Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
الإعراب: ﴿وَاجْعَلْنِي:﴾ الواو: حرف عطف. (اجعلني): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿مِنْ وَرَثَةِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. و ﴿وَرَثَةِ﴾ مضاف، و ﴿جَنَّةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة لمفعولها؛ لأنه بمعنى وارث كما يشير إليه المعنى، وفاعله مستتر فيه. و ﴿جَنَّةِ﴾ مضاف، و ﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المحل للحال فيه، وجملة: ﴿وَاجْعَلْنِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ (٨٦)﴾
الشرح: سأل إبراهيم ربه المغفرة لأبيه، وهذا الدعاء كان في حياة أبيه، فدعا له بالتوفيق، والهداية للإيمان، وهذا قبل أن يتبين له: أنه عدو لله، كما رأيت في الآية رقم [١١٤] من سورة (التوبة). ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ أي: المشركين. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وإن كان هذا الدعاء بعد موته، فلعله كان في ظنه أنه كان يخفي إيمانه تقية من نمرود، ولذلك وعده به، أو؛ لأنه لم يمنع بعد من الاستغفار للكفار، ويرد الأول التصريح ببراءته من أبيه، كما رأيت في الآية المذكورة آنفا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَاغْفِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اغفر): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».
﴿لِأَبِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى أبيه. ﴿مِنَ الضّالِّينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، وهذا يؤيد أن الدعاء له كان بعد موته، وأما على اعتبار الدعاء له قبل أن يتبين له أنه عدو لله، ف: ﴿كانَ﴾ زائدة، لا عمل لها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ تعليل للدعاء لا محل لها، وجملة: ﴿وَاغْفِرْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾
الشرح: ﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ أي: لا تفضحني على رؤوس الأشهاد، أو لا تعذبني يوم القيامة.
وقال البيضاوي: بمعاتبتي على ما فرطت، أو بنقص رتبتي عن رتبة بعض الوراث. ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: يبعث الناس، أو الضالون. هذا؛ ﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ ولا توقعني في الخزاية من الإخزاء، وهو الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني شاعر جاهلي: [البسيط]
стр. 4202
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب... عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
وهو هنا من الرباعي من: أخزى، يخزي، وهو من الثلاثي: خزي، يخزى خزاية بمعنى:
استحيا، وخجل، وقال نهشل بن حري الدارمي من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا، وكان قد قتل بصفين مع الإمام علي-كرم الله وجهه-: [الطويل]
أخ ما جد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو، لم تخنه مضاربه
وفي البخاري: عن أبي هريرة-﵁، عن النبي ﷺ قال: «إنّ إبراهيم يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة، والقترة». والغبرة: هي القترة، وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا ربّ، إنك وعدتني ألاّ تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إنّي حرّمت الجنّة على الكافرين». انفرد بها البخاري رحمه الله تعالى. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): دعائية متضمنة معنى النهي. ﴿تُخْزِنِي:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿يُبْعَثُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾
الشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: أي: لا ينفع مال، ولا بنون أحدا إلا مخلصا، سليم القلب من الكفر، وميل المعاصي، وسائر آفاته. أو لا ينفعان أحدا إلا مال من هذا شأنه، وبنوه، حيث أنفق ماله في سبيل البر، وأرشد بنيه إلى الحق، وحثهم على الخير، وقصد بهم أن يكونوا عباد الله مطيعين، شفعاء له يوم القيامة.
هذا؛ واختلف في «القلب السليم» على أقوال كثيرة، قال الضحاك: هو السليم الخالص، وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه، أي: الخالص من الأوصاف الذميمة، كالعجب، والكبر، والحقد، والحسد، والرياء، والنفاق، والمتصف بالأوصاف الجميلة. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ ، قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطّير». يريد، والله أعلم: أنها مثلها في أنها خالية من كل ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا. وقيل: قلب سليم من الكفر والنفاق، فقلب الكافر، والمنافق مريض،
стр. 4203
كقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هذا؛ وإنما خص الله القلب بالذكر؛ لأنه إذا سلم؛ سلمت الجوارح كلها، وإذا فسد فسدت الجوارح كلها، ولذا قال النبي ﷺ : «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب».
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ،﴾ وهذا على اعتبار الكلام من تتمة كلام الخليل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. واعتبره ابن عطية من كلام الله تعالى، فيكون الكلام مستأنفا. و ﴿يَوْمَ﴾ متعلقا بفعل محذوف، تقديره: اذكر، ويكون الكلام في محل نصب مقول لقول محذوف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْفَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مالٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿بَنُونَ:﴾
معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والمفعول محذوف، تقديره: أحدا، أو رجلا ونحوهما. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من المفعول المحذوف، أو في محل نصب مستثنى منه. هذا؛ وأجيز اعتباره بدلا من فاعل ﴿يَنْفَعُ،﴾ وغلب من يعقل، ويكون التقدير: إلا مال من، أو بنو من، فإنه ينفع نفسه، أو غيره بالشفاعة، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون مفعول: ﴿يَنْفَعُ﴾ أي: لا ينفع ذلك إلا رجلا أتى الله بقلب سليم. ﴿أَتَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿بِقَلْبٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَلِيمٍ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَتَى..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، أو هي صفة ﴿مَنْ،﴾ إن اعتبرتها نكرة موصوفة، وهو مفاد كلام الزمخشري.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾
الشرح: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: قربت، وأدنيت إليهم؛ ليدخلوها، بحيث يرونها من الموقف. ﴿وَبُرِّزَتِ﴾ أي: أظهرت. ﴿الْجَحِيمُ:﴾ جهنم. ﴿لِلْغاوِينَ﴾ أي: الكافرين الذين أغواهم إبليس اللعين، فضلوا عن طريق الهدى. والمعنى: تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخلوها، فيرونها مكشوفة، فيتحسرون، ويستشعرون الحزن والخوف، كما يستشعر أهل الجنة الفرح والسرور لعلمهم: أنهم يدخلونها. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما..﴾. إلخ: هذا توبيخ لهم على إشراكهم؛ حيث يقال لهم: أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها من دون الله، هل ينفعونكم بنصرتهم لكم، أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم. لأنهم، وآلهتهم وقود النار. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل في الأفعال الثلاثة، إنما هو لتحقق ما يقع يوم القيامة من أحداث، وهذا كثير في القرآن الكريم.
стр. 4204
هذا؛ ومما يتعلق بالآيات الكريمة قال النسفي-رحمه الله تعالى-: وقد صوب الجليل استثناء الخليل، أي في الآية رقم [٨٩] إكراما له، ثم جعله صفة له في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الآية رقم [٨٣] و [٨٤] من سورة (الصافات) وما أحسن ما رتب عليه السلامة من كلامه مع المشركين، حيث سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر، لا مستفهم، ثم أقبل على آلهتهم، فأبطل أمرها، فإنها لا تضر، ولا تنفع، ولا تسمع. وعلى تقليدهم آباءهم الأولين، فأخرجه من أن يكون شبهة؛ فضلا عن أن يكون حجة. ثم صوّر المسألة في نفسه دونهم، حتى تخلص منها إلى ذكر الله تعالى، فعظم شأنه، وعدد نعمته، من حين إنشائه إلى وقت وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأدب، ثم وصله بذكر يوم القيامة، وثواب الله وعقابه، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة، على ما كانوا فيه من الضلال، وتمني الكرة إلى الدنيا؛ ليؤمنوا ويطيعوا. انتهى. بتصرف.
الإعراب: ﴿وَأُزْلِفَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أزلفت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْجَنَّةُ:﴾ نائب فاعل. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:
(وأزلفت...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ وقد رأيت: أن الفعل بمعنى الاستقبال، وجملة: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.
﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.
﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها.
﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَعْبُدُونَ﴾. ﴿وَقِيلَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، والأول أقوى هنا، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.
﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، وتوبيخ. ﴿يَنْصُرُونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَنْتَصِرُونَ:﴾
فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والكلام: ﴿أَيْنَ ما..﴾. إلخ كله في محل رفع نائب فاعل: (قيل)، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف في
стр. 4205
محل رفع نائب فاعل، وجملة: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ وساغ ذلك؛ لأن قيل بمعنى يقال، كما رأيت فيما سبق.
﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾
الشرح: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ:﴾ قال ابن عباس-﵄: جمعوا في جهنم. وقيل:
قذفوا، وطرحوا بعضهم على بعض. وقيل: ألقوا على رؤوسهم، والمراد بالضمير الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله. وجمعت الأصنام، جمع مذكر سالما على مثال ما رأيت في الآية رقم [٧٣]. ﴿وَالْغاوُونَ:﴾ المراد: العبدة، والكبكبة: تكرير الكب، وهو الإلقاء على الوجه لتكرير معناه، كأنّ من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى؛ حتى يستقر في قعرها. ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ:﴾
أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس، وقال قتادة، والكلبي، ومقاتل: الغاوون: هم الشياطين، فيكون المراد بواو الجماعة العبدة. هذا؛ وانظر إبليس، وجنوده، وذريته في الآية رقم [٥٠] من سورة (الكهف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا؛ وقال القرطبي: وأصل: كبكبوا: كبّبوا، فأبدل من الباء الوسطى كاف، استثقالا لاجتماع الباآت. انتهى. وينبغي أن تعلم أن كبّ متعدّ، وأكبّ لازم، قال امرؤ القيس: [المتقارب]
لها متنتان خظاتا كما... أكبّ على ساعديه النّمر
وهو خارج عن قاعدة تعدية اللازم بالهمزة، كما في قولك: ذهب زيد، وأذهب، وخرج، وأخرج، ومثله: أنزفت البئر، ونزفتها أنا، وأنسل ريش الطائر، ونسلته أنا. ومن المتعدي بدون همز قول النبي ﷺ : «وهل يكبّ النّاس في النار على وجوههم إلاّ حصائد ألسنتهم». وقوله ﵊: «من ولي أمّة من أمتي قلّت أو كثرت، فلم يعدل فيهم؛ كبّه الله على وجهه في النّار».
