← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

السابق. هذا، وأجيز في مثل هذه الآية اعتبار: ﴿مَنْ﴾ شرطية، جوابها الجملة الاسمية الآتية، وتبقى الجملة الاسمية في محل نصب على الاستثناء. ومثل هذه الجملة في إعرابها الآية رقم [١٦٠] من سورة (البقرة)، والآية رقم [٦٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط إعادة الاسم الكريم بلفظه. ﴿وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتاباً (٧١)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ تابَ﴾ أي: من الشرك، والمعاصي، بتركها، والندم على فعلها. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ أي: عملا صالحا، يتلافى به ما فرط من الطاعات، أو خرج من المعاصي، ودخل في الطاعات. ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ﴾ أي: يرجع إليه تعالى؛ إذ التوبة: الرجوع عن الذنوب إلى علام الغيوب. ﴿مَتاباً﴾ أي: مرضيا عند الله، ماحيا للعقاب، محصلا للثواب، أو يرجع إلى الله مرجعا حسنا. وفي كلام بعض العرب: لله أفرح بتوبة العبد من المضل الواجد، والظمان الوارد، والعقيم الوالد. وعن الحارث بن سويد عن عبد الله-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دويّة مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام، فاستيقظ، وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتّى إذا اشتدّ عليه الحرّ والعطش، أو ما شاء الله تعالى، قال: أرجع إلى مكاني الّذي كنت فيه، فأنام حتّى أموت، فوضع يده على ساعده ليموت، فاستيقظ، فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه، فالله أشدّ فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته». أخرجه البخاري، ومسلم، ومعنى فرح الله بتوبة العبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. هذا؛ وقد قال القفال: يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين، ثم عطف عليه من تاب من المسلمين، وأتبع توبته عملا صالحا، فله حكم التائبين، ولا تنس: الاحتراس في الآيتين، وهو: اشتراط الإيمان الصحيح، والعمل الصالح لقبول التوبة؛ ولذلك قيل: من تاب بلسانه، ولم يحقق ذلك بفعله، فليست تلك التوبة نافعة، بل من تاب وعمل صالحا، فحقق توبته بالأعمال الصالحة، فهو الذي تاب إلى الله متابا، أي تاب حق التوبة، وهي النصوح، ولذا أكد بالمصدر، ف: ﴿مَتاباً﴾ مصدر معناه التأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ أي: فإنه يتوب إلى الله حقّا، فيتقبل الله توبته حقّا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تابَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط

стр. 4132

ومتعلقه محذوف، والفاعل يعود إلى (من). ﴿وَعَمِلَ:﴾ فعل ماض معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿صالِحاً:﴾ مفعول به. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَتُوبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، تقديره: «هو». ﴿إِلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بالمصدر بعدهما. ﴿مَتاباً:﴾ مفعول مطلق، وهو مصدر ميمي مؤكد لفعله، والجملة الفعلية: ﴿يَتُوبُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: (إنه...) إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٦٨]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة: ﴿تابَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، وخبره: الجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ ودخلت الفاء عليها، وهي خبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: (من تاب...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها. تأمل. ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي: لا يحضرون مجالس الباطل، وعن ابن الحنفية: اللهو، والغناء. وعن مجاهد: أعياد المشركين. والزور: كل باطل زوّر وزخرف وزين، وأعظمه الشرك، وتعظيم الأنداد، والمعاندين لله. وقال علي بن أبي طلحة ومحمد بن علي: المعنى لا يشهدون بالزور. وقال الزمخشري: ويحتمل: أنهم لا يشهدون شهادة الزور، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. هذا؛ وانظر ما ذكرته في شهادة الزور في الآية رقم [٣٠] من سورة (الحج). ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ:﴾ اللغو: ما ينبغي أن يلغى ويطرح. والمعنى: إذا مروا بأهل اللغو، والمشتغلين به؛ مروا معرضين عنهم، مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم، والخوض معهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ الآية رقم [٥٥] من سورة (القصص). هذا؛ ومن ترك اللغو: الإغضاء عن الفواحش، والصفح عن الذنوب، والكناية عما يستهجن التصريح به. ﴿كِراماً﴾ أي: مروا مرّ الكرام الذين لا يدخلون في الباطل، يقال: تكرم فلان عما يشينه، أي: تنزه، وأكرم نفسه عنه. روي أن عبد الله بن مسعود-﵁-سمع غناء، فأسرع، وذهب، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «لقد أصبح ابن أمّ عبد كريما». كيف لا؟ وقد قال-﵁: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء الزرع. قال القرطبي: من الغناء ما ينتهي سماعه إلى التحريم، وذلك كالأشعار التي توصف فيها الصور

стр. 4133

المستحسنات، والخمر، وغير ذلك مما يحرّك الطباع، ويخرجها عن الاعتدال، أو يثير فيها كامنا من حب اللهو. انتهى. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على مثله في الآيات السابقة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْهَدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ﴿الزُّورَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿مَرُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِاللَّغْوِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: ﴿مَرُّوا كِراماً﴾ جواب (إذا) لا محل لها. ﴿كِراماً:﴾ حال من واو الجماعة، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على جملة الصلة، لا محل له مثلها. ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: قرئ عليهم القرآن، أو وعظوا. ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها..﴾. إلخ: قيل: إن المعنى: إذا تليت عليهم آيات الله؛ وجلت قلوبهم، فخروا سجدا، وبكيا، ولم يخروا عليها صما وعميانا، بل هم سامعون بآذان واعية، مبصرون بعيون راعية لما أمروا به، ونهوا عنه، لا كالمنافقين، وأشباههم. دليله قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٥٨]: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا،﴾ وقوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٠٧]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً﴾. ﴿صُمًّا:﴾ جمع: أصم، وهو الذي لا يسمع ما يقال له. ﴿وَعُمْياناً:﴾ جمع: أعمى، ومؤنثه عمياء، ويجمع أيضا على: عمي، وأعماء، وعماة. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿ذُكِّرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات) مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَخِرُّوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿صُمًّا:﴾ حال من واو الجماعة. (عميانا): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لَمْ يَخِرُّوا..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول، كلام لا محل له.

стр. 4134

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا..﴾. إلخ: في هذه الآية إرشاد كريم من الله تعالى، وتعليم لعباده أن يسألوا الله الذرية الصالحة، والزوجة المطيعة، والمتقية، كيف لا؟ وقد قال الله تعالى حكاية عن قول زكريا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. وقد دعا الرسول ﷺ ؛ لأنس بن مالك بقوله: «اللهمّ أكثر ماله وولده، وبارك له فيه». وذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده، قرت عينه بأهله وعياله؛ حتى إذا كانت عنده زوجة صالحة مطيعة، اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة، وكانت عنده ذرية محافظون على الطاعة، معاونون له على وظائف الدين والدنيا، لم يلتفت إلى زوجة غيره، ولا إلى ولده، فقد قيل: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته، وأولاده مطيعين لله ، فيطمع أن يحلّوا معه في الجنة، فيتم سروره، وتقر عينه بذلك. هذا؛ ويقرأ «(ذريتنا)» بالإفراد، و (هب) ماضيه وهب، فتحذف الواو من مضارعه وأمره، مثل وعد، يعد، عد. ووزن، يزن، زن. والقياس من كسر الهاء؛ لأن الواو لا تسقط إلا على هذا التقرير، مثل عد، وزن ونحوهما، إلا أن الهاء فتحت من يهب؛ لأنها حرف حلق، فهي عارضة، فلذلك لم تعد الواو كما لم تعد في يسع ويدع. ﴿وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ أي: أئمة يقتدون بنا في الخير. وفيه دليل على أن الرياسة في الدين مطلوبة، وطلبها من الله مندوب، وكان القشيري أبو القاسم شيخ الصوفية يقول: الإمامة بالدعاء لا بالدعوى، أي: بتوفيق الله، وتيسيره ومنته، لا بما يدعيه كل واحد لنفسه. وقال إبراهيم النخعي: لم يطلبوا الرياسة في الدنيا، بل بأن يكونوا قدوة في الدين. هذا؛ و ﴿أَزْواجِنا﴾ جمع: زوج، وهو يطلق على الرجل، والمرأة، والقرينة تبين الذكر، والأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض، فإنها بالتاء أفصح لتوضيح الوارث. هذا؛ والزوج: القرين، قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي: وقرناءهم، الآية رقم [٢٢] من سورة (الصافات). والزوج: ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء، وقال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع ذكرا وأنثى، الآية رقم [٤٠] من سورة (هود) وقال تعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأنعام)، والمعنى: ثمانية أفراد، والزوج: الصنف، والنوع، قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٠]: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: صنف من النبات، وقال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. (ذرياتنا): جمع: ذرية، وهي النسل من بني

стр. 4135

آدم، وهي تقع على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً﴾ وعلى الواحد كما في قوله تعالى حكاية عن قول زكريا ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. قيل: هي مشتقة من الذّرا بفتح الذال، وهو كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي في كنفه وستره، وتحت حمايته، وهو بضم الذال: أعلى الشيء، وقيل: هي مشتقة من الذّرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أبدلت همزة الذّرء ياء، ثم شددت الياء، وتبعتها الراء في التشديد. ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ:﴾ يحتمل أن تكون من القرار، وهو السكون، والهدوء، ويحتمل أن تكون من القرّ، وهو الأشهر، والقرّ: البرد؛ لأن العرب تتأذى بالحر، وتستريح إلى البرد، وأيضا فإن دمع السرور بارد، ودمع الحزن ساخن؛ فمن هذا يقال: أقر الله عينك، وأسخن الله عين العدو. قال الشاعر: [الطويل] فكم سخنت بالأمس عين قريرة... وقرّت عيون دمعها اليوم ساكب وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (القصص) وقد وحد ﴿قُرَّةَ﴾ لأنه مصدر، والمصدر يصلح للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وإنما قال: ﴿أَعْيُنٍ﴾ وهو جمع قلة بخلاف: «عيون» وهو جمع كثرة؛ لأنه أراد أعين المتقين، وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. هذا؛ ولفظ (إمام) يستوي فيه المفرد، والجمع، فالمطابقة حاصلة. وقال البيضاوي: وتوحيد ﴿إِماماً﴾ لدلالته على الجنس، وعدم اللبس كقوله جل ذكره في الآية رقم [٥] من سورة (الحج): ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أو لأنه مصدر في أصله، أو لأن المراد، واجعل كل واحد منا إماما، أو لأنهم كنفس واحدة، لاتحاد طريقتهم، واتفاق كلمتهم. وقيل: هو جمع آم، كصائم، وصيام، ومعناه: قاصدين لهم، مقتدين بهم. انتهى. بتصرف. هذا؛ و (إمام): قدوة، وهو أيضا الكتاب، والرسول، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ والإمام: الطريق الذي يؤتم به، قال تعالى في سورة (الحجر): ﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ وخذ قول لبيد في معلقته: [الكامل] من معشر سنّت لهم آباؤهم... ولكلّ قوم سنّة وإمامها الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هَبْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَزْواجِنا:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿هَبْ﴾ أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿قُرَّةَ﴾

