← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

التقدير: فاهدوا، أو: فأدوا ما... إلخ. ﴿اِسْتَيْسَرَ:﴾ فعل ماض، والفعل يعود إلى (ما) ﴿مِنَ الْهَدْيِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها إن اعتبرتها نكرة موصوفة، والعائد أو الرابط هو الفاعل المستتر، العائد عليها، وجملة: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ في محل جزم جواب الشرط، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها، و (إن) ومدخولها كلام مفرع عمّا قبله لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَحْلِقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رُؤُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَبْلُغَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الْهَدْيِ:﴾ فاعله. ﴿مَحِلَّهُ:﴾ اسم مكان متعلق بالفعل قبله، وهو يطلق على الزمان أيضا، وقيل: مفعول به ولا وجه له، و «أن» المضمرة والفعل ﴿يَبْلُغَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَلا تَحْلِقُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (﴿أَتِمُّوا..﴾.) إلخ لا محل لها مثلها، وقيل: معطوفة على (إنّ) ومدخولها، والأوّل أقوى. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء حرف عطف، أو استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه يعود إلى (من). ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كانَ،﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿مَرِيضاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿مَرِيضاً:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف معطوف على: ﴿مَرِيضاً،﴾ التقدير: أو كائنا به. ﴿أَذىً:﴾ فاعل بمتعلق الجار والمجرور؛ لأن الجار إذا اعتمد رفع الفاعل عند الجمهور، وهو في الحقيقة فاعل بالمتعلق المحذوف، كما رأيت، ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و ﴿أَذىً﴾ مبتدأ مؤخر، فهو مرفوع على الوجهين، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب، وهي معطوفة على خبر: ﴿كانَ﴾ وهو: ﴿مَرِيضاً﴾. ﴿مِنْ رَأْسِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع صفة ﴿أَذىً﴾. ﴿فَفِدْيَةٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (فدية): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب فدية، أو هو مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: فعليه فدية، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، الجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَفِدْيَةٌ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، فهو كلام

стр. 457

سديد، والجملة الاسمية: (من ﴿كانَ..﴾.) إلخ مفرعة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ صِيامٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة. (فدية). ﴿صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ معطوفان على ﴿صِيامٍ﴾. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء حرف عطف، وقيل: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَمِنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل ما تقدّم، فهو واضح إن شاء الله تعالى، لا أطيل الكلام في إعرابه، والجملة الاسمية الحاصلة منه على الوجهين المعتبرين في (من) جواب: (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على (إن) ومدخولها. وقيل: مستأنف. ﴿إِلَى الْحَجِّ:﴾ متعلقان بمحذوف، التقدير: واستمر تمتّعه إلى الحج، أي: إلى الإحرام بالحجّ. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء حرف عطف، أو استئناف. (من): تحتمل الشرطية، والموصولة. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجِدْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿فَصِيامُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (صيام): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الواجب صيام، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليه صيام، و (صيام) مضاف، و ﴿ثَلاثَةِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله، و ﴿ثَلاثَةِ:﴾ مضاف، و ﴿أَيّامٍ﴾ مضاف إليه، ﴿فِي الْحَجِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ل ﴿ثَلاثَةِ أَيّامٍ،﴾ وقيل: حال من: ﴿ثَلاثَةِ أَيّامٍ،﴾ ﴿وَسَبْعَةٍ﴾ معطوف على لفظ: ﴿ثَلاثَةِ﴾ وقرئ بنصبه، فيكون معطوفا على محل: ﴿ثَلاثَةِ﴾. وقيل: منصوب بفعل محذوف، التقدير: وصوموا سبعة. ﴿إِذا:﴾ ظرف متعلق ب (صيام) مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَجَعْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿عَشَرَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿كامِلَةٌ:﴾ صفة: ﴿عَشَرَةٌ﴾ صفة مؤكدة، والجملة الاسمية مؤكدة لما قبلها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. ﴿أَهْلُهُ:﴾ اسمه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حاضِرِي:﴾ خبر (﴿يَكُنْ﴾) منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و ﴿الْمَسْجِدِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة: ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١٩٤]. و ﴿شَدِيدُ:﴾ مضاف، و ﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعله، التقدير: شديد عقابه.

стр. 458

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)﴾ الشرح: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ وهي: شوال، وذو، والعشر الأول من ذي الحجة. وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى. والقول بصحّة الإحرام بالحجّ في جميع السنة هو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد رحمهم الله تعالى. واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فعند الشافعية إذا أحرم بغير أشهر الحج انعقد إحرامه عمرة. ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ:﴾ بنية الإحرام عند الشّافعي، وعند أبي حنيفة بالتلبية، وإنّما سمي شهران، وبعض الشهر أشهرا، إقامة للبعض مقام الكل، أو إطلاقا للجمع على ما فوق الواحد، أو هو من باب التغليب. ﴿فَلا رَفَثَ:﴾ المراد به هنا: الجماع، انظر الآية رقم [١٨٧] فإنه جيد. أي: من أحرم بالحج، أو بالعمرة؛ فليجتنب الجماع، وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة، والتقبيل، ونحو ذلك، وكذلك التكلم به بحضرة النساء. قال ابن عمر-﵄: الرفث: إتيان النساء، والتكلم بذلك للرّجال، والنساء، إذا ذكروا ذلك بأفواههم، ومنه قول المحرم لامرأته: فإذا أحللنا؛ فعلنا بك كذا من غير كناية. وقاله ابن عباس أيضا، وأنشد وهو محرم: [الرجز] وهنّ يمشين بنا هميسا... إن تصدق الطّير ننك لميسا فقال له صاحبه حصين بن قيس: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إن الرّفث ما قيل عند النّساء. هذا؛ والرّفث: كلّ كلام ساقط لا قيمة له، قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الشاعر: [الرجز] وربّ أسراب حجيج كظّم... عن اللّغا ورفث التّكلّم ﴿وَلا فُسُوقَ:﴾ ولا خروج عن حدود الشّريعة. وقيل: هو السباب، والتنابز بالألقاب، وقال ابن عباس-﵄: الفسوق: جميع المعاصي المنهي عنها في حال إحرامه بالحج، أو بالعمرة، ومنه قتل الصيد، وقصّ الظفر. وقد ثبت عن أبي هريرة-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حجّ هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه». ورواية الصّحيحين: «رجع كيوم ولدته أمّه». ﴿وَلا جِدالَ﴾ أي: ولا مماراة، ولا مخاصمة. وهذه الأمور الثلاثة منهي عنها في جميع الحالات، وفي جميع الأوقات، والأمكنة. وفي حالة الإحرام آكد، وهي في الحج أقبح، صيغته نفي، وحقيقته نهي، أي: لا يرفث... إلخ، وهو أبلغ من النّهي الصريح، كما هو معروف في فن البلاغة. قال رسول الله ﷺ :

стр. 459

«ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل» ثم قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً﴾. رواه الترمذي، وابن ماجة عن أبي هريرة، ﵁. ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهو الذي يجازيكم عليها. حثّ الله على فعل الخير عقيب النهي عن الشرّ، وهو أن يستعملوا مكان الرّفث الكلام الحسن، ومكان الفسوق البرّ، والتقوى، ومكان الجدال الوفاق، والأخلاق الجميلة. هذا؛ وذكر سبحانه الخير، وإن كان عالما بجميع أفعال العباد لفائدة، وهي: أنّه تعالى إذا علم من عبده المؤمن الخير؛ ذكره في الملأ الأعلى، وأشهره، وإذا علم منه الشر؛ أسرّه، وأخفاه: فإذا كان هذا فعله مع عبده المؤمن في الدنيا؛ فكيف يكون في العقبى، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا يخجل العبد من ربّه حين ارتكابه المعصية؛ وهو يوقن: أنّه يراه، ويعلم ما يفعل. هذا؛ والإحرام بالحج، والعمرة على ثلاثة أنواع: إفراد، وتمتّع، وقران. فصورة الإفراد: أن يحج، ثم بعد فراغه منه يعتمر من أدنى الحلّ. وصورة التّمتّع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجّ، ويأتي بأعمالها، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من مكّة في تلك السّنة. وصورة القرآن: أن يحرم بالعمرة، والحج في أشهر الحجّ، فينويهما بقلبه، وكذلك: لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم أدخل عليها الحجّ قبل أن يفتتح الطواف، فيصير قارنا. واختلفوا في الأفضل: فذهب مالك، والشّافعي إلى أن الإفراد أفضل، ثم التمتّع، ثم القران. وذهب الثوريّ، وأبو حنيفة إلى أن القرآن أفضل. وذهب الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه إلى أن التمتّع أفضل، ولكلّ دليله، علما بأن المفرد بالحج لا يلزمه شيء، وأما القارن، والمتمتع؛ فيلزمهما دم، أو صيام، كما قدّمته فيما سبق. ﴿وَتَزَوَّدُوا:﴾ أمر الله باتخاذ الزاد في سفر الحج. نزلت في أناس من أهل اليمن، كانوا يخرجون للحجّ من غير زاد، ويقولون: نحن متوكّلون، ويقولون: نحج بيت ربنا. أفلا يطعمنا؟ فإذا قدموا مكة؛ سألوا الناس، وربما أفضى بهم الحال إلى الغصب، والنهب، والسّرقة. قال رجل للإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: أريد أن أخرج إلى مكة على التوكّل بلا زاد. فقال له: اخرج في غير القافلة. فقال: لا، إلا معهم، قال ﵀: فعلى جرب النّاس توكّلت!. ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ أي: تزودوا ما تتبلّغون به. وتكفّون به وجوهكم عن الناس، واتّقوا إبرامهم، والتثقيل عليهم، وكذلك ما تتقون به من الهلكة، والضياع. وقيل: المعنى تزوّدوا من العبادة، والطّاعة، فإن الإنسان لا بدّ له من سفر في الدنيا، ولا بدّ له من زاد، ويحتاج فيه إلى الطّعام، والشراب... إلخ، ولا بدّ له من سفر في الدّنيا إلى الآخرة، ولا بدّ له من زاد، وهو تقوى الله، والعمل بطاعته، وهذا أفضل من الزاد الأول، فإن زاد الدنيا يوصل إلى مراد الدنيا، وشهواتها، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم، وفي هذا المعنى يقول الأعشى من قصيدته التي أعدّها لمدح الرسول ﷺ : [الطويل]

