّل) بقراآت كثيرة، وإذا نزل ملائكة سماء الدنيا؛ اصطفوا حول العالم المجموع في المحشر صفا، وإذا نزل ملائكة السماء الثانية؛ اصطفوا خلف هذا الصف،
стр. 4083
وهكذا حتى تصير الصفوف سبعة، كلهم يحرسون أهل المحشر من الفرار والهرب، قال تعالى في سورة (الفجر): ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وقد تقدم لهذا مزيد بسط في آخر سورة (إبراهيم) عند قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ..﴾. إلخ، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره:
اذكر. ﴿تَشَقَّقُ:﴾ فعل مضارع. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿بِالْغَمامِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءُ،﴾ وجملة:
اذكر يوم... إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَنُزِّلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (نزل): ماض مبني للمجهول. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ نائب فاعله. ﴿تَنْزِيلاً:﴾ مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَنُزِّلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿تَشَقَّقُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦)﴾
الشرح: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ:﴾ يوم القيامة. ﴿الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ﴾ أي: الملك الثابت له تعالى؛ لأن كل ملك يبطل يومئذ ولا يبقى إلا ملكه؛ لأن السلطان الظاهر، والاستيلاء الكلي العام الثابت صورة ومعنى، ظاهرا، وباطنا بحيث لا زوال له أصلا، ولا يكون إلا لله تعالى، وهو فحوى قوله تعالى في آخر سورة (الانفطار): ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾. ﴿وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً:﴾ شديدا لما ينالهم فيه من الأهوال، ويلحقهم من الخزي والهوان، وهو على المؤمنين أخف من صلاة مكتوبة.
فعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فقلت: ما أطول هذا اليوم، فقال النّبيّ ﷺ : «والّذي نفسي بيده، إنّه ليخفّف عن المؤمن حتّى إنّه يكون أخفّ عليه من صلاة المكتوبة يصلّيها في الدّنيا».
الإعراب: ﴿الْمُلْكُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله؛ لأنه مصدر. ﴿الْحَقُّ:﴾
صفة ﴿الْمُلْكُ﴾. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (يوم القيامة). ﴿يَوْماً:﴾ خبر (كان). ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾
متعلقان ب ﴿عَسِيراً﴾ بعدهما. ﴿عَسِيراً:﴾ صفة ﴿يَوْماً،﴾ وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية السابقة، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧)﴾
الشرح: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ من فرط الحسرة، وشدة الندامة، وعض اليدين، وأكل البنان، وحرق الأسنان، ونحوها كنايات عن شدة الغيظ، والحسرة؛ لأنها من روادفهما. هذا؛
стр. 4084
والظالم هو الذي يظلم غيره بالاعتداء على حقوقه، أو على كرامته، وحرماته، والظالم هو الذي يظلم نفسه بالكفر، أو بالمعاصي، وارتكاب الفواحش والمنكرات، وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.
﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً:﴾ طريقا إلى النجاة، أو طريقا واحدا، وهو طريق الحق، ولم تتشعب بي طرق الضلالة، والمراد بالرسول هنا: محمد ﷺ .
تنبيه: نزلت الآية الكريمة وما بعدها في عقبة بن أبي معيط بن أمية، بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان قد نطق بالشهادتين، ثم ارتد عن الإسلام، وسبب نطقه بهما أنه صنع يوما طعاما، ودعا الناس إليه، ودعا رسول الله ﷺ ، فلما قدم الطعام، قال الرسول ﷺ : «لا آكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله». فنطق بهما، وأكل ﷺ من طعامه، وكان عقبة صديقا لأبيّ بن خلف الجمحي، فلما أخبر أبيّ بما وقع لعقبة، قال له: يا عقبة! صبأت، قال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل بيتي رجل، فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي، ولم يطعم، فشهدت له، فطعم، فقال: لا أرضى عنك أبدا، حتى تأتيه فتبزق في وجهه، ففعل ذلك عقبة، فعاد بزاقه على وجهه، فحرقه، وبقي أثره في وجهه حتى قتل يوم بدر، وأما أبيّ فقد ضربه النبي يوم أحد بنبل فطعنه، وكان ذلك سبب موته وذهابه إلى جهنم وبئس المصير، وعقاب عقبة في جهنم كما هو نص الآية أنه يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه، ثم ينبتان ثم يأكلهما وهكذا كلما نبتت يده أكلها تحسرا وندامة على ما فعل.
الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر. ﴿يَعَضُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿الظّالِمُ:﴾ فاعله. ﴿عَلى يَدَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء، نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعَضُّ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (يوم) إليها، وجملة: (اذكر يوم...) إلخ معطوفة على جملة: اذكر يوم تشقق... إلخ المقدرة، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الظّالِمُ﴾. (يا): حرف تنبيه، وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، تقديره: يا قوم ونحوه، والأول أقوى، كما يؤخذ من قول ابن هشام في المغني. (ليتني): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿اِتَّخَذْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَعَ:﴾
стр. 4085
ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلاً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وقيل: مفعول ثان، وليس بشيء، و (مع) مضاف، و ﴿الرَّسُولِ﴾ مضاف إليه.
﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية:
﴿يا لَيْتَنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الظّالِمُ،﴾ والرابط: الضمير فقط.