стр. 4136

﴿أَعْيُنٍ،﴾ على القاعدة (نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها صار حالا) و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَذُرِّيّاتِنا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿قُرَّةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أَعْيُنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَاجْعَلْنا:﴾ فعل دعاء، وفاعله أنت، و (نا): مفعول به. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (إماما)، كان نعتا له فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة التي رأيتها. ﴿إِماماً:﴾ مفعول به. هذا؛ والجملة: ﴿رَبَّنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥)﴾ الشرح: ﴿أُوْلئِكَ:﴾ إشارة إلى المتصفين بما فصل في جيز الموصولات الثمانية، وهي إحدى عشرة خصلة: التواضع، والحلم، والتهجد في الليل، والخوف من نار جهنم وعذابها، وترك الإسراف في الإنفاق، والتقتير فيه، والنزاهة عن الشرك، وترك الزنى، وعدم قتل النفس، والتوبة، وتجنب الكذب، والعفو عن المسيء، وقبول المواعظ، والابتهال إلى الله، والتضرع إليه بطلب الزوجات الصالحات، والذرية المستقيمة على الصراط المستقيم. ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ:﴾ يكافؤون على اتصافهم بتلك الصفات الحميدة بالغرفة، وهي الدرجة الرفيعة، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها، كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا، و ﴿الْغُرْفَةَ﴾ اسم جنس أريد به الجمع لقوله تعالى في الآية رقم [٣٧] من سورة (سبأ): ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [٢٠] من سورة (الزمر): ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ وتجمع على: غرف، وغرفات، كما في هاتين الآيتين. ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أي: ينالون الغرف والنعيم المقيم في الجنة بسبب صبرهم على الطاعات، وعن المعاصي، وعن السيئات، وعلى أنواع البلاء، وكل ذلك مستقى من هدي القرآن الكريم، وهدي الرسول ﷺ . وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أهل الجنّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدّرّيّ الغابر من الأفق من المشرق، أو المغرب لتفاضل ما بينهم». قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم، قال: «بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدّقوا المرسلين». وخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁-قال رسول الله ﷺ : «إنّ في الجنّة لغرفا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها». فقام إليه أعرابيّ، فقال: لمن هي يا رسول الله؟! قال: «هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطّعام، وأدام الصّيام، وصلّى لله باللّيل، والناس نيام». انتهى. قرطبي. وهذا الحديث يروى بروايات كثيرة في «الترغيب والترهيب» للمنذري، وغيره.

стр. 4137

﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها﴾ أي: يعطون في الجنة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً،﴾ ويقرأ بالتخفيف، ومعناه: يجدون، ويصادفون، وكل شيء استقبل شيئا، أو صادفه فقد لقيه؛ لأن ما لقيك فقد لقيته، وما لقيته فقد لقيك، ومثله: ما نالك فقد نلته، وما نلته فقد نالك. ﴿تَحِيَّةً وَسَلاماً:﴾ هما اسمان مترادفان على المعتمد، وقيل: التحية البقاء الدائم، والملك العظيم، وهذه التحية، والسّلام من الملائكة، كما أخبر الله في الآيتين رقم [٢٣ و ٢٤] من سورة (الرعد) بقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ وقيل: هذه التحية، والسّلام من الله تعالى. وقيل: يحيى بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم على بعض. هذا؛ والتحية: مصدر: حيّاه بتشديد الياء، وأصل معناه: الدعاء له بالحياة، ثم عم في كل كلام يلقيه بعض الناس على بعض بقصد الدعاء، كقولهم: أبيت اللعن، وأنعموا صباحا، ونحوه، ثم خصته الشريعة الإسلامية بكلام معين، وهو قول القائل: السّلام عليكم. قال الرسول ﷺ : «ألا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟». قالوا: بلى، قال: «أفشوا السّلام بينكم». وفي سورة (النساء) رقم [٨٦] قوله تعالى: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾. هذا؛ وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية ونحوها ينبغي أن يرد الجواب؛ لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. وروي عن ابن عباس-﵄-أنه كان يرى رد الكتاب واجبا، كما يرى رد السّلام للإنسان الحاضر. والتحية: الملك أيضا، من ذلك «التحيات لله» معناه: الملك لله تعالى، قال عمرو بن معديكرب: [الوافر] أسير به إلى النّعمان حتّى... أنيخ على تحيّته بجند وتكون التحية بمعنى البقاء، قال زهير بن جناب الكلبي: [مجزوء الكامل] أبنيّ إن أهلك فإ... نّي قد بنيت لكم بنيّه وتركتكم أولاد سا... دات زنادكم وريّه من كلّ ما نال الفتى... قد نلته إلاّ التّحيّه معناه: إلا البقاء، فإنه لا ينال، ويقال: حيّاك الله وبيّاك، فمعنى حيّاك: ملكك، ومعنى بيّاك: أضحكك. الإعراب: ﴿أُوْلئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿الْغُرْفَةَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿صَبَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، و (ما) المصدرية، والفعل: ﴿صَبَرُوا﴾ في

стр. 4138

تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. انظر الشرح، وجملة: ﴿يُجْزَوْنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُوْلئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (عباد الرحمن) على اعتبار الاسم الموصول خبرا له. ﴿وَيُلَقَّوْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يلقون): فعل مضارع مبني للمجهول على قراءته بالتشديد، والواو نائب فاعله، ومبني للمعلوم على قراءته بالتخفيف، والواو فاعله. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَحِيَّةً:﴾ مفعول به. ﴿وَسَلاماً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَيُلَقَّوْنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦)﴾ الشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ مقيمين في تلك الغرفة لا يخرجون، ولا يموتون. ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ أي: نعم المستقر، ونعم المقام، وانظر تأنيث الفعل: ﴿ساءَتْ﴾ في الآية رقم [٦٦] ف: ﴿حَسُنَتْ﴾ مثله. هذا؛ ومقام أصله: مقوم، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت فتحة الواو إلى القاف قبلها، ثم قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا. الإعراب: ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿حَسُنَتْ:﴾ فعل ماض لإنشاء المدح، وفاعله مستتر مميز بما بعده. ﴿مُسْتَقَرًّا:﴾ تمييز، والتقدير: حسن المستقر مستقرا. هذا؛ وقال أبو البقاء: الفاعل في: ﴿حَسُنَتْ﴾ ضمير: ﴿الْغُرْفَةَ﴾ وعليه فلا مدح في هذه الجملة، والمعتمد الأول. ﴿وَمُقاماً:﴾ معطوف على ما قبله، والمخصوص بالمدح محذوف؛ إذ التقدير: «حسنت مستقرّا ومقاما هي». والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال ثانية من الغرفة، والحال الأولى: ﴿خالِدِينَ،﴾ ولا أسلمه، بل أعتمد اعتبار ﴿خالِدِينَ﴾ حالا من واو الجماعة، وأجيز اعتبار الجملة الفعلية حالا من الضمير المجرور ب: (في) وهو عائد على ﴿الْغُرْفَةَ﴾ ويكون الرابط: الواو فقط. والمعتمد الأول. هذا؛ والحال في هذه الآية حال مقدرة؛ إذ الحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى، حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ،﴾ ومثلها الحال في هذه الآية. وحال محكية، وهي الحال الماضية،

стр. 4139

نحو: جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة للصفة بعدها، بمعنى أن المقصود الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٣] من سورة (الشعراء) ففيها بحث آخر. ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي﴾ أي: ما يصنع وما يفعل بكم؛ فوجودكم وعدمكم سواء. انتهى. خازن. وقال القرطبي: هذه آية مشكلة تعلقت بها الملاحدة، يقال: ما عبأت بفلان؛ أي: ما باليت به، أي ما كان له عندي وزن، ولا قدر. وأصل يعبأ من العبء، وهو الثقل، قال أبو زبيد الطائي، يصف أسدا: [الوافر] كأنّ بصدره وبجانبيه... عبيرا بات يعبؤه عروس أي: يجعل بعضه على بعض، فالعبء: الحمل الثقيل، والجمع: أعباء، و «العبء» المصدر. وقال الزمخشري: لما وصف عبادة العباد، وعدّد صالحاتهم وحسناتهم، وأثنى عليهم من أجلها، ووعدهم الرفع من درجاتهم في الجنة؛ أتبع ذلك ببيان: أنه إنما اكترث لأولئك، وعبأ بهم، وأعلى ذكرهم، ووعدهم ما وعدهم؛ لأجل عبادتهم، فأمر رسوله أن يصرح للناس، ويجزم لهم القول بأن الاكتراث لهم عند ربهم، إنما هو للعبادة وحدها، لا لمعنى آخر، ولولا عبادتهم لم يكترث لهم البتة، ولم يعتد بهم، ولم يكونوا عنده شيئا يبالي به. انتهى. وهو جيد جيد جدا. ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ:﴾ لولا عبادتكم، فإن شرف الإنسان، وكرامته بالمعرفة والطاعة، وإلا فهو وسائر الحيوانات سواء، وقيل: معناه: ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، فيكون كقوله تعالى في الآية رقم [١٤٧] من سورة (النساء): ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾. ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أي: بما أخبرتكم حيث خالفتموه، وإذا كان الخطاب لمشركي قريش؛ فيكون في الكلام التفات من خطاب المؤمنين الصادقين إلى خطاب المشركين المعاندين، وهذا على رأي الزمخشري. وإذا كان الخطاب في الأول، والثاني لكفار قريش، فلا التفات في الكلام. ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ أي: يكون جزاء التكذيب-وهو العذاب-لازما لكم، يحيق بكم لا محالة، أو أثره لازما لكم؛ حتى يكبكم في النار، واللّزام بالفتح: اللزوم، وبكسر اللام: الملازمة، وقد قرئ بفتح اللام، وكسرها، كالثبات، والثبوت، وقد فسر بالعذاب في الآخرة، وفسر بالقتل يوم بدر. ولزام على القراءتين مصدر، وقد وقع على القراءتين موقع اسم الفاعل، فعلى الكسر وقع موقع ملازم، وعلى الفتح وقع موقع لازم، فيكون مثل قوله تعالى في آخر سورة (الملك): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: غائرا.

