← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

أحدهما: أنه من المجاز الذي يسمى استعارة. والثاني: أن يكون من المجاز الحكمي. فالطريق الأول: أنه لما متعهم بطول العمر، وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم، وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وبطرهم، وإيثارهم الراحة، والترفه، ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة، والمشاق المتعبة؛ فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم، وإليه أشارت الملائكة- صلوات الله وسلامه عليهم-في قولهم: ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾. والطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان وتخليته؛ حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه؛ لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات. وقيل: هي أعمال الخير؛ التي وجب عليهم أن يعملوها، زينها الله لهم، فعموا عنها، وضلوا. ويعزى إلى الحسن. انتهى. كشاف. وانظر الآية رقم [٢٤] الآتية. ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ يتحيرون، ويترددون، لا يعرفون ما يلحقهم من ضر، أو نفع، والعمه: التحيّر، والتردد، كما يكون حال الضال عن الطريق. وعن بعض الأعراب: أنه دخل السوق، وما أبصرها قط، فقال: رأيت الناس عمهين، أراد مترددين في أشغالهم، وأعمالهم، قال رؤبة بن العجّاج: [الرجز] ومهمه أطرافه في مهمه... أعمى الهدى بالحائرين العمّه هذا؛ والعمه قريب من العمى، لكن العمى يطلق على ذهاب نور العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني. وفي المصباح: عمه، يعمه عمها من باب: تعب إذا تردد متحيرا، و: «تعامه» مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء: إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه، واعمه. انتهى. جمل. وهذا الفعل لم أر له ماضيا، ولا أمرا، فيظهر: أنه فعل جامد، لا يأتي منه غير المضارع، وإن ذكر في كتب اللغة ماض له، لكنه لم يستعمل، ولم يتداول، وهو بلفظ المضارع كثير في القرآن الكريم. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ. والواو: فاعله. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿زَيَّنّا:﴾ فعل ماض مبني على السكون، و (نا): فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿زَيَّنّا لَهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون، في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

стр. 4272

﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾ الشرح: ﴿أُوْلئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين لا يؤمنون بالآخرة. ﴿الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ﴾ أي: في الدنيا بالقتل، والأسر، والخوف على أنفسهم، وأموالهم. ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أي: أشد الناس خسرانا يوم القيامة؛ لفوات المثوبة، واستحقاق العقاب لهم، وقد قيل في تفسير خسران الكافرين: أنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران، وأيّ خسران أعظم من هذا الخسران! ويستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾. هذا؛ والمراد بالآخرة: الحياة الثانية، التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها. الإعراب: ﴿أُوْلئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سُوءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية صلة الموصول، والجملة الاسمية: ﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾ الذي هو خبر المبتدأ، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والضمير الثاني توكيد للأول أو هو ضمير فصل، فهو يفيد التوكيد أيضا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ . ﴿لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ:﴾ لتؤتاه؛ أي: يلقى عليك بواسطة جبريل الأمين، ﵇، فتأخذه، وتتعلمه. ﴿مِنْ لَدُنْ:﴾ من عند. ﴿حَكِيمٍ عَلِيمٍ:﴾ أيّ حكيم، وأيّ عليم؟! والجمع بينهما-مع أن العلم داخل في الحكمة-لعموم العلم، ودلالة الحكمة على إتقان الفعل، والإشعار بأن علوم القرآن، منها ما هي حكمة كالعقائد، والشرائع، ومنها ما ليس كذلك، كالقصص، والإخبار عن المغيبات. انتهى. بيضاوي. وقال الخازن: الحكمة هي العلم بالأمور العلمية فقط، والعلم أعم منه؛ لأن العلم قد يكون علما، وقد يكون نظرا، والعلوم النظرية أشرف. انتهى.

стр. 4273

تنبيه: قرئ قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٣٧]: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ برفع آدم، ونصب كلمات، وقرأ ابن عباس-﵄-بنصب آدم، ورفع كلمات، ومعنى القراءتين واحد، وهذا مبني على قاعدة، وهي أن ما لقيك فقد لقيته، وما لقيته فقد لقيك. هذا؛ و ﴿لَدُنْ﴾ بمعنى عند، وفيها إحدى عشرة لغة، أفصحها: إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها، معناها: أول غاية زمان، أو مكان، وقلما يفارقها «من» الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة؛ تمحضت للزمان؛ لأن ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا «حيث». ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لما لم يتمحض «لدن» في الأصل للزمان، وإذا أضيفت للضمير وجب إثبات النون؛ لأنه لا يقال: لده، ولا لدك، و «لدن» مبني في جميع لغاته، وإنما لم يعرب ك: «عند»؛ لأن «عند» لما بحضرتك، وما يبعد منك، وقد كان حكمها أن تبنى ك: «لدن» لو لم يلحقها من التعريف ما ذكرناه، و «لدن» لا يتجاوز بها حضرة الشيء، فلهذا كانت مبنية. الإعراب: ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتُلَقَّى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تلقى): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، وهو المفعول الأول. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿لَدُنْ:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و ﴿لَدُنْ:﴾ مضاف، و ﴿حَكِيمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٍ:﴾ بدل من ﴿حَكِيمٍ؛﴾ لأنهما اسمان للذات العلية، وجملة: ﴿لَتُلَقَّى..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾ الشرح: ﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ﴾ أي: اذكر يا محمد لقومك وقت قال موسى لأهله: امكثوا هنا. وهذا كان حين قضى الأجل الذي عاقد شعيبا عليه، ثم استأذنه في الرجوع إلى أهله بمصر، وخرج بزوجه، فلما وافى وادي الطور، وفيه جبل الطور، وكانت أيام الشتاء، فأخذ على غير الطريق المعروف مخافة من ملوك الشام، وامرأته حامل في شهرها، لا يدري: أليلا تضع حملها أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها، فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، وذلك في ليلة مظلمة مثلجة، شديدة البرد لما أراد الله من كرامته، فأخذ امرأته الطلق، فأخذ زنده، فجعل يقدح فيها، فلا توري، فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور الأيمن.

стр. 4274

﴿إِنِّي آنَسْتُ ناراً﴾ أي: أبصرت نارا، قال الحارث بن حلّزة اليشكري: في معلقته: [الخفيف] آنست نبأة وأفزعها القن... ناص عصرا وقد دنا الإمساء قال ابن عباس-﵄: فلما توجه نحو النار، فإذا النار في شجرة عناب، فوقف متعجبا من حسن ذلك الضوء، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا شدة حر النار تغير حسن خضرة الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة، ولا نعمة الخضرة تغيران حسن ضوء النار. ﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ:﴾ السين تفيد الوعد، وقد قال في سورة (طه): ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ﴾ ولعل تفيد الرجاء، وهما متدافعان؛ لأن السين تفيد اليقين، والرجاء بخلاف ذلك، وجوابه: قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه، سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه عدم الوقوع، والحصول. ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ:﴾ يقرأ بتنوين (شهاب) وعدمه بإضافة النوع إلى الجنس، كما تقول: هذا ثوب خز، وخاتم حديد، وشبهه، والشهاب: كل ذي نور، نحو: الكوكب، والعود، والموقد. والقبس: اسم لما يقتبس من جمر، وما أشبهه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ:﴾ رجاء أن تستدفئوا بها، والصلاء: النار العظيمة. هذا؛ ويقال: اصطلى، يصطلي: إذا استدفأ. قال الشاعر: [الكامل] النّار فاكهة الشّتاء فمن يرد... أكل الفواكه شاتيا فليصطل وفي سورة (طه) قوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ فرجا أحد أمرين وجود هاد يهديه الطريق الذي أضله، أو إتيان قبس من النار؛ ليستدفئ به أهله، والمراد بأهله: زوجته وولده ومن كان معه من خدمه ورعاة غنمه. هذا؛ و ﴿تَصْطَلُونَ﴾ فيه إبدال حرف بحرف؛ لأن أصله: (تصتلون) فلما وقعت تاء الافتعال بعد حرف الإطباق، وهو الصاد، قلبت طاء على القاعدة. وهو من: صلي بالنار. وفي المصباح: (صلي بالنار) وصليها صلى من باب: تعب: وجد حرها، والصّلاء بوزن كتاب: حر النار. هذا؛ وفي سورة (القصص): ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. وقيل: هو مفعول به لهذا المحذوف. وقيل: متعلق ب ﴿عَلِيمٍ،﴾ والمعتمد الأول. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿مُوسى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِأَهْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿آنَسْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ناراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ، في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿سَآتِيكُمْ:﴾ السين: حرف استقبال. ﴿آتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه

стр. 4275

ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿مِنْها بِخَبَرٍ:﴾ جار ومجرور كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بِخَبَرٍ﴾ في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿بِشِهابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿قَبَسٍ:﴾ صفة (شهاب) على تأويله بمفعول، أي: مقتبس، أو هو بدل منه على تنوينه، ومضاف، ومضاف إليه على عدم التنوين، وجملة: ﴿آتِيكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿تَصْطَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل خبر (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ، تعليل لإتيانه ما رأى. وقيل: في محل نصب حال؛ أي: راجيا تأمين الدفء لكم، وتوفيره، وفيه أن الرجاء إنشاء. ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَها﴾ أي: فلما جاء موسى الذي ظن أنه نار؛ وهي نور، ووقف قريبا منها، ورآها تخرج من الشجرة، فعجب منها، كما رأيت في الآية السابقة، وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها، فمالت إليه، فخافها فتأخر عنها، ثم لم تزل تطمعه، ويطمع فيها إلى أن وضح أمرها، على أنها مأمورة لا يدري ما شأنها؟! ﴿نُودِيَ:﴾ ناداه الله تعالى، كما قال جل ذكره: ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾. ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها:﴾ التقدير: بورك على من في النار، وهو موسى، أو على من في قرب منها، لا أنه كان في وسطها، وقال السدي: كان في النار ملائكة، فالتبريك عائد إلى موسى، والملائكة، أي: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين هم حولها، وقيل: البركة راجعة إلى النار نفسها، ومن حولها الملائكة وموسى. وحكى الكسائي عن العرب: باركك الله، وبارك فيك. وقال الثعلبي: العرب تقول: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، أربع لغات. قال الشاعر: [الطويل] فبوركت مولودا وبوركت ناشئا... وبوركت عند الشّيب إذ أنت أشيب وهناك قول قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير: قدّس من في النار وهو الله ، عنى به نفسه تقدّس، وتعالى. قال ابن عباس ومحمد بن كعب: النار نور الله ، نادى الله موسى، وهو في النور؛ وتأويل هذا: أن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-رأى نورا عظيما، فظنه نارا، وهذا؛ لأن الله تعالى ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار، لا أنه يتحيز في جهة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ لا أنه يتحيز فيهما، ولكن يظهر في كل فعل، فيعلم به وجود الفاعل. وقيل على هذا: أي: بورك من في النار سلطانه، وقدرته. وقيل: أي بورك ما في النار من أمر الله تعالى الذي جعله علامة.

