Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شُعَيْبٌ:﴾ فاعل. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: ﴿كَذَّبَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠)﴾
انظر شرح هذه الآيات وإعرابها في الآية رقم [١٠٧] وما بعدها على الترتيب.
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾
الشرح: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ:﴾ أتموه للناس إذا كلتم لهم. ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي:
الناقصين لحقوق الناس في الكيل والوزن. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ:﴾ بالميزان السوي، صغيرا كان، أو كبيرا، قيل: هو رومي، وقيل: هو سرياني عرّب، والأصح أنه عربي مأخوذ من القسط، وهو العدل، قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾.
﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ:﴾ ولا تنقصوا الناس، يقال: بخسته حقه: إذا نقصته إياه. وقد نصب مفعولين؛ لأنه بمعنى: تنقصوا. ﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ دراهمهم، ودنانيرهم، قيل: إنهم كانوا يقصون أطراف الدراهم والدنانير. ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ:﴾ ولا تبالغوا فيها بالإفساد، نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع، وكانوا يفعلون ذلك، فنهوا عنه. هذا؛ وفي مختار الصحاح:
عثا في الأرض: أفسد، وبابه: سما، وعثي بالكسر عثوّا أيضا، وعثى بفتحتين بوزن فتى، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قال الأزهري: القراء كلهم متفقون على فتح الثاء، دل على أن القرآن نزل باللغة الثانية. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ واسم الفاعل منه: عاث، والأول من الباب الأول، والثاني من الباب الرابع، والثالث من الباب الثالث.
هذا؛ و (زنوا): أمر، ماضيه: وزن، ومضارعه: يزن، أصله: يوزن، حذفت الواو من مضارعه لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء، والكسرة، والأمر منه: اوزن، حذفت الواو، وتلتها
стр. 4237
الألف في الحذف، فصار: زن، وهذا الحذف قياسي في كل فعل ثلاثي مثال، واوي مكسور عين المضارع، مثل: وعد، يعد، عد، ووقف، يقف، قف.
﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ جمع شيء، وهو في اللغة عبارة عن كل موجود، إما حسا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت: شيئا، وجمع الشيء: أشياء غير مصروف، واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: أن وزنه: شيئاء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت: لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: آدر وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا.
﴿الْمُسْتَقِيمِ:﴾ أصله المستقوم؛ لأنه من: استقام، وهو أجوف، واوي، فقل في إعلاله:
اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، فصار: (المستقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.
الإعراب: ﴿أَوْفُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿الْكَيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنَ الْمُخْسِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا﴾. ﴿وَزِنُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (زنوا): فعل أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْقِسْطاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمُسْتَقِيمِ:﴾
صفة (القسطاس). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَبْخَسُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) ... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول.
﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، (لا): ناهية جازمة. ﴿تَعْثَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُفْسِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، وهي مؤكدة؛ لأنها من معنى الفعل كما رأيت في الشرح منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول شعيب على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
فائدة: الحال على نوعين: إما مؤسسة، وإما مؤكدة، فالمؤسسة هي التي لا يستفاد معناها بدونها نحو: جاء زيد ضاحكا، ونحوه، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع مبينة هيئة فاعل، أو مفعول. والمؤكدة: هي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهذه ثلاثة أنواع:
стр. 4238
الأول: ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأول نحو قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها﴾ ومنه الآية التي نحن بصدد إعرابها. والثاني نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾.
النوع الثاني: ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾.
النوع الثالث: ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو:
«هو الحق بيّنا، أو صريحا». وقول سالم بن دارة اليربوعي، وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا «فتح رب البرية»: [البسيط]
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟
وانظر الآية رقم [٧٦] من سورة (الفرقان)؛ لأنواع الحال بالنسبة للزّمان.
﴿وَاِتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾
الشرح: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: خافوا، ووحّدوا، واعبدوا الذي خلقكم من العدم، وأنشأكم من ماء مهين. ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: الجماعة، والأمم الأولين، الذين كانوا على خلقة، وطبيعة عظيمة، كأنها الجبال قوة، وصلابة، ولا سيما قوم هود الذين بلغت بهم الشدة حتى قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. انتهى. جمل.
وقال مجاهد: الجبلة الخليقة، وجبل فلان على كذا، أي: خلق، فالخلق جبلّة، وجبلّة، وجبلة، وجبلة، وجبلة. ذكره النحاس في معاني القرآن. وقال الهروي: الجبلّة، والجبلة، والجبلّ، والجبلّ والجبل لغات، وهو الجمع الكثير من الناس، ومنه قوله تعالى في سورة (يس): ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾. وقال النحاس أيضا: كلها لغات، وتحذف الهاء من هذا كله، وقرأ الحسن باختلاف عنه: «(والجبلّة الأولين)» بضم الجيم والباء، وروي عن شيبة والأعرج، والباقون بالكسر، قال الشاعر: [مجزوء الكامل]
والموت أعظم حادث... فيما يمرّ على الجبلّة
انتهى. كله من القرطبي بتصرف بسيط.
الإعراب: ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به،
стр. 4239
والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَالْجِبِلَّةَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الجبلة): معطوف على الكاف الواقعة مفعولا. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة (الجبلة) منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦)﴾
الشرح: ﴿قالُوا إِنَّما﴾ ... ﴿مِثْلُنا:﴾ هذا الكلام تقدم شرحه وإعرابه في الآيتين [١٥٣] و [١٥٤] مع فارق بينهما، وهو زيادة الواو هنا، وتركها هناك، وفرق بينهما الزمخشري ﵀؛ حيث قال: إذا أدخلت الواو؛ فقد قصد معنيان، كلاهما مناف للرسالة عندهم: التسحير، والبشرية، وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا، ولا يجوز أن يكون بشرا. وإذا تركت الواو؛ فلم يقصد إلا معنى واحد، وهو كونه مسحرا، ثم قرر بكونه بشرا مثلهم.
﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي: ما نظنك إلا من الكاذبين. هذا عند الكوفيين، وعند البصريين. التقدير: وإنا لنظنك من الكاذبين فيما تدعيه. والمراد بالظن هنا: الطرف الراجح، المفيد لليقين. وانظر الإعراب، والله الموفق إلى الحق، والصواب، وإليه المرجع، والماب.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها.
﴿نَظُنُّكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين النافية، والمهملة. (من الكاذبين): جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وهذا عند البصريين، والمتعلق محذوف، التقدير: فيما تدعيه من النبوة، والرسالة.
قال النسفي تبعا للزمخشري: وإنما تفرقتا: أي: (إن) المخففة، و (اللام الفارقة) على فعل الظن وثاني مفعوليه؛ لأن أصلهما أن يتفرقا على المبتدأ، والخبر، كقولك: إن زيدا لمنطلق، فلما كان بابا: «كان» و «ظننت» من جنس المبتدأ والخبر؛ فعل ذلك في البابين، فقيل: إن كان زيد لمنطلقا، وإن ظننته لمنطلقا. انتهى. والجملة القرآنية التي تشبه هذه الجملة هي قوله تعالى:
﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ هذا؛ وأما الكوفيون فيعتبرون (إن) نافية، واللام بمعنى: «إلا» وباقي الإعراب مثل البصريين، والجملة الفعلية على الإعرابين في محل نصب حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر.
стр. 4240
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٨٧)﴾
الشرح: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ أي: جانبا من السماء، وقطعة منه، فننظر إليه، كما قال تعالى في سورة (الطور): ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾. وقيل: أرادوا نزول العذاب، وهو مبالغة في التكذيب. قال أبو عبيدة: الكسف جمع: كسفة، مثل: سدر، وسدرة، وهو بتسكين السين، وقراءة حفص بفتح السين، جمع: كسفة أيضا، وهي القطعة، والجانب، مثل كسرة، وكسر، ويقال: الكسف، والكسفة واحد. وقال الأخفش: من قرأ:
«(كسفا)» جعله واحدا، ومن قرأ (كسفا) جعله جمعا. وقال الهروي: من قرأ: «(كسفا)» على التوحيد، فجمعه: أكساف، وكسوف، كأنه قال: أو تسقطه علينا طبقا واحدا، وهو من: كسفت الشيء كسفا: إذا غطيته انتهى. قرطبي. والذي طلبه قوم شعيب في هذه الآية طلبه قوم محمد ﷺ في الآية رقم [٩٢] من سورة (الإسراء)، وانظر الآية رقم [٤٨] من سورة (الروم). هذا؛ والسماء يذكر، ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء:
المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء؛ حتى أتيناكم. قال معاوية بن مالك: [الوافر]
إذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه، وإن كانوا غضابا
أراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في رعيناه بمعنى النبات، ويسمى هذا في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، وجمع السماء: السموات، وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يذكرها الله بلفظ الجمع، إلا ويذكر معها الأرض، وكثيرا ما يخصهما الله بالذكر دون مصنوعاته؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، ويجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة في الصفات، والآثار، والحركات، ويقدمها بالإفراد والجمع على الأرض لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَأَسْقِطْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كنت صادقا فيما تدعيه، فأسقط وقد دل على هذا الشرط ما بعده. (أسقط): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كِسَفاً:﴾ مفعول به.
﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿كِسَفاً﴾. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٥٤]. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول أصحاب الأيكة، كما هو واضح.
стр. 4241
﴿قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: شعيب، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي: من نقصان الكيل، والوزن، وبعذابه المنزل عليكم، ومما أوجبه لكم عليه في وقته المقدر له لا محالة، فإنه نازل بكم. فهو تهديد، ووعيد، وهو يفيد أيضا: إنما عليّ البلاغ، وليس إليّ العذاب الذي سألتموه. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: استمروا على كفرهم، وعنادهم وأعمالهم الخبيثة.
﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: أصابهم حرّ شديد، فأرسل الله سحابة فهربوا إليها ليستظلوا بها، فلما صاروا تحتها؛ صيح بهم، فهلكوا. وقيل: إن الله حبس عنهم الريح سبعة أيام، وسلّط عليهم الحر حتى أخذ بأنفاسهم، ولم ينفعهم ظلّ، ولا ماء، فكانوا يدخلون تحت الأسراب، ليتبردوا فيها، فيجدوها أشد حرا من الظاهر، فهربوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وهي الظلة، فوجدوا لها بردا، ونسيما، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. وقال يزيد الجريريّ: سلّط الله عليهم الحر سبعة أيام، ولياليهن، ثم رفع لهم جبل من بعيد، فأتاه رجل، فإذا تحته أنهار، وعيون، وشجر، وماء بارد، فاجتمعوا كلهم تحته، فوقع عليهم الجبل، وهو الظّلة، وقيل: غير ذلك. انتهى. قرطبي.