стр. 460

إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى... ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكون مكانه... وأنّك لم ترصد كما كان أرصدا انظر الشاهد رقم [٣٩١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وانظر حياة الأعشى في كتابنا: «فتح الكبير المتعال إعراب المعلقات العشر الطوال» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَاتَّقُونِ﴾ أي: خافوا عقابي، واشتغلوا بطاعتي، وتقواي، وفيه تنبيه على كمال الله ﷻ . ﴿يا أُولِي الْأَلْبابِ:﴾ يا أصحاب العقول السليمة، والقلوب الفاهمة، وقد خص الله أولي الألباب بالخطاب، وإن كان الأمر يعم جميع الناس؛ لأنهم الذين قامت عليهم الحجّة، وهم العاملون بأوامر الله، المنتهون عن زواجره. وانظر الآية رقم [١٧] فإنه جيد. الإعراب: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، وقال بعضهم: التقدير: الحج حجّ أشهر معلومات، وقيل: التقدير: وقت الحج. ﴿مَعْلُوماتٌ:﴾ صفة ﴿أَشْهُرٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فَرَضَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الْحَجُّ:﴾ مفعول به. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿رَفَثَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي في الموضعين. ﴿فُسُوقَ،﴾ ﴿جِدالَ:﴾ معطوفان على ﴿رَفَثَ﴾. ﴿فِي الْحَجِّ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (﴿لا﴾). هذا وجه للإعراب، ويجوز اعتبار (﴿لا﴾) عاملة في الثلاثة، والجار والمجرور: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ متعلقان بمحذوف خبر الأخيرة، وخبر الأولى والثانية محذوف لدلالة خبر الثالثة عليه. هذا؛ وتقرأ الأسماء الثلاثة بالرّفع، وخرج على وجهين: إهمال (﴿لا﴾)، وإعمالها، فعلى الإهمال فيه أيضا وجهان: اعتبار الأول مبتدأ، والثاني، والثالث معطوفان عليه، و ﴿فِي الْحَجِّ﴾ متعلقان بمحذوف خبره. والوجه الثاني اعتبار الكل مبتدءات، و ﴿فِي الْحَجِّ﴾ خبر الثالث، وخبر الثاني والأول محذوفان لدلالة الثالث عليهما، كما يجوز اعتبار: ﴿فِي الْحَجِّ:﴾ خبرا للأول، وخبر الثاني، والثالث محذوفان لدلالة خبر الأول عليهما، وعلى إعمال (﴿لا﴾) عمل ليس يجوز أيضا جميع الاعتبارات التي ذكرتها في إهمالها، كما قرئ برفع الأولين، وتنوينهما، وفتح الأخير، وعلى هذه القراءة يجوز في الأولين ما ذكرته في وجهي إهمال (﴿لا﴾) وإعمالها من الاعتبارات، وتعتبر الأخيرة عاملة عمل «إنّ» والخبر لها، وخبر الأولين محذوف على جميع الاعتبارات، وخذ قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] وركّب المفرد فاتحا كلا... حول ولا قوّة والثّان اجعلا

стр. 461

مرفوعا أو منصوبا او مركّبا... وإن رفعت أوّلا لا تنصبا انظر مبحث (﴿لا﴾) النافية للجنس في كتابنا: «فتح ربّ البرية» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر شرح ابن عقيل أيضا، وجملة: (لا ﴿رَفَثَ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ على اعتبار (﴿مِنْ﴾) اسما موصولا، والجملة الاسمية على الاعتبارين معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾)، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿يَعْلَمْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿وَتَزَوَّدُوا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (﴿تَزَوَّدُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالواو. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿خَيْرٍ:﴾ اسمها، و ﴿خَيْرٍ:﴾ مضاف، و ﴿الزّادِ:﴾ مضاف إليه. ﴿التَّقْوى:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الاسمية تعليل للأمر قبلها، لا محل لها. ﴿وَاتَّقُونِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (﴿يا﴾): أداة نداء. (﴿أُولِي﴾): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف، و ﴿الْأَلْبابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاُذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ (١٩٨)﴾ الشرح: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ:﴾ أي: إثم، ومؤاخذة. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ أي: رزقا، أي: ربحا بسبب التجارة. وابتغاء الفضل بمعنى التجارة. ورد في قوله تعالى في سورة (الجمعة): ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾. والدليل على صحة هذا ما رواه البخاري عن ابن عباس-﵄-قال: كانت عكاظ، ومجنّة، وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثّموا أن يتّجروا في المواسم، فنزلت الآية الكريمة.

стр. 462

هذا؛ و «عكاظ» نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليال. و «ذو المجاز» خلف عرفة. و «مجنة» بمر الظهران، قرب جبل، يقال له: الأصفر، وهو بأسفل مكة على قدر ميل منها. وهذه أسواق للعرب، وكان أهل الجاهلية يصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة، ثم يذهبون منه إلى مجنّة بعد مضي عشرين يوما من ذي القعدة، فإذا رأوا هلال ذي الحجّة؛ ذهبوا من مجنّة إلى ذي المجاز، فلبثوا فيه ثماني ليال، ثم يذهبون إلى عرفة، ولم تزل هذه الأسواق قائمة في الإسلام إلى أن كان أول ما ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة تسع وعشرين ومائة، لمّا خرج الحروري بمكّة مع أبي حمزة المختار بن عوف، خاف الناس أن ينتهبوا، فتركت إلى الآن، ثمّ ترك ذو المجاز، ومجنّة بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكّة، وبمنى، وعرفة. هذا وفي الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يعدّ شركا، ولا يخرج به المكلّف عن اسم الإخلاص المفترض عليه؛ ما لم يكن الباعث على التّجارة أقوى من الباعث على الحج، فقد روى الدّارقطنيّ في سننه عن أبي أمامة التيمي-﵁-قال: قلت لابن عمر-﵄: إنّي رجل أكري في هذا الوجه، وإن ناسا يقولون: إنه لا حجّ لك، فقال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فسأله مثل هذا الذي سألتني، فسكت حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ فقال رسول الله ﷺ : «إنّ لك حجّا». ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ:﴾ أي: اندفعتم، يقال: أفاض الإناء: إذا امتلأ؛ حتى ينصبّ عن نواحيه. ورجل فياض، أي: متدفق بالعطاء. قال زهير بن أبي سلمى في ممدوحه: [الطويل] وأبيض فيّاض يداه غمامة... على معتفيه ما تغبّ فواضله هذا؛ وفاض: لازم، وأفاض متعدّ، تقول: فاض الإناء، وأفضته، أي: ملأته. ﴿مِنْ عَرَفاتٍ:﴾ اسم علم سمي بلفظ الجمع كأذرعات في قول امرئ القيس، وهو الشاهد رقم [١٨٨] من كتابنا: «فتح رب البرية» إعراب شواهد جامع الدروس العربية: [الطويل] تنوّرتها من أذرعات وأهلها... بيثرب أدنى دارها نظر عالي فقد قرئ ﴿عَرَفاتٍ﴾ بالتنوين، وهي قراءة الجماعة، والتنوين هنا بمنزلة النون في مسلمين. قال النحاس: هذا الجيد. وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من عرفات، يقول: هذه عرفات يا هذا، ورأيت عرفات يا هذا، ومررت بعرفات يا هذا، بكسر التاء، وبغير تنوين، قال: لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين، وحكى الأخفش، والكوفيّون فتح التاء تشبيها بتاء فاطمة، وطلحة؛ أي: فهو ممنوع من الصرف، وانظر الكلام على بيت امرئ القيس في الكتاب المذكور؛ فإنّه جيد، والحمد لله!. هذا؛ وسميت تلك البقعة المقدسة عرفات؛ لأنها وصفت لإبراهيم على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام، فلما رآها؛ عرفها، وقيل: إنّ جبريل ﵇ حين كان يدور به في

стр. 463

المشاعر أراه إيّاها، فقال: قد عرفت. وقيل: لأنّ الناس يتعارفون فيها، إذا أوقفوا جميعا في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، وقيل: لأن آدم-﵇-لمّا هبط في الهند، وحواء ﵍-هبطت بجدّة، فاجتمعا بعد طول الطلب بعرفات يوم عرفة، وتعارفا، فسمّي اليوم: عرفة، والموضع: عرفات. والله أعلم بحقيقة ذلك. والظاهر أنّ اسمه مرتجل كسائر أسماء البقاع. وعرفة هي نعمان الأراك، وفيها يقول الشاعر: [الطويل] تزوّدت من نعمان عود أراكة... لهند، ولكن من يبلّغه هندا وقيل: مأخوذ اسمها من العرف، وهو الطّيب. قال تعالى في سورة محمد ﷺ : ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أي: طيّبها؛ بخلاف «منى» التي فيها الفروث، والدّماء. هذا؛ والوقوف بعرفات هو الرّكن الهامّ في الحج، قال الرسول ﷺ : «الحجّ عرفة، فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحجّ». ووقت الوقوف بعرفة من زوال الشّمس يوم التاسع إلى طلوع الفجر صباح العيد. وانفرد الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-بجواز الوقوف من أوّل يوم عرفة، وحديث عروة بن مضرّس-﵁-مشهور مسطور، والجمع بين الليل، والنهار في موقف عرفة سنة عند الشّافعي، وواجب عند أبي حنيفة ولازم عند مالك، وأحمد. يقول بقول الشافعي، والأحسن والأفضل الجمع بين اللّيل والنهار للتّوفيق بين جميع المذاهب، وعليه العمل الآن، فلا يدفع أحد من عرفة إلا بعد غروب الشمس. هذا؛ وتصلّى صلاة العصر مع الظّهر في يوم عرفة جمع تقديم مع القصر. هذا؛ وعرفة كلّها موقف إلا بطن عرنة، فمن وقف فيه، واقتصر عليه؛ فلا يصحّ حجّه. ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ:﴾ أي: بالدعاء، والتلبية، والتهليل، والتكبير. ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ:﴾ جبل صغير في المزدلفة، يقال له: قزح. والمشعر: المعلم؛ لأنه معلم للعبادة، وصف بالحرام لحرمته، وتعظيمه، وسميت تلك الأرض: المزدلفة، وجمعا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها؛ أي: ودنا منها. أو لأن الحاج يجمع فيها بين صلاتي المغرب، والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء فقط، أو لأن الناس يزدلفون فيها إلى الله، يتقرّبون بالوقوف، والدّعاء فيها. والمبيت بمزدلفة يدخل وقته بنصف ليلة العيد إلى طلوع الفجر، وليس ركنا من أركان الحج، فمن فاته الوقوف فيه يذبح شاة، انظر الدماء في الآية رقم [١٩٦]. ومزدلفة كلها موقف إلا بطن محسّر؛ قال رسول الله ﷺ : «عرفة كلّها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلّها موقف، وارتفعوا عن بطن محسّر». أخرجه مالك في موطّئه. ﴿وَاذْكُرُوهُ:﴾ بالدعاء والتلبية... إلخ. ﴿كَما هَداكُمْ:﴾ أي: لهدايتكم، أو لهدايته إيّاكم، إلى الخير، والأعمال الصّالحة. ففيه تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية، والبيان، والإرشاد إلى مشاعر الحجّ، على ما كان عليه من الهداية لإبراهيم الخليل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ أي: من