стр. 4276

ومما يدل على صحة قول ابن عباس-﵄-ما خرّجه مسلم في صحيحه، وابن ماجه في سننه، واللفظ له عن أبي موسى الأشعري-﵁-قال، قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور، لو كشفها؛ لأحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره». ثم قرأ أبو عبيدة: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ..﴾. إلخ. قال أبو عبيد: يقال السّبحات: إنها جلال وجهه، ومنها قيل: سبحان الله، إنما هو تعظيم له وتنزيه. انتهى. قرطبي بتصرف. ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: تنزيها وتقديسا لله رب العالمين. هذا؛ و ﴿وَسُبْحانَ:﴾ اسم مصدر، وقيل: هو مصدر، مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل سبّح بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل: معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح، بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع] قد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر؟ وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا به، وجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع، وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف والنون، ومعناه التنزيه، والبراءة لله- -من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى، لا يصلح لغيره، وقد روي عن طلحة الخير بن عبيد الله-أحد العشرة المبشرين بالجنة، ﵃ أجمعين-: أنه قال للنبي ﷺ : ما معنى سبحان الله؟ فقال: «تنزيه الله من كلّ سوء». والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزه الله تنزيها، فوقع «سبحان الله» مكان قولك: «تنزيها لله». الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَها:﴾ فعل ماض، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿مُوسى،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿نُودِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿أَنْ:﴾ فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها المفسرة لتقدم ما هو بمعنى القول عليها. والثاني: أنها الناصبة للمضارع، ودخلت

стр. 4277

على الماضي هنا، وعليه فتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن بورك، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. والثالث: أنها المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وجملة: ﴿بُورِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر، ولم يحتج إلى فاصل؛ لأن الفعل دعاء، وعليه فتؤول هي، واسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف كالسابق، وعلى اعتبار ﴿أَنْ﴾ مفسرة فالجملة الفعلية لا محل لها. هذا؛ وقيل: إن نائب فاعل: ﴿نُودِيَ﴾ هو الجار والمجرور على الوجهين في ﴿أَنْ،﴾ وقيل: إنه ضمير المصدر المفهوم من الفعل، أي: نودي النداء، ثم فسر بما بعده، على حد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾. ﴿بُورِكَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نائب فاعله. ﴿فِي النّارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): معطوف على سابقه، فهو في محل رفع مثله. ﴿حَوْلَها:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نُودِيَ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها. و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَسُبْحانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (سبحان): مفعول مطلق لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح، و (سبحان) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أي: ويقول من حولها. وقيل: التقدير: وقال موسى حين فرغ من سماع النداء. وقيل: هو من قول الله تعالى. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه. و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة: ﴿وَسُبْحانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ الشرح: ﴿يا مُوسى إِنَّهُ﴾ أي: الحال والشأن. ﴿أَنَا اللهُ:﴾ الغالب، القوي، القاهر؛ الذي ليس كمثله شيء. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في فعله، وأمره، ونهيه. قيل: إن موسى-﵇-قال: يا رب! من الذي ينادي، قال الله له: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف المقصورة في محل نصب ب: (يا)، ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل فيه ثلاثة أوجه: الأول: اعتباره ضمير

стр. 4278

فصل لا محل له. والثاني: اعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، وعليهما، فلفظ الجلالة خبر (إنّ)، وما بعده خبران آخران، والثالث: اعتباره مبتدأ، وما بعده أخبار له متعددة، وعليه، فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والآية كلها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر الشرح، وجملة: «قال الله: يا موسى...» إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقال ابن هشام في المغني: يجوز في الضمير ثلاثة أوجه: الفصل، وهو أرجحها، والابتداء، وهو أضعفها، ويختص بلغة تميم، والتوكيد. ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠)﴾ الشرح: ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ:﴾ في الآية حذف؛ إذ التقدير: وألق عصاك فألقاها من يده، فصارت حية تهتز كأنها جان، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم. وقيل: إنها قلبت له أولا حية صغيرة، فلمّا أنس منها؛ قلبت حية كبيرة. وقيل: انقلبت مرة حية صغيرة، ومرة حية تسعى، وهي الأنثى، وهو ما عبر عنها في سورة (طه) بقوله: ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى،﴾ ومرة ثعبانا، وهو الذكر الكبير من الحيات، وقد عبر عنها بقوله في سورة (الشعراء) وفي سورة (الأعراف): ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ وانظر ما ذكرته في سورة (طه) رقم [٢٠]، وفي سورة (القصص) رقم [٣١] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَلّى مُدْبِراً:﴾ خائفا على عادة البشر هاربا من هول ما رأى. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ:﴾ لم يرجع، ولم يلتفت لشدة خوفه، ورعبه؛ لأنه ظن: أن هذا الأمر أريد به. يقال: عقّب المقاتل إذا كرّ، ورجع بعد الفرار، قال الشاعر: [الطويل] فما عقّبوا إذ قيل هل من معقّب؟ ... ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا فهو يصف قوما بالجبن، وأنهم إن قيل: هل من معقب، وراجع على عقبه للحرب؛ لم يرجعوا إليها ولا نزلوا يوم الحرب منزلا من منازلها. ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ أي: ناداه ربه: يا موسى لا تخف من الحية، وضررها. ﴿إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: لا يخاف المرسلون إذا خاطبتهم، وسمعوا كلامي، وكانوا بين يدي. هذا؛ و ﴿لَدَيَّ﴾ ظرف مكان بمعنى: «عند» وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا؛ قلبت ألفها ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف على، وإلى، ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر: [الوافر] إلاكم يا خناعة لا إلانا... عزا النّاس الضّراعة والهوانا

стр. 4279

فلو برأت عقولكم بصرتم... بأنّ دواء دائكم لدانا وذلكم إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكم علانا وهذا الأبيات هي الشاهد رقم [٧٩٢] من كتابنا فتح الكريم الواسع إعراب شواهد همع الهوامع، ثم اعلم: أن «عند» أمكن من «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويمتنع ذلك في: «لدى». ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنك تقول: عندي مال وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال (إلا إذا كان حاضرا). قاله جماعة. الإعراب: ﴿وَأَلْقِ:﴾ الواو: حرف عطف. (ألق): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، ﴿عَصاكَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿بُورِكَ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها؛ إذ التقدير: نودي أن بورك... وأن ألق، ويدل عليه قوله: ﴿أَنْ يا مُوسى﴾ ﴿وَأَنْ أَلْقِ﴾ إلخ سورة (القصص) رقم [٣٠] [٣١] ويكون ما بينهما كلاما معترضا، وقال الجمل نقلا عن السمين: الجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من الجملة الاسمية الخبرية، وقد تقدم: أن سيبويه لا يشترط تناسب الجمل، وأنه يجيز: جاء زيد، ومن أبوك؟ وقاله هنا بدون ذكر (أن) وفي القصص بذكرها؛ لأن ما هنا تقدمه فعل بعد ﴿أَنْ،﴾ وهو ﴿بُورِكَ،﴾ فحسن عطف الفعل عليه، وما هناك لم يتقدمه فعل بعد (أن)، فذكرت (أن) لتكون جملة (أن ألق) معطوفة على جملة: ﴿أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ﴾. انتهى. أقول: وهذا الكلام يؤيد الوجه الأول في العطف. تأمل. ﴿فَلَمّا:﴾ انظر الآية رقم [٨]، ﴿رَآها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر، يعود إلى ﴿مُوسى،﴾ و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية يقال فيها ما قلته بجملة: ﴿جاءَها،﴾ ﴿تَهْتَزُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى «العصا» تقديره: هي، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط، ولا يجوز اعتبار الجملة مفعولا ثانيا ل: (رأى) لأنه بصري، لا قلبي. ﴿كَأَنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (ها): ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿جَانٌّ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَهْتَزُّ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي حال متداخلة، أو هي حال ثانية من الضمير المنصوب. ﴿وَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (موسى)، ﴿مُدْبِراً:﴾ حال منه، والجملة الفعلية جواب (لما)، لا محل لها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال، (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم، ﴿يُعَقِّبْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لم)، والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿وَلّى،﴾ والرابط: الواو،

стр. 4280

والضمير، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف، أو هو معطوف على الكلام الذي رأيته في الشرح، ولا محل له على الاعتبارين. ﴿يا مُوسى:﴾ منادى مثل سابقه. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَخَفْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾. والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخافُ:﴾ فعل مضارع. ﴿لَدَيَّ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء، والمدغمة في ياء المتكلم، التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُرْسَلُونَ:﴾ فاعل: ﴿يَخافُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، والكلام: ﴿يا مُوسى..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. هذا؛ والآية مذكورة في سورة (القصص) برقم [٣١] بحروفها. ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾ الشرح: ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ..﴾. إلخ: قيل: هو ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل، والصغيرة، كالذي حصل من آدم، وداود، ﵉. وعليه الضحاك. أو كالذي حصل من آدم، ويونس، وداود، وسليمان، ومن إخوة يوسف، ومن موسى بوكزه القبطي، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وعليه الزمخشري، وغيره. وقيل: يحتمل أن يكون المراد منه التعريض بما وجد من موسى من قتله القبطي، وهو من التعريضات اللطيفة، وسماه ظلما لقوله ﵇: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ ثم إنه خاف من ذلك، فتاب. قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾. فإن قال قائل: فما معنى الخوف بعد التوبة، والمغفرة؟ قيل له: هذه سبيل العلماء بالله أن يكونوا خائفين من معاصيهم وجلين، وهم أيضا لا يأمنون أن يكون قد بقي من أشراط التوبة شيء لم يأتوا به، فهم يخافون من المطالبة به، ويدل على ذلك حديث الشفاعة يوم القيامة، وإذا أحدث المقرّب حدثا، فهو وإن غفر له ذلك الحدث؛ فأثر ذلك الحدث باق، وما دام الأثر، والتهمة قائمة؛ فالخوف كائن، لا خوف العقوبة، ولكن خوف العظمة، والمتهم عند السلطان يجد للتهمة حزازة تؤذيه، إلى أن يكدّر عليه صفاء الثقة، وموسى ﵇ قد كان منه الحدث في ذلك الفرعوني، ثم استغفر، وأقر بالظلم على نفسه، ثم غفر له، ثم قال بعد المغفرة ﴿رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من المرسلين. ﴿ظَلَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: هو،

стр. 4281

والمفعول محذوف، تقديره: ظلم نفسه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿بَدَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿حُسْناً:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة: ﴿حُسْناً،﴾ وهو أولى من تعليقه بالفعل: ﴿بَدَّلَ،﴾ و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿سُوءٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿بَدَّلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها. ﴿فَإِنِّي:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران ل (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنِّي..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مفرعة، ومستأنفة، وهذا الإعراب يجعل هذه الجملة غير مرتبطة بما قبلها، لذا فالوجه اعتبار ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في محل رفع خبره، والفاء زائدة لتحسين اللفظ، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿مَنْ ظَلَمَ..﴾. إلخ مستثنى من مضمون الكلام السابق. هذا؛ وقال الجمل: ﴿مَنْ﴾ شرطية، وجوابها جملة: ﴿فَإِنِّي..﴾. إلخ وتبقى الجملة اسمية في محل نصب على الاستثناء. هذا؛ وقيل: إن ﴿إِلاّ﴾ في هذه الآية بمعنى واو العطف، كما قيل: إنها بمعنى «لكن»، وهذان القولان ليسا بشيء. ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ:﴾ وفي سورة (القصص): ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ وهما بمعنى واحد، وقيل: كانت عليه مدرعة صوف، لا كم لها، ولا أزرار، فأدخل يده في جيبها، وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل شعاع الشمس أو البرق، والجيب طوق القميص، سمي جيبا؛ لأنه يجاب، أي: يقطع ليدخل فيه الرأس. هذا؛ وفي سورة (طه) قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ..﴾. إلخ رقم [٢٢] فيكون المراد بما هنا، وهناك: أدخل يدك في جيبك، وأوصلها تحت العضد، وضم عليها العضد، وهو المعبر عنه بالجناح. ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ:﴾ من غير عاهة، وقبح، كنى به عن البرص، كما كنى بالسّوءة عن العورة؛ لأن الطباع تعافه، وتنفر منه. قال ابن عباس-﵄: كان ليده نور ساطع يضيء بالليل، والنهار، كضوء الشمس، والقمر، فكان يعشى البصر من شدته. هذا؛ والسوء: الشر، والفساد، والجمع: أسواء، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتحها المصدر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء. وتأنيث السوء: السوأى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾.