وقال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين: أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة، فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلّة، وأما أصحاب مدين فصاح بهم جبريل ﵇ صيحة، فهلكوا. انتهى.
أقول: وقد ذكر الله قصة شعيب مع أهل مدين بالتفصيل في سورة (الأعراف) وسورة (هود) وأما قصة أهل الأيكة فأشار في سورة (الحجر) إليها إشارة وباختصار، وقد فصلها في هذه السورة كما ترى، والأمّتان: أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة، كانت فعلتهم السيئة هي بخس الكيل، والميزان مقرونة بالكفر بالله، وعدم توحيده، وعبادته. قيل: آمن بشعيب من الأمتين تسعمئة نفر.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى شعيب تقديره: «هو». ﴿رَبِّي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو بمعنى عالم. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ وفاعله مستتر فيه، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية
стр. 4242
تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: أعلم بعملكم، والجملة الاسمية:
﴿رَبِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كذبوه): ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَخَذَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذهم): فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿عَذابُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف إليه، و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿الظُّلَّةِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَأَخَذَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها.
﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ،﴾ و ﴿عَذابُ﴾ مضاف، و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف إليه، ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة: ﴿يَوْمِ،﴾ وإن اعتبرته صفة:
﴿عَذابُ،﴾ فيكون قد جر على الجوار، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾
قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: هذا آخر القصص السبع المذكورة في هذه السورة على سبيل الاختصار، تسلية لرسول الله ﷺ ، وتهديدا، ووعيدا للمكذبين به، واطراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرسل به، واقتراحهم له، استهزاء، وعدم مبالاة به يدفع أن يقال:
إنه كان بسبب اتصالات فلكية، أو كان ابتلاء لهم، لا مؤاخذة على تكذيبهم. انتهى.
أما تكرير بعض الآيات في أول كل قصة وآخرها، كما رأيت بنصها، فقد قال عنه الزمخشري رحمه الله تعالى في كشافه ما يلي: كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن تختتم بما اختتمت به، ولأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس، وتثبيتا لها في الصدور؛ ألا ترى: أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا ترديد ما يراد تحفظه منها، وكلما زاد ترديده؛ كان أمكن له في القلب، وأرسخ في الفهم، وأثبت للذكر، وأبعد من النسيان، ولأن هذه القصص طرقت بها آذان، وفيها وقر عن الإنصات للحق، وقلوب غلف عن تدبره. فكوثرت بالوعظ، والتذكير، وروجعت بالترديد، والتكرير، لعل ذلك يفتح أذنا، أو يفتق ذهنا، أو يصقل عقلا، طال عهده بالصقل، أو يجلو فهما، قد غطى عليه تراكم الصدأ. انتهى.
بعد هذا أذكر: أن ذكر الرسل في هذه السورة الكريمة لم يأت مرتبا على وجودهم الزمني في هذه الدنيا؛ لأن ترتيبهم الزمني كما يلي: نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم إبراهيم ولوط كان في زمنه؛ لأنه ابن أخيه، كما قد ذكرت لك فيما سبق، ثم موسى، وشعيب، فإنهما كانا في زمن
стр. 4243
واحد، كما ستعرفه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، وإن كان شعيب أسنّ من موسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، أما إعراب الآيتين فانظره برقم [٨] و [٩] ففيه الكفاية.
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾
الشرح: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن الكريم. ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: فليس بشعر، ولا بكهانة، ولا أساطير الأولين، ولا غير ذلك مما قالوه. ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ أي: جبريل ﴿الْأَمِينُ:﴾ لأنه أمين على الوحي الذي فيه الحياة، وخاب، وخسر من يقول: تاه الأمين، فإنهم يزعمون: أن الرسالة كانت لعليّ، فتاه جبريل، وأعطاها لمحمد ﷺ . ﴿عَلى قَلْبِكَ:﴾ قال البيضاوي رحمه الله تعالى: هذا تقرير لحقية تلك القصص، وتنبيه على إعجاز القرآن، ونبوة محمد ﷺ ، فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها، لا يكون إلا وحيا من الله ، والقلب إن أريد به الروح؛ فذاك، وإن أريد به العضو؛ فتخصيصه؛ لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولا على الروح، ثم تنتقل منه إلى القلب؛ لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ، فينتقش بها لوح المتخيلة.
وقال الخازن: وإنما خص القلب بالذكر؛ لأنه هو المخاطب في الحقيقة، وإنه موضع التمييز، والفعل، والاختيار، وسائر الأعضاء مسخرة له، ويدل له قوله ﷺ : «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب». أخرجاه في الصحيحين، ومن المعقول: أن موضع الفرح، والسرور، والغم، والحزن هو القلب، فإذا فرح القلب، أو حزن يتغير حال سائر الأعضاء، فكان القلب كالرئيس لها، ومنه: أنّ موضع العقل هو القلب على الصحيح من القولين، فإذا ثبت ذلك؛ كان القلب هو الأمير المكلّف، وهو المطلق؛ لأن التكليف مشروط بالعقل، والفهم. انتهى.
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ:﴾ المخوفين من عذاب الله عمّا يؤدي إليه من فعل منهي عنه، أو ترك مأمور به، والخطاب للنبي ﷺ . ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ أي: واضح؛ لئلا يقول كفار قريش: ما نصنع بما لا نفهمه؛ لو نزل بغير العربية، وعلى هذا فالجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نَزَلَ،﴾ ويجوز تعليقهما ب ﴿الْمُنْذِرِينَ،﴾ فيكون المعنى: لتكون ممن أنذروا بلغة العرب، هم: هود، وصالح، وإسماعيل، وشعيب على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ والضمير المنصوب بقوله: (إنه) والمجرور بقوله: (به) عائدان على القرآن الكريم، ولم يتقدّم له ذكر، وهو مفهوم من المقام بلا ريب.
стр. 4244
﴿وَإِنَّهُ:﴾ هذا الضمير يحتمل عوده على القرآن الكريم، وعوده على النبي ﷺ ، ولم يتقدم له ذكر أيضا. ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ:﴾ فعلى الاعتبار الأول بعود الضمير يكون المعنى، إن هذا القرآن مثبت ذكره في سائر الكتب السماوية المتقدمة. وقيل: إن معانيه فيها، وفيه دليل للحنفية على أن القرآن قرآن، ولو ترجم بغير العربية، فيكون دليلا على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة، وعلى الاعتبار الثاني بعود الضمير يكون المعنى: إن ذكر محمد ﷺ مثبت في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾.
هذا؛ وانظر ما ذكرته في ﴿الرُّوحُ﴾ في الآية رقم [٨٥] من سورة (الإسراء)، وشرح:
(اللسان) في الآية رقم [٨٤]، وشرح ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان)، وإعلال ﴿مُبِينٍ﴾ في الآية رقم [٢]. هذا؛ والزبر: الكتب جمع: زبور، وهو الكتاب المقصور على الحكم، والمواعظ، من: زبرت الشيء: إذا حبسته. وقيل: الزبور: المواعظ والزواجر من وعظته: إذا زجرته، والمراد هنا جميع الكتب التي نزلت على المرسلين، فإنها جميعها بشرت بمحمد ﷺ وبأمته، ونوهت بشأن القرآن الكريم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتَنْزِيلُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تنزيل): خبر (إنّ)، و (تنزيل) مضاف، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿نَزَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الرُّوحُ﴾ الذي هو فاعله. ﴿الْأَمِينُ:﴾ صفة له. هذا؛ وقد قرئ بتشديد الزاي، ونصب: (الرّوح الأمين)، فيكون الفاعل ضميرا مستترا يعود إلى: ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ وعليه؛ فالجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ وعلى الأول؛ فالجملة الفعلية في محل نصب حال من: (تنزيل رب)، والرابط على الاعتبارين الضمير فقط.
﴿عَلى قَلْبِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿نَزَلَ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِتَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكون)، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نَزَلَ﴾. ﴿بِلِسانٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿نَزَلَ،﴾ أو ب ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾ حسب ما رأيت فيما تقدم في الشرح، وأجيز اعتبارهما بدلا من قوله: ﴿بِهِ﴾ بإعادة الجار. ﴿عَرَبِيٍّ مُبِينٍ:﴾
صفتان ل: (اللسان). ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير
стр. 4245
متصل في محل نصب اسمه. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في زبر): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، و ﴿زُبُرِ﴾ مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية:
﴿وَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ أي: لأهل مكة الذين أنكروا القرآن، ونبوة محمد ﷺ . ﴿آيَةً﴾ أي:
علامة تدل على صحة القرآن ونبوة سيد الأنام. هذا؛ وقرئ برفع ﴿آيَةً﴾ ونصبها، وقرئ ﴿يَكُنْ﴾ بالياء والتاء. ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: يعرفون صحة القرآن، وصدق نبوة الرسول ﷺ حيث ذكر بنعته في كتبهم، كما صرحت به الآية السابقة.
قال مجاهد: يعني عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وغيرهما ممن أسلم، كأسد، وأسيد، وثعلبة، وابن يامين؛ الذين أسلموا من اليهود. وقال عبد الله بن عباس-﵄: بعث أهل مكة إلى اليهود بالمدينة، يسألونهم عن محمد ﷺ ونبوته، فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد في التوراة نعته، وصفته. فيرجع لفظ العلماء إلى كل من كان له علم بكتبهم؛ أسلم، أو لم يسلم على هذا القول، وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين؛ لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمر الدين إلى أهل الكتاب؛ لأنهم مظنون بهم علم. انتهى. قرطبي.
أقول: قد تقدم في الآية رقم [٢٤] من سورة (الكهف) أن قريشا بعثوا عمرو بن العاص وغيره إلى المدينة المنورة يسألون اليهود عن محمد ﷺ ، فاقترحوا ثلاثة أسئلة على النبي ﷺ انظر ما ذكرته في شرح الآية المذكورة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتعجب. الواو: حرف استئناف. (لم):
حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف بالفعل ﴿يَكُنْ،﴾ على رأي من يجيز تعليق الجار والمجرور بالفعل الناقص، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آيَةً،﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة:
«نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿آيَةً:﴾ خبر ﴿يَكُنْ﴾ مقدم. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَعْلَمَهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿عُلَماءُ:﴾ فاعل، و ﴿عُلَماءُ﴾ مضاف، و ﴿بَنِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿يَكُنْ﴾ مؤخر.
