Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
إلا على متعدد لفظا، أو حكما، وهي ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السين، تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد، وهو أيضا:
الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض، ومن استعماله بمعنى الوصل ما قرئ به في سورة (الأنعام) الآية رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه، ومن استعماله بمعنى الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير-﵁-في قصيدته التي مدح بها النبي ﷺ : [البسيط]
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول
هذا؛ والقرون جمع قرن، بفتح القاف وسكون الراء، وهو مئة سنة على الصحيح، وقيل:
ثمانون، وقيل: ثلاثون. ويقال: القرن في الناس أهل زمان واحد، وهو المراد في الآية الكريمة ونحوها، وقال الرسول ﷺ : «خير القرون قرني... إلخ». ومنه قول الشاعر: [الطويل]
إذا ذهب القرن الّذي أنت فيهم... وخلّفت في قرن فأنت غريب
وخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁: [الطويل]
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل
والقرن بفتح القاف أيضا: الزيادة العظيمة التي تنبت في رؤوس بعض الحيوانات، ومنه إسكندر ذو القرنين. والقرن: الجبل الصغير، وذؤابة المرأة من الشعر، والقرن من القوم:
سيدهم، ومن السيف: حده ونصله، وجمعه في كل ما تقدم: قرون. هذا؛ وهو بكسر القاف، وسكون الراء: الكفؤ في الشجاعة، والعلم، ونحوهما، والجمع على هذا: أقران.
الإعراب: ﴿وَعاداً:﴾ الواو: حرف عطف. (عادا): معطوف على (قوم نوح) وهو على معنى:
وأهلكنا عادا، أو هو معطوف على الضمير المنصوب بقوله (دمرناهم) أو بقوله (جعلناهم) كما جوز اعتباره منصوبا بفعل محذوف تقديره: اذكر عادا. ﴿وَثَمُودَ:﴾ معطوف على ما قبله، ويقرأ بتنوينه مصروفا على إرادة الأب، أو الحي. ﴿وَأَصْحابَ:﴾ معطوف على ما قبله، و (أصحاب) مضاف، و ﴿الرَّسِّ﴾ مضاف إليه. (قرونا): معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: (قرونا)، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة ثانية ل (قرونا).
﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩)﴾
الشرح: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ أي: بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين، ووصفنا لهم ما فعلوا من تكذيب الأنبياء، وجرى عليهم ما جرى من عذاب الله، وتدميره.
стр. 4097
﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً:﴾ أهلكناه إهلاكا، والتتبير: التفتيت، والتكسير، ومنه: التبر، وهو كسار الفضة، والذهب، وانظر شرح المثل في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج).
الإعراب: ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كلا): مفعول به لفعل محذوف، دل عليه ما بعده، التقدير: وأنذرنا، أو حذرنا، أو خوفنا. ﴿ضَرَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مفسرة لما قبلها؛ لأنها دالة عليها، والأولى معطوفة على ما قبلها من جمل. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿الْأَمْثالَ:﴾ مفعول به. ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كلا): مفعول به مقدم.
﴿تَبَّرْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿تَتْبِيراً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني: قريشا مروا مرارا في متاجرهم إلى الشام، و «أتى» يستعمل متعديا بنفسه، أو ب: «إلى» وقد عدّاه هنا ب: «على»؛ لأنه بمعنى: مروا كما رأيت. ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ:﴾
أراد جنس القرى، وعبر بواحدة عن الجميع، وهي خمس قرى؛ لأنها عظمى قرى قوم لوط، واسمها سذوم بالذال، أو بالدال. ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ أي: بالحجارة من السماء، أي: بعد جعل عاليها سافلها، فأهلك الله أربعا من القرى، ونجت واحدة، وهي أصغرها، وقد كان أهلها لا يعملون العمل الخبيث. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها:﴾ في مرورهم عليها، فيتعظون بما يرون فيها من آثار عذاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ،﴾ وقال جل شأنه: ﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ الأولى رقم [١٣٧] من سورة (الصافات)، والثانية رقم [٧٩] من سورة (الحجر). ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ﴾ أي: لا يؤملون، أو: لا يخافون، وانظر الآية رقم [٢١]. ﴿نُشُوراً﴾ أي: بعثا، وحسابا؛ لأنهم كانوا كفرة، لا يتوقعون ذلك، فلذلك لم ينظروا، ولم يتعظوا، فمروا بها كما مرت ركابهم، وانظر شرح ﴿الْقَرْيَةِ﴾ في الآية رقم [٦] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿السَّوْءِ﴾ في الآية رقم [٧٤] منها. هذا؛ وانظر قصة لوط في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) مفصلة تفصيلا كافيا.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿أَتَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، وجملة: (لقد أتوا...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه مستأنف لا محل له، وهو في المعنى معطوف على مثله في الآية رقم [٣٥]. ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿الْقَرْيَةِ﴾. ﴿أُمْطِرَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿الْقَرْيَةِ﴾ تقديره: «هي». ﴿مَطَرَ:﴾ مفعول مطلق مبين للهيئة، وأجاز أبو البقاء اعتباره مفعولا ثانيا، ولا وجه له، و ﴿مَطَرَ﴾ مضاف، و ﴿السَّوْءِ﴾ مضاف إليه، والجملة
стр. 4098
الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام متضمن معنى التوبيخ والتقريع، الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. لم: حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُونُوا:﴾
فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَرَوْنَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر:
﴿يَكُونُوا،﴾ وهذه الجملة معطوفة على جملة محذوفة يقتضيها المقام، التقدير: ألم يكونوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها، أو أكانوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها في مرات مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، أو حرف انتقال. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿نُشُوراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً (٤١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا رَأَوْكَ﴾ أي: أبو جهل، وأمثاله، والخطاب للنبي ﷺ . ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً:﴾ سخرية واستهزاء، وقد أخذ الله المستهزئين بالرسول ﷺ أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ الآية رقم [٩٥] من سورة (الحجر). هذا؛ وهزوا مصدر: هزأ يهزأ هزأ من باب فتح، ويأتي أيضا من باب: تعب، والمصدر يأتي بضم الزاي، وسكونها، وتخفيف الهمزة، فتقلب واوا، وقد قرئ بهما، وهما قراءتان سبعيتان. هذا؛ والاستهزاء بالناس حرام قطعا، وآية (الحجرات) الناهية عن السخرية، والاستهزاء بالناس معروفة، وأحاديث النبي ﷺ الناهية عن ذلك كثيرة، ومسطورة، ومشهورة. ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً:﴾ أرادوا بهذا الاستفهام التقرير والتحقير. نزلت الآية الكريمة في أبي جهل، وغيره من المستهزئين، وهي شبيهة بالآية رقم [٣٦] من سورة (الأنبياء).
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١٢]. ﴿رَأَوْكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والكاف مفعوله، وقد اكتفى الفعل به؛ لأنه بصري، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿إِنْ:﴾ نافية. ﴿يَتَّخِذُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُزُواً:﴾ مفعول به ثان، وجملة:
﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها من الإعراب، وهي مخالفة لأدوات الشرط في
стр. 4099
ذلك، فإن أدوات الشرط متى أجيبت ب: «إن» النافية، أو ب: «ما» أو ب: «لا» وجب اقترانها بالفاء، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿أَهذَا:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير وتحقير. الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿بَعَثَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾
فاعله. ﴿رَسُولاً:﴾ حال من الضمير المنصوب، وقيل: هو مفعول مطلق؛ لأن معنى بعث: أرسل، ويكون معنى رسولا: رسالة، وجملة: ﴿بَعَثَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي بعثه الله رسولا، والجملة الاسمية: ﴿أَهذَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، يقع حالا من واو الجماعة، التقدير: قائلين: ﴿أَهذَا الَّذِي..﴾. إلخ.
هذا؛ وأجيز اعتبار الجملة الاسمية: ﴿أَهذَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، تقديره: يقولون: أهذا الذي... إلخ، وهذه الجملة جواب (إذا) لا محل لها، وعليه فجملة: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ..﴾. إلخ معترضة بين شرط (إذا) وجوابها.
﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢)﴾
الشرح: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا:﴾ قولهم هذا دليل على شدة مجاهدة الرسول ﷺ في دعوتهم، وبذله قصارى الوسع والطاقة في استعطافهم، مع عرض الآيات والمعجزات عليهم، حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام لولا فرط لجاجهم، واستمساكهم بعبادة آلهتهم. ﴿لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أي: لولا أن ثبتنا عليها، واستمسكنا بعبادتها. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ: وعيد وتهديد ودلالة على أنهم لا يفوتونه، وإن طالت مدة الإمهال، فلا بد للوعيد أن يلحقهم، فلا يغرنهم التأخير. ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً:﴾ هو كالجواب عن قولهم: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ لأن نسبة الرسول ﷺ إلى الضلال من حيث لا يضل غيره إلا من هو ضال في نفسه، ويروى: أن هذا الكلام من قول أبي جهل الخبيث. وانظر شرح ﴿كادَ﴾ في الآية رقم [٧٣] من سورة (الإسراء) فإنه جيد.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها عند البصريين، وقال الكوفيون: هي حرف نفي بمعنى ما. ﴿كادَ:﴾ فعل ماض من أفعال المقاربة، واسمها ضمير مستتر تقديره:
«هو» يعود إلى الرسول ﷺ . ﴿لَيُضِلُّنا:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات عند البصريين، وهي بمعنى «إلا» عند الكوفيين. (يضلنا): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الرسول أيضا، و (نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كادَ﴾.
﴿عَنْ آلِهَتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَوْلا:﴾
стр. 4100
حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿إِنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿صَبَرْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون، و (نا): فاعله. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿إِنْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف أيضا، وتقدير الكلام لولا صبرنا موجود لأضلنا عن آلهتنا. والكلام: ﴿إِنْ كادَ..﴾.
إلخ في محل نصب مقول القول المحذوف المقدر في الآية السابقة قبل: ﴿أَهذَا..﴾. إلخ.
﴿وَسَوْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿يَرَوْنَ:﴾
فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة:
﴿حِينَ﴾ إليها. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَضَلُّ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿سَبِيلاً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ أَضَلُّ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا مفعولا به، فيكون: ﴿أَضَلُّ﴾ خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره: هو أضل، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها ليست من مقولهم. تأمل، وتدبر، والله أعلى، وأعلم، وأجل، وأكرم.
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣)﴾
الشرح: ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ أخبرني. ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ:﴾ بأن أطاع هواه، وبنى عليه دينه، لا يسمع حجة، ولا يبصر دليلا؛ وقد طبع على قلبه. وقال القرطبي: عجّب نبيه ﷺ من إصرارهم على الشرك مع إقرارهم بأنه خالقهم، ورازقهم، ثم يعمد أحدهم إلى حجر يعبده من غير حجة. قال الكلبي وغيره: كان العرب إذا هوي الرجل منهم شيئا عبده من دون الله، فإذا رأى أحسن منه؛ ترك الأول، وعبد الأحسن. انتهى. ويروى: أن أحدهم إذا كان في سفر، وأراد أن ينام، فإنه يأخذ ثلاثة أحجار، فيختار إحداهن، وينصبها إلها، ويتوسد الثانية في نومه، ويستنجي بالثالثة من غائطه وبوله.
﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً:﴾ حفيظا تمنعه من الشرك والمعاصي، أفتتوكل عليه وتجبره على الإسلام، وتقول له: لا بد أن تسلم شئت، أو أبيت، ولا إكراه في الدين، وهذا كقوله تعالى:
﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ والخطاب كله للنبي ﷺ .
هذا؛ و «الهوى» يقصر، ويمد، والمراد بالأول: الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، ومنه ما في الآية الكريمة، وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ ومدح من يخافه، ويخشاه بقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما
стр. 4101
تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود: ما بين السماء والأرض، وقد جاء الهوى بمعنى العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق
وإليك هذين البيتين فإنهما من النكت الحسان: [الكامل]
جمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران
فقصرت بالممدود عن نيل المنى... ومددت بالمقصور في أكفاني
وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر؛ لأنه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحب الخير، وجمعه: أهواء، وجمع الممدود: أهوية.
الإعراب: ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام تعجبي. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ ماض، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنِ﴾. ﴿إِلهَهُ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿هَواهُ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿إِلهَهُ﴾ مفعولا ثانيا مقدما، و ﴿هَواهُ﴾ مفعولا أولا مؤخرا، (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿وَكِيلاً:﴾ خبر ﴿تَكُونُ،﴾ وجملة: ﴿تَكُونُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَفَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل ﴿أَرَأَيْتَ،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. والجملة الفعلية: ﴿اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها.
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤)﴾
الشرح: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ:﴾ المعنى: بل أتظن: أن أكثرهم يسمعون الكلام سماع قبول، أو يفهمون ما تقول لهم، فيجدي معهم الكلام، وتفيد الحجج، والبراهين، فتهتم بشأنهم، وتطمع في إيمانهم، وهو أشد مذمة مما قبله حتى حقّ بالإضراب عنه إليه، وتخصيص الأكثر؛ لأنه كان منهم من آمن، ومنهم من عقل الحق ولم يقبله استكبارا، وعنادا، أو خوفا على الرياسة، والزعامة أن تذهب منه، وهذا يشمل كل من كابر وعاند، في عهد النبي ﷺ وبعده إلى قيام الساعة.
стр. 4102
﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ:﴾ في عدم الانتفاع بقرع الآيات آذانهم، وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل، والمعجزات. ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً:﴾ من الأنعام؛ لأنها تنقاد لمن يتعهدها، وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها، وتتجنب ما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يفرقون بين إحسانه وإساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار؛ ولأنها إن لم تعتقد حقا، ولم تكتسب خيرا؛ لم تعتقد باطلا، ولم تكتسب شرا، بخلاف هؤلاء؛ ولأن جهالتها لا تضر بأحد، وجهالة هؤلاء تؤدي إلى تهييج الفتن، وصد الناس عن الحق؛ ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال، فلا تقصير منها ولا ذم، وهؤلاء مقصرون مستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم. انتهى. بيضاوي بتصرف بسيط. هذا؛ وانظر الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف).
الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي بمعنى بل التي للإضراب كما رأيت في الشرح.
﴿تَحْسَبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسم ﴿أَنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ وجملة:
﴿يَعْقِلُونَ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل ﴿تَحْسَبُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنَّ:﴾
حرف نفي بمعنى «ما». ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كَالْأَنْعامِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿هُمْ أَضَلُّ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿سَبِيلاً:﴾ تمييز.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ﴾ أي: ألم تنظر إلى صنعه . ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ أي: بسطه، فعم الأرض، وذلك من حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس في قول الجمهور؛ لأنه ظل ممدود لا شمس معه، ولا ظلمة شديدة، وهو أطيب الأحوال؛ لأن الظلمة الشديدة تنفر الطبع، وتمنع النظر، وشعاع الشمس يسخن الجو، ويبهر البصر، ولذلك وصف به الجنة، فقال جل شأنه: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. ﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً:﴾ أي دائما ثابتا لا يزول، ولا يذهب بالشمس، قال ابن عباس-﵄: يريد إلى يوم القيامة، وقيل: المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع؛ أي: ولكنه لم يشأ ذلك. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ أي: جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل شيء؛ لأن الأشياء تعرف بأضدادها، فلولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها، والدليل هنا
стр. 4103
فعيل بمعنى الفاعل، وقيل: بمعنى المفعول، كالقتيل، والدهين، أي دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به، وأزالته، ولم يؤنث (الدليل)؛ لأنه في معنى الاسم، كما يقال: الشمس برهان، والشمس حق. هذا؛ ولا تنس: أن في الآية الكريمة التفاتا من الغيبة إلى التكلم.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام تقريري. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الحال تقدم على عامله وصاحبه. ﴿مَدَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبِّكَ﴾. ﴿الظِّلَّ:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بدل اشتمال من: ﴿رَبِّكَ،﴾ والمعنى: ألم تر إلى ربك كيفية مد الظل. ومثل ذلك قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٩]: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ فالجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ بدل اشتمال من العظام، وانظر الشاهد [٣٧٣] من كتابنا فتح القريب المجيب، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبِّكَ،﴾ ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَجَعَلَهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (جعله): فعل ماض، والهاء مفعوله الأول، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّكَ﴾. ﴿ساكِناً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين، وقيل: الكلام في محل نصب حال. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الشَّمْسَ:﴾ مفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وليس بشيء. ﴿دَلِيلاً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿جَعَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
تنبيه: الإعراب المتقدم إنما هو إعراب ابن هشام في مغني اللبيب وتقديره، كما في الشاهد الذي ذكرته لك في كتابنا، وبعضهم يعتبر الجملة الفعلية ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل: (ترى) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. والله أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ أي: أخذنا ذلك الظل الممدود. ﴿إِلَيْنا:﴾ إلى حيث أردنا وشئنا.
﴿قَبْضاً يَسِيراً﴾ أي: سهلا غير عسير، أو قليلا قليلا، أي جزآ فجزآ بالشمس التي تأتي عليه، فالظل مكثه في هذا الجو بمقدار طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل
стр. 4104
مقبوضا. هذا؛ وقيل: معنى ﴿يَسِيراً﴾ سريعا؛ قاله الضحاك. وقال قتادة: خفيا، أي إذا غابت الشمس قبض الظل قبضا خفيا، كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة، وليس يزول دفعة واحدة. هذا؛ وجاء ب: ﴿ثُمَّ﴾ العاطفة التي هي للتراخي في هذه الآية وسابقتها لتفاضل ما بين الأمور، فكان الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم من الثاني، شبه تباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت. هذا؛ ولا تنس: الحكمة المترتبة على مد الظل وقبضه بواسطة الشمس، أي بشروقها، وغروبها، وهي انتظام مصالح الكون، وتحصيل ما لا يحصر من منافع الخلق به. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿قَبَضْناهُ﴾ استعارة تصريحية تبعية، استعير فيها لفظ المشبه به، وهو البعد، والتراخي للمشبه، وهو تفاضل الأمور.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف وتراخ. ﴿قَبَضْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿قَبْضاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿يَسِيراً:﴾ صفة له.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً﴾ أي: سترا للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن. قال الطبري: وصف الليل باللباس تشبيها من حيث يستر الأشياء، ويغشاها. ﴿وَالنَّوْمَ سُباتاً:﴾ راحة للأبدان بالانقطاع عن الأشغال، وأصل السبات من التمدد، وقيل للنوم: سبات؛ لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة. وقيل: السبت: القطع، فالنوم انقطاع عن الأعمال، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الأعمال فيه. ﴿وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً﴾ أي: ذا نشور، أي انتشار ينتشر الناس فيه للمعاش، أو هو بعث من النوم كبعث الأموات، وفيه إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت، والبعث يوم القيامة، ومن وصية لقمان ﵇ لابنه: يا بني كما تنام، فتوقظ، كذلك تموت، فتنشر. هذا؛ وسبت الشيء: قطعه، وسبت الرأس: حلقه، والسبت: مصدر ويوم من أيام الأسبوع، وجمعه: أسبت، وسبوت، والسبت أيضا: النوام، والفرس، والجواد، والرجل الداهية. هذا؛ والسّبت بكسر السين: الجلد المدبوغ، قال عنترة في وصف الشجاع الذي افتخر بقتله: [الكامل]
بطل كأنّ ثيابه في سرحة... يحذى نعال السّبت ليس بتوءم
وكان النبي ﷺ إذا أصبح قال: «الحمد لله الّذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور». وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق، فيها إظهار لنعمته على خلقه؛ لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية، ودنيوية، وقد كثر هذا الامتنان من الله على خلقه مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢]
стр. 4105
من سورة (الإسراء)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الروم).
هذا؛ والنوم قسمان: نوم العين، ونوم القلب، فنوم العين فترة طبيعية تعتري الحيوان، وتتعطل حواسه بها. وأما نوم القلب فهو تعطيل القوى المدركة. والثاني لم يقع منه ﷺ ؛ لأن قلبه لا ينام، كما في حديث الصحيحين عنه ﷺ : أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان ولا ينام قلبي».
ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط]
لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم
هذا؛ والمنام مصدر ميمي بمعنى النوم، أو هو اسم مكان بمعنى موضعه، أو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأن «مفعلا» يصلح لهذا كله. هذا؛ والنوم هو الموتة الصغرى، لذا أرشدنا سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ أن نقول عند القيام من النوم: «سبحان من أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النّشور».
الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿جَعَلَ:﴾
فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿لِباساً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا.
﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿لِباساً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ﴾ بمعنى: بعث، وفي آية (الأعراف) رقم [٥٧] بالمضارع.
﴿الرِّياحَ:﴾ ويقرأ: «(الريح)» بالإفراد. هذا؛ وذكر في الآية رقم [١٦٤] من سورة (البقرة) أن من الآيات الدالة على قدرته تصريف الرياح، وتصريفها: تقليبها شمالا، وجنوبا، وقبولا، ودبورا، وانظر الآية رقم [٦٩] من سورة (الإسراء).
﴿بُشْراً:﴾ جمع بشير، وهو بضم الباء وسكون الشين، ويقرأ بضمتين، مثل: رسل، وسبل ونحوهما. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: عسر، ويسر، وأسد، ورحم. هذا؛ ويقرأ:
«(نشرا)» بضم النون، مع ضم الشين وسكونها، على أنه جمع: نشور بمعنى: ناشر وبمعنى:
طاهر، ويجوز أن يكون جمع: نشور بمعنى: منشور، ويقرأ: «(نشرا)» بفتح النون وسكون الشين على أنه مصدر نشر بعد الطي، والقراآت كلها سبعية، كما يقرأ: «(بشرى)» على وزن: حبلى، أي: ذات بشارة، وكما يقرأ: «(بشرا)» بفتح الباء وسكون الشين، وهو مصدر بشرته: إذا بشرته.