стр. 4282

﴿فِي تِسْعِ آياتٍ:﴾ ﴿فِي﴾ بمعنى «مع» قاله جماعة، فتكون الآيات-أي: المعجزات-إحدى عشرة، منها اثنتان: اليد، والعصا، والتسع: الفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم. هذا؛ وقيل: ﴿فِي﴾ بمعنى «من» وهو قول ابن عطية. والأول قول الزجاج، وجماعة، وعليه: فاليد، والعصا من جملة التسع، وعليه؛ فالأخيران آية واحدة، والفلق ليس من التسع؛ لأنه حصل، ووقع فيه هلاك فرعون وجنوده. وانظر شرح هذه الآيات في محالها من سورة (الأعراف)، وسورة (يونس)، وسورة (الشعراء) إن أردت تفصيله. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله، وفيه إشارة خفية إلى أن فسوقهم كان بتقدير الله وقضائه عليهم، وعلمه الأزلي بأنهم لو تركوا وشأنهم؛ لما اختاروا غير الكفر، والعناد، والخروج عن طاعة الله تعالى. وانظر ما ذكرته عن الزمخشري في الآية رقم [١٧] من سورة (الفرقان) والإشارة الخفية مفهومة من التعبير بالماضي. هذا؛ و ﴿فاسِقِينَ﴾ جمع فاسق، وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله تعالى بارتكاب الكبيرة، وله ثلاث درجات: الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إياها. والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها. فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولا بس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك؛ فلا يسلب عنه اسم المؤمن؛ لا تصافه بالتصديق؛ الذي هو مسمى الإيمان. انتهى. بيضاوي. في غير هذا الموضع. الإعراب: ﴿وَأَدْخِلْ:﴾ الواو: حرف عطف، (أدخل): فعل أمر معطوف على (ألق)، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يَدَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي جَيْبِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تَخْرُجْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، والفاعل يعود إلى: ﴿يَدَكَ﴾. ﴿بَيْضاءَ:﴾ حال من الفاعل المستتر. ﴿مِنْ غَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أخرى من الفاعل المستتر، أو من الضمير المستتر في: ﴿بَيْضاءَ،﴾ أو بمحذوف صفة: ﴿بَيْضاءَ،﴾ أو هما متعلقان ب: ﴿بَيْضاءَ﴾ نفسها، وجملة: ﴿تَخْرُجْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر قبل (أدخل) ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿فِي تِسْعِ:﴾ قال السمين: فيه أوجه: أحدها: أنه حال ثالثة من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾. قاله أبو البقاء، واختاره الجلال، أي: آية في تسع آيات، وأراد بالحالين: الأولى والثانية قوله: ﴿بَيْضاءَ،﴾ وقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ في الآية السابقة. الثاني: أنها متعلقة بمحذوف؛ أي اذهب في تسع، وهو اختيار الزمخشري. الثالث: أن يتعلق بقوله: ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ،﴾ ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ،﴾ أي: في جملة: ﴿تِسْعِ آياتٍ﴾. انتهى. بتصرف. وهذا على قول ابن عطية، والزجاج في تفسير:

стр. 4283

﴿فِي،﴾ و ﴿تِسْعِ﴾ مضاف، و ﴿آياتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل (أدخل) المستتر، أي: مرسلا إلى فرعون، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف صفة: ﴿تِسْعِ،﴾ أو صفة ﴿آياتٍ،﴾ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. (قومه): معطوف على: ﴿فِرْعَوْنَ﴾ بالواو العاطفة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْماً:﴾ خبر كان. ﴿فاسِقِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْماً﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للإرسال المفهوم مما تقدم. ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا﴾ أي: المعجزات التي أيدنا بها موسى، وهي التسع المنصوص عليها فيما تقدم. ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي: بينة واضحة. وقال البيضاوي: اسم فاعل، أطلق للمفعول إشعارا بأنها لفرط اجتلائها للأبصار، بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما يبصر، أو ذات تبصر من حيث إنها تهدي، والعمي لا تهتدي، فضلا عن أن تهدي، أو مبصرة كل من نظر إليها، وتأمل فيها. انتهى. ﴿قالُوا﴾ أي: فرعون، وقومه، ﴿هذا﴾ أي: ما نشاهده، ونبصره. ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ:﴾ ظاهر واضح، وانظر شرح السحر في الآية رقم [٣٤] من سورة (الشعراء)، وإعلال: ﴿مُبِينٌ﴾ في الآية رقم [١] منها. الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ انظر الآية رقم [٨]. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿آياتُنا:﴾ فاعل، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُبْصِرَةً:﴾ حال من ﴿آياتُنا،﴾ وجملة: ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ لها محل، أو لا محل لها حسب ما رأيت في الآية رقم [٨]. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿سِحْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ الشرح: ﴿وَجَحَدُوا بِها:﴾ كذبوا الآيات، وأنكروها، ولم يقروا: أنها من عند الله. ﴿وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: أيقنوا: أنها من عند الله، فالسين والتاء زائدتان، وليستا للطلب،

стр. 4284

فيكون المعنى: جحدوا الآيات بألسنتهم، واستيقنوها بقلوبهم، وضمائرهم. هذا؛ والاستيقان أبلغ من الإيقان. ﴿ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ أي: اعتداء، وترفعا عن الإيمان بتلك المعجزات الباهرات. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ..﴾. إلخ: أي انظر كيف كان مالهم، ومصيرهم، وهو الإغراق في البحر، والإحراق بنار الجحيم، وإذاقتهم العذاب الأليم. والخطاب للنبي ﷺ ، ويعم كل من كان له قلب يتدبر، وعين تبصر، وتعتبر، وما يتذكر إلا أولو الألباب. هذا؛ وانظر تفصيل ما فعل الله بفرعون، وقومه في سورة (الشعراء) وسورة (الأعراف) وسورة (طه) و (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥١] الآتية فهو بحث جيد، يتعلق ب ﴿كانَ عاقِبَةُ﴾. الإعراب: ﴿وَجَحَدُوا:﴾ الواو: حرف عطف، (جحدوا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقال أبو عبيدة: الباء زائدة، أي وجحدوها. انتهى. قرطبي. ﴿وَاسْتَيْقَنَتْها:﴾ الواو: واو الحال. (استيقنتها): فعل ماض، والتاء للتأنيث، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ:﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، و «قد» قبلها مقدرة، ﴿ظُلْماً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال ثانيه بمعنى ظالمين. ﴿وَعُلُوًّا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر ب: «إذا». (انظر): فعل أمر، معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: ﴿كَيْفَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل (انظر)، وجملة: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿كانَ﴾ تامة، وفاعلها ﴿عاقِبَةُ،﴾ فتكون: ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من ﴿عاقِبَةُ﴾ والعامل: ﴿كانَ﴾. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً﴾ أي: منحناهما علما سنيا غزيرا، والمراد: علم الدين، والحكم وغيرهما مما هو من متعلقات النبوة، والرسالة، وهو مذكور في الزبور الذي أنزل على داود بالإضافة إلى الخلافة في الأرض. ﴿وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي..﴾. إلخ: وهنا كلام محذوف يجب تقديره ليصح العطف عليه بالواو، ولولا تقدير المحذوف، لكان الوجه الفاء،

стр. 4285

كقولك: أعطيته، فشكر، وتقدير الكلام: آتيناهما علما، فعملا به، وعلماه، وعرفا حق النعمة فيه، وقالا: الحمد لله الذي فضلنا. والكثير المفضل عليه من لم يؤت علما، أو من لم يؤت مثل علمهما. وفيه أنهما فضّلا على كثير، وفضّل عليهما كثير. وفي الآية الكريمة دليل على شرف العلم، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجلّ النعم، وأن من أوتيه؛ فقد أوتي فضلا على كثير من عباده، وما سماهم رسول الله ﷺ في أحاديثه الشريفة ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف، والمنزلة؛ لأنهم القوام بما بعثوا لأجله، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ وقال جل ذكره: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ وقال جل شأنه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. وفي الآية أيضا: أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله على ما أوتوه، وأن يعتقد العالم أنه إن فضّل على كثير؛ فقد فضّل عليه مثلهم، وما أحسن قول عمر-﵁: (كلّ الناس أفقه من عمر). انتهى. نسفي بتصرف كبير. وخذ قوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ،﴾ وقصة موسى مع الخضر دليل واضح لما ذكرت. هذا؛ وانظر ما ذكرته من عمر داود، وسليمان-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-في الآية رقم [٧٨] وما بعدها من سورة (الأنبياء) وأيضا الآية رقم [٥٥] من سورة (الإسراء). هذا؛ والحمد في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التبجيل، والتعظيم، سواء أكان في مقابلة نعمة أم لا؛ فالأول كمن يحسن إليك، والثاني كمن يجيد صلاته، وهو في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعما على الحامد أو غيره، سواء أكان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان التي هي الأعضاء؟ كما قال القائل: [الطويل] أفادتكم النّعماء منّي ثلاثة... يدي ولساني والضّمير المحجّبا ومما هو جدير بالذكر: أن معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح فهو: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. هذا؛ وقد حثنا الرسول ﷺ على حمد الله باللسان، ورغبنا فيه، وذكر لنا أحاديث ترغبنا فيه، وصيغا مفصّلة على غيرها؛ لما فيها من المعاني القوية، وخذ نبذة من ذلك فيما يلي: فعن عبد الله بن عمر-﵄: أن رسول الله ﷺ حدّثهم: «أنّ عبدا من عباد الله قال: يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فعضّلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها؟! فصعدا إلى السّماء، فقالا: يا ربّنا إنّ عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها؟ قال الله، وهو أعلم بما قال عبده: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا ربّ إنّه قد قال: يا ربّ لك

стр. 4286

الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتّى يلقاني، فأجزيه بها». رواه أحمد وابن ماجه. وعن أبي أيوب-﵁-قال: قال رجل عند رسول الله ﷺ : الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، فقال رسول الله ﷺ : «من صاحب الكلمة؟». فسكت الرجل، ورأى أنه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء يكرهه، فقال رسول الله ﷺ : «من هو؟ فإنه لم يقل إلا صوابا». فقال الرّجل: أنا قلتها يا رسول الله أرجو بها الخير! فقال: «والذي نفسي بيده! لقد رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون كلمتك، أيّهم يرفعها إلى الله ﵎». رواه الطبراني، والبيهقي. وانظر ما ذكرته في الشكر في الآية رقم [١٣] من سورة (سبأ). الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿داوُدَ:﴾ مفعول به أول. ﴿وَسُلَيْمانَ:﴾ معطوف على ما قبله بالواو العاطفة، ﴿عِلْماً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: (لقد آتينا...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. وانظر سورة (السجدة) رقم [٢٣] أو الآية رقم [٣٧] من سورة (طه) إن أردت الزيادة. ﴿وَقالا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالا): فعل ماض مبني على الفتح، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه. ﴿فَضَّلَنا:﴾ فعل ماض، و (نا): مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَلى كَثِيرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿كَثِيرٍ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ صفة ﴿عِبادِهِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة (قالا...) إلخ معطوفة على المحذوف الذي رأيت تقديره في الشرح، والذي هو معطوف على جملة جواب القسم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ:﴾ قال الكلبي: كان لداود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-تسعة عشر ولدا، فورث سليمان من بينهم نبوته وملكه، ولو كان وراثة مال، لكان جميع أولاده فيه سواء، فخص الله سليمان بما كان لداود من الحكمة، والنبوة، وزاده من فضله