стр. 4246
هذا؛ وقرأ ابن عامر: «(تكن)» بالتاء، و «(آية)» بالرفع، والفعل على هذه القراءة يحتمل النقصان والتمام، فعلى الأول يكون «(آية)» اسم «(تكن)» مؤخر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ في محل رفع بدل من (آية)، أو (إنّ) الاسم ضمير القصة، و (آية) خبر مقدم، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب خبر (تكن)، وأما على التمام ف: (آية) فاعل (تكن)، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ في محل رفع بدل من (آية)، والجار والمجرور: ﴿لَهُمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (آية) على مثال ما سبق، أو: هما متعلقان بالفعل (تكن)، وأجيز على التمام أيضا أن تكون (آية) فاعل (تكن)، والمصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي أن يعلمه. هذا؛ وأجاز الزجاج كون ﴿آيَةً﴾ اسم (تكن) على النقصان، والمصدر المؤول في محل نصب خبره، وهو مردود بأنه لا يخبر بالمعرفة عن النكرة إلا في ضرورة الشعر، كما في قول القطامي: [الوافر]
قفي قبل التّفرّق يا ضباعا... ولا يك موقف منك الوداعا
وأيضا قول حسان-﵁-قبل تحريم الخمرة من قصيدة يمدح بها النبي ﷺ ، ويندد بكفار قريش ويتهدّد شعراءهم: [الوافر]
كأنّ سبيئة من بيت رأس... يكون مزاجها عسل وماء
وهذان البيتان هما الشاهدان رقم [٨٢٢ - ٨٢٣] من كتابنا فتح القريب.
﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ:﴾ الضمير يعود إلى القرآن. ﴿عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ أي: على رجل ليس بعربي اللسان. ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا..﴾. إلخ: أي بغير لغة العرب؛ لما آمنوا، ولقالوا: لا نفقه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ الآية رقم [٤٤] من سورة فصلت، وقيل: معناه: ولو نزلناه على رجل ليس من العرب؛ لما آمنوا به أنفة، وكبرا، وعنادا، واستنكافا من اتباع العجم.
﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ:﴾ الضمير للكفر المدلول عليه بقوله: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فتدل الآية على أنه بخلق الله. وقيل: الضمير للقرآن، أي: أدخلناه في قلوب المجرمين، فعرفوا معانيه، وإعجازه، ثم لم يؤمنوا به عنادا. وهذا أقوى؛ لأن قوله تعالى: ﴿لا﴾
стр. 4247
يُؤْمِنُونَ بِهِ يؤيده، وذلك بإرجاع الضمير إلى القرآن أيضا، ﴿حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ أي:
الملجئ إلى الإيمان. هذا؛ ويؤيد إرجاع الضمير الأول للكفر قوله تعالى في سورة (الحجر):
﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ الآية رقم [١٢] وقد ذكرت هناك أن هذه الآية ترد على القدرية والمعتزلة، وهي أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق، ولم يعاند.
هذا؛ والسّلك: إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط، والرمح بالمطعون، وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. هذا؛ وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، ونحو ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات؛ فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن، واطّلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم؟ وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب، ورحم الله البيضاوي؛ حيث قال: والتعبير عن الكافرين بالمجرمين؛ ليكون لطفا للمؤمنين في ترك الجرائم. وأضيف في ترك الكذب، والفسوق، والإسراف، والظلم، والاعتداء، وغير ذلك من الأعمال التي يبغضها الله، ورسوله.
أما ﴿الْأَعْجَمِينَ:﴾ فهو جمع: أعجمي، والقياس: أعجميين، وبه قرأ الحسن، وقد حذفت ياء النسب من الأعجمين لثقلها، كما يقال: الأشعرين، جمع أشعريّ، وقيل: هو جمع:
أعجم، وفيه بعد؛ لأن ما كان من الصفات الذي مؤنثه (فعلاء) لا يجمع بالواو والنون، ولا بالألف والتاء، فلا يقال: أحمرون ولا حمراوات، وبالأول قال أبو الفتح بن جني، وهو مذهب سيبويه، والبصريين. وبالثاني قال الكوفيون. والمعتمد قول البصريين، وانظر ما ذكرته في سورة (الصافات) رقم [١٢٨].
والأعجمي: هو الذي لا يفصح في كلامه، والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم، ولا يتكلم بكلامهم أعجميّا. وقال الفراء: الأعجم: هو الذي في لسانه عجمة، وإن كان عربيّا، ومنه سمي زياد الأعجم؛ لأنه كان في لسانه عجمة، أي: لكنة مع كونه من العرب، والأعجمي، والعجمي: الذي أصله من العجم، فهو منسوب إليه. هذا؛ والأعرابي: هو الذي يسكن البادية، والعربي: هو الذي يسكن الأمصار من بلاد العرب، وهو منسوب إلى العرب، وجمع الأول:
الأعراب، كما في الآية رقم [٩٠] من سورة (التوبة) وما بعدها، وجمع الثاني: العرب، والعرب، والعرب واحد، كالعجم، والعجم، فبينهما طباق التضاد.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿نَزَّلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿عَلى بَعْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَعْضِ﴾ مضاف،
стр. 4248
و ﴿الْأَعْجَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فَقَرَأَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قرأه): فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿نَزَّلْناهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان ب ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ بعدهما. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿ما كانُوا..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها من الإعراب، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده؛ أي: سلكنا التكذيب به بقراءة النبي مثل إدخالنا التكذيب به في قلوبهم بقراءة الأعجمي، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿سَلَكْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، وانظر إعراب (أنجينا) في الآية رقم [١١٩]. ﴿فِي قُلُوبِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿قُلُوبِ﴾ مضاف، و ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو من:
﴿الْمُجْرِمِينَ،﴾ والرابط على الاعتبارين الضمير فقط، أو الجملة مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَرَوُا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿الْأَلِيمَ:﴾ صفة له، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَيَأْتِيَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يأتيهم): فعل مضارع معطوف على ﴿يَرَوُا﴾ منصوب مثله، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الْعَذابَ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. هذا؛ وقرأ الحسن: «(فتأتيهم)» بالتاء، والمعنى: فتأتيهم الساعة بغتة. فأضمرت لدلالة العذاب الواقع فيها، ولكثرة ما في القرآن من ذكرها. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من الفاعل المستتر بمعنى: باغتا، أو: باغتة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تبغتهم بغتة، وتكون هذه الجملة في محل نصب حال من الفاعل المستتر. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا للفعل يأتي من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا، فتكون ﴿بَغْتَةً﴾ نائب مفعول مطلق. ﴿وَهُمْ:﴾
الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، التقدير:
стр. 4249
لا يشعرون بإتيانه، أو بإتيانها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾
الشرح: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أي: مؤخرون وممهلون يطلبون الرجعة حين يفاجئهم العذاب، فلا يجابون، ويقولون ذلك تحسرا، وتأسفا. ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: يطلبون العذاب، فيقولون: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ،﴾ ويقولون: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾.
﴿أَفَرَأَيْتَ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ، بمعنى: أخبرني ماذا يكون حالهم، وشأنهم. ﴿إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ﴾ أي: تركناهم أحياء سنين يتلذذون، ويتنعمون في هذه الدنيا، ومشتهياتها، ولذائذها. قال يحيى بن معاذ-﵁: أشد الناس غفلة من اغتر بحياته، والتذ بمراداته، وسكن إلى مألوفاته؛ والله يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ﴾. ﴿ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أي: من العذاب. ﴿ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أي: به في تلك السنين.
والمعنى: أن استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن، ولا لا حق بهم، وأنهم ممتعون بأعمار طوال، في سلامة، وأمن، فقال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أشرا، وبطرا، واستهزاء، واتكالا على الأمل الطويل. ثم قال: هب: أن الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم، وتعميرهم، فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك لا ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم، وطيب معايشهم.
وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن البصري في الطواف، وكان يتمنى لقاءه، فقال له:
عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال ميمون: قد وعظت، فأبلغت! وعن الزهري -رحمه الله تعالى-قال: إن عمر بن عبد العزيز-﵁-كان إذا أصبح؛ أمسك بلحيته، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ ... ﴿يُمَتَّعُونَ﴾ ثم يبكي ويقول: [الطويل]
نهارك يا مغرور سهو وغفلة... وليلك نوم والرّدى لك لازم
فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم... ولا أنت في النّوّام ناج فسالم
تسرّ بما يفنى وتفرح بالمنى... كما سرّ باللّذّات في النّوم حالم
وتسعى إلى ما سوف تكره غبّه... كذلك في الدّنيا تعيش البهائم
стр. 4250
هذا؛ ويكثر النهي في القرآن الكريم عن العجلة، واستعجال الشيء قبل أوانه، وهذا النهي أكثر ما يوجه للكافرين الذين طلبوا استعجال العذاب، وقد يوجه إلى بني آدم جميعا، وقد توجه إلى النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ الآية رقم [١١٤] من سورة (طه)، بينما حث الله تعالى على فعل الطاعات، فقال في سورة (آل عمران): ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٣٣]، وقال في سورة (الحديد):
﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٢١] كما وصف أنبياءه ورسله بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وهذا لا يناقض: «العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن»؛ لأن المسارعة إلى الطاعات مستثناة من ذلك، كما أن هناك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها، كأداء الصلاة المكتوبة؛ إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ إذا أتى الكفؤ، ودفن الميت، وإكرام الضيف إذا نزل، وخذ ما يلي، فعن علي بن أبي طالب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ له: «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها: الصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا». رواه الترمذي.
الإعراب: ﴿فَيَقُولُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (يقولوا): معطوف على: ﴿يَرَوُا،﴾ فهو منصوب مثله، وقال القشيري: وقوله: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ ليس عطفا على قوله: ﴿حَتّى يَرَوُا﴾ بل هو جواب قوله:
﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ فلما كان جوابا للنفي انتصب، وكذلك قوله: ﴿فَيَقُولُوا﴾ وعلامة النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى هذا الوجه تكون «أن» مضمرة بعد الفاء، وتؤول مع الفعل بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لم يكن منهم إيمان، فإتيان العذاب بغتة، فقولهم... إلخ. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام.
﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿مُنْظَرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
﴿أَفَبِعَذابِنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتعجب. الفاء: حرف استئناف. (بعذابنا): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. ﴿يَسْتَعْجِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على مقدر يقتضيه المقام، التقدير: أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون... إلخ. ﴿أَفَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿مَتَّعْناهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا) فاعله، والهاء مفعول به. ﴿سِنِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم،
стр. 4251
والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: لم يغن عنهم تمتعهم، والجملة الشرطية معترضة بين الفعل: (رأيت) ومفعوليه، وأيضا بين الفعلين المتعاطفين.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿ما:﴾ اسم موصول تنازعه (رأيت) يطلبه مفعولا أول، و ﴿جاءَهُمْ﴾ يطلبه فاعلا، فإذا أعملنا الأول أضمرنا في الثاني ضميرا يعود عليه، التقدير: ثم جاءهم هو، أي الذي كانوا يوعدونه، وإذا أعملت الثاني، وهو جاءهم أعملت الأول في ضميره، ولكنه حذف؛ لأنه فضلة، وهو المفعول الأول له. ﴿كانُوا:﴾
فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يُوعَدُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها؛ إن اعتبرتها نكرة موصوفة، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني.
﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وقيل: في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعده. ﴿أَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿عَنْهُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل: ﴿أَغْنى،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ما أغنى عنهم الذي، أو شيء كانوا يمتعون به، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل: ﴿أَغْنى،﴾ التقدير: ما أغنى عنهم تمتعهم، أو كونهم متمتعين، وجملة: ﴿أَغْنى..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما أَغْنى..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان، للفعل: (أرأيت) وجملة: ﴿أَفَرَأَيْتَ..﴾. إلخ معطوفة على: ﴿فَيَقُولُوا..﴾. إلخ وما بينهما اعتراض. انتهى. جمل.
هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) الثانية حرف نفي، كما أجيز اعتبار الأولى حرف نفي، والثانية اسما موصولا والمعتمد ما ذكرته أولا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ (٢٠٩)﴾
الشرح: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: بنوع من أنواع العذاب المتقدمة. ﴿إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ أي: رسل ينذرونهم، أي: ينذرون أهل القرية؛ لئلا يكون لهم حجة يوم القيامة. ﴿ذِكْرى﴾ أي:
ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصوا مثل عصيانهم. ﴿وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ أي: فنهلك
стр. 4252
قوما غير مستحقين العذاب، أو ما كنا ظالمين في تعذيبهم، حيث أرسلنا إليهم رسلا، فلم يؤمنوا، وقطعنا حجتهم.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ:﴾
حرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُنْذِرُونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿قَرْيَةٍ،﴾ وجاز مجيء الحال من النكرة لتقدم النفي عليها، ولم يجوز ابن هشام اعتبار الجملة صفة للفصل ب: ﴿إِلاّ؛﴾ فإنه قال: ولما جاءت ﴿إِلاّ﴾ امتنعت الوصفية، وأما قوله تعالى: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ الآية رقم [٤] من سورة (الحجر)، فللوصفية مانعان: الواو، و ﴿إِلاّ،﴾ ولم ير الزمخشري، وأبو البقاء واحدا منهما مانعا، وكلام النحويين بخلاف ذلك. وقال الأخفش: لا تفصل «إلا» بين الموصوف وصفته. انتهى. مغني اللبيب. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف تركت الواو من الجملة بعد ﴿إِلاّ،﴾ ولم تترك منها في آية الحجر، قلت: الأصل ترك الواو؛ لأن الجملة صفة ل ﴿قَرْيَةٍ،﴾ وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف، كما في قوله تعالى: ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. انتهى. سمين.
﴿ذِكْرى:﴾ مفعول لأجله، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، وعليهما فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وقيل: هي صفة: ﴿مُنْذِرُونَ﴾ على تقدير: ذوو ذكرى، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه، أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي ذكرى، وعليه فهذه الجملة معترضة. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): ضمير متصل في محل رفع اسمها. ﴿ظالِمِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وجملة: ﴿كُنّا ظالِمِينَ﴾ في محل نصب حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾
الشرح: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن. ﴿الشَّياطِينُ:﴾ فهذا رد لما زعمه الكفرة في حق القرآن الكريم من أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة بعد تحقيق الحق ببيان: أنه نزل به الروح الأمين، فقد أكذبهم الله تعالى بهذه الآية، وعليه فلا يكون سحرا، ولا كهانة، ولا شعرا، ولا أضغاث أحلام، كما يقولون. ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أي: وما يصلح للشياطين أن ينزلوا بالقرآن الكريم. ﴿وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: لا يقدرون على إنزال القرآن. ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ أي:
стр. 4253
هم محجوبون عن سماع كلام الملائكة بالرمي بالشهب، فلا يصلون إلى استراق السمع من الملائكة، وقد بين الله ذلك في الآيتين رقم [١٧] و [١٨] من سورة (الحجر)، وفي مطلع سورة (الصافات) وقد بيّن البيضاوي العلة في منعهم من سماع الملائكة، فقال: لأنه مشروط بمشاركة في صفات الذات، وقبول فيضان الحق، والانتعاش بالصور الملكوتية، ونفوسهم خبيثة ظلمانية، شريرة بالذات لا تقبل ذلك، والقرآن مشتمل على حقائق، ومغيبات، لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَنَزَّلَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الشَّياطِينُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَنْبَغِي:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى المفهوم من الفعل السابق، التقدير: وما ينبغي النزول لهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من: ﴿الشَّياطِينُ﴾ فلست مفندا، ويكون الرابط:
الواو، والضمير المجرور محلا باللام. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿عَنِ السَّمْعِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.
﴿لَمَعْزُولُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (معزولون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة... إلخ، والجملة الاسمية تعليل للنفي، لا محل لها.
﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾
الشرح: ﴿فَلا تَدْعُ..﴾. إلخ: هذا الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره، كقوله تعالى له: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ وحاشاه ﷺ أن يشرك باتخاذ إله مع الله تعالى. هذا؛ و: (لا تدع) يحتمل أن تكون من الدعاء، وهو النداء، وأن يكون بمعنى العبادة، فيتعدى لواحد، وأن يكون بمعنى التسمية، وعليه الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء)، فيتعدى لاثنين، كما قال الشاعر: [الطويل]
دعتني أخاها أمّ عمرو، ولم أكن... أخاها، ولم أرضع لها بلبان
دعتني أخاها بعد ما كان بيننا... من الفعل ما لا يفعل الأخوان
الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: الفصيحة، ولا وجه له. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَدْعُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مَعَ:﴾ ظرف
стр. 4254
مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف مفعول به ثان تقدم على الأول على حسب ما رأيت في الشرح، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿إِلهاً﴾ كان صفة له... إلخ. و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهاً:﴾ مفعول به. ﴿آخَرَ:﴾ صفة له. ﴿فَتَكُونَ:﴾ الفاء:
للسببية. (تكون): فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد فاء السببية، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْمُعَذَّبِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكون)، و «أن» المضمرة والفعل (تكون) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك دعاء... فكون من المعذبين.
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾
الشرح: عن ابن عباس-﵄-قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: «يا بني فهر! يا بني عدي!» لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا، لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب، وقريش، فقال:
«أرأيتكم لو أخبرتكم: أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟». قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ..﴾. إلخ. متفق عليه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٤] من سورة (الحجر).
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: «يا معشر قريش-أو كلمة نحوها-اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله! سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا». متفق عليه.
هذا؛ والعشيرة: أقرباء الإنسان الذين يعيشون معه، ويعاشرونه، ومن الجدير بالذكر: أن العشيرة آخر طبقة من الطبقات السبع التي عليها العرب، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، والعشيرة، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل، والفصيلة تجمع العشائر، وليس بعد العشيرة شيء يوصف عند العرب، واستحدث اسم الأسرة أو العائلة لما يشمل الزوج، والزوجة، وأولادهما الذين يعيشون في دار واحدة، وأخيرا اسمع قول العلي القدير: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
стр. 4255
تنبيه: ما تقدم يدل على أن القرب في الأنساب لا ينفع مع البعد في الأسباب، أي في الأعمال الصالحة، وقد قال النبي ﷺ : «من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه». وروي: أنه قال لعمه، ولعمته، وبناته: «لا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتونني بالأنساب».
وفي الآية دليل على جواز صلة الكافر، وإرشاده، ونصيحته، ولا سيما إذا رأى منه لينا، وميلا إلى الإسلام، ولقد سها الزمخشري-رحمه الله تعالى-حيث ذكر في النداء المتقدم ذكره قوله: «ثم قال: يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمر، ويا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمّة محمد، اشترين أنفسكن من النار، فإني لا أغني عنكن من الله شيئا». وأين عائشة، وأين كانت حفصة-﵄-وعن والديهما؛ حين خاطب النبي ﷺ عشيرته بهذا الخطاب، حين نزلت عليه الآية الكريمة!؟.
الإعراب: ﴿وَأَنْذِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنذر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت».
﴿عَشِيرَتَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَقْرَبِينَ:﴾ صفة ﴿عَشِيرَتَكَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَأَنْذِرْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة:
(لا تدع...) إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.
﴿وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾
الشرح: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ:﴾ ألن جانبك ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ وتواضع لهم، فالطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع على الأرض؛ كسر جناحه، وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع، ولين الجانب، ومنه قول بعضهم: [المتقارب]
وأنت الشّهير بخفض الجناح... فلا تك في رفعه أجدلا
الأجدل: الصقر، ونحوه من الطيور الجوارح، فالشاعر ينهى ممدوحه عن التكبر بعد التواضع، ففي الآية الكريمة استعارة مكنية، وهي ما حذف فيها المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، فقد استعير الطائر للذل، ثم حذفه ودل عليه بشيء من لوازمه، وهو الجناح، وإثبات الجناح للذل يسمونه: استعارة تخييلية، ومثل الآية قول أبي ذؤيب الهذلي: [الكامل]
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
حيث أثبت الأظفار للمنية، وهي لا ترى، ولا تشاهد على طريقة الاستعارة التخييلية، وأيضا قول لبيد بن ربيعة-﵁: [الكامل]
стр. 4256
وغداة ريح قد كشفت وقرّة... إذا أصبحت بيد الشّمال زمامها
فقد جعل للشمال يدا، وللقرة-أي: البرد-زماما على مثال ما رأيت، والبيت من معلقته رقم [١٦].
تنبيه: قال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: المتبعون للرسول هم المؤمنون، والمؤمنون هم المتبعون للرسول فما معنى قوله: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟﴾ قلت: فيه وجهان: أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين؛ لمشارفتهم ذلك، وأن يريد بالمؤمنين المصادقين بألسنتهم، وهم صنفان: صنف صدق، واتبع رسول الله فيما جاء به، وصنف ما وجد منه إلا التصديق فحسب، ثم إما أن يكونوا منافقين، أو فاسقين، والمنافق، والفاسق لا يخفض لهما الجناح. والمعنى من المؤمنين من عشيرتك وغيرهم، يعني: أنذر قومك، فإن اتبعوك، وأطاعوك، فاخفض لهم جناحك، وأن عصوك، ولم يتبعوك؛ فتبرأ منهم، ومن أعمالهم من الشرك بالله، وغيره. انتهى.