стр. 464

قبل البيان والهدى، أو من قبل القرآن، أو من قبل الرسول ﷺ والكل متقارب، ومتلازم، وصحيح المعنى. خاتمة: يوم عرفة فضله عظيم، وثوابه جسيم، يكفّر الله فيه الذنوب العظام، ويضاعف فيه الصّالح من الأعمال. روى مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي قتادة-﵁-قال: سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة، فقال: «يكفّر ذنوب السّنة الماضية، والقابلة». وفي رواية: «أحتسب على الله أنّ يكفّر... إلخ». وقال ﷺ : «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا، والنّبيّون من قبلي: لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له». وروى الدّارقطنيّ-رحمه الله تعالى-عن عائشة-﵂: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عددا من النّار من يوم عرفة، وإنّه ليدنو ، ثمّ يباهي بهم الملائكة، يقول: ما أراد هؤلاء؟». وفي الموطأ عن عبيد الله بن كريز-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلاّ لما رأى من تنزّل الرّحمة، وتجاوز الله عن الذّنوب العظام؛ إلاّ ما أري يوم بدر» قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟! قال: «أما إنّه قد رأى جبريل يزع الملائكة». أي: يصفّهم، ويسويهم، ويهيّئهم للحرب. ولقد تبسم رسول الله ﷺ لما أصبح بالمزدلفة، فقال له أبو بكر، وعمر-﵄: إنّ هذه لساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك؟ أضحك الله سنّك! قال: «إنّ عدوّ الله، إبليس لمّا علم أنّ الله قد استجاب لي دعوتي، وغفر لأمّتي؛ أخذ التراب، فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثّبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه». هذا؛ وحديث عروة بن مضرّس الطائي-﵁-قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله! إنّي جئت من جبل طيئ، فأكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه! فهل لي من حجّ يا رسول الله؟! فقال رسول الله ﷺ : «من صلّى معنا صلاة الغداة بجمع، وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا، أو نهارا؛ فقد قضى تفثه، وتمّ حجّه». أخرجه غير واحد من الأئمّة، منهم: أبو داود، والنّسائي، وأحمد، والدّارقطنيّ، وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. الإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿جُناحٌ:﴾ اسمها مؤخّر، ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَبْتَغُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والفعل: ﴿تَبْتَغُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر

стр. 465

محذوف، التقدير: في ابتغاء فضله، والجار، والمجرور متعلّقان ب ﴿جُناحٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: المصدر المؤول في محل نصب خبر: ﴿لَيْسَ،﴾ وقدّر: في أن تبتغوا، وسكت عن تعليق: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وهو ضعيف، والمعتمد ما قدّمته، وهو ما جريت عليه في مثل ذلك في سورة (النساء) وسورة (النور) وغيرهما، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. ﴿فَضْلاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿فَضْلاً﴾ أو بمحذوف صفة له، وجوز تعليقهما بالفعل قبلهما، وهو ضعيف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَفَضْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، ومفعول محذوف، التقدير: أفضتم أنفسكم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿مِنْ عَرَفاتٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اذكروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿الْمَشْعَرِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة له، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين، وجملة: (﴿اُذْكُرُوهُ﴾): معطوفة على جواب (إذا) ومؤكدة له توكيدا لفظيّا. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، وقيل: الكاف للتعليل، قيل: هي بمعنى: «على» وقيل: هي كافة ل (ما) وليس بشيء. (ما): مصدرية. ﴿هَداكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والكاف مفعول به، و (ما) والفعل: (هدى) في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: اذكروا الله ذكرا مشابها لهدايتكم. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، التقدير: اذكروه مشبهين لكم حين هداكم، وعلى اعتبار الكاف للتعليل، أو بمعنى «على» فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْ﴾): مخففة من الثقيلة مهملة، وقيل: هي نافية، وقيل: هي بمعنى «قد»، ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص، مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف، يدل عليه ما بعده، التقدير: ضالّين من قبله، ولا يجوز تعليقهما بما بعدهما؛ لأنّ ما بعد «ال» الموصولة، لا يعمل فيما قبلها، إلا على رأي من يتوسع في الظرف، والجار والمجرور. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين المخفّفة، والنافية، وهي بمعنى «إلا» عند الكوفيين، وصلة على اعتبار (إن) بمعنى «قد». (من ﴿الضّالِّينَ﴾): متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: (﴿إِنْ كُنْتُمْ..﴾.) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير.

стр. 466

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا..﴾. إلخ: الخطاب لقريش المسمّون في الجاهلية الحمس، فإنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة، وهي من الحرم، وكانوا يقولون: نحن قطين الله، فينبغي لنا أن نعظّم الحرم، ولا نعظم شيئا من الحل، وكانوا مع معرفتهم، وإقرارهم: أنّ عرفة موقف إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-لا يخرجون من الحرم، ويقفون ب «جمع» ويفيضون منه، ويقف الناس ب «عرفة» فقيل لهم: أفيضوا مع الناس. وقال الضحاك-رحمه الله تعالى-: المخاطب بالآية جميع الأمّة، والمراد بالناس: إبراهيم ﵇، كما قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٧٣]: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ فالمراد بالناس الأولى: شخص واحد. انظر الآية هناك، فإنّه جيد، والحمد لله!. فلمّا جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفة، فيقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ﴾ والمراد بالإفاضة هاهنا الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار، وهذا بعد الإفاضة من عرفة، ويحتمل أن يكون المراد: ثمّ أفيضوا من عرفة... إلخ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وقرئ: («من حيث أفاض النّاس») بكسر السين، يريد آدم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهي صفة غلبت عليه، كالعباس، والحارث، ودلّ عليه قوله تعالى في سورة (طه): ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ:﴾ اطلبوا منه المغفرة. والسين، والتاء للطلب، وذلك لمخالفتكم في الموقف، ونحو ذلك ممّا كنتم تفعلونه في جاهليتكم، أو من تقصيركم في أعمال الحجّ. هذا؛ و «استغفر» يتعدّى لاثنين، أولهما بنفسه، والثاني ب «من» نحو: استغفرت الله من ذنبي، وقد يحذف حرف الجر، كقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٨٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط] أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل فائدة: كثيرا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات، كما في هذه الآية؛ حيث أمر بالاستغفار بعد الوقوف بعرفة، والإفاضة منها، وقد ثبت في صحيح مسلم: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ثلاثا، وفي الصّحيحين: أنّه ندب إلى التسبيح، والتحميد، والتكبير ثلاثا وثلاثين بعد كلّ صلاة، وقد روى ابن جرير-رحمه الله تعالى-استغفاره ﷺ لأمته عشية عرفة. وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر-﵄: أن أبا بكر-﵁-قال: يا رسول الله! علّمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال: «قل: اللهمّ إنّي ظلمت نفسي

стр. 467

ظلما كثيرا، ولا يغفر الذّنوب إلاّ أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنّك أنت الغفور الرّحيم». وطلب الاستغفار بعد أداء العبادات لأمرين: أولهما: لعلّه يحصل تقصير في أداء العبادات، أو يحصل خلل فيها، ولا يعلم العبد، والأمر الثاني: أنّ طلب المغفرة بعد أداء العبادة يكون أرجى للقبول، وأبلغ في وصول المأمول. علما بأنّ الرسول ﷺ -وجزاه الله عنا خير الجزاء-قد حثّنا على الاستغفار في جميع الحالات، وفي جميع الأوقات، فعن شداد بن أوس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «سيّد الاستغفار أن يقول العبد: اللهمّ أنت ربي لا إله إلاّ أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنّه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في ليلة، فمات في ليلته؛ دخل الجنّة، ومن قالها في يومه، فمات؛ دخل الجنّة». رواه البخاري، والنّسائي، والترمذي. وليس لشداد في البخاريّ غير هذا الحديث. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لزم الاستغفار؛ جعل الله له من كلّ همّ فرجا، ومن كلّ ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب». رواه أبو داود، والنّسائي، وابن ماجة، والحاكم، والبيهقي. وعن أنس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أدلّكم على دائكم، ودوائكم؟ ألا إنّ داءكم الذّنوب، ودواءكم الاستغفار». رواه البيهقي، وغير ذلك كثير. انظر الترغيب، والتّرهيب للحافظ المنذري. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَفِيضُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتّفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿حَيْثُ:﴾ اسم مبني على الضم في محل جر ب ﴿مِنْ﴾ والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَفاضَ النّاسُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠)﴾ الشرح: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ..﴾. إلخ: أديتم أعمال حجّكم من الوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلفة، ورمي جمرة العقبة، والطواف بالكعبة، والحلق، وانتهيتم من ذلك. وانظر شرح

стр. 468

﴿قَضى﴾ في الآية رقم [١١٧]. هذا؛ ومناسك: جمع منسك بفتح السين، وكسرها، وهو مصدر ميمي، أو اسم مكان، والأول أرجح، وانظر الآية رقم [١٢٨]. ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والتقديس، والتعظيم. ﴿كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ:﴾ اختلف في معناه، فقال عطاء: هو كما يلهج الصّبيّ بذكر أبيه، وأمّه، فكذلك أنتم الهجوا بذكر الله بعد قضاء النّسك. وقال ابن عباس-﵄: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويتحمّل الدّيات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمّد ﷺ الآية. وقول آخر لابن عباس: هو أن تغضب لله تعالى؛ إذا عصي أشدّ من غضبك لوالديك إذا شتما. و ﴿أَوْ:﴾ للتخيير، والإباحة. ﴿فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا..﴾. إلخ قال ابن عبّاس-﵄: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا، فأنزل الله فيهم الآية. انتهى. والسبب في ذلك: أنّهم كانوا لا يعرفون الآخرة، ولا يؤمنون بها، فنهوا عن ذلك الدّعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم، ويجوز أن يتناول هذا الوعيد المؤمن إذا قصر دعواته في الدنيا، على هذا. ﴿وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ أي: كخلاق الذي يسأل الآخرة. والخلاق: الحظ، والنصيب. الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية السابقة. ﴿قَضَيْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿مَناسِكَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وهناك مضاف محذوف، انظر تقديره في الشّرح. ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اذكروا): فعل أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿كَذِكْرِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: اذكروا الله ذكرا مشابها لذكر آبائكم، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: اذكروا الله مشبهين لكم حين ذكركم آباءكم، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿آباءَكُمْ:﴾ مفعول به للمصدر، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَشَدَّ:﴾ معطوف على (ذكر) المجرور، فهو مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة، ووزن أفعل، أو هو معطوف على الكاف المضاف إليه، وذلك على اللفظ، فهو مجرور أيضا، أو هو معطوف على: ﴿آباءَكُمْ﴾ فهو منصوب، أو هو منصوب بمضمر دل عليه المعنى؛ تقديره: أو كونوا أشدّ. انتهى. بيضاوي،

стр. 469

وعكبري بتصرف. وعلى هذا ف ﴿ذِكْراً:﴾ تمييز. وقال الجلال، وتبعه الجمل: ونصب ﴿أَشَدَّ﴾ على الحال من (﴿ذِكْراً﴾) المنصوب ب (اذكروا) إذ لو تأخر عنه؛ لكان صفة له، وتفسيره: أنّ (﴿أَشَدَّ﴾) حال ممّا بعده، كان صفة له، فلما تقدّم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدّم عليها؛ صار حالا»، وعلى هذا ف (ذكرا) مفعول مطلق للفعل: (اذكروا) وهو قول أبي حيّان أيضا، ولم يرتضه ابن هشام في المعنى. ﴿فَمِنَ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (من ﴿النّاسِ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ والجملة صلتها، أو صفتها. هذا هو الإعراب الظاهر في مثل ذلك، ولا أعتمده، وإنّما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [٨]. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى، حذف حرف النداء، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿آتِنا:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، و (نا): مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول كالجملة الندائية قبلها. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما والجملة الاسمية: ﴿فَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما من تعدّد الخبر، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿خَلاقٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَقُولُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ (٢٠١)﴾ الشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ..﴾. إلخ: هذا فريق غير الفريق الأول، الّذي طلب الدنيا، ومتاعها، وملذاتها، وشهواتها. ﴿وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ لأنّ همّه مقصور على الدّنيا؛ لأنه لا يؤمن بالآخرة. وأمّا هذا الفريق، فإنّه يطلب الصحة، والكفاف من الرزق، والتوفيق لعمل الخير في الدّنيا، ويطلب الأجر، والثواب في الآخرة، كما يطلب الوقاية من النّار، وذلك بالحفظ من المعاصي، والذنوب المؤدية إلى النّار.