﴿يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨)﴾
الشرح: ﴿يا وَيْلَتى:﴾ دعاء بالثبور والهلاك على محالفة الكافر ومتابعته، قال الزجاج:
أصلها يا ويلتي، فأبدل من الياء ألفا؛ لأنها أخف من الياء والكسرة. هذا؛ وقرئ بالياء على الأصل، قال البيضاوي: أصله في الشر، فأطلق في كل أمر فظيع. انتهى. أقول: وهي كلمة تحسر وتلهف على ما فات، وتستعمل عند الداهية العظيمة، وجاءت للتعجب في الآية رقم [٧٢] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً:﴾ فلان كناية عن الأعلام، وإن أريد به الجنس، فكل من اتخذ من المضلين خليلا، كان اسم علم لخليله لا محالة، فجعله كناية عنه، وقيل: هو كناية عن الشيطان بدليل الآية التالية، وفي الجمل نقلا عن السمين: فلان كناية عن علم من يعقل من الذكور، وهو منصرف، و «فل» كناية عن نكرة من يعقل من الذكور، وفلانة كناية عن علم من يعقل من الإناث، و «فلة» كناية عن نكرة من يعقل من الإناث، والفلان والفلانة بالألف واللام كناية عن غير العاقل، ولام فل وفلان فيها وجهان:
أحدهما: أنها واو، والثاني: أنها ياء انتهى. والخليل: الصاحب، والصديق الذي صفت مودته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك، كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجلك، كما قال ربيعة بن مقروم الضبي: [الوافر]
أخوك أخوك من يدنو وترجو... مودّته، وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي... وزاد سلاحه منك اقترابا
وهو معدوم في هذا الزمن الذي فسد أهله، وصاروا خلاّ ودودا كما قال القائل: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ ودود... فقالوا النّاس من خلّ ودود
فقلت أليس فيهم ذو وفاء؟ ... فقالوا كان ذلك في الجدود
احفظ هذين البيتين، ولا تنس ما فيهما من الجناس التام. لذا فإنه لا وجود للصديق، بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا كما قال القائل: [الكامل]
قد قيل إنّ المستحيل ثلاثة... الغول والعنقاء والخلّ الوفي
стр. 4086
وقال الآخر: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ وفيّ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ... فإنّ الحرّ في الدنيا قليل
ومما هو جدير بالذكر: أن كل صداقة لا تكون على أساس من التقوى تنقلب عداوة في الدنيا والآخرة، خذ قوله تعالى: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ الآية رقم [٦٧] من سورة (الزخرف) انظر شرحها هناك. وانظر نتيجة صداقة إبليس في الآية رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وفي سورة (ق) أيضا.
الإعراب: (يا): حرف نداء ينوب مناب: أدعو. (ويلتا): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وقد قلبت الياء ألفا في إحدى القراءتين كما رأيت، والياء في محل جر بالإضافة، وأصل النداء أن يكون لمن يعقل، وقد ينادى ما لا يعقل مجازا، مثل: يا أسفي ونحوه، والمعنى هنا: أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك. ﴿لَيْتَنِي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَتَّخِذْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿فُلاناً:﴾ مفعول به أول. ﴿خَلِيلاً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿لَمْ أَتَّخِذْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول.
﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (٢٩)﴾
الشرح: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أي: يقول الظالم النادم، لقد أضلني من اتخذته في الدنيا صديقا، وصاحبا عن القرآن، والإيمان به. وقيل: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ أي: عن الرسول، والأول أقوى لوروده في كثير من الآيات بمعنى الذكر. ﴿بَعْدَ إِذْ جاءَنِي﴾ أي: هديت إليه، وتمكنت منه. ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ﴾ أي: الخليل المضل، أو إبليس؛ لأنه حمله على مصاحبته، وطاعته فيما أراد منه، ومخالفته للرسول ﷺ ، أو كل من تشيطن، وتمرد عن الحق فهو يدعو إلى الضلال سواء أكان من الجن، أو من الإنس. ﴿لِلْإِنْسانِ خَذُولاً:﴾ الخذل: الترك من الإغاثة، وهذا دأب الضالين المضلين من الإنس، والجن، يوالون الإنسان، ويتقربون إليه؛ حتى يودون به إلى الهلاك، ثم يتركونه ولا ينفعونه بشيء، ومنه خذلان إبليس للمشركين لما ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك يوم غزوة بدر، فلما رأى الملائكة؛ تبرأ منهم، وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ أكبر دليل على ذلك.
стр. 4087
تنبيه: نزلت الآيات الثلاث في عقبة بن أبي معيط وأبيّ بن خلف، وخصوص السبب لا يمنع التعميم، والحكم عام في كل خليلين ومتحابين اجتمعا على معصية الله تعالى إلى يوم القيامة. وقد بين الرسول ﷺ الفوائد، والمنافع التي يكتسبها الإنسان من مجالسة الأخيار، والمفاسد والمضار التي تتسبب من مخالطة الأشرار. وخذ ما يلي: فعن أبي موسى الأشعري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إمّا أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإمّا أن تجد منه ريحا طيّبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإمّا أن تجد منه ريحا خبيثة». متفق عليه. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». أخرجه أبو داود، والترمذي.