كشاف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَاخْفِضْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اخفض): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿جَناحَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِمَنِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِتَّبَعَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل (اتبعك)، و (من) بيان لما أبهم في (من)، وجملة ﴿وَاخْفِضْ..﴾.
إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)﴾
الشرح: المعنى: أنذر قومك، فإن اتبعوك، وأطاعوك؛ فاخفض جناحك لهم، وإن عصوك، ولم يتبعوك؛ فتبرأ منهم، ومن أعمالهم من الشرك بالله، وغيره. هذا؛ وأصل: (عصوا) قبل دخول واو الجماعة «عصو» فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فلما اتصلت به واو الجماعة صار «عصاوا» فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على الصاد دليلا على الألف المحذوفة، ويقال في إعلاله أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار «عصووا» فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت ألفا، فالتقى ساكنان: ألف العلة... إلخ، كما يقال أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار «عصووا» فاستثقلت الضمة على الواو فحذفت، فالتقى ساكنان: واو العلة وواو الجماعة، فحذفت واو العلة... إلخ، وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص، اتصل به واو الجماعة، مثل: نجا،
стр. 4257
ورمى، وسعى، ودعا، وغزا... إلخ. تنبه لذلك، واحفظه. هذا؛ وتحرك واو الجماعة بالضمة إذا التقى معها ساكن، مثل قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ وإنما حركت بالضم دون غيره ليفرق بين واو الجماعة، والواو الأصلية في نحو قولك: «لو اجتهدت؛ لنجحت». وقيل: ضمت؛ لأن الضمة أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو، وقيل: حركت بحركة الواو المحذوفة، وقيل: غير ذلك.
الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿عَصَوْكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿بَرِيءٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أُبْرِئُ؛﴾ لأنه صفة مشبهة، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بريء من الذي، أو من شيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من) التقدير: بريء من عملكم، والجملة الاسمية:
﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ أي: على الله يكفيك شر من يعصيك منهم، ومن غيرهم. والتوكل:
تفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضره، وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر؛ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله، فعلى هذا: إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه، لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة.
﴿الْعَزِيزِ:﴾ القوي، القاهر، الغالب؛ الذي لا يغلبه شيء. ﴿الرَّحِيمِ:﴾ بعباده المؤمنين، فهو الذي ينصرك على أعدائك. ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم إلى الصلاة تتهجد في قول أكثر المفسرين، وهو قول ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: يعني: حين تقوم حيثما كنت.
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: المعنى: ويرى تقلبك في صلاتك
стр. 4258
في حال قيامك، وركوعك، وسجودك، وقعودك. وقيل: مع المصلين في الجماعة، يقول: يراك إذا صليت وحدك، ومع الجماعة. وقيل: معناه: يرى تقلب بصرك في الساجدين، أي:
المصلين، فإنه ﷺ كان يبصر من خلفه كما يبصر من قدامه.
فعن أبي هريرة-﵁-أن النبي ﷺ قال: «هل ترون قبلتي هاهنا، فو الله ما يخفى عليّ خشوعكم، ولا ركوعكم، إنّي لأراكم من وراء ظهري». وقيل: معناه: يرى تصرفك، وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين، وتصفح أحوال المجتهدين منهم، وكيف يعبدون الله، وكيف يعملون لآخرتهم، كما يحكى: أنه حين نسخ فرض قيام الليل؛ طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه؛ لينظر ما يصنعون؛ لحرصه عليهم، وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات، وتكثير الحسنات، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع منها من دندنتهم بذكر الله، وتلاوة القرآن. انتهى. كشاف.
وقال ابن عباس-﵄، وهو قول آخر له-: أراد: وتقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي؛ حتى أخرجتك في هذه الأمة، ويؤيد هذا ما روي من قوله ﷺ : «أنا أشرفكم نسبا، وحسبا، وصهرا، خرجت من نكاح كنكاح الإسلام لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء».
وقوله ﷺ : «لم أزل أنتقل من الأصلاب الطّاهرات إلى الأرحام الزّاكيات». والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ ويكون على الرأي الأخير ﴿السّاجِدِينَ﴾ بمعنى: المؤمنين، ويكون جميع أصوله رجالا ونساء مؤمنين من لدن آدم وحواء إلى عبد الله، وآمنة، وأورد على هذا آزر أبو إبراهيم، فإنه كان كافرا بمقتضى نص الآيات القرآنية، وأجاب بعضهم: بأنه كان عم إبراهيم لا أباه، وأجاب بعضهم بجواب أحسن من هذا، وهو أن قولهم: أصول محمد ﷺ لم يدخلهم الشرك: محله ما دام النور المحمدي في الذكر، وفي الأنثى، فإذا انتقل منه لمن بعده أمكن أن يعبد غير الله، وآزر ما عبد الأصنام، إلا بعد انتقال النور منه لإبراهيم، وأما قبل انتقاله؛ فلم يعبد غير الله.
الإعراب: ﴿وَتَوَكَّلْ:﴾ الواو: حرف عطف، وقرئ بالفاء. (توكل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة بالواو على جملة: (أنذر...) إلخ لا محل لها مثلها، وعلى قراءة الفاء، فهي معطوفة على جملة: (قل...) إلخ وهي متضمنة معنى البدلية منها. ﴿عَلَى الْعَزِيزِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الرَّحِيمِ:﴾ بدل من العزيز. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ،﴾ أو في محل جر بدل منهما، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير:
هو الذي، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني، أو أمدح، ونحوهما. ﴿يَراكَ:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول
стр. 4259
لا محل لها. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿تَقُومُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حِينَ﴾ إليها. ﴿وَتَقَلُّبَكَ:﴾
الواو: حرف عطف. (تقلبك): معطوف على الكاف، هذا هو الظاهر، وأرى: أنه منصوب بفعل محذوف، تقديره: ورأى (تقلبك) ولا سيما على الوجه الأخير في الشرح، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي السّاجِدِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر (تقلبك). ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها.
﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ﴿هُوَ﴾ توكيد لاسم (إنّ) على المحل. وثانيها: ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل لا محل له، وعليهما فخبر (إنّ) هو ﴿السَّمِيعُ﴾. وثالثها: هو مبتدأ، و ﴿السَّمِيعُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ هُوَ..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، لا محل لها. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بدل مما قبله.
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣)﴾
الشرح: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: أخبركم أيها المشركون. ﴿عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ:﴾ هذا جواب لقولهم: ينزل على محمد ﷺ شيطان يعلمه، ويلقي إليه ما يقوله. ثم بين على من تنزل الشياطين حيث قال جل ذكره: ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ﴾ أي: كذاب كثير الإفك. ﴿أَثِيمٍ:﴾ مرتكب للآثام، وهم الكهنة، والمتنبئة، مثل: سطيح، وطليحة بن خويلد الأسدي، ومسيلمة الكذاب، أما محمد ﷺ ؛ فإنه يشتم الأفاكين، ويذمهم، وينهى عن مجالستهم، وعن الأخذ منهم، فكيف تنزل الشياطين عليه؟
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ أي: ما يسمعونه من الملائكة يلقونه إلى الكهنة، فعن ابن عباس-﵄-قال: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها إلى الكهنة، فيلقونها إليهم، فلما ولد عيسى ﵇؛ منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد ﷺ ؛ منعوا من السموات أجمع، فما منهم من أحد يريد أن يسترق السمع إلا رمي بشهاب، فلمّا منعوا من تلك المقاعد؛ ذكروا ذلك لإبليس، فقال: لقد حدث في الأرض حدث، فبعثهم ينظرون، فوجدوا رسول الله ﷺ يتلو القرآن، فقالوا: هذا؛ والله حدث!.
وعن أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزّع عن قلوبهم؛ قالوا: ماذا قال ربّكم؟ قالوا: للذّي قال الحقّ، وهو العليّ الكبير، فيسمعها مسترقو السّمع، ومسترقو السّمع هكذا بعضهم فوق بعض-ووصف سفيان بكفّه، فحدّقها، وبدّد بين أصابعه-فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثمّ يلقيها الآخر إلى من تحته، حتّى يلقيها على لسان السّاحر، أو الكاهن، فربّما أدركه
стр. 4260
الشّهاب قبل أن يلقيها، وربّما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيقال له: أليس قد قال لنا: كذا، وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السّماء». أخرجه البخاري.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ:﴾ فيما يوحون به إليهم؛ لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم، والأفاك: هو الذي يكثر الإفك، وانظر شرح (يأفكون) في الآية رقم [٤٥].
الإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أُنَبِّئُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿عَلى:﴾ حرف جر ﴿مَنْ:﴾
اسم استفهام مبني على السكون في محل جر ب: «على»، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والجملة الفعلية: ﴿عَلى مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث، إن جعل ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ متعديا لثلاثة، ومسد الثاني فقط، إن جعل متعديا لاثنين، وقد علق الفعل ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ عن العمل لفظا بالمفعول الثاني، أو بالمفعول الثاني، والثالث بسبب الاستفهام، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَنَزَّلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّياطِينُ،﴾ تقديره: «هي»، وقد حذفت التاء منه، ومن سابقه؛ لأن أصلها: «تتنزل»، والجملة الفعلية هذه بدل من سابقتها على مثال ما رأيت في الآية رقم [١٣٣] والثانية هنا أوضح من الأولى لأنها فصلت معنى ﴿مَنْ﴾ الاستفهامية وبينتها، مثل الآية [١٣٣]. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿أَفّاكٍ:﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿أَثِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف.
﴿يُلْقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل تنزل المستتر العائد إلى الشياطين، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (أكثرهم):
مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كاذِبُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَالشُّعَراءُ:﴾ جمع شاعر، والأصل في: «فعلاء» أن يكون جمع: «فعيل» مثل:
ظريف، وظرفاء، وشريف، وشرفاء؛ لأن فعيلا إنما يقع لمن قد كمل ما هو فيه، فلما كان
стр. 4261
«شاعر» إنما يقال لمن عرف بالشعر؛ شبه بفعيل، ودخلته ألف التأنيث الممدودة لتأنيث الجماعة، كما تدخل الهاء في: صياقلة، وزنادقة. وقال الأخفش: الشاعر مثل: لابن، وتامر، أي: صاحب شعر، وقد سمي الشاعر شاعرا لفطنته، وهو الفقية أيضا، والشاعر مأخوذ من قولهم: ما شعرت بهذا الأمر، أي: ما فطنت له، وقوله تعالى في كثير من الآيات في حق الكافرين والمنافقين والفاسقين: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يفطنون، ولا يتدبرون ما يقع بهم من الخزي، والوبال، والنكال في الدنيا، والآخرة.
﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ:﴾ قال أهل التفسير: أراد الله بهذه الآية شعراء الكفار الذين كانوا يهجون النبي ﷺ مثل عبد الله بن الزّبعرى، وأبو عزة الجمحي، وأضرابهما، ويجتمع إليهم سفهاء قومهم يسمعون أشعارهم حين يهجون النبي ﷺ وأصحابه، وكانوا يروون عنهم قولهم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ أي: فهم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين. وفي رواية: أن رجلين: أحدهما من الأنصار، والثاني من المهاجرين تهاجيا على عهد رسول الله ﷺ ، ومع كل واحد غواة قومه، وهم: السفهاء. والمعتمد الأول.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ أي: ألم تنظر إليهم أنهم في كل واد من أودية الشعر يتحيّرون ويتردّدون، وعن طريق الحق يحيدون، ويخرجون. وهذا من باب الاستعارة البليغة، والتمثيل الرائع، شبه جولانهم في أفانين القول بطريق المدح والذم، والتشبب، وأنواع الشعر بهيام الهائم في كل وجه وطريق، والهائم هو الذي يخبط في طريقه، ولا يقصد موضعا معينا، يقال: هام على وجهه، أي: ذهب، والهائم: العاشق من ذلك، والهيمان: العطشان، والهيام: داء يأخذ الإبل من العطش. وجمل أهيم، وناقة هيماء، والجمع: هيم قال تعالى: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وذلك في سورة (الواقعة). انتهى جمل نقلا عن السمين. وينبغي أن تعلم: أنه لا يوجد لفظ: ﴿يَهِيمُونَ﴾ في غير هذه السورة، فهو لفظ مفرد لا ثاني له. هذا؛ وأودية الشعر:
أنواعه، وأغراضه، وفنونه من تشبب في النساء، والتغزل بحسنهن، وجمالهن، وتمزيق الأعراض، والقدح في الأنساب، والوعد الكاذب، والافتخار بالباطل، ومدح من لا يستحق المدح، وذم من لا يستحق الذم، حتى إنهم ليفضلون أجبن الناس على عنترة، وأبخلهم على حاتم، وأفسقهم على أتقى الناس، وإلى هؤلاء يتوجه الوعيد الشديد من النبي ﷺ ، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتّى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا». ومعنى «يريه»: يقذفه بسبب شدة الامتلاء. خرّج الحديث مسلم، رحمه الله تعالى. وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ ؛ إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله ﷺ : «خذوا الشّيطان-أو-أمسكوا الشّيطان؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا». أخرجه مسلم وغيره.
стр. 4262
قال العلماء: إنما فعل النبي ﷺ هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله، فلعلّ هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه اتخذ الشعر طريقا للتكسب، فيفرط في المدح إذا أعطي، وفي الهجو، والذم إذا منع، فيؤذي الناس في أموالهم، وأعراضهم، فهذا حكم الشعر المذموم، وحكم صاحبه، فلا يحل سماعه، ولا إنشاده في مسجد، وغيره.
هذا؛ ويجدر بي أن أقول إن هناك شعرا لا يمنع الإنسان من إنشاده، ولا من سماعه، وهو كثير منه ما تضمن ذكر الله، وحمده، والثناء عليه، أو ذكر الرسول ﷺ أو مدحه، وقد مدحه عمّه العباس-﵁-فقال له: «لا يفضض الله فاك». وكان يحب النبي ﷺ أن يسمع ما قاله فيه عمه أبو طالب من قصائد، وأشعار، أو تضمن الشعر دفاعا، وذبّا عنه ﷺ وعن الإسلام، وما قاله حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك-﵃-من قصائد في هذا الباب كثير، ومشهور، ومحفوظ، وقد أنشد كعب بن زهير-﵁-النبي ﷺ قصيدته المشهورة: (بانت سعاد) فلم ينكر عليه، بل سمعها كلّها منه.
وكثيرا ما كان رسول الله ﷺ يحث حسان، وعبد الله بن رواحة، وغيرهما على هجاء المشركين، فعن البراء بن عازب-﵁: أن رسول الله ﷺ قال يوم قريظة لحسان:
«اهج المشركين؛ فإنّ جبريل معك». متفق عليه. وعن عائشة-﵂-قالت: كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد، يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله ﷺ ، وينافح، ويقول رسول الله ﷺ : «إنّ الله يؤيّد حسّان بروح القدس ما نافح، أو فاخر عن رسول الله». أخرجه البخاري.
وعن عائشة-﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «اهجوا قريشا، فإنّه أشدّ عليها من رشق بالنّبل». فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: «اهجهم». فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: «قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضّارب بذنبه» ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينّهم بلساني فري الأديم. أخرجه مسلم، والفري: الشق. والأديم: الجلد.
وروى الترمذي، وصححه عن ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه، ويقول-﵁: [الرجز]
خلّوا بني الكفّار عن سبيله... اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله... ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر-﵁: يا بن رواجة في حرم الله، وبين يدي رسول الله ﷺ ؟! فقال له النبي ﷺ : «خلّ عنه يا عمر! فلهو أسرع فيهم من نضح النّبل». وانظر ما ذكرته عن عمر ﵁-في الآية رقم [١٢].
стр. 4263
وأخرج ابن عساكر عن الهيثم بن عدي؛ قال: ذكروا: أن عبد الله بن رواحة-﵁ ابتاع جارية، وكتم ذلك امرأته، وقد بلغها، فقالت له ذات يوم-وبلغها: أنه كان عندها-: إنه بلغني عنك أنك ابتعت جارية، فقال لها: ما فعلت! قالت: بلى! وبلغني أنك كنت عندها اليوم، ولا أحسبك إلا جنبا، فإن كنت صادقا، فاقرأ آيات من القرآن، فقال: [الوافر]
شهدت بأنّ وعد الله حقّ... وأنّ النار مثوى الكافرينا
فقالت: زدني آية أخرى، فقال: [الوافر]
وأنّ العرش فوق الماء طاف... وفوق العرش ربّ العالمينا
فقالت: زدني آية أخرى، فقال: [الوافر]
وتحمله ملائكة كرام... ملائكة الإله مقرّبينا
فحدث رسول الله ﷺ بذلك، فضحك؛ حتى ردّ يده إلى فيه، وقال: «هذا من معاريض الكلام، يغفر الله لك يا بن رواحة! إن خياركم خيركم لنسائه؛ فأخبرني ما الذي ردت عليك حيث قلت ما قلت؟». قال: قالت لي: أما إذ قرأت القرآن فإني أتهم ظني، وأصدقك، فقال ﷺ : «لقد وجدتها ذات فقه في الدين». انتهى. سيوطي.
﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ أي: يكذبون في قولهم، فيدلون بكلام على الخير، والكرم، وغير ذلك، ولا يفعلونه، ويذمون البخل، وغيره من الصفات الذميمة، ويصرون عليه، ويفرطون في القول، بما لم يفعلوه، رغبة منهم في تسلية النفس، وتحسين الكلام كما روي: أن الفرزدق أنشد سليمان بن عبد الملك قوله: [الوافر]
خرجن إليّ لم يطمثن قبلي... وهنّ أصحّ من بيض النّعام
فبتن بجانبيّ مصرّعات... وبتّ أفضّ أغلاق الختام
فقال له سليمان: قد وجب عليك الحد، فقال: يا أمير المؤمنين! قد درأ الله عني الحد بقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾. فيريد سليمان: أنّ قوله هذا اعتراف منه بالزنى، فأجابه بهذا الكلام البليغ، والجواب المسكت.
الإعراب: ﴿وَالشُّعَراءُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الشعراء): مبتدأ. ﴿يَتَّبِعُهُمُ:﴾ فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿الْغاوُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالشُّعَراءُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 4264
﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿فِي كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿وادٍ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿يَهِيمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ). هذا؛ ويجوز أن يكون الجار والمجرور ﴿فِي كُلِّ وادٍ﴾ متعلقين بمحذوف في محل رفع خبر (أن)، وجملة: ﴿يَهِيمُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير في الخبر المحذوف، كما يجوز أن تكون الجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي (تر)، وجملة: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: مفسرة، ولا معنى للتفسير. ﴿وَأَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَفْعَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يقولون: الذي، أو شيئا لا يفعلونه، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول السابق، فهو في محل نصب مثله.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَاِنْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾
الشرح: في هذه الآية الكريمة استثنى الله من الشعراء المذمومين شعراء المؤمنين، أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير-﵃، ومن كان على طريقتهم من القول الحق، من إكثار ذكر الله في أشعارهم، والثناء عليه تعالى، وعلى نبيه ﷺ ، والحث على طاعة الله، وطاعة رسوله، وكذلك الرد على المشركين وهجوهم كما رأيت في الآيات السابقة.
يروى: أنه لما نزلت ﴿وَالشُّعَراءُ..﴾. إلخ جاء حسان، وابن رواحة، وكعب بن مالك ﵃-يبكون إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا نبي الله! أنزل الله هذه الآية؛ وهو تعالى يعلم: أنا شعراء، فقال: «اقرؤوا ما بعدها»: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ وقال ﷺ : «انتصروا،
стр. 4265
ولا تقولوا إلا حقّا، ولا تذكروا الآباء، والأمّهات». وقال ﵊: «إنّ المؤمن يجاهد بنفسه، وسيفه، ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأنّ ما ترمونهم به نضح النّبل». ولذا انبرى حسان-﵁-يرد على أبي سفيان فخذ من قوله ما يلي: [الوافر]
هجوت محمّدا فأجبت عنه... وعند الله في ذاك الجزاء
وإنّ أبي ووالدتي وعرضي... لعرض محمّد منكم وقاء
أتشتمه ولست له بكفء... فشرّكما لخير كما الفداء
لساني صارم لا عيب فيه... وبحري لا تكدّره الدّلاء
وقال كعب بن مالك-﵁-من قصيدة: [الكامل]
جاءت سخينة كي تغالب ربّها... وليغلبنّ مغالب الغلاّب
فقال النبي ﷺ «لقد مدحك الله يا كعب في قولك هذا». والسخينة: طعام حار، يتخذ من دقيق، وسمن، أغلظ من الحساء، وأرق من العصيدة، وكانت قريش تكثر من أكلها، فعيّرت بها حتى سموا سخينة. وخذ ما يلي:
فعن أبي بن كعب-﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «إنّ من الشّعر لحكمة». رواه البخاري. وعن ابن عباس-﵄، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فجعل يتكلم بكلام، فقال: «إنّ من البيان سحرا، وإنّ من الشّعر حكما». أخرجه أبو داود.
هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ..﴾. إلخ تهديد، ووعيد لمن انتصر بظلم؛ أي: سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله تعالى، فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصرة من ربه. والمعنى: سيعلمون أيّ مصير يصيرون إليه، وأيّ مرجع يرجعون إليه؛ لأن مصيرهم إلى النار، وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العقاب، وهو شر مرجع، والفرق بين المنقلب، والمرجع: أن المنقلب: الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع: العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها، فصار كل مرجع منقلبا، وليس كل منقلب مرجعا، والله أعلم. ذكره المارودي.
هذا؛ وقرأ ابن عباس-﵄ «(أيّ منفلت ينفلتون)» بالفاء، والتاء، ومعناهما واحد. انتهى. قرطبي، وقال البيضاوي: والمعنى: أن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله، وسيعلمون: أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات.
الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من (الشعراء). ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
(عملوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه
стр. 4266
الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَذَكَرُوا اللهَ:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ذكرا كثيرا، وقيل: صفة زمان محذوف، أي: وقتا كثيرا، وليس بشيء، وبعضهم يعربه نائب مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَانْتَصَرُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ مصدرية.
﴿ظُلِمُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، و (ما) المصدرية، والفعل: ﴿ظُلِمُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه.
﴿وَسَيَعْلَمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. السين: حرف استقبال، (يعلم): فعل مضارع معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿ظُلِمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول. ﴿أَيَّ:﴾ اسم استفهام مفعول مطلق، أو نائب مفعول مطلق لإضافته للمصدر الميمي، عامله ما بعده، وهو واجب التقديم؛ لأنه اسم استفهام، والاستفهام له الصدر، و ﴿أَيَّ﴾ مضاف، و ﴿مُنْقَلَبٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يَنْقَلِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية: «ينقلبون أي منقلب» في محل نصب سدت مسد مفعول (يعلم)، أو مسد مفعوليه إن كان متعديا لاثنين، وجملة: ﴿وَسَيَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.
انتهت سورة الشعراء شرحا وإعرابا، بحمد الله، وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 4267
سورة النّمل
سورة (النمل)، وهي مكية كلها في قول الجميع، وهي ثلاث وتسعون آية، وألف وثلاثمئة وسبع عشرة كلمة، وأربعة آلاف وسبعمئة، وتسعة وتسعون حرفا. انتهى. خازن.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١)﴾
الشرح: أرى أن تنظر شرح هذه الكلمات كلها في الآيتين رقم [١] و [٢] من سورة (الشعراء)، والإشارة إلى آي السورة. والكتاب المبين: إما اللوح المحفوظ، وإبانته: أنه خط فيه ما هو كائن. فهو يبينه للناظرين فيه من الملائكة، وتأخيره هنا باعتبار تعلق الله فيه، وتقديمه في سورة (الحجر) في قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ باعتبار الوجود. أو المراد بالكتاب هنا: القرآن، فأخرج لفظ ﴿الْكِتابِ﴾ في سورة (الحجر) بلفظ المعرفة، و (القرآن) بلفظ النكرة، وهنا بعكس ذلك، وذلك؛ لأن القرآن، والكتاب اسمان يصلح لكل واحد منهما أن يجعل معرفة، وأن يجعل صفة، وعطف أحدهما على الآخر، كعطف إحدى الصفتين على الأخرى، أو من عطف المرادف على مرادفه. ووصفه بالمبين؛ لأنه بيّن فيه أمره، ونهيه، وحلاله، وحرامه، ووعده، ووعيده. وانظر وصفه بالحكيم في أول سورة لقمان.
هذا؛ والإشارة بقوله ﴿تِلْكَ﴾ إلى ما تضمنته السورة الكريمة من آيات القرآن، وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة هنا وفي كثير من الآيات، وهي للبعد، والسورة الكريمة، بل القرآن كله في متناول اليد، وذلك للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القصوى من الفضل، والشرف، وعلو المكانة، فكأنه بسبب ذلك بعيد كل البعد.
و (قرآن) مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. هذا؛ وهو في اللغة مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا؛ أي: جمعته، وبمعنى القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ ، المنقول عنه بالتواتر، فيما بين الدفتين، وهو المراد. ويحرم
стр. 4268
على المحدث حدثا أكبر، قراءته، وحمله، ومسّه، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله، ومسّه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب، قال تعالى في تقديسه، وتعظيمه: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾.
الإعراب: ﴿طس:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الشعراء). ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، وأجيز اعتباره خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هذه تلك، فتكون ﴿آياتُ﴾ بدلا من اسم الإشارة، والأول أقوى معنى، وأصح إعرابا، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، أو بدل من اسم الإشارة، و ﴿آياتُ﴾ مضاف، و ﴿الْقُرْآنِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَكِتابٍ:﴾ معطوف على: ﴿الْقُرْآنِ،﴾ وقرئ برفعه على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: (كتاب).
﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾
الشرح: ﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ خص الله المؤمنين بالذكر هنا وفي كثير من الآيات؛ لأنهم هم المهتدون، والمنتفعون بآيات القرآن، فعملوا بتعاليمه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، ولذا وصفهم العزيز الحكيم بالصفات الثلاث الآتية. هذا؛ وأصل ﴿هُدىً﴾ هديا، أو هدي، بضم الهاء، وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان، الألف والتنوين الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار ﴿هُدىً﴾ وإنما أتوا بياء أخرى؛ لتدل على الياء الأصلية المحذوفة، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: هدا؛ فلا يوجد ما يدل عليها.
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ جمع: مؤمن، والإيمان الصحيح: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان، ولما سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر: خيره، وشرّه من الله تعالى».
والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما بينته في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة، وفروع عديدة، وهي سبع وسبعون، أعلاها: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ،﴾ وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين، بمعنى الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ:﴾ يؤدونها في أوقاتها، ويحافظون على طهارتها، ويتمّون ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلّى، ولا يقال: أقام
стр. 4269
الصلاة. هذا؛ والصلاة في اللغة: الدعاء، والتضرّع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي، والصلاة من العبد معناها: التضرّع والدعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، وطلب الرحمة، ومن الله على عباده، معناها الرحمة وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾. وانظر: ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ في الآية رقم [٥٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
هذا؛ وأصل ﴿يُقِيمُونَ:﴾ (يؤقومون) حذفت الهمزة للتخفيف، حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل أاقوم، الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: (يقومون) ثم يقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو، وهي الكسرة إلى القاف قبلها، فصار: (يقومون) ثم قلبت الواو ياء، لمناسبة الكسرة، وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله للتعدية، مثل: أجاب، يجيب، وأكرم، يكرم... إلخ، كما حذفت الهمزة الثانية من: يؤمنون؛ لأن ماضيه: آمن، وأصله: أأمن، والمضارع: يؤأمن أؤمن، فحذفت من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]
فإنّه أهل لأن يؤكرما
ولا تنس: أن هذه الهمزة المزيدة تحذف من اسمي الفاعل، والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، والقياس: مؤكرم، ومؤكرم، وقس على ذلك، وإعلال (يؤتون) مثل ما تقدم؛ لأن ماضيه آتي، وأصله أأتى، وأصل ﴿يُوقِنُونَ﴾ (يؤيقنون)؛ لأنه من: (أيقن) الرباعي، فحذفت الهمزة على مثال ما رأيت في ﴿يُقِيمُونَ﴾ فصار:
(ييقنون) ثم قلبت الياء الثانية واوا لسكونها، وانضمام ما قبلها.
هذا؛ وأما ﴿الزَّكاةَ﴾ فهي في اللغة: التطهير، والنماء. وفي الشرع: اسم لمال مخصوص، يدفع لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)، وقد خص الله الصلاة، والزكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣١] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر الصلاة التي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، والتي لا تنهاه في العنكبوت [٤٥].
الإعراب: ﴿هُدىً:﴾ يجوز في محله النصب على الحال من ﴿آياتُ﴾ أي: هداية، وبشارة، والعامل اسم الإشارة؛ لما فيه من معنى الفعل، ويجوز في محله الجر على أنه بدل من (كتاب)،
стр. 4270
أو صفة له، كما يجوز في محله الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي هدى، أو على البدل من ﴿آياتُ،﴾ أو على أنه خبر بعد خبر، وعلامة النصب، أو الجر، أو الرفع مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَبُشْرى:﴾ الواو: حرف عطف، (بشرى): معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيه، والفتحة، أو الكسرة، أو الضمة، مقدرة على الألف للتعذر، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بأحد الاسمين على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وحذفت صفة الثاني.
﴿الَّذِينَ:﴾ يجوز في محله الجر على الإتباع ل: (المؤمنين) على البدلية، أو الوصفية، والنصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، وهو مبني على الفتح في محل جر، أو في محل رفع، أو في محل نصب، وجملة: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.
﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد للمبتدأ. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وأجيز عطفها على جملة الصلة، كما أجيز اعتبارها مستأنفة، ومعترضة في آخر الكلام، ولا محل لها على الوجهين.
تنبيه: قال زادة: ولما كان إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مما يتكرر، ويتجدد في أوقاتهما؛ أتي بهما فعلين، ولما كان الإيقان بالآخرة أمرا ثابتا، مطلوبا دوامه، أتي به جملة اسمية، وجعل خبرها مضارعا للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد. انتهى. جمل. فهذه فائدة جديرة بالاعتبار. والله الموفق، والمعين، ولا تنس: أن الآية الكريمة مذكورة بحروفها كاملة برقم [٥] من سورة لقمان.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يصدقون، ولا يعترفون بالآخرة، وما فيها من حساب، وجزاء، وجنة، ونار، وهم الكفار ومن لف لفهم من الفاسدين المفسدين، ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ:﴾ قال الزمخشري رحمه الله تعالى: فإن قلت: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته، وقد أسنده إلى الشيطان في قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ؟﴾ قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك:
أن إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله مجاز، وله طريقان في علم البيان:
стр. 4271
أحدهما: أنه من المجاز الذي يسمى استعارة. والثاني: أن يكون من المجاز الحكمي.
فالطريق الأول: أنه لما متعهم بطول العمر، وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم، وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وبطرهم، وإيثارهم الراحة، والترفه، ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة، والمشاق المتعبة؛ فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم، وإليه أشارت الملائكة- صلوات الله وسلامه عليهم-في قولهم: ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾.
والطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان وتخليته؛ حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه؛ لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات. وقيل: هي أعمال الخير؛ التي وجب عليهم أن يعملوها، زينها الله لهم، فعموا عنها، وضلوا. ويعزى إلى الحسن. انتهى. كشاف.
وانظر الآية رقم [٢٤] الآتية. ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ يتحيرون، ويترددون، لا يعرفون ما يلحقهم من ضر، أو نفع، والعمه: التحيّر، والتردد، كما يكون حال الضال عن الطريق. وعن بعض الأعراب: أنه دخل السوق، وما أبصرها قط، فقال: رأيت الناس عمهين، أراد مترددين في أشغالهم، وأعمالهم، قال رؤبة بن العجّاج: [الرجز]
ومهمه أطرافه في مهمه... أعمى الهدى بالحائرين العمّه
هذا؛ والعمه قريب من العمى، لكن العمى يطلق على ذهاب نور العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني. وفي المصباح: عمه، يعمه عمها من باب: تعب إذا تردد متحيرا، و: «تعامه» مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء: إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه، واعمه. انتهى. جمل. وهذا الفعل لم أر له ماضيا، ولا أمرا، فيظهر: أنه فعل جامد، لا يأتي منه غير المضارع، وإن ذكر في كتب اللغة ماض له، لكنه لم يستعمل، ولم يتداول، وهو بلفظ المضارع كثير في القرآن الكريم.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ. والواو: فاعله.
﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿زَيَّنّا:﴾ فعل ماض مبني على السكون، و (نا): فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿زَيَّنّا لَهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون، في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
стр. 4272
﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾
الشرح: ﴿أُوْلئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين لا يؤمنون بالآخرة. ﴿الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ﴾ أي:
في الدنيا بالقتل، والأسر، والخوف على أنفسهم، وأموالهم. ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أي:
أشد الناس خسرانا يوم القيامة؛ لفوات المثوبة، واستحقاق العقاب لهم، وقد قيل في تفسير خسران الكافرين: أنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران، وأيّ خسران أعظم من هذا الخسران! ويستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾. هذا؛ والمراد بالآخرة: الحياة الثانية، التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها.
الإعراب: ﴿أُوْلئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿لَهُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سُوءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية صلة الموصول، والجملة الاسمية: ﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾ الذي هو خبر المبتدأ، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والضمير الثاني توكيد للأول أو هو ضمير فصل، فهو يفيد التوكيد أيضا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾
الشرح: ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ . ﴿لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ:﴾ لتؤتاه؛ أي: يلقى عليك بواسطة جبريل الأمين، ﵇، فتأخذه، وتتعلمه. ﴿مِنْ لَدُنْ:﴾ من عند. ﴿حَكِيمٍ عَلِيمٍ:﴾ أيّ حكيم، وأيّ عليم؟! والجمع بينهما-مع أن العلم داخل في الحكمة-لعموم العلم، ودلالة الحكمة على إتقان الفعل، والإشعار بأن علوم القرآن، منها ما هي حكمة كالعقائد، والشرائع، ومنها ما ليس كذلك، كالقصص، والإخبار عن المغيبات. انتهى. بيضاوي. وقال الخازن:
الحكمة هي العلم بالأمور العلمية فقط، والعلم أعم منه؛ لأن العلم قد يكون علما، وقد يكون نظرا، والعلوم النظرية أشرف. انتهى.
стр. 4273
تنبيه: قرئ قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٣٧]: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ برفع آدم، ونصب كلمات، وقرأ ابن عباس-﵄-بنصب آدم، ورفع كلمات، ومعنى القراءتين واحد، وهذا مبني على قاعدة، وهي أن ما لقيك فقد لقيته، وما لقيته فقد لقيك.
هذا؛ و ﴿لَدُنْ﴾ بمعنى عند، وفيها إحدى عشرة لغة، أفصحها: إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها، معناها: أول غاية زمان، أو مكان، وقلما يفارقها «من» الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة؛ تمحضت للزمان؛ لأن ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا «حيث». ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لما لم يتمحض «لدن» في الأصل للزمان، وإذا أضيفت للضمير وجب إثبات النون؛ لأنه لا يقال: لده، ولا لدك، و «لدن» مبني في جميع لغاته، وإنما لم يعرب ك: «عند»؛ لأن «عند» لما بحضرتك، وما يبعد منك، وقد كان حكمها أن تبنى ك: «لدن» لو لم يلحقها من التعريف ما ذكرناه، و «لدن» لا يتجاوز بها حضرة الشيء، فلهذا كانت مبنية.
الإعراب: ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتُلَقَّى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تلقى): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، وهو المفعول الأول. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر.
﴿لَدُنْ:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و ﴿لَدُنْ:﴾ مضاف، و ﴿حَكِيمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٍ:﴾ بدل من ﴿حَكِيمٍ؛﴾ لأنهما اسمان للذات العلية، وجملة: ﴿لَتُلَقَّى..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّكَ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾
الشرح: ﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ﴾ أي: اذكر يا محمد لقومك وقت قال موسى لأهله: امكثوا هنا.
وهذا كان حين قضى الأجل الذي عاقد شعيبا عليه، ثم استأذنه في الرجوع إلى أهله بمصر، وخرج بزوجه، فلما وافى وادي الطور، وفيه جبل الطور، وكانت أيام الشتاء، فأخذ على غير الطريق المعروف مخافة من ملوك الشام، وامرأته حامل في شهرها، لا يدري: أليلا تضع حملها أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها، فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، وذلك في ليلة مظلمة مثلجة، شديدة البرد لما أراد الله من كرامته، فأخذ امرأته الطلق، فأخذ زنده، فجعل يقدح فيها، فلا توري، فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور الأيمن.
стр. 4274
﴿إِنِّي آنَسْتُ ناراً﴾ أي: أبصرت نارا، قال الحارث بن حلّزة اليشكري: في معلقته: [الخفيف]
آنست نبأة وأفزعها القن... ناص عصرا وقد دنا الإمساء
قال ابن عباس-﵄: فلما توجه نحو النار، فإذا النار في شجرة عناب، فوقف متعجبا من حسن ذلك الضوء، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا شدة حر النار تغير حسن خضرة الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة، ولا نعمة الخضرة تغيران حسن ضوء النار.
﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ:﴾ السين تفيد الوعد، وقد قال في سورة (طه): ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ﴾ ولعل تفيد الرجاء، وهما متدافعان؛ لأن السين تفيد اليقين، والرجاء بخلاف ذلك، وجوابه: قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه، سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه عدم الوقوع، والحصول.
﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ:﴾ يقرأ بتنوين (شهاب) وعدمه بإضافة النوع إلى الجنس، كما تقول: هذا ثوب خز، وخاتم حديد، وشبهه، والشهاب: كل ذي نور، نحو: الكوكب، والعود، والموقد.
والقبس: اسم لما يقتبس من جمر، وما أشبهه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ:﴾ رجاء أن تستدفئوا بها، والصلاء: النار العظيمة. هذا؛ ويقال: اصطلى، يصطلي: إذا استدفأ. قال الشاعر: [الكامل]
النّار فاكهة الشّتاء فمن يرد... أكل الفواكه شاتيا فليصطل
وفي سورة (طه) قوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ فرجا أحد أمرين وجود هاد يهديه الطريق الذي أضله، أو إتيان قبس من النار؛ ليستدفئ به أهله، والمراد بأهله: زوجته وولده ومن كان معه من خدمه ورعاة غنمه. هذا؛ و ﴿تَصْطَلُونَ﴾ فيه إبدال حرف بحرف؛ لأن أصله: (تصتلون) فلما وقعت تاء الافتعال بعد حرف الإطباق، وهو الصاد، قلبت طاء على القاعدة. وهو من: صلي بالنار. وفي المصباح: (صلي بالنار) وصليها صلى من باب: تعب:
وجد حرها، والصّلاء بوزن كتاب: حر النار. هذا؛ وفي سورة (القصص): ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. وقيل: هو مفعول به لهذا المحذوف. وقيل: متعلق ب ﴿عَلِيمٍ،﴾ والمعتمد الأول. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿مُوسى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِأَهْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها.
﴿آنَسْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ناراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ، في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿سَآتِيكُمْ:﴾ السين: حرف استقبال. ﴿آتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه
стр. 4275
ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿مِنْها بِخَبَرٍ:﴾ جار ومجرور كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بِخَبَرٍ﴾ في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿بِشِهابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿قَبَسٍ:﴾ صفة (شهاب) على تأويله بمفعول، أي: مقتبس، أو هو بدل منه على تنوينه، ومضاف، ومضاف إليه على عدم التنوين، وجملة: ﴿آتِيكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿تَصْطَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل خبر (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ، تعليل لإتيانه ما رأى. وقيل: في محل نصب حال؛ أي: راجيا تأمين الدفء لكم، وتوفيره، وفيه أن الرجاء إنشاء.
﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَها﴾ أي: فلما جاء موسى الذي ظن أنه نار؛ وهي نور، ووقف قريبا منها، ورآها تخرج من الشجرة، فعجب منها، كما رأيت في الآية السابقة، وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها، فمالت إليه، فخافها فتأخر عنها، ثم لم تزل تطمعه، ويطمع فيها إلى أن وضح أمرها، على أنها مأمورة لا يدري ما شأنها؟! ﴿نُودِيَ:﴾ ناداه الله تعالى، كما قال جل ذكره: ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾.
﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها:﴾ التقدير: بورك على من في النار، وهو موسى، أو على من في قرب منها، لا أنه كان في وسطها، وقال السدي: كان في النار ملائكة، فالتبريك عائد إلى موسى، والملائكة، أي: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين هم حولها، وقيل: البركة راجعة إلى النار نفسها، ومن حولها الملائكة وموسى. وحكى الكسائي عن العرب: باركك الله، وبارك فيك. وقال الثعلبي: العرب تقول: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، أربع لغات. قال الشاعر: [الطويل]
فبوركت مولودا وبوركت ناشئا... وبوركت عند الشّيب إذ أنت أشيب
وهناك قول قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير: قدّس من في النار وهو الله ، عنى به نفسه تقدّس، وتعالى. قال ابن عباس ومحمد بن كعب: النار نور الله ، نادى الله موسى، وهو في النور؛ وتأويل هذا: أن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-رأى نورا عظيما، فظنه نارا، وهذا؛ لأن الله تعالى ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار، لا أنه يتحيز في جهة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ لا أنه يتحيز فيهما، ولكن يظهر في كل فعل، فيعلم به وجود الفاعل. وقيل على هذا: أي: بورك من في النار سلطانه، وقدرته. وقيل: أي بورك ما في النار من أمر الله تعالى الذي جعله علامة.
следующие страницы →