стр. 4140

تنبيه: فقد روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود-﵁: أنه قال: (خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر. وفي رواية: الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام) وقوله: خمس أي: خمس علامات دالة على قيام الساعة. قد مضين، أي: وقعن، الأول: الدخان المذكور في سورة (الدخان) في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ وعلى هذا فالمراد به شيء يشبه الدخان. وذلك: أنه لما نزل بقريش الجوع، صار الواحد منهم يرى كأن بينه وبين السماء دخانا. والقمر، أي: في قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. والروم، أي: المذكور في قوله تعالى سورة (الروم): ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾. والبطشة، أي: المذكورة بسورة (الدخان) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى﴾ وهي القتل يوم بدر. واللزام، أي: في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول مطلق عامله ما بعده، التقدير: أي عبء يعبأ بكم، وقيل: ﴿ما﴾ نافية. ﴿يَعْبَؤُا:﴾ فعل مضارع. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَوْلا:﴾ حرف امتناع لوجود. ﴿دُعاؤُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وخبر المبتدأ محذوف، التقدير: موجود، وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف أيضا دل عليه ما قبله، والكلام: ﴿ما يَعْبَؤُا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة، والمعنى يؤيده. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على ما قبلها، وهي في محل نصب مقول القول على الاعتبارين. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال وتسويف. ﴿يَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المفهوم من التكذيب، انظر تقديره في الشرح. ﴿لِزاماً:﴾ خبر: ﴿يَكُونُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. انتهت سورة الفرقان شرحا، وإعرابا، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 4141

سورة الشّعراء سورة (الشعراء)، وهي مكية إلا أربع آيات من آخر السورة، من قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) ..﴾. إلخ وهي مئتان وسبع وعشرون آية، وألف ومئتان وتسع وسبعون كلمة، وخمسة آلاف، وخمسمئة وأربعون حرفا. انتهى. خازن. فعن ابن عباس-﵄-قال: قال النبي ﷺ : «أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت (طه) و (الطواسين) من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن، وخواتيم سورة (البقرة) من تحت العرش، وأعطيت المفصّل نافلة». وعن البراء بن عازب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله أعطاني السّبع الطّوال مكان التوراة، وأعطاني ﴿المص﴾ مكان الإنجيل، وأعطاني (الطواسين) مكان الزبور، وفضّلني ب: (الحواميم) والمفصّل ما قرأهنّ نبيّ قبلي». انتهى. جمل نقلا عن القرطبي. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ الشرح: ﴿طسم:﴾ قال ابن عباس-﵄: عجزت العلماء عن علم تفسيرها، وفي رواية أخرى عنه: أنه قسم، وهو اسم من أسماء الله تعالى. والجواب الآية رقم [٤] الآتية. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن أقسم الله به. وقال مجاهد: هو اسم للسورة. وقال القرظي: أقسم الله بطوله، وسنائه، وملكه. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: الطاء: طور سيناء، والسين: إسكندرية، والميم مكة. وقال جعفر الصادق بن محمد بن علي، أي زين العابدين ﵃ أجمعين-: الطاء: شجرة طوبى، والسين: سدرة المنتهى، والميم: محمد ﷺ . وقيل: الطاء من الطاهر، والسين من السميع، أو من السّلام، والميم من المجيد. و (طسم) و (طس) بمعنى واحد، قال المتنبي في مطلع قصيدة له مدح بها أبا الحسن علي بن عبد الله العدوي: [الطويل] وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه... بأن تسعدا والدّمع أشفاه ساجمه والطّواسين، والطّواسيم سور في القرآن جمعت على غير قياس، وأنشد أبو عبيدة: [الرجز] وبالطّواسيم الّتي قد ثلّثت... وبالحواميم الّتي قد سبّعت

стр. 4142

قال الجوهري: والصواب أن تجمع بذوات، وتضاف إلى واحد، فيقال: ذوات طسم، وذوات حم. انتهى. قرطبي. ﴿آياتُ:﴾ جمع آية، وهي تطلق على معان كثيرة: الدلالة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وتطلق على المعجزة، مثل انشقاق القمر، ونحوه، وعصا موسى، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى، وعلى السورة بكاملها، وهي المرادة هنا. ﴿الْكِتابِ:﴾ هو في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة؛ لاجتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا. والمراد به هنا: القرآن الكريم الذي أنزل على قلب محمد ﷺ . ﴿الْمُبِينِ:﴾ الظاهر إعجازه، وصحته، وما فيه من الأحكام، والمبين للحق من الباطل، والحلال، والحرام، وقصص الأنبياء، ونبوة محمد ﷺ ، وانظر وصفه ب: ﴿الْحَكِيمِ﴾ في أول سورة (لقمان) وهو اسم فاعل من: أبان الرباعي، أصله المبين بسكون الباء وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من بان الثلاثي: «بائن». الإعراب: ﴿طسم:﴾ في إعراب هذا اللفظ وأمثاله وجوه: الأول: أن محله الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا طسم، أو هو مبتدأ خبره ما بعده. والثاني: أن محله النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل طسم، أو هو منصوب على تقدير حذف حرف القسم، كما تقول: الله لأفعلنّ، والناصب فعل محذوف أيضا، التقدير: التزمت الله، أي اليمين به. والثالث: أن محله الجر على القسم، وحرف الجر محذوف، وبقي عمله بعد الحذف؛ لأنه مراد، فهو كالملفوظ به، وتقدير الكلام على هذا: أقسم، أو أحلف ب ﴿طسم،﴾ وضعف هذا سليمان الجمل، فقال: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك، أي حذف الجار وإبقاء عمله من خصائص الجلالة المعظمة، لا يشركها فيه غيرها، ولا محل لها من الإعراب على اعتبارها وأمثالها حروفا مقطعة، أو مختصرة من أسماء. وكذلك على قول السلف في هذا اللفظ، وأمثاله: الله أعلم بمراده بذلك، لا محل له من الإعراب؛ لأن الإعراب فرع معرفة المعنى. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، وأجيز اعتباره خبر لمبتدأ محذوف التقدير: هذه تلك، فتكون ﴿آياتُ﴾ بدلا من اسم الإشارة، والأول أقوى، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، و ﴿آياتُ:﴾ مضاف،

стр. 4143

و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُبِينِ:﴾ صفة ﴿الْكِتابِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ آياتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿طسم﴾ على الوجه الثاني من وجهي الرفع، كما رأيت، والرابط: اسم الإشارة على اعتبار الإشارة عائدة على ﴿طسم،﴾ وهي مستأنفة على بقية الأوجه فيه. ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ الشرح: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: لعلك مهلك نفسك، وقاتلها. وأصل البخع أن يبلغ الذابح بالذبح البخاع، وهو عرق مستبطن الفقار، وذلك أقصى حد الذبح. وفي المصباح المنير: وبخع نفسه بخعا من باب: نفع: قتلها من وجد، أو غيظ. وبخع لي بالحق بخوعا: انقاد له، وخضع. و (لعلّ) هنا للإشفاق؛ أي: أشفق على نفسك أن تقتلها. ﴿أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لئلا يؤمنوا، أو خيفة عدم إيمانهم. فقد شبه الله نبيه ﷺ حين تولى عنه المشركون برجل فارقه أحبته، فهو يتساقط حسرات عليهم، ويهلك نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم. ففي الكلام استعارة تمثيلية. وبخع نفسه: قتلها غما، قال ذو الرمة: [الطويل] ألا أيّهذا الباخع الوجد نفسه... بشيء نحته عن يديه المقادر والترجي هنا ليس على بابه، بل المقصود منه النهي؛ أي: لا تبخع نفسك، أي: لا تهلكها غما على عدم إيمانهم، وقيل: هو للإشفاق على بابها. هذا؛ والفراق بين الترجي، والإشفاق: أن الأول في المحبوب، والثاني في المكروه، وما في الآية من هذا القبيل، وقيل: (لعلّ) هنا للاستفهام، وهو رأي الكوفيين، ومثل الآية الآية رقم [٦] من سورة (الكهف). الإعراب: ﴿لَعَلَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿باخِعٌ:﴾ خبرها، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿نَفْسَكَ:﴾ مفعول به ل ﴿باخِعٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. ﴿يَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر ﴿يَكُونُوا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و (أن) والفعل ﴿يَكُونُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لئلا يكونوا، وهو قول الكوفيين، أو هو في محل جر بإضافة مفعول لأجله إليه، التقدير: مخافة عدم إيمانهم، وهو قول البصريين، ومثل هذه الآية قول عمرو بن كلثوم، وهو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الوافر] نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا

стр. 4144

﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤)﴾ الشرح: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ أي: دلالة ملجئة إلى الإيمان، أو بلية قاسرة عليه. ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ أي: منقادين ذليلين، وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فاقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الخبر على أصله. وقيل: لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء، أجريت مجراهم، وقيل: المراد ب: (الأعناق) الرؤساء، أو الجماعات، من قولهم: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم، وقيل: إنما أراد أصحاب الأعناق، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل: إن المعنى: إن ذلت رقابهم ذلوا، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها، ويسوغ في كلام العرب أن تترك الخبر عن الأول وتخبر عن الثاني، قال الأغلب العجلي: [الرجز] طول اللّيالي أسرعت في نقضي... نقضن كلّي، ونقضن بعضي فأخبر عن الليالي، وترك الطول، وقال جرير: [الوافر] أرى مرّ السّنين أخذن منّي... كما أخذ السّرار من الهلال وإنما جاز ذلك؛ لأنه لو أسقط مرّ وطول من الكلام لم يفسد معناه انتهى. قرطبي، وما في البيتين يعبر عنهما بتعبير آخر، وهو: أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه. انظر الشاهد رقم [٩٠٢] وما بعده في كتابنا فتح القريب المجيب، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. تنبيه: ذكر الزمخشري، والقرطبي: أن ابن عباس-﵄-قال: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية قال: ستكون لنا عليهم الدولة، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، ويلحقهم هوان بعد عزة. انتهى. وأعتقد أن هذه المقالة مكذوبة على ابن عباس-﵄. هذا؛ ويقرأ الفعلان ﴿نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾ بالنون والياء. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿نَشَأْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن»، أو تقديره: «هو»، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿نُنَزِّلْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل تقديره: «نحن»، أو «هو». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿آيَةً،﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿آيَةً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿نُنَزِّلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَظَلَّتْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ظلت): فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث

стр. 4145

حرف لا محل لها. ﴿أَعْناقُهُمْ:﴾ اسم (ظلّت)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿خاضِعِينَ:﴾ خبر (ظلّت) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿فَظَلَّتْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ؛ لأنه لو قيل: أنزلنا؛ لكان صحيحا على حد قوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ وهذا التعبير لا يجوز؛ لأنه لا يكون في النثر فعل الشرط مضارعا، والجواب ماضيا، وإنما ميدانه الشعر، قال قعنب ابن أم صاحب: [البسيط] إن يسمعوا سبّة طاروا بها فرحا... عنّي، وما يسمعوا من صالح دفنوا وهذا هو الشاهد رقم [١١٧٦] من كتابنا فتح القريب المجيب، وفي الآية الكريمة عطفت جملة: ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ..﴾. إلخ على جواب الشرط، وفعلها ماض، وجواب الشرط مضارع، واغتفر ذلك؛ لأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل. انتهى. مغني اللبيب. هذا؛ وقيل: إن جملة: ﴿فَظَلَّتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥)﴾ الشرح: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ﴾ أي: جديد، أو متجدد إنزاله، لا أنه مخلوق، والمراد بالذكر: الآيات؛ التي تنزل بعد الآيات، والسورة التي تنزل بعد السورة. أو المراد به ما يذكرهم به النبي ﷺ ، ويعظهم. وإضافته إلى الرحمن؛ لأنه ﷺ لا ينطق إلا بالوحي، فقوله، ووعظه، وتحذيره ذكر، وهو محدث متجدد. ﴿إِلاّ كانُوا عَنْهُ:﴾ عن الذكر. ﴿مُعْرِضِينَ﴾ أي: جددوا له إعراضا عنه، وكفرا به، وازدادوا عتوا، وعنادا، وقابلوه بالتكذيب، والسخرية، والاستهزاء. هذا؛ والفعل «أتى، يأتي» يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، كما في قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ،﴾ ويستعمل متعديا، إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في هذه الآية ونحوها، ومثله فعل: «جاء» في التعدية واللزوم، مع اختلاف اللفظ واتفاق المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ،﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ذِكْرٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذِكْرٍ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿مُحْدَثٍ﴾ تقدم عليه، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿ذِكْرٍ؛﴾ لأنه وصف بمحدث، وهذا أضعف الأقوال. ﴿مُحْدَثٍ:﴾ صفة ﴿ذِكْرٍ﴾ على لفظه، وقرئ بالرفع صفة له على محله، وأجاز

стр. 4146

الكسائي نصبه على الحال، ولم أجد قراءة بالنصب، وهذا كله من الآية رقم [٢] من سورة (الأنبياء). وجملة: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، أو في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو في محل نصب حال من الفاعل الموصوف بما ذكر، و «قد» قبلها مقدرة، والرابط: الضمير المجرور محلا ب: (عن). ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦)﴾ الشرح: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أي: النبي ﷺ ، حيث لم يؤمنوا بالذكر الذي جاءهم به؛ حيث أعرضوا عنه، وأمعنوا في تكذيبه، حيث أدى بهم إلى الاستهزاء المخبر به عنهم ضمنا بما يلي. هذا؛ وفي الآية رقم [٥] من سورة (الأنعام): ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ وفسرت الحق هناك بالقرآن المنزل من عند الله على قلب محمد ﷺ . ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا..﴾. إلخ: أي سيظهر لهم عاقبة استهزائهم عند نزول العذاب بهم يوم القيامة، أو حين يعلو شأن الإسلام، وتنزل بهم الذلة، والمهانة، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده حين هزموا في وقعة بدر الكبرى، ثم تم ذلك يوم فتح مكة حين وقفوا بين يدي رسول الله ﷺ صاغرين ذليلين حقيرين ينتظرون ما يفعل بهم من قتل، أو نفي، أو استرقاق، ففي الآية الكريمة وعيد، وتهديد، وإنذار بأنهم سيعلمون ما يحل بهم من ذلة، وصغار؛ إن لم يؤمنوا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة كأنه قيل: إذا أردت أن تعرف ماذا كان موقفهم من الذكر حين أعرضوا عنه، وصرفوا عن التأمل فيه، فقد كذبوا، وفيه من الضعف ما لا يخفى. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول به محذوف مع المتعلق انظر الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. السين: حرف استقبال. (يأتيهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْبؤُا:﴾ فاعل. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة هنا، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بإضافة ﴿أَنْبؤُا﴾ إليها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا بِهِ..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا

стр. 4147

بالباء، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بإضافة: ﴿أَنْبؤُا﴾ إليه، التقدير: أنباء استهزائهم، وجملة: (سيأتيهم...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء). ﴿يَرَوْا﴾ أي: الكفار، ينظروا ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ وما فيها من العجائب، والغرائب. ﴿كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ..﴾. إلخ: نبه على عظمته، وقدرته، وأنهم لو رأوا بقلوبهم، ونظروا ببصائرهم؛ لعلموا: أن الله تعالى هو الذي يستحق العبادة وحده؛ إذ هو القادر على كل شيء، والخالق لكل شيء، والمحيط علمه بكل شيء، و (الزوج) المراد به هنا: الجنس، والنوع، والصنف الحسن من النبات، مما يأكل الناس والأنعام. هذا؛ وقال الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم، وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة، والإحاطة: أن كلمة «كل» تدل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و «كم» تدل على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة. وانظر شرح ﴿تَنْبُتُ﴾ في الآية رقم [٢٠] من سورة (المؤمنون)، وانظر شرح: ﴿كَرِيمٍ﴾ في الآية رقم [٥٨] الآتية. وهنا أذكر: أنه تعالى وصف النبات ب: ﴿كَرِيمٍ﴾ لأحد أمرين: الأول: أن النبات نوعان: نافع، وضار، فدل بكلمة ﴿كَرِيمٍ﴾ على أن المراد النوع النافع، وخلّى ذكر الضار. والثاني: أن المراد: النافع والضار من النبات، ووصفهما ب: ﴿كَرِيمٍ﴾ تنبيها على أنه ما خلق شيئا إلا لحكمة، وربما خفيت أسرارها على ابن آدم، ولكنه تعالى عالم بما يجهل العبد الفقير. وأما (نا) في قوله تعالى ﴿أَنْبَتْنا﴾ فقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح): وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا،﴾ ﴿وَهَبْنا،﴾ ﴿نَحْنُ،﴾ ﴿إِنّا﴾ لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد العظيم المطاع؛ الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك، يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، ولا يريدون: أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، ونحن، وإنا... إلخ، مع أنه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات، والأرض. انتهى. أقول: و (نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون، والكافرون، فالله لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، فيقول: أخذنا، وأعطينا... إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن،

стр. 4148

وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. (الواو): حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿إِلَى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَمْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. وقال الجلال: خبرية بمعنى: كثيرا، وجوز أبو البقاء اعتبارها ظرفا لما بعدها، كما جوز اعتبارها مصدرا، أي: فهي مفعول مطلق، والمعتمد الأول، ثم الثاني. انظر مبحثها في كتابنا: فتح القريب المجيب. ﴿أَنْبَتْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب: (في). وقال الجمل، وقول آخر لأبي البقاء: (كل) تمييز ل: (كم) فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو ﴿مِنْ،﴾ و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿زَوْجٍ﴾ مضاف إليه. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة ﴿زَوْجٍ،﴾ وجملة: ﴿كَمْ أَنْبَتْنا..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعول، أو مفعولي الفعل ﴿يَرَوْا،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: إنبات تلك الأصناف. ﴿لَآيَةً﴾ أي: علامة تدل على أنه واحد، وعلى أنّ منبتها تام القدرة والحكمة، سابغ النعمة والرحمة؛ أي: دلالة على كمال قدرتنا، وتوحيدنا، كما قال القائل: [المتقارب] وفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه واحد ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: في علم الله، وقضائه، فلذلك لا ينفعهم ما يرون من الآيات العظام؛ لأن الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فمن يهديهم إلى الإيمان بعد الله، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي:﴾ حرف جر. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب ﴿فِي،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له من الإعراب. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (آية): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾

стр. 4149

منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وقال سيبويه: (كان) زائدة، وعليه تكون (ما) عاملة عمل «ليس» و ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ اسمها، و ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبرها، وعلى الاعتبارين فالجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، وقيل: في محل نصب حال، وليس بالقوي. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: الغالب القادر على الانتقام من الكفرة. ﴿الرَّحِيمُ:﴾ حيث أمهلهم، ولم يعاجلهم بالعقوبة، أو ﴿الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمن تاب، وآمن. هذا؛ والخطاب للنبي ﷺ ، و (الرب) انظر شرحه في الآية رقم [٩٤] من سورة (المؤمنون). الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَهُوَ:﴾ اللام: هي اللام المزحلقة. (هو): ضمير فصل لا محل له. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ خبر (إن). ﴿الرَّحِيمُ:﴾ خبر ثان. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، وما بعده خبران عنه، فتكون الجملة الاسمية: ﴿لَهُوَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إن). هذا؛ ودخلت اللام على ضمير الفصل على الوجه الأول فيه؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ، وانظر الآية رقم [٤٤] الآتية. ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ اِئْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ نادى..﴾. إلخ: هذا شروع في قصص سبع ذكرها الله تعالى في هذه السورة، أولها قصة موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وهذا النداء كان لموسى في طريق عودته من مدين إلى مصر، كما رأيت في سورة (طه)، وكما ستقف عليه مفصلا في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، وكان النداء بكلام نفساني سمعه من كل الجهات من غير واسطة، والنداء: الدعاء ب «يا فلان» أي: قال ربك: يا موسى. وموسى أصله: (موشى) مركبا من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: (مو)، والشجر يقال له: (شا) فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر، لمّا ألقته أمّه فيه، كما رأيت في سورة (طه) وكما ستقف عليه مفصلا في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى. ﴿اِئْتِ:﴾ أمر من «أتى» الثلاثي الذي شرحته لك في الآية رقم [٥] فهو بهمزتين: همزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان، فإذا