стр. 4287

ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. وقال ابن عطية: ورث سليمان من داود ملكه، ومنزلته من النبوة، بمعنى: صار ذلك إليه بعد موت أبيه، فسمي ميراثا تجوزا، وهذا نحو قول النبي ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء». ويحتمل قوله-﵊: «إنّا معشر الأنبياء لا نورث». أنّه يريد: أن ذلك من فعل الأنبياء، وسيرتهم. وقال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبدا من سليمان. وقال غيره: لم يبلغ أحد من الأنبياء ما بلغ ملكه، فإن الله سخر له الإنس، والجن، والطير، والوحش، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، وورث أباه في الملك والنبوة، وقام بعده بشريعته، وكل نبي جاء بعد موسى ممن بعث، أو لم يبعث، فإنما كان بشريعة موسى إلى أن بعث عيسى ﵇، فنسخها. وقيل: إن بين موته وبين مولد النبي ﷺ ، نحوا من ألف وسبعمئة سنة، وعاش نيفا وخمسين سنة. ﴿وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ:﴾ سمى صوت الطير منطقا لحصول الفهم منه، والمنطق كل ما يصوت به من المفرد، والمؤلف المفيد، وغير المفيد. وقول سليمان هذا إنما هو تشهير لنعمة الله تعالى، واعتراف بمكانها، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، وكان سليمان ﵇ يفهم منها، كما يفهم بعضها من بعض. هذا؛ وروي عن كعب الأحبار قال: صاح ورشان عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب. وصاحت فاخته، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا، وليتهم إذا خلقوا علموا لماذا خلقوا، وصاح طاووس، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: كما تدين تدان. وصاح هدهد، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: من لا يرحم لا يرحم. وصاح صرد، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: استغفروا ربكم يا مذنبين. وصاحت طيطوى، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: كل حي ميت، وكل جديد بال، وصاح خطاف، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: قدموا خيرا تجدوه، وهدرت حمامة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه. وصاح قمريّ، فقال: أتدرون ما يقول: قالوا: لا، قال: إنه يقول: سبحان ربي العظيم. ثم قال: والغراب يدعو على العشار، والحدأة تقول: كل شيء هالك إلا وجهه. والقطاة تقول: من سكت سلم. والببغاء تقول: ويل لمن كانت الدنيا همه، والسرطان يقول: سبحان ربي القدوس. والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده. والضفدعة تقول: سبحان المذكور بكل لسان. والدّرّاج يقول: الرحمن على العرش استوى. وقال فرقد السّبخيّ: مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه، ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: لا يا نبي الله! قال: إنه يقول: أكلت نصف ثمرة،

стр. 4288

فعلى الدنيا العفاء. ومر بهدهد فوق شجرة، وقد نصب له صبي فخّا، فقال له سليمان: احذر يا هدهد! فقال: يا نبي الله، هذا صبي لا يعقل، فأنا أسخر به. ثم رجع سليمان، فوجده قد وقع في حبالة الصبي، وهو في يده، فقال: يا هدهد ما هذا؟ قال: ما رأيتها حتى وقعت فيها يا نبي الله! قال: ويحك، فأنت ترى الماء تحت الأرض، أما ترى الفخ، قال: يا نبي الله! إذا نزل القضاء عمي البصر. انتهى. خازن. وقريب منه في الكشاف، والقرطبي. وقال الحسن قال النبي ﷺ : «الدّيك إذا صاح؛ قال: اذكروا الله يا غافلين». وقال الحسن بن علي-﵄-قال النبي ﷺ : «النسر إذا صاح قال: يا بن آدم عش ما شئت، فآخرك الموت. وإذا صاح العقاب؛ قال: في البعد من الناس الراحة. وإذا صاح القنبر، قال: إلهي العن مبغضي آل محمد. وإذا صاح الخطاف قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فيقول: ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ ويمد بها صوته، كما يمد القارئ». انتهى. قرطبي. وفيه أيضا: وصاحت خطافة عند سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، قال: إنها تقول: قدموا خيرا تجدوه، فمن ثم نهى رسول الله ﷺ عن قتلها. وقيل: إن آدم خرج من الجنة، فاشتكى إلى الله الوحشة، فآنسه الله تعالى بالخطّاف وألزمها البيوت، فهي لا تفارق بني آدم أنسا لهم. انتهى. ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ:﴾ هذا قول وارد على سبيل الشكر، والمحمدة، كما قال رسول الله ﷺ : «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر». أي أقول هذا القول شكرا، ولا أقوله فخرا. انتهى. كشاف. هذا؛ والطير: اسم جمع مثل: غنم، وخيل. وقيل: بل هو جمع: طائر، مثل: صحب، وصاحب، ويصح إطلاقه على المفرد، والمثنى، والجمع، وجمع الطير: طيور، وأطيار، مثل: فرخ، وفروخ، وأفراخ. وقال قطرب وأبو عبيدة: الطير قد يقع أيضا على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ﴾ وطائر الإنسان: عمله، الذي قلّده، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. والطير أيضا: الاسم من التطير، ومنه قولهم: (لا طير إلاّ طير الله) كما يقال: (لا أمر إلاّ أمر الله). انتهى. مختار. الإعراب: ﴿وَوَرِثَ:﴾ الواو: حرف عطف، (ورث): فعل ماض. ﴿سُلَيْمانُ:﴾ فاعل. ﴿داوُدَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿وَوَرِثَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿آتَيْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿سُلَيْمانُ،﴾ تقديره: «هو». (يا): حرف نداء ينوب مناب: أدعو، أو أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل:

стр. 4289

أنّ الاسم الواقع بعد «أي» واسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع، أعني: (أيّ) منصوب محلا، فكذا التابع، أعني: ﴿النّاسُ،﴾ وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية... إلخ. ﴿عُلِّمْنا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، و (نا): نائب فاعله، وهو المفعول الأول، ﴿مَنْطِقَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الطَّيْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَأُوتِينا:﴾ الواو: حرف عطف. (أوتينا): فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، و (نا): نائب فاعله. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿سُلَيْمانُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿سُلَيْمانُ﴾. ﴿لَهُوَ:﴾ اللام: هي المزحلقة، (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿الْفَضْلُ:﴾ خبره، ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿لَهُوَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿سُلَيْمانُ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا؛ فالخبر: ﴿الْفَضْلُ،﴾ وأخيرا فالكلام ﴿يا أَيُّهَا..﴾. إلخ، كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ الشرح: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ:﴾ الحشر: الجمع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ وهذا كثير في القرآن بلفظ الماضي، والمضارع، والأمر، مثل قوله تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ﴾. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ:﴾ معناه: يردّ أولهم إلى آخرهم، ويكفّون. وانظر الآية رقم [٨٣] الآتية، قال قتادة: كان لكل صنف وزعة في رتبتهم، ومواضعهم من الكرسي، ومن الأرض إذا مشوا فيها، والوازع في الحرب: الموكل بالصفوف يزع من تقدم منهم. والوازع: الرادع، والزاجر. قال الشاعر: [الطويل] ولا يزع النّفس اللجوج عن الهوى... من النّاس إلاّ وافر العقل كامله ومن هذا قول النابغة الذبياني: [الطويل] على حين عاتبت المشيب على الصّبا... وقلت ألمّا أصح والشّيب وازع؟! وقال الحسن البصري: لا بد للناس من وازع، أي: من سلطان يكفّهم. وذكر ابن القاسم قال حدثنا مالك: أن عثمان بن عفان-﵁-قال: ما يزع الإمام أكثر ممّا يزع القرآن. والمحفوظ: إن الله يزع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن، وشرح الجملتين واضح إن

стр. 4290

شاء الله تعالى. هذا؛ وأوزعه، يوزعه: أغراه يغريه. قال النابغة الذبياني في وصف ثور وحشي، وذلك من معلقته البيت رقم [١٤]: [البسيط] فهاب ضمران منه حيث يوزعه... طعن المعارك عند المجحر النّجد قال محمد بن كعب القرظي-﵁: كان معسكر سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مئة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة، فالبريد ثمانية وأربعون ألف خطوة، وكان يوضع كرسيه في وسطه، فيقعد؛ وحوله كراسي الذهب، والفضة، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، والناس حوله، والجن، والشياطين حول الناس، والوحوش حولهم، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمئة منكوحة، يعني: حرة، وسبعمئة سرّيّة، فيأمر الريح العاصف، فيرفع البساط، ثم يأمر الرخاء، فتسير به، والأول مذكور في الآية رقم [٨١] من سورة (الأنبياء): ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ..﴾. إلخ، والثاني مذكور في الآية رقم [٣٦] من سورة ص: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾. وأوحى الله إليه، وهو يسير بين السماء والأرض أني قد زدت في ملكك: أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح، وأخبرتك به. فيحكى: أنه مرّ بحرّاث، فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فألقته الريح في أذنه، فنزل، ومشى إلى الحراث، وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه. ثم قال له: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود. انتهى. من الخازن، والقرطبي، والكشاف بتصرف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨١] و [٨٢] من سورة (الأنبياء) إن أردت الزيادة، وقد أنكر عبد الوهاب النجار ما ذكره المفسرون من سعة البساط المذكور، وقصر ملك داود، وسليمان على البلاد الشامية، وهذا لم يقله أحد غيره فيما أعلم. وإذا عرفنا: أن سليمان كان أحد أربعة ملكوا الدنيا، وهم إسكندر ذو القرنين، والنمرود، وشداد بن عاد، وقرأنا ما ذكره الله حكاية من قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي؛﴾ لا يبقى لما قاله وجه. الإعراب: ﴿وَحُشِرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (حشر): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِسُلَيْمانَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. ﴿جُنُودُهُ:﴾ نائب فاعل: (حشر)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل، لا محل لها أيضا، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿جُنُودُهُ﴾. ﴿وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ:﴾ معطوفان على ﴿الْجِنِّ﴾. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتعقيب. وقيل: الفاء الفصيحة، ولا وجه له قطعا. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُوزَعُونَ:﴾ فعل

стр. 4291

مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ الشرح: ﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ﴾ أي: أشرفوا، وأقبلوا على الوادي الذي فيه النمل. روي عن كعب الأحبار: أنه قال: كان سليمان إذا ركب؛ حمل أهله، وخدمه، وحشمه، وقد اتخذ مطابخ، ومخابز، فيها تنانير الحديد، والقدور العظام، تسع كل قدر عشرة من الإبل، فيطبخ الطباخون، ويخبز الخبازون، وهو بين السماء والأرض، واتخذ ميادين للدواب، فتجري بين يديه، والريح تهوي به، فسار من إصطخر يريد اليمن، فسلك على مدينة الرسول ﷺ ، فقال سليمان: هذه دار هجرة نبي يكون في آخر الزمان، فطوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتبعه! ولما وصل مكة رأى حول البيت أصناما تعبد، فجاوزه سليمان، فلما جاوزه بكى، فأوحى الله إليه ما يبكيك؟ قال: يا رب! هذا نبي من أنبيائك، ومعه قوم من أوليائك مروا علي، ولم يهبطوا، ولم يصلوا عندي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله إليه: لا تبك، فإني سوف أملؤك وجوها سجدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك في آخر الزمان أحب أنبيائي إليّ، وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني، وأفرض عليهم فريضة يزفون إليك زفيف النسر إلى وكرها، ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها، والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان، والأصنام، والشيطان. ثم مضى سليمان حتى مر بوادي السدير واد من الطائف، فأتى على واد النمل، كذا قال كعب الأحبار. وقيل: إنه بالشام. انتهى. خازن. ونقله عنه الجمل بحروفه. هذا؛ ويرد على هذا المقال أمران: الأول: أن سليمان نبي مرسل، والنبي المرسل مأمور بإزالة المنكر أينما وجد، وهل يوجد منكر أعظم من الشرك، وعبادة الأوثان، فكيف جاوز البيت بعد أن رأى الأصنام حوله، وبإمكانه إزالة المنكر؛ لأن الله أعطاه من القوة ما ذكره الله في الآية السابقة وشرحته لك كما رأيت، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١]. الأمر الثاني: لا أعتقد تاريخيا: أن الأصنام أدخلت البيت الحرام، ووضعت حول الكعبة في الحقبة التي كان فيها سليمان حيا في الدنيا؛ لأن الأصنام، إنما أدخلها المسجد الحرام عمرو بن لحي الخزاعي، وهذا كان في الفترة التي كانت بين عيسى، ومحمد صلّى الله عليهم أجمعين على ما يبدو تاريخيا، فعهد سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يقارن عهد قبيلة جرهم، التي كانت تحكم مكة قبل قبيلة خزاعة التي منها عمرو المجرم الأثيم، والله أعلم. هذا؛ وقد ذكر المرحوم عبد الوهاب النجار: أن سليمان كان قبل المسيح بألف سنة.

