Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
(كان)، وجملة: ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله، والكلام: ﴿فَأْتِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿فَأَلْقى عَصاهُ:﴾ فطرح موسى عصاه على الأرض. ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ:﴾ الثعبان:
ذكر الحيّات العظيم الضخم، ويجمع على: ثعابين. وفي آية أخرى: ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ والجان: الحية الصغيرة، ووجه الجمع: أنها كانت في العظام كالثعبان العظيم، وفي خفة الحركة كالحية الصغيرة، وهي الجانّ. ﴿مُبِينٌ:﴾ ظاهر واضح لمن يراه، ليس بتمويه وتخييل، كما تفعل السحرة. قال ابن عباس-﵄: لما ألقى موسى عصاه؛ صارت حية عظيمة، صفراء شقراء، فاتحة فمها، بين لحييها ثمانون ذراعا، وارتفعت من الأرض بقدر ميل، وقامت على ذنبها، واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه، فوثب هاربا، وأحدث-أي: تغوط-في ثيابه بحضرة قومه في ذلك اليوم مرات عديدة، واستمرّ معه هذا المرض، وهو الإسهال؛ حتى غرق، وقد انهزم الناس خوفا مزدحمين، وقتل بعضهم بعضا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، ودخل فرعون قصره، وصاح: يا موسى! أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها، وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأمسكها بيده، فعادت عصا، كما كانت. انتهى. خازن. وغيره في سورة (الأعراف). وهذه إحدى المعجزات، وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (النمل).
هذا؛ والعصا كانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، حملها آدم معه من الجنة، فتوارثها الأنبياء؛ حتى وصلت إلى شعيب، ﵇، فأعطاها لموسى حين لجأ إليه، وزوّجه إحدى ابنتيه، وأسند إليه رعاية الغنم، كما ستقف عليه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى.
هذا؛ والعصا تطلق على أمور، يقال: ألقى عصاه، أي: أقام، وترك الأسفار، وهو مثل عربي، ويقال: انشقت العصا، أي: وقع الخلاف بين القوم، قال الشاعر: [الطويل]
إذا كانت الهيجاء، وانشقّت العصا... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد
وهذا هو الشاهد [٩٦٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، انظر إعرابه فإنه جيد، ويقال في الخوارج: قد شقوا عصا المسلمين، أي: اجتماعهم، وائتلافهم. والعصيان: ضد الطاعة، وتجمع العصا على: عصيّ بضم العين وكسرها، وتشديد الياء، كما في الآية رقم [٤٤] الآتية،
стр. 4167
ومقتضى القياس أن يقال في جمعها: عصوّ؛ لأن ألفها منقلبة عن واو، ولذا يقال في تثنيتها:
عصوان، فأبدل من الواو الثانية ياء؛ لأنها ظرف ليس بينها، وبين الضمة إلا حرف ساكن، فصار (عصوي) فاجتمعت الواو والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو الأولى ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمة الصاد كسرة لتصح الياء، ثم تبعت حركة الصاد. هذا؛ وانظر فوائد العصا في الآية رقم [١٨] من سورة (طه) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: (ألقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ تقديره: «هو»، ﴿عَصاهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف دال على التعقيب هنا كما ترى. (إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب، وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه: (خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب)؛ لأن «إن» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عند المبرد وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: (خرجت فإذا زيد جالس) أو المقدر في نحو: فإذا الأسد. أي: حاضر، وإذا قدرت أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو: استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب.
وعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان، لا أجد لها متعلقا هنا إلا بالتقدير: فانقلبت في ذلك الوقت، أو في ذلك المكان... إلخ، وتعليقها ب ﴿مُبِينٌ﴾ -كما ذكرت في المثال المتقدم- لا يعطي المعنى الذي أعطاه هذا التقدير. تأمل، وتدبر. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿ثُعْبانٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿ثُعْبانٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على التقدير الذي قدرته، وعليه فالجملة الفعلية المقدرة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وعلى تعليقها ب ﴿مُبِينٌ،﴾ فتبقى الجملة الاسمية معطوفة على الفعلية قبلها، وأيضا على اعتبار (إذا) حرفا؛ فالجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.
تنبيه: ﴿فَإِذا:﴾ قلت: الفاء هنا حرف عطف وتعقيب، وأذكر لك ما قاله السيوطي في همع الهوامع، فقال-رحمه الله تعالى-: اختلف في هذه الفاء، فقال المازني: هي زائدة لازمة للتأكيد؛ لأن إذا الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جني، وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة: (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها، واختاره الشّلوبّين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع «ثم» موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾
стр. 4168
تَنْتَشِرُونَ وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط انتهى. أي: فهي للسببية المحضة، وفي مغني اللبيب نحو هذا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ:﴾ أخرجها من جيبه، أو من تحت إبطه، والمراد بها اليد اليمنى.
روي: أن فرعون لما رأى الآية الأولى، قال: فهل غيرها؟ فأخرج يده، وقال: ما هذه؟ قال فرعون: يدك؛ فما فيها؟ فأدخلها في إبطه، ثم أخرجها، ولها شعاع يغشى الأبصار، ويسد الأفق، علما بأن سيدنا موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كان أسمر شديد السمرة. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (طه): ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فهو احتراز، واحتراس عن أن يكون البياض عن مرض، كبرص، ونحوه، وبياضها طارئ لا جبلّي.
هذا؛ واليد تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق ويراد بها القوة، والقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ،﴾ كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد، أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير، قال عروة بن حزام العذري: [الطويل]
وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان
هذا؛ وأصل يد: (يدي) فحذفت منه الياء، والدليل على ذلك ردها إليه في الجمع، فتقول:
الأيدي، كما في الآية الكريمة، وكذلك ترد إليه في التصغير، فتقول: يديو؛ لأن التكسير والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها.
الإعراب: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ:﴾ هو كما في الآية السابقة بلا فارق. ﴿لِلنّاظِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَيْضاءُ؛﴾ لأنه صفة مشبهة، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَنَزَعَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة (ألقى...) إلخ لا محل لها مثلها.
﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون، وفي (الأعراف) رقم [١٠٩] قال الملأ، وقد أجاب الزمخشري-رحمه الله تعالى-عن هذا التعارض بثلاثة أوجه: الأول: أن يكون هذا الكلام صادرا منه، ومنهم، فحكي هنا عنه وفي سورة (الأعراف) عنهم. والثاني: أن فرعون قاله ابتداء، وتلقته عنه خاصته، فقالوه لمن دونهم من الرعية. والثالث: أنهم قالوه عنه للناس على
стр. 4169
طريق التبليغ، كما يفعل الملوك، يرى الواحد منهم الرأي، فيبلغه للخاصة، ثم يبلغونه للعامة، وهذا الوجه قريب من الثاني في المعنى. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
(الملأ): الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملؤون العيون بكبريائهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: معشر، ورهط، ونحوهما. والملأ: رجال لا امرأة فيهم، والملأ: الخلق، وفي حديث: أن النبي ﷺ قال لأصحابه حين همّوا بضرب الأعرابي الذي بال في المسجد: «أحسنوا أملاءكم» فقد جمع بهذا المعنى، كما يجمع في المعنى المتقدم، قال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته: [الخفيف]
أيّما خطّة أردتم فأدّو... ها إلينا تمشي بها الأملاء
الساحر: هو الذي يستعمل السحر، وهو كل ما لطف، ودق، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى. وقال الغزالي في «الإحياء» ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الجواهر هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستعانة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. هذا؛ والمعتمد أنّ تعلمه لدفع الضرر عن نفسه، أو عن غيره، أو اتخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله وبقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار بأحد. ومعنى (ساحر عليم) متفوق في علم السحر.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿فِرْعَوْنُ﴾. ﴿لِلْمَلَإِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من (الملأ)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه للمخاطب ينبه به على ما يساق من الكلام. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ﴾.
﴿لَساحِرٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. ساحر: خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ هذا من بقية الكلام الذي قبله، وهو قول فرعون للملأ. ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ:﴾ بمعنى ماذا تشيرون، من المشاورة، والائتمار: التشاور في أمر من الأمور، وهو أولى من اعتباره من الأمر المعروف. هذا؛ ويقرأ: ﴿تَأْمُرُونَ﴾ بفتح النون، وكسرها.
стр. 4170
هذا؛ ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين، وبقي لا يدري أيّ طرفيه أطول، حتى زلّ عنه ذكر دعوى الإلهية، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه، وانتفخ سحره خوفا وفرقا، وبلغت به الاستكانة لقومه الذين هم بزعمه عبيده، وهو إلههم أن طفق يؤامرهم، ويعترف لهم بما حذر منه، وتوقعه، وأحسّ به من جهة موسى ﵇ وغلبته على ملكه، وأرضه. انتهى. كشاف.
الإعراب: ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ تقديره: هو. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُخْرِجَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ أيضا، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِسِحْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ في محل نصب مفعول به، التقدير: يريد إخراجكم، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل ﴿أَنْ،﴾ أو هي في محل رفع صفة ثانية ل: (ساحر)، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: (ساحر) و ﴿عَلِيمٌ،﴾ التقدير: حالة كونه مريدا إخراجكم. ﴿فَماذا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (ماذا): (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير:
ما الذي تأمرونه، أو تأمرونني به. هذا؛ ويجوز اعتبار (ماذا) اسم استفهام مركبا، وفي محله وجهان: الأول: اعتباره مفعولا به مقدما للفعل بعده، والثاني: اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، والرابط محذوف على مثال ما رأيت في العائد. ﴿تَأْمُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمفعول محذوف على مثال ما رأيت، وينبغي أن تعلم أن المفعول به المحذوف، هو ياء المتكلم على كسر النون، وتكون نون الرفع قد حذفت، وهو ضمير الغيبة على فتح النون، والجملة الفعلية صلة (ذا) على اعتباره موصولا مفردا، وفي محل رفع خبر المبتدأ على الوجه الأول من وجهي التركيب، أو هي فعلية لا محل لها على الوجه الثاني من وجهي التركيب، وجملة: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ سواء أكانت اسمية، أم فعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا فماذا تأمرون؟ وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا، وعلى الاعتبارين فهي في محل نصب مقول القول، وهي من مقول فرعون.
بخلافها في سورة (الأعراف) رقم [١١٠] فإنها مقولة لقول محذوف.
﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال الملأ المذكورون في الآية رقم [٣٤]. ﴿أَرْجِهْ:﴾ فيه ست قراآت، ثلاثة بإثبات الهمزة (أرجئه) بكسر الهاء من غير إشباع، وضمها كذلك، وبإشباع؛ حتى
стр. 4171
يتولد منها واو، وثلاث بحذف الهمزة (أرجه) سكون الهاء وكسرها من غير إشباع، وبه حتى يتولد منها ياء. وقوله: (ابعث): في الأعراف: (أرسل). ﴿الْمَدائِنِ:﴾ قيل: هي مدائن صعيد مصر، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد، ومدائن جمع: مدينة على وزن: فعيلة، فالياء زائدة في المفرد؛ فلذلك تقلب همزة في الجمع، مثل: صحيفة، وصحائف، وغير ذلك، والمدينة من مدن يمدن بالمكان إذا أقام به، فالفعل من باب نصر. ﴿حاشِرِينَ:﴾ جامعين، ومعنى ﴿أَرْجِهْ وَأَخاهُ:﴾ أي أخر أمرهما، ولا تعجل بقتلهما، خوفا من الفتنة، والمراد ب: ﴿حاشِرِينَ﴾ الشرطة الذين كانوا جنودا عند فرعون.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَرْجِهْ:﴾
فعل أمر مبني على السكون على الهمزة المحذوفة كما رأيت، والهاء مفعول به، وتسكينه قراآت كما رأيت، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَخاهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، وقيل: مفعول معه، والأول أقوى، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة.
(ابعث): فعل أمر، والفاعل: أنت. ﴿فِي الْمَدائِنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حاشِرِينَ:﴾ مفعول به، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل رجالا حاشرين، وجملة (ابعث...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿يَأْتُوكَ﴾ أي: الرجال المبعوثون إلى المدائن. ﴿سَحّارٍ:﴾ صيغة مبالغة اسم الفاعل، وفي سورة (الأعراف) ساحر. وبه قرئ هنا أيضا. ﴿عَلِيمٍ:﴾ متفوق في علم السحر، وانظر (أتى) في الآية رقم [٥].
الإعراب: ﴿يَأْتُوكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم بجواب الأمر: (ابعث) وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب. ﴿بِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (كلّ) مضاف، و ﴿سَحّارٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿عَلِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، والذي في الآية رقم [٣٤] مثله.
﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾
الشرح أي: أحضر الشرطة السحرة في يوم معين، وهو يوم الزينة المذكور بقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٥٩] حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿قالَ﴾
стр. 4172
﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ..﴾. إلخ هذا؛ وأصل «ميقات»: (موقات) قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، وقل مثله في: ميعاد، وميثاق... إلخ.
الإعراب: ﴿فَجُمِعَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (جمع): فعل ماض مبني للمجهول.
﴿السَّحَرَةُ:﴾ نائب فاعل. ﴿لِمِيقاتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ميقات) مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مَعْلُومٍ:﴾ صفة: ﴿يَوْمٍ،﴾ وجملة ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩)﴾
الشرح: ﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ﴾ أي: نادى مناد بالناس. ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ أي: اجتمعوا، وهو استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد منه استعجالهم، وحثهم عليه، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أي: انتهوا، وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: أسلموا، فهنا قد خرج الاستفهام عن معناه الحقيقي إلى الأمر، ومنه قول تأبّط شرّا: [البسيط]
هل أنت باعث دينار لحاجتنا... أو عبد ربّ أخاعون بن مخراق؟
أي: ابعث أحدهما إلينا سريعا. هذا؛ وأصل «قيل»: (قول) بضم القاف وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب حركتها، فصار (قول) بكسر القاف وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة. ويقال: قلبت ياء لمناسبة الكسرة. أما (الناس) فهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال:
الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ الآية رقم [٧١] من سورة (الإسراء) وقيل: إن أصله النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
الإعراب: ﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف، (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِلنّاسِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام خرج عن معناه الأصلي. ﴿أَنْتُمْ:﴾
ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُجْتَمِعُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ في محل رفع نائب فاعل (قيل) وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام
стр. 4173
المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه، انظر الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا فتح القريب المجيب والكلام عليه. هذا؛ وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور في محل رفع نائب فاعل، وجملة: ﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠)﴾
الشرح: قال البيضاوي تبعا للزمخشري: أي لعلنا نتبعهم في دينهم إن غلبوا، والترجي باعتبار الغلبة المقتضية للاتباع، ومقصودهم الأصلي ألا يتبعوا موسى، لا أن يتبعوا السحرة، فساقوا الكلام مساق الكناية؛ لأنهم إذا تبعوهم لم يتبعوا موسى انتهى. هذا؛ وقال الخازن:
قيل: أراد القائل، والمنادي بالسحرة موسى وهارون، وإنما قال ذلك على طريقة الاستهزاء. انتهى. بتصرف مني، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿لَعَلَّنا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها.
﴿نَتَّبِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿السَّحَرَةَ:﴾ مفعول به؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّنا..﴾. إلخ تعليل للأمر المفهوم من الجملة الاستفهامية كما رأيت، وقيل: هي في محل نصب حال. والأول أقوى. ﴿إِنْ:﴾
حرف شرط جازم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو تأكيد لواو الجماعة.
﴿الْغالِبِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. هذا؛ ويجوز في العربية اعتبار الضمير مبتدأ، و «الغالبون» خبره، والجملة الاسمية في محل نصب خبر (كان)، ولكن لم يقرأه بالواو أحد، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه، التقدير: إن كانوا هم الغالبين؛ فنحن نتبعهم، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها من جملة التعليل للأمر المفهوم مما سبق.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١)﴾
الشرح: اشترط السحرة على فرعون الجزاء، والمكافأة، وهو بذل المال، والجاه؛ إن غلبوا موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وكانوا اثنين وسبعين، وقيل: كانوا آلافا.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السرّاج، والفارسي، وابن جني،
стр. 4174
وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿السَّحَرَةُ:﴾ فاعل، ومفعوله محذوف، التقدير:
جاء السحرة فرعون، وصرح به في سورة (الأعراف). والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لما) حرفا. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِفِرْعَوْنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَإِنَّ:﴾
الهمزة: حرف استفهام. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إن) مقدم. ﴿لَأَجْراً:﴾ اللام: لام الابتداء. (أجرا): اسم: ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿إِنَّ:﴾ حرف شرط.
﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا): ضمير متصل في محل رفع اسمها، وباقي الإعراب مثل إعراب ﴿إِنْ كانُوا..﴾. إلخ في الآية السابقة بلا فارق، والكلام ﴿أَإِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون. ﴿نَعَمْ﴾ أي: إن لكم أجرا، ف: ﴿نَعَمْ﴾ حرف جواب سد مسد هذه الجملة، ومثله: أجل، وجير، وإي، وبلى، ونقيضها: لا، و ﴿نَعَمْ﴾ تكون لتصديق المخبر، أو إعلام المستخبر، أو وعد الطالب. ﴿وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: ولكم المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر الكبير، فتكونون أول من يدخل، وآخر من يخرج من عندي. قال الكلبي: والآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدا ذليلا، مهينا عاجزا، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة. وتدل أيضا على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان، وإلا لما احتاجوا إلى طلب الأجر، والمال من فرعون؛ لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان، لقلبوا التراب ذهبا، ولنقلوا ملك فرعون لأنفسهم، ولجعلوا أنفسهم ملوك العالم، ورؤساءهم. والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق، وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل، والأكاذيب. انتهى. جمل.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى فرعون. ﴿نَعَمْ:﴾ هذا الحرف يقوم مقام جملة كما رأيت، فهو مبني على السكون في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنَّكُمْ:﴾ الواو:
حرف عطف. (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿إِذاً:﴾
حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له. هذا؛ وبعضهم يعتبرها ظرفا، ويعلقها بما بعدها، ويعتبر التنوين نائبا عن جملة محذوفة، وتقدير الكلام: إنكم لمن المقربين إذا غلبتم موسى، ويضعفه أن لام الابتداء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. هذا؛ ونقل السيوطي في «همع الهوامع» عن شيخه
стр. 4175
الكافيجي: أن هذه إنما هي: «إذا» الشرطية، حذفت جملتها، التي تضاف إليها، وعوض عنها التنوين كما في: يومئذ. انتهى. ولهذا لا يختص دخولها على المضارع، بل تدخل على الماضي وعلى الاسم، وقد وردت في القرآن كثيرا. وانظر الآية رقم [٢٠]. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي لام الابتداء، وتسمى مزحلقة بالقاف، أو بالفاء. (من المقربين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ﴿نَعَمْ﴾ السادّة مسدّ الجملة، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣)﴾
الشرح: ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا..﴾. إلخ: أي: اصنعوا سحركم، وأروه الناس، فالأمر بصنع السحر وإظهاره للناس، والإذن بتقديم إلقائهم إيّاه توسلا به إلى إظهار الحق، وهذا جواب سؤال صورته:
كيف يجوز على الرسول المعصوم الإذن بل الأمر بفعل السحر، وهو من قبيل الكفر؟! وحاصل الجواب: أن صيغة الأمر ليست على حقيقتها، بل هي مجاز عن الإذن، ولا يلزم منه الرضا، وإنما هو وسيلة لإبطاله، وإظهار الحق، وهو: أن انقلاب العصا حية ليس من قبيل السحر، والشعوذة.
ولا تنس: أن السحرة تأدبوا مع موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وخيروه بين إلقائه، وإلقائهم أولا، وقد صرح القرآن الكريم بهذا في الآية رقم [١١٥] من سورة (الأعراف)، والآية رقم [٦٥] من سورة (طه). انظر شرحهما وتفسيرهما تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وأخيرا أصل ﴿أَلْقُوا﴾ (ألقيوا)، وأصل (ملقون): (ملقيون) فحذفت الضمة التي على الياء، للثقل، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وأبدلت كسرة القاف ضمة لمناسبة الواو، وقل في الماضي: (لقوا) مثل ذلك.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُوسى:﴾
فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَلْقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْتُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿مُلْقُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ألقوا الذي، أو شيئا أنتم ملقونه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ أي: طرحوها على الأرض، وكانت سبعين ألف عصا،
стр. 4176
وسبعين ألف حبل، وذكر الله في سورة (الأعراف) قوله: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي، يركب بعضها بعضا، وقد قال الله تعالى في سورة (طه): ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ وهذه الخيفة لم تحصل له لأجل سحرهم؛ لأنه كان على ثقة، ويقين: أنهم لن يغلبوه، وإنما كان خوفه أن يتفرق الناس خوفا مما رأوا قبل ظهور معجزته، وحجته، وما فعله السحرة إنما كان من باب التمويه، والتخييل، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾.