الإعراب: ﴿فَكُبْكِبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (كبكبوا): فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لواو الجماعة، وقيل:
ضمير فصل، والأول أقوى. ﴿وَالْغاوُونَ:﴾ معطوف على واو الجماعة مرفوع. ﴿وَجُنُودُ:﴾
معطوف على واو الجماعة مرفوع مثله، و (جنود): مضاف، و ﴿إِبْلِيسَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَجْمَعُونَ:﴾
توكيد لواو الجماعة وما عطف عليه، وإن اعتبرت (جنود) مبتدأ خبره جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ فيكون توكيدا له، وجملة: ﴿فَكُبْكِبُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ على مثال ما رأيت في الجمل السابقة.
стр. 4206
﴿قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨)﴾
الشرح: ﴿قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ:﴾ يعني: الإنس والشياطين، والغاوين، والمعبودين، اختصموا حينئذ، على أن الله ينطق الأصنام، فتخاصم العبدة، وهذا الخصام كرره القرآن كثيرا في آياته، ومثله: خصام الأتباع والمتبوعين.
﴿تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ هذا من قول العابدين بدليل ما بعده، وهو اعتراف منهم بأنهم كانوا في الدنيا كافرين ضالين عن طريق الحق، والصواب، فأكدوه بالقسم. ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ المعنى لقد كنا في غاية الضلال وقت تسويتنا إياكم يا هذه الأصنام في استحقاق العبادة برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم، وأعجزهم، وانظر إعلال: ﴿مُبِينٍ﴾ في الآية رقم [١]، وشرح ﴿الْعالَمِينَ﴾ في الآية رقم [١٦]، و ﴿تَاللهِ﴾ قسم فيه معنى التعجب، والتاء بدل من الباء، وهي مختصة باسم الله تعالى، وربما قالوا: تربي، وترب الكعبة، وتا الرحمن. والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر ومظهر.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿وَهُمْ:﴾
الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَخْتَصِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿تَاللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم. ﴿إِنْ:﴾ مخففة من الثقيلة، مهملة لا عمل لها، وقيل: عاملة، ولا وجه له البتة؛ لأن شروط الإهمال هنا متوفرة، وهي إيلاؤها فعلا ناسخا، ولزوم لام الابتداء بعدها، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]
وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللام إذا ما تهمل
والفعل إن لم يك ناسخا فلا... تلفيه غالبا بإن ذي موصلا
﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا) اسمه. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات. (في ضلال): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿إِنْ كُنّا..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، يدل عليه ﴿ضَلالٍ،﴾ أو ب ﴿ضَلالٍ﴾ نفسه، أو ب ﴿مُبِينٍ﴾. ﴿نُسَوِّيكُمْ:﴾
стр. 4207
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿بِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (رب) مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾
الشرح: ﴿وَما أَضَلَّنا:﴾ عن طريق الهدى، والحق. ﴿إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: من دعاهم إلى عبادة الأوثان من الجن، والإنس. وقيل: المراد: الأولون الذين اقتدينا بهم، وقيل: المراد:
إبليس، وابن آدم الأول، وهو قابيل، وهو أول من سن القتل، وأنواع المعاصي. وهذا بعيد جدا.
﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ أي: من يشفع لنا، كما للمؤمنين شافعون من الملائكة والأنبياء. ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ:﴾ كما نرى للمؤمنين أصدقاء؛ إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما أهل الكفر والمعاصي والفسوق والضلال فبينهم التعادي، قال تعالى في بيان ذلك: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أو ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ من الذين كنا نعدهم شفعاء، وأصدقاء؛ لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم: أنهم شفعاؤهم عند الله. وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس. والحميم من: الاحتمام، وهو الاهتمام الذي يهمه ما يهمك، أو من الحامة بمعنى الخاصة. ومن الجدير بالذكر أن الصديق سمي صديقا؛ لصدقه فيما يدعيه لك من المودة، والألفة، والمحبة، وسمي العدو عدوا؛ لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع بك، والقضاء عليك.
وجمع الشافع ووحّد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة، وقلة الصديق، ولأن الصديق الواحد يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء، أو لإطلاق الصديق على الجمع كالعدو؛ لأنه في الأصل مصدر، كالحنين، والصهيل، وانظر شرح ﴿عَدُوٌّ﴾ في الآية رقم [٧٧] فهو مثله. يستوي فيه المفرد، والمذكر، والمؤنث. ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً﴾ أي: رجعة إلى الدنيا. ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ تمنوا حين لا ينفعهم التمني، وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة، والمؤمنون.
فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال النبي ﷺ : «إنّ الرّجل ليقول في الجنّة:
ما فعل فلان وصديقه في الجحيم؟ فلا يزال يشفع له حتّى يشفّعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون:
﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ»﴾.
стр. 4208
وقال الحسن: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «أكثروا من الإخوان فإنّ لكلّ أخ شفاعة يوم القيامة».
هذا؛ والحميم: القريب، والخاص، ومنه: حامّة الرجل، أي: أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم، وهو الماء الحار، ومنه الحمّام، والحمّى، فحامّة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه.
وقال علي بن عيسى: إنما سمي القريب حميما؛ لأنه يحمى لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية، وجمع حميم: أحمّاء، وأحمّة، وكرهوا: «أفعلاء» للتضعيف.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَضَلَّنا:﴾ فعل ماض، و (نا):
مفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ فاعل مرفوع... إلخ. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف أو حرف استئناف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له ألبتة. (ما): نافية. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شافِعِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء التي جلبها حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿صَدِيقٍ:﴾ معطوف على لفظ ﴿شافِعِينَ﴾. ويجوز في العربية رفعه عطفا على المحل. ﴿حَمِيمٍ:﴾ صفة: ﴿صَدِيقٍ﴾. ﴿فَلَوْ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو استئناف.
(لو): حرف تمنّ. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:
﴿أَنَّ﴾ مقدم. ﴿كَرَّةً:﴾ اسمها مؤخر، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، التقدير: فلو حصل لنا وقوع كرة وهذا على اعتبارها شرطية، وعلى اعتبارها باقية للتمني فالتقدير: نتمنى حصول ووقوع كرة إلى الدنيا. ﴿فَنَكُونَ:﴾ الفاء: للسببية.
(نكون): فعل مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنَّ﴾ مضمرة بعد الفاء، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر نكون، و «أن» المضمرة والفعل (نكون) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على: ﴿كَرَّةً﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار: (لو) شرطية، فيكون جوابها محذوفا دل عليه ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ويقدر: لكنا مؤمنين، والكلام على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، ولهذا نفى ابن هشام أن يكون نصب (نكون) جوابا ل: (لو)، ولذا قال: ولا دليل في هذا لجواز أن يكون النصب في ﴿فَنَكُونَ﴾ مثله في قوله تعالى:
﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ..﴾. إلخ الآية رقم [٥١] من سورة (الشورى) وقول ميسون: [الوافر]
ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
أي: إن المصدر المؤول معطوف بالفاء على: ﴿كَرَّةً،﴾ وهو المعبر عنه باسم خالص من التقدير بالفعل.
стр. 4209
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ أي: لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها، ويعتبر، فإنها جاءت على أنظم ترتيب، وأحسن تقرير، يتفطن المتأمل فيها لغزارة علمه؛ لما فيها من الإشارة إلى أصول العلوم الدينية، والتنبيه على دلائلها، وحسن دعوته للقوم، وحسن مخالفته معهم، وكمال إشفاقه عليهم، وتصور الأمر في نفسه، وإطلاق الوعد، والوعيد على سبيل الحكاية تعريضا، وإيقاظا لهم ليكون أدعى لهم إلى الاستماع، والقبول، والإشارة إلى ما ذكر من قصة إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. انتهى. بيضاوي بتصرف. ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ:﴾ أكثر قوم إبراهيم.
﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ مصادقين له. بل إنه لم يهاجر معه من العراق إلى فلسطين سوى زوجته سارة وابن أخيه لوط. كما تقدم ذكره في الآية رقم [٧١] من سورة (الأنبياء). هذا؛ وانظر إعراب الآيتين فيما تقدم برقم [٨] و [٩] وذلك بغية الاختصار، في الوقت، وغيره.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾
الشرح: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: كذبت جماعة قوم نوح. وقال البيضاوي: القوم:
مؤنث؛ ولذلك يصغر على: قويمة. وفي المصباح: القوم: يذكر، ويؤنث، فيقال: قام القوم، وقامت القوم، وكذا كل اسم جمع لا واحد له من لفظه، نحو رهط ونفر. انتهى. والتأنيث باعتبار معناه، والتذكير باعتبار لفظه، وإنما جمع المرسلين مع أن المرسل واحد وهو نوح كما هو نص الآية؛ لأن دين الرسل واحد، وأن الآخر منهم جاء بما جاء به الأول، فمن كذب واحدا منهم؛ فقد كذب جميع الرسل، فلذا صح الجمع هنا، وكذلك باقي قصص الأنبياء.
﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ:﴾ أخوهم في النسب لا في الدين؛ لأنه من عشيرتهم، وولد بينهم.
هذا؛ وإن أردت التوسع في قصة نوح مع قومه؛ انظر سورة (الأعراف) وسورة (هود) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ أي: تخافون الله، فتتركوا عبادة الحجارة والأوثان، وما لا يضر، ولا ينفع.
الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعل، و ﴿قَوْمُ﴾ مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كَذَّبَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿كَذَّبَتْ﴾. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿أَخُوهُمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء
стр. 4210
ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿نُوحٍ:﴾ بدل، أو عطف بيان من: ﴿أَخُوهُمْ﴾. ﴿أَلا:﴾
حرف تنبيه، واستفتاح، يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾
الشرح: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ:﴾ مرسل من الله إليكم، ﴿أَمِينٌ﴾ أي: على تبليغ ما أمرني به، وكان مشهورا عندهم بالأمانة، كمحمد ﷺ في قريش، وكذا سائر الرسل؛ لأنهم مطبوعون على الصدق، والأمانة، والعفة، وسائر الصفات الحميدة، والشيم الكريمة. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ:﴾ بطاعته، وعبادته، ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ فيما آمركم به من الإيمان، والتوحيد تنجوا من عذاب الله، وسخطه، وغضبه، وعقابه.
الإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها، ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿رَسُولٌ﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا».
﴿رَسُولٌ:﴾ خبر (إن). ﴿أَمِينٌ:﴾ صفة ﴿رَسُولٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿فَاتَّقُوا:﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا؛ فاتقوا... إلخ. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا الفعل، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمة التي جيء بها لمناسبة واو الجماعة، وقل مثله في نحو: (اشربا، واحفظا، واتقيا) والمانع من السكون الفتحة التي جيء بها لمناسبة ألف الاثنين، التي هي فاعله، وأيضا قولك: (اشربي، واحفظي، واتقي) والمانع من ظهور السكون الكسرة التي جيء بها لمناسبة ياء المؤنثة المخاطبة، التي هي فاعله، ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب: «إذا»، والجملة الشرطية مع الجملة الاسمية قبلها في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ الواو:
حرف عطف، (أطيعون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
стр. 4211
﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾
الشرح: ﴿قالُوا..﴾. إلخ: أي: قوم نوح له: نصدقك، ونتبعك؛ ولقد اتبعك الأقلون جاها،
стр. 4212
ومالا، وهذا من سخافة عقلهم، وقصور رأيهم على الحطام الدنيوية، حتى جعلوا اتباع المقلين فيه مانعا عن اتباعهم وإيمانهم بما يدعوهم إليه دليلا على بطلانه، وأشاروا بذلك إلى أن اتباعهم ليس عن نظر، وبصيرة، وإنما هو لتوقع مال، ورفعة جاه. هذا؛ و ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ جمع الأرذل، وهو جمع مذكر سالم، وتكسيره: الأراذل، كما في قولهم في سورة (هود): ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا﴾. والأنثى: الرّذلى، والجمع: الرّذل.
قال النحاس: ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. هذا؛ وقرأ يعقوب: «(وأتباعك الأرذلون)». هذا؛ والمراد بالأراذل في نظر الكفار: فقراء الناس، وضعفاؤهم، وهذا حال الدنيا لا يتبع الأنبياء إلا الفقراء، ولا يلازم العلماء إلا هؤلاء، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة تحويلا، ولا تنس: أن الذين آمنوا بنوح، واتبعوه هم نساؤه، وبنوه، وأحفاده، ونساؤهم باستثناء ولده كنعان، وأمه كما رأيت في سورة (هود) على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، ومن اهتدى بهديه من الفقراء والضعفاء من غير أهل بيته كما ستعرفه في الآية رقم [١١٩] الآتية.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنُؤْمِنُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (نؤمن): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَاتَّبَعَكَ:﴾ الواو: واو الحال، (اتبعك): فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿الْأَرْذَلُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الكاف المجرورة باللام، والرابط: الواو، والضمير، ويجب تقدير «قد» قبلها. هذا؛ وعلى قراءة يعقوب يجوز في «(أتباعك)» وجهان، اعتباره مبتدأ خبره: ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾. والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف. والوجه الثاني: اعتباره معطوفا على فاعل (نؤمن) المستتر. وجاز ذلك للفصل بالجار والمجرور، ويكون: ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ صفة له، وجملة:
﴿أَنُؤْمِنُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾
الشرح: المعنى: إني لم أكلف العلم بأعمالهم، إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان، لا بالحرف، والصنائع. وكأنهم قالوا: إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال، فقال: إني لم أقف على باطن أمرهم، وإنما إليّ ظاهرهم، وأكل سرائرهم إلى الله تعالى؛ ولذا قال: ما حسابهم إلا عليه تعالى، ولو علمتم ذلك لما لمتموني، ولما عبتم عليهم إيمانهم بالله تعالى. هذا؛ و ﴿تَشْعُرُونَ﴾ من الشعور، وهو إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته.
стр. 4213
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿نُوحٍ﴾. ﴿وَما:﴾ الواو:
زائدة لتحسين اللفظ، (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عِلْمِي:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.
هذا؛ وجوز اعتبار (ما) نافية فيكون ﴿عِلْمِي﴾ مبتدأ، خبره محذوف تقديره: موجود ونحوه.
﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر، (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء. ﴿كانُوا:﴾
فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف. هذا؛ وقال القرطبي: ﴿كانُوا﴾ زائدة، وعليه ف: (ما) تحتمل الموصوفة، والموصولة، والمصدرية، فعلى الأولين تكون مجرورة بالباء، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ صلتها، أو صفتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير: بشيء. أو بالذي يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم، وعلى جميع الاعتبارات فالجار والمجرور متعلقان ب: ﴿عِلْمِي﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿حِسابُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلى رَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، ﴿تَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب: ﴿لَوْ﴾ محذوف، انظر تقديره في الشرح، والكلام: ﴿وَما عِلْمِي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾
الشرح: طلب العظماء من نوح أن يطرد الفقراء، والضعفاء عن مجلسه، كما طلبت قريش ذلك من النبي ﷺ ، كما هو معلوم، فرد عليهم نوح ﵇ بقوله: ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين آمنوا بالله تعالى، واتبعوني، وصدقوني فيما أدعو إليه. وقال لهم: ما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار الناس، وزجرهم عن الكفر والمعاصي سواء أكانوا من الأعزاء، أو من الضعفاء، أو من الأغنياء، أو من الفقراء، فكيف يليق بي أن أطرد الضعفاء، والفقراء؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، (ما): نافية حجازية، تعمل عمل «ليس». ﴿أَنَا:﴾
ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها، ﴿بِطارِدِ:﴾ الباء: حرف جر صلة.
стр. 4214
(طارد): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و (طارد) مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي، ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ أَنَا..﴾. إلخ تعليل للنفي السابق، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾
الشرح: قال قوم نوح له: لئن لم تنته، وتكف عن سب آلهتنا، وعيب ديننا، وما نحن عليه من عباداتنا؛ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ أي: من المشتومين، أو من المقتولين، أو من المضروبين بالحجارة، قال الثّماليّ: كل «مرجومين» في القرآن فهو القتل إلا في مريم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ فهو بمعنى السب، انظر الآية رقم [٤٦] من سورة (مريم).
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف، يقدر بما يناسب معتقداتهم. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَنْتَهِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (يا):
أداة نداء تنوب مناب أدعو. (نوح): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا).
﴿لَتَكُونَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم، (تكونن): فعل مضارع ناقص، مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر فيه، وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (تكونن)، وجملة:
﴿لَتَكُونَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والجملة الندائية معترضة بين القسم وجوابه، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
والكلام ﴿لَئِنْ لَمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمّل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 4215
﴿قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾
الشرح: توجه نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام بهذا الدعاء حين أيس من إيمان قومه، وقد آذنه الله بذلك حين قال له: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٦] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿كَذَّبُونِ:﴾ فلم يقبلوا مني ما أدعوهم إليه من الإيمان بك. ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً:﴾ فاحكم بيني وبينهم حكما فاصلا. هذا؛ والفتاح: القاضي، والفتاحة: الحكومة. قال ابن عباس-﵄: ما كنت أدري ما معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا..﴾. إلخ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: تعال حتى أفاتحك، يعني: أقاضيك. وهذا قول قتادة، والسدي، وابن جريج، وجمهور المفسرين: أن الفاتح هو القاضي، والحاكم، سمي بذلك؛ لأنه يفتح إغلاق الإشكال بين الخصوم ويفصلها.
وقال الزجاج: وجائز أن يكون معناه: ربنا أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وبين قومنا، وينكشف.
والمراد منه: أن ينزل عليهم عذابا يدل على كونهم مبطلين، وعلى كون شعيب والمؤمنين معه محقين. وعلى هذا الوجه؛ فالفتح يراد به الكشف والتمييز. انتهى. خازن من تفسير الآية رقم [٨٨] من سورة (الأعراف). هذا؛ وانظر شرح (بين) في الآية رقم [٣٨] من سورة (الفرقان).
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى نوح. ﴿رَبِّ:﴾
منادى حذفت منه أداة النداء، وانظر شرح ذلك، وتفصيله في الآية رقم [١٦٩] الآتية. ﴿إِنَّ:﴾
حرف مشبه بالفعل. ﴿قَوْمِي:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كَذَّبُونِ:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿فَافْتَحْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط غير جازم، وانظر الآية رقم [١٠٨]، (افتح): فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة... إلخ، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. (بينهم): معطوف على ما قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فَتْحاً:﴾
يجوز أن يكون مفعولا مطلقا مؤكدا للفعل، وأن يكون مفعولا به، وجملة: ﴿فَافْتَحْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم مقدر ب: «إذا». ﴿وَنَجِّنِي:﴾ الواو: حرف عطف.
(نجني): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية
стр. 4216
معطوفة على ما قبلها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول بمعنى الذين مبني على السكون في محل نصب معطوف على ياء المتكلم، ويجوز أن تكون (من) نكرة موصوفة.
﴿مَعِيَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، أو بمحذوف صفة النكرة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (من)، و (من) بيان لما أبهم فيها، والكلام ﴿رَبِّ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠)﴾
الشرح: ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ أي: أنقذناه وخلصناه من إيذاء قومه له. ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ أي: السفينة التي صنعها بيده كما رأيت في سورة (هود). ﴿الْمَشْحُونِ:﴾ المملوء بما حمل فيه من الناس، والدواب، والطير، وغير ذلك. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنا﴾ أي: بالطوفان الذي حصل بعد دعوة نوح قومه إلى الإيمان بالله تعالى تسعمئة وخمسين سنة.