стр. 4292

هذا؛ وقد اختلف في حجم النمل، فقال الكلبي: كانت نملة صغيرة مثل النمل المعتاد. وقيل: كان نمل ذلك الوادي كهيئة الذئاب في العظام. وقال بريدة الأسلمي: كهيئة النعاج. وقولها: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يدل على صحة قول الكلبي؛ إذ لو كانت كهيئة الذئاب، والنعاج لما حطمت بالوطء. وعن قتادة: أنه دخل الكوفة، فالتفت إليه الناس، فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة ﵀ حاضرا، وهو غلام حدث، فقال: سلوه عن نملة سليمان، أكانت ذكرا أم أنثى؟ فسألوه، فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: من أين عرفت؟ قال: من كتاب الله، وهو قوله: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولو كانت ذكرا لقال: قال نملة، وذلك: أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر، والأنثى، فيميز بينهما بعلامة، نحو: حمامة ذكر، وحمامة أنثى، وهو وهي. هذا؛ وسميت النملة نملة؛ لتنملها، وهو كثرة حركتها، وقلة قرارها. والنمل: حيوان معروف، شديد الإحساس، والشم، حتى إنه ليشم الشيء من بعيد، ويدخر قوته. ومن شدة إدراكه أنه يفلق الحبة حبتين خوفا من الإنبات، ويفلق حبة الكزبرة أربع فلق؛ لأنها إذا فلقت فلقتين؛ تنبت، ويأكل في عامه نصف ما جمع، ويستبقي باقيه عدة. وقال ابن عباس-﵄: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: (الهدهد، والصرد، والنملة، والنحلة). أخرجه أبو داود. وهذا إذا لم يكن منهن أحد مؤذيا، وإلا فقتل المؤذي حلال. فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة-﵁-عن رسول الله ﷺ «أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل، فأحرقت، فأوحى الله تعالى إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبّح؟!» وفي طريق آخر: «فهلا نملة واحدة». قال العلماء: يقال إن هذا النبي هو موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وإنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم، وفيهم الطائع، فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده، فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلها، وعندها قرية النمل، فغلبه النوم، فلما وجد لذة النوم؛ لدغته النملة، فأضجرته، فدلكهنّ بقدمه، فأهلكهنّ، وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم، فأراه الله العبرة في ذلك لما لدغته نملة، فقال: فكيف أصبت الباقين بعقوبتها، يريد أن ينبهه: أن العقوبة من الله تعالى تعمّ، فتصير رحمة على المطيع، وطهارة، وبركة، وشرا، ونقمة على العاصي، وعلى هذا فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك، ولا أحد من خلق الله أعظم حرمة من المؤمن، وقد أبيح لك دفعه عنك بقتل، وضرب على المقدار، فكيف بالهوام والدواب التي قد سخرت لك، وسلطت عليها. انتهى. قرطبي. ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ:﴾ لما جعلها الله قائلة، والنمل مقولا لهم، كما يكون في العقلاء؛ أجرى خطاب النمل خطاب العقلاء، وذلك بالواو التي هي علامة جمع المذكر السالم. ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ:﴾ فإن قيل: كيف يتصور الحطم-وهو التكسير-من سليمان، وجنوده، وهو فوق البساط على متن الريح، فالجواب: كأنهم أرادوا النزول عند منقطع الوادي،

стр. 4293

فلذلك قالت: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؛﴾ لأنهم ما دامت الريح تحملهم، لا يخشى حطمهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وفي الآية قراآت كثيرة، ولم يتغير المعنى، ولا الإعراب. هذا؛ وفي قولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ احتراس لا يخفى، وقد أنشدوا ملغزين في نملة سليمان، وبقرة بني إسرائيل: [الطويل] فما ميّت أحيا به الله ميّتا... ليخبر قوما أنذروا ببيان وعجفاء قد قامت لتنذر قومها... وأهل قراها رهبة الحدثان الإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش في مثل ذلك حرف جر، وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى الوجهين فهي غاية لمحذوف، التقدير: فسار سليمان، وجنوده؛ حتى إذا أتوا... إلخ. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَتَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿عَلى وادِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل، و ﴿وادِ﴾ مضاف، و ﴿النَّمْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿نَمْلَةٌ:﴾ فاعله. ﴿يا أَيُّهَا النَّمْلُ:﴾ مثل قوله ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾. ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَساكِنَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ ناهية، أو نافية. ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم ب ﴿لا﴾ الناهية، ونون التوكيد حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿سُلَيْمانُ:﴾ فاعله، وفي محل الجملة الفعلية وجهان: أحدهما أنها مستأنفة، والثاني: أنها بدل من جملة: ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ. هذا؛ وعلى اعتبار ﴿لا﴾ نافية، فالفعل ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ مبني على الفتح في محل جزم جواب الأمر قبله. قال الزمخشري: والذي جوز أن يكون بدلا منه: أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم (فيحطمنكم)، على طريقة: لا أرينك هاهنا هذا؛ وقال ابن هشام: أكد المضارع بالنون بعد ﴿لا﴾ النافية، حملا لها في اللفظ على ﴿لا﴾ الناهية في نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً﴾. ﴿وَجُنُودُهُ:﴾ معطوف على ﴿سُلَيْمانُ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هم لا يشعرون) في محل نصب حال من ﴿سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ﴾ والرابط: الواو، والضمير، والكلام: ﴿يا أَيُّهَا النَّمْلُ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب، والكلام المقدر، والمذكور: فسار سليمان وجنوده؛ حتى إذا أتوا... إلخ كلام مستأنف، لا محل له.

стр. 4294

﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ (١٩)﴾ الشرح: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها﴾ أي: تعجبا من حذرها، وتحذيرها، واهتدائها إلى مصالحها، أو سرورا بما خصه الله به من إدراك همسها، وفهم غرضها. هذا؛ وقوله تعالى ﴿فَتَبَسَّمَ﴾ يشير إلى أنه لم يقهقه في ضحكه، وكذلك جل ضحك الأنبياء التبسم، وما روي: أن النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، فالغرض منه المبالغة في وصف ما وجد منه من الضحك النبوي، لا القهقهة، وكذلك ورد النهي عن كثرة الضحك، وقد كره العلماء منه الكثرة، كما قال لقمان لا بنه: (يا بني! إياك وكثرة الضحك؛ فإنه يميت القلب)، فعن عائشة-﵂-قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا قطّ ضحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يبتسم). متفق عليه، وعن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: (ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله). أخرجه الترمذي. وقيل: إن سبب ضحك سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-شيئان: أحدهما: ما دل من قولها على ظهور رحمته، ورحمة جنوده، وشفقتهم، وذلك من قولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾. الثاني: سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحدا من إدراك فهم ما تقوله النملة، وغيرها؛ والإنسان إذا رأى، أو سمع ما لا عهد له به ضحك. ﴿وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني، وأصله من: وزع، فكأنه قال: كفّني عما يسخط، ووفقني لما يرضي. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ:﴾ ما أنعم الله به عليه وعلى والديه فقد سطره القرآن الكريم من تسبيح الجبال مع داود، وإلانة الحديد له، وإتيانه الملك، وتسخير الجن، والإنس، والطير لسليمان، وإتيانه ما لم يؤته الله أحدا من العالمين قبله، وبعده إلى يوم الدين. وقد أدرج في كلامه ذكر والديه تكثيرا للنعمة، أو تعميما لها، فإن النعمة عليهما نعمة عليه، والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما سيما الدينية، فإنه إن كان تقيا نفعهما بدعائه، وشفاعته، وبدعاء المؤمنين كلما دعوا له، وقالوا: رضي الله عنك، وعن والديك. وهذا سمعته بإذني، ووقر في قلبي، والحمد لله رب العالمين، ولذلك دعا العبد الصالح في الآية رقم [١٥] من سورة (الأحقاف) بمثل ما دعا سليمان هنا، وزاد قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ وهذا بخلاف الفاسق، والمؤذي لعباد الله الذي يسبب المسبة، والمذمة لنفسه، ولوالديه، وما أكثرهم في هذا الزمن! ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ أي: مع عبادك ف: ﴿فِي﴾ بمعنى: مع، وقيل: المعنى في جملة: ﴿عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾. قال ابن عباس-﵄: يريد مع إبراهيم،

стр. 4295

وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومن بعدهم من النبيين، فإن قيل: درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين، وقد تمنى إبراهيم ذلك بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ رقم [٨٣] من سورة (الشعراء)، وقد تمنى يوسف ﵇ ذلك بقوله: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أجيب بأن الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله، ولا يفعل معصية، ولا يهم بها، وهذه درجة عالية. انتهى. جمل، نقلا عن الخطيب. فائدة: بعد أن تبسم سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من كلام النملة المتقدم مضت النملة مسرعة إلى قومها، فقالت: هل عندكم من شيء نهديه إلى سليمان نبي الله؟ قالوا: وما قدر ما نهدي له؟ والله ما عندنا إلا نبقة واحدة، قالت: حسنة، ائتوني بها، فأتوها بها، فحملتها بفيها، فانطلقت تجرها، فأمر الله الريح فحملتها، وأقبلت تشق الإنس، والجن، والعلماء على البساط، حتى وقعت بين يديه، ثم وضعت تلك النّبقة من فيها في كفه، وأنشأت تقول: [الطويل] ألم ترنا نهدي إلى الله ما له... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله ولو كان يهدى للجليل بقدره... لقصّر عنه البحر يوما وساحله ولكنّنا نهدي إلى من نحبّه... فيرضى به عنّا ويشكر فاعله وما ذاك إلاّ من كريم فعاله... وإلاّ فما في ملكنا ما يشاكله فقال لها: بارك الله فيكم، فهم بتلك الدعوة أشكر خلق الله، وأكثر خلق الله. انتهى. قرطبي ومثله ما قيل في هذا المعنى: [البسيط] جاءت سليمان يوم العرض هدهدة... تحمل جرادة كانت في فيها وتكلّمت بلسان الحال قائلة... إنّ الهدايا على قدر مهديها لو كان يهدى للإنسان قيمته... لأهديت لك الدّنيا وما فيها الإعراب: ﴿فَتَبَسَّمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تبسم): فعل ماض، وفاعله تقديره: «هو» يعود إلى ﴿سُلَيْمانُ﴾. ﴿ضاحِكاً:﴾ حال مؤكدة، وقرئ: «(ضحكا)» على أنه مفعول مطلق، والعامل فيه (تبسم)؛ لأنه بمعنى: ضحك. ﴿مِنْ قَوْلِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿فَتَبَسَّمَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مفرعة على محذوف، التقدير: فسمع قولها المذكور فتبسّم. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿سُلَيْمانُ﴾ أيضا. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه

стр. 4296

أداة النداء، وانظر الآية رقم [١٦٩] من سورة (الشعراء). ﴿أَوْزِعْنِي:﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر، تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿أَشْكُرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿نِعْمَتَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿نِعْمَتَكَ﴾. ﴿أَنْعَمْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة صلة ﴿الَّتِي﴾ والعائد محذوف؛ إذ التقدير: التي أنعمتها. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. (على والدي): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. و ﴿أَنْ أَشْكُرَ:﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل نصب بنزع الخافض، والكلام: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والمصدر المؤول من: (أن أعمل صالحا) معطوف على سابقه، فهو مثله في محل نصب مفعول به. ﴿تَرْضاهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، والهاء في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية للموصوف المحذوف، والصفة الأولى: ﴿صالِحاً﴾. (أدخلني): إعراب هذه الجملة مثل إعراب جملة: ﴿أَوْزِعْنِي،﴾ وهي معطوفة عليها. ﴿بِرَحْمَتِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي عِبادِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الصّالِحِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادِكَ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ:﴾ التفقد: تطلّب ما غاب عنك من شيء. ﴿ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ:﴾ استفهام استخبار، ولا حاجة إلى ادّعاء القلب، كما قاله بعضهم: إن الأصل ما للهدهد لا أراه. إذ المعنى صحيح بدون ادعاء القلب. هذا؛ والهدهد بضم الهاء الثانية وكسرها طائر ذو خطوط وألوان كثيرة، الواحدة هدهدة بضم الهاء الثانية وكسرها أيضا، والجمع: هداهد، وهداهيد. ﴿أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ:﴾ أم منقطعة، فهي بمعنى «بل»، كأنه لما لم يره؛ ظن: أنه حاضر، ولا يراه لساتر أو غيره، ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ:﴾ ثم احتاط، فلاح له أنه غائب، فأضرب عن ذلك، وأخذ يقول: بل هو غائب، كأنه يسأل عن صحة ما لاح له.