﴿وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ:﴾ قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: أقسموا بعزة فرعون، وهي من أيمان الجاهلية، وهكذا كل حلف بغير الله، ولا يصح في الإسلام إلا الحلف بالله معلقا ببعض أسمائه، أو صفاته، كقولك: بالله، والرحمن، وربي، ورب العرش، وعزة الله، وقدرة الله، وجلال الله، وعظمة الله. قال رسول الله ﷺ : «لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمّهاتكم، ولا بالطّواغيت، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلاّ وأنتم صادقون». ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم، جاهلية نسبت لها الجاهلية الأولى، وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها وصفاته على شيء لم يقبل منه، ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه، فإذا أقسم به، فتلك عندهم جهد اليمين، التي ليس وراءها حلف لحالف. انتهى. كشاف.
أقول: وأبشع شيء عند المسلمين في هذه الأيام هو الحلف بالطلاق، الذي هو دليل الفسق، والنفاق، وضعف العقيدة على الإطلاق، وما كره رسول الله ﷺ شيئا كراهيته للفظ الطلاق، فقد سمع ﷺ رجلا يحلف بالطلاق، فقام مغضبا من مجلسه، وظهرت الكراهية في وجهه، وقال: «ألعبا بدين الله وأنا فيكم، أتلعبون بدين الله وأنا بينكم؟ من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت». بل إنه ﷺ جعل الحالف بالطلاق في درجة المنافقين والفساق، وقال: «لا يحلف بالطّلاق إلاّ فاسق، ولا يرضى به إلاّ منافق».
الإعراب: ﴿فَأَلْقَوْا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ألقوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿حِبالَهُمْ:﴾ مفعول به.
﴿وَعِصِيَّهُمْ:﴾ معطوف عليه، والهاء فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور، وجملة: ﴿فَأَلْقَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقالُوا:﴾ الواو:
حرف عطف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِعِزَّةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم، و (عزة) مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَنَحْنُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (نحن): ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
стр. 4177
﴿الْغالِبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و ﴿الْغالِبُونَ﴾ خبره، فتكون الجملة الاسمية: ﴿لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ ودخلت اللام على ضمير الفصل على الوجه الأول فيه؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على ضمير الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. هذا؛ وامتنع اعتبار الضمير توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ لوجود اللام الداخلة عليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ:﴾ وفي سورة (الأعراف) وسورة (طه) ألقى عصاه بعد الأمر بذلك بوحي منه . ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ﴾ أي: تأخذ، وتبتلع بسرعة بعد قلبها حية عظيمة، ومثله تلقم، وتلهم، واللقف: الأخذ بسرعة، ورجل لقف ثقف؛ أي: خفيف حاذق. وقرئ:
«(تلقّف)» بتشديد القاف، والأصل: تتلقّف بتاءين، فحذفت إحداهما، وقرئ: «(اتّلقف)» بتشديد التاء أيضا، وقراءة حفص بتخفيف القاف، كما رأيت أولا من: لقف، يلقف؛ كعلم، يعلم، وركب، يركب. يقال: لقفت الشيء، ألقفه لقفا، وتلقّفته، أتلقّفه تلقّفا: إذا أخذته بسرعة، فأكلته، أو ابتلعته. هذا؛ والتلقي، والتّلقّف، والتّلقّن معان متقاربة، خلا أن في الأول معنى الاستقبال، وفي الثاني معنى الخطف، والأخذ بسرعة، وفي الثالث معنى الحذق، والمهارة.
﴿ما يَأْفِكُونَ:﴾ ما يقلبون بتمويههم. هذا؛ وأصل الإفك: قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذاب: أفاك؛ لأنه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى الباطل، وهو بهذا المعنى من الباب الرابع، ومصدره: إفك، كعلم، ويغلب مجيء فعله بالبناء للمجهول، ويكون بمعنى الصرف، كقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ ومصدره أفك كضرب، وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا﴾ وما في الآية بمعنى: الكذب وما في قوله: ﴿لِتَأْفِكَنا﴾ بمعنى: الصرف.
تنبيه: قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية، فيقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحر، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، فإذا هي تبتلع كل شيء أتوا به من السحر، فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم، واحدا واحدا حتى ابتلعت الكل، وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجمع، ففزعوا، ووقع الزحام بينهم، فمات منهم في ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفا، ثم أخذها موسى، فعادت في يده عصا، كما كانت أول مرة، فلما رأى السحرة ذلك؛ عرفوا أنه من أمر
стр. 4178
السماء، وليس بسحر، وعرفوا: أن ذلك ليس من قدرة البشر، فعند ذلك خروا سجدا، و ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾.
تنبيه: إلقاء العصا، وانقلابها حية وقع مرتين بحضرة فرعون، الأولى كانت سببا في جمع السحرة، والثانية بحضرتهم، فالأولى ذكرت في الآية رقم [٣٢]، والثانية هي المذكورة هنا، ووقع انقلابها مرة ثالثة، ولم يكن هناك أحد غير موسى، وقد ذكرت في سورة (طه)، وفي سورة (القصص) وكانت في طريق عودته من مدين إلى مصر. تأمل.
تنبيه: لقد جرت سنة الله أن يؤيد الرسول بمعجزة من جنس ما برع به قومه، فقوم موسى برعوا بالسحر، فأيده الله بانقلاب العصا حية. وقوم عيسى برعوا بالطب، فأيده الله بإبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، وقوم محمد-صلّى الله عليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم- برعوا بالفصاحة والبلاغة، فأيده الله بالقرآن الكريم؛ الذي أسكت فصحاءهم، وأخرس بلغاءهم.
الإعراب: ﴿فَأَلْقى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ألقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿عَصاهُ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَأَلْقى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِذا هِيَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢].
﴿تَلْقَفُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿عَصاهُ﴾. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: تلقف الذي، أو شيئا يأفكونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: تلقف إفكهم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿هِيَ﴾.
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦)﴾
الشرح: إن السحرة لما عاينوا من عظيم قدرة الله تعالى ما ليس في قدرتهم مقابلته، وعلموا أنه ليس بسحر خروا لله ساجدين، وذلك أن الله تعالى ألهمهم معرفته والإيمان به، وفيه دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق وتخييل بشيء لا حقيقة له، وأن التبحر في كل فن نافع للإنسان، وإنما بدل الخرور بالإلقاء ليشاكل ما قبله، ويدل على أنهم لما رأوا ما رأوا؛ لم يتمالكوا أنفسهم، فكأنهم أخذوا وطرحوا على وجوههم، وأنه تعالى ألقاهم بما خولهم من التوفيق.
الإعراب: ﴿فَأُلْقِيَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ألقي): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿السَّحَرَةُ:﴾
نائب فاعله. ﴿ساجِدِينَ:﴾ حال منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿فَأُلْقِيَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 4179
﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون. ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي: لموسى، ﵇. ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: قبل أن تستأذنوني في ذلك، فآذن لكم بتصديقه، واتباعه. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ:﴾ وذلك: أن فرعون رأى موسى يحدّث كبير السحرة، فقال له موسى: تؤمن بي إن غلبتك، فقال: لآتين بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتني لأومنن بك، فظن فرعون: أنهما قد تواطآ عليه، وعلى القبط، وهذا فحوى كلامه في سورة (الأعراف): ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها﴾ أو أراد بقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ..﴾. إلخ أي هو رئيسكم في التعليم، وإنما غلبكم؛ لأنه أحذق به منكم، وقد أراد فرعون بقوله هذا؛ ليشبه على الناس؛ حتى
стр. 4180
لا يتبعوهم، فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم: أنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى، وقبل ولادته. ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ تهديد، ووعيد شديدين، فسرهما بما يلي في الآية التالية. هذا؛ وقال سبحانه هنا وفي سورة (طه): ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ وقال في سورة (الأعراف): ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وهما بمعنى واحد، والضمير فيهما لموسى ﵇، وقيل في سورة (الأعراف) الضمير إلى الله تعالى، وانظر إعلال الهمزة الممدودة فيما تقدم.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى فرعون. ﴿آمَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله.
﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿آذَنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا»، و ﴿أَنْ آذَنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلَ﴾ إليه. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَكَبِيرُكُمُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (كبيركم): خبر (إنّ)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: (كبيركم)، أو هو بدل منه، أو عطف بيان عليه. ﴿عَلَّمَكُمُ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿السِّحْرَ:﴾ مفعول به ثان، وجملة:
﴿عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والكلام ﴿آمَنْتُمْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول. ﴿فَلَسَوْفَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: بعزتي، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (سوف): حرف تسويف واستقبال.
﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، التقدير: فسوف تعلمون ما أفعل بكم، وجملة: (لسوف تعلمون) جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام لا محل له؛ لأنه جواب شرط غير جازم وتقدير الكلام: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا منكم؛ فأقسم بعزتي: لسوف تعلمون ما أفعل بكم! والكلام كله في محل نصب مقول القول.
﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ:﴾ قرأ حفص بضم الهمزة، وتشديد الطاء من الرباعي، وقرأ غيره بفتح الهمزة، وتخفيف الطاء من الثلاثي، وكذا: (لأصلبنكم). ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ يريد أن يقطع من كل شق طرفا فيقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، أو بالعكس. قيل: إن فرعون-لعنه الله-أول من سن هذا القطع، وهذا الصلب للمؤمنين، وذلك لشدة كفره، وعناده، ثم شرعه الله تعالى لقطّاع الطّريق، وللباغين تعظيما لجرمهم، وتنكيلا بهم، ولذلك سماه الله محاربة له ولرسوله، ولكن على التعاقب لفرط رحمته، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٣] من سورة (المائدة) وجيء هنا،
стр. 4181
وبسورة (طه) بالواو، وفي سورة (الأعراف) ب: ﴿ثُمَّ؛﴾ لأن الواو صالحة للمهلة، فلا تنافي بين الآيات، وانظر شرح (اليد) في الآية رقم [٣٣].
تنبيه: قال الجمل-رحمه الله تعالى-نقلا عن كرخي: والحاصل: أنهم لما آمنوا بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول قومه: إن هؤلاء السحرة على كثرتهم وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفتهم بصحة أمر موسى ﵇، فيسلكون طريقهم، فلبّس على القوم، وبالغ في التنفير عن موسى من وجوه: أحدها: قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ والمعنى: أن مسارعتكم إلى الإيمان به دالة على ميلكم إليه، فتتطرق التهمة إليهم، فلعلهم قصروا في السحر حياء منه. وثانيها: قوله:
﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهذا تصريح بما رمز به أولا، وتعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى، وقصروا في السّحر، ليظهر أمر موسى، وإلا ففي قوة السّحرة أن يفعلوا مثل ما فعل هو، وهذه شبهة قوية في تنفير من حوله. وثالثها: قوله: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو وعيد، وتهديد شديدين. انتهى. هذا؛ وقيل: إنه فعل بهم ما توعدهم به من التقطيع، والتصليب، وقيل: لم يفعله بهم، ولم يرد في القرآن ما يدل على أنه فعل بهم ذلك. انتهى.