هذا؛ و ﴿الْفُلْكِ﴾ بضم الفاء، وسكون اللام يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، فقد أفرد سبحانه في هذه الآية وذكّر، وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ فأنث، ويحتمل الإفراد والجمع، وقال جل شأنه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى معنى المركب، فتذكر، وإلى معنى السفينة فتؤنث، وقد ألغز فيها الشاعر حيث قال: [الطويل]
مكسّحة تجري ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو
فإن عطشت عاشت وعاش جنينها... وإن شربت ماتت وفارقها الحمل
ولا تنس: أن أول من اخترع السفينة-وهي الفلك-نوح، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومن تصميمها، وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن، وتتطور جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر. هذا؛ والفلك بفتحتين: مدار النجوم، ويجمع على فلك بضمّ وسكون اللام وضمها أيضا، وعلى: أفلاك أيضا، والفلك من كل شيء: مستداره، ومعظمه، والفلكي منسوب، إلى علم الفلك.
الإعراب: ﴿فَأَنْجَيْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنجيناه): فعل ماض مبني على السكون، و (نا): ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا اللفظ، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات، فيما هو كالكلمة الواحدة، وقل مثله في إعراب كل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل ذهبت،
стр. 4217
وذهبن، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْفُلْكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَشْحُونِ:﴾ صفة: ﴿الْفُلْكِ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿فَأَنْجَيْناهُ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَغْرَقْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَعْدُ:﴾ ظرف زمان مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿الْباقِينَ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿أَغْرَقْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾
انظر شرح هاتين الآيتين في الآية رقم [١٠٣] فهو مثله، وانظر إعرابهما في الآية رقم [٨] و [٩] ففيه الكفاية.
﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾
الشرح: شرح هذا الكلام وإعرابه مثل الآيتين رقم [١٠٥] و [١٠٦]، وتأنيث ﴿عادٌ﴾ على معنى القبيلة، أو الجماعة، وهو في الأصل اسم أبيهم، وانظر قصة هود مع قومه مفصلة في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧)﴾
انظر شرح هذه الآيات وإعرابها برقم [١٠٧] وما بعدها على الترتيب.
﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ (١٣٠)﴾
الشرح: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ:﴾ بكل مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، يقال: كم ريع أرضك، أي: كم ارتفاعها، وهو جمع: ريعة. وقال قتادة: الرّيع: الطريق، قال: ذو الرمة يصف بازيا: [الطويل]
طراق الخوافي مشرق فوق ريعة... ندى ليله في ريشه يترقرق
стр. 4218
وقال عمارة: الريع: الجبل، الواحد: ريعة، والجمع: رياع. وقال مجاهد: هو الفج بين الجبلين. ﴿آيَةً﴾ أي: علامة. وانظر الآية رقم [١]. ﴿تَعْبَثُونَ:﴾ تلعبون، وتهزؤون، قيل:
إنهم بنوا بيوتهم فيما تقدم ذكره، وكانوا يسخرون بمن يمر بهم من الناس. ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ:﴾
قال ابن عباس-﵄: أبنية. وقال مجاهد: قصورا مشيدة، وحصونا منيعة، قال الشاعر: [الوافر]
تركنا دارهم منهم قفارا... وهدّمنا المصانع والبروجا
وقال السدي، وغيره: المصانع: بروج الحمام، ولا أرى له وجها قويا. وقال قتادة، والزجاج: إنها مصانع الماء تحت الأرض، أي: قنوات الماء، واحدتها مصنعة، ومصنع، قال لبيد-﵁: [الطويل]
بلينا وما تبلى النّجوم الطّوالع... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي: تبنون ما تبنون لكي تخلدوا في هذه الدنيا، فأنتم تحكمون بنيان ما تصنعون. وقيل: (لعلّ) استفهام بمعنى التوبيخ، والتقريع، ولا وجه له؛ لأنه لم يقل أحد إن «لعلّ» تأتي للاستفهام. ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ..﴾. إلخ: أي: إذا ضربتم أحدا ضربتموه بعنف وقسوة بدون رحمة، ورأفة، ولا قصد تأديب، ونظر في العواقب، وقال ابن عباس، ومجاهد-﵄: البطش: العسف قتلا بالسيف، وضربا بالسوط. ﴿جَبّارِينَ:﴾ قتالين في غير حق، وبطشت اليد: إذا عملت، فهي باطشة، قال عمرو بن كلثوم في معلقته: [الوافر]
لنا الدّنيا ومن أضحى عليها... ونبطش حين نبطش قادرينا
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أهل النّار لم أرهما:
قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها النّاس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنّة، ولا يجدن ريحها، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا، وكذا». رواه مسلم في صحيحه. وعن ابن عمر-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ، لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم». رواه أبو داود.
«العينة»: بكسر العين: أن تبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم، ثم تشتريها منه بأقل من الثمن الذي بعتها به. ومنها: أن يغالي بالثمن كثيرا لقاء بيعها بالدين إلى أجل مسمى، وإن لم يشترها البائع منه؛ لأن زيادة الثمن لقاء التأجيل، وهو نوع من أنواع الربا. هذا؛ وقيل:
الجبار: المتسلط العاتي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾. وقال الشاعر: [الطويل]
سلبنا من الجبّار بالسّيف ملكه... عشيّا وأطراف الرّماح شوارع
стр. 4219
الإعراب: ﴿أَتَبْنُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. (تبنون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل.
﴿بِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (كل) مضاف، و ﴿رِيعٍ﴾ مضاف إليه. ﴿آيَةً:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط.
﴿وَتَتَّخِذُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (تتخذون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿مَصانِعَ:﴾
مفعول به. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿تَخْلُدُونَ:﴾ في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية تعليل للبناء، ولاتخاذ المصانع، وقيل: في محل نصب حال، وهو غير سديد. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف، (إذا):
ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿بَطَشْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها على المشهور المرجوح، والجملة الثانية جواب (إذا) لا محل لها، ﴿جَبّارِينَ:﴾ حال من تاء الفاعل والميم، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. هذا؛ والكلام ﴿أَتَبْنُونَ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول.
﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاِتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾
الشرح: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: بترك الكفر، والمعاصي. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ فيما أدعوكم إليه، فإنه أنفع لكم، وتنجون به من عذاب الله، وسخطه، وغضبه، وعقابه. ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ:﴾
من الخيرات في هذه الدنيا، ثم فسر ذلك بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ..﴾. إلخ؛ أي: سخر لكم ذلك، وتفضل به عليكم، فهو الذي يجب أن يعبد، ويشكر ولا يكفر. ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ: أي في الدنيا والآخرة؛ إن أعرضتم عن الإيمان، وأصررتم على الكفر، فإنه كما قدر على الإنعام؛ يقدر على الانتقام.
هذا؛ و (اتقوا) أمر من التقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة). هذا؛ وأصل: «اتقوا» (اتّقيوا) فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة.
﴿اللهَ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم؛ الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء
стр. 4220
به؛ لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال، ولم يسم به أحد سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تعلم أحدا تسمى «الله» غيره تعالى، وإنما يذكر الكافرون، والمشركون معبوداتهم باسم الرب والإله، وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمئة وستين موضعا.
(الأنعام): يطلق هذا اللفظ على المأكول من الحيوان، من إبل، وبقر، وغنم، وماعز، والمراد هنا-والله أعلم-المأكول، وغيره، فيكون قد غلب المأكول على غيره. و: (جنات) جمع: جنه، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسميت الجنة بذلك؛ لأنها تجن أي:
تستر من يدخل فيها، لكثرة أشجارها، وكثافتها، وهي درجات ذكرتها في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وانظر (الخوف) في الآية رقم [١٢].
﴿عَذابَ:﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، وسلام، ونبات، لأعطى، وسلم، وأنبت.
هذا؛ و ﴿يَوْمٍ﴾ المراد به هنا يوم القيامة، وهو مقدار ألف سنة من أيام الدنيا، كما في الآية رقم [٤٧] من سورة (الحج) وأما اليوم في الدنيا؛ فهو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي، فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل، والنهار معا، وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي: لهذا الوقت والجمع: أيام، وأصله: أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع: أياويم.
وأيام العرب: وقائعها، وحروبها. وأيام الله: نعمه ونقمه، كما في الآية رقم [١٠٢] من سورة (يونس)، والآية رقم [٥] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، ويقال:
فلان ابن الأيام، أي: العارف بأحوالها. ويقال: أنا ابن اليوم؛ أي: اعتبر حالي فيما أنا فيه.
الإعراب: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ:﴾ انظر إعراب هذه الآية برقم [١٠٨]. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الَّذِي:﴾
اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، ﴿أَمَدَّكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر، (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء تعلمونه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ﴾ بدل من سابقتها، لا محل لها مثلها، وهي أوضح من الأولى؛ لأنها فصّلت نعم الله، وبينتها، ومثلها الآية رقم [٢٢٢] الآتية، ومثل الآيتين قول الشاعر: [الطويل]
أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا... وإلاّ فكن في السّرّ والجهر مسلما
стр. 4221
فجملة: «لا تقيمن» بدل من جملة «ارحل»؛ لأن دلالة الثانية على ما أراده من إظهار الكراهية لإقامته أوفى بالمراد، فإنه اشتهر في إظهار الكراهية عرفا بخلاف الأولى، فإن دلالتها على ذلك بالالتزام، لكن البدلية في البيت بدل اشتمال، وفي الآية الكريمة بدل البعض، وانظر بدل الكل في الآية رقم [٦٩] من سورة (الفرقان). ﴿وَبَنِينَ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ:﴾ معطوفان على (أنعام). ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:
«أنا»، ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة: ﴿يَوْمٍ،﴾ وإن اعتبرته صفة: ﴿عَذابَ،﴾ فيكون قد جر على الجوار، وجملة: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر، والكلام: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول هود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قوم هود له، ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ..﴾. إلخ: أي: وعظك وعدمه عندنا سواء، لا نسمع منك، ولا نلتفت إلى ما تقوله، فإنا لا نرعوي عما نحن عليه. ﴿إِنْ هذا﴾ أي:
الذي تخوفنا به، أو الذي جئتنا به، وهو ترك ما نحن عليه، ﴿إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: إلا كذب الأولين، أي: قبلنا، أو ما خلقنا هذا إلا خلقهم نحيا ونموت مثلهم، ولا بعث ولا حساب، ولا ثواب ولا عقاب، وهذا على قراءة «(خلق)» بفتح الخاء، فيكون بمعنى افتراء، وقراءة حفص بضمتين، فيكون المعنى: ما هذا الذي جئت به إلا عادة الأولين، كانوا يلقنون الناس مثله، أو ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين، وعادتهم، ونحن بهم مقتدون. أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة قديمة لم يزل الناس عليها. انتهى. بيضاوي بتصرف.
﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: على ما نحن عليه من الدين والعبادة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: ﴿سَواءٌ﴾ مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صح به الإخبار عن متعدد في كثير من الآيات، وقيل: هو بمعنى مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع، قالوا: هم، وهما سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا: سيان، وإن شئت؛ قلت: سواآن، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر. هذا؛ وانظر الشاهد رقم [٢٤١] من كتابنا فتح القريب المجيب، وموجز القول في «سواء» منه تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وأيضا على غير القياس قولهم: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون.
стр. 4222
هذا؛ والسواء: العدل، والوسط، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ،﴾ وانظر شرح ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان).
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم، الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿سَواءٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿عَلَيْنا:﴾
جار ومجرور متعلقان ب ﴿سَواءٌ﴾. ﴿أَوَعَظْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتسوية تؤول مع ما بعدها بمصدر. (وعظت): فعل، وفاعل، وهمزة التسوية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف معادل لهمزة التسوية. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾
فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْواعِظِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُنْ،﴾ وجملة: ﴿لَمْ تَكُنْ..﴾. إلخ مؤولة بمصدر معطوف على سابقه، التقدير: «وعظك وعدمه سواء علينا»: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما».
﴿هذا:﴾ الهاء حرف تنبيه، ينبه به على ما يساق من الكلام. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿خُلُقُ:﴾ خبر المبتدأ. و ﴿خُلُقُ﴾ مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُعَذَّبِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (معذبين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا. هذا؛ والكلام: ﴿سَواءٌ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾
الشرح: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: كذب قوم هود رسولهم. فلم يصدقوه فيما يدعو إليه من عبادة الله تعالى، وتوحيده، وخلع عبادة الأوثان. ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ﴾ أي: بالريح العاتية المذكورة في سورة (القمر)، وسورة (الحاقة)، وانظر شرح باقي الكلام في الآية رقم [١٠٣] وما بعدها.
الإعراب: ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كذبوه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أهلكناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وانظر إعراب الباقي في الآيتين رقم [٨] و [٩] ففيه الكفاية. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين، وهو حسبي، ونعم الوكيل، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4223
﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢)﴾
الشرح: شرح هاتين الآيتين وإعرابهما مثل الآيتين رقم [١٠٥] و [١٠٦] بلا فارق. وتأنيث ﴿ثَمُودُ﴾ على معنى القبيلة، أو الجماعة، وهو في الأصل اسم أبيهم الأول، وانظر قصة صالح مع قومه مفصلة في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥)﴾
انظر شرح هذه الآيات وإعرابها في الآية رقم [١٠٧] وما بعدها على الترتيب.
﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩)﴾
الشرح: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أي: في الدنيا آمنين من العذاب، والزوال، والموت، فهو إنكار؛ لأن يتركوا كذلك مع إصرارهم على الكفر، وتماديهم في الضلال، والعصيان، والفساد، أو هو تذكير لهم بالنعمة في تخلية الله إياهم، وأسباب تنعمهم آمنين. ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ:﴾ في بساتين تجري فيها عيون الماء. (زروع): يشمل الخضار كلها، وأنواع المزروعات من قمح، وشعير، ونحو ذلك. ﴿وَنَخْلٍ:﴾ أفرده بالذكر مع كونه داخلا فيما قبله تنبيها على فضله، وكثرة منافعه. هذا؛ و «نخل» اسم جنس جمعي، يفرق بينه، وبين واحده بالتاء، وهو: نخلة كتمر، وتمرة، ونخل اسم جمع لا واحد له من لفظه، كقوم، ورهط، ونحوهما، وفي مختار الصحاح:
النخل، والنخيل بمعنى واحد، والواحد نخلة، وما ألطف قول الشاعر في التورية: [الوافر]
رأيت بها قضيبا فوق دعص... عليه النّخل أينع والكروم
فقد ورّى عن المرأة بالقضيب، وعن الحلي بالنخل، وعن قلائدها بالكروم، والدعص بكسر الدال: قطعة من الرمل مستديرة. ﴿طَلْعُها:﴾ هو أول ما يطلع من ثمر النخلة، كنصل السيف، في جوفه شماريخ القنو، والقنو: اسم للخارج من الجذع، كما هو بعرجونه، وشماريخه، والطلع يخرج من أنثى النخل وذكره، فتلقح الأنثى بأخذ شيء من طلع الذكر، ووضعه في طلع الأنثى بعد شقه، وأنث طلعها؛ لأن النخل اسم جمع كما رأيت، وكل اسم جمع يؤنث ويذكر، و ﴿هَضِيمٌ:﴾ لطيف لين للطف الثمر، قال امرؤ القيس في معلقته: [الطويل]
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت... عليّ هضيم الكشح ريّا المخلخل
стр. 4224
هذا؛ والهضم: الانتقاص من حق الإنسان، كما رأيت في الآية رقم [١١٢] من سورة (طه).
﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً:﴾ قال القرطبي، النّحت: النّجر، والبري، يقال: نحته، ينحته بالكسر نحتا، أي: براه، والنّحاتة: البراية، والمنحت ما ينحت به، وفي (الصافات): ﴿قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ فكانوا ينحتونها من الجبال، لما طالت أعمارهم، وتهدم بناؤهم من المدر. انتهى.
وإنما كانوا ينحتون في الجبال بيوتا لطول أعمارهم، فإن السقوف، والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم؛ لأن الواحد منهم كان يعيش ثلاثمئة سنة إلى ألف سنة، وكذا كان قوم (هود).
﴿فارِهِينَ:﴾ بطرين، أو حاذقين، من الفراهة؛ وهي النشاط، فإن الحاذق يعمل بنشاط، وطيب قلب. وقرئ: «(فرهين)» وهو أبلغ، والمراد بما ينحتون من الجبال: الكهوف، والغيران، قيل:
كانوا يسكنون السهول في الصيف، ويبنون فيها القصور، ويسكنون بالكهوف، والغيران في فصل الشتاء، وهذا يدل على أنهم كانوا متنعمين مترفين في حياتهم.
الإعراب: ﴿أَتُتْرَكُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (تتركون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله.
﴿فِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر. ﴿هاهُنا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (هنا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿آمِنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، إن لم تعتبره مفعولا ثانيا، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾
بدل من الجار والمجرور قبلهما بإعادة الجار. ﴿وَعُيُونٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ:﴾ معطوفان على ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿طَلْعُها:﴾ مبتدأ. و (ها): في محل جر بالإضافة.
﴿هَضِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل جر صفة: (نخل). ﴿وَتَنْحِتُونَ:﴾ الواو:
حرف عطف. (تنحتون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿مِنَ الْجِبالِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿بُيُوتاً﴾. كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة المشهورة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» ﴿بُيُوتاً:﴾
مفعول به. ﴿فارِهِينَ:﴾ حال من واو الجماعة. هذا؛ والكلام: ﴿أَتُتْرَكُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول؛ إذ هو من مقول صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾
الشرح: أمر صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قومه بتقوى الله تعالى، وبأن يطيعوه فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه، ونهاهم عن طاعة المسرفين المفسدين في الأرض،
стр. 4225
ولم يصلحوا أنفسهم بالعمل الصالح. قيل: المراد بهؤلاء المفسدين: التسعة؛ الذين عقروا الناقة، كما ستقف عليه في الآية رقم [٤٨] من سورة (النمل) إن شاء الله تعالى.
الإعراب: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ:﴾ انظر إعراب هذه الآية برقم [١٠٨]. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُطِيعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعله، والألف للتفريق، ﴿أَمْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة: ﴿الْمُسْرِفِينَ،﴾ أو بدل منه، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو أذم الذين، ونحوه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف التقدير: هم الذين. ﴿يُفْسِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُصْلِحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، لا محل لها مثلها، والكلام: ﴿فَاتَّقُوا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول أيضا؛ لأنه من مقول صالح على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٥٤)﴾
الشرح: ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ أي: من الذين سحروا كثيرا، حتى غلب على عقولهم، وقيل: من المعللين بالطعام والشراب. قاله ابن عباس، والكلبي، وقتادة، ومجاهد أيضا فيما ذكر الثعلبي، وهو على هذا القول من السّحر، بضم السين وسكون الحاء، وجمعه:
أسحار، كبرد وأبراد، وكذا بالفتح، والسكون، وجمعه: سحور، كفلس، وفلوس، وهو على اللغتين الرئة. انتهى. مختار الصحاح. فيكون المعنى: أنت بشر لك رئة تأكل، وتشرب مثلنا، فمن أين أتاك ما تدعيه من النبوة. قال لبيد-﵁: [الطويل]
فإن تسألينا فيم نحن فإنّنا... عصافير من هذا الأنام المسحّر؟
وقال امرؤ القيس: [الوافر]
أرانا موضعين لأمر غيب... ونسحر بالطّعام وبالشّراب
«موضعين»: مسرعين، وأمر غيب: يريد الموت، وأنه قد غيب عنا وقته، ونحن نلهو بالطعام، والشراب. ﴿ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا:﴾ فأي فضل لك علينا، وأية ميزة تتعالى فيها. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ:﴾ تدل على صدقك فيما تدعيه. وانظر (ائت) في الآية رقم [١٠].