ولهما عن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تصاحب إلاّ مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلاّ تقيّ». وعن ابن عباس-﵄-قال: قيل: يا رسول الله! أيّ جلسائنا خير؟ قال: «من ذكّركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكّركم بالآخرة عمله». رواه البزار. وقال مالك بن دينار: إنك إن تنقل الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل الخبيص مع الفجار. والخبيص: حلواء تصنع من التمر، والسمن، وأنشد: [الطويل]
وصاحب خيار الناس تنج مسلّما... وصاحب شرار النّاس يوما فتندما
وقال عدي بن زيد العبادي، وهما في معلقة طرفة بن العبد: [الطويل]
عن المرء لا تسأل؛ وسل عن قرينه... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم... ولا تصحب الأردى فتردى مع الرّدي
الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَضَلَّنِي:﴾ فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى (فلان)، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿عَنِ الذِّكْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله أيضا، وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له. و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿جاءَنِي:﴾ فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الذِّكْرِ،﴾ والجمل الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.
﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ اسم (كان).
﴿لِلْإِنْسانِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خَذُولاً:﴾ خبر (كان)، وهو مبالغة اسم الفاعل، وجملة ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها من كلام الله، وليست من مقول الظالم، وقيل:
في محل نصب حال، ولا وجه له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
стр. 4088
﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ:﴾ النبي ﷺ ، وقوله هذا في الدنيا بثا إلى الله، أو في الآخرة شكوى إليه تعالى. ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ أي: قريشا. ﴿اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً:﴾ أعرضوا عنه، واستكبروا، وقالوا فيه غير الحق من أنه سحر، وشعر، وكهانة، وأساطير الأولين... إلخ، فعزاه الله بالآية التالية. وعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال النبي ﷺ : «من تعلّم القرآن، وعلّق مصحفه ولم يتعاهده، ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلّقا به، يقول: يا ربّ العالمين، إنّ عبدك هذا اتّخذني مهجورا، فاقض بيني وبينه». ذكره الثعلبي، وانظر سورة (الإسراء) رقم [٧٨] فهو جيد.
الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿الرَّسُولُ:﴾ فاعله. (يا):
أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (رب): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وانظر شرح (رب) في الآية رقم [٩٤] من سورة (المؤمنون)، وإعراب مثله في الآية رقم [٢٣] منها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿قَوْمِي:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿مَهْجُوراً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ قَوْمِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، كالجملة الندائية قبلها، وجملة: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١)﴾
الشرح: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا..﴾. إلخ أي: كما جعلنا لك يا محمد عدوا من مشركي قومك، وهو أبو جهل وغيره، فكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من مشركي قومه، فاصبر لأمري كما صبروا، فإني متوليك بالهداية، والتوفيق لما أحبه، وأرضاه، وناصرك على أعدائك، والعدو يكون واحدا، ويكون جمعا، وانظر شرحه في الآية رقم [٣٩] من سورة (طه)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل بعده، التقدير: جعلنا لكل نبي عدوّا جعلا كائنا مثل جعل أبي جهل وأمثاله عدوّا لك، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.
стр. 4089
﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول، وكل مضاف، و ﴿نَبِيٍّ﴾ مضاف إليه. ﴿عَدُوًّا:﴾ مفعول به أول. ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَدُوًّا،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية: ﴿وَكَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَكَفى:﴾ الواو: واو الاستئناف. (كفى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.
﴿بِرَبِّكَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (ربك): فاعل (كفى) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿هادِياً:﴾ تمييز، وأجيز اعتباره حالا. ﴿وَنَصِيراً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها لا محل لها على الاعتبارين، والحالية ضعيفة فيها.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً:﴾ اختلف في قائل ذلك على قولين: أحدهما: أنهم كفار قريش، قاله ابن عباس-﵄. الثاني: أنهم اليهود حين رأوا نزول القرآن مفرقا، قالوا: هلا أنزل عليه جملة واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود على نبينا، وعليهم أجمعين ألف صلاة، وألف سلام، فقال الله تعالى ردّا عليهم: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أي: نقوي به قلبك، فتعيه، وتحمله؛ لأن الكتب المتقدمة إنما أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، والقرآن إنما أنزل على نبي أمي، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، فالمتأخر قد نسخ كثيرا من الآيات المتقدمة، أو نسخ بعض أحكامها، ولأن منه ما هو جواب لمن سأل عن شيء، ولأن منه ما نزل لحل مشكلة حصلت في عهد النبي ﷺ ، فتفريقه كان أوعى للنبي ﷺ ، وأيسر على العامل به، وحفظه أسهل، فكان كلما نزل وحي جديد زاد قلب النبي ﷺ قوة وثباتا، وازداد المؤمنون به إيمانا فوق إيمانهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾. رقم [٢] من (الأنفال).
فإن قيل: هلا أنزل دفعة واحدة وحفظه؛ إذ كان ذلك في قدرته، فالجواب: أن في قدرة الله أن يعلم نبيه القرآن كله في لحظة واحدة، ولكنه لم يفعل، ولا معترض عليه تعالى في حكمه، وقد بينا وجه الحكمة ظاهرا في ذلك، ولله في كتابه، وقضائه، وقدره أسرار حيرت ذوي العقول، والأبصار. ﴿وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ أي: وقرأناه عليك شيئا بعد شيء على تؤدة وتمهل في ثلاث وعشرين سنة.