والقول الأول منقول عن الكلبي، وقال غيره: لم يقدر عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ الآية رقم [٣٥] من سورة (القصص).
الإعراب: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، (أقطعن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، أو الخفيفة حسب القراءة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وكأنه قال: أقسم بعزتي، وعظمتي لأقطعن! وهذا الكلام مفسر للجملة القسمية في الآية السابقة، فهو في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَيْدِيَكُمْ:﴾ مفعول به. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الأيدي، والأرجل، التقدير: مختلفات. ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ:﴾
الواو: حرف عطف. وجملة ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثل سابقتها، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد لمدلول الكاف، والميم، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. وأخيرا أقول: إن الآيات في هذه السورة وفي سورة (الأعراف) وفي سورة (طه) متقاربة في المعنى والإعراب، وإن اختلفت في بعض الألفاظ.
﴿قالُوا لا ضَيْرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: السحرة الذين آمنوا مجيبين إلى فرعون. ﴿لا ضَيْرَ﴾ أي: لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عذاب الدنيا، بل لنا فيه أعظم النفع؛ لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله
стр. 4182
تعالى من تكفير الخطايا، والثواب العظيم مع الأعواض الكثيرة. هذا؛ والضر، والضير، والضور واحد. ويقال: لا ضير ولا ضور ولا ضرّ ولا ضرر ولا ضارورة، والكل بمعنى واحد، وأنشد أبو عبيدة قول خداش بن زهير: [الوافر]
فإنّك لا يضورك بعد حول... أظبي كان أمّك أم حمار
ومعنى هذا البيت: لا تبالي، أو لا يعيبك، أو لا يضرك بعد قيامك بنفسك، واستغنائك عن أبويك من انتسبت إليه من شريف، أو وضيع. وضرب المثل بالظبي، أو بالحمار. ويستشهد بالبيت على جعل اسم كان نكرة، وخبرها معرفة ضرورة، وانظر الشاهد رقم [٨٢٣] من كتابنا فتح القريب المجيب.
﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي: راجعون إلى ربنا بالموت لا محالة، فلا نبالي بوعيدك، وتهديدك، فهو الذي يفصل بيننا، وبينك بالحق، وهو خير الحاكمين. فكأنهم استلذوا العذاب رغبة في الأجر، والثواب حين خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾
نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿ضَيْرَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، التقدير: لا ضير علينا، أو في ذلك، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وقد حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِلى رَبِّنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُنْقَلِبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل للنفي، لا محل لها، وهي من مقول السحرة، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا﴾ أي: نأمل أن يتكرم علينا ربنا بغفر ذنوبنا؛ التي صدرت منا فيما مضى من عمرنا من سحر، وغيره، والطمع: نزول النفس إلى الشيء، والحرص على حصوله، وطمع يطمع من باب: سلم، يسلم. وخطايا: جمع: خطيئة، وتجمع على خطيئات، وهو كثير في القرآن الكريم. ﴿أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عند ظهور الآية ممن كان في جانب فرعون. وقال الفراء: أول مؤمني زماننا. وأنكره الزجاج، وقال: قد روي: أنه آمن معهم ستمئة ألف، وسبعون ألفا، وهم الشّرذمة القليلون الذين قال فيهم فرعون ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ روي ذلك عن ابن مسعود، وغيره. انتهى. قرطبي. هذا؛ وانظر شرح ﴿رَبَّكَ﴾ في الآية رقم [٩]، وشرح: (أوّل) في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان). هذا؛ وقرئ بكسر همزة (إن).
стр. 4183
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَطْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَغْفِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبُّنا:﴾ فاعل، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿خَطايانا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و (نا): في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَغْفِرَ..﴾. إلخ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: إنا نطمع بمغفرة ربنا لنا خطايانا، أو في محل نصب مفعول به على تضمين ﴿نَطْمَعُ﴾ معنى: نرجو، وجملة: ﴿نَطْمَعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل ثان لنفي الضير، أو تعليل للعلة المتقدمة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص، مبني على السكون في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ و (نا):
اسمها. ﴿أَوَّلَ:﴾ خبر كان، و ﴿أَوَّلَ﴾ مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، و ﴿أَنْ كُنّا:﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأن كنا... ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَغْفِرَ،﴾ وعلى قراءة كسر الهمزة، قال فيه الزمخشري: هو من الشرط الذي يجيء به المدل بأمره، المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين: أنهم أول المؤمنين، ونظيره قول العامل لمن يؤخر جعله: إن كنت عملت لك؛ فوفني حقي، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ مع علمه: أنهم لم يخرجوا إلا لذلك. انتهى. كشاف. وعلى ما تقدم يكون جواب الشرط محذوفا، التقدير: إن كنا أول المؤمنين؛ فهو يغفر لنا خطايانا.
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى..﴾. إلخ: هذا الإيحاء والأمر بالسير كان بعد ثلاثين سنة أقامها موسى بينهم يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، فلم يزدادوا إلا عتوا، وعنادا على كثرة المعجزات التي رأوها على يد موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقد فصل ذلك في سورة (الأعراف) في الآية رقم [١٣٢] وما بعدها. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ:﴾ يتبعكم فرعون، وجنوده، أي: أسر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين، كان لكم تقدم عليهم، بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر، فيدخلون مدخلكم، فأطبقه عليهم، فأغرقهم، وتنجون أنتم.
هذا؛ وأسرى فيه لغتان: سرى وأسرى، وقرئ هنا بكسر نون ﴿أَنْ﴾ على أن الهمزة للوصل، من الأول، وقرئ بسكون النون على أن الهمزة للقطع من الثاني، وقد جمع حسان بن ثابت-﵁-بين اللغتين في بيت واحد؛ حيث قال: [الكامل]
حيّ النّضيرة ربّة الخدر... أسرت إليّ ولم تكن تسري
стр. 4184
وسرى، وأسرى بمعنى واحد، وهو قول أبي عبيدة، والثانية لغة أهل الحجاز، وبها جاء القرآن الكريم هنا، وهما بمعنى: سار الليل عامته. وقيل: سرى لأول الليل، وأسرى لآخره، وهو قول الليث. وأما: سار؛ فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من سرى، فهو بمعنى مشى.
هذا؛ والسّرى، والإسراء: السير في الليل، يقال: سرى، يسري، سرى، ومسرى، وسرية، وسراية؛ وأسرى إسراء. هذا؛ والسرى يذكر، ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث، كأنهم جعلوه جمع: سرية. ﴿بِعِبادِي:﴾ الإضافة إضافة تشريف، وتبجيل، وتفخيم، وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، وكثيرا ما ذكر الله حبيبه محمدا ﷺ بلفظ عبده. هذا؛ والعبد الإنسان، حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك.
هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله وسلم عليهم أجمعين. والوحي أيضا: الكتابة والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام، واختلف في الوحي إلى أم موسى، فقيل: كان في المنام، وقيل: كان إلهاما، وقيل: كان يكلمها جبريل.
الإعراب: ﴿وَأَوْحَيْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أوحينا): فعل، وفاعل. ﴿إِلى مُوسى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير. ﴿أَسْرِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مفسرة للإيحاء، لا محل لها. هذا؛ ويجيز بعضهم اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والمعتمد الأول. ﴿بِعِبادِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: مصحوبا بعبادي، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿مُتَّبَعُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للأمر.
﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣)﴾
الشرح: لما علم فرعون بخروج بني إسرائيل عند الصباح أمر جنوده، وأعوانه، وعساكره أن يجمعوا الناس من جميع المدائن، وكانت ألف مدينة، واثني عشر ألف قرية، فعن ابن عباس-رضي
стр. 4185
الله عنهما-قال: خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، فلذلك استقل قوم موسى ﵇، وكانوا ستمئة ألف وسبعين ألفا، وسماهم شرذمة قليلين بالنسبة لعسكره، وجنوده.
الإعراب: ﴿فَأَرْسَلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أرسل): فعل ماض. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله. ﴿فِي الْمَدائِنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿حاشِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، وجملة: ﴿فَأَرْسَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (أوحينا...) إلخ لا محل لها مثلها.
﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ أي: قوم موسى. ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ أي: طائفة قليلة، وذلك بالنسبة لعسكره كما تقدم، وتجمع على: شراذم، وشراذيم. ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ:﴾ الغيظ: الغضب الشديد، ومنه التغيظ، والاغتياظ، يقال: غاظني كذا، وأغاظني. وسبب شدة غيظ فرعون من بني إسرائيل ما روي: أن الله أوحى إلى موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: أن اجمع بني إسرائيل كلّ أربعة أبيات في بيت واحد، ثم اذبحوا الجداء، واضربوا بدمائهم على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة ألا يدخلوا بيتا على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار القبط؛ لأشغلهم بموتاهم عن اللحاق بكم. وسبب آخر للغيظ هو أخذ النساء الإسرائيليات حلي النساء القبطيات بحجة الاستعارة للزينة بها في يوم عيد، أو بحجة عرس، كما رأيت في الآية رقم [٨٧] وما بعدها من سورة (طه). وكما رأيت في الآية رقم [١٤٨] من سورة (الأعراف)، فالغيظ حصل لفرعون وقومه من أمور: مخالفة بني إسرائيل لدينهم، وذهابهم بأموالهم التي استعاروها، وقتل الملائكة لأبكارهم، وخروج بني إسرائيل من أرض مصر بغير إذنهم. ﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ أي: وإنا لجميع من عادتنا الحذر، واستعمال الحزم في الأمور، وقرئ: «(حذرون)» اي: خائفون من شرهم، قال الشاعر أبو يحيى اللاحقي: [الكامل]
حذر أمورا لا تضير وآمن... ما ليس منجيه من الأقدار
كما قرئ: «(حادرون)» بالدال، والحادر: القوي السمين، قال: [الطويل]
أحبّ الصّبيّ السّوء من أجل أمّه... وأبغضه من بغضها، وهو حادر
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (أولاء):
اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَشِرْذِمَةٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة.
(شرذمة): خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿قَلِيلُونَ:﴾ صفة (شرذمة)، وصح ذلك؛ لأنها بمعنى الجماعة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع صفة ثانية لموصوف
стр. 4186
محذوف، والصفة الأولى: ﴿حاشِرِينَ،﴾ وتقدير الكلام: فأرسل فرعون... رجالا حاشرين قائلين: إن هؤلاء... إلخ. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿لَغائِظُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة.