стр. 4106
وعن عبد الله بن عمر-﵄: إن الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي القاصف، والعاصف، والصرصر، والعقيم. وأربع منها رحمة، وهي: الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني: أمام المطر الذي هو رحمته ؛ وإنما سماه رحمة؛ لأنه سبب لحياة الأرض. هذا؛ و ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ بمعنى: أمام، وقدام مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، وكل ذلك من باب الاستعارة. ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾
انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء). ﴿طَهُوراً:﴾ مطهرا، قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ وهو اسم لما يتطهر به، كالوضوء والوقود بفتح الواو، لما يتوضأ به، ويوقد به، قال النبي ﷺ : «التّراب طهور المؤمن طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعا، إحداهنّ بالتّراب». ووصف الماء به إشعار بالنعمة فيه، وتتميم للنعمة فيما بعده، فإن الماء الطهور أنفع وأهنأ مما خالطه ما يزيل طهوريته. هذا؛ والطهور بضم الطاء: المصدر، ولا تنس: الالتفات في الآية من الغيبة إلى جمع المتكلم.
الإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ:﴾ هذه الجملة مثل الجملة في الآية السابقة في إعرابها.
﴿بُشْراً:﴾ حال من الرياح، وقيل: مفعول مطلق، وهذا على قراءته بالنون؛ لأن أرسل وأنشر متقاربان في المعنى. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿بُشْراً،﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء لأنه مثنى لفظا، وحذفت النون للإضافة، و ﴿يَدَيْ:﴾ مضاف، و ﴿رَحْمَتِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أنزلنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والالتفات يمنع العطف. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له فلمّا قدّم عليه؛ صار حالا. ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به. ﴿طَهُوراً:﴾ صفة له.
﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩)﴾
الشرح: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ:﴾ بالمطر. ﴿بَلْدَةً مَيْتاً﴾ أي: بالجدب، والمحل، وعدم النبات. قال كعب: المطر روح الأرض يحييها الله به، وقال في سورة (الحج): ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ وإنما ذكر ﴿مَيْتاً؛﴾ لأن البلدة في معنى البلد. قاله الزجاج، وقيل: أراد بالبلدة المكان، وقد أنثها الأعشى في قوله: [البسيط]
وبلدة مثل ظهر التّرس موحشة... للجنّ باللّيل في حافاتها زجل
وقال جران العود أيضا: [الرجز]
وبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير، وإلاّ العيس
стр. 4107
و (نسقيه): يقرأ بضم النون من الرباعي، وبفتح النون من الثلاثي، ومن الأول قوله تعالى:
﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (المؤمنون)، وكذلك شرح (ميت) في الآية رقم [١٥] منها. ﴿أَنْعاماً:﴾ الأنعام تطلق على المأكول من الحيوانات: البقر، والغنم، والإبل، والماعز، والمراد هنا المأكول وغيره. ﴿وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾ أي: بشرا كثيرا، واحده: إنسيّ، وهو قول الأخفش، والمبرد، وأحد قولي الفراء، وله قول آخر، وهو أن يكون واحده إنسانا، ثم تبدل من النون ياء، فتقول: أناسي، والأصل أناسين، مثل: سرحان، وسراحين، وبستان، وبساتين، فجعلوا الياء عوضا من النون، وعلى هذا يجوز سراحيّ وبساتيّ لا فرق بينهما، وقال: لا فرق بينهما. انتهى. قرطبي. وقال الجمل:
أناسين، كسرحان، وسراحين وهذا مذهب سيبويه، وهو الراجح. وجزم ابن هشام، وابن مالك بأنه جمع: إنسان لا جمع إنسي، وقد قال: ﴿كَثِيراً﴾ ولم يقل: كثيرين؛ لأن فعيلا قد يراد به الكثرة، وهو يطلق على المفرد والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، نحو قوله تعالى:
﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ قال الجمل نقلا عن شيخه: خص الأنعام بالذكر؛ لأنها ذخيرتنا، ومدار معاش أكثر المدر، ولذلك قدم سقيها على سقيهم، كما قدم عليها إحياء الأرض، فإنها سبب لحياتها وتعيشها، فقدم ما هو سبب حياتهم، ومعاشهم. انتهى.
الإعراب: ﴿لِنُحْيِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أنزلنا) في الآية السابقة. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَلْدَةً:﴾ مفعول به. ﴿مَيْتاً:﴾ صفة: ﴿بَلْدَةً﴾. ﴿وَنُسْقِيَهُ:﴾ فعل مضارع معطوف على الفعل قبله منصوب مثله، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَنْعاماً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة... إلخ، ﴿خَلَقْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: من الذي خلقناه.
﴿أَنْعاماً:﴾ مفعول به ثان للفعل (نسقي). (أناسي): معطوف على ﴿أَنْعاماً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، إن كان جمع: إنسي، والياء نيابة عن الفتحة إن كان جمع إنسان؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وأصله أناسين، وتكون النون قد قلبت ياء، وأدغمت الياء في الياء. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة أناسي على الوجهين المعتبرين فيه.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: صرفنا المطر بين الناس، مرة ببلدة، ومرة ببلدة أخرى في البلدان المختلفة، والأوقات المتغايرة، والصفات المتفاوتة، من وابل، وطل، وغيرهما، وعن
стр. 4108
ابن عباس-﵄-قال: ما عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض، وقرأ هذه الآية. وهذا كما روي مرفوعا: «ما من ساعة من ليل، ولا نهار؛ إلا والسماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء». وروي عن ابن مسعود يرفعه قال: «ليس من سنة بأمطر من سنة أخرى، ولكن الله قسم هذه الأرزاق، فجعلها في هذه السماء الدنيا، في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم، ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، وإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك المطر إلى الفيافي والبحار».
وقال القرطبي: الضمير المنصوب يعود إلى القرآن، وقد جرى ذكره في الآية رقم [١]، وفي الآية رقم [٢٩]، وفي الآية رقم [٣٠] وهي على التوالي ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ﴾. ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي﴾. ﴿اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ فيكون كما في الآية رقم [٤١] من سورة (الإسراء) ولم يوافق القرطبي عليه أحد من المفسرين. ﴿لِيَذَّكَّرُوا:﴾ ليتعظوا، ويعتبروا، وقرئ الفعل بالتخفيف هنا، وفي سورة (الإسراء) فيكون بمعنى الذكر.
﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ أي: جحودا لنعم الله تعالى، وقلة الاكتراث لها، أو جحودها بأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا، ومن لا يرى الأمطار إلا بالأنواء كافر، بخلاف من يرى أنها من خلق الله، والأنواء وسائط، وأمارات يجعله جل ذكره وتعالى شأنه، فعن زيد بن خالد الجهني-﵁: أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر ماء من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟». قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، وكافر بالكواكب، وأمّا من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب». متفق عليه. انتهى. خازن.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥] ففيها الكفاية. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِيَذَّكَّرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له.
﴿فَأَبى:﴾ الفاء: حرف عطف. (أبى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.
﴿أَكْثَرُ:﴾ فاعله، و ﴿أَكْثَرُ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿كُفُوراً:﴾ مفعول به، وقيل: مفعول مطلق، ولا وجه له البتة، وجملة: ﴿فَأَبى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
стр. 4109
﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً﴾ أي: رسولا ينذرهم، كما قسمنا المطر بين الناس، ولكننا لم نفعل، بل جعلناك نذيرا لجميع البشر لترتفع درجتك، ويزداد فضلك وقدرك، وفضلناك على سائر الرسل، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾.
﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ:﴾ فيما يريدونك عليه، وحاشاه ﷺ أن يطيع الكافرين، وإنما أراد بهذا تهييجه، وتهييج أصحابه، وتحريكهم. ﴿وَجاهِدْهُمْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، أي جادلهم به، وقرعهم بالعجز عن معارضته. ﴿جِهاداً كَبِيراً:﴾ جامعا لكل أنواع المجاهدة.
والمراد: أن الكفار يجدّون، ويجتهدون في معارضتك، ومحاربتك، وتوهين أمرك، وصد الناس عنك، فقابلهم بما تقدر عليه من جدك واجتهادك، وعضك على نواجذك بما تغلبهم به، وترد كيدهم في نحورهم، وإن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف، ومنه قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿شِئْنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَبَعَثْنا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (بعثنا): فعل، وفاعل. ﴿فِي كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿نَذِيراً﴾ بعدهما. و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿قَرْيَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿نَذِيراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَبَعَثْنا..﴾. إلخ جواب (لو)، لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا؛ فلا... إلخ. (لا):
ناهية جازمة. ﴿تُطِعِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت» ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿فَلا تُطِعِ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿وَجاهِدْهُمْ:﴾ فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿جِهاداً:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَبِيراً:﴾ صفة له.
стр. 4110
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: الله الذي... إلخ، فكنى جلّت قدرته عن نفسه بضمير الغيبة. و ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ:﴾ أرسلهما، وخلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يختلطان، ولا يتمازجان من: مرج دابته: إذا خلاها وأرسلها في المرعى، ومرج الدين والأمر: اختلط واضطرب؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ،﴾ وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: «إذا رأيت النّاس مرجت عهودهم، وخفّت أماناتهم، وكانوا هكذا، وهكذا، -وشبّك بين أصابعه-» فقال: كيف أصنع عند ذلك، جعلني الله فداك؟! قال: «الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصّة أمر نفسك، ودع عنك أمر العامّة».
خرجه النسائي، وأبو داود، وغيرهما. هذا؛ ومصدر «مرج» المرج، وهو أيضا أرض ذات نبات، ومرعى، والجمع: مروج مثل: فلس، وفلوس. وانظر ما ذكرته في سورة (المائدة) رقم [١٠٥].
﴿هذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ أي: أحدهما حلو شديد العذوبة قاطع للعطش لشدة عذوبته. ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أي: شديد الملوحة، ولشدة ملوحته فيه مرارة. وفي القاموس: فرت الماء ككرم فروتة:
عذب، وفيه أيضا أجّ الماء أجوجا بالضم يأجج، كيسمع، ويضرب، وينصر، أي: فيأتي فعله من ثلاثة أبواب: إذا اشتدت ملوحته. هذا؛ وفي قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ استعارة تصريحية حيث شبههما جلت قدرته، وتعالت حكمته بطائفتين معاديتين، تريد كل منهما الإيقاع بالأخرى، وتتربص بها الدوائر، ولكنها عند ما تحصل على ما تريد تمتنع من البغي، فجعل المعنى المستعار كاللفظ المقول. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً﴾ أي: حاجزا من قدرته؛ فلا يختلط أحدهما بالآخر فلا يرى، ولا يشاهد، كما قال جل شأنه في سورة (الرحمن): ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾. ﴿وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ أي: سترا مستورا يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر، فالبرزخ الحاجز، والحجر المانع، وقيل: حراما محرما أن يعذب هذا الملح بالعذب، أو يملح هذا العذب بالملح، وانظر الآية رقم [٢٢].
الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف. (هو): ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مَرَجَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْبَحْرَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له.
(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَذْبٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿فُراتٌ:﴾
стр. 4111
صفة: ﴿عَذْبٌ،﴾ صفة كاشفة على حد: أحمر قان، وأبيض ناصع، ونحو ذلك، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾. والرابط: اسم الإشارة، واعتبرها السمين مستأنفة، وجوز الحالية، وأعتمد الحالية، أو هي مقولة لحال محذوفة، أي مقولا فيهما: هذا عذب... إلخ، وهو أظهر. وجملة: ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها، بلا فارق.
(جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية وهو في موضع المفعول الثاني. هذا؛ ويجوز اعتبار الظرف متعلقا بمحذوف حال من ﴿بَرْزَخاً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿بَرْزَخاً:﴾ مفعول به.
﴿وَحِجْراً:﴾ معطوف عليه. ﴿مَحْجُوراً:﴾ تأكيد لما قبله، أي: فهو صفة مؤكدة، وجملة:
﴿وَجَعَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وهذا ممّا يؤكد الحالية في الجملة الاسمية: ﴿هذا عَذْبٌ..﴾. إلخ، وإذا لم نعتبرها حالا فهي معترضة بين المتعاطفين.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً:﴾ يحتمل الماء أمرين: أحدهما: المراد به الماء الذي خمر به طينة آدم، ﵊. والثاني: المراد به النطفة. وعلى الاحتمالين فقد جعل الله الماء جزآ من مادة البشر لتجتمع وتسلس، وتقبل الأشكال والهيئات بسهولة. ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ أي: خلق الله من الماء المذكور بشرا وقسمه قسمين: ذوي نسب، أي: ذكور ينسب إليهم، وذوات صهر، أي: إناثا يصهر بهن، وهو كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾.
﴿وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً:﴾ حيث خلق مادة واحدة بشرا، ذا أعضاء مختلفة، وطباع متباعدة، وجعله قسمين متقابلين، لا يمكن التعايش إلا باجتماعهما، ولا يعمر الكون إلا بتمازجهما واختلاطهما. هذا؛ واشتقاق الصهر من صهرت الشيء: إذا خلطته، فكل واحد من الصهرين قد خالط صاحبه، فسميت المناكح صهرا لاختلاط الناس بها، وتقاربهم بسببها، وانظر شرح كان في الآية رقم [٦]. قال ابن سيرين-رحمه الله تعالى-: نزلت هذه الآية في النبي ﷺ وعلي ﵁؛ لأنه جمعه معه نسب، وصهر. هذا؛ وجمع الصهر: أصهار.
تنبيه: قال الخليل: الصهر: أهل بيت المرأة، وقال: ومن العرب من يجعل الأحماء، والأختان جميعا أصهارا. وقال الأزهري: الصهر يشتمل على قرابات النساء ذوي المحارم، وذوات المحارم، كالأبوين، والإخوة، وأولادهم، والأعمام، والأخوال، والخالات، فهؤلاء أصهار زوج المرأة، ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم، فهم أصهار المرأة أيضا، وقال ابن السكيت: كل من كان من قبل الزوج من أبيه، أو أخيه، أو عمه، فهم الأحماء، ومن كان من قبل
стр. 4112
المرأة؛ فهم الأختان، ويجمع الصنفين: الأصهار، وصاهرت إليهم، ولهم، وفيهم: إذا تزوجت فيهم. هذا؛ ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً:﴾ انظر الآية السابقة ففيها الكفاية. (جعله): فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿نَسَباً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿فَجَعَلَهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. (صهرا): معطوف على ما قبله. ﴿وَكانَ:﴾ الواو:
حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿رَبُّكَ:﴾ اسم (كان)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿قَدِيراً:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥)﴾
الشرح: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ..﴾. إلخ: لما عدد الله النعم وبيّن كمال قدرته؛ عجب من المشركين في إشراكهم به من لا يقدر على نفع، ولا ضر؛ أي: إن الله هو الذي خلق ما ذكره، ثم إن هؤلاء لجهلهم يعبدون من دونه أمواتا جمادات، لا تنفع، ولا تضر.
﴿وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً:﴾ روي عن ابن عباس-﵄: أنه قال: الكافر هو إبليس ظهر على عداوة ربه. والمعنى: معينا للشيطان على المعاصي. وقيل: المعنى: وكان الكافر على ربه هينا ذليلا، لا قدر له، ولا وزن عنده، من قول العرب: ظهرت به، أي: جعلته خلف ظهرك، ولم تلتفت إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ وهو نحو قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ فيكون المعنى: كفر الكافرين هين على الله تعالى، والله مستهين به؛ لأن كفر الكافر لا يضره.
وقيل: المعنى: وكان الكافر على ربه الذي يعبده، وهو الصنم قويا غالبا يعمل به ما يشاء؛ لأن الجماد لا قدرة له على دفع ضر، وجلب نفع، وانظر الآية رقم [٣] وشرحها. هذا؛ والظهير: المعين، والمعاون، والمساعد، فهو فعيل بمعنى مفاعل، يطلق على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال تعالى في سورة (التحريم): ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ومثله: الخليط والصديق، قال الشاعر في وصف النساء: [الرجز]
هنّ صديق للّذي لم يشب
الإعراب: ﴿وَيَعْبُدُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يعبدون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما،
стр. 4113
و ﴿يَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿لا يَنْفَعُهُمْ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط، رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ معطوفة عليها، وجملة: ﴿وَكانَ الْكافِرُ..﴾.
إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها، والجار والمجرور: ﴿عَلى رَبِّهِ﴾ متعلقان ب ﴿ظَهِيراً﴾ بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وأجيز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر (كان)، و ﴿ظَهِيراً﴾ حالا، أو خبرا ثانيا ل (كان)، والأول أقوى.
﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (٥٦)﴾
الشرح: الخطاب في هذه الآية للرسول ﷺ ، يقول الله له: إنما أنت مبشر للمؤمنين الطائعين بالجنة ونعيمها الدائم، ومنذر للكافرين، والفاسدين المفسدين بنار السموم وعذاب الجحيم. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ قصر إضافي، وهو هنا قصر موصوف على صفة، وهو كثير في كتاب الله تعالى. ولا تنس: المطابقة بين ﴿مُبَشِّراً﴾ و (نذيرا).
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مُبَشِّراً:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال مستثنى من عموم الأحوال. (نذيرا): معطوف على ما قبله بالواو العاطفة. هذا؛ وعبارة الشهاب: أي ما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حال كونك مبشرا ونذيرا فلا تحزن على عدم إيمانهم. انتهى. جمل، وهو يفيد الحالية. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٥٧)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ . ﴿ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ الرسالة الذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً،﴾ أو على ما جئتكم به من الوحي، والقرآن. ﴿مِنْ أَجْرٍ:﴾ فتقولوا حينئذ: إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعوننا إليه فلا نتبعه. ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ:﴾
والمراد إلا فعل من شاء. ﴿أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً:﴾ أن يتقرب إليه، ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة، فصور سبحانه ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود فعله، أو المعنى: لكن من شاء أن يتخذ بإنفاق ماله سبيلا إلى ربه، وعليه فالمعنى: لا أسألكم لنفسي أجرا، ولكن أمنع من إنفاق المال إلا في طلب مرضاة الله، واتخاذ السبيل إلى جنته.
هذا؛ والسبيل: الطريق، يذكر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾
стр. 4114
أَدْعُوا إِلَى اللهِ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين، وقد تسكن الباء، كما في: رسل، وعسر، ويسر. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: حلم، ورحم، وعسر... إلخ.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ نافية.
﴿أَسْئَلُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول.
﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من ﴿أَجْرٍ،﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَجْرٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء منقطع بمعنى: لكن. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿إِلى رَبِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلاً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. وقيل: في محل نصب مفعول ثان ل ﴿يَتَّخِذَ،﴾ وليس بشيء، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿شاءَ أَنْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة:
﴿ما أَسْئَلُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨)﴾
الشرح: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ أي: في استكفاء شرور الكافرين المجرمين، والاستغناء عن أجورهم، فإن الله هو الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون، فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم، وأما الله تعالى فإنه حي لا يموت، فلا ينقطع توكل من توكل عليه، ولا يضيع البتة. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ:﴾ نزهه سبحانه عن صفات النقصان، مثنيا عليه بأوصاف الكمال، طالبا لمزيد الإنعام بالشكر على فضله، وكرمه، وجوده.
﴿وَكَفى بِهِ:﴾ فهو هنا بمعنى: اكتف، فالباء زائد عند الجمهور في الفاعل، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ،﴾ وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى؛ فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنه يكون متعديا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾.
(ذنوب): جمع ذنب، وهو يطلق على مخالفة الله فيما أمر، أو فيما نهى عنه، وهو على درجات، منها الصغائر، ومنها الكبائر، وتفصيلها معروف في محالها. هذا؛ وذنوب بالمعنى
стр. 4115
المتقدم بضم الذال، وهو بفتحها بمعنى النصيب، قال تعالى في سورة (الذاريات) رقم [٥٩]:
﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ وذنوب بفتحها: الدلو العظيمة في الأصل، قال الراجز: [الرجز]
إنّا إذا شاربنا شريب... له ذنوب، ولنا ذنوب
فإن أبى كان له القليب
الإعراب: ﴿وَتَوَكَّلْ:﴾ الواو: حرف استئناف. وقيل: عاطفة. (توكل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلَى الْحَيِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿الْحَيِّ،﴾ وجملة: ﴿لا يَمُوتُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب. (سبح): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِحَمْدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: سبح ملتبسا بحمده تعالى. وهو أولى، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَسَبِّحْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف استئناف. (كفى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِهِ:﴾ الباء: حرف جر زائد، والضمير فاعل (كفى)، فهو مجرور لفظا مرفوع محلا.
﴿بِذُنُوبِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَبِيراً﴾ بعدهما، و (ذنوب) مضاف، و ﴿عِبادِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ﴿خَبِيراً:﴾ تمييز لجملة (كفى به)، وقيل: حال، والأول أعرف في مثل ذلك، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩)﴾
الشرح: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ:﴾ من أيام الدنيا، أي في قدرها؛ لأنه لم يكن ثمة شمس، ولو شاء لخلقهن في لمحة البصر، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت، والتأني في الأمور. هذا؛ وما ذكر من أن الله ابتدأ الخلق يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة عصرا، فخلق الأرض في يومين: الأحد، والاثنين، وما بينهما في يومين: الثلاثاء، والأربعاء، والسموات في يومين: الخميس، والجمعة، كل ذلك لم يثبت، قاتل الله اليهود، فإنهم يقولون: استراح ربنا يوم السبت؛ فلذا اختاروه للراحة والعبادة، وقال ﴿بَيْنَهُما،﴾ ولم يقل: بينهن؛ لأنه أراد الصنفين، أو النوعين، أو الشيئين، كقول القطامي: [الوافر]
ألم يحزنك أنّ حبال قيس... وتغلب قد تباينت انقطاعا
стр. 4116
أراد: وحبال تغلب، فثنى، والحبال: جمع؛ لأنه أراد الشيئين، والنوعين. وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وعن سعيد بن جبير-﵄-قال: إنما خلقهما في ستة أيام، وهو يقدر على أن يخلقهما في لحظة تعليما لخلقه الرفق، والتثبت.
﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: استولى، ولا يجوز تفسيره باستقر، وثبت، فيكون صفة لله من صفات الحوادث، وهناك من يقول: استوى استواء يليق به، وهو مذهب السلف، والأول مذهب الخلف، وهذا التأويل ينبغي أن يقال في كل ما يوهم وصفا، لا يليق به تعالى، وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء) لشرح العرش؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ:﴾ اسأل عنه ﴿خَبِيراً﴾ قاله الزجاج، وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة: أن الباء تكون بمعنى عن، كما قال تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ وقال علقمة بن عبدة: [الطويل]
فإن تسألوني بالنّساء فإنّني... خبير بأدواء النّساء طبيب
أي: عن النساء. ورده، وأنكره جماعة. وقال البيضاوي: فاسأل عما ذكر من الخلق والاستواء عالما يخبرك بحقيقته، وهو الله تعالى، أو جبرائيل، أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقوك فيه.
وقيل: الضمير ل: ﴿الرَّحْمنُ﴾ والمعنى: إن أنكروا إطلاقه على الله تعالى؛ فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم انتهى، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ثانية ل ﴿الْحَيِّ،﴾ أو هو بدل من: ﴿الَّذِي لا يَمُوتُ،﴾ أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو في محل رفع مبتدأ، خبره ﴿الرَّحْمنُ،﴾ أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره:
أعني الذي. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على السموات. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فِي سِتَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿خَلَقَ،﴾ و ﴿سِتَّةِ﴾ مضاف، و ﴿أَيّامٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾.
إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِسْتَوى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ لا محل لها. ﴿عَلَى الْعَرْشِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ بالرفع يجوز فيه ثلاثة أوجه: أن يكون بدلا من فاعل: ﴿اِسْتَوى﴾ المستتر، وأن يكون خبرا ل: ﴿الَّذِي﴾ على وجه فيه، أو خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره: هو الرحمن، وأن يكون مبتدأ خبره جملة:
﴿فَسْئَلْ﴾ والفاء زائدة على رأي الأخفش، وهو أحد وجهين في الآية رقم [٢] من سورة (النور).
стр. 4117
هذا؛ وقرئ بالجر على أنه بدل من: ﴿الْحَيِّ﴾. ويجوز فيه النصب على تقدير: أعني الرحمن، ولم يقرأ به أحد. ﴿فَسْئَلْ:﴾ الفاء: زائدة على وجه رأيته، وهي حرف استئناف على غيره، ويكون الوقف على ﴿الرَّحْمنُ﴾. (اسأل): فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا تقديره: «أنت».
﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما على اعتبار الباء بمعنى «عن»، ومتعلقان بما بعدهما على إبقائها على ظاهرها. ﴿خَبِيراً:﴾ مفعول به، وقيل: حال، ولا وجه له، وجملة:
﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ مستأنفة، لا محل لها، أو هي خبر المبتدأ على وجه مر ذكره في الرحمن.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: لمشركي قريش. ﴿اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ﴾ أي: لله تعالى، ومن أسمائه: الرحمن. ﴿قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ:﴾ على جهة الإنكار، والتعجب، أي: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. يعنون: مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة في عهد النبي ﷺ ، وكأنهم فهموا:
أن تعدد الأسماء يدل على تعدد المسمى، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء).
﴿أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ أي: تأمرنا أنت يا محمد، وقرئ بالياء، يعنون الرحمن، أو الرسول ﷺ ، ويكون من قول بعضهم لبعض، وعلى القراءتين فالاستفهام تعجبي إنكاري. ﴿وَزادَهُمْ نُفُوراً﴾ أي:
زادهم قول القائل لهم: ﴿اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ﴾ نفورا عن الدين، وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول في هذه الآية: إلهي زادني لك خضوعا ما زاد عداك نفورا؟. انتهى. وأنا أقول: اللهم زدني لك خضوعا ما زاد الفاسدين المفسدين نفورا عن الحق والدين. هذا؛ وفي هذه الآية سجدة، فيسن للقارئ، والسامع، والمستمع السجود عند تلاوتها. وانظر ما ذكرته في الآية الأخيرة من سورة (الأعراف)، والآية رقم [٥٠] من سورة (النحل) أيضا.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف، (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وإذا قيل قول، وقيل: الجار، والمجرور ﴿لَهُمُ﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. وقيل: جملة: ﴿اُسْجُدُوا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا كلام لا غبار عليه، انظر الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والكلام عليه. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما في محل نائب فاعل.
стр. 4118
﴿اُسْجُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، أو هي في محل رفع نائب فاعل على نحو ما رأيت، وجملة:
﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿وَمَا:﴾ الواو: زائدة مقوية للكلام. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع خبر مقدم. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ خبر، أو مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَنَسْجُدُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري تعجبي. (نسجد): فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿لِما:﴾ اللام: حرف جر. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَأْمُرُنا:﴾ فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره:
«أنت»، أو هو على حسب قراءته، بالتاء، أو بالياء، و (نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تأمرناه، أو تأمرنا به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، التقدير:
أنسجد من أجل أمرك، والجملة الفعلية: ﴿أَنَسْجُدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَزادَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (زادهم): فعل ماض، والهاء مفعوله الأول. ﴿نُفُوراً:﴾ مفعوله الثاني، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المفهوم من الكلام السابق، أي: زادهم قول القائل، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا)، لا محل لها مثله.
﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١)﴾
الشرح: ﴿تَبارَكَ الَّذِي:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً﴾ أي: منازل للكواكب السبعة السيارة. وأصل البروج: القصور العالية، قال تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ سميت هذه المنازل بروجا؛ لأنها للكواكب السيارة كالمنازل الرفيعة التي هي القصور لسكانها، وهي اثنا عشر: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. والكواكب السيارة هي المريخ، وله: الحمل، والعقرب. والزهرة، ولها: الثور، والميزان. وعطارد-ويمنع من الصرف لصيغة منتهى الجمع- وله: الجوزاء، والسنبلة. والقمر، وله السرطان. والشمس، ولها: الأسد. والمشتري، وله:
القوس، والحوت. وزحل-ويمنع من الصرف للعلمية والعدل-وله: الجدي، والدلو، وانظر
стр. 4119
الآية رقم [١٦] من سورة (الحجر)، وسورة يس [٣٩] لمعرفة منازل القمر. ﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجاً:﴾
يعني: الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً﴾. ﴿وَقَمَراً مُنِيراً:﴾ مضيئا بالليل.
تنبيه: البروج الاثنا عشر مقسمة على فصول السنة كما يلي: فللربيع: الحمل، والثور، والجوزاء، وللصيف: السرطان، والأسد، والسنبلة. وللخريف: الميزان، والعقرب، والقوس.
وللشتاء: الجدي، والدلو، والحوت.
الإعراب: ﴿تَبارَكَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿بُرُوجاً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿بُرُوجاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة:
﴿تَبارَكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجاً﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح. (قمرا): معطوف على: ﴿سِراجاً﴾. ﴿مُنِيراً:﴾ صفة له.
تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً:﴾ قال ابن عباس-﵄: معناه:
خلفا وعوضا، يقوم أحدهما مقام صاحبه، فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر. قال شقيق-رحمه الله تعالى-: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب-﵁-فقال: فاتتني الصلاة الليلة، قال: فأدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله تعالى جعل الليل، والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر، وروى مسلم عن عمر بن الخطاب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ :
«من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر، وصلاة الظّهر، كتب له كأنّما قرأه من اللّيل». فيكون معنى ﴿خِلْفَةً﴾ يخلف أحدها الآخر، ومن هذا المعنى قول زهير بن أبي سلمى المزني في معلقته: [الطويل]
بها العين والأرآم يمشين خلفة... وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم
وقيل: جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه، فجعل هذا أسود، وهذا أبيض، وقيل:
يخلف أحدهما صاحبه: إذا ذهب هذا جاء هذا، فهما يتعاقبان في الضياء، والظلمة، والزيادة، والنقصان. انتهى. خازن.
﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ أي: يتذكر، فيعلم: أن الله لم يجعله كذلك عبثا، فيعتبر في مصنوعات الله، ويشكر الله تعالى على نعمه عليه في العقل، والفكر، والفهم. ﴿أَوْ أَرادَ﴾
стр. 4120
شُكُوراً: أن يشكر الله على ما أولاه من النعم، أو ليكون الليل والنهار وقتين للذاكرين، والشاكرين. هذا؛ و ﴿يَذَّكَّرَ﴾ أصله: يتذكر، فقلبت التاء ذالا، وأدغمت الذال في الذال، ومثله كثير في القرآن الكريم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٣] إفرادا، وجملا.
﴿وَالنَّهارَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿خِلْفَةً:﴾ مفعول به ثان، وقيل: هو على حذف مضاف، التقدير: ذوي خلفة. وقيل: هو حال. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿خِلْفَةً﴾. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ في محل نصب مفعول به، ومفعول يذكر محذوف، التقدير:
أن يذكر ما فاته ونحو ذلك، وجملة: ﴿أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها.
﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿أَرادَ شُكُوراً﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣)﴾
الشرح: قال القرطبي رحمه الله تعالى: لما ذكر جهالات المشركين، وطعنهم في القرآن، والنبوة؛ ذكر عباده المؤمنين أيضا، وذكر صفاتهم، وأضافهم إلى عبوديته تشريفا لهم، كما قال في أول سورة (الإسراء): ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ..﴾. إلخ فمن أطاع الله، وعبده، وشغل سمعه، وبصره، ولسانه، وقلبه بما أمره به؛ فهو الذي يستحق اسم العبودية، ومن كان بعكس هذا؛ شمله قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف)، وأيضا الآية رقم [٤٤] من هذه السورة.
﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ:﴾ عبارة عن عيشهم، ومدة حياتهم، وتصرفاتهم، فذكر من ذلك المهم، وهو المشي. ﴿هَوْناً﴾ أي: بالسكينة، والوقار، متواضعين، غير أشرين، ولا مرحين، ولا متكبرين، بل علماء حكماء، أصحاب وقار وعفة، ولذا كره الإسراع في المشي، قال الزهري: سرعة المشي تذهب بهاء الوجه. قال ابن عطية: يريد الإسراع الحثيث؛ لأنه يخل بالوقار؛ والخير في التوسط.
﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ﴾ أي: السفهاء بما يكرهونه. ﴿قالُوا سَلاماً:﴾ تسلّما منكم، ومتاركة لكم، فأقيم السّلام مقام التسلم، أي: وإن سفه عليهم جاهل؛ حلموا، ولم يجهلوا، وليس المراد السّلام المعروف، فالإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعا ومروءة، قال القرطبي: هذه الآية كانت قبل آية السيف، نسخ منها ما يخص الكفرة، وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة، فالإعراض عن الجاهلين في كل وقت، وحين هو المطلوب من المسلم؛ ليسلم له
стр. 4121
شرفه، وتبقى له كرامته، ويسلم له عرضه، وورعه، وأحاديث الرسول ﷺ المرغبة في الحلم، والإعراض عن الجاهلين كثيرة، والشعر العربي طافح بذلك، أذكر من ذلك قول رجل من بني سلول: [الكامل]
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني
غضبان ممتلئا عليّ إهابه... إنّي وربّك سخطه يرضيني
وروى الأصمعي بيتين في هذا المعنى، وهما: [السريع]
لا يغضب الحرّ على سفلة... والحرّ لا يغضبه النّذل
إذا لئيم سبّني جهده... أقول زدني فلي الفضل
وما أحسن قول الآخر: [الوافر]
يشافهني السّفيه بكلّ عيب... فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما... كعود زاده الإحراق طيبا
وأخيرا؛ فالجاهل من يجهل ما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم كيفيته، وحاله، ولا يشتري الحلم بالجهل، ولا الأناة بالطيش، ولا الرفق بالخرق، كما قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل
وإن لم يكن كذلك يصدق عليه: أنه من أكبر الجهال، والحمار أفضل منه، كما قال الشاعر الحكيم: [الكامل]
فضل الحمار على الجهول بخلّة... معروفة عند الّذي يدريها
إنّ الحمار إذا توهّم لم يسر... وتعاود الجهال ما يؤذيها
الإعراب: ﴿وَعِبادُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (عباد): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الرَّحْمنِ:﴾
مضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، وقال الأخفش: في محل رفع صفة: (عباد)، والخبر محذوف. وقال الزجاج: في محل رفع صفة (عباد الرحمن)، والخبر الجملة الاسمية: ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ﴾ الآتية في الآية رقم [٧٥]، وما بين المبتدأ والخبر أوصاف لهم، وما تعلق بها. ﴿يَمْشُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿عَلَى الْأَرْضِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هَوْناً:﴾ حال من واو الجماعة بمعنى: هينين؛ أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: يمشون مشيا هونا. (إذا): انظر الآية رقم [٦٠].
стр. 4122
﴿خاطَبَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿الْجاهِلُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سَلاماً:﴾ مفعول به ل: ﴿قالُوا،﴾ وإن كان مصدرا، فأعمل فيه القول؛ لأنه لم يحك قولهم بعينه، إنما حكى معنى قولهم، ولو حكى قولهم بعينه؛ لكان محكيا، ولم يعمل فيه القول: انتهى. مكي. وقيل: هو مفعول مطلق، عامله ﴿قالُوا﴾ من غير لفظه، وقيل: صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: قالوا قولا سلاما، والمعتمد الأول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على جملة الصلة، لا محل له مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ:﴾ قال الزجاج: بات الرجل، يبيت: إذا أدركه الليل، نام، أو لم ينم، ويقال: بات فلان يفعل كذا: إذا فعل ليلا، وليس بات بمعنى نام في الليل، تقول: بات فلان يصلي: إذا لم يزل يصلي بالليل، ومنه الآية الكريمة. قال زهير بن أبي سلمى المزني: [الطويل]
فبتنا قياما عند رأس جوادنا... يزاولنا عن نفسه ونزاوله
﴿سُجَّداً وَقِياماً:﴾ المعنى: يبيتون لربهم في الليل بالصلاة سجدا على وجوههم، وقياما على أقدامهم. قال ابن عباس-﵄: من صلى ركعتين، أو أكثر بعد العشاء الأخيرة، فقد بات لله ساجدا، وقائما. وقال الكلبي: من أقام ركعتين بعد المغرب، وأربعا بعد العشاء، فقد بات ساجدا قائما. وعن عثمان بن عفان-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلّى العشاء في جماعة؛ فكأنّما قام نصف اللّيل، ومن صلّى الصّبح في جماعة؛ فكأنّما صلّى اللّيل كلّه». رواه مالك ومسلم. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٨] و [٧٩] من سورة (الإسراء)، وما ذكرته في الآية رقم [٣٨] من سورة (النور). ورحم الله من يقول في صفة عباد الرحمن الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما: [الكامل]
امنع جفونك أن تذوق مناما... واذر الدّموع على الخدود سجاما
واعلم بأنّك ميّت ومحاسب... يا من على سخط الجليل أقاما
لله قوم أخلصوا في حبّه... فرضي بهم واختصّهم خدّاما
قوم إذا جنّ الظّلام عليهم... باتوا هنالك سجّدا وقياما
خمص البطون من التّعفّف ضمّرا... لا يعرفون سوى الحلال طعاما
стр. 4123
هذا؛ و ﴿سُجَّداً﴾ جمع: ساجد، وهو اسم فاعل لذا تعلق به الجار والمجرور، و (قياما) جمع قائم، وقدم السجود على القيام، وإن كان قبله في الفعل لمراعاة رؤوس الآي، كما ترى.
الإعراب: (الذين): معطوف على مثله في الآية السابقة، وجملة: ﴿يَبِيتُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِرَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما على التنازع، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سُجَّداً﴾ خبر:
﴿يَبِيتُونَ﴾ على اعتباره ناقصا، وحال من واو الجماعة على اعتباره تاما. (قياما): معطوف على ما قبله بالواو العاطفة.
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ:﴾ هذه صفة ثالثة من صفات: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾. ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ﴾ أي: هم مع طاعتهم، وسجودهم، وقيامهم لربهم مشفقون خائفون من عذاب الله تعالى، يدعون بهذا الدعاء، وذلك لعدم اعتدادهم بأعمالهم، وعدم وثوقهم بنجاتهم من عذاب جهنم على ما هم عليه من العبادة، والطاعة، وحسن الحال. ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً:﴾ لازما لزوما كليا في حق الكفار، ولزوما بعد إطلاقهم إلى الجنة في حق عصاة المسلمين، وفي المختار: الغرام: الشر الدائم، والعذاب، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً﴾ أي: هلاكا لازما. انتهى. ومنه سمي الغريم لملازمته من له عليه حق، من دم أو مال، أو نحوهما، وفلان مغرم بكذا، أي: ملازم له ومولع به، وهذا معناه في كلام العرب فيما ذكر ابن الأعرابي، وابن عرفة وغيرهما، وقال الأعشى: [الخفيف]
إن يعاقب يكن غراما وإن يع... ط جزيلا فإنّه لا يبالي
وقال الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم هذا؛ والمغرم بفتح الميم والراء:
الخسران، والضياع، ومن دعاء الرسول ﷺ : «اللهمّ إنّي أعوذ بك من المأثم والمغرم، وأعوذ بك من الفتن، ما ظهر منها، وما بطن». وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً..﴾.
إلخ الآية رقم [٩٨] من سورة (التوبة)، وفي حديث النبي ﷺ الذي يرويه علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: «إذا كانت الأمانة مغنما، والزّكاة مغرما...». والمغرم بزنة المفعول: أسير الحب، والعشق، وقول الله تعالى في سورة (الواقعة) ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ معناه: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا. ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ أي: بئس المستقر، وبئس المقام، وقد أنث الفعل ﴿ساءَتْ﴾ مع كون الفاعل مميز بمذكر، وهو: مستقر؛ لأن «المستقر» عبارة عن جهنم، ولفظها
стр. 4124
مؤنث، فلذلك جاز تأنيث فعله. هذا؛ والمستقر، والمقام بمعنى واحد، أي: فهما مترادفان، وقال بعضهم: مستقرّا لعصاة المؤمنين، ومقاما للكافرين، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿رَبَّنَا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اِصْرِفْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿عَنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والإضافة من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وأصل الكلام: التعذيب في جهنم. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عَذابَها:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف... إلخ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه تقديره: «هو». ﴿غَراماً:﴾
خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجمل كلها في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (ها): ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿ساءَتْ:﴾
فعل ماض لإنشاء الذم، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» دل عليه التمييز بعده، وهو: ﴿مُسْتَقَرًّا﴾. ﴿وَمُقاماً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿ساءَتْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّها ساءَتْ..﴾. إلخ تعليل لجملة: ﴿إِنَّ عَذابَها..﴾.
إلخ، أو تعليل ثان، وهي بدورها في محل نصب مقول القول. وقال الزمخشري في الكشاف:
والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين، ومترادفين، وأن يكونا من كلام الله تعالى، وحكاية لقولهم.
ولا تنس: أن المخصوص بالذم محذوف، التقدير: ساءت مستقرا هي هي، ف: هي الثاني هو المخصوص. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿ساءَتْ﴾ بمعنى: أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة للمفعول، وهو هنا محذوف أي: إن جهنم أحزنت أصحابها، وداخليها، ويكون: ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ تمييزا، أو حالا. وهو تكلف لا داعي له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧)﴾
الشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية، فقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في معناها: أن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله فهو القوام. وقال ابن عباس ﵄: من أنفق مئة ألف في حق فليس بسرف، ومن أنفق درهما في غير حقه فهو سرف، ومن منع من حق عليه فقد قتر. وقاله مجاهد، وابن زيد، وغيرهما. وقال عون بن عبد الله: الإسراف: أن تنفق مال غيرك.
стр. 4125
وقال ابن عطية: هذا؛ ونحوه غير مرتبط بالآية، والوجه أن يقال: إن النفقة في معصية أمر قد حظرت الشريعة قليله وكثيره، وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات، فأدب الشرع فيها أن لا يفرط الإنسان حتى يضيع حقا آخر، أو عيالا ونحو ذلك، وألا يضيق أيضا ويقتر حتى يجيع العيال، ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام، أي: العدل.
وقال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف، ولم يبخلوا، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ الآية رقم [٢٩] من سورة (الإسراء). وقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ الآية رقم [٣١] من سورة (الأعراف)، انظر تفسير الآيتين في محالهما. وقال الشاعر الحكيم: [الطويل]
ولا تغل في شيء من الأمر، واقتصد... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقال آخر: [الطويل]
إذا المرء أعطى نفسه كلّ ما اشتهت... ولم ينهها تاقت إلى كلّ باطل
وساقت إليه الإثم والعار بالّذي... دعته إليه من حلاوة عاجل
وقال عمر بن الخطاب-﵁-لابنه عاصم: كل في نصف بطنك، ولا تطرح ثوبا حتى تستخلقه، ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم. وقال حاتم الطائي: [الطويل]
إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله... وفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا
هذا؛ ويقرأ ﴿يَقْتُرُوا﴾ بقراآت كثيرة، والمعنى، والإعراب لا يتغيران، و ﴿قَواماً:﴾ بفتح القاف: عدلا، ويقرأ بكسر القاف، أي: سدادا، وملاك حال. وقال البيضاوي: هو ما يقام به الحاجة، لا يزيد عليها، ولا ينقص. هذا؛ وقد حث الله على الاعتدال، والتوسط في كل شيء حتى في المشي، ورفع الصوت، قال تعالى حكاية عن وصية لقمان لابنه، وهو يعظه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله، ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿أَنْفَقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، تقديره: المال، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُسْرِفُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: لم يسرفوا في إنفاقه، والجملة الفعلية جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، وجملة: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ معطوفة عليها،
стр. 4126
لا محل لها مثلها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول لا محل له. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مقدر فيها، أي: كان الإنفاق، دل عليه الكلام السابق. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر أول ل (كان)، و ﴿قَواماً﴾ خبر ثان، أو هو حال من الضمير المستتر في متعلق: ﴿بَيْنَ،﴾ فهو حال مؤكدة، وأجاز الفراء أن تكون ﴿بَيْنَ﴾ اسم (كان) مبني على الفتح مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ الآية رقم [١١] من سورة (الجن) ف ﴿دُونَ﴾ مفتوح وهو مبتدأ، وإنما جاز ذلك؛ لأن هذه الألفاظ كثر استعمالها بالفتح، فتركت على حالها في موضع الرفع، وكذلك يقول في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنعام) وهو مرفوع بالفعل: ﴿تَقَطَّعَ،﴾ لكنه ترك مفتوحا لكثرة وقوعه كذلك، وخالفه البصريون في ذلك. انتهى. من قول مكي بن أبي طالب القيسي. هذا؛ وقد قرئ في سورة (الأنعام) بالرفع، وفسر بالوصل، انظر شرح الآية في محلها من سورة (الأنعام)، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وقيل: معطوفة على ما قبلها، وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه لهما البتة.
﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ..﴾. إلخ: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: نفى الله عن عباده المؤمنين أمهات المعاصي بعد أن أثبت لهم أصول الطاعات إظهارا لكمال إيمانهم، وإشعارا بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك، أي: فعل الطاعات، وترك المنهيات، وتعريضا للكفرة بأضداد ذلك، أي إنهم جمعوا بين ترك الطاعات والمأمورات، وفعل المنهيات، ولذلك عقبه بالوعيد تهديدا لهم، فعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله ندّا، وهو خلقك». قلت: ثم أيّ؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك». فأنزل الله تصديقه الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ..﴾. إلخ. أخرجه مسلم. وعن ابن عباس-﵄-أن ناسا من أهل الشرك قتلوا، فأكثروا، وزنوا، فأكثروا، فأتوا النبيّ ﷺ ، فقالوا: إن الذي تقول، وتدعو إليه لحسن، وهو يخبرنا بأن لما عملنا كفارة، فنزلت الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ..﴾.
إلخ، ونزل قوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٥٣] من سورة (الزمر) انظر شرحها، وتفسيرها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٨] من سورة (النساء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
стр. 4127
هذا؛ وانظر ما ذكرته في حق الزاني، وبشاعة الزنى في الآية رقم [٢] من سورة (النور)، والآية رقم [٣٢] من سورة (الإسراء)، والآية رقم [٥] من سورة (المؤمنون)، وانظر ما ذكرته في حق قاتل النفس بغير حق في الآية رقم [٣٣] من سورة (الإسراء)، وانظر شرح (دعا) في الآية رقم [١١٠] منها أيضا، وشرح (النفس) في الآية رقم [٣٥] من سورة (الأنبياء).
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى الثلاثة المذكورة: الشرك، وقتل النفس، والزنى. والوعيد، والتهديد لا يتوقفان على فعل الثلاثة، بل المراد، -والله أعلم-: ومن يفعل شيئا من ذلك يلق أثاما؛ لأن كل واحد من الثلاثة كبيرة من الكبائر تستوجب العقاب الشديد، والعذاب الأليم في نار الجحيم، و (الأثام) في كلام العرب: العقاب بوزن الوبال، والنكال، ومنه قول الشاعر: [الوافر]
جزى الله ابن عروة حيث أمسى... عقوقا، والعقوق له أثام
أي: جزاء، وعقوبة. وقال عبد الله بن عمرو، وعكرمة ومجاهد-﵃: إن ﴿أَثاماً﴾ واد في جهنم، جعله الله عقابا للكفرة، قال الشاعر: [المتقارب]
لقيت المهالك في حربنا... وبعد المهالك تلقى أثاما
وقال السدي: هو جبل في جهنم، قال الشاعر: [الوافر]
وكان مقامنا ندعو عليهم... بأبطح ذي المجاز له أثام
هذا؛ والحق الذي تقتل به النفس هو واحد من ثلاثة أمور بيّنها النبي ﷺ بقوله: «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثيّب الزّاني، والنّفس بالنّفس، والتّارك لدينه المفارق للجماعة». أخرجه الخمسة ما عدا ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود-﵁.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على ما قبله. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وتعليقه بمحذوف حال من (إلها) ضعيف، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهاً:﴾ مفعول به. ﴿آخَرَ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿لا يَدْعُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ..﴾. إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون صفة: ﴿النَّفْسَ،﴾ وجملة: ﴿حَرَّمَ اللهُ﴾ صلة: ﴿الَّتِي،﴾ والعائد محذوف، التقدير: حرم الله قتلها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المقدر، أي: إلا مقتولة بالحق، وجملة: ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض، وقيل: حرف عطف.
стр. 4128
(من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وهو مفيد للعموم، ولذا صح الاستثناء منه كما ستقف عليه. ﴿يَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره: «هو» يعود إلى (من). ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف للخطاب حرف لا محل له. ﴿يَلْقَ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من) أيضا. ﴿أَثاماً:﴾ مفعول به. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، قيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: (من...) إلخ معترضة مع ما يتعلق بها بين الصفات المتعاطفة، لا محل لها، وقيل: معطوفة. وليس بشيء.
﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩)﴾
الشرح: ﴿يُضاعَفْ:﴾ يقرأ بالجزم، والرفع على الاستئناف. ويقرأ: «(يضعّف)» بتشديد العين، والجزم، والرفع أيضا، فهذه أربع قراآت سبعية. وقرئ: «(نضعّف)» بالنون وتشديد العين المكسورة، ومضاعفة العذاب لانضمام المعصية إلى الكفر، ويدل عليه الآية التالية. هذا؛ والمضاعفة المكاثرة، وضعف الشيء بكسر الضاد وسكون العين مثله، وضعفاه: مثلاه.
وأضعافه: أمثاله. هذا هو الأصل في الضعف، ثم استعمل في المثل، وما زاد عليه، وليس للزيادة حد، فيقال: هذا ضعف هذا، أي مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا. ويقال:
أضعفت الشيء، وضعفته، وضاعفته، فمعناه ضممت إليه مثله فصاعدا، وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم في هذه الآية: ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ وفي الآية رقم [٤٠] من سورة (النساء): ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾.
﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب والجزاء، وكثر التعبير عنه بألفاظ كثيرة، مثل القارعة، والحاقة، والطامة، والصاخة، وغير ذلك، وأصل القيامة:
القوامة؛ لأنها من قام يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة. و (يخلد): يقرأ بالجزم والرفع، وبالبناء للمعلوم، وللمجهول، وبالتاء خطابا للكافر. ﴿مُهاناً:﴾ ذليلا محتقرا، جامعا للعذاب الروحاني والجسماني. والخلود في العذاب: عدم الخروج منه أبدا. هذا؛ ويقرأ بمد الضمير بقوله (فيه) مبالغة في الوعيد، والعرب تمدّه للمبالغة.
الإعراب: ﴿يُضاعَفْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول بدل من الفعل ﴿يَلْقَ،﴾ وإبدال الفعل مستعمل في اللغة العربية، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
ويبدل الفعل من الفعل كمن... يصل إلينا يستعن بنا يعن
стр. 4129
ومن شواهده الشعرية قول عبيد الله بن الحر الجعفي في رجل تقاعد عن مبايعة الملك، وهو الشاهد رقم [١٦٨] من كتابنا فتح رب البرية: [الرجز]
إنّ عليّ الله أن تبايعا... تؤخذ كرها أو تجيء طائعا
حيث أبدل تؤخذ من تبايع، والمعنى: إن علي والله، فلما حذف الجار نصب لفظ الجلالة وأيضا قول عبيد الله بن الحر الجعفي: [الطويل]
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا
فالفعل تلمم بدل من تأتنا فكل فعل يبدل من سابقه إذا كان بمعناه، قال الشاعر: [مجزوء الكامل]
إن يجبنوا أو يغدروا... أو يبخلوا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجّلي... ن كأنّهم لم يفعلوا
فقوله: يغدوا بدل من قوله: لا يحفلوا. وخذ قول وداك بن ثميل المازني شاعر إسلامي.
هذا؛ والأبيات الثلاثة هي الشاهد رقم [٨٢٧] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
رويد بني شيبان بعض وعيدكم... تلاقوا غدا خيلي على سفوان
تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى... إذا ما غدت في المأزق المتداني
تلاقوهم، فتعرفوا كيف صبرهم... على ما جنت فيهم يد الحدثان؟
فقد أبدل «تلاقوا» الثاني من الأول، والثالث من الثاني. هذا؛ وتبدل الجملة من الجملة، كما ستعرفه في الآية رقم [١٣٣] من سورة (الشعراء) إن شاء الله تعالى. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَذابُ:﴾ نائب فاعل، على قراءة الفعل بالرفع، فالجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من فاعل ﴿يَفْعَلْ﴾ المستتر، وعلى قراءة الفعل بالنون فالعذاب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَيَخْلُدْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يخلد): معطوف على ما قبله على جميع القراآت. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُهاناً:﴾ حال من فاعل: (يخلد)، أو من نائب فاعله. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠)﴾
الشرح: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾ أي: من الشرك، ومن قتل النفس، ومن الزنى؛ أي: ومن جميع المعاصي. ﴿وَآمَنَ﴾ أي: بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن كتابا، وبمحمد ﷺ نبيّا،
стр. 4130
وشفيعا، ورسولا، ﴿وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً﴾ أي: يرضي الله، ورسوله؛ بأن صلى، وصام، وحج، وزكى، وعمل أنواع البر والخيرات، فقد شرط الله لقبول التوبة الإيمان الصحيح، والعمل الصالح، وكلّ منهما احتراس يفيد عدم قبول التوبة إلا بوجودهما معا. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٨٢]. ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾ هذا؛ والتوبة المقبولة هي التوبة النصوح التي ذكرها الله في سورة (التحريم) ولها شروط: الندم بالجنان، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالأركان، ورد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان. وانظر نص الآيتين رقم [١٧] و [١٨] من سورة (النساء).
﴿فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ:﴾ معنى إبدال السيئات حسنات: أن الله يمحوها بالتوبة المقبولة، ويثبت مكانها الحسنات: الإيمان، والطاعة، والتقوى. وقيل: يبدلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنى عفة وإحصانا. وقيل: يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة، ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم، أو يبدل ملكة المعصية ودواعيها في النفس بملكة الطاعة بأن يزيل الأولى، ويأتي بالثانية مكانها. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (هود): ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾. وقال الرسول ﷺ لمعاذ-﵁: «اتّق الله حيثما كنت، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلق حسن». ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً:﴾ انظر الآية رقم [٦].
هذا؛ وقد أفرد الضمير في الأفعال الثلاثة، وجمع اسم الإشارة العائد إلى (من) وأفرد الضمير في الأول مراعاة للفظ (من)، وجمع في الثاني مراعاة لمعناها.
الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من فاعل (يلقى) العائد إلى ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿تابَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (آمن) مع المتعلق المحذوف معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً﴾. و ﴿عَمَلاً﴾ مفعول به، أو هو مفعول مطلق معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَأُوْلئِكَ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُبَدِّلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله.
﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾ مفعول به أول. ﴿حَسَناتٍ:﴾ مفعول به ثان، فهما منصوبان، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿يُبَدِّلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَأُوْلئِكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مفرعة، ومستأنفة، وهذا الإعراب يجعل هذه الجملة غير مرتبطة بما قبلها؛ لذا فالوجه اعتبار: ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَأُوْلئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، والفاء زائدة لتحسين اللفظ، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ..﴾. إلخ مستثنى من مضمون الكلام
стр. 4131
السابق. هذا، وأجيز في مثل هذه الآية اعتبار: ﴿مَنْ﴾ شرطية، جوابها الجملة الاسمية الآتية، وتبقى الجملة الاسمية في محل نصب على الاستثناء. ومثل هذه الجملة في إعرابها الآية رقم [١٦٠] من سورة (البقرة)، والآية رقم [٦٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط إعادة الاسم الكريم بلفظه.