стр. 4150

ابتدأت الكلام، قلت: إيت بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل وتعود الهمزة الأصلية، فتقول: ائت، ومثل ذلك قل في إعلال: أذن يأذن ونحوه. ﴿الْقَوْمَ:﴾ هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، ونفر... إلخ، وهو يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري-وسوف إخال أدري-... أقوم آل حصن أم نساء؟ وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا، وهو يذكر، ويؤنث، انظر الآية رقم [١٠٥] الآتية. ﴿الظّالِمِينَ﴾ أي: بالكفر، واستعباد بني إسرائيل، وذبح صبيانهم، واستحياء بناتهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ:﴾ قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي: دهاء، ومكر، وفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر، وكسرى لملكي الفرس، والروم، وكان فرعون موسى مصعب بن الريان، وقيل: ابنه الوليد من بقايا قوم عاد، وفرعون يوسف-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمئة سنة، وعاش ستمئة وعشرين سنة، وكان ملك فرعون موسى أربعمئة سنة، ولم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو وجع يوم؛ أو حمى يوم لما ادّعى الربوبية. ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ أي: ألا يخافون عقاب الله، وانتقامه، ويمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه، وذلك مع الإيمان به، وتصديق موسى فيما جاء به من عند ربه. هذا؛ والفعل مأخوذ من (التقوى) وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي، وأصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ والتحرز من المهالك في الدنيا، والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة). هذا؛ ويقرأ الفعل بالتاء، فيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب زجرا لهم، وغضبا عليهم. قال الزمخشري: فإن قلت فما فائدة هذا الالتفات، والخطاب مع موسى ﵊ في وقت المناجاة، والملتفت إليهم غيب لا يشعرون، قلت: إجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم، وإلقائه إلى مسامعهم؛ لأنه مبلغه، ومنهيه، وناشرة بين الناس، وله فيه لطف، وحث على زيادة التقوى، وكم من آية أنزلت في شأن الكافرين، وفيها أوفر نصيب للمؤمنين. انتهى. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو: اتل، ويدل للأول ما صرح به

стр. 4151

في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ،﴾ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ﴾ ويدل للثاني، ما صرح به في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ﴾ أو هو مفعول به لهذا المقدر، ورجحه ابن هشام في المغني، وذكر الأول أيضا. ﴿نادى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَنِ:﴾ حرف مصدري. ﴿اِئْتِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، و ﴿أَنِ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن ائت. هذا؛ وأرجح اعتبار (أن) حرف تفسير، والجملة الفعلية مفسرة للفعل نادى، وشرط التفسير موجود هنا، وهو سبق «أن» بجملة فيها معنى القول دون حروفه. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة له منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿قَوْمَ:﴾ بدل من ﴿الْقَوْمَ،﴾ أو عطف بيان عليه، و ﴿قَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿نادى رَبُّكَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه واستفتاح، يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. وقيل: هي حرف عرض، وقيل: الهمزة حرف استفهام معناه التعجب، و (لا) نافية، ولا وجه له البتة. ﴿يَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقال النسفي: ويحتمل: أنها في محل نصب حال من الضمير في ﴿الظّالِمِينَ﴾ أي: يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال، والكلام ﴿وَإِذْ نادى..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ الشرح: ﴿قالَ رَبِّ﴾ أي: قال موسى: يا رب. ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أي: في دعوى الرسالة. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ أي: بسبب تكذيبهم إياي. ﴿وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي:﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه بسبب وضع الجمرة عليه، وهو صغير لمّا نتف لحية فرعون، فغضب منه، وأراد قتله، فأشارت عليه زوجته، أن يختبره، فقدم له تمرة، وجمرة، فأخذ الجمرة، ووضعها على لسانه، فحصل فيه ثقل في النطق. ﴿فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ﴾ أي: أرسل جبريل إلى هارون، واصطفيه رسولا مثلي. ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ:﴾ المراد بالذنب هنا: قتل القبطي على ما يأتي بيانه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى. ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلوني قصاصا به، وفي هذا دليل واضح على أن

стр. 4152

الخوف قد يصحب الأنبياء، والفضلاء، والأولياء مع معرفتهم بالله، وأن لا فاعل إلا هو؛ إذ قد يسلط من شاء على من شاء. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: رتب استدعاء ضم أخيه إليه، وإشراكه له في الأمر على الأمور الثلاثة: خوف التكذيب، وضيق الصّدر انفعالا عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق؛ لأنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين، يقوي قلبه، وينوب منابه متى تعتريه حبسته، حتى لا تختل دعوته، ولا تبتر حجته، وليس ذلك تعللا منه، وتوقفا في تلقي الأمر، بل طلبا لما يكون معونة على امتثاله، وتمهيد عذره فيه. انتهى. كيف لا وقد صرح بذلك في قوله: ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وما أحراك أن تنظر الآيات رقم [٢٥] وما بعدها من سورة (طه). هذا؛ وقد كان هارون ﵇، أكبر من موسى، وأفصح لسانا منه، وأجمل، وأوسم، وكان أبيض اللون، وكان موسى آدم اللون، أقنى، أجعد، وكان هارون ألين عريكة من موسى، على نبينا وحبيبنا وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. هذا؛ وأصل الخوف: انزعاج في الباطن يحصل من توقع مكروه يقع في المستقبل. وأما التخوف؛ فإنه يأتي بمعنى التّنقّص، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ الآية رقم [٤٧] من سور النحل، يروى: أن الفاروق-﵁-قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ؟﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، وقال: هذه لغتنا: التّخوّف: التّنقّص، قال عمر-﵁: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط] تخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن فقال عمر-﵁: أيها الناس! عليكم بديوانكم لا تضلوا! قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. وانظر ما ذكرته في الشعراء والشعر في الآية رقم [٢٢٤] الآتية. هذا؛ ويأتي الخوف بمعنى العلم، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً..﴾. إلخ الآية رقم [١٨٢] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٢٩] من سورة (البقرة)، بعد هذا انظر شرح: ﴿ذَنْبٌ﴾ في الآية رقم [٥٨] من سورة (الفرقان)، وشرح ﴿رَبِّ﴾ في الآية رقم [٩٤] من سورة (المؤمنون). الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى، تقديره: هو. ﴿رَبِّ:﴾ منادى مضاف، حذفت منه أداة النداء، وانظر الآية رقم [١٦٩] الآتية. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:

стр. 4153

«أنا». ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُكَذِّبُونِ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول كالجملة الندائية قبلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَضِيقُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يضيق): فعل مضارع. ﴿صَدْرِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على خبر: (إن)، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها. هذا؛ ويقرأ الفعلان بالنصب على: ﴿يُكَذِّبُونِ﴾. ﴿فَأَرْسِلْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كانت الأمور الثلاثة متوقعة الحصول فأرسل. (أرسل): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿ذَنْبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَخافُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخاف): فعل مضارع، والفاعل أنا، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير (فأنا أخاف...) إلخ، والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها، أو تعليل، ولا محل لها على الوجهين. ﴿قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله لموسى. ﴿كَلاّ﴾ أي: لن يقتلوك، فهو ردع وزجر عن هذا الظن، وأمر بالثقة بالله تعالى، أي: ثق بالله، وانزجر عن خوفك منهم، فإنهم لا يقدرون على قتلك، ولا يقوون عليه. ﴿فَاذْهَبا﴾ أي: اذهب أنت، وأخوك، فقد جعلته رسولا معك. والخطاب لموسى، وثني، ففيه تغليب الحاضر على الغائب عن ذلك المكان، وهو هارون؛ لأنه إذ ذاك كان بمصر، والإرسال والخطاب المذكوران كانا في الطور في طريق عودة موسى من مدين إلى مصر. ﴿إِنّا:﴾ يريد نفسه . ﴿مَعَكُمْ:﴾ جمع الضمير، والخطاب لموسى وحده؛ لأن المراد موسى وهارون، فأجراهما مجرى الجمع تعظيما لشأنهما، أو المراد: هما، وفرعون. ﴿مُسْتَمِعُونَ:﴾ سامعون ما يقولون، وما يجيبون، وما يجري بينكما وبينه، فأظهركما

стр. 4154

عليه. مثل نفسه بمن حضر مجادلة قوم استماعا لما يجري بينهم، وترقبا لإمداد أوليائه منهم، مبالغة في الوعد بالإعانة، فلذلك تجوّز بالاستماع الذي هو بمعنى الإصغاء للسمع الذي هو مطلق إدراك الحروف والأصوات، بعد هذا انظر شرح ﴿كَلاّ﴾ في الآية رقم [٧٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر مبني على السكون في محل نصب مقول القول. ﴿فَاذْهَبا:﴾ الفاء: حرف عطف. (اذهبا): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المفهومة من قوله: ﴿كَلاّ﴾ كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت والذي طلبته. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (إنّ)، أو هو متعلق بما بعده، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْتَمِعُونَ:﴾ خبر ثان ل: (إنّ)، أو هو خبر واحد على اعتبار الظرف متعلقا به مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وهي مفيدة للتعليل، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧)﴾ الشرح: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا:﴾ الخطاب لموسى، وغلبه على أخيه هارون الغائب كما رأيت في الآية السابقة. ﴿إِنّا رَسُولُ:﴾ في إفراده أوجه: أحدها: هو مصدر كالرسالة، أي ذوا رسول، أو: إنا رسالة على المبالغة. والثاني: أنه اكتفى بأحدهما؛ إذ كانا على أمر واحد. والثالث: أن موسى ﵇ كان هو الأصل وهارون تبع، فذكر الأصل. انتهى. عكبري. وقال الخازن: فإن قلت: هلاثنى الرسول، كما في قوله تعالى: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (طه)؟، قلت: الرسول قد يكون بمعنى المرسل، وبمعنى الرسالة، فجعله ثمّ بمعنى المرسل فلم يكن بدّ من تثنيته، وجعله هنا بمعنى الرسالة، فجازت التسوية فيه؛ إذا وصف به الواحد، والتثنية، والجمع، والمعنى إنا ذوا رسالة، قال كثيّر عزة: [الطويل] لقد كذب الواشون ما فهت عندهم... بشيء ولا أرسلتهم برسول أي: برسالة، وقال الأسعر الجعفي: [الوافر] ألا أبلغ بني عمرو رسولا... بأنّي عن فتاحتكم غنيّ أي: أبلغهم رسالة. وقال العباس بن مرداس: [الوافر]