(غائظون): خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، و ﴿حاذِرُونَ﴾ صفة (جميع) وساغ ذلك؛ لأنه بمعنى جماعة أيضا.
﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾
الشرح: قيل: كانت البساتين ممتدة في حافتي النيل، فيها عيون، وأنهار جارية. والمراد ب: (كنوز) الأموال التي كانوا يملكونها من الذهب والفضة، وسماها الله كنوزا؛ لأنه لم يؤدّ حق الله منها، وكل مال لم يؤد حق الله منه فهو كنز، وإن كان ظاهرا. قيل: كان لفرعون ثمانمئة ألف غلام، كل غلام على فرس عتيق، في عنق كل فرس طوق من ذهب. ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ أي: حسن.
قيل: أراد مجالس الأمراء، والرؤساء التي كانت لهم. وقيل: إنه كان إذا قعد على سريره، وضع بين يديه ثلاثمئة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف من قومه، والأمراء، وعليهم أقبية الذهب، مخوصة بالذهب. والمعنى: إنا أخرجناهم من بساتينهم، التي فيها العيون، وأموالهم، ومجالسهم الحسنة. هذا؛ والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله، وهو صفة لكل ما يرضى في بابه، يقال:
«وجه كريم» أي: مرضي بحسنه، وجماله، و «كتاب كريم»: مرضي في معانيه، وفوائده، «ونبات كريم»: مرضي فيما يتعلق به من المنافع، قال تعالى: ﴿كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ وقس على ذلك الإنسان، والحيوان، والمكان. وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (النحل).
الإعراب: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أخرجناهم): فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ جَنّاتٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَعُيُونٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَكُنُوزٍ:﴾ معطوفة أيضا. ﴿وَمَقامٍ:﴾ معطوف أيضا على ما قبله. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة (مقام).
﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾
الشرح: أي: إن كل ما ذكره الله تعالى من الجنات، والعيون، والكنوز، والمقام الكريم، أورثه بني إسرائيل. قال الحسن وغيره: رجع بنو إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه. ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ أي: لحق فرعون وقومه بني إسرائيل وقت شروق الشمس وإضاءتها. واختلف في سبب هذا التأخر إلى شروق الشمس على قولين: أحدهما: لاشتغالهم
стр. 4187
بدفن أبكارهم الذين ماتوا في تلك الليلة. الثاني: أن سحابة أظلّتهم، وظلمة نزلت بهم، فظنوا:
أن النهار لم يشرق نوره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أورثناها بني إسرائيل ميراثا كائنا مثل إخراج فرعون وقومه من جنات... إلخ، وعليه فالواو زائدة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. وقال الزمخشري:
﴿كَذلِكَ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه، النصب على: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه. والجر على أنه وصف ل: (مقام) أي: مقام كريم مثل ذلك المقام، الذي كان لهم. والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الأمر كذلك. انتهى. وهذا أقوى الثلاثة عندي. ﴿وَأَوْرَثْناها:﴾ الواو:
حرف صلة، أو حرف استئناف على حسب الإعراب المتقدم، والعطف ممكن على ما تقدم.
(أورثناها): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية على حسب ما قيل بالواو. ﴿بَنِي:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، والعطف غير جائز لاختلاف المعنى بين الجملتين، وإذا عطفناها على جملة:
(أخرجناهم...) إلخ فتكون جملة: ﴿وَأَوْرَثْناها..﴾. إلخ معترضة بينهما، وهذا جيد لا غبار عليه.
(أتبعوهم): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مُشْرِقِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، أو من الهاء منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.
﴿فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ:﴾ تقاربا بحيث رأى كل منهما الآخر، وقرئ: «(تراءت الفئتان)» ﴿قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أي: لملحقون بمعنى: سيدركنا فرعون، وقومه، ولا طاقة لنا بهم.
قرئ بتشديد الدال. وفرق بينهما بأن معنى الأول: ملحقون، ومعنى الثاني: مجتهد في لحاقهم.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٤١]. ﴿تَراءَا:﴾ فعل ماض، ﴿الْجَمْعانِ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَصْحابُ:﴾ فاعل، و ﴿أَصْحابُ﴾ مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف
стр. 4188
للتعذر. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها.
﴿لَمُدْرَكُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مدركون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى، ﴿كَلاّ:﴾ لن يدركوكم، فإن الله وعدكم الخلاص منهم، وهذا رد لقولهم السابق: ﴿إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾. ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي﴾ أي: بالحظ، والرعاية، ﴿سَيَهْدِينِ:﴾ طريق النجاة منهم، ومن كيدهم، روي: أن مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى، فقال: أين أمرت يا نبي الله؟! فهذا البحر أمامك، وقد غشيك آل فرعون، قال: أمرت بالبحر، ولعلي أومر بما أصنع.
وهنا بحث جدير بالاعتبار، وهو المقارنة بين قول موسى ﵇ ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي،﴾ وقول نبينا، وحبيبنا محمد ﷺ في سورة (التوبة). ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ وكلاهما كان في حالة شدة، وضيق، كلاهما شديد الاتصال بربه، والتوكل عليه، فنجد موسى ﵇ قدم الظرف على لفظ ربي، ونبينا، وحبيبنا قدم لفظ الجلالة على الظرف، وللتقديم أهميته في مثل هذا المقام، ولا سيما إذا كان من رسولين عظيمين كريمين على الله، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وما يتذكر ويعتبر إلا أولو الألباب. وانظر الكلام على ﴿كَلاّ﴾ في الآية رقم [٧٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى موسى ﵇. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر مبني على السكون في محل نصب مقول القول، وهو مفيد للنفي هنا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مَعِي:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿رَبِّي:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سَيَهْدِينِ:﴾ السين: حرف استقبال. (يهدين): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ربي، والنون للوقاية، والمفعول به، وهو ياء المتكلم محذوف لدلالة الكسرة عليها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان؛ ل: ﴿إِنَّ،﴾ وقيل: مستأنفة، والأول أقوى بلا شك.
والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ مَعِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وفيها معنى التعليل للردع، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 4189
﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾
الشرح: قيل: لما انتهى موسى ومن معه إلى البحر، هاج البحر، وهاجت الرياح، وصار البحر يرمي بموج كالجبال، قال يوشع بن نون: يا كليم الله! أين أمرت؛ فقد غشينا فرعون من خلفنا، والبحر أمامنا؟ قال موسى: هاهنا، فخاض يوشع الماء، لا يواري حافر دابته، وقال الذي يكتم إيمانه-وهو مؤمن آل فرعون، واسمه حزقيل-: يا كليم الله! أين أمرت؟ قال: هاهنا. فكبح فرسه، فصكه بلجامه، حتى طار الزبد من شدقه، ثم أقحم البحر، فارتسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع! فأوحى الله إليه، أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فإن الرجل واقف على فرسه، لم يبتل سرجه، ولا لبده. انتهى. خازن بتصرف. وهذا إحدى الآيات التي أيد الله بها موسى، وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (النمل).
﴿فَانْفَلَقَ:﴾ فانشق اثني عشر فرقا بعدد أسباط بني إسرائيل المنسوبين إلى أولاد يعقوب الاثني عشر على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ووقف الماء كالطود، أي: الجبل العظيم، فصار ما بين تلك الأطواد طرقا يابسة، كما ذكر الله في الآية رقم [٧٧] من سورة (طه) بعد هذا فالبحر: الماء الكثير، أو الملح، والجمع: بحور، وبحار، وأبحر. وضد البحر: البر، وهو بفتح الباء: الأرض اليابسة، وهو بضم الباء: حب القمح، وبكسرها: عمل الخير مطلقا، وقد ثبت جغرافيا: أن مساحة البحر، تعدل ثلاثة أضعاف مساحة البر. وروي أن أنواع المخلوقات، وأجناسها الموجودة في أعماق البحار أكثر ممّا يوجد على سطح الأرض. والله أعلم. و ﴿فِرْقٍ:﴾ قطعة من ماء البحر.
و (الطود): الجبل العظيم كما رأيت، ومنه قول امرئ القيس: [الوافر]
فبينا المرء في الأحياء طود... رماه النّاس عن كثب فمالا
وجمعه: أطواد، قال الأسود بن يعفر: [الكامل]
حلّوا بأنقرة يسيل عليهم... ماء الفرات يجيء من أطواد
الإعراب: ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٥٣].
﴿بِعَصاكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَانْفَلَقَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (انفلق): فعل ماض، والفاعل تقديره:
«هو» يعود إلى ﴿الْبَحْرَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة معطوفة بدورها على جملة: (أوحينا...) إلخ لا محل لهما مثلها. انظر التقدير في الشرح. ﴿فَكانَ:﴾ الفاء: حرف
стр. 4190
عطف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿كُلُّ:﴾ اسمها، و ﴿كُلُّ﴾ مضاف، و ﴿فِرْقٍ﴾ مضاف إليه.
﴿كَالطَّوْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وإن اعتبرت الكاف اسما، فتكون هي الخبر، بمعنى: مثل، وتكون مضافة، و (الطود) مضاف إليه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة (الطود)، وجملة ﴿فَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾
الشرح: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ أي: قربناهم إلى البحر، والمراد فرعون، وقومه، قيل: إن جبريل الأمين-﵇-كان بين بني إسرائيل، وبين قوم فرعون، يقول لبني إسرائيل:
ليلحق آخركم أولكم، ويقول للقبط: رويدا ليلحق آخركم أولكم، فكان بنو إسرائيل يقولون:
ما رأينا أحسن سياقة من هذا الرجل، وكان قوم فرعون يقولون: ما رأينا أحسن داع من هذا الرجل. انتهى. خازن. هذا؛ وقرأ أبو عبد الله بن الحارث، وأبي بن كعب، وابن عباس ﵃ أجمعين- «(وأزلقنا)» بالقاف على معنى أهلكناهم، أو معنى أذهبنا عزهم، كقول زهير في مدح هرم بن سنان، والحارث بن عوف: [الطويل]
تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها... وذبيان؛ إذ زلّت بأقدامها النّعل
﴿وَأَنْجَيْنا مُوسى..﴾. إلخ: أي من الفرق حيث عبروا البحر سالمين. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ:﴾
انظر ما قال فرعون حين أدركه الغرق وما قيل له في الآية رقم [٩٠] وما بعدها من سورة (يونس) -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿ثَمَّ:﴾ بضم الثاء حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كلّ منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (ربّ) و (لا) العاملة عمل ليس، فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح. هذا؛ وثمّ هذه غير (ثمّ) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في الآية رقم [٦٥] وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة.