стр. 4226
هذا؛ و ﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على الإنسان ذكرا كان، أو أنثى، مفردا، كان أو جمعا، مثل كلمة:
الفلك، تطلق على المفرد، والجمع. وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ وبشر يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم)، ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون)، ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
وأما (مثل) فهو بكسر الميم وسكون الثاء، ومثله: مثيل، وشبه، وشبيه، وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير، وغيره من المعارف؛ ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ كما في هذه الآية، ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهو واضح في مواضعه، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول بمعنى الشبيه، كما في الآية الكريمة، ونحوها. والثاني:
بمعنى نفس الشيء وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم، حيث قال:
المعنى: ليس كذاته شيء. والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: بما آمنتم به، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون).
هذا؛ وأما المثل في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً..﴾. إلخ وشبهه، فهو عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، بينهما مشابهة ليتبين أحدهما من الآخر ويصوره. وقيل:
هو تشبيه شيء بشيء آخر. وبالجملة هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه أي هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن الأمثال لا تغير تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل؛ أي: أصله، مثل (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنَّما:﴾
كافة، ومكفوفة. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْتَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُنا:﴾ صفة: ﴿بَشَرٌ،﴾ و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فَأْتِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، انظر الآية رقم [١٠٨]، (ائت): فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت». ﴿بِآيَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها
стр. 4227
جواب شرط مقدر، التقدير: وإذا كنت صادقا فيما تدعيه؛ ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ تدل على صدقك، وقد دل على هذا الشرط ما بعده، ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان، وجملة: ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. والكلام: ﴿إِنَّما أَنْتَ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجواب الشرط محذوف.
﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾
الشرح: روي: أن قوم صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-طلبوا منه علامة تدل على صدقه، فقالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا؛ أي:
ولدا، فقال له جبريل-﵇: صل ركعتين، وسل ربك الناقة. ففعل، فخرجت الناقة، وبركت بين أيديهم، ونتجت سقبا مثلها في العظام، فقال لهم صالح-﵇: هذه ناقة كما طلبتم، فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء، وكانوا يشربون جميعا من ماء واحد، فقال لهم: للناقة الماء في يوم، ولكم الماء في يوم آخر، فكانت تشرب الماء كله في يوم شربها، وعند المساء يحلبونها فيشربون لبنها، وتكفيهم عن الماء، وفي يوم شربهم يشربون منها وتكفي مواشيهم، وأرضهم، ليس لهم في يوم ورودها أن يشربوا من الماء شيئا أبدا، ولا لها أن تشرب في يومهم من مائهم شيئا. هذا؛ والشّرب بكسر الشين: الحظ من الماء، وأما المصدر؛ فهو بتثليث الشين من شرب، يشرب، والشّرب بفتح الشين: جمع شارب، كما قال الأعشى في معلقته رقم [٤١]: [البسيط]
فقلت للشّرب في درنا وقد ثملوا: ... شيموا، فكيف يشيم الشّارب الثّمل؟
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى صالح. ﴿هذِهِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه ينبه به المخاطب على ما يساق من الكلام، (ذه): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿ناقَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿شِرْبٌ:﴾
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة: ﴿ناقَةٌ﴾. ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.
(لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شِرْبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. و ﴿شِرْبٌ﴾ مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مَعْلُومٍ:﴾ صفة ﴿يَوْمٍ،﴾ والجملة الاسمية: (لكم شرب...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع صفة مثلها، والرابط في الأولى رابط في الثانية، والجملة الاسمية: ﴿هذِهِ ناقَةٌ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 4228
﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾
الشرح: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ:﴾ من عقر، أو ضرب. والسوء: الشر، والفساد، والجمع:
أسواء، وهو بضم السين من: ساءه، وهو بفتح السين المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء، وتأنيثه: السّوأى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾. هذا؛ وقد نهاهم صالح ﵇ عن المسّ الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء، الجامع لأنواع الأذى، مبالغة في النهي، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٨] و [٤٩] من سورة (النمل) فإنه جيد.
﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ:﴾ هذا؛ ووصف اليوم الذي يقع فيه العذاب بالعظم، وهو أبلغ من وصف العذاب؛ لأن الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظام أشد. هذا؛ وقد وصفه بسورة (هود) ب: ﴿قَرِيبٌ﴾.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَمَسُّوها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (ها): مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ:﴾ الفاء: للسببية.
(يأخذكم): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والكاف مفعول به. ﴿عَذابُ:﴾
فاعل، وهو مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة ﴿يَوْمٍ﴾. وإن اعتبرته صفة ﴿عَذابُ؛﴾ فيكون قد جر على الجوار، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم مسّ للناقة، فأخذ لكم بسببه عذاب عظيم.
وجملة (لا تمسوها...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧)﴾
الشرح: روي: أن رجلا منهم يقال له: مسطح ألجأ الناقة إلى مضيق في شعب، فرماها بسهم، فأصاب رجلها، فسقطت، ثم ضربها قدار بن سالف برضاهم. وروي: أن عاقرها قال:
لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم رضوا بذلك، وندمهم المذكور لم يكن توبة، بل ندم على عقرها لمّا رأوا مقدمات العذاب؛ الذي توعدهم به صالح في ثلاثة أيام التي صرحت بها آية هود، وهي قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ كما أن ندم قابيل لم يكن توبة من قتل أخيه هابيل، بل ندم على حمله، كما رأيت في سورة (المائدة)، أو ندموا حين لا ينفع الندم، وذلك عند معاينة العذاب. هذا؛ والعقر في الأصل: قطع عرقوب
стр. 4229
البعير، ثم جعل النحر عقرا؛ لأن ناحر البعير يعقره، ثم ينحره، وباب: عقر: ضرب. هذا؛ وكان «قدار» المذكور أحمر، أزرق العينين، قصيرا، كما كان فرعون كذلك، قال النبي ﷺ :
«يا عليّ! أشقى الأوّلين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتلك». ولا تنس: أنه لا يراد بأصبحوا التوقيت، بل هي بمعنى: صاروا.
الإعراب: ﴿فَعَقَرُوها:﴾ الفاء: حرف استئناف. (عقروها): ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَصْبَحُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أصبحوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿نادِمِينَ:﴾ خبر (أصبح) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾
الشرح: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ:﴾ وهي الرجفة المصرح بها في الآية رقم [٧٨] من سورة (الأعراف)، والصيحة المصرح بها في الآية رقم [٦٧] من سورة (هود) والرجفة: هي الزلزلة الشديدة العظيمة، وأما الصيحة: فهي صيحة جبريل ﵇، وجمع بينهما بأن الزلزلة أتت من تحتهم، والصيحة من فوقهم؛ حتى هلكوا.
تنبيه: يروى: أن الناقة ولدت ولدا مثلها، ومكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبّا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر، فما ترفعه حتى تشرب كل ماء فيها، ثم تتفحج، فيحلبون منها ما شاؤوا حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون، ويدخرون، وكانت تصيّف بظهر الوادي، فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه، فتهرب منها مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم، وزينت عقرها لهم عنيزة أم غنم، وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلا اسمه قارة، فرغا ثلاثا، فقال لهم صالح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه، حيث انفجّت الصخرة بعد رغائه، فدخلها، فقال لهم صالح: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يصبحكم العذاب. فلما رأوا العلامات؛ طلبوه؛ ليقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين، ولما كانت ضحوة اليوم الرابع، تحنطوا بالصّبر، وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء بعد الزلزلة، فتقطعت قلوبهم، فهلكوا.
وفي الخازن عن ابن عمر-﵄-قال: لمّا مرّ رسول الله ﷺ بالحجر؛ قال:
«لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين». ثم قنّع رأسه، وأسرع السير؛ حتى جاوز الوادي. متفق عليه. وعنه أيضا: أن الناس نزلوا مع رسول
стр. 4230
الله ﷺ على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوه، ويعلفوا الإبل بالعجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. رواه الشيخان. وهذا كان في طريقه ﷺ إلى تبوك، وهو يدل على أن ديار ثمود كانت شمال المدينة، بينها وبين تبوك، ولقد ذكر الله تعالى ذلك في سورة (الحجر): ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾.
والحجر منازل قوم صالح، جاء في مختار الصحاح: والحجر: منازل ثمود، ناحية الشام عند وادي القرى. وقال عبد الوهاب النجار رحمه الله تعالى: وموقعها بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف خرج بهم صالح ﵊ بعد هلاك قومه من فلسطين إلى حضرموت، فلما دخلوها مات صالح، فسميت الأرض حضرموت، ثم بنوا فيها أربعة آلاف مدينة، وسموها: حاضوراء. وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة. انتهى. من الخازن. وذكر السيوطي في التحبير: أنه عاش مئتين وثمانين سنة، وهذا أولى بالاعتبار وأقرب إلى الصواب.
الإعراب: ﴿فَأَخَذَهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذهم): فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. لا محل لها أيضا، وانظر إعراب الباقي في الآيتين رقم [٨] و [٩] والله الموفق، والمعين، وبه نستعين.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥)﴾
الشرح: أي: أتأتون من بين أولاد آدم ﵇-على فرط كثرتهم، وتفاوت أجناسهم، وغلبة إناثهم على ذكورهم في الكثرة-ذكرانهم، كأن الإناث قد أعوزتكم. أو: أتأتون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران، يعني: أنكم يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة،
стр. 4231
و (العالمون) على هذا القول: كل من ينكح من الحيوان، وعلى الأول الناس. انتهى. كشاف.
هذا؛ و ﴿الذُّكْرانَ﴾ جمع: ذكر، وهو ضد الأنثى، ويجمع أيضا على: ذكور، وذكارة كحجارة.
الإعراب: ﴿أَتَأْتُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، (تأتون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ﴿الذُّكْرانَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الذُّكْرانَ،﴾ والآية الكريمة في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول لوط لقومه.
﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦)﴾
الشرح: ﴿وَتَذَرُونَ:﴾ تتركون، ﴿ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ أي: لأجل استمتاعكم، ﴿مِنْ أَزْواجِكُمْ:﴾
لبيان ما خلق إن أريد به جنس الإناث، أو للتبعيض، إن أريد به العضو المباح منهن، فيكون تعريضا بأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم أيضا. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أي: متجاوزون الحلال إلى الحرام؛ لأن معنى العادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، وهم تجاوزوا حد الشهوة، حيث زادوا على سائر الناس، بل الحيوانات في فعلهم الشنيع، أو: هم مفرطون في المعاصي، وهذا الذي يفعلونه من جملة ذلك، أو هم أحقاء بأن يوصفوا بالعدوان لارتكابهم هذه الجريمة العظيمة. وانظر شرح (أزواج) في الآية رقم [٧٤] من سورة (الفرقان).
الإعراب: ﴿وَتَذَرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف، (تذرون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.
﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعل، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة:
﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تذرون الذي، أو شيئا خلقه لكم ربكم، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿مِنْ أَزْواجِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، الذي رأيت تقديره، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وانتقال.
﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبره. ﴿عادُونَ:﴾
صفة ﴿قَوْمٌ﴾ مرفوع مثله. وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧)﴾
الشرح: قال قوم لوط له: إن لم تنته عما تدعيه، أو عن نهينا عما نفعل، أو: إن لم تنته عن تقبيحه وتشنيعه؛ لنخرجنك من بلدتنا، وننفيك منها، ولعلّهم كانوا يخرجون من كرهوه على
стр. 4232
عنف وقهر. وانظر إعراب هذه الآية بكاملها برقم [١١٦] وإن اختلفت بعض الكلمات، فالإعراب واحد.
﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: لوط ﵇، ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أي: اللواط، ﴿مِنَ الْقالِينَ﴾ أي:
المبغضين. والقلى: البغض، قال الله تعالى لحبيبه محمد ﷺ ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ أي:
ما تركك منذ اختارك، وما أبغضك منذ أحبك. تقول: قليته، أقليه قلى، وقلاء. قال امرؤ القيس: [الطويل]
صرفت الهوى عنهنّ من خشية الرّدى... فلست بمقليّ الخلال ولا قالي
وقوله: ﴿مِنَ الْقالِينَ﴾ أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قال؛ لدلالته على أنه معدود في زمرة المبغضين لهذا العمل الشنيع، ولفاعليه، ومشهور بأنه من جملتهم. ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ:﴾ دعا الله لمّا أيس من إيمانهم ألا يصيبه شيء من العذاب؛ الذي سينزل بهم.
هذا؛ و «الأهل»: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة وذو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾. والجمع: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾. سورة (التحريم) [٦].
تنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-ونداء الرب قد كثر حذف (ياء) النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أنّ في حذفها من نداء الرب فيه معنى التعظيم له والتنزيه، وذلك: أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد! فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد! فحذفت (يا) من نداء الرّبّ، لنزول معنى الأمر، وينقص؛ لأنّ «يا» تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف «يا» التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام العربي في نداء الرب لذلك المعنى، وانظر شرح (الرب) في الآية رقم [٩].
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى لوط. ﴿إِنِّي:﴾
حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها، وحذفت نون الوقاية جوازا. ﴿لِعَمَلِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بخبر محذوف. التقدير: قال لعملكم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مِنَ الْقالِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة للخبر المحذوف الذي رأيت تقديره، ولو علقت الجار والمجرور بمحذوف خبر ﴿إِنِّي﴾ لتعلق ﴿لِعَمَلِكُمْ﴾ ب ﴿الْقالِينَ،﴾ فيفضي إلى تقديم معمول الصلة على الموصول، وهو (أل) مع أنه لا يجوز. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة
стр. 4233
على ما قبل ياء المتكلم، المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: يا ربّي، ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة، فيقول:
يا ربّي، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا ربّا، ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الباء دليلا عليها، فيقول: يا ربّ، ففيه خمس لغات ذكرها ابن مالك رحمه الله تعالى بقوله: [الرجز]
واجعل منادى صحّ إن يضف ل: «يا» ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
هذا؛ ويزاد سادسه، وهي البناء على الضم، والقطع عن الإضافة تشبيها له بالنكرة المقصودة، فيقول: «يا ربّ». ﴿نَجِّنِي:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿وَأَهْلِي:﴾ الواو: حرف عطف. «أهلي»:
معطوف على ياء المتكلم، أو هو مفعول معه منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، «فعلى الأولين» مبنية على السكون في محل جر ب: «من»، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نجني وأهلي من الذي، أو من شيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر ب: «من»؛ إذ التقدير: نجني وأهلي من عملهم، والكلام: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ إِنِّي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾
الشرح: ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: أنجى الله لوطا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ومن آمن معه من أهله، ولم يكن معه أحد سوى ابنتيه، فلم يؤمن به أحد لقوله في سورة (هود): ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ فلم يوجد فيهم رجل رشيد يهتدي إلى الحق، والصواب، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ:﴾ وهي امرأته، فإنها كانت تسر الكفر، واسمها: واهلة كانت من الغابرين، أي: من الذين بقوا في العذاب، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث، مثل قوله تعالى في حق مريم: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ هذا؛ والغابرين جمع اسم فاعل من: غبر الشيء: بقي، وغبر أيضا: مضى، فهو من الأضداد، وبابه
стр. 4234
دخل. انتهى. مختار. هذا؛ ولذا يمكن أن يقال: في غابر الأزمان، وحاضرها، كما يقال: في غابر الأزمان، وماضيها، وقال أبو ذؤيب الهذلي في رثاء أولاده: [الكامل]
فغبرت بعدهم بعيش ناصب... وإخال أنّي لاحق مستتبع
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ:﴾ أهلكناهم. ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً﴾ أي: وأنزلنا عليهم من السماء مطرا عجيبا، وهو مبيّن في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ وهذه الحجارة قد عجنت بالكبريت، والنار. هذا؛ ويقال: مطرت السماء، وأمطرت. وقال أبو عبيدة: يقال في العذاب:
أمطرت، وفي الرحمة: مطرت. ﴿فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: بئس المطر الذي أمطره المنذرون، وهم قوم لوط؛ لأنه كان فيه هلاكهم.
قال مجاهد رحمه الله تعالى: نزل جبريل، ﵊، فأدخل جناحيه تحت مدائن قوم لوط، فاقتلعها، ورفعها إلى السماء، ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها، ثم أتبعوا بالحجارة، أي على من كان خارجا من القرى التي قلبها جبريل ﵇. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: إن النبي ﷺ حذر أمته أن يقع فيهم ما وقع بقوم لوط من العذاب إذا فعلوا فعلهم، وذلك بقوله ﷺ : «سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرّجال، ونساؤهم بالنساء، فإذا كان ذلك، فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجّيل». ثم تلا آخر آية رقم [٨٣] من سورة (هود): ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ وفي رواية عنه، ﵊: «لا تذهب اللّيالي والأيّام حتّى تستحلّ هذه الأمّة أدبار الرجال، كما استحلّوا أدبار النّساء، فتصيب طوائف هذه الأمة حجارة من ربّك».
الإعراب: ﴿فَنَجَّيْناهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (نجيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به.
﴿وَأَهْلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أهله): معطوف على الضمير المنصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المنصوب وما عطف عليه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عَجُوزاً:﴾ مستثنى من (أهله). ﴿فِي الْغابِرِينَ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿عَجُوزاً،﴾ وجملة: ﴿فَنَجَّيْناهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿دَمَّرْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْآخَرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَأَمْطَرْنا:﴾ الواو:
حرف عطف. (أمطرنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿مَطَراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَمْطَرْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿فَساءَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ساء): فعل ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿مَطَرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هو مطرهم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
стр. 4235
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾
انظر شرح هاتين الآيتين وإعرابهما برقم [٨] و [٩]، وذلك بغية الاختصار من وقت وغيره.
﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧)﴾
الشرح: ﴿أَصْحابُ:﴾ جمع: صاحب، يكون بمعنى الصديق، والزوج، ويكون بمعنى المالك، كقولك: صاحب الدار؛ أي: مالكها، وما هنا منه، ويجمع على أصحاب، وصحب، وصحابة، وصحبة، وصحاب، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب. ﴿الْأَيْكَةِ:﴾ الأيك: الشجر الملتف الكثير، الواحدة: أيكة، والأيكة: الغيضة، وقرئ «(ليكة)» على أنه اسم للقرية. قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: قد وقع لفظ الأيكة في القرآن أربع مرات في (الحجر)، وفي (ق) وما هنا، وفي (ص)، والأولان بأل والجر لا غير، والآخران يقرآن بأل وبالجر وبالصرف مع فتح التاء، مع أن الكل مجرورات بإضافة لفظ أصحاب إليها. انتهى. نقلا عن شيخه.
﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ انظر ما قلته في جمعه في الآية رقم [١٠٥] ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ:﴾ لم يقل أخوهم كما قال تعالى في إخوته لأهل مدين؛ لأنه لم يكن من أهل بلدتهم، ولا من عشيرتهم، وإخوته لأهل مدين أخوة نسب، وبلد، لا أخوة دين، كما ذكرت في أخوة الرسل لأقوامهم الذين أرسلوا إليهم، وشعيب على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام هو ابن ميكيل، بن يشجر، بن مدين، بن إبراهيم ﵇، وأم ميكيل هي بنت لوط ﵇. ﴿أَلا تَتَّقُونَ:﴾ إنما كان جواب جميع الرسل الذين تقدم ذكرهم واحدا على صيغة واحدة، وهي التقوى؛ لأنهم متفقون على الأمر بالتقوى، والطاعة، والإخلاص في العبادة، وكذلك الامتناع عن أخذ الأجر على تبليغ الرسالة.