стр. 470

فقد جمعت الدعوة في هذه الآية كلّ خير في الدنيا، وصرفت كل شرّ، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كلّ مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة صالحة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وجار صالح، وثناء جميل، وغير ذلك، وأما الحسنة في الآخرة؛ فأعلى ذلك دخول الجنّة، وما فيها من النعيم المقيم، والأمن من الفزع الأكبر في عرصات القيامة، وتيسير الحساب، وغير ذلك من الأمور الآخرة الصّالحة. وأما النّجاة من النّار؛ فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدّنيا، من اجتناب المحارم، والمآثم، وترك الشّبهات وأكل الحرام. عن ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ ، قال: «أربع من أعطيهنّ؛ فقد أعطي خيري الدّنيا والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها، وماله». رواه الطّبراني بإسناد جيد. ولهذا وردت السنة بالتّرغيب بالدّعاء في هذه الآية، فقال البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن أنس-﵁: كان النبي ﷺ يقول: «اللهمّ ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النّار»، وكان أنس-﵁-إذا أراد أن يدعو بدعوة؛ دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء؛ دعا بها فيه. وقال ابن عباس-﵄: إنّ عند الرّكن اليماني ملكا قائما منذ خلق الله السّماوات والأرض، يقول: آمين، فقولوا: ﴿رَبَّنا آتِنا..﴾. إلخ. وسئل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني، وهو يطوف بالبيت، فقال: حدثني أبو هريرة-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «وكّل به سبعون ملكا، فمن قال: اللهمّ إنّي أسألك العفو والعافية في الدّنيا والآخرة، ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار؛ قالوا: آمين». أخرجه ابن ماجة في السّنن. بعد هذا؛ ف (﴿قِنا﴾) من الوقاية، وهي التّحرّز من المهالك في الدنيا، والآخرة، فهو فعل دعاء، وصيغته صيغة أمر، فهو من: وقى، يقي اللفيف المفروق، فتحذف فاؤه من المضارع مثل كلّ فعل مثال، مثل: وعد، يعد، و: وزن، يزن... إلخ، والأمر منه: اوقنا، حذفت منه الواو، كما حذفت من مضارعه، واستغني عن همزة الوصل لتحرك الحرف المبدوء به، وتحذف لامه مع فائه لبنائه على حذف حرف العلّة، مثل كل فعل ناقص معتل الآخر، مثل: اسع، وادع، وارم، فيبقى فعل الأمر باللفظ حرفا واحدا (ق) ومثله: وعى، يعي، ع، ووفى، يفي، ف، وولي، يلي، ل، ووطى، يطي، ط. وإذا لم يتصل به ضمير؛ تلحقه هاء السكت، فتقول: فه، قه، له عه، طه، وبه يلغز، فيقال: [الرجز] في أيّ لفظ يا نحاة الملّه... حركة قامت مقام الجمله؟ الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية السابقة. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:

стр. 471

﴿حَسَنَةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً:﴾ معطوف على ما قبله عطف مفردات، أو هو على تقدير فعل محذوف، فيحصل جملة تعطف على ما قبلها. (﴿قِنا﴾): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، هو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. و (نا) مفعول به أول. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَقِنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الفريقين المذكورين، فللمؤمن الصّالح ثواب علمه، ودعائه، وللكافر، والفاجر، والفاسق عقاب سوء عمله، وقصر نظره إلى الدّنيا. وهو مثل قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٣٢]: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾. وقيل: يرجع إلى الفريق الثاني فقط، والأول أولى. ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ:﴾ حظّ من الخير، أو من الشرّ. ﴿مِمّا كَسَبُوا:﴾ أي: من جنس ما عملوا، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشر، فالفريق الأول يستحق النار، وما فيها من المقت، والنّكال، والفريق الثاني يستحق الجنّة، وما فيها من النّعيم المقيم؛ الذي لا يزول. ﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ:﴾ لا يحتاج إلى عدّ، ولا إلى عقد، ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحسّاب، ولهذا قال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ وقال رسول الله ﷺ في دعائه يوم الخندق: «اللهمّ منزّل الكتاب، سريع الحساب... إلخ» والمعنى: أنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن. فكما يرزقهم في ساعة واحدة؛ يحاسبهم لذلك في ساعة واحدة، قال تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ رقم [٢٨] من سورة (لقمان)، وقيل للإمام علي-﵁: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم. وقال ابن عباس-﵄: إذا أخذ في حسابهم؛ لم يقل أهل الجنة إلا فيها، ولم يقل أهل النار إلا فيها. هذا؛ ويقيل: من القيلولة، وهي الاستراحة وقت الظهيرة، ومعنى الحساب، وفائدته تعريف الله العباد مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إيّاهم بما قد نسوه؛ بدليل قوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄-في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ..﴾. إلخ: هو الرّجل يأخذ مالا يحجّ به عن غيره، فيكون له ثواب. وروي عنه في هذه الآية: أن رجلا قال: يا رسول الله! مات أبي، ولم يحجّ، أفأحجّ عنه؟ فقال ﷺ : «لو كان على أبيك دين، فقضيته، أما كان ذلك يجزي؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحقّ أن يقضى». قال: فهل لي من أجر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ، يعني: من حجّ عن ميّت؛ كان الأجر بينه، وبين الميّت. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 472

هذا والحاج عن غيره عند الشافعي لا يجوز حتّى يكون قد قضى الحج عن نفسه أولا، وعند غيره يجوز أن يحجّ عن غيره، ولو لم يكن قد أدى فرضه، وقالوا: كلّ من لم يراع مصالحه في الدنيا يصحّ أن ينوب عن غيره في مثلها، فتتم لغيره، وإن لم تتم له لنفسه، ويزوّج غيره، وإن لم يزوّج نفسه؛ أي: وإن كان غير متزوّج. الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. والكاف حرف خطاب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نَصِيبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر ﴿أُولئِكَ﴾ فيكون: ﴿نَصِيبٌ﴾ فاعلا بمتعلق الجار والمجرور، التقدير: أولئك ثابت لهم نصيب. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَصِيبٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كَسَبُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء كسبوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: نصيب من كسبهم، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (الله): مبتدأ. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْحِسابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: سريع حسابه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اِتَّقى وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ الشرح: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ:﴾ بالتكبير مع قطع التلبية. ﴿فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٨٤]. والمراد: التكبير في أدبار الصلوات، وعند ذبح القرابين، وعند رمي الجمار، وغيرها في أيام التشريق، وهي الأيام التي تلي يوم الأضحى، ويبدأ التكبير عقب الصلوات من صبح يوم عرفة، وينتهي بعد صلاة العصر في اليوم الثالث من أيام التّشريق عند الشّافعيّ، وعليه العمل في هذه الأيام. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٢٨]: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ فأيام الرّمي معدودات، وأيام النّحر معلومات، وروى نافع عن ابن عمر-﵄: أنّ الأيام المعدودات، والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام، يوم النحر، وثلاثة أيام بعده، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود لا معلوم، وإنّما كان كذلك؛ لأنّ الأول ليس من الأيام التي تختص بمنى، والأضحية جائزة في يوم النّحر العيد، وثلاثة بعده، وهذه الأيام لا يجوز صومها لقول الرّسول ﷺ : «أيّام التّشريق أيّام أكل، وشرب، وذكر لله» أخرجه مسلم، وأحمد، رحمهما الله تعالى.

стр. 473

﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: نفر من منى إلى مكّة في اليوم الثاني من أيام التشريق. ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ:﴾ فلا مؤاخذة عليه بشرط أن ينفر قبل الغروب، ويرمي فيه بعد الزوال عند الأئمة الثلاثة، إلا أبا حنيفة فإنّه يجيز الرّمي قبل الزوال، بخلاف الرمي يوم العيد، فإنّه يدخل وقته بنصف ليلة النّحر. ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: تأخر في الخروج من منى إلى اليوم الثالث من أيام التشريق؛ فلا حرج، ولا جناح عليه. وينبغي أن تعلم: أن المبيت بالمزدلفة، وبمنى، والرّمي في يوم العيد، وفي اليوم الثاني بعده، والثالث: وهو الثاني من أيام التّشريق واجب، فمن ترك شيئا من ذلك فعليه دم، انظر ما ذكرته في الدّماء في الآية رقم [١٩٦]. ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ الله في حجّه بأن قام بشرطه، وأركانه، وواجباته، وآدابه. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ؛ أي: خافوا الله، وأيقنوا: أنكم مجموعون إليه للحساب، والجزاء، فيجازيكم بأعمالكم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. هذا؛ وأصل: (﴿اِتَّقى﴾) و (﴿اِتَّقُوا﴾) اوتقى، واوتقوا، فقلبت الواو تاء، وأدغمت التاء بالتاء. تنبيه: يكثر النهي في القرآن الكريم عن العجلة، واستعجال الشيء قبل أوانه، وهذا النهي أكثر ما يوجّه للكافرين الذين طلبوا استعجال العذاب، وقد يوجه إلى بني آدم جميعا، وقد توجّه إلى النبيّ ﷺ في سورة (طه) رقم [١١٤] وفي سورة (القيامة) أيضا. بينما حث الله تعالى على المسارعة إلى فعل الطاعات، فقال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٣٣]: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال جل ذكره في سورة (الحديد) رقم [٢١]: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ كما وصف أنبياءه، ورسله بأنهم ﴿كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ في الآية رقم [٩٠] من سورة (الأنبياء) وهذا لا يناقض ما ورد: «العجلة من الشّيطان، والتّأنّي من الرّحمن». وقال الشاعر: [البسيط] قد يدرك المتأنّي بعض حاجته... وقد يكون مع المستعجل الزّلل لأن المسارعة إلى الطّاعات مستثناة من ذلك، كما أنّ هناك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها كأداء الصلاة المكتوبة إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ إذا أتى الكفؤ، ودفن الميت، وإكرام الضيف إذا نزل. وخذ ما يلي: فعن عليّ-﵁، وكرّم الله وجهه-قال: قال رسول الله ﷺ : «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها: الصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا». أخرجه الترمذي، وجاء في الشّعر العربي الحثّ على العجلة، قال بشار بن برد الأعمى: [البسيط] من راقب النّاس لم يظفر بحاجته... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج

стр. 474

واختصره سلم الخاسر، فقال: [مخلّع البسيط] من راقب النّاس مات همّا... وفاز باللذّة الجسور ونسب للأعشى، ولغيره ما يلي: [البسيط] وربّما فات قوما جلّ أمرهم... من التّأنّي وكان الجزم لو عجلوا ف «لو» مصدرية، والتقدير، وكان الحزم تعجيلهم. وقال آخر: [البسيط] وربّما ضرّ بعض النّاس بطؤهم... وكان خيرا لهم لو أنّهم عجلوا الإعراب: (﴿اُذْكُرُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿فِي أَيّامٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَعْدُوداتٍ:﴾ صفة ﴿أَيّامٍ﴾. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَعَجَّلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فِي يَوْمَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِثْمَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا) والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرت مرارا، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ:﴾ في محل رفع خبرها، وزيدت الفاء في خبرها؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ:﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق، ومتعلق الفعل: ﴿تَأَخَّرَ﴾ محذوف لدلالة المقام عليه، وانظر الشرح. ﴿لِمَنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الذي ذكر من التأخير، أو من الأحكام لمن اتقى. وقدّر مكي رحمه الله تعالى: المغفرة لمن اتقى المحرّمات. وقيل: تقديره: الإباحة في التأخير، والتعجيل لمن اتقى. و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿اِتَّقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، والجملة الاسمية التي رأيت تقديرها في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الكلام السابق برمّته. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله،

стр. 475

والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿اُذْكُرُوا..﴾.) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَاعْلَمُوا:﴾ أمر، وفاعله. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّكُمْ،﴾ و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي: (﴿اِعْلَمُوا﴾)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤)﴾ الشرح: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ:﴾ يروقك، ويعظم في نفسك ما يقوله. هذا؛ والعجب-بفتح العين، والجيم-: انفعال نفساني، يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو استنكاره ما يرد عليه، ويشاهده. وقال الراغب-رحمه الله تعالى-: العجب: حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة: أعجبني كذا: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه، انتهى جمل نقلا من السّمين. والعجب-بضم العين، وسكون الجيم-: رؤية النفس، وهو نوع من الكبر، وهو من المهلكات، ففي حديث أنس-﵁. عن النبي ﷺ : «وثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه» رواه البيهقي. وعنه أيضا: قال رسول الله ﷺ : «لو لم تذنبوا؛ لخشيت عليكم ما هو أكبر منه: العجب». رواه البزار بإسناد جيد. (﴿يُشْهِدُ اللهَ﴾): يحلف كذبا، ويشهد الله على أنّ ما في قلبه موافق للسانه؛ أي: يظهر الإيمان بلسانه، ثم يظهر منه خلاف ذلك. ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ:﴾ شديد الخصومة، والعداوة لك يا محمد، ولصحابتك الكرام. هذا؛ و ﴿أَلَدُّ﴾ صفة مشبّهة، واللّدد: شدة الجدال، ورجل ألدّ، وامرأة لدّاء، وهم أهل لدد، قال الشاعر: [الكامل] وألدّ ذي حنق عليّ كأنّما... تغلي عداوة صدره في مرجل وقال آخر: [الخفيف] إنّ تحت التّراب عزما وحزما... وخصيما ألدّ ذا مغلاق هذا؛ وقال تعالى في سورة مريم-على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾. وقال الرسول ﷺ : «إنّ أبغض الرّجال إلى الله، الألدّ الخصم». رواه البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والنّسائيّ عن عائشة، ﵂.

стр. 476

و ﴿الْخِصامِ:﴾ مصدر: خاصم، يخاصم، وقال الخليل، رحمه الله تعالى، وقال الزجاج: هو جمع: خصم، كصعب، وصعاب، وضخم، وضخام. وعن ابن عباس-﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال: «كفى بك إثما أن لا تزال مخاصما». رواه الترمذي، رحمه الله تعالى. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه؛ إلاّ أوتوا الجدل، ثمّ قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ»﴾. رواه الترمذي، وابن ماجة. تنبيه: نزلت الآية الكريمة، والتي بعدها في الأخنس بن شريق الثقفي، واسمه أبيّ، والأخنس لقب لقّب به؛ لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من حلفائه من بني زهرة عن قتال رسول الله ﷺ ، كما ستعرفه في سورة (آل عمران) كان منافقا حسن المنظر، حلو الكلام للنبي ﷺ فجاء بعد ذلك، فأظهر الإسلام، وقال: الله يعلم أنه صادق، ويحلف بالله: أنه مؤمن برسالته، ومحبّ له، وكان الرسول ﷺ يقرّبه، ويدني مجلسه، ولكن الله تعالى قد كذّبه في دعواه، فقد مرّ بزرع، وحمر لبعض المسلمين، فأحرقه، وأحرقها، كما بينت الآية التالية. وهذا وأمثاله من المنافقين، والكذابين يطلق عليهم في عرف الشّرع الإسلامي: أصحاب الوجهين، واللّسانين، وما أكثرهم في هذا الزمن! وخذ ما يلي: عن سعد بن أبي وقاص-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ذو الوجهين في الدّنيا، يأتي يوم القيامة؛ وله وجهان من نار». رواه الطبرانيّ في الأوسط. وعن عمار بن ياسر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان له وجهان في الدّنيا؛ كان له يوم القيامة لسانان من نار». رواه أبو داود، وابن حبان. وعن أنس-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من كان ذا لسانين؛ جعل الله له يوم القيامة لسانين من نار». رواه الطبرانيّ، وغيره. ورحم الله صالح بن عبد القدّوس؛ إذ يقول: [الكامل] لا خير في ودّ امرئ متقلّب... حلو اللّسان وقلبه يتلهّب يلقاك يحلف أنّه بك واثق... وإذا توارى عنك فهو العقرب يعطيك من طرف اللّسان حلاوة... ويروغ منك كما يروغ الثّعلب الإعراب: ﴿وَمِنَ النّاسِ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف، (﴿مِنَ النّاسِ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا هو الإعراب المتعارف عليه وهو الظاهر، ولا أعتمده، وإنما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [٨]. ﴿يُعْجِبُكَ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به. ﴿قَوْلُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فِي الْحَياةِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان ب:

стр. 477

﴿قَوْلُهُ﴾ لأنه مصدر. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. (﴿يُشْهِدُ﴾) مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿عَلى ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي قَلْبِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (﴿يُشْهِدُ..﴾.) إلخ معطوفة على جملة: ﴿يُعْجِبُكَ..﴾. إلخ. كذا قيل، والأولى أن تكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهو يشهد... إلخ، وهذه الجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يُعْجِبُكَ﴾ المستتر، والرابط الواو والضمير، وإنما احتجنا إلى تقدير مبتدأ محذوف؛ لأن الجملة المضارعية المقترنة بالواو لا تقع حالا، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا ومن الواو خلت وذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَلَدُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْخِصامِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي من تعدّد الحال، وهو جملة. وإن اعتبرتها حالا من فاعل: (يشهد) فهي حال متداخلة. ﴿وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا تَوَلّى:﴾ أدبر، وانصرف من عند رسول الله ﷺ ، وخرج. وانظر الآية رقم [٦٤]. ﴿سَعى فِي الْأَرْضِ:﴾ أي: مشى بقدميه في الأرض؛ ليستعمل مكره، ودهاءه، وإدارة الدّوائر على الإسلام، وأهله. وهذا كان منه بعد إلانة القول، وحلاوة المنطق. ﴿لِيُفْسِدَ فِيها:﴾ بقطع الأرحام، وسفك دماء المسلمين. ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ:﴾ الزرع. ﴿وَالنَّسْلَ:﴾ الحيوانات التي تتوالد. وذلك: أن الأخنس الخبيث، كان بينه وبين بني ثقيف خصومة، فبيّتهم، فأحرق زروعهم، وأهلك مواشيهم؛ التي كانت متروكة في تلك الزروع. وانظر الآية السابقة. وقيل: المعنى: إذا صار واليا، وملك رقاب الناس؛ سعى في الأرض؛ ليفسد فيها بالظلم، والعدوان، كما يفعل ولاة السوء، والظلمة. وعلى كلّ فالآية عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفات في كل زمان، ومكان؛ لأن خصوص السبب، لا يمنع التعميم. ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ،﴾ أي: لا يرضى بالإيذاء، والضرر، والضرر قرين الشرك بالله.

стр. 478

الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر، يعود إلى (من) تقديره: هو، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: ﴿سَعى فِي الْأَرْضِ﴾ جواب (﴿إِذا﴾)، لا محل لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، ويجوز عطفه على جملة: ﴿يُعْجِبُكَ..﴾. إلخ في الآية السابقة، فيكون من جملة الصلة، أو الصفة مثلها: ﴿لِيُفْسِدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿سَعى﴾. ﴿وَيُهْلِكَ:﴾ معطوف على: (يفسد) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى «من» أيضا. ﴿الْحَرْثَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالنَّسْلَ:﴾ معطوف عليه. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو واو الحال، (﴿اللهُ﴾) مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. يحب: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿الْفَسادَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ والرابط: الواو فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ..﴾. إلخ: أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله، وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عما أنت عليه من التلوّن، وارجع إلى الحق؛ امتنع، وأبى، وأخذته الحميّة، والغضب بالإثم. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذه صفة الكافر، والمنافق الذّاهب بنفسه زهوا، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا. وقال عبد الله بن مسعود-﵁: إن من أكبر الذنوب عند الله أن يقال للعبد: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك. وروي: أنه قيل لعمر ﵁: اتق الله، فوضع خده على الأرض تواضعا لله تعالى. لكن في هذه الأيام إذا قيل لأحدهم: هذا لا يحله الشرع، وإن أحله القانون؛ يقول: هو لا يؤمن بهذا الشرع. هذا؛ و ﴿الْعِزَّةُ:﴾ القوة، والغلبة، من: عزّه، يعزه: إذا غلبه، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٣٩]: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ وقال تعالى في سورة (فاطر) رقم [١٠]: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ وفي سورة (المنافقون) رقم [٨]: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ والعزة في هذه الآية: الحمية، والأنفة، ومنه قول الشاعر: [الرمل] أخذته عزّة من جهله... فتولّى مغضبا فعل الضّجر