стр. 4090
وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنى: وأمرنا بترتيل قراءته، وذلك قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: اقرأه بترسل، وتثبت، ومنه حديث عائشة-﵂-في صفة قراءته ﷺ : «لا كسردكم هذا، لو أراد السامع أن يعدّ حروفه لعدّها». انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (قال): فعل ماض.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿نُزِّلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقُرْآنُ:﴾ نائب فاعل ﴿نُزِّلَ﴾.
﴿جُمْلَةً:﴾ حال من ﴿الْقُرْآنُ﴾ أي: مجتمعا. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها، وجملة: ﴿لَوْلا نُزِّلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قال الرسول...) إلخ فتكون الآية: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا..﴾. إلخ معترضة بين المتعاطفتين، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف مع عامله، التقدير: نزلنا تنزيلا مثل ذلك التنزيل. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما فالمحل لها، وتكون مضافة، واسم الإشارة في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِنُثَبِّتَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فُؤادَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل نثبت في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل المقدر المحذوف، وجملة: «نزلناه كذلك...» إلخ المقدرة في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أي قال الله تعالى: (نزلناه كذلك...) إلخ؛ لأنها ليست من مقول الذين كفروا، وجملة: قال الله تعالى... إلخ مستأنفة، لا محل لها.
(رتلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: «نزلناه» المقدرة فهي من مقول الله تعالى المحذوف المقدر. ﴿تَرْتِيلاً:﴾ مفعول مطلق.
﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣)﴾
الشرح: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ أي: بسؤال عجيب كأنه مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك. ﴿إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: إلا أتيناك بالجواب الحق الدامغ لما يسألونه، وقيل:
(لا يأتونك بمثل) كقولهم في صفة عيسى: إنه خلق من غير أب، وألحق ما فيه نقض حجتهم كآدم؛ إذ خلق من غير أب وأم. ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً:﴾ تفصيلا، والمعنى: أحسن من مثلهم تفصيلا، وبيانا، فحذف لفهمه من المقام، أو المعنى: لا يأتونك بحال، وصفة عجيبة، مثل قولهم:
هلا أنزل عليك القرآن جملة واحدة إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا أن تعطاه،
стр. 4091
وما هو أحسن تكشيفا لما بعثت عليه، ودلالة على صحته، يعني: إن تنزيله مفرقا، وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق، كلما نزل شيء منها دخل في الإعجاز من أن ينزل كله جملة.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَأْتُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والكاف مفعوله. ﴿بِمَثَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿جِئْناكَ:﴾ فعل ماض، و (نا): فاعله، والكاف مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، والجملة الفعلية: ﴿جِئْناكَ بِالْحَقِّ﴾ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهي على تقدير قد قبلها. (أحسن): معطوف على (الحق) مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل. ﴿تَفْسِيراً:﴾ تمييز.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٣٤)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ:﴾ فعن أنس بن مالك-﵁: أن رجلا قال: يا رسول الله! قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ﴾ أيحشر الكافر على وجهه؟! فقال ﷺ : «أليس الّذي أمشاه على الرّجلين في الدّنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟!» قال قتادة رحمه الله تعالى حين بلغه: بلى وعزة ربنا! رواه البخاري ومسلم، وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء)، والآية رقم [١٠٢] من سورة (طه) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً﴾ أي: مكانة ومنزلة، أو مسكنا ومنزلا. ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي: أخطأ طريقا، والطريق لا تضل، وإنما هو من الإسناد المجازي للمبالغة، والمعنى: إن حاملكم على هذه الأسئلة أنكم تضلون سبيله، وتحتقرون منزلته ومكانته، ولو نظرتم بعين الإنصاف، وأنتم من المسحوبين على وجوههم؛ لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه، ومنزلة سبيلكم أضل من سبيله.
هذا؛ وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء).
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو أذم. أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل رفع مبتدأ خبره ما يأتي. ﴿يُحْشَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجمل الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: يحشرون مكبوبين على وجوههم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى جَهَنَّمَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أُوْلئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿شَرٌّ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مَكاناً:﴾
стр. 4092
تمييز. ﴿وَأَضَلُّ:﴾ معطوف على ﴿شَرٌّ﴾. ﴿سَبِيلاً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿أُوْلئِكَ..﴾.
إلخ مستأنفة على الأوجه المتقدمة في الموصول، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وجملة: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ سواء أكانت فعلية، أم اسمية، فهي مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي: التوراة. ﴿وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ..﴾. إلخ: الواو في هذه الآية لمطلق الجمع، ولا تفيد ترتيبا؛ لأن من المعلوم أن إيتاء التوراة، كان بعد إيتاء الرسالة لموسى وهارون بنحو من ثلاثين سنة، وكذلك الفاء في الآية التالية لا تفيد تعقيبا ولا ترتيبا؛ لأن كلا من الجعل والقول، كان قبل إيتاء التوراة كما علمت. وانظر شرح الآية رقم [٢٩] من سورة (طه) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وقال البيضاوي في معنى ﴿وَزِيراً:﴾ يوازره في الدعوة، وإعلاء الكلمة، ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة، فإن المتشاركين في الأمر متوازران عليه، وأيضا فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء، ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. وجملة: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، المراد منه تسلية النبي ﷺ بحكاية ما جرى بين الأنبياء وبين أقوامهم حكاية إجمالية كافية فيما هو المقصود. (جعلنا):
فعل، وفاعل. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَخاهُ:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هارُونَ:﴾ بدل من ﴿أَخاهُ،﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿وَزِيراً:﴾ مفعول به ثان. هذا؛ وقيل: ﴿وَزِيراً﴾ حال، والمفعول الثاني (معه) ولا وجه له، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. هذا؛ وانظر إعراب:
﴿وَلَقَدْ﴾ في سورة (طه) رقم [٣٧] فهو جيد.