стр. 4297

تنبيه: لقد اختلف الناس في معنى تفقده للطير على أقوال كثيرة، وأكتفي بما يلي نقلا عن القرطبي. فقد قال عبد الله بن سلام-﵁: إنما طلب الهدهد؛ لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كم هو من وجه الأرض؛ لأنه كان نزل في مفازة عدم فيها الماء، وأن الهدهد كان يرى باطن الأرض وظاهرها، فكان يخبر سليمان بموضع الماء، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة يسيرة، تسلخ عنه وجه الأرض كما تسلخ الشاة، قاله ابن عباس فيما روى عن ابن سلام، وذكر: أن سليمان لم يصحب معه سوى هذا الهدهد في سفره، ولذا فقده، مع كون الهداهد كثيرة. قال أبو مجلز، قال ابن عباس لعبد الله بن سلام-﵃ أجمعين-: أريد أن أسألك عن ثلاث مسائل قال: أتسألني، وأنت تقرأ القرآن؟ قال: نعم (ثلاث مرات) قال: لم تفقد سليمان الهدهد دون سائر الطير؟ قال: احتاج إلى الماء، ولم يعرف عمقه، وكان الهدهد يعرف ذلك دون سائر الطير، فتفقده. وروي: أن نافع بن الأزرق الخارجي سمع ابن عباس يذكر شأن الهدهد، فقال له: قف يا وقّاف، كيف يرى الهدهد باطن الأرض، وهو لا يرى الفخ حين يقع فيه؟! فقال له ابن عباس-﵄: إذا جاء القدر عمي البصر. قال ابن العربي: ولا يقدر على هذا الجواب إلا عالم القرآن، وأنشدوا في هذا المعنى: [الرجز] إذا أراد الله أمرا بامرئ... وكان ذا عقل ورأي ونظر وحيلة يعملها في دفع ما... يأتي به مكروه أسباب القدر غطّى عليه سمعه وعقله... وسلّه من ذهنه سلّ الشّعر حتّى إذا أنفذ فيه حكمه... ردّ عليه عقله ليعتبر الإعراب: ﴿وَتَفَقَّدَ:﴾ الواو: حرف عطف. (تفقد): فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (سليمان). ﴿الطَّيْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (تبسم...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتعقيب. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (سليمان) أيضا، (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (لي): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَرَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «أنا». ﴿الْهُدْهُدَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال، من ياء المتكلم، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال الاستفهام. ﴿أَمْ:﴾ حرف إضراب بمعنى «بل» كما رأيت. وتسمى منقطعة. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الهدهد. ﴿مِنَ الْغائِبِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان، والكلام: ﴿ما لِيَ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

стр. 4298

﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ الشرح: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ..﴾. إلخ: لقد اختلف في هذا التعذيب اختلافا كبيرا. فقيل: هو أن ينتف ريشه وذنبه، ويلقيه في الشمس ممعّطا، لا يمتنع من النمل، ولا من غيره. وقيل: هو أن يودعه السجن. وقيل: هو أن يحبسه مع ضده. وقيل: هو أن يفرق بينه وبين إلفه. وقيل: هو أن يلزمه خدمة أقرانه. وقيل: هو أن يبعده عن خدمته. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بعذر واضح على تغيبه. وقرئ الفعل بنونين. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: قد حلف على أحد ثلاثة أشياء، فحلفه على فعليه لا مقال فيه، ولكن كيف صح حلفه على فعل الهدهد؟ ومن أين درى: أنه يأتي بسلطان مبين حتى يقول: (والله ليأتيني بسلطان مبين)؟ قلت: لما نظم الثلاثة بأو في الحكم الذي هو الحلف آل كلامه إلى قولك: ليكونن أحد الأمور، يعني: إن كان الإتيان بسلطان؛ لم يكن تعذيب، ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما، وليس في هذا ادعاء دراية. انتهى. وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء: أن سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لما فرغ من بناء بيت المقدس؛ عزم على الخروج إلى أرض الحرم؛ ليحج، فتجهّز للمسير، واستصحب جنوده من الجن والإنس، والطير، والوحش فحملتهم الريح، فلما وافى الحرم أقام فيه ما شاء الله أن يقيم، وكان ينحر في كل يوم طول مقامه خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، وقال لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا المكان يخرج منه نبي عربي، صفته كذا، وكذا، ويعطى النصر على جميع من عاداه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم. فقالوا: بأي دين يدين يا نبي الله؟! قال: بدين الله الحنيفية، فطوبى لمن أدركه، وآمن به! قالوا: كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟! قال: مقدار ألف سنة، فليبلغ الشاهد الغائب، فإنه سيد الأنبياء، وخاتم الرسل. قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه، ثم خرج من مكة صباحا، وسار نحو اليمن، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء، تزهو خضرتها، فأحب النزول بها ليصلي، ويتغدى، فلما نزل، قال الهدهد: قد اشتغل سليمان بالنزول، فارتفع نحو السماء، ينظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك، فبينما هو ينظر يمينا وشمالا رأى بستانا لبلقيس، فنزل إليه، فإذا هو بهدهد آخر، فسأله من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود، قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الإنس، والجن، والشياطين، والطير، والوحش، والرياح، فمن أنت؟ قال: أنا من هذه البلاد، قال: ومن يملكها؟ قال: امرأة يقال لها: بلقيس، وإن لصاحبك ملكا عظيما، ولكن ليس ملك بلقيس دونه. وبلقيس بكسر الباء على الأفصح، فإنها

стр. 4299

تملك اليمن، وتحت يدها أربعمئة ملك، كل ملك على كورة، مع كل ملك أربعة آلاف مقاتل، ولها ثلاثمئة وزير، يدبرون ملكها، ولها اثنا عشر قائدا، مع كل قائد اثنا عشر ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها، قال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج الماء، قال الهدهد اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. قال: فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس وملكها. وأما سليمان ﵇، فإنه نزل على غير ماء، فسأل الجن، والإنس عن الماء، فلم يعلموا، فتفقد الهدهد، فلم يره، فدعا بعريف الطير، وهو النسر، فسأله عن الهدهد، فقال: أصلح الله الملك، ما أدري أين ذهب؟ وما أرسلته إلى مكان. فغضب سليمان، ولم يكن معه إلا هذا الهدهد، قال: لأعذبنه... إلخ، ثم دعا العقاب، وهو أشد الطير طيرانا، فقال: علي بالهدهد الساعة، فارتفع العقاب في الهواء حتى نظر الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، ثم التفت يمينا، وشمالا، فرأى الهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض العقاب يريده، وعلم الهدهد: أن العقاب يقصده بسوء. فقال: بحق الذي قواك، وأقدرك علي إلا ما رحمتني، ولم تتعرض لي بسوء! فتركه العقاب، وقال: ويحك! إن نبي الله قد حلف أن يعذبك، أو يذبحك. فسارا متوجهين نحو سليمان ﵇، فلما انتهيا إلى العسكر؛ تلقاه النسر، والطير، وقالا له: ويلك! أين غبت في يومك هذا؟ فلقد توعدك نبي الله. وأخبراه بما قال سليمان، فقال الهدهد: أو ما استثنى نبي الله؟ فقالوا: بلى إنه قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾. فقال: نجوت إذا، وكانت غيبته من الزوال، ولم يرجع إلا بعد العصر، فانطلق به العقاب حتى أتيا سليمان، وكان قاعدا على كرسيه، فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله! فلما قرب منه الهدهد، رفع رأسه، وأرخى ذنبه، وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه، فمده إليه، وقال له: أين كنت؟ لأعذبنك عذابا شديدا! فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله . فلما سمع سليمان ذلك منه ارتعد وعفا عنه، ثم سأله: ما الذي أبطأك عني؟ فقال الهدهد: أحطت بما لم تحط به... إلخ، انتهى. خازن، ونقله عنه الجمل بحروفه، وفي الكشاف قريب منه. تنبيه: في هذا النص تعارض بينه وبين ما ذكرته في شرح الآية رقم [١٨] نقلا عن الخازن، والجمل من وجوه: ١ - هناك ذكر: أن سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مر على البيت الحرام، ورأى حول الكعبة أصناما تعبد من دون الله تعالى... إلخ، وهنا ذكر أنه أقام في المسجد الحرام أياما طوالا، فذبح ما ذبح، وأدى نسكه... إلخ، فكيف غفل الخازن ونقله عنه الجمل هنا، وهناك؟!

стр. 4300

٢ - ذكر هنا: أن سليمان كان قد قصد اليمن حينما فقد الهدهد، فإذا كان قد قصد اليمن ما الذي رده عن قصده، وكيف أرسل سليمان الهدهد برسالة إلى بلقيس، وهو بصنعاء، وهل اليمن إلا صنعاء. ٣ - إن الآيات الآتية تنص على أن بلقيس بعد إلقاء الرسالة إليها، ومناقشتها مع رجال قومها أرسلت إلى سليمان هدية، فهل هذه الهدية أرسلت إليه، وهو بصنعاء، أو كان في بلاد الشام؟ ثم إن الآيات التالية تنص على أن الذي عنده علم من الكتاب أتى بعرش بلقيس، فهل أتى به إلى صنعاء، أو إلى بلاد الشام مقر ملك سليمان؟ المعتمد: أن الهدية أرسلت إليه؛ وهو في مقر ملكه، وكذا العرش أتاه به، وهو في مقر ملكه، وقد أنشأ الصرح الآتي ذكره في مقر ملكه، وانظر ما أنقله عن القرطبي في الآية التالية. ٤ - إن ما ذكر من ذبح آلاف النوق، وآلاف البقر، وآلاف الغنم في الحرم، فهل كان يحمل معه هذه الآلاف المؤلفة معه على بساط الريح، كل ذلك يحتاج إلى تأمل وتمحيص. الإعراب: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم مقدر، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (أعذبنه): فعل مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول سليمان. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول مطلق. ﴿شَدِيداً:﴾ صفة له. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَأَذْبَحَنَّهُ:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وإعرابها كإعرابها، وكذلك جملة: ﴿لَيَأْتِيَنِّي،﴾ معطوفة على ما قبلها، وسليمان ﵇ لم يقسم ويحلف على فعل الهدهد، ولكن لما جاء في إثر قوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ وهو مما جاز به القسم أجراه مجراه. ﴿بِسُلْطانٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة (سلطان). ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿فَمَكَثَ:﴾ يقرأ بفتح الكاف وضمها، والأول من الباب الأول كنصر، والثاني من الباب الخامس كقرب، وهو بمعنى: أقام ولبث. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ:﴾ غير زمن طويل ومديد، ﴿فَقالَ﴾ أي: الهدهد: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي: علمت من الأمر ما لم تعلمه، وفي هذا رد على من قال: إن الأنبياء تعلم الغيب في كل الأوقات، وإنما يعلمون ما يطلعهم الله عليه في بعض الأوقات، والله قال لحبيبه محمد ﷺ : ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ..﴾. إلخ الآية رقم [١٨٨] من سورة (الأعراف). وفيه رد ودليل على بطلان قول الرافضة: إن الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه. انتهى. نسفي.