стр. 479

وقال تعالى في سورة (ص): ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾. ذكر: أنّ يهوديّا كانت له حاجة عند هارون الرشيد، فاختلف إلى بابه سنة، فلم يقض حاجته، فوقف على الباب يوما، فلما خرج هارون؛ سعى؛ حتى وقف بين يديه، وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين! فنزل هارون عن دابته، وخرّ ساجدا، فلمّا رفع رأسه؛ أمر بحاجته، فقضيت، فلمّا رجع قيل له: يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك لقول يهودي، قال: لا ولكن تذكّرت قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ..﴾. إلخ. ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ:﴾ كافيه معاقبة، وجزاء جهنم، كما تقول للرجل: كفاك ما حلّ بك. ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهادُ:﴾ الفراش؛ أي: ما يفترشه في الآخرة، والمهاد: جمع. المهد، وهو الموضع المهيّأ للنوم، ومنه مهد الصبي، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٤٦]: ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾. وفي هذه الجملة تهكم بالمنافقين، والكافرين، حيث جعلت لهم جهنم غطاء، ووطاء، فأكرموا بذلك، كما تكرم الأمّ ولدها بالغطاء، والوطاء اللّينين. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ مثل الآية السابقة. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اِتَّقِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: أنت. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل: ﴿قِيلَ،﴾ وانظر ما ذكرته فيما مضى كثيرا. ﴿أَخَذَتْهُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْعِزَّةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب: (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها معطوف على مثله في الآية السابقة: ﴿بِالْإِثْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضّمير المنصوب. ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ:﴾ الفاء: أراها الفصيحة. (حسبه جهنم): مبتدأ، وخبر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدّر ب «إذا»، التقدير: وإذا كان ما ذكر شأنه، وحاله؛ فحسبه جهنم. والجملة الشرطية هذه مستأنفة، لا محل لها. و ﴿وَلَبِئْسَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة جوابا لقسم مقدر. (بئس): فعل ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿الْمِهادُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: المذمومة هي، أو جهنم. والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالواو. ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)﴾ الشرح: لما ذكر الله صنيع المنافقين؛ ذكر بعده صنيع المؤمنين الصّادقين. هذا؛ وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية أقوال كثيرة، وروايات مختلفة، والمعتمد: أنها نزلت في صهيب بن سنان بن

стр. 480

مالك الرّومي، وهو عربي الأصل سباه الرّوم، وهو صغير، فجلب إلى مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان. وقيل: بل هرب من الرّوم، فقدم مكة، وحالف ابن جدعان، وكان-﵁-من السّابقين إلى الإسلام، شهد بدرا، والمشاهد كلّها، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثلاثين. قال ابن عباس-﵄: نزلت الآية في صهيب-﵁. وذلك: أنّه لمّا أراد الهجرة، منعه كفار قريش أن يهاجر بماله، وأخذوه، وعذبوه، فقال لهم: إنّي شيخ كبير، ولا يضركم: أمنكم كنت، أم من غيركم؟ فهل لكم أن تأخذوا مالي، وتذروني، وديني؟! ففعلوا ذلك، وكان شرط عليهم رحله، ونفقة. وفي رواية ثانية: خرج من مكة مهاجرا، فلحقه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته، وأخذ قوسه، وقال: لقد علمتم أنّي من أرماكم، وايم الله! لا تصلون إليّ؛ حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي بيدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم! فقالوا: لا نتركك تذهب عنا غنيّا، وقد جئتنا صعلوكا، ولكن دلّنا على مالك بمكة، ونخلي عنك. فعاهدوه على ذلك، ففعل، فلمّا قدم على رسول الله ﷺ ، قال له: «ربح بيعك أبا يحيى»، وتلا عليه الآية. وفي رواية: تلقّاه أبو بكر، وعمر-﵄ ورجال، فقال له الصّدّيق: ربح بيعك أبا يحيى، فقال له صهيب: وبيعك فلا يخسر! فما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا. وقرأ عليه الآية الكريمة. ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ:﴾ يبيعها، بمعنى: يبذلها في طاعة الله من صلاة، وصيام، وحجّ، وجهاد، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر. وقال تعالى عمّا فعل إخوة يوسف فيه: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: باعوه، وأصله: الاستبدال، ومنه قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١١١]: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ..﴾. إلخ. ومنه قول الشاعر: [الطويل] وإن كان ريب الدّهر أمضاك في الألى... شروا هذه الدّنيا بجنّاته الخلد ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ ابتغاء طلب مرضاة الله. ﴿وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ حيث أرشدهم إلى مثل هذا الشراء، وكلّفهم بالجهاد، فعرضهم لثواب الغزاة، والشّهداء. هذا؛ والرأفة: أشدّ الرحمة، و ﴿رَؤُفٌ﴾ صيغة مبالغة، ومن رأفة الله بعباده أن جعل النّعيم الدائم في الجنة جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته: أنّه يقبل توبة عبده المذنب، ومن رأفته: أن نفس العباد، وأموالهم ملكه، ثم إنه تعالى يشتري ملكه بملكه فضلا منه، ورحمة، وإحسانا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٣] فإنه جيد، والحمد لله!. الإعراب: ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ انظر الآية رقم [٢٠٤] فهو مثله بلا فارق. ﴿يَشْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾. ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. ﴿اِبْتِغاءَ﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف، و ﴿مَرْضاتِ﴾ مضاف

стр. 481

إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و ﴿مَرْضاتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله أيضا، وفاعله محذوف أيضا، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة؛ فلست مفندا، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتعظيم. هذا؛ وجاز وقوع الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف عامل فيه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ الشرح: لمّا بيّن الله سبحانه: أنّ من الناس مؤمن، وكافر، ومنافق؛ قال: كونوا على ملّة واحدة، واجتمعوا على الإسلام، واثبتوا عليه. فالسّلم هنا بمعنى الإسلام، ومنه قول الشاعر الكندي: [الوافر] دعوت عشيرتي للسّلم لمّا... رأيتهم تولّوا مدبرينا أي: إلى الإسلام، وذلك لمّا ارتدت قبيلة كندة بعد وفاة النّبي ﷺ مع الأشعث بن قيس الكندي. هذا؛ ويقرأ «السلم» بكسر السين وفتحها، وهو: الاستسلام، والخضوع، والطاعة، و ﴿السِّلْمِ﴾ أيضا: الإسلام، وقال حذيفة ابن اليمان-﵁-في هذه الآية: الإسلام ثمانية أسهم: الصّلاة سهم، والزّكاة سهم، والصّوم سهم، والحجّ سهم، والعمرة سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له في الإسلام. هذا؛ والسّلم: المسالمة، والمصالحة، قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٦١] مخاطبا نبيّه ﷺ : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ وهو أيضا بكسر السين وفتحها، وهو يذكّر، ويؤنث بدليل: (لها) و ﴿كَافَّةً﴾. و ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى جميعا، والمعنى: تقبلوا جميع تعاليم الإسلام، ولا تقبلوا غيرها أبدا. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ انظر الآية رقم [١٦٨]، وخطواته: وساوسه، وأحابيله، وزخارفه، و ﴿مُبِينٌ﴾ اسم فاعل من: أبان الرّباعي، أصله مبين بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، واسم الفاعل من بان الثلاثي: بائن، وأصله: باين. وعداوة الشيطان بينة بتبيين الله لنا عداوته، فكأنه بيّن؛ وإن لم نشاهده.

стр. 482

تنبيه: نزلت الآية الكريمة في عبد الله بن سلام-﵁-وأصحابه، كانوا من اليهود، وأسلموا، فعظّموا السبت، وكرهوا لحوم الإبل بعد إسلامهم. وانظر الآية رقم [١٤٦] للكلام على عبد الله بن سلام، وانظر نداء المؤمنين في الآية رقم [١٠٤]. وعن أبي هريرة-﵁-عن رسول الله ﷺ ، قال: «والّذي نفس محمّد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة، يهوديّ، ولا نصرانيّ، ثم يموت، ولا يؤمن، بالّذي أرسلت به؛ إلاّ كان من أصحاب النّار». أخرجه مسلم. الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و (ها) حرف تنبيه لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من لفظ: (أي). ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اُدْخُلُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿فِي السِّلْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَافَّةً:﴾ حال من ﴿السِّلْمِ﴾ وقيل: حال من واو الجماعة، وضعّفه ابن هشام. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾) ناهية. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿خُطُواتِ:﴾ مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر (إنّ)، ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ أي: إن انحرفتم عن الصّراط المستقيم من بعد مجيء الحجج الباهرة، والبراهين الساطعة على أنّ دين الإسلام هو الدّين الحق. وأصل الزلل في القدم، ثمّ استعمل في الأمور المعنوية على سبيل الاستعارة. ويقال: زلّت قدمه: إذا ذهب عزّه. وفي المثل: «زلت نعله» يضرب لمن نكب، وزالت نعمته، قال زهير بن أبي سلمى في ممدوحيه: [الطويل] تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها... وذبيان إذ زلّت بأقدامها النّعل

стр. 483

﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ﴾ أي: المعجزات وآيات القرآن، إن كان الخطاب للمؤمنين، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين؛ ف ﴿الْبَيِّناتُ﴾ ما ورد في شرعهم من الإعلام بمحمد ﷺ ، والتّعريف به، وبرسالته. وفي الآية دليل على أنّ عقوبة العالم بالذّنب أعظم من عقوبة الجاهل به. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ:﴾ قوي في نقمته ممّن خالفه، لا يعجزه شيء. ﴿حَكِيمٌ:﴾ لا يفعل إلا ما فيه حكمة، أو لا ينتقم إلا بحق. والحكيم: ذو الإصابة في الأمور كلها. وفي الآية وعيد، وتهديد لمن في قلبه شكّ، ونفاق، أو عنده شبهة في الدّين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٩]. تنبيه: روي: أنّ أعرابيّا سمع قارئا يقرأ: فاعلموا أن الله غفور رحيم، فأنكره، ولم يكن يقرأ القرآن، وقال: إن كان هذا كلام الله، فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزّلل؛ لأنه إغراء به. ومثله روي: أن قارئا قرأ قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قرأ: فإنك أنت الغفور الرحيم، فأنكره آخر، ولم يكن يقرأ القرآن أيضا، وقال: هذا لا يناسب من يقدر على التّعذيب، والمغفرة. الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿زَلَلْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿جاءَتْكُمُ:﴾ فعل ماض. والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به. ﴿الْبَيِّناتُ:﴾ فاعله، و ﴿ما﴾ المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، من بعد مجيء البينات لكم. هذا؛ واعتبار ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة، يحوج إلى تقدير عائد، أو رابط، التقدير: من بعد الّذي، أو شيء جاءتكم البينات به. وهذا تكلف لا حاجة له، وهو ضعيف معنى. ﴿فَاعْلَمُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، وجملة: (اعلموا ﴿أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾) في محل جزم جواب الشرط، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [٢٠١]. و ﴿أَنَّ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ الشرح: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي مفيد للتّوبيخ؛ أي: لا ينبغي لهم إلا انتظار إتيان العذاب. ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظر التّاركون الدّخول في السلم، والمتّبعون خطوات الشيطان.