﴿فَقُلْنَا اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦)﴾
الشرح: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ﴾ أي: إلى فرعون وقومه. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي:
فذهبا إليهم، فأبلغاهم الرسالة، فكذبوهما. هذا؛ وقال الجمل: إن كان المراد بالآيات مصنوعات الله تعالى الدالة على انفراده بالملك والعبادة، فالأمر ظاهر، وإن كان المراد بها
стр. 4093
خصوص الآيات التسع التي جاء بها موسى للقبط لم يظهر، وذلك؛ لأن وقت الأمر بالذهاب إلى القبط، لم يكونوا قد رأوا شيئا من الآيات التسع حتى يكلموا بها؛ لأن الأمر بالذهاب إليهم كان في واقعة الطور، وهي كانت قبل مجيء مصر، ومخاطبة فرعون وقومه، فلا تخلص إلا بحمل الماضي على معنى الاستقبال، أي: سيكذبوا بآياتنا انتهى. نقلا عن شيخه. ﴿فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً:﴾ قال البيضاوي: أي: فذهبا إليهم، فكذبوهما، فدمرناهم تدميرا، فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود، وهو إلزام بالحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
هذا؛ والتدمير الإهلاك بأمر عجيب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَقُلْنَا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قلنا): فعل، وفاعل. ﴿اِذْهَبا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿إِلَى الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿الْقَوْمِ،﴾ وجملة:
﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. (دمرناهم): ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، انظر تقديرها في الشرح، وجملة: ﴿اِذْهَبا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (فقلنا...) إلخ معطوفة على جواب القسم في الآية السابقة، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿فَدَمَّرْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة (قلنا...) إلخ لا محل لها أيضا.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧)﴾
الشرح: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ:﴾ ذكر الله جنس الرسل، والمراد: نوح وحده؛ لأنه لم يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده، فنوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-إنما بعث بلا إله إلا الله، وبالإيمان بما ينزل الله، فلما كذبوه؛ كان في ذلك تكذيب لكل من بعث بعده بهذه الكلمة، وقيل: إن من كذب رسولا فقد كذب جميع الرسل؛ لأنهم لا يفرق بينهم في الإيمان، ولأنه ما من نبي إلا يصدق سائر أنبياء الله، فمن كذب منهم نبيا، فقد كذب كل من صدقه من النبيين. انتهى. قرطبي. ﴿وَجَعَلْناهُمْ﴾ أي: جعلنا إغراقهم، أو قصتهم. ﴿لِلنّاسِ آيَةً﴾ أي: علامة ظاهرة على قدرتنا. ﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ هيأنا. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ قوم نوح ومن سار على طريقتهم، وانظر التعبير عن الكافرين، في الآية رقم [٢٧]. ﴿عَذاباً أَلِيماً﴾ أي: في الآخرة، وتلك سنة الله في الكافرين والجاحدين، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولا تحويلا. هذا؛ وانظر قصة نوح مع قومه مفصلة في سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿وَقَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قوم): في نصبه أربعة أقوال: الأول: العطف على الضمير المنصوب، فيكون المعنى: ودمرنا قوم نوح. الثاني: أنه منصوب بفعل محذوف،
стр. 4094
تقديره: اذكر. الثالث: أنه منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده، التقدير: وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم. الرابع: أنه منصوب ب: ﴿أَغْرَقْناهُمْ﴾ قاله الفراء، ورده النحاس، قال: لأن «أغرقنا» ليس مما يتعدى إلى مفعولين، فيعمل في المضمر وفي (قوم نوح)، وأقوى هذه الأقوال أولها:
و (قوم) مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لَمّا:﴾ حرف وجود لوجود. عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية ﴿لَمّا،﴾ وهي في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿الرُّسُلَ:﴾ مفعول به. ﴿أَغْرَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَمّا،﴾ لا محل لها، و ﴿لَمّا﴾ ومدخولها في محل نصب حال من (قوم نوح)، والرابط: الضمير في الجملتين، وعلى هذا فلا يتأتى الوجه الثالث في قوم نوح، لأن أغرقناهم حينئذ جواب ﴿لَمّا،﴾ جوابها لا يفسر غيره، وإنما يتأتى على اعتبار ﴿لَمّا﴾ ظرف زمان متعلقا بالفعل (أغرقنا) مجردا من معنى الشرطية. تأمل. (جعلناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آيَةً،﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿آيَةً:﴾
مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجَعَلْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ الواو: واو الحال. (أعتدنا): فعل، وفاعل. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿أَلِيماً﴾ بعدهما. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به. ﴿أَلِيماً:﴾ صفته، وجملة:
(أعتدنا...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، وإعادة (الظالمين) بلفظه بدلا من الضمير، وضعا للظاهر موضعه تسجيلا عليهم بوصف الظلم للمبالغة، و «قد» مقدرة قبل الجملة.
﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨)﴾
الشرح: ﴿وَعاداً﴾ أي: قوم عاد الذين كذبوا نبيهم هودا، فأهلكهم الله بالريح العقيم.