стр. 4301

هذا؛ وفي مخاطبة الهدهد سليمان بهذا الكلام تنبيه له على أن في أضعف خلق الله تعالى من أحاط علما بما لم يحط به ليكون لطفا له في ترك الإعجاب، ولتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر لديه علمه، وقال القرطبي: فإن قلت: كيف خفي على سليمان مكانها؟ وكانت المسافة بينهما قريبة! وهي مسيرة ثلاث مراحل بين صنعاء ومأرب، فالجواب: أن الله أخفى ذلك عنه لمصلحة رآها، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية السابقة وأقول هنا: أرجع سليمان إلى مقر ملكه، وأخذ يراسلها وتراسله وهي في مقر ملكها، أم كان قريبا منها، كما ذكر القرطبي؟ فالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ أي: بخبر يقين محقق، أعلم سليمان ما لم يكن يعلمه، ودفع عن نفسه ما توعده من العذاب أو الذبح. وقرأ الجمهور ﴿سَبَإٍ﴾ بالصرف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الهمزة، وترك الصرف، فالأول على أنه اسم رجل نسب إليه قوم، وعليه قول الشاعر: [البسيط] الواردون، وتيم في ذرى سبأ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس المعنى: الواردون هم وتيم في ذرى أرض سبأ مغلولين بأغلال من جلد الجواميس بحيث يعض أعناقهم، ومن لم يصرفه اعتبره اسما للقبيلة، أو للمدينة، وأنشد للنابغة الجعدي: [المنسرح] من سبأ الحاضرين مارب إذ... يبنون من دون سيله العرما فهو يمدح رجلا، ويقول: هو من قبيلة سبأ الحاضرين مدينة مأرب الذين بنوا السد، دون السيل، فالعرم هو السد، ومأرب اسم المدينة، وقيل: اسم قصر. هذا؛ وسبأ: اسم رجل، وهو سبأ بن يعرب بن قحطان أخي عدنان وقد جاء في الحديث: أن النبي ﷺ سئل عن سبأ، فقال: «رجل له عشرة من البنين تيامن منهم ستة، وتشاءم أربعة». ومعنى تيامن: سكن اليمن، ومعنى تشاءم: سكن الشام، فالذين تيامنوا هم: حمير، وكندة، والأزد، وأشعر، وقشعم، وبجيلة. والذين تشاءموا هم: لخم وجذام، وعاملة وغسّان، وانظر الآية رقم [١٥] وما بعدها من سورة (سبأ) ففيها فضل زيادة. الإعراب: ﴿فَمَكَثَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (مكث): فعل ماض، وفاعله يعود إلى الهدهد. ﴿غَيْرَ:﴾ صفة ظرف محذوف، أي: مكانا غير بعيد، أو وقتا غير بعيد، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، أي: مكثا غير بعيد، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (تفقد...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الهدهد أيضا. ﴿أَحَطْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُحِطْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:

стр. 4302

«أنت». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط هو الضمير المجرور محلا بالباء، وجملة: ﴿أَحَطْتُ..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَجِئْتُكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جئتك): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ سَبَإٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من (نبأ)؛ لأنه كان صفة له، وليس بقوي. ﴿بِنَبَإٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَقِينٍ:﴾ صفة (نبأ). ﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ:﴾ هي بلقيس بنت شراحيل، من نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملكا عظيما، قد ولد له أربعون ملكا هي آخرهم، وكان يملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منهم كفؤا لي، وأبى أن يتزوج منهم، فخطب إلى الجن، فزوجوه امرأة منهم، يقال لها: ريحانة بنت السكن، قيل في سبب وصوله إلى الجن حتى خطب منهم: أنه كان كثير الصيد، فربما اصطاد الجن، وهم في صورة الظباء، فإذا عرفهم خلّى عنهم، فظهر له ملك الجن، وشكره على ذلك، واتخذه صديقا، فخطب ابنته، فزوجه إياها، وقيل: إنه خرج متصيدا، فرأى حيتين تقتتلان بيضاء، وسوداء، وقد ظهرت السوداء على البيضاء، فقتل السوداء، وحمل البيضاء، وصب عليها الماء، فأفاقت، وأطلقها فلما رجع إلى داره، وجلس وحده منفردا، فإذا معه شاب جميل، فخاف منه، قال: لا تخف أنا الحية البيضاء التي أحييتني، والأسود الذي قتلته هو عبد لنا، تمرد علينا، وقتل عدة منا، وعرض عليه المال، فقال: لا حاجة لي به، ولكن إن كان لك بنت فزوجنيها، فزوجه ابنته، فولدت بلقيس. وجاء في الحديث الشريف: أن أحد أبوي بلقيس، كان جنيا، فلما مات أبو بلقيس طمعت في الملك، وطلبت قومها أن يبايعوها، فأطاعها قوم، وأبى آخرون، وملكوا عليهم رجلا آخر، يقال: إنه ابن أخي الملك، وكان خبيثا سيئ السيرة في أهل مملكته، حتى كان يمد يده إلى حريم رعيته، ويفجر بهن، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه، فلما رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة، فأرسلت إليه، فعرضت نفسها عليه، فأجابها الملك، وقال: ما منعني أن ابتدئك بالخطبة، إلا اليأس منك، فقالت: لا أرغب عنك؛ لأنك كفؤ كريم، فاجمع رجال أهلي، واخطبني منهم، فجمعهم، وخطبها، فقالوا: لا نراها تفعل. فقال: بلى إنها قد رغبت فيّ، فذكروا ذلك لها، فقالت: نعم، فزوجوها منه، فلما زفت إليه، خرجت في ملأ كثير من خدمها وحشمها، فلما خلت به سقته الخمر حتى سكر، ثم قتلته، وحزّت رأسه، وانصرفت إلى منزلها من الليل.

стр. 4303

فلما أصبحت أرسلت إلى وزرائه، وأحضرتهم، وقرعتهم، وقالت لهم: أما كان منكم من يأنف لكريمته، أو كرائم عشيرته، ثم أرتهم إياه قتيلا، وقالت: اختاروا رجلا تملكونه عليكم، فقالوا: لا نرضى غيرك، فملكوها، وعلموا: أن ذلك النكاح كان مكرا وخديعة منها. انتهى. خازن. أقول: ومثل هذه القصة قصة الزّبّاء ملكة تدمر مع جذيمة الأبرش. فعن أبي بكر-﵁: قال: لما بلغ رسول الله ﷺ : أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: «لن يفلح قوم ملّكوا عليهم امرأة». أخرجه البخاري. وفي رواية أخرى: «ولّوا أمرهم امرأة» ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: تحتاجه الملوك من رجال، وسلاح، ومال، وعدة. والمراد بالكية: الكثرة، لا الكلية الحقيقية، كما هو واقع الحياة الدنيا، ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ:﴾ عظمه بالنسبة إليها، أو إلى عروش أمثالها، والعرش: هو الكرسي الذي يجلس عليه الملك. قال ابن عباس-﵄: كان طول عرشها ثمانين ذراعا، وعرضه أربعين ذراعا، وارتفاعه في السماء ثلاثين، مكلل بالدر، والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر. وقال قتادة: وقوائمه لؤلؤ، وجواهر، وكان مستّرا بالديباج، والحرير، عليه سبعة مغاليق، أي سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها، ﴿وَجَدْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اِمْرَأَةً:﴾ مفعول به. ﴿تَمْلِكُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اِمْرَأَةً﴾ تقديره: «هي»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (امرأة)، على تفسير ﴿وَجَدْتُ﴾ ب: لقيت، أو هي في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجَدْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مفسرة للنبأ. ﴿وَأُوتِيَتْ:﴾ الواو: واو الحال، (أوتيت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿اِمْرَأَةً،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿تَمْلِكُهُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. وأجيز عطفها على ما قبلها بتأويل المضارع بالماضي. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلَها:﴾ الواو: واو الحال، (لها): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَرْشٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير: ﴿اِمْرَأَةً﴾ في الفعلين السابقين، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ وذلك: أنهم كانوا كفرة، يعبدون الشمس. قيل: كانوا مجوسا يعبدون الأنوار. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ أي: الخبيثة من

стр. 4304

الكفر، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى. هذا؛ مذهب أهل السنة، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، وليس له قدرة أن يضل أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط، فمن أراد الله شقاوته سلطه عليه حتى يقبل وسوسته. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤]. هذا؛ وما ذكرته في هذه الآية مبني على أن العبد لا يخلق أفعال نفسه، وإنما يخلقها الله تعالى، كما قال: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وما قاله الزمخشري في الآية المذكورة مبني على مذهبه في الاعتزال من أن العبد يخلق أفعال نفسه، وهو مبني على القاعدة الفاسدة في إيجاب رعاية الصلاح والأصلح للعبد، وامتناع أن يخلق الله تعالى للعبد، إلا ما هو مصلحة له، فمن ثم اعتبر التزيين من الله تعالى مجازا، ومن الشيطان حقيقة. ولو عكس الجواب؛ لفاز بالصواب، وإلى الله المرجع والماب. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ:﴾ عن طريق الهدى، والحق، والصواب، ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ إلى الحق، والصواب، ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله تعالى، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس إلهاما من الله له، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوان المعارف اللطيفة؛ التي لا يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها. هذا؛ ف: (صدّهم): منعهم، والمضارع: «يصد» يمنع، ويصرف، وهو بضم الصاد. هذا؛ ويأتي بمعنى: يعرضون ويميلون، كما في قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ويأتي بضم الصاد وكسرها، كما يأتي بمعنى يضجون فرحا، وهو بكسر الصاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. ومصدر الأولين: صد وصدود، ومصدر الأخير صديد. هذا؛ والصدد القرب، يقال: داري صدد داره، أي قبالتها وقربها، والصدد القصد، تقول: رجعنا إلى ما نحن بصدده، أي بقصده، وهو أيضا الميل-بفتح الياء والناحية-. الإعراب: ﴿وَجَدْتُها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، ﴿وَقَوْمَها:﴾ الواو: حرف عطف. (قومها): معطوف على الضمير المنصوب، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَسْجُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. ﴿لِلشَّمْسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، فتكون حالا متداخلة. و ﴿يَسْجُدُونَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَسْجُدُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان، أو هي في محل نصب حال من ضمير المرأة، وجملة: ﴿وَجَدْتُها..﴾. إلخ بدل من جملة: (وجدت...) إلخ في الآية السابقة. ﴿وَزَيَّنَ:﴾ الواو: واو الحال. (زين): فعل ماض، ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعل. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير

стр. 4305

متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَزَيَّنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها، وجملة: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ:﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَهْتَدُونَ:﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال أيضا، وهي مؤكدة لمعنى الجملتين الفعليتين قبلها. ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ:﴾ قرئ في السبعة بتشديد اللام، وتخفيفها، وقرئ فوق السبعة: «(هلاّ)»، «(وهلا)» بقلب الهمزة هاء فيهما، وانظر الإعراب يتضح لك الأمر غاية الإيضاح. ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: المخبوء فيهما من مطر ونحوه في السماء، ومن كنوز، ونبات في الأرض. ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ:﴾ من أعمالكم، ونياتكم في ضمائركم. ﴿وَما تُعْلِنُونَ:﴾ وما تجهرون به من قول، أو عمل، وقرئ الفعلان بالتاء، والياء. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: هذا الكلام وصف لله تعالى بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود من التفرد بكمال القدرة، والعلم حثا على سجوده، وردا على من يسجد لغيره، و ﴿الْخَبْءَ﴾ ما خفي في غيره، وإخراجه: إظهاره، وهو يعم إشراق الكواكب، وإنزال الأمطار، وإنبات النبات، بل الإنشاء، فإنه إخراج ما في الشيء بالقوة إلى الفعل، والإبداع، فإنه إخراج ما في الإمكان، والعدم إلى الوجوب، والوجود، ومعلوم: أنه يختص بالواجب لذاته. انتهى. هذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا أم في إحداهما؟ قلت: هي واجبة فيهما جميعا؛ لأن مواضع السجدة، إما أمر بها، أو مدح لمن أتى بها، أو ذم لمن تركها، وإحدى القراءتين أمر، والأخرى ذم للتارك، وانظر الإعراب يتضح لك المعنى غاية الإيضاح. الإعراب: ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿يَسْجُدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، و (أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لئلا يسجدوا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (زين). قاله الأخفش، أو هما متعلقان بالفعل (صدهم) قاله الكسائي. وعلى قول الأخفش لا يلزم تقدير الجار، فيكون التقدير: زين لهم عدم السجود، وهو في المعنى بدل من أعمالهم، وأجيز اعتبار المصدر في