الإعراب: ﴿وَأَزْلَفْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أزلفنا): فعل، وفاعل. ﴿ثَمَّ:﴾ اسم إشارة مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالفعل قبله. ﴿الْآخَرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَأَزْلَفْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
(أنجينا): فعل، وفاعل. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف
стр. 4191
للتعذر. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ﴿مُوسى﴾.
﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد ل: ﴿مُوسى﴾ وما عطف عليه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَأَنْجَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿ثَمَّ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في إغراق فرعون وقومه. ﴿لَآيَةً﴾ أي: علامة على قدرة الله تعالى، وأيضا عبرة لمن بعدهم. ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: في علم الله، وقضائه. وانظر الآية رقم [٨]. فلم يؤمن بالله من قوم فرعون غير آسية امرأة فرعون، وحزقيل مؤمن آل فرعون المذكور في الآية رقم [٢٨] من سورة (غافر)، ومريم بنت ناموسى التي دلت موسى على عظام يوسف ﵇، وكانت عجوزا، تعيش من العمر نحو سبعمئة سنة، وسبب دلالتها على قبره: أن الله أمر موسى بأخذه معه إلى الشام، حين خروجه من مصر، فسأل عن قبره، فلم يعرف ذلك أحد، فدلته عليه هذه العجوز، بعد ما ضمن لها موسى على الله الجنة، وكان يوسف قد دفن في قعر النيل، فحفر عليه موسى، وأخرجه وذهب به إلى الشام، في خروجه من مصر. انتهى. جمل.
روى أبو بردة عن أبي موسى الأشعري-﵁-أن رسول الله ﷺ نزل بأعرابي، فأكرمه. فقال رسول الله ﷺ : «حاجتك» قال: ناقة أرحلها، وأعنزا أحلبها، فقال رسول الله ﷺ :
«فلم عجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟!». فقال أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل؟ فذكر لهم حال هذه العجوز التي احتكمت على موسى أن تكون معه في الجنة. انتهى. قرطبي. هذا؛ ونص الآية يدل على أن الثلاثة المذكورين كانوا من قوم فرعون، وإلا فإن بني إسرائيل كانوا جميعا مؤمنين بالله، ومتبعين لموسى، ومصادقين له.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ:﴾ انظر شرح هذه الآية وإعرابها برقم [٩] وإعراب سابقتها برقم [٨] وذلك بغية الاختصار، والله ولي التوفيق، وأسأله المزيد من فضله وكرمه لي ولإخواني المؤمنين الصادقين.
﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١)﴾
الشرح: ﴿وَاتْلُ:﴾ هذا الخطاب للنبي ﷺ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على أهل مكة المشركين. ﴿نَبَأَ إِبْراهِيمَ:﴾ خبر إبراهيم مع قومه. ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ﴾ أي: اذكر كما رأيت في الآية رقم [٧٤] من
стр. 4192
سورة (الأنعام) على المعتمد. ﴿وَقَوْمِهِ﴾ أي: نمرود، ومن تبعه. ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ أي: أي شيء تعبدونه؟ وإبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يعلم: أنهم عبدة أصنام، ولكنه سألهم؛ ليريهم: أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة.
﴿قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً:﴾ قال النسفي رحمه الله تعالى: جواب ﴿ما تَعْبُدُونَ:﴾ ﴿أَصْناماً﴾ أي:
فيكفي هذا بدون ذكر الفعل، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: فحذف الفعل: أنفقوا، وكقوله تعالى: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ﴾ أي: قال: ﴿الْحَقَّ،﴾ فحذف الفعل؛ لأن سؤال إبراهيم لهم عن المعبود، لا عن العبادة، وإنما زادوا: (نعبد) في الجواب افتخارا ومباهاة بعبادة الأصنام. انتهى. بتصرف كبير مني.
﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أي: فنبقى، وندوم على عبادتها، وتقديسها، وتعظيمها مقيمين، لا نتركها أبدا، فليس المراد التوقيت في النهار، خلافا لمن قال به، بل المراد من الفعل (نظل) الاستمرار، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾.
هذا؛ والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذي يتخذ من خشب، أو حجارة، أواحديد، أو ذهب، أو فضة على صورة إنسان، أو غيره. وهو الوثن المعبر به في كثير من الآيات القرآنية.
وانظر نسب إبراهيم، وأولاده، وقصته مع سارة، وهاجر، وزوجته في الآية رقم [٣٥] من السورة المسماة باسمه، وانظر ما فعل بالأصنام، وما أرادوا به من كيد، وتحريق في سورة (الأنبياء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿وَاتْلُ:﴾ الواو: حرف عطف تعطف قصة إبراهيم مع قومه على قصة موسى مع فرعون وقومه، علما بأن قصة إبراهيم متقدمة على قصة موسى، كيف لا؟ وإبراهيم هو الجدّ الأول لموسى، وغيره من الأنبياء، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. (اتل):
فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَبَأَ:﴾
مفعول به، و: ﴿نَبَأَ:﴾ مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل اشتمال من ﴿نَبَأَ﴾. وقيل: متعلق ب: ﴿نَبَأَ﴾ نفسه، والأول أقوى، وأولى. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى إبراهيم. ﴿لِأَبِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء، نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَقَوْمِهِ:﴾ معطوف على أبيه بالواو العاطفة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، أو في محل رفع مبتدأ. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال
стр. 4193
الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول على اعتبار الأول في ﴿ما،﴾ وفي محل رفع خبرها على اعتبارها مبتدأ، ويكون الرابط، وهو المفعول به محذوفا، التقدير:
تعبدونه، وعلى هذا فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن». ﴿أَصْناماً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَنَظَلُّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (نظلّ): فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه، تقديره: «نحن». ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿عاكِفِينَ:﴾ خبر (نظل) منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿فَنَظَلُّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: إبراهيم لقومه. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ أي: هل يسمعون دعاءكم إذا دعوتموهم؟ ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ أي: هل تنفعكم هذه الأصنام برزق، أو بصحة وعافية، أو بولد، ونحو ذلك؛ إن عبدتموهم؟ أو يضرونكم بشيء؛ إن عصيتموهم؟ وهذا استفهام لتقرير الحجة، بل للتقريع، والتوبيخ، والمعنى: فإذا لم ينفعوكم، ولم يضروكم بشيء فما معنى عبادتكم لها؟ هذا؛ وإنما جمعت المعبودات الباطلة بواو الجماعة التي هي لجماعة المذكرين العاقلين، مع أنها جمادات لا تعقل؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل، من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي.
هذا؛ والفعل «يسمع» من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول: كذا، وهذا اختيار الفارسي، واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال، إن كان المتقدم معرفة، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام مفيد للتوبيخ، والتقريع. ﴿يَسْمَعُونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وانظر الشرح لتقدير المحذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِذْ:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل
стр. 4194
قبله. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: تدعونهم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجملة: ﴿يَنْفَعُونَكُمْ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ:﴾
فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿يَضُرُّونَ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾
الشرح: فهذا الجواب منهم اعتراف صريح بأن ما يعبدون من دون الله بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة، واضطروا إلى بيان أنه لا مستند لهم في عبادتها سوى التقليد.
والمعنى: ما علمنا ولا رأينا من تلك الأصنام ما ذكر من الأمور، وإنما وجدنا آباءنا يعبدونها، فاقتدينا بهم.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب متضمن معنى النفي. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آباءَنا:﴾ مفعول به أول، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يفعلون فعلا كائنا مثل فعلنا، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٦٠].
﴿يَفْعَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: ﴿بَلْ وَجَدْنا آباءَنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: إبراهيم. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ:﴾ قال أبو السعود رحمه الله تعالى: أي: أنظرتم فأبصرتم، أو أتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدونه؟ وقال الكازروني: المعنى:
أخبروني عن حال ما كنتم تعبدون. وانظر الإعراب. ﴿أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ:﴾ الأولون، فإن التقدم لا يدل على صحة، ولا ينقلب به الباطل حقا.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي:﴾ المعنى: فإنهم عدو لي يوم القيامة؛ إن عبدتهم في الدنيا، كما قال تعالى في الآية رقم [٨٢] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. وقيل: إن الكفار لما عبدوها، ونزلوها منزلة الأحياء العقلاء؛ أطلق إبراهيم لفظ العداوة عليها، وقال الفراء: هو من المقلوب، مجازه: فإني عدو لهم؛ لأن من عاديته عاداك. هذا؛ وإذا عرفنا أن المعبودات تتبرأ من عابديها، كما نصت على ذلك الآيات
стр. 4195
الكثيرة؛ فكفى بذلك عداوة بينها وبين من يعبدها. ﴿إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ أي: فإنه ربي، ووليي.
وقال الكلبي: التقدير: إلا من عبد رب العالمين.
هذا؛ وعدو: ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل صبور، وشكور وما كان على هذا الوزن، يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا، جاء نادرا، قالوا: هذه عدوة الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فقد عبر به عن مفرد، وما في الآية الكريمة عبر به عن جمع، كما هو واضح، ومثل ذلك صديق، كما رأيت في الآية رقم [٦١] من سورة (النور)، وقيل: أفرد عدو على النسب، أي: ذو عداوة، والجمع أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى، وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم والكسر اسم الجمع. هذا؛ والعبادة: غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى؛ ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. وعن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: «أنا، والإنس، والجنّ في نبأ عظيم، أخلق، ويعبد غيري، وأرزق، ويشكر غيري»».
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى إبراهيم.
﴿أَفَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتعجيب. الفاء: أراها زائدة للتوكيد، (رأيتم): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، فعلى قول أبي السعود يكتفي الفعل به، وعلى قول الكازروني يتطلب الفعل مفعولين على مثال ما رأيت في سورة (الأنعام) رقم [٤٠]، والآية رقم [٥٠] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، الأول: الاسم الموصول، والثاني: جملة استفهامية غير موجودة هنا، ويقدر الكلام:
«أخبروني ما كنتم تعبدون، هل هو حقيق بالعبادة أو لا؟». انتهى. جمل. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله، وهو العائد محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: «كنتم تعبدونه» صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لواو الجماعة. (آباؤكم): معطوف على واو الجماعة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿الْأَقْدَمُونَ:﴾ صفة (آباؤكم) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف تعليل.
(إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر (إن). ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾. ﴿إِلاّ:﴾
أداة استثناء. ﴿رَبَّ:﴾ مستثنى متصل، أو منقطع، فالاتصال على قول من يقول: إنهم كانوا يعبدون الأصنام مع الله مثل مشركي مكة، والانقطاع على أنهم لم يعترفوا بوجود الله تعالى،
стр. 4196
و ﴿رَبَّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية (إنهم...) إلخ تعليل لما قبلها، والكلام:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾
الشرح: ﴿يَهْدِينِ﴾ أي: يرشدني إلى الدين. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له، من أمور المعاش والمعاد، كما قال جل ذكره: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ هداية مدرجة، من مبدأ إيجاده، إلى منتهى أجله، يتمكن بها من جلب المنافع، ودفع المضار، مبدؤها بالنسبة للإنسان، هداية الجنين إلى امتصاص دم الطمث من الرحم، ومنتهاها الهداية، إلى طريق الجنة، والتنعم بلذائذها.
الإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من ﴿رَبَّ الْعالَمِينَ،﴾ أو عطف بيان عليه، أو صفة له، أو على إضمار: أعني، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي. ﴿خَلَقَنِي:﴾ فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ تقديره: «هو»، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف عطف على الأوجه الأولى في الموصول، وزائدة على اعتباره مبتدأ. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَهْدِينِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هو يهدين) معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها على الأوجه الأولى في الموصول، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)﴾
الشرح: المعنى: هو يرزقني، ويغذيني بالطعام، والشراب.
الإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله، أو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، تقديره: لا أحد غيره يفعل ذلك. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يُطْعِمُنِي﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَسْقِينِ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثل إعراب: ﴿يَهْدِينِ﴾ بلا فارق.
стр. 4197
﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾
الشرح: أي: إذا أصابني المرض فهو يبرئني ويعافيني من المرض، فقد أضاف المرض إلى نفسه استعمالا للأدب، وإن كان المرض، والشفاء من الله تعالى: وذلك كما قال الخضر:
﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها،﴾ وقال: ﴿فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما﴾.
قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وإنما لم ينسب المرض إليه تعالى؛ لأن مقصوده تعداد النعم، ولا ينتقض بإسناد الإماتة إليه، فإن الموت من حيث إنه لا يحسن به، لا ضرر فيه، إنما الضرر في مقدماته، وهي المرض، ثم إنه لأهل الكمال وصلة إلى نيل المحاب التي تستحقر دونها الحياة الدنيوية، وخلاص من أنواع المحن والبلية؛ ولأن المرض في غالب الأمر، إنما يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه، ومشاربه، وبما بين الأخلاط والأركان من التنافي، والتنافر، والصحة إنما تحصل باستحفاظ اجتماعها، والاعتدال المخصوص عليها قهرا، وذلك بقدرة العزيز الحكيم. انتهى.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَرِضْتُ:﴾
فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.
﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): مبتدأ، وجملة: ﴿يَشْفِينِ﴾ في محل رفع خبره، وإعرابها مثل إعراب ﴿يَهْدِينِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ جواب (إذا) لا محل لها. و (إذا) ومدخولها معطوف على جملة: ﴿يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ لا محل له مثلها.
﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)﴾
الشرح: ﴿يُمِيتُنِي﴾ أي: في الدنيا. ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ أي: يوم القيامة للحساب، والجزاء.
هذا؛ وقال النسفي-رحمه الله تعالى-: ولم يقل: إذا مت؛ لأنه الخروج من حبس البلاء، ودار الفناء إلى روض البقاء لوعد اللقاء، وأدخل: ﴿ثُمَّ﴾ في الإحياء لتراخيه عن الإفناء، وأدخل الفاء في الهداية، والشفاء؛ لأنهما يعقبان الخلق، والمرض. انتهى. هذا؛ وتجوز أهل الإشارات في غوامض المعاني، فعدلوا عن ظاهر اللفظ، وتأولوا الآية الكريمة على ثلاثة أوجه:
أحدها: الذي يميتني بالمعاصي، يحييني بالطاعات. الثاني: يميتني بالخوف، يحييني بالرجاء.
الثالث: يميتني بالطمع، يحييني بالقناعة، وقول رابع: يميتني بالعدل، يحييني بالفضل. وقول خامس: يميتني بالفراق، يحييني بالتلاق. وقول سادس: يميتني بالجهل، يحييني بالعقل، إلى غير ذلك مما ليس بشيء منه مراد من الآية، فإن هذه التأويلات الغامضة، والأمور الباطنة، إنما
стр. 4198
تكون لمن حذق، وعرف الحق، وأما من كان في عمى عن الحق، فكيف ترمز له الأمور الباطنة، وتترك الأمور الظاهرة؟ هذا محال، والله أعلم. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون معطوف على ما قبله. ﴿يُمِيتُنِي:﴾ فعل مضارع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة:
﴿يُحْيِينِ:﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وإعرابها مثل إعراب: ﴿يَهْدِينِ﴾ في الآية رقم [٧٨].
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ..﴾. إلخ: أرجو، وقيل: هو بمعنى اليقين في حق إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وبمعنى الرجاء في حق المؤمنين سواء، وانظر الآية رقم [٥٢]. هذا؛ وقال البيضاوي-﵀-في هذه الخطيئة: ذكر ذلك هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر، وطلب؛ لأن يغفر لهم ما فرط منهم، واستغفار لما عسى يندر منه من الصغائر، وحمل الخطيئة على كلماته الثلاث: (إني سقيم)، (بل فعله كبيرهم هذا)، (هي أختي) عن زوجته سارة ضعيف؛ لأنها معاريض، وليست خطايا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٣] من سورة (الأنبياء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر جمع خطيئة في الآية رقم [١٢] من سورة (العنكبوت).
﴿يَوْمَ الدِّينِ:﴾ يوم الحساب، والجزاء، وهو يوم القيامة، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس-﵄-قال: يوم الدين: يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال:
ألا له الخلق والأمر. هذا؛ و ﴿الدِّينِ﴾ بكسر الدال: اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى، و ﴿الدِّينِ﴾ أيضا: الملة والشريعة، ومن هذا قوله تعالى في حق يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. هذا؛ والدّين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون وأدين، والدينونة: القضاء، والحساب والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.
فائدة: روى مسلم عن عائشة-﵂، قالت: قلت: يا رسول الله! إنّ ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين؛ أكان ذلك نافعا له: «قال: لا ينفعه، إنّه لم يقل يوما: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين». هذا؛ وابن جدعان هو عبد الله بن جدعان التيمي من قبيلة أبي بكر-﵁، كان من أجواد قريش، توفي قبل المبعث بسنوات قليلة.
الإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون معطوف على ما قبله. ﴿أَطْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿أَنْ:﴾ حرف
стр. 4199
مصدري، ونصب. ﴿يَغْفِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿خَطِيئَتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿يَغْفِرَ﴾ و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه، و ﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل ﴿يَغْفِرَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أطمع بمغفرته لي خطيئتي، وجملة: ﴿أَطْمَعُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها.
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (٨٣)﴾
الشرح: لما ذكر إبراهيم فنون الألطاف الفائضة عليه من حضرة الحق، من مبدأ خلقه إلى يوم بعثه؛ حمله ذلك على مناجاته، ودعائه، وطلبه منه حكما، أي: كمالا في العلم، والعمل أستعد به لخلافة الحق، ورياسة الخلق، وانظر الآية رقم [٢١].
﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أي: وفقني للكمال في العمل؛ لأنتظم به في عداد الكاملين في الصلاح، الذي لا يشوب صلاحهم كبير ذنب، ولا صغيره. هذا؛ وفسر الصالحين بالنبيين، فيكون المراد من سبقه منهم مثل: هود، وصالح، وإدريس، ونوح، وشيث، وآدم على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وانظر ما ذكرته بشأن الصالحين في الآية رقم [١٩] من سورة (النمل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء. ﴿هَبْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حُكْماً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية والندائية قبلها في محل نصب مقول القول ل: ﴿قالَ﴾ في الآية رقم [٧٥].
﴿وَأَلْحِقْنِي:﴾ الواو: حرف عطف. (ألحقني): فعل دعاء، والفاعل: أنت، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿بِالصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿وَاِجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾
الشرح: دعا إبراهيم ربه أن يجعل له لسان صدق؛ أي: جاها، وحسن صيت في الدنيا، يبقى أثره إلى يوم الدين، وقد حقق الله رجاءه، وأجاب دعاءه، فما من أمة من الأمم، إلا وهي تحبه، وتثني عليه خصوصا أمة محمد، وخصوصا في كلّ تشهد من تشهدات الصلوات كما هو معروف، وهذا الجاه، والثناء الحسن قد شمل ذريته من بعده، كما صرحت به الآية [٥٠] من سورة (مريم) حيث قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. هذا؛ وقد روى أشهب عن مالك: أنه قال: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحا، ويرى في عمل الصالحين إذا
стр. 4200
قصد به وجه الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ الآية رقم [٣٩] من سورة (طه)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا،﴾ أي: حبّا في قلوب عباده، وثناء حسنا. فنبه الله بهذه الآية التي نحن بصدد شرحها على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل؛ إذ هي الحياة الثانية، قال أحمد شوقي رحمه الله تعالى: [الكامل]
دقّات قلب المرء قائلة له... إنّ الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها... فالذّكر للإنسان عمر ثان
هذا؛ وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السوء، كما في قول الشاعر: [الوافر]
لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا
وقد أنّثه، وأيضا قول الأعشى، وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر: [البسيط]
إنّي أتتني لسان، لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر
قال الجوهري: يروى: «من علو» بضم الواو، وفتحها، وكسرها؛ أي: أتاني خبر من أعلى، والتأنيث للكلمة. وقد يجعل اللسان كناية عن الرسالة، أو عن القصيدة من الشعر، كقول الآخر: [المتقارب]
أتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر
هذا؛ وقد أطلقه الله على القرآن بكامله مع التذكير في سورة (النحل) الآية رقم [١٠٣] حيث قال جل ذكره: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. وأخيرا: فاللسان يؤنث، فيجمع على ألسن، كذراع، وأذرع ويذكّر فيجمع على ألسنة، كحمار، وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة.