﴿وَثَمُودَ:﴾ هم قوم صالح، فأهلكهم الله بالرجفة، وقد كثر ذكر هاتين القبيلتين في كثير من السور، وانظر سورة (هود) وسورة (الأعراف) ففيهما تفصيل أكثر من غيرهما. ﴿وَأَصْحابَ الرَّسِّ:﴾
الرس في كلام العرب البئر التي تكون غير مطوية، والجمع: رساس، قال الشاعر: [المتقارب]
وهم سائرون إلى أرضهم... فيا ليتهم يحفرون الرّساسا
والرس: اسم واد في قول زهير بن أبي سلمى المزني في معلقته: [الطويل]
стр. 4095
بكرن بكورا، واستحرن بسحرة... فهنّ لوادي الرّسّ كاليد للفم
ورسست رسا: حفرت بئرا، ورسّ الميت: أي قبر، والرس: الإصلاح بين الناس، والإفساد، أيضا، فهو من الأضداد. هذا؛ وفي الرس وفي أصحابه أقوال كثيرة أنقلها لك من القرطبي وغيره، قال ابن عباس-﵄: سألت كعبا عن أصحاب الرس، قال:
صاحب (يس) الذي قال: (يا قوم اتّبعوا المرسلين) قتله قومه، ورسّوه في بئر لهم، يقال له:
الرّس، طرحوه فيها. وكذا قال مقاتل. وقال السدي: هم أصحاب قصة (يس) أهل أنطاكية، والرس: بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار مؤمن آل (يس) فنسبوا إليها.
وقال علي-﵁: هم قوم كانوا يعبدون شجرة صنوبر، فدعا عليهم نبيهم، وكان من ولد يهوذا، فيبست الشجرة، فقتلوه، ورسّوه في بئر، فأظلتهم سحابة سوداء، فأحرقتهم.
وقال ابن عباس-﵄: هم قوم بأذربيجان، قتلوا أنبياء، فجفت أشجارهم وزروعهم، فماتوا جوعا، وعطشا.
وقال وهب بن منبه: كانوا أهل بئر يقعدون عليها، وأصحاب مواش، وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم شعيبا، فكذبوه وآذوه، وتمادوا على كفرهم وطغيانهم، فبينما هم حول البئر في منازلهم، انهارت بهم، وبديارهم، فخسف الله بهم، فهلكوا جميعا.
وقال قتادة: أصحاب الرس وأصحاب الأيكة أمّتان، أرسل الله إليهما شعيبا، فكذبوه، فعذبهما الله بعذابين. قال قتادة: والرس قرية بفلج اليمامة. وقال الكلبي: أصحاب الرس قوم أرسل الله إليهم نبيا فقتلوه، وهم أول من عمل نساؤهم السّحق؛ ذكره الماوردي. وقيل: هم أصحاب الأخدود، الذين حفروا الأخاديد، وحرقوا فيها المؤمنين. وقيل: هم بقايا من قوم ثمود، وأن الرس البئر المذكورة في الحج رقم [٤٥].
وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: كان نبي يقال له: حنظلة بن صفوان، فقتلوه، فأهلكهم الله تعالى. وأخيرا أذكر أنه يوجد بين الحجاز ونجد قرية تسمى: الرس، وهي مأهولة بالسكان، فيكون حنظلة بن صفوان-وهو عربي-أرسل إلى هذه القرية، ولا تزال معالمها قائمة إلى أيامنا هذه.
هذا؛ وزاد البيضاوي في أصحاب حنظلة النبي: ابتلاهم الله بطير عظيم كان فيها من كل لون، وسموها عنقاء لطول عنقها، وتسكن جبلهم الذي يقال له: فتخ، أو دمخ، وتنقض على صبيانهم، فتخطفهم إذا أعوزها الصيد، ولذلك سميت مغربا، فدعا عليها حنظلة، فأصابتها الصاعقة، ثم إنهم قتلوه، فأهلكوا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي: وأهلكنا قرونا كثيرا بين عاد، وثمود، وأصحاب الرس لا يعلمها إلا الله. والإشارة راجعة إلى تلك القرون الكثيرة فلذا صح دخول «بين» عليها؛ لأنها لا تدخل
стр. 4096
إلا على متعدد لفظا، أو حكما، وهي ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السين، تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد، وهو أيضا:
الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض، ومن استعماله بمعنى الوصل ما قرئ به في سورة (الأنعام) الآية رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه، ومن استعماله بمعنى الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير-﵁-في قصيدته التي مدح بها النبي ﷺ : [البسيط]
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول
هذا؛ والقرون جمع قرن، بفتح القاف وسكون الراء، وهو مئة سنة على الصحيح، وقيل:
ثمانون، وقيل: ثلاثون. ويقال: القرن في الناس أهل زمان واحد، وهو المراد في الآية الكريمة ونحوها، وقال الرسول ﷺ : «خير القرون قرني... إلخ». ومنه قول الشاعر: [الطويل]
إذا ذهب القرن الّذي أنت فيهم... وخلّفت في قرن فأنت غريب
وخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁: [الطويل]
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل
والقرن بفتح القاف أيضا: الزيادة العظيمة التي تنبت في رؤوس بعض الحيوانات، ومنه إسكندر ذو القرنين. والقرن: الجبل الصغير، وذؤابة المرأة من الشعر، والقرن من القوم:
سيدهم، ومن السيف: حده ونصله، وجمعه في كل ما تقدم: قرون. هذا؛ وهو بكسر القاف، وسكون الراء: الكفؤ في الشجاعة، والعلم، ونحوهما، والجمع على هذا: أقران.