﴿وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتاباً (٧١)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ تابَ﴾ أي: من الشرك، والمعاصي، بتركها، والندم على فعلها. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ أي: عملا صالحا، يتلافى به ما فرط من الطاعات، أو خرج من المعاصي، ودخل في الطاعات. ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ﴾ أي: يرجع إليه تعالى؛ إذ التوبة: الرجوع عن الذنوب إلى علام الغيوب. ﴿مَتاباً﴾ أي: مرضيا عند الله، ماحيا للعقاب، محصلا للثواب، أو يرجع إلى الله مرجعا حسنا. وفي كلام بعض العرب: لله أفرح بتوبة العبد من المضل الواجد، والظمان الوارد، والعقيم الوالد.
وعن الحارث بن سويد عن عبد الله-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دويّة مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام، فاستيقظ، وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتّى إذا اشتدّ عليه الحرّ والعطش، أو ما شاء الله تعالى، قال: أرجع إلى مكاني الّذي كنت فيه، فأنام حتّى أموت، فوضع يده على ساعده ليموت، فاستيقظ، فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه، فالله أشدّ فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته». أخرجه البخاري، ومسلم، ومعنى فرح الله بتوبة العبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه.
هذا؛ وقد قال القفال: يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين، ثم عطف عليه من تاب من المسلمين، وأتبع توبته عملا صالحا، فله حكم التائبين، ولا تنس: الاحتراس في الآيتين، وهو: اشتراط الإيمان الصحيح، والعمل الصالح لقبول التوبة؛ ولذلك قيل: من تاب بلسانه، ولم يحقق ذلك بفعله، فليست تلك التوبة نافعة، بل من تاب وعمل صالحا، فحقق توبته بالأعمال الصالحة، فهو الذي تاب إلى الله متابا، أي تاب حق التوبة، وهي النصوح، ولذا أكد بالمصدر، ف: ﴿مَتاباً﴾ مصدر معناه التأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ أي:
فإنه يتوب إلى الله حقّا، فيتقبل الله توبته حقّا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تابَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط
стр. 4132
ومتعلقه محذوف، والفاعل يعود إلى (من). ﴿وَعَمِلَ:﴾ فعل ماض معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿صالِحاً:﴾ مفعول به. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَتُوبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، تقديره: «هو». ﴿إِلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بالمصدر بعدهما. ﴿مَتاباً:﴾ مفعول مطلق، وهو مصدر ميمي مؤكد لفعله، والجملة الفعلية: ﴿يَتُوبُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: (إنه...) إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٦٨].
هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة: ﴿تابَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، وخبره: الجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ ودخلت الفاء عليها، وهي خبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: (من تاب...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها. تأمل.
﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي: لا يحضرون مجالس الباطل، وعن ابن الحنفية: اللهو، والغناء. وعن مجاهد: أعياد المشركين. والزور: كل باطل زوّر وزخرف وزين، وأعظمه الشرك، وتعظيم الأنداد، والمعاندين لله. وقال علي بن أبي طلحة ومحمد بن علي: المعنى لا يشهدون بالزور. وقال الزمخشري: ويحتمل: أنهم لا يشهدون شهادة الزور، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. هذا؛ وانظر ما ذكرته في شهادة الزور في الآية رقم [٣٠] من سورة (الحج).
﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ:﴾ اللغو: ما ينبغي أن يلغى ويطرح. والمعنى: إذا مروا بأهل اللغو، والمشتغلين به؛ مروا معرضين عنهم، مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم، والخوض معهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ الآية رقم [٥٥] من سورة (القصص). هذا؛ ومن ترك اللغو: الإغضاء عن الفواحش، والصفح عن الذنوب، والكناية عما يستهجن التصريح به.
﴿كِراماً﴾ أي: مروا مرّ الكرام الذين لا يدخلون في الباطل، يقال: تكرم فلان عما يشينه، أي: تنزه، وأكرم نفسه عنه. روي أن عبد الله بن مسعود-﵁-سمع غناء، فأسرع، وذهب، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «لقد أصبح ابن أمّ عبد كريما». كيف لا؟ وقد قال-﵁: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء الزرع. قال القرطبي: من الغناء ما ينتهي سماعه إلى التحريم، وذلك كالأشعار التي توصف فيها الصور
стр. 4133
المستحسنات، والخمر، وغير ذلك مما يحرّك الطباع، ويخرجها عن الاعتدال، أو يثير فيها كامنا من حب اللهو. انتهى.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على مثله في الآيات السابقة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْهَدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ﴿الزُّورَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٦٠].
﴿مَرُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِاللَّغْوِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: ﴿مَرُّوا كِراماً﴾ جواب (إذا) لا محل لها. ﴿كِراماً:﴾ حال من واو الجماعة، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على جملة الصلة، لا محل له مثلها.
﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: قرئ عليهم القرآن، أو وعظوا. ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها..﴾. إلخ: قيل: إن المعنى: إذا تليت عليهم آيات الله؛ وجلت قلوبهم، فخروا سجدا، وبكيا، ولم يخروا عليها صما وعميانا، بل هم سامعون بآذان واعية، مبصرون بعيون راعية لما أمروا به، ونهوا عنه، لا كالمنافقين، وأشباههم. دليله قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٥٨]: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا،﴾ وقوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٠٧]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً﴾. ﴿صُمًّا:﴾
جمع: أصم، وهو الذي لا يسمع ما يقال له. ﴿وَعُمْياناً:﴾ جمع: أعمى، ومؤنثه عمياء، ويجمع أيضا على: عمي، وأعماء، وعماة.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿ذُكِّرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح.
﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات) مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَخِرُّوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿صُمًّا:﴾ حال من واو الجماعة. (عميانا): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لَمْ يَخِرُّوا..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول، كلام لا محل له.
стр. 4134
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا..﴾. إلخ: في هذه الآية إرشاد كريم من الله تعالى، وتعليم لعباده أن يسألوا الله الذرية الصالحة، والزوجة المطيعة، والمتقية، كيف لا؟ وقد قال الله تعالى حكاية عن قول زكريا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. وقد دعا الرسول ﷺ ؛ لأنس بن مالك بقوله: «اللهمّ أكثر ماله وولده، وبارك له فيه».
وذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده، قرت عينه بأهله وعياله؛ حتى إذا كانت عنده زوجة صالحة مطيعة، اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة، وكانت عنده ذرية محافظون على الطاعة، معاونون له على وظائف الدين والدنيا، لم يلتفت إلى زوجة غيره، ولا إلى ولده، فقد قيل: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته، وأولاده مطيعين لله ، فيطمع أن يحلّوا معه في الجنة، فيتم سروره، وتقر عينه بذلك. هذا؛ ويقرأ «(ذريتنا)» بالإفراد، و (هب) ماضيه وهب، فتحذف الواو من مضارعه وأمره، مثل وعد، يعد، عد. ووزن، يزن، زن. والقياس من كسر الهاء؛ لأن الواو لا تسقط إلا على هذا التقرير، مثل عد، وزن ونحوهما، إلا أن الهاء فتحت من يهب؛ لأنها حرف حلق، فهي عارضة، فلذلك لم تعد الواو كما لم تعد في يسع ويدع.
﴿وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ أي: أئمة يقتدون بنا في الخير. وفيه دليل على أن الرياسة في الدين مطلوبة، وطلبها من الله مندوب، وكان القشيري أبو القاسم شيخ الصوفية يقول: الإمامة بالدعاء لا بالدعوى، أي: بتوفيق الله، وتيسيره ومنته، لا بما يدعيه كل واحد لنفسه. وقال إبراهيم النخعي: لم يطلبوا الرياسة في الدنيا، بل بأن يكونوا قدوة في الدين.
هذا؛ و ﴿أَزْواجِنا﴾ جمع: زوج، وهو يطلق على الرجل، والمرأة، والقرينة تبين الذكر، والأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض، فإنها بالتاء أفصح لتوضيح الوارث. هذا؛ والزوج: القرين، قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي:
وقرناءهم، الآية رقم [٢٢] من سورة (الصافات). والزوج: ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء، وقال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع ذكرا وأنثى، الآية رقم [٤٠] من سورة (هود) وقال تعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأنعام)، والمعنى:
ثمانية أفراد، والزوج: الصنف، والنوع، قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٠]: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: صنف من النبات، وقال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. (ذرياتنا): جمع: ذرية، وهي النسل من بني
стр. 4135
آدم، وهي تقع على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً﴾ وعلى الواحد كما في قوله تعالى حكاية عن قول زكريا ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. قيل: هي مشتقة من الذّرا بفتح الذال، وهو كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي في كنفه وستره، وتحت حمايته، وهو بضم الذال: أعلى الشيء، وقيل:
هي مشتقة من الذّرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أبدلت همزة الذّرء ياء، ثم شددت الياء، وتبعتها الراء في التشديد.
﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ:﴾ يحتمل أن تكون من القرار، وهو السكون، والهدوء، ويحتمل أن تكون من القرّ، وهو الأشهر، والقرّ: البرد؛ لأن العرب تتأذى بالحر، وتستريح إلى البرد، وأيضا فإن دمع السرور بارد، ودمع الحزن ساخن؛ فمن هذا يقال: أقر الله عينك، وأسخن الله عين العدو.
قال الشاعر: [الطويل]
فكم سخنت بالأمس عين قريرة... وقرّت عيون دمعها اليوم ساكب
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (القصص) وقد وحد ﴿قُرَّةَ﴾ لأنه مصدر، والمصدر يصلح للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وإنما قال: ﴿أَعْيُنٍ﴾ وهو جمع قلة بخلاف: «عيون» وهو جمع كثرة؛ لأنه أراد أعين المتقين، وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. هذا؛ ولفظ (إمام) يستوي فيه المفرد، والجمع، فالمطابقة حاصلة. وقال البيضاوي: وتوحيد ﴿إِماماً﴾ لدلالته على الجنس، وعدم اللبس كقوله جل ذكره في الآية رقم [٥] من سورة (الحج): ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أو لأنه مصدر في أصله، أو لأن المراد، واجعل كل واحد منا إماما، أو لأنهم كنفس واحدة، لاتحاد طريقتهم، واتفاق كلمتهم. وقيل: هو جمع آم، كصائم، وصيام، ومعناه: قاصدين لهم، مقتدين بهم. انتهى. بتصرف. هذا؛ و (إمام): قدوة، وهو أيضا الكتاب، والرسول، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ والإمام: الطريق الذي يؤتم به، قال تعالى في سورة (الحجر):
﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ وخذ قول لبيد في معلقته: [الكامل]
من معشر سنّت لهم آباؤهم... ولكلّ قوم سنّة وإمامها
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله. ﴿يَقُولُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هَبْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَزْواجِنا:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿هَبْ﴾ أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿قُرَّةَ﴾
следующие страницы →