الإعراب: ﴿وَاجْعَلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اجعل): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت». ﴿لِسانَ:﴾ مفعول به، و ﴿لِسانَ:﴾ مضاف، و ﴿صِدْقٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فِي الْآخِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿لِسانَ صِدْقٍ،﴾ وجملة: ﴿وَاجْعَلْ لِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿وَاِجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾
الشرح: سأل إبراهيم ربه أن يجعله من أهل الجنة، ومن ورثتها، وهو يردّ قول بعضهم:
لا أسأل جنة ولا نارا. هذا؛ وقد ذكرت لك مرارا: أن معنى ميراث الجنة: أن المؤمن يرث منزل الكافر في الجنة، والكافر يرث منزل المؤمن في النار؛ لأن لكل واحد منزلا في الجنة، ومنزلا في النار، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 4201
الإعراب: ﴿وَاجْعَلْنِي:﴾ الواو: حرف عطف. (اجعلني): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿مِنْ وَرَثَةِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. و ﴿وَرَثَةِ﴾ مضاف، و ﴿جَنَّةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة لمفعولها؛ لأنه بمعنى وارث كما يشير إليه المعنى، وفاعله مستتر فيه. و ﴿جَنَّةِ﴾ مضاف، و ﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المحل للحال فيه، وجملة: ﴿وَاجْعَلْنِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ (٨٦)﴾
الشرح: سأل إبراهيم ربه المغفرة لأبيه، وهذا الدعاء كان في حياة أبيه، فدعا له بالتوفيق، والهداية للإيمان، وهذا قبل أن يتبين له: أنه عدو لله، كما رأيت في الآية رقم [١١٤] من سورة (التوبة). ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ أي: المشركين. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وإن كان هذا الدعاء بعد موته، فلعله كان في ظنه أنه كان يخفي إيمانه تقية من نمرود، ولذلك وعده به، أو؛ لأنه لم يمنع بعد من الاستغفار للكفار، ويرد الأول التصريح ببراءته من أبيه، كما رأيت في الآية المذكورة آنفا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَاغْفِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اغفر): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».
﴿لِأَبِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى أبيه. ﴿مِنَ الضّالِّينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، وهذا يؤيد أن الدعاء له كان بعد موته، وأما على اعتبار الدعاء له قبل أن يتبين له أنه عدو لله، ف: ﴿كانَ﴾ زائدة، لا عمل لها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ تعليل للدعاء لا محل لها، وجملة: ﴿وَاغْفِرْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾
الشرح: ﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ أي: لا تفضحني على رؤوس الأشهاد، أو لا تعذبني يوم القيامة.
وقال البيضاوي: بمعاتبتي على ما فرطت، أو بنقص رتبتي عن رتبة بعض الوراث. ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: يبعث الناس، أو الضالون. هذا؛ ﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ ولا توقعني في الخزاية من الإخزاء، وهو الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني شاعر جاهلي: [البسيط]
стр. 4202
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب... عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
وهو هنا من الرباعي من: أخزى، يخزي، وهو من الثلاثي: خزي، يخزى خزاية بمعنى:
استحيا، وخجل، وقال نهشل بن حري الدارمي من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا، وكان قد قتل بصفين مع الإمام علي-كرم الله وجهه-: [الطويل]
أخ ما جد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو، لم تخنه مضاربه
وفي البخاري: عن أبي هريرة-﵁، عن النبي ﷺ قال: «إنّ إبراهيم يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة، والقترة». والغبرة: هي القترة، وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا ربّ، إنك وعدتني ألاّ تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إنّي حرّمت الجنّة على الكافرين». انفرد بها البخاري رحمه الله تعالى. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): دعائية متضمنة معنى النهي. ﴿تُخْزِنِي:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿يُبْعَثُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾
الشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: أي: لا ينفع مال، ولا بنون أحدا إلا مخلصا، سليم القلب من الكفر، وميل المعاصي، وسائر آفاته. أو لا ينفعان أحدا إلا مال من هذا شأنه، وبنوه، حيث أنفق ماله في سبيل البر، وأرشد بنيه إلى الحق، وحثهم على الخير، وقصد بهم أن يكونوا عباد الله مطيعين، شفعاء له يوم القيامة.
هذا؛ واختلف في «القلب السليم» على أقوال كثيرة، قال الضحاك: هو السليم الخالص، وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه، أي: الخالص من الأوصاف الذميمة، كالعجب، والكبر، والحقد، والحسد، والرياء، والنفاق، والمتصف بالأوصاف الجميلة. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ ، قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطّير». يريد، والله أعلم: أنها مثلها في أنها خالية من كل ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا. وقيل: قلب سليم من الكفر والنفاق، فقلب الكافر، والمنافق مريض،
стр. 4203
كقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هذا؛ وإنما خص الله القلب بالذكر؛ لأنه إذا سلم؛ سلمت الجوارح كلها، وإذا فسد فسدت الجوارح كلها، ولذا قال النبي ﷺ : «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب».
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ،﴾ وهذا على اعتبار الكلام من تتمة كلام الخليل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. واعتبره ابن عطية من كلام الله تعالى، فيكون الكلام مستأنفا. و ﴿يَوْمَ﴾ متعلقا بفعل محذوف، تقديره: اذكر، ويكون الكلام في محل نصب مقول لقول محذوف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْفَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مالٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿بَنُونَ:﴾
معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والمفعول محذوف، تقديره: أحدا، أو رجلا ونحوهما. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من المفعول المحذوف، أو في محل نصب مستثنى منه. هذا؛ وأجيز اعتباره بدلا من فاعل ﴿يَنْفَعُ،﴾ وغلب من يعقل، ويكون التقدير: إلا مال من، أو بنو من، فإنه ينفع نفسه، أو غيره بالشفاعة، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون مفعول: ﴿يَنْفَعُ﴾ أي: لا ينفع ذلك إلا رجلا أتى الله بقلب سليم. ﴿أَتَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿بِقَلْبٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَلِيمٍ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَتَى..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، أو هي صفة ﴿مَنْ،﴾ إن اعتبرتها نكرة موصوفة، وهو مفاد كلام الزمخشري.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾
الشرح: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: قربت، وأدنيت إليهم؛ ليدخلوها، بحيث يرونها من الموقف. ﴿وَبُرِّزَتِ﴾ أي: أظهرت. ﴿الْجَحِيمُ:﴾ جهنم. ﴿لِلْغاوِينَ﴾ أي: الكافرين الذين أغواهم إبليس اللعين، فضلوا عن طريق الهدى. والمعنى: تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخلوها، فيرونها مكشوفة، فيتحسرون، ويستشعرون الحزن والخوف، كما يستشعر أهل الجنة الفرح والسرور لعلمهم: أنهم يدخلونها. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما..﴾. إلخ: هذا توبيخ لهم على إشراكهم؛ حيث يقال لهم: أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها من دون الله، هل ينفعونكم بنصرتهم لكم، أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم. لأنهم، وآلهتهم وقود النار. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل في الأفعال الثلاثة، إنما هو لتحقق ما يقع يوم القيامة من أحداث، وهذا كثير في القرآن الكريم.
стр. 4204
هذا؛ ومما يتعلق بالآيات الكريمة قال النسفي-رحمه الله تعالى-: وقد صوب الجليل استثناء الخليل، أي في الآية رقم [٨٩] إكراما له، ثم جعله صفة له في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الآية رقم [٨٣] و [٨٤] من سورة (الصافات) وما أحسن ما رتب عليه السلامة من كلامه مع المشركين، حيث سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر، لا مستفهم، ثم أقبل على آلهتهم، فأبطل أمرها، فإنها لا تضر، ولا تنفع، ولا تسمع. وعلى تقليدهم آباءهم الأولين، فأخرجه من أن يكون شبهة؛ فضلا عن أن يكون حجة. ثم صوّر المسألة في نفسه دونهم، حتى تخلص منها إلى ذكر الله تعالى، فعظم شأنه، وعدد نعمته، من حين إنشائه إلى وقت وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأدب، ثم وصله بذكر يوم القيامة، وثواب الله وعقابه، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة، على ما كانوا فيه من الضلال، وتمني الكرة إلى الدنيا؛ ليؤمنوا ويطيعوا. انتهى. بتصرف.
الإعراب: ﴿وَأُزْلِفَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أزلفت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْجَنَّةُ:﴾ نائب فاعل. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:
(وأزلفت...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ وقد رأيت: أن الفعل بمعنى الاستقبال، وجملة: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.
﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.
﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها.
﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَعْبُدُونَ﴾. ﴿وَقِيلَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، والأول أقوى هنا، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.
﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، وتوبيخ. ﴿يَنْصُرُونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَنْتَصِرُونَ:﴾
فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والكلام: ﴿أَيْنَ ما..﴾. إلخ كله في محل رفع نائب فاعل: (قيل)، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف في
стр. 4205
محل رفع نائب فاعل، وجملة: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ وساغ ذلك؛ لأن قيل بمعنى يقال، كما رأيت فيما سبق.
﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾
الشرح: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ:﴾ قال ابن عباس-﵄: جمعوا في جهنم. وقيل:
قذفوا، وطرحوا بعضهم على بعض. وقيل: ألقوا على رؤوسهم، والمراد بالضمير الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله. وجمعت الأصنام، جمع مذكر سالما على مثال ما رأيت في الآية رقم [٧٣]. ﴿وَالْغاوُونَ:﴾ المراد: العبدة، والكبكبة: تكرير الكب، وهو الإلقاء على الوجه لتكرير معناه، كأنّ من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى؛ حتى يستقر في قعرها. ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ:﴾
أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس، وقال قتادة، والكلبي، ومقاتل: الغاوون: هم الشياطين، فيكون المراد بواو الجماعة العبدة. هذا؛ وانظر إبليس، وجنوده، وذريته في الآية رقم [٥٠] من سورة (الكهف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا؛ وقال القرطبي: وأصل: كبكبوا: كبّبوا، فأبدل من الباء الوسطى كاف، استثقالا لاجتماع الباآت. انتهى. وينبغي أن تعلم أن كبّ متعدّ، وأكبّ لازم، قال امرؤ القيس: [المتقارب]
لها متنتان خظاتا كما... أكبّ على ساعديه النّمر
وهو خارج عن قاعدة تعدية اللازم بالهمزة، كما في قولك: ذهب زيد، وأذهب، وخرج، وأخرج، ومثله: أنزفت البئر، ونزفتها أنا، وأنسل ريش الطائر، ونسلته أنا. ومن المتعدي بدون همز قول النبي ﷺ : «وهل يكبّ النّاس في النار على وجوههم إلاّ حصائد ألسنتهم». وقوله ﵊: «من ولي أمّة من أمتي قلّت أو كثرت، فلم يعدل فيهم؛ كبّه الله على وجهه في النّار».
الإعراب: ﴿فَكُبْكِبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (كبكبوا): فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لواو الجماعة، وقيل:
ضمير فصل، والأول أقوى. ﴿وَالْغاوُونَ:﴾ معطوف على واو الجماعة مرفوع. ﴿وَجُنُودُ:﴾
معطوف على واو الجماعة مرفوع مثله، و (جنود): مضاف، و ﴿إِبْلِيسَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَجْمَعُونَ:﴾
توكيد لواو الجماعة وما عطف عليه، وإن اعتبرت (جنود) مبتدأ خبره جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ فيكون توكيدا له، وجملة: ﴿فَكُبْكِبُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ على مثال ما رأيت في الجمل السابقة.
следующие страницы →