الإعراب: ﴿وَعاداً:﴾ الواو: حرف عطف. (عادا): معطوف على (قوم نوح) وهو على معنى:
وأهلكنا عادا، أو هو معطوف على الضمير المنصوب بقوله (دمرناهم) أو بقوله (جعلناهم) كما جوز اعتباره منصوبا بفعل محذوف تقديره: اذكر عادا. ﴿وَثَمُودَ:﴾ معطوف على ما قبله، ويقرأ بتنوينه مصروفا على إرادة الأب، أو الحي. ﴿وَأَصْحابَ:﴾ معطوف على ما قبله، و (أصحاب) مضاف، و ﴿الرَّسِّ﴾ مضاف إليه. (قرونا): معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: (قرونا)، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة ثانية ل (قرونا).
﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩)﴾
الشرح: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ أي: بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين، ووصفنا لهم ما فعلوا من تكذيب الأنبياء، وجرى عليهم ما جرى من عذاب الله، وتدميره.
стр. 4097
﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً:﴾ أهلكناه إهلاكا، والتتبير: التفتيت، والتكسير، ومنه: التبر، وهو كسار الفضة، والذهب، وانظر شرح المثل في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج).
الإعراب: ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كلا): مفعول به لفعل محذوف، دل عليه ما بعده، التقدير: وأنذرنا، أو حذرنا، أو خوفنا. ﴿ضَرَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مفسرة لما قبلها؛ لأنها دالة عليها، والأولى معطوفة على ما قبلها من جمل. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿الْأَمْثالَ:﴾ مفعول به. ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كلا): مفعول به مقدم.
﴿تَبَّرْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿تَتْبِيراً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني: قريشا مروا مرارا في متاجرهم إلى الشام، و «أتى» يستعمل متعديا بنفسه، أو ب: «إلى» وقد عدّاه هنا ب: «على»؛ لأنه بمعنى: مروا كما رأيت. ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ:﴾
أراد جنس القرى، وعبر بواحدة عن الجميع، وهي خمس قرى؛ لأنها عظمى قرى قوم لوط، واسمها سذوم بالذال، أو بالدال. ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ أي: بالحجارة من السماء، أي: بعد جعل عاليها سافلها، فأهلك الله أربعا من القرى، ونجت واحدة، وهي أصغرها، وقد كان أهلها لا يعملون العمل الخبيث. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها:﴾ في مرورهم عليها، فيتعظون بما يرون فيها من آثار عذاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ،﴾ وقال جل شأنه: ﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ الأولى رقم [١٣٧] من سورة (الصافات)، والثانية رقم [٧٩] من سورة (الحجر). ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ﴾ أي: لا يؤملون، أو: لا يخافون، وانظر الآية رقم [٢١]. ﴿نُشُوراً﴾ أي: بعثا، وحسابا؛ لأنهم كانوا كفرة، لا يتوقعون ذلك، فلذلك لم ينظروا، ولم يتعظوا، فمروا بها كما مرت ركابهم، وانظر شرح ﴿الْقَرْيَةِ﴾ في الآية رقم [٦] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿السَّوْءِ﴾ في الآية رقم [٧٤] منها. هذا؛ وانظر قصة لوط في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) مفصلة تفصيلا كافيا.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿أَتَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، وجملة: (لقد أتوا...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه مستأنف لا محل له، وهو في المعنى معطوف على مثله في الآية رقم [٣٥]. ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿الْقَرْيَةِ﴾. ﴿أُمْطِرَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿الْقَرْيَةِ﴾ تقديره: «هي». ﴿مَطَرَ:﴾ مفعول مطلق مبين للهيئة، وأجاز أبو البقاء اعتباره مفعولا ثانيا، ولا وجه له، و ﴿مَطَرَ﴾ مضاف، و ﴿السَّوْءِ﴾ مضاف إليه، والجملة
стр. 4098
الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام متضمن معنى التوبيخ والتقريع، الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. لم: حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُونُوا:﴾
فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَرَوْنَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر:
﴿يَكُونُوا،﴾ وهذه الجملة معطوفة على جملة محذوفة يقتضيها المقام، التقدير: ألم يكونوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها، أو أكانوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها في مرات مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، أو حرف انتقال. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿نُشُوراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً (٤١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا رَأَوْكَ﴾ أي: أبو جهل، وأمثاله، والخطاب للنبي ﷺ . ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً:﴾ سخرية واستهزاء، وقد أخذ الله المستهزئين بالرسول ﷺ أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ الآية رقم [٩٥] من سورة (الحجر). هذا؛ وهزوا مصدر: هزأ يهزأ هزأ من باب فتح، ويأتي أيضا من باب: تعب، والمصدر يأتي بضم الزاي، وسكونها، وتخفيف الهمزة، فتقلب واوا، وقد قرئ بهما، وهما قراءتان سبعيتان. هذا؛ والاستهزاء بالناس حرام قطعا، وآية (الحجرات) الناهية عن السخرية، والاستهزاء بالناس معروفة، وأحاديث النبي ﷺ الناهية عن ذلك كثيرة، ومسطورة، ومشهورة. ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً:﴾ أرادوا بهذا الاستفهام التقرير والتحقير. نزلت الآية الكريمة في أبي جهل، وغيره من المستهزئين، وهي شبيهة بالآية رقم [٣٦] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١٢]. ﴿رَأَوْكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والكاف مفعوله، وقد اكتفى الفعل به؛ لأنه بصري، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿إِنْ:﴾ نافية. ﴿يَتَّخِذُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُزُواً:﴾ مفعول به ثان، وجملة:
﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها من الإعراب، وهي مخالفة لأدوات الشرط في
стр. 4099
ذلك، فإن أدوات الشرط متى أجيبت ب: «إن» النافية، أو ب: «ما» أو ب: «لا» وجب اقترانها بالفاء، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿أَهذَا:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير وتحقير. الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿بَعَثَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾
فاعله. ﴿رَسُولاً:﴾ حال من الضمير المنصوب، وقيل: هو مفعول مطلق؛ لأن معنى بعث: أرسل، ويكون معنى رسولا: رسالة، وجملة: ﴿بَعَثَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي بعثه الله رسولا، والجملة الاسمية: ﴿أَهذَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، يقع حالا من واو الجماعة، التقدير: قائلين: ﴿أَهذَا الَّذِي..﴾. إلخ.