стр. 4155

ألا من مبلغ عنّي خفافا... رسولا بيت أهلك منتهاها يعني: رسالة، فلذلك أنثها، وقيل: إنهما لاتفاقهما في الرسالة، والشريعة، والأخوة، فصارا كأنهما رسول واحد. وقيل: كل واحد منا رسول رب العالمين. انتهى. بتصرف. ﴿إِسْرائِيلَ﴾ هو نبي الله يعقوب، ومعناه بالعبرانية: صفوة الله، أو عبد الله ف: «إسرا» هو العبد أو الصفوة، و «أيل» هو الله، ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقد ولد يعقوب في حياة جده إبراهيم، وهو النافلة التي امتن الله بها على إبراهيم بقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ ولقد وجدت في كثير من المراجع الموجودة عندي: أن يعقوب كان توأما مع أخ له اسمه عيصو في بطن واحد، فعند خروجهما من بطن أمهما تزاحما، وأراد كل أن يخرج قبل صاحبه، فقال عيصو ليعقوب: إن لم تدعني أخرج قبلك، وإلا خرجت من جنبها، فتأخر يعقوب شفقة منه على أمه؛ فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين، والله أعلم بحقيقة ذلك. هذا؛ و: ﴿الْعالَمِينَ:﴾ جمع عالم بفتح اللام، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له الآية رقم [٢٣] و [٢٤] والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا..﴾. إلخ: أي: أطلقهم من استعبادك لهم، وخلهم يذهبوا إلى فلسطين، وكانت مسكن يعقوب وإسحاق، والذي أتى بهم إلى مصر هو يوسف ﵇، كما هو معروف، ومشهور، وكان فرعون قد استعبدهم، واستذلهم أربعمئة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمئة ألف، وثلاثين ألفا. يروى: أنهما انطلقا إلى باب فرعون، فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البواب عليه، وقال: هاهنا إنسان يزعم: أنه رسول رب العالمين، فقال: إيذن له، لعلنا نضحك منه، فدخلا عليه، وأديا الرسالة. وروى وهب، وغيره: أنهما لما دخلا على فرعون وجداه قد أخرج سباعا من أسد ونمور وفهود يتفرج عليها، فخاف سواسها أن تبطش بموسى وهارون، فأسرعوا إليها، وأسرعت السباع إلى موسى وهارون، فأقبلت تلحس أقدامهما، وتبصبص إليهما بأذنابها، وتلصق خدودها بفخذيهما، فعجب فرعون من ذلك، فقال: ما أنتما؟ قال: إنا رسول رب العالمين، فعرف موسى؛ لأنه نشأ في بيته. فقال: ما يلي. الإعراب: ﴿فَأْتِيا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ائتيا): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَاذْهَبا..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَقُولا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قولا): فعل أمر، والألف فاعله. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿رَسُولُ:﴾ خبر (إنّ) وهو مضاف، و ﴿رَبِّ﴾

стр. 4156

مضاف إليه، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير لتضمن الرسول معنى الإرسال، والإرسال بمعنى القول دون حروفه، كما في الوحي، والمناداة، والكتابة، والإشارة، ونحو ذلك. ﴿أَرْسِلْ:﴾ فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَعَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿أَنْ أَرْسِلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مفسرة لمعنى الإرسال، كما رأيت، وقيل: ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب بنزع الخافض، والأول أقوى، وأرجح. ﴿قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨)﴾ الشرح: ﴿قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ..﴾. إلخ: فحذف: فأتيا فرعون، فقالا له ذلك؛ لأنه معلوم لا يخفى، وهذا الاختصار كثير في التنزيل، والمعنى: ربيناك صغيرا، ولم نقتلك فيمن قتلنا. والوليد: الصبي لقرب عهده بالولادة. ﴿وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أي: أقمت عندنا في إعزاز وإكرام ورعاية سنين، أي: ثلاثين، وقد ذكر السبب في سورة (طه)، وسأذكره في سورة (القصص)؛ إن شاء الله تعالى أيضا. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نُرَبِّكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿فِينا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿وَلِيداً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة، التي ذكرتها لك كثيرا. ﴿وَلِيداً:﴾ حال من كاف الخطاب، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلَبِثْتَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لبثت): فعل، وفاعل. ﴿مِنْ عُمُرِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿سِنِينَ،﴾ كان صفة له... والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سِنِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَلَبِثْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 4157

﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩)﴾ الشرح: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ:﴾ أراد قتله القبطي. وبخه على قتله، معظما إياه، بعد أن عدد عليه نعمه. والفعلة بفتح الفاء: المرة من الفعل، وقرئ بكسر الفاء بمعنى الهيئة، والحال، قال الأعشى: [البسيط] كأنّ مشيتها من بيت جارتها... مرّ السّحابة لا ريث ولا عجل ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي: في قتلك القبطي. وقيل: أي: بنعمتي التي كانت لي عليك من التربية، والرعاية، والإحسان إليك. هذا؛ وقد ربّي موسى ﵇ في بيت فرعون ثلاثين عاما، وخرج إلى مدين، فأقام عشرة أعوام، ودعا فرعون إلى الله ثلاثين عاما، وعاش بعد غرق فرعون خمسين عاما. هذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. وكفر الشيء: ستره، وغطاه. وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته. قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في معلقته: [الكامل] حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثغور ظلامها الإعراب: ﴿وَفَعَلْتَ:﴾ الواو: حرف عطف. (فعلت): فعل، وفاعل. ﴿فَعْلَتَكَ:﴾ مفعول مطلق، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿فَعْلَتَكَ﴾. وجملة: (فعلت): صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، وهو ضمير المصدر على حد قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ وجملة: ﴿وَفَعَلْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ الْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. ﴿قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى. ﴿فَعَلْتُها إِذاً﴾ أي: فعلت تلك الفعلة. يريد: قتل القبطي. ﴿وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أي: من الجاهلين. وقد قرئ به، والمعنى من الفاعلين فعل أولي الجهل،

стр. 4158

والسفه، أو: من المخطئين؛ لأنه لم يتعمد قتله، أو: من الذاهلين عما يؤول إليه أمر الوكز؛ لأنه أراد به التأديب، والردع، والزجر من الاعتداء على الإسرائيلي الذي كان مع القبطي. أو: من الناسين على حد قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾ فقد بيّن ﵊ بهذا: أن التربية فيهم لا تنافي النبوة والحلم على الناس، وأنّ القتل خطأ، أو في وقت لم يكن فيه شرع لا ينافي النبوة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿فَعَلْتُها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، أو مفعول مطلق. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَنَا:﴾ الواو: واو الحال. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ الضّالِّينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿إِذاً﴾ ظرفا متعلقا ب ﴿الضّالِّينَ﴾ فالمعنى لا يأباه، ويكون معناه: ﴿حِينَئِذٍ﴾. وانظر الآية رقم [٤٢] الآتية، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)﴾ الشرح: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ﴾ أي: خرجت فارا من بلدكم حين خفت بطشكم، وعقوبتكم. ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾ أي: أنعم عليّ، ومنحني من فضله حكمة، وعلما، ونبوة. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: اصطفاني، واختارني رسولا لكم. هذا، وقد فسرت الحكم-وهو الحكمة-بما رأيت. والحكمة: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة. وأصل الفعل: ﴿خِفْتُكُمْ﴾ خوفتكم، فحذفت الواو لاستثقال الكسرة عليها، ثم قلبت فتحة الخاء كسرة؛ لتدل على حركة المحذوف، ولو كانت الحركة دليلا على المحذوف؛ لكانت ضمة. تأمل. الإعراب: ﴿فَفَرَرْتُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (فررت): فعل، وفاعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿لَمّا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل فررت أيضا، وهي بمعنى حين. ﴿خِفْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿لَمّا﴾ إليها. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿لَمّا﴾ متطلبة جملتين، فقد حذف جوابها لدلالة ما قبله عليه. هذا؛ وقرئ: «(لما)» بكسر اللام وتخفيف الميم على اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر باللام، التقدير: لتخوفي منكم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (فررت). ﴿فَوَهَبَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (وهب): فعل ماض. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل: (وهب) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها

стр. 4159

اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿حُكْماً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَوَهَبَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَجَعَلَنِي:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلني): فعل ماض، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي،﴾ تقديره: «هو». ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ متعلقان بالفعل: (جعل) وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وجملة: ﴿وَجَعَلَنِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢)﴾ الشرح: لقد اختلف العلماء في معنى هذه الآية، وأنا أنقل لك ما ذكره النسفي-رحمه الله تعالى-فيها، حيث قال: كرّ على امتنانه عليه بالتربية، فأبطله من أصله، وأبى أن تسمى نعمة؛ لأنها نقمة حيث بيّن أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل؛ لأن تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته له، ولو تركهم لرباه أبواه من غير امتنان عليه، فكأن فرعون امتن على موسى بتعبيد قومه، وإخراجه من حجر أبويه إذا حقّقت. وتعبيدهم: تذليلهم، واتخاذهم عبيدا انتهى. هذا؛ ويقال: عبدته وأعبدته؛ إذا ذللته، واستعبدته، واتخذته عبدا، قال الفراء، وأنشد: [البسيط] علام يعبدني قومي وقد كثرت... فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان؟ وقال الخازن: وقيل: هو على طريق الإنكار، والمعنى: أتمنّ عليّ أن ربيتني، وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد، والمعاملات القبيحة، أو يريد: كيف تمن عليّ بالتربية، وقد استعبدت قومي؟! ومن أهين قومه فقد ذل، فتعبيد بني إسرائيل قد أحبط حسناتك إلي، ولو لم تستعبدهم، ولم تقتل أولادهم؛ لم أرفع إليك حتى تربيني، وتكفلني، ولكان لي من أهلي من يربيني، ولم يلقوني باليم. هذا؛ وقد وحد الضمير في قوله تعالى: ﴿تَمُنُّها﴾ و ﴿عَبَّدْتَ﴾ وجمع في ﴿خِفْتُكُمْ؛﴾ لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ وأما الامتنان فمنه وحده، وكذا التعبيد، وتلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة، لا يدري ما هي إلا بتفسيرها. الإعراب: ﴿وَتِلْكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نِعْمَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿تَمُنُّها:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿نِعْمَةٌ﴾. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.