стр. 4306

محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي عدم السجود. وقال أبو عمرو: المصدر المؤول في محل جر بدلا من ﴿السَّبِيلِ﴾. هذا؛ وقيل: إن (لا) زائدة، والمصدر المؤول في محل جر ب إلى محذوفة، التقدير: إلى السجود، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَهْتَدُونَ﴾. وقيل: المصدر المؤول مفعول صريح للفعل: ﴿يَهْتَدُونَ﴾. وعلى هذا الاعتبار، فليست الآية بموضع سجدة. هذا؛ وعلى قراءة تخفيف اللام، فتكون (ألا) أداة استفتاح، وتنبيه يسترعى بها انتباه المخاطب لما يأتي بعدها من كلام، وتكون (يا) أداة نداء حذفت ألفها لالتقاء الساكنين، والمنادى محذوف، التقدير: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وعليه فالفعل فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى هذا فالسجود واجب، كما قرئ شاذا: «(ألا هل تسجدون)» و «(ألا تسجدون)». ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه. ﴿يُخْرِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد. ﴿الْخَبْءَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿الْخَبْءَ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يُخْرِجُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَيَعْلَمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعلم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الذي أيضا. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو شيئا تخفونه، وجملة: ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ:﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها، وإعراب: ﴿وَما تُعْلِنُونَ﴾ مثل إعراب ما قبله، ومعطوف عليه. تأمل. ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ الشرح: قال الخازن: هذه السجدة من عزائم السجود يستحب للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءتها، أقول: ويبتدئ الكلام بقوله ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا﴾ وينتهي بالعظيم، وقال الخازن أيضا: فإن قلت: قد وصف عرش بلقيس بالعظيم، وعرش الله بالعظيم، فما الفرق بينهما؟ قلت: وصف عرش بلقيس بالعظم بالنسبة إليها، وإلى أمثالها من ملوك الدنيا، وأما عرش الله تعالى، فهو بالنسبة إلى جميع المخلوقات من السموات والأرض، فحصل الفرق بينهما. بعد هذا: قال الجرجاني: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا..﴾. إلخ هو كلام معترض من الهدهد أو من كلام سليمان، أو من الله. وقال ابن عطية: هو من كلام الهدهد، وهو قول ابن زيد، وابن إسحاق ويعترض بأنه غير مخاطب فكيف يتكلم في معنى الشرع؟ ويحتمل: أنه من قول سليمان لما أخبره الهدهد عن القوم، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى، فهو اعتراض بين الكلامين، وهو الثابت مع التأمل. أقول: المعتمد: أنه من كلام الهدهد، وخذ ما يلي:

стр. 4307

قال أبو السعود رحمه الله تعالى: اعلم أن ما حكي عن الهدهد، من قوله ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ إلى هنا ليس داخلا تحت قوله: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وإنما هو من المعارف والعلوم التي اقتبسها من سليمان ﵇، أورده بيانا لما هو عليه، وإظهارا لتصلبه في الدين، وكل ذلك لتوجيه قلبه ﵇ نحو قبول كلامه، وصرف عنان عزيمته إلى غزوها، وتسخير ولايتها. انتهى. قال الجمل: وقوله: ليس داخلا تحت قوله... إلخ، مراده بهذا: أن الذي اختص به الهدهد عن سليمان، وذكره بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ قد انتهى بقوله: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ﴾ وأما قوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ..﴾. إلخ فهو وإن كان من مقول الهدهد، لكنه ليس مما علمه دون سليمان، بل سليمان يعلمه أيضا على وجه أتم، وأكمل من علم الهدهد، وإنما ذكره الهدهد بيانا لما هو عليه، أي لما هو معتقده، وإظهارا لتصلبه في الدين. انتهى. الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: كونه بدلا من اسم (لا) على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو أقوى الثلاثة، وهو مبني على الفتح في محل رفع. ﴿رَبُّ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ﴿رَبُّ،﴾ وحسن حذفه توالي اللفظ ب: (هو) مرتين، الثالث: أن يكون خبرا ثانيا لقوله: ﴿اللهُ﴾ والخبر الأول: الجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ..﴾. إلخ، وذلك عند من يرى تعدد الخبر مختلفا بالإفراد، والجملة. الرابع: أن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشرطين: أن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. و ﴿رَبُّ﴾ مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة (العرش) ويقرأ بالرفع، فيقال فيه ما قيل ب: ﴿رَبُّ﴾ من الأوجه الأربعة، واعتباره صفة له يتضمن الأوجه الأربعة، وإن أبقيته صفة ل: ﴿الْعَرْشِ،﴾ ورفعته فيكون خبر مبتدأ محذوف، وذلك على القطع، وهذا معروف في باب النعت، والجملة الاسمية ﴿اللهُ..﴾. إلخ، تحتمل أن تكون من مقول الهدهد، وأن تكون من كلام سليمان فتكون مستأنفة متصل بها ما بعدها، وأن تكون من كلام الله تعالى، فتكون معترضة بين كلام الهدهد، وكلام سليمان الآتي. تأمل، وتدبر. ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿قالَ سَنَنْظُرُ:﴾ من النظر الذي هو التأمل، والتصفح. ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ التقدير: أصدقت، أم كذبت؟ والتغيير لرعاية الفواصل، وللمبالغة أيضا، ولم يقل:

стр. 4308

سننظر في أمرك؛ لأن الهدهد لما صرح بفخر العلم بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ صرح له سليمان بقوله: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فكان ذلك مقابلة لما قاله، وكفاء له. ثم إن الهدهد دلهم على الماء، فاحتفروا الركايا، وروي الناس، والدواب، ثم إن سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كتب كتابا: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: (بسم الله الرحمن الرحيم، السّلام على من اتبع الهدى، أمّا بعد أن لا تعلو عليّ، وائتوني مسلمين). قيل: لم يزد على ما نص الله في كتابه، وكذلك الأنبياء؛ كانوا يكتبون جملا، لا يطيلون، ولا يكثرون. فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد: ﴿اِذْهَبْ..﴾. إلخ. وقيل: لم يبدأ سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كتابه باسم الله؛ لأنها كانت كافرة قارئة، فخاف من كفرها أن تستخف باسم الله، فجعل اسمه وقاية لاسم الله تعالى، وكانت عربية، والكتابة عربية، وهو الظاهر، وقيل: إنه كتبه بالعجمية، ولها ترجمان يترجم لها به؛ لأنها عربية، ويحتمل أنها كانت تعرف غير العربية. انتهى. جمل نقلا عن شيخه. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى «سليمان» تقديره: «هو». ﴿سَنَنْظُرُ:﴾ السين: حرف استقبال. (ننظر): فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَصَدَقْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (صدقت): فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، تقديره: في قولك، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول: (ننظر). ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كُنْتَ،﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مثلها، وجملة: ﴿سَنَنْظُرُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ:﴾ إنما قال: (إليهم) بلفظ الجمع؛ لأنه جعله جوابا لقول الهدهد: ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ فقال: ألقه إلى الذين هذا دينهم، وقد قرئ: (ألقه) بقراآت كثيرة. ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: تنح عنهم. أمره بالتولي حسن أدب حسب ما يتأدب به مع الملوك، أي: وكن قريبا منهم؛ حتى تسمع، وترى ما يقولون. ﴿فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ:﴾ بماذا يتداولون، كقوله تعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ،﴾ فأخذ الكتاب، وأتى به إلى بلقيس، وكانت بأرض مأرب من اليمن، على ثلاث مراحل من صنعاء، فوجدها نائمة، مستلقية على قفاها، وقد غلقت الأبواب، ووضعت المفاتيح تحت رأسها، وكذلك كانت

стр. 4309

تفعل إذا رقدت، فأتى الهدهد، وألقى الكتاب على نحرها، وكان قد دخل عليها من كوة عالية في جدار قصرها، فاستيقظت فلما رأت الكتاب؛ دهشت. وقيل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره، وطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة، والوزراء، والجنود، فرفرف ساعة، والناس ينظرون إليه، فرفعت بلقيس رأسها، فألقى الكتاب في حجرها، فلما رأت الخاتم ارتعدت، وخضعت؛ لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل إليها الكتاب أعظم ملكا منها، فقرأت الكتاب؛ والهدهد غير بعيد متوار عنها، وجاءت هي؛ حتى قعدت على سرير ملكها، وجمعت الأشراف من قومها. وقال ابن عباس ﵄: كان مع بلقيس مئة قيل، مع كل قيل مئة ألف، والقيل ملك دون الملك الأعظم، وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، كل رجل منهم على عشرة آلاف، فلما جاؤوا، وأخذوا مجالسهم؛ ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿اِذْهَبْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿بِكِتابِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة (كتابي)، وجملة: ﴿اِذْهَبْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. (ألقه): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَوَلَّ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل: أنت. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وليس بشيء. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (انظر): فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿ماذا:﴾ ما: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي يرجعونه. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، كما يجوز اعتباره مفعولا مقدما، والجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية في محل نصب مفعول به ل (انظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، هذا كله إذا كان (انظر) بمعنى تأمل وتفكر. وإن كان الفعل بمعنى انتظر من قوله تعالى: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ كانت ﴿ماذا﴾ اسما مركبا بمعنى الذي، و ﴿يَرْجِعُونَ﴾ صلته، والعائد مقدر، كما مر تقديره، وتكون: ﴿ماذا﴾ مفعولا به ل (انظر)؛ أي: انتظر الذي يرجعونه، انتهى. جمل نقلا عن السمين. أقول والأول أقوى. هذا؛ والجمل المتعاطفة كلها من قول سليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

стр. 4310

﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي..﴾. إلخ: في الكلام حذف؛ إذ التقدير: فذهب الهدهد، فألقى إليهم الكتاب، فسمعها تقول: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ،﴾ و ﴿الْمَلَأُ:﴾ الأشراف، والسادة. وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (الشعراء). ثم وصفت الكتاب بالكريم، إما؛ لأنه من عند عظيم في نفسها، ونفوسهم، فعظمته إجلالا لسليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهذا قول ابن زيد. وإما أنها إشارة إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، فكرامة الكتاب ختمه، وروي ذلك عن رسول الله ﷺ . وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتابا، ولم يختمه؛ فقد استخف به. وقيل: لأنه بدأ فيه بالبسملة، وقد قال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «كل كلام لا يبدأ فيه ب: بسم الله الرحمن الرحيم، فهو أجذم. وفي رواية: فهو أقطع. وفي ثالثة: فهو أبتر». وقيل: كريم لغرابة شأنه؛ حيث ألقي إليها من حيث لا تعلم. وقيل: كريم لكرم مضمونه، وهو مفهوم بعض ما تقدم. وانظر شرح ﴿كَرِيمٌ﴾ في الآية رقم [٥٩] من سورة (الشعراء). ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ:﴾ لا تترفعوا علي، ولا تتكبروا عن متابعتي، ولا تأنفوا عن الانقياد إلى طاعتي، فإني رسول من رب العالمين، وقرئ: «(ألا تغلوا)» بالغين شاذا، من: غلا، يغلو: إذا تجاوز، وتكبر، وهي راجعة إلى قراءة الجماعة. ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ:﴾ موحدين، منقادين، طائعين، وليس المراد ملة الإسلام الحادثة التي جاء بها محمد ﷺ ، ولو قلنا بذلك؛ لرد علينا بما رددنا به على اليهود والنصارى من أن ملة الإسلام الحادثة حدثت بعد سليمان بزمن طويل، فكيف يكون سليمان عليها، ومثل ذلك قل في إسلام نوح وغيره من الأنبياء من أن المراد بإسلامهم التوحيد. وردنا على اليهود هو ما تضمنه قوله تعالى: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الآية رقم [٦٧] من سورة (آل عمران)، وقوله تعالى في الآية التي قبلها: ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾. قال البيضاوي رحمه الله تعالى: وهذا الكلام-أي: ما تضمنه الكتاب-في غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة، الدالة على ذات الصانع، وصفاته صريحا، أو التزاما، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل، والأمر بالإسلام، الجامع لأمهات الفضائل، وليس الأمر فيه الانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاء للتقليد، فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الأدلة. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى بلقيس، (يا): أداة نداء، تقوم مقام: أدعو، أو أنادي، (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في
следующие страницы →