هذا؛ وأجيز اعتبار الجملة الاسمية: ﴿أَهذَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، تقديره: يقولون: أهذا الذي... إلخ، وهذه الجملة جواب (إذا) لا محل لها، وعليه فجملة: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ..﴾. إلخ معترضة بين شرط (إذا) وجوابها.
﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢)﴾
الشرح: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا:﴾ قولهم هذا دليل على شدة مجاهدة الرسول ﷺ في دعوتهم، وبذله قصارى الوسع والطاقة في استعطافهم، مع عرض الآيات والمعجزات عليهم، حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام لولا فرط لجاجهم، واستمساكهم بعبادة آلهتهم. ﴿لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أي: لولا أن ثبتنا عليها، واستمسكنا بعبادتها. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ: وعيد وتهديد ودلالة على أنهم لا يفوتونه، وإن طالت مدة الإمهال، فلا بد للوعيد أن يلحقهم، فلا يغرنهم التأخير. ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً:﴾ هو كالجواب عن قولهم: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ لأن نسبة الرسول ﷺ إلى الضلال من حيث لا يضل غيره إلا من هو ضال في نفسه، ويروى: أن هذا الكلام من قول أبي جهل الخبيث. وانظر شرح ﴿كادَ﴾ في الآية رقم [٧٣] من سورة (الإسراء) فإنه جيد.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها عند البصريين، وقال الكوفيون: هي حرف نفي بمعنى ما. ﴿كادَ:﴾ فعل ماض من أفعال المقاربة، واسمها ضمير مستتر تقديره:
«هو» يعود إلى الرسول ﷺ . ﴿لَيُضِلُّنا:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات عند البصريين، وهي بمعنى «إلا» عند الكوفيين. (يضلنا): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الرسول أيضا، و (نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كادَ﴾.
﴿عَنْ آلِهَتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَوْلا:﴾
стр. 4100
حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿إِنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿صَبَرْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون، و (نا): فاعله. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿إِنْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف أيضا، وتقدير الكلام لولا صبرنا موجود لأضلنا عن آلهتنا. والكلام: ﴿إِنْ كادَ..﴾.
إلخ في محل نصب مقول القول المحذوف المقدر في الآية السابقة قبل: ﴿أَهذَا..﴾. إلخ.
﴿وَسَوْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿يَرَوْنَ:﴾
فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة:
﴿حِينَ﴾ إليها. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَضَلُّ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿سَبِيلاً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ أَضَلُّ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا مفعولا به، فيكون: ﴿أَضَلُّ﴾ خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره: هو أضل، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها ليست من مقولهم. تأمل، وتدبر، والله أعلى، وأعلم، وأجل، وأكرم.
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣)﴾
الشرح: ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ أخبرني. ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ:﴾ بأن أطاع هواه، وبنى عليه دينه، لا يسمع حجة، ولا يبصر دليلا؛ وقد طبع على قلبه. وقال القرطبي: عجّب نبيه ﷺ من إصرارهم على الشرك مع إقرارهم بأنه خالقهم، ورازقهم، ثم يعمد أحدهم إلى حجر يعبده من غير حجة. قال الكلبي وغيره: كان العرب إذا هوي الرجل منهم شيئا عبده من دون الله، فإذا رأى أحسن منه؛ ترك الأول، وعبد الأحسن. انتهى. ويروى: أن أحدهم إذا كان في سفر، وأراد أن ينام، فإنه يأخذ ثلاثة أحجار، فيختار إحداهن، وينصبها إلها، ويتوسد الثانية في نومه، ويستنجي بالثالثة من غائطه وبوله.
﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً:﴾ حفيظا تمنعه من الشرك والمعاصي، أفتتوكل عليه وتجبره على الإسلام، وتقول له: لا بد أن تسلم شئت، أو أبيت، ولا إكراه في الدين، وهذا كقوله تعالى:
﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ والخطاب كله للنبي ﷺ .
هذا؛ و «الهوى» يقصر، ويمد، والمراد بالأول: الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، ومنه ما في الآية الكريمة، وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ ومدح من يخافه، ويخشاه بقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما
следующие страницы →