стр. 4160

﴿عَبَّدْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، و ﴿أَنْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر؛ قال السمين: في محله أوجه سبعة: أحدها: أنه في محل رفع عطف بيان ل: (تلك) كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ..﴾. إلخ. والثاني: أنه في محل نصب مفعولا لأجله. والثالث: أنه بدل من: ﴿نِعْمَةٌ﴾. والرابع: أنه بدل من الهاء في ﴿تَمُنُّها﴾. والخامس: أنه مجرور بباء مقدرة؛ أي: بأن عبدت. والسادس: أنه خبر مبتدأ مضمر؛ أي: هي. والسابع: أنه منصوب بإضمار: أعني. انتهى. جمل. والجملة الاسمية: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ: أي: إنك تدعي: أنك رسول رب العالمين، فما صفته، وذلك؛ لأنك إذا أردت السؤال عن صفة زيد، تقول: ما زيد؟ تعني: أطويل، أم قصير، أفقيه، أم طبيب؟ وقيل: هو سؤال عن الجنس، والله منزه عن الجنسية، والماهية؛ فلذلك عدل موسى ﵇-عن جوابه، وأجابه بذكر أفعاله، وآثار قدرته؛ التي تعجز الخلائق عن الإتيان بمثلها. ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ..﴾. إلخ: أي: رب السموات، والأرض هو خالقهما. فاعرفوا: أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته لكم، فإن أيقنتم بذلك؛ لزمكم أن تقطعوا: أنه لا جواب لكم عن هذا السؤال إلا ما ذكرته من الجواب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي: إن كنتم تعرفون الأشياء بالدليل، فكفى خلق هذه دليلا، أو إن كان يرجى منكم الإيقان؛ الذي يؤدي إليه النظر الصحيح؛ نفعكم هذا الجواب، وإلا لم ينفع، والإيقال: العلم الذي يستفاد بالاستدلال، ولذا لا يقال: الله موقن. هذا؛ وقد أعاد الضمير إلى السموات والأرض مثنى والمرجوع إليه مجموع السموات والأرض وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين، قال الشاعر يذم عاملا على الصدقات: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟ لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين فقد ثنى «جمال» الذي هو جمع: جمل. والعقاب: صدقة عام، والسبد: المال القليل. واللبد: المال الكثير. وأوبادا: هلكى جمع: وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الزكوات

стр. 4161

في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموالنا بغير حق؛ حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف يكون حالنا، أو كيف يبقى لأحد لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟ ثم أقسم، فقال: والله لو صار عاملا سنتين؛ لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان، فيختل أمر الغزوات. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٩] من سورة (الفرقان). الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله. ﴿وَما:﴾ الواو: صلة. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿رَبُّ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: «هو»، و ﴿رَبُّ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على السموات والأرض. ﴿بَيْنَهُمَا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية المقدرة: «هو رب...» إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُوقِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فآمنوا به وحده، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من أشراف قومه. قال ابن عباس-﵄: كانوا خمسمئة رجل عليهم الأسورة. ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ أي: جواب موسى، فإني أطلب منه ماهية إلهه الذي يدعيه، وهو يجيبني بأنه مالك السموات والأرض وما بينهما؛ أي: يجيبني بأفعاله، وآثاره، فهو يستغرب من جوابه؛ لأنهم يزعمون قدم السموات، والأرض، وينكرون حدوثهما، وأن لهما ربّا. ﴿قالَ﴾ أي: موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ..﴾. إلخ: أي: خالقكم، وخالق آبائكم، فإن لم تستدلوا على الخالق العظيم بما ذكرت لكم؛ فاستدلوا بخلقه لكم، ولآبائكم الأولين. وإنما قال: ورب آبائكم؛ لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدّمهم، وهذا شأن كلّ من ادّعى الألوهية لنفسه.

стр. 4162

﴿قالَ﴾ أي: فرعون. ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ..﴾. إلخ: حيث يجيب عن السؤال بما لا نفهمه، ويتكلم بكلام لا نقبله، فكأنه لا يفهم السؤال، ثم هو يزعم: أن في الوجود إلها غيري. هذا؛ وانظر شرح ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان)، وشرح: ﴿رَبَّكَ﴾ في الآية رقم [٩]. أما ﴿حَوْلَهُ﴾ فهو ظرف مكان لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا، يقال: قعد حوله وحواله، وحوليه، وحواليه، ولا تقل: حواليه بكسر اللام، وقعد بحياله، وحياله، أي: بإزائه، وإزاءه. هذا؛ وسمى فرعون موسى رسولا على طريق السخرية. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنُ﴾. ﴿لِمَنْ:﴾ اللام: حرف جر، (من): اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه واستفتاح يسترعى به انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. وقيل: الهمزة للاستفهام، و (لا) نافية. ﴿تَسْتَمِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (رب): معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و ﴿آبائِكُمُ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل... إلخ، والكاف في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة ﴿آبائِكُمُ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية المقدرة: «هو ربكم...» إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى فرعون. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَسُولَكُمُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿رَسُولَكُمُ﴾. ﴿أُرْسِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولَكُمُ﴾. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وجملة: ﴿أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، ﴿لَمَجْنُونٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مجنون): خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما:﴾ فإنكم تشاهدون كل يوم: أنه يأتي بالشمس من المشرق، ويحركها على مدار، غير مدار اليوم الذي قبله، حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع ينتظم به أمور الكائنات، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: إن كان لكم عقل علمتم

стр. 4163

أن لا جواب لكم فوق ذلك، لا ينههم أولا، ثم لما رأى شدة شكيمتهم، خاشنهم وعارضهم بمثل مقالتهم. انتهى. بيضاوي. هذا؛ وإنك لترى: أن موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، قد تدرج معهم في الجواب، وإلقاء الحجج وطرح الأدلة على وجود الصانع الحكيم من قوله: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ..﴾. إلخ، وختم الآية الأولى بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ،﴾ وختم الثالثة بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ،﴾ وهذا التدرج معهم كان من الملاينة إلى الغلظة، كما رأيت. هذا؛ وانظر شرح «العقل» في الآية رقم [١٠] من سورة (الأنبياء). تنبيه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ:﴾ يريد بهما ناحيتي الأرض، أي له سبحانه الأرض كلها، لا يختص به مكان دون مكان. هذا؛ وقد قال سبحانه في سورة (الرحمن): ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشتاء والصيف ومغربهما، أو مشرقي الشمس والقمر ومغربهما، وقال تعالى: في سورة (المعارج) وغيرها: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾. فقد جمع المشرق والمغرب، كما ترى باعتبار مشارق الشمس ومغاربها في السنة، وهي ثلاثمئة وستون، تشرق كل يوم في واحد منها، وكذا تغرب في واحد منها، وكان من حق المشرق، والمغرب فتح العين، وهي الراء؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان والمكان إذا أخذ أحدها من فعل ثلاثي مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها، وأيضا جاء كثير بكسر العين، وهو مذكور في كتب النحو، من ذلك: المسجد، والمنبت، والمسقط، والمرفق، والمنحر، والمجزر، والتحقيق: أنها أسماء نوعية، غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح. هذا؛ وتقديم المشرق على المغرب، بجميع تصاريفه إيماء بأفضليته على المغرب. ولا تنس المطابقة بين المشرق والمغرب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿مُوسى﴾ ﵇، ﴿رَبُّ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: رب العالمين رب، وهو مضاف، و ﴿الْمَشْرِقِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿وَالْمَغْرِبِ:﴾ معطوف على ما قبله، (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على: ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ،﴾ ﴿بَيْنَهُما﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لا محل لها؛

стр. 4164

لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كنتم تعقلون كلامي؛ فتدبروا ما أقوله لكم. والكلام: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ﴾ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ الشرح: قال النسفي-رحمه الله تعالى-في آخر الآية السابقة: وهذا غاية الإرشاد؛ حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض، وما بينهما، ثم خصص من العام للبيان أنفسهم، وآباءهم؛ لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثمّ خصص المشرق، والمغرب؛ لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين، وغروبها في الآخر، على تقدير مستقيم في فصول السنة، وحساب مستو من أظهر ما استدل به، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الرحمن عن الاحتجاج بالإحياء، والإماتة على نمرود بن كنعان. فلما تحير فرعون، ولم يتهيأ له أن يدفع ظهور آثار صنعه؛ ﴿قالَ لَئِنِ..﴾. إلخ، والمعنى: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه، فيطرحه في هوة، ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا لا يبصر فيها، ولا يسمع، فكان ذلك أشدّ من القتل، وأشدّ من السجن، ولو قال: لأسجننك؛ لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. انتهى. وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ثم لما انقطع فرعون-لعنه الله-في باب الحجة؛ رجع إلى الاستعلاء والتغلب، فتوعد موسى بالسجن، ولم يقل: ما دليلك على أن هذا الإله أرسلك؟ لأن فيه الاعتراف، بأن ثم إلها غيره، وفي توعده بالسجن ضعف، وكان-فيما يروى-يفزع منه فزعا شديدا، حتى كان اللعين لا يمسك بوله. انتهى. هذا؛ وقد قال نبينا ﷺ «نصرت بالرعب» فكانت عروش الجبابرة تهتزّ عند ذكره ﷺ فرقا، ووجلا. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنُ﴾ تقديره: «هو». ﴿لَئِنِ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِتَّخَذْتَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ﴿إِلهَاً:﴾ مفعول به، ﴿غَيْرِي:﴾ صفة: ﴿إِلهَاً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهذه الإضافة لا تفيد «غير» تعريفا، لذا صح وقوعه صفة للنكرة، وجملة: ﴿اِتَّخَذْتَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أجعلنك): فعل مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: «أنا»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ:﴾

стр. 4165

جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية جواب القسم المدلول عليه باللام لا محل لها، وجواب الشرط محذوف على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم والكلام: ﴿لَئِنِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: قال له موسى حين توعده بالسجن: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ..﴾. إلخ: أي: أتفعل ذلك بي؛ ولو جئتك بشيء يبين صدقي فيما أقول؟! والمراد: المعجزة، فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع، وحكمته، والدلالة على صدق مدعي النبوة، انتهى. بيضاوي بتصرف، وإنما قال ذلك موسى؛ لأن من عادة الناس السكون إلى الإنصاف، والإجابة إلى الحق بالبيان. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿أَوَلَوْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام داخل على فعل محذوف، انظر الشرح، الواو: واو الحال، (لو): وصلية لا عمل لها. ﴿جِئْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل الفعل المحذوف، والرابط: الواو، والضمير، انظر الشرح. ﴿بِشَيْءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة (شيء) والكلام: ﴿أَوَلَوْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿قالَ فَأْتِ..﴾. إلخ: أي: قال فرعون لموسى: فائت بالشيء المبين إن كنت صادقا، فإن من يدعي النبوة، والرسالة لا بد له من حجة تثبت دعواه. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿فِرْعَوْنُ،﴾ ﴿فَأْتِ:﴾ الفاء: صلة لتحسين اللفظ، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط محذوف، التقدير: إن كنت صادقا في دعواك، فائت. (ائت): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر

стр. 4166

(كان)، وجملة: ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله، والكلام: ﴿فَأْتِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿فَأَلْقى عَصاهُ:﴾ فطرح موسى عصاه على الأرض. ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ:﴾ الثعبان: ذكر الحيّات العظيم الضخم، ويجمع على: ثعابين. وفي آية أخرى: ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ والجان: الحية الصغيرة، ووجه الجمع: أنها كانت في العظام كالثعبان العظيم، وفي خفة الحركة كالحية الصغيرة، وهي الجانّ. ﴿مُبِينٌ:﴾ ظاهر واضح لمن يراه، ليس بتمويه وتخييل، كما تفعل السحرة. قال ابن عباس-﵄: لما ألقى موسى عصاه؛ صارت حية عظيمة، صفراء شقراء، فاتحة فمها، بين لحييها ثمانون ذراعا، وارتفعت من الأرض بقدر ميل، وقامت على ذنبها، واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه، فوثب هاربا، وأحدث-أي: تغوط-في ثيابه بحضرة قومه في ذلك اليوم مرات عديدة، واستمرّ معه هذا المرض، وهو الإسهال؛ حتى غرق، وقد انهزم الناس خوفا مزدحمين، وقتل بعضهم بعضا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، ودخل فرعون قصره، وصاح: يا موسى! أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها، وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأمسكها بيده، فعادت عصا، كما كانت. انتهى. خازن. وغيره في سورة (الأعراف). وهذه إحدى المعجزات، وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (النمل). هذا؛ والعصا كانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، حملها آدم معه من الجنة، فتوارثها الأنبياء؛ حتى وصلت إلى شعيب، ﵇، فأعطاها لموسى حين لجأ إليه، وزوّجه إحدى ابنتيه، وأسند إليه رعاية الغنم، كما ستقف عليه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى. هذا؛ والعصا تطلق على أمور، يقال: ألقى عصاه، أي: أقام، وترك الأسفار، وهو مثل عربي، ويقال: انشقت العصا، أي: وقع الخلاف بين القوم، قال الشاعر: [الطويل] إذا كانت الهيجاء، وانشقّت العصا... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد وهذا هو الشاهد [٩٦٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، انظر إعرابه فإنه جيد، ويقال في الخوارج: قد شقوا عصا المسلمين، أي: اجتماعهم، وائتلافهم. والعصيان: ضد الطاعة، وتجمع العصا على: عصيّ بضم العين وكسرها، وتشديد الياء، كما في الآية رقم [٤٤] الآتية،

стр. 4167

ومقتضى القياس أن يقال في جمعها: عصوّ؛ لأن ألفها منقلبة عن واو، ولذا يقال في تثنيتها: عصوان، فأبدل من الواو الثانية ياء؛ لأنها ظرف ليس بينها، وبين الضمة إلا حرف ساكن، فصار (عصوي) فاجتمعت الواو والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو الأولى ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمة الصاد كسرة لتصح الياء، ثم تبعت حركة الصاد. هذا؛ وانظر فوائد العصا في الآية رقم [١٨] من سورة (طه) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: (ألقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ تقديره: «هو»، ﴿عَصاهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف دال على التعقيب هنا كما ترى. (إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب، وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه: (خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب)؛ لأن «إن» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عند المبرد وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: (خرجت فإذا زيد جالس) أو المقدر في نحو: فإذا الأسد. أي: حاضر، وإذا قدرت أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو: استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب. وعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان، لا أجد لها متعلقا هنا إلا بالتقدير: فانقلبت في ذلك الوقت، أو في ذلك المكان... إلخ، وتعليقها ب ﴿مُبِينٌ﴾ -كما ذكرت في المثال المتقدم- لا يعطي المعنى الذي أعطاه هذا التقدير. تأمل، وتدبر. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿ثُعْبانٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿ثُعْبانٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على التقدير الذي قدرته، وعليه فالجملة الفعلية المقدرة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وعلى تعليقها ب ﴿مُبِينٌ،﴾ فتبقى الجملة الاسمية معطوفة على الفعلية قبلها، وأيضا على اعتبار (إذا) حرفا؛ فالجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. تنبيه: ﴿فَإِذا:﴾ قلت: الفاء هنا حرف عطف وتعقيب، وأذكر لك ما قاله السيوطي في همع الهوامع، فقال-رحمه الله تعالى-: اختلف في هذه الفاء، فقال المازني: هي زائدة لازمة للتأكيد؛ لأن إذا الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جني، وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة: (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها، واختاره الشّلوبّين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع «ثم» موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾

стр. 4168

تَنْتَشِرُونَ وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط انتهى. أي: فهي للسببية المحضة، وفي مغني اللبيب نحو هذا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ:﴾ أخرجها من جيبه، أو من تحت إبطه، والمراد بها اليد اليمنى. روي: أن فرعون لما رأى الآية الأولى، قال: فهل غيرها؟ فأخرج يده، وقال: ما هذه؟ قال فرعون: يدك؛ فما فيها؟ فأدخلها في إبطه، ثم أخرجها، ولها شعاع يغشى الأبصار، ويسد الأفق، علما بأن سيدنا موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كان أسمر شديد السمرة. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (طه): ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فهو احتراز، واحتراس عن أن يكون البياض عن مرض، كبرص، ونحوه، وبياضها طارئ لا جبلّي. هذا؛ واليد تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق ويراد بها القوة، والقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ،﴾ كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد، أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير، قال عروة بن حزام العذري: [الطويل] وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان هذا؛ وأصل يد: (يدي) فحذفت منه الياء، والدليل على ذلك ردها إليه في الجمع، فتقول: الأيدي، كما في الآية الكريمة، وكذلك ترد إليه في التصغير، فتقول: يديو؛ لأن التكسير والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها. الإعراب: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ:﴾ هو كما في الآية السابقة بلا فارق. ﴿لِلنّاظِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَيْضاءُ؛﴾ لأنه صفة مشبهة، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَنَزَعَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة (ألقى...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون، وفي (الأعراف) رقم [١٠٩] قال الملأ، وقد أجاب الزمخشري-رحمه الله تعالى-عن هذا التعارض بثلاثة أوجه: الأول: أن يكون هذا الكلام صادرا منه، ومنهم، فحكي هنا عنه وفي سورة (الأعراف) عنهم. والثاني: أن فرعون قاله ابتداء، وتلقته عنه خاصته، فقالوه لمن دونهم من الرعية. والثالث: أنهم قالوه عنه للناس على

стр. 4169

طريق التبليغ، كما يفعل الملوك، يرى الواحد منهم الرأي، فيبلغه للخاصة، ثم يبلغونه للعامة، وهذا الوجه قريب من الثاني في المعنى. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. (الملأ): الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملؤون العيون بكبريائهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: معشر، ورهط، ونحوهما. والملأ: رجال لا امرأة فيهم، والملأ: الخلق، وفي حديث: أن النبي ﷺ قال لأصحابه حين همّوا بضرب الأعرابي الذي بال في المسجد: «أحسنوا أملاءكم» فقد جمع بهذا المعنى، كما يجمع في المعنى المتقدم، قال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته: [الخفيف] أيّما خطّة أردتم فأدّو... ها إلينا تمشي بها الأملاء الساحر: هو الذي يستعمل السحر، وهو كل ما لطف، ودق، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى. وقال الغزالي في «الإحياء» ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الجواهر هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستعانة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. هذا؛ والمعتمد أنّ تعلمه لدفع الضرر عن نفسه، أو عن غيره، أو اتخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله وبقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار بأحد. ومعنى (ساحر عليم) متفوق في علم السحر. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿فِرْعَوْنُ﴾. ﴿لِلْمَلَإِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من (الملأ)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه للمخاطب ينبه به على ما يساق من الكلام. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَساحِرٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. ساحر: خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ هذا من بقية الكلام الذي قبله، وهو قول فرعون للملأ. ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ:﴾ بمعنى ماذا تشيرون، من المشاورة، والائتمار: التشاور في أمر من الأمور، وهو أولى من اعتباره من الأمر المعروف. هذا؛ ويقرأ: ﴿تَأْمُرُونَ﴾ بفتح النون، وكسرها.

стр. 4170

هذا؛ ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين، وبقي لا يدري أيّ طرفيه أطول، حتى زلّ عنه ذكر دعوى الإلهية، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه، وانتفخ سحره خوفا وفرقا، وبلغت به الاستكانة لقومه الذين هم بزعمه عبيده، وهو إلههم أن طفق يؤامرهم، ويعترف لهم بما حذر منه، وتوقعه، وأحسّ به من جهة موسى ﵇ وغلبته على ملكه، وأرضه. انتهى. كشاف. الإعراب: ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ تقديره: هو. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُخْرِجَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ أيضا، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِسِحْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ في محل نصب مفعول به، التقدير: يريد إخراجكم، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل ﴿أَنْ،﴾ أو هي في محل رفع صفة ثانية ل: (ساحر)، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: (ساحر) و ﴿عَلِيمٌ،﴾ التقدير: حالة كونه مريدا إخراجكم. ﴿فَماذا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (ماذا): (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي تأمرونه، أو تأمرونني به. هذا؛ ويجوز اعتبار (ماذا) اسم استفهام مركبا، وفي محله وجهان: الأول: اعتباره مفعولا به مقدما للفعل بعده، والثاني: اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، والرابط محذوف على مثال ما رأيت في العائد. ﴿تَأْمُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمفعول محذوف على مثال ما رأيت، وينبغي أن تعلم أن المفعول به المحذوف، هو ياء المتكلم على كسر النون، وتكون نون الرفع قد حذفت، وهو ضمير الغيبة على فتح النون، والجملة الفعلية صلة (ذا) على اعتباره موصولا مفردا، وفي محل رفع خبر المبتدأ على الوجه الأول من وجهي التركيب، أو هي فعلية لا محل لها على الوجه الثاني من وجهي التركيب، وجملة: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ سواء أكانت اسمية، أم فعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا فماذا تأمرون؟ وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا، وعلى الاعتبارين فهي في محل نصب مقول القول، وهي من مقول فرعون. بخلافها في سورة (الأعراف) رقم [١١٠] فإنها مقولة لقول محذوف. ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال الملأ المذكورون في الآية رقم [٣٤]. ﴿أَرْجِهْ:﴾ فيه ست قراآت، ثلاثة بإثبات الهمزة (أرجئه) بكسر الهاء من غير إشباع، وضمها كذلك، وبإشباع؛ حتى
следующие страницы →