стр. 484

إلا أن يأتيهم الله؛ أي: أمر الله، أو عذابه. فالكلام على حذف مضاف، مثل قوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أي: بخذلانه إياهم. ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جمع ظلّة، كقلة، وقلل، وهي ما أظلّك، وعلاك، وتجمع (ظلة) جمع مؤنث سالما: ظللات، وأنشد سيبويه قول النابغة الجعدي-رحمه الله تعالى-: [الطويل] إذا الوحش ضمّ الوحش في ظللاتها... سواقط من حرّ وقد كان أظهرا وظلال: جمع ظل في الكثير، والقليل: أظلال. ﴿مِنَ الْغَمامِ﴾ هو السّحاب الأبيض، وإنّما يأتيهم العذاب فيه؛ لأنّه مظنّة الرّحمة، فإذا جاء العذاب منه؛ كان أفظع؛ لأنّ الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب، كان أصعب، فكيف إذا جاء من حيث يحتسب بالخير، قال تعالى في بيان عذاب قوم هود-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا،﴾ قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (الأحقاف). ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ أي: وتأتيهم الملائكة. ففي تفسير ابن كثير: أي: ما ينتظرون شيئا إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق؛ حيث تنشقّ السّماء، وينزل الجبار- -في ظلل من الغمام، وحملة العرش، والملائكة الذين لا يعلم كثرتهم إلا الله، ولهم زجل من التسبيح، يقولون: سبحان ذي الملك، والملكوت! سبحان رب العرش، والجبروت! سبحان الحيّ الذي لا يموت! سبحان الّذي يميت الخلائق، ولا يموت! سبّوح قدوس، ربّ الملائكة والرّوح. و ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: انتهى أمر الخلائق بالفصل بينهم، كما قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ الآية رقم [٧] من سورة (الشورى)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ:﴾ هو مثل قوله تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ رقم [٥٣] من سورة (الشورى) وقوله جلّ ذكره في كثير من الآيات: ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ والمقصود: تصوير عظمته تعالى يوم القيامة، وهولها وشدتها، وبيان: أن الحاكم فيها هو ملك الملوك جلّ وعلا؛ الذي لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه، وهو أحكم الحاكمين. بعد هذا فخذ ما يلي: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: واعلم: أنّ هذه الآية من آيات الصّفات، وللعلماء في آيات الصّفات، وأحاديث الصّفات مذهبان: أحدهما: وهو مذهب سلف هذه الأمة، وأعلام أهل السنّة: الإيمان، والتسليم لما جاء في آيات الصّفات، وأحاديث الصّفات، وأنّه يجب علينا الإيمان بظاهرها، ونؤمن بها كما جاءت، ونكل علمها إلى الله، وإلى رسوله ﷺ ، مع الإيمان، والاعتقاد بأنّ الله تعالى منزّه عن سمات الحدوث، وعن الحركة والسّكون.

стр. 485

قال الكلبيّ-رحمه الله تعالى-: هذا من الّذي لا يفسّر. وسفيان بن عيينة-رحمه الله تعالى- قال: كلّ ما وصف الله به نفسه في كتابه؛ فتفسيره قراءته، والسكوت عليه، وليس لأحد أن يفسّره إلا الله، ورسوله. وكان الزّهري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وسفيان الثّوري، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه-رضوان الله عليهم أجمعين-يقولون في هذه الآية، وأمثالها: اقرءوها كما جاءت، بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل. هذا مذهب أهل السّنّة، ومعتقد سلف الأمّة، وأنشد بعضهم في المعنى: [الطويل] عقيدتنا أن ليس مثل صفاته... ولا ذاته شيء عقيدة صائب نسلّم آيات الصّفات بأسرها... وأخبارها للظّاهر المتقارب ونؤيس عنها كنه فهم عقولنا... وتأويلنا فعل اللّبيب المغالب ونركب للتّسليم سفنا فإنّها... ليسلم دين المرء خير المراكب المذهب الثاني: وهو قول جمهور علماء المتكلمين، وذلك: أنه أجمع جميع المتكلمين من العقلاء، والمعتبرين من أصحاب النظر على أنه تعالى منزّه عن المجيء، والذهاب، ويدلّ على ذلك: أنّ كلّ ما يصحّ عليه المجيء، والذهاب، ولا ينفكّ عن الحركة، والسكون-وهما محدثان- وما لا ينفك عن المحدث؛ فهو محدث، والله تعالى منزّه عن ذلك، فيستحيل ذلك في حقّه تعالى، فثبت بذلك: أنّ ظاهر الآية ليس مرادا، فلا بد من التأويل على سبيل التفصيل. فعلى هذا قيل في معنى الآية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ أي: بالآيات، فيكون مجيء الآيات مجيئا لله تعالى على سبيل التفخيم لشأن الآيات. وقيل: معناه: إلا أن يأتيهم أمر الله، ووجه هذا التأويل: أن الله تعالى فسّره في آية أخرى، فقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ الآية [٣٣] من سورة (النحل)، فصار هذا الحكم مفسرا لهذا المجمل في هذه الآية. قال ابن تيميّة-رحمه الله تعالى-في رسالته التدمرية: وصفه تعالى نفسه بالإتيان في ظلّ من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات أخر، ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه، أو صحّ عن رسول الله ﷺ ، والقول في جميع ذلك من جنس واحد، وهو مذهب سلف الأمّة، وأئمتها، إنّهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته، والله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلو سأل سائل: كيف يجيء سبحانه؟ فليقل له: كما لا تعلم كيفية ذاته، كذلك لا تعلم كيفية صفاته. انتهى. صفوة التفاسير. وانظر ما ذكرته رقم [٧] من سورة (آل عمران)، فله اتصال بمعنى هذا الكلام. أقول: وإنما ذهب جمهور العلماء من المتكلّمين إلى ما ذهبوا في العصر العباسي حينما كثرت الفرق الإسلامية الضالّة، وكثرت البدع، والآراء الشاذّة، فتصدى هؤلاء إلى تزييف تلك

стр. 486

الآراء الشاذّة، وصاروا يؤوّلون الآيات، والأحاديث التي توهم تشبيها لله تعالى؛ تأويلا يقبله العقل، والشرع، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ وقوله جلّ ذكره: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ والأحاديث مثل قول النبي ﷺ : «إذا كان الثّلث الأخير من اللّيل؛ ينزل ربّنا... إلخ». ومذهب السّلف يسمّى: مذهب التّفويض، والثاني يسمّى: مذهب التأويل، ومذهب السّلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم. هذا ما أردت إيراده هنا، والله وليّ التوفيق. الإعراب: ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام إنكاري توبيخي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿فِي ظُلَلٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من أمر الله المقدّر. ﴿مِنَ الْغَمامِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ظُلَلٍ﴾ كما يجوز تعليقهما بالفعل السابق. ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ معطوف على أمر الله المقدّر، وقرئ بالجر عطفا على: ﴿ظُلَلٍ﴾ أو على ﴿الْغَمامِ،﴾ ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ:﴾ الواو حرف عطف. (﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾): فعل ماض مبني للمجهول ونائب فاعله، والفعل بمعنى المضارع. لذا فالجملة الفعلية معطوفة على ما بعد ﴿إِلاّ﴾ فهي في حيّز الانتظار. وقيل: هي مستأنفة، وليست في حيّز الانتظار، فهي باقية على ماضويّتها، وجملة: ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ مستأنفة، لا محل لها، والفعل يقرأ بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول، فهو يحتمل أن يكون لازما، ومتعديا. ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١)﴾ الشرح: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، أمره ربّه أن يسأل يهود المدينة، وليس المراد بهذا السّؤال العلم بالآيات؛ لأنّه ﷺ كان قد علمها بإعلام الله إياه، ولكن المراد بهذا السؤال التّقريع، والتّوبيخ، والمبالغة في الزّجر عن الإعراض عن دلائل الله، وترك الشكر على نعمة الله. وقيل: المراد بهذا السؤال: التقرير. وتذكير النعم؛ التي أنعم الله بها على سلفهم. انتهى خازن. فالله تعالى يذكر عن بني إسرائيل: كم شاهدوا على يد موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به، كيده، وعصاه، وفلقه البحر، وضربه الحجر؛ ليخرج الماء منه، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدّة الحرّ، ومن إنزال المنّ، والسّلوى يوم كانوا في التّيه، وغير ذلك من المعجزات الدّالات على صدقه، وعلى قدرة الله الفاعل المختار، ومع ذلك فقد أعرض كثير منهم عنها، وبدّلوا نعمة الله بالجحود، والكفر؛

стр. 487

أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر، والإعراض عنها، كما قال تعالى إخبارا عن كفار قريش: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ الآية رقم [٢٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ:﴾ فيه تهديد، ووعيد لمن يبدل نعمة الله، ويجحدها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. تنبيه: ﴿سَلْ:﴾ أصله: اسأل، نقلت حركة الهمزة الثانية، التي هي عين الكلمة إلى الساكن قبلها، ثم حذفت تخفيفا، وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها، فصار وزنه: «فل» ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (ن): ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ هذا؛ وفرق بين إثبات الهمزة، وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ، كما في الآيتين، وتثبت في العطف، مثل قوله تعالى في سورة (يوسف): ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾. الإعراب: ﴿سَلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جرة الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿كَمْ:﴾ اسم استفهام، وقيل: خبرية بمعنى كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان للفعل بعدها، أو هي في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها. فيكون الرابط محذوفا، التقدير: آتيناهم إيّاها. وقال مكي: ﴿كَمْ﴾ في موضوع نصب بإضمار فعل بعدها، تقديره: كم آتينا آتيناهم. والجملة على جميع الاعتبارات في محل نصب مفعول به ثان ل ﴿سَلْ﴾ المعلّق عن العمل بسبب ﴿كَمْ﴾. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿آيَةٍ:﴾ تمييز ل ﴿كَمْ﴾ على الوجهين فيها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الجر الزائد. ﴿بَيِّنَةٍ:﴾ صفة آية على لفظها، وجملة: ﴿سَلْ..﴾. إلخ: مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُبَدِّلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ،﴾ ﴿نِعْمَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿جاءَتْهُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿نِعْمَةَ اللهِ﴾. و ﴿ما﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد مجيئها له. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿شَدِيدُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ الأصل: شديد عقابه، والجملة الاسمية: (إن ﴿اللهِ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها لأنّها لم تحل محلّ المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت جواب الشرط محذوفا، التقدير: فله السّخط، والغضب، ونحو ذلك؛ فلست مفندا، وتكون الجملة الاسمية مفيدة