هذا؛ وبعد أن أهلك الله قوم مدين، ونجى شعيبا، والذين آمنوا معه، كما رأيت في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) أرسله الله إلى أصحاب الأيكة، وهي غيضة تنبت ناعم الشجر، كانت بقرب مدين، تسكنها طائفة من عباد الله، قيل: كانوا بادية مدين، وكان شعيب أجنبيا منهم، وكانوا على مثل طريقة أهل مدين، من بخس للكيل، والميزان، فلما نهاهم عما هم فيه كذبوه، ظنا منهم: أنّ الله لا يرسل إلى البشر هداة منهم، جهلا منهم بأن الله أعلم حيث يجعل رسالته.
الإعراب: ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَصْحابُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿الْأَيْكَةِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة. وعلى قراءة «(ليكة)» فعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة
стр. 4236
عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شُعَيْبٌ:﴾ فاعل. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: ﴿كَذَّبَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠)﴾
انظر شرح هذه الآيات وإعرابها في الآية رقم [١٠٧] وما بعدها على الترتيب.
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾
الشرح: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ:﴾ أتموه للناس إذا كلتم لهم. ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي:
الناقصين لحقوق الناس في الكيل والوزن. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ:﴾ بالميزان السوي، صغيرا كان، أو كبيرا، قيل: هو رومي، وقيل: هو سرياني عرّب، والأصح أنه عربي مأخوذ من القسط، وهو العدل، قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾.
﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ:﴾ ولا تنقصوا الناس، يقال: بخسته حقه: إذا نقصته إياه. وقد نصب مفعولين؛ لأنه بمعنى: تنقصوا. ﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ دراهمهم، ودنانيرهم، قيل: إنهم كانوا يقصون أطراف الدراهم والدنانير. ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ:﴾ ولا تبالغوا فيها بالإفساد، نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع، وكانوا يفعلون ذلك، فنهوا عنه. هذا؛ وفي مختار الصحاح:
عثا في الأرض: أفسد، وبابه: سما، وعثي بالكسر عثوّا أيضا، وعثى بفتحتين بوزن فتى، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قال الأزهري: القراء كلهم متفقون على فتح الثاء، دل على أن القرآن نزل باللغة الثانية. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ واسم الفاعل منه: عاث، والأول من الباب الأول، والثاني من الباب الرابع، والثالث من الباب الثالث.
هذا؛ و (زنوا): أمر، ماضيه: وزن، ومضارعه: يزن، أصله: يوزن، حذفت الواو من مضارعه لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء، والكسرة، والأمر منه: اوزن، حذفت الواو، وتلتها
стр. 4237
الألف في الحذف، فصار: زن، وهذا الحذف قياسي في كل فعل ثلاثي مثال، واوي مكسور عين المضارع، مثل: وعد، يعد، عد، ووقف، يقف، قف.
﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ جمع شيء، وهو في اللغة عبارة عن كل موجود، إما حسا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت: شيئا، وجمع الشيء: أشياء غير مصروف، واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: أن وزنه: شيئاء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت: لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: آدر وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا.
﴿الْمُسْتَقِيمِ:﴾ أصله المستقوم؛ لأنه من: استقام، وهو أجوف، واوي، فقل في إعلاله:
اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، فصار: (المستقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.
الإعراب: ﴿أَوْفُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿الْكَيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنَ الْمُخْسِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا﴾. ﴿وَزِنُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (زنوا): فعل أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْقِسْطاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمُسْتَقِيمِ:﴾
صفة (القسطاس). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَبْخَسُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) ... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول.
﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، (لا): ناهية جازمة. ﴿تَعْثَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُفْسِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، وهي مؤكدة؛ لأنها من معنى الفعل كما رأيت في الشرح منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول شعيب على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
فائدة: الحال على نوعين: إما مؤسسة، وإما مؤكدة، فالمؤسسة هي التي لا يستفاد معناها بدونها نحو: جاء زيد ضاحكا، ونحوه، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع مبينة هيئة فاعل، أو مفعول. والمؤكدة: هي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهذه ثلاثة أنواع:
стр. 4238
الأول: ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأول نحو قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها﴾ ومنه الآية التي نحن بصدد إعرابها. والثاني نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾.
النوع الثاني: ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾.
النوع الثالث: ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو:
«هو الحق بيّنا، أو صريحا». وقول سالم بن دارة اليربوعي، وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا «فتح رب البرية»: [البسيط]
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟
وانظر الآية رقم [٧٦] من سورة (الفرقان)؛ لأنواع الحال بالنسبة للزّمان.
﴿وَاِتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾
الشرح: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: خافوا، ووحّدوا، واعبدوا الذي خلقكم من العدم، وأنشأكم من ماء مهين. ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: الجماعة، والأمم الأولين، الذين كانوا على خلقة، وطبيعة عظيمة، كأنها الجبال قوة، وصلابة، ولا سيما قوم هود الذين بلغت بهم الشدة حتى قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. انتهى. جمل.
وقال مجاهد: الجبلة الخليقة، وجبل فلان على كذا، أي: خلق، فالخلق جبلّة، وجبلّة، وجبلة، وجبلة، وجبلة. ذكره النحاس في معاني القرآن. وقال الهروي: الجبلّة، والجبلة، والجبلّ، والجبلّ والجبل لغات، وهو الجمع الكثير من الناس، ومنه قوله تعالى في سورة (يس): ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾. وقال النحاس أيضا: كلها لغات، وتحذف الهاء من هذا كله، وقرأ الحسن باختلاف عنه: «(والجبلّة الأولين)» بضم الجيم والباء، وروي عن شيبة والأعرج، والباقون بالكسر، قال الشاعر: [مجزوء الكامل]
والموت أعظم حادث... فيما يمرّ على الجبلّة
انتهى. كله من القرطبي بتصرف بسيط.
الإعراب: ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به،
стр. 4239
والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَالْجِبِلَّةَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الجبلة): معطوف على الكاف الواقعة مفعولا. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة (الجبلة) منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦)﴾
الشرح: ﴿قالُوا إِنَّما﴾ ... ﴿مِثْلُنا:﴾ هذا الكلام تقدم شرحه وإعرابه في الآيتين [١٥٣] و [١٥٤] مع فارق بينهما، وهو زيادة الواو هنا، وتركها هناك، وفرق بينهما الزمخشري ﵀؛ حيث قال: إذا أدخلت الواو؛ فقد قصد معنيان، كلاهما مناف للرسالة عندهم: التسحير، والبشرية، وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا، ولا يجوز أن يكون بشرا. وإذا تركت الواو؛ فلم يقصد إلا معنى واحد، وهو كونه مسحرا، ثم قرر بكونه بشرا مثلهم.
﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي: ما نظنك إلا من الكاذبين. هذا عند الكوفيين، وعند البصريين. التقدير: وإنا لنظنك من الكاذبين فيما تدعيه. والمراد بالظن هنا: الطرف الراجح، المفيد لليقين. وانظر الإعراب، والله الموفق إلى الحق، والصواب، وإليه المرجع، والماب.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها.
﴿نَظُنُّكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين النافية، والمهملة. (من الكاذبين): جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وهذا عند البصريين، والمتعلق محذوف، التقدير: فيما تدعيه من النبوة، والرسالة.
قال النسفي تبعا للزمخشري: وإنما تفرقتا: أي: (إن) المخففة، و (اللام الفارقة) على فعل الظن وثاني مفعوليه؛ لأن أصلهما أن يتفرقا على المبتدأ، والخبر، كقولك: إن زيدا لمنطلق، فلما كان بابا: «كان» و «ظننت» من جنس المبتدأ والخبر؛ فعل ذلك في البابين، فقيل: إن كان زيد لمنطلقا، وإن ظننته لمنطلقا. انتهى. والجملة القرآنية التي تشبه هذه الجملة هي قوله تعالى:
﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ هذا؛ وأما الكوفيون فيعتبرون (إن) نافية، واللام بمعنى: «إلا» وباقي الإعراب مثل البصريين، والجملة الفعلية على الإعرابين في محل نصب حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر.
стр. 4240
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٨٧)﴾
الشرح: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ أي: جانبا من السماء، وقطعة منه، فننظر إليه، كما قال تعالى في سورة (الطور): ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾. وقيل: أرادوا نزول العذاب، وهو مبالغة في التكذيب. قال أبو عبيدة: الكسف جمع: كسفة، مثل: سدر، وسدرة، وهو بتسكين السين، وقراءة حفص بفتح السين، جمع: كسفة أيضا، وهي القطعة، والجانب، مثل كسرة، وكسر، ويقال: الكسف، والكسفة واحد. وقال الأخفش: من قرأ:
«(كسفا)» جعله واحدا، ومن قرأ (كسفا) جعله جمعا. وقال الهروي: من قرأ: «(كسفا)» على التوحيد، فجمعه: أكساف، وكسوف، كأنه قال: أو تسقطه علينا طبقا واحدا، وهو من: كسفت الشيء كسفا: إذا غطيته انتهى. قرطبي. والذي طلبه قوم شعيب في هذه الآية طلبه قوم محمد ﷺ في الآية رقم [٩٢] من سورة (الإسراء)، وانظر الآية رقم [٤٨] من سورة (الروم). هذا؛ والسماء يذكر، ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء:
المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء؛ حتى أتيناكم. قال معاوية بن مالك: [الوافر]
إذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه، وإن كانوا غضابا
أراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في رعيناه بمعنى النبات، ويسمى هذا في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، وجمع السماء: السموات، وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يذكرها الله بلفظ الجمع، إلا ويذكر معها الأرض، وكثيرا ما يخصهما الله بالذكر دون مصنوعاته؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، ويجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة في الصفات، والآثار، والحركات، ويقدمها بالإفراد والجمع على الأرض لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَأَسْقِطْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كنت صادقا فيما تدعيه، فأسقط وقد دل على هذا الشرط ما بعده. (أسقط): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كِسَفاً:﴾ مفعول به.
﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿كِسَفاً﴾. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٥٤]. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول أصحاب الأيكة، كما هو واضح.
следующие страницы →