стр. 488

للتعليل، ولا محلّ لها، والمعنى لا يأباه، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اِتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)﴾ الشرح: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ..﴾. إلخ، حسنت في أعينهم، وأشربت محبتها في قلوبهم، حتّى تهالكوا عليها، وأعرضوا عن غيرها، والمزيّن في الحقيقة هو الله تعالى؛ إذ ما من شيء إلا هو فاعله، وكلّ من الشيطان، والقوّة الحيوانية، وما خلقه الله فيها من الأمور البهيمية، والأشياء الشهيّة مزين بالعرض. انتهى بيضاوي. وهذا مذهب أهل السنة، والجماعة، وانظر ما ذكرته بشأن المعتزلة، وغيرهم من الفرق الضالة في الآية رقم [١٤] من سورة (آل عمران) وغيرها. ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ﴾ أي: يهزأ كفار قريش من الذين آمنوا؛ أي: من فقراء المسلمين، كبلال، وعمار، وصهيب، وخبّاب، وغيرهم، والسّخرية بالناس حرام، فقد روى عليّ-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «من استذلّ مؤمنا، أو مؤمنة، أو حقّره لفقره، وقلّة ذات يده؛ شهّره الله تعالى يوم القيامة، ثمّ فضحه، ومن بهت مؤمنا، أو مؤمنة، أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله على تلّ من نار يوم القيامة؛ حتّى يخرج ممّا قال فيه، وإنّ عظم المؤمن أعظم عند الله، وأكرم عليه من ملك مقرّب، وليس شيء أحبّ إلى الله من مؤمن تائب، أو مؤمنة تائبة، وإنّ الرّجل المؤمن يعرف في السّماء، كما يعرف الرجل أهله، وولده». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥]. هذا وقد أورد التزيين بصيغة الماضي لكونه مفروغا منه، مركوزا في طبائعهم، وعطف عليه بالفعل المضارع للدّلالة على استمرار السّخرية منهم؛ لأن صيغة المضارع تفيد الاستمرار، والتّجدد. ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: إنّ الله تعالى يرفع درجات الفقراء المؤمنين يوم القيامة، حتّى يجعلهم في أعلى علّيين، ويضع درجات الكافرين المستكبرين حتى يجعلهم في أسفل سافلين، والمؤمنون في الآخرة في أوج العز، والكرامة، والكافرون، والفاسدون المفسدون في حضيض الذلّ، والمهانة. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة المطففين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ،﴾ ثمّ قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾. عن حارثة بن وهب-﵁: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنّة؟ كل ضعيف متضعّف، لو أقسم على الله؛ لأبرّه، ألا أخبركم بأهل النّار؟ كلّ عتلّ جوّاظ مستكبر». متّفق عليه. ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي: بغير تقدير، فيوسّع في الدنيا استدراجا تارة، وابتلاء أخرى، وأمّا في الآخرة، فرزقه للمؤمنين واسع، لا يضبطه عدّ، ولا كيل، ولا وزن بخلاف

стр. 489

رزق الدّنيا؛ فإنّه مضبوط محصور، ورزق الآخرة لا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كدّ الاكتساب، وخوف الحساب، لا منّة فيه، ولا عذاب. الإعراب: ﴿زُيِّنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الْحَياةُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَيَسْخَرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَسْخَرُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها هذا، ويجوز تقدير مبتدأ قبلها، وهي خبره، أي: وهم يسخرون... إلخ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٤]. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية بعد الموصول صلته، والمتعلّق محذوف. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، تقديره: اتقوا الله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَوْقَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالخبر المحذوف، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ، ﴿يَرْزُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير، رزقا واسعا، ونحوه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها، والحالية ضعيفة، ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يشاؤه ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (غير): مضاف، و ﴿حِسابٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ الشرح: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: كان الناس متفقين على الحقّ. قال ابن جرير: عن ابن عباس-﵄-قال: كان بين آدم، ونوح-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام

стр. 490

-عشرة قرون، كلّهم على شريعة من الحقّ، فاختلفوا. ودلّ على هذه الجملة لدلالة قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. وانظر شرح أمّة في الآية رقم [١٢٨]، والإمة بكسر الهمزة: النعمة؛ لأنّ الناس يقصدون قصدها. ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ:﴾ انظر الآية رقم [٦١]. ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾ للمؤمنين بالجنّة، وحسن المآل. (﴿مُنْذِرِينَ﴾): مخوفين للكافرين، والعاصين بالنّار، وسوء الحساب. ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ المراد به الجنس، لا المراد: أنّ الله تعالى أنزل بكلّ واحد منهم كتابا يخصّه، فإن أكثرهم لم يكن معهم كتاب يخصّهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم. انتهى بيضاوي، وذلك كما في أنبياء بني إسرائيل، فإنّ جميعهم كان يحكم بالتوراة؛ حتّى بعث عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، بل وحتى عيسى كان يحكم بالتّوراة؛ لأن الإنجيل الّذي أنزل عليه، لم يكن فيه سوى بعض الأحكام المغيّرة لأحكام التوراة. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يحتمل رجوع الفاعل إلى ﴿اللهُ﴾ أو النبيّ المبعوث، أو كتابه، ويؤيد الأول قراءة الجحدري: («لنحكم») بنون العظمة. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أي: في الحقّ، أو في الكتاب. ﴿أُوتُوهُ﴾ أي: الكتاب حيث آمن به بعض، وكفر به بعض آخر. ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ:﴾ المعجزات الظاهرات، والحجج السّاطعات على التوحيد. ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ حسدا بينهم أو ظلما، وعدوانا لحرصهم على الدنيا، ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ ثبّتهم الله على الحق ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ:﴾ بأمره، وتوفيقه. ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ ففي هذه الآية ردّ على المعتزلة بقولهم: إنّ العبد يخلق أفعال نفسه، ويستبدّ بهدايته إلى ما يشاء، ويريد. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال النبي ﷺ : «نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، نحن أوّل النّاس دخولا الجنّة، بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدا لليهود، وبعد غد للنّصارى». المراد باليوم الذي اختلفوا فيه: يوم الجمعة. وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه-﵁: اختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السّبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمّة محمد ﷺ ليوم الجمعة. واختلفوا في الصّلاة، فمنهم من يركع، ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلّي؛ وهو يتكلم، ومنهم من يصلي؛ وهو يمشي، فهدى الله أمّة محمد ﷺ للحقّ من ذلك. واختلفوا في إبراهيم، ﵊، فقالت اليهود: كان يهوديّا، وقالت النّصارى: كان نصرانيّا، وجعله الله حنيفا مسلما، فهدى الله أمّة محمد ﷺ للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتانا عظيما، وجعلته النصارى إلها وولدا، وجعله الله روحه، وكلمته، فهدى الله أمّة محمد ﷺ للحقّ من ذلك. وكان أبو العالية-﵀ يقول: في هذه الآية المخرج من الشّبهات، والضّلالات، والفتن.

стр. 491

وفي صحيح البخاري، ومسلم عن عائشة-﵂: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهمّ ربّ جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وفي الدعاء المأثور: «اللهمّ أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا، فنضلّ، واجعلنا للمتّقين إماما». الإعراب: ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿النّاسُ:﴾ اسمها. ﴿أُمَّةً:﴾ خبرها. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَبَعَثَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وهناك جملة مقدرة قبلها، التقدير: فاختلفوا، فبعث. ﴿النَّبِيِّينَ:﴾ مفعول به. ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾ حال من النبيين. ﴿وَمُنْذِرِينَ:﴾ معطوف عليه، وعلامة النصب في الثلاثة الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنها جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. (﴿أَنْزَلَ﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿مَعَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾ أي: ملتبسا بالحق، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: هي في محل نصب حال، وهذا يحتاج إلى تقدير «قد» قبلها، لتقربها من الحال. ﴿لِيَحْكُمَ:﴾ مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: هو، انظر الشرح، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أنزل)، ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسُ﴾ مضاف إليه. ﴿فِيمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (يحكم) أيضا، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (في). ﴿وَمَا:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿اِخْتَلَفَ:﴾ فعل ماض. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب (في) والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن. ﴿أُوتُوهُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿اِخْتَلَفَ:﴾ ﴿مَا:﴾ مصدرية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبَيِّناتُ:﴾ فاعله، و ﴿مَا﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه؛ التقدير: من بعد مجيء البينات. ﴿بَغْياً:﴾ مفعول لأجله، وقيل: حال، ولا وجه له. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿بَغْياً﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة.

стр. 492

(هدى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (هدى)، (﴿وَمَا﴾) تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة: ﴿اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ صلة (ما) أو صفتها. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب (في) العائد بدوره على (﴿مَا﴾)، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بالفعل: (هدى) أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ التقدير: مأذونا لهم، وجملة: ﴿فَهَدَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والاستئناف ممكن. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يهدي الذي أو شخصا يشاؤه. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَهْدِي﴾. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿صِراطٍ﴾. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ الشرح: ﴿أَمْ:﴾ منقطعة هنا. انظر مبحثها في كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿حَسِبْتُمْ:﴾ ظننتم، فهو من باب: تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون السين في المضارع مع الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين، وكسرها من البابين: الرّابع، والسادس. والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا من باب: قتل، بمعنى: أحصيته عددا. ﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ،﴾ أي: ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم، فتصبروا كما صبروا، أو المعنى: ولما يصبكم مثل الذين أصاب الذين من قبلكم من البلاء، قال تعالى في أول سورة (العنكبوت): ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ:﴾ انظر شرح هذه الآيات هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿مَسَّتْهُمُ:﴾ أصابتهم. ﴿الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ:﴾ انظر الآية رقم [١٦٧]. ﴿وَزُلْزِلُوا:﴾ خوّفوا من الأعداء تخويفا شديدا، وامتحنوا امتحانا عظيما، كما جاء في الحديث عن خبّاب بن الأرت

стр. 493

-﵁-قال: قلنا: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرّجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشقّ باثنتين وما يصدّه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم، أو عصب، وما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر، حتى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذّئب على غنمه، ولكنّكم تستعجلون». رواه البخاري [٣٦١٢]. ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ أي: بلغ بهم الضجر، ولم يبق لهم صبر؛ حتى قالوا ذلك. ومعناه: طلب الصبر، وتمنيه، واستطالة زمان الشدة، بحيث تقطّعت حبال الصّبر عندهم، وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدّة، وتماديه في العظم؛ لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم، واصطبارهم، وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتّى ضجوا؛ كان ذلك الغاية في الشدّة؛ التي لا مطمع وراءها. ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ:﴾ هذا جواب من الله تعالى، ووعد لهم بالنصر، وفي ضمنه كلام آخر، التقدير: فاصبروا، كما صبروا؛ تظفروا بالنّصر، كما ظفروا. هذا؛ وقرئ: ﴿حَتّى يَقُولَ﴾ بالنصب على إضمار «أن» ومعنى الاستقبال؛ لأنّ «أن» تصرف الفعل المضارع له. وقرئ بالرّفع على أنه بمعنى الحال، كقولك: شربت الإبل حتى يجيء البعير بطنه، إلا أنها حال ماضية محكية. وانظر مبحث «حتّى» في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. تنبيه: قال قتادة، والسّدي، وأكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصابهم من الجهد والشدّة، والحرّ، والبرد، وسوء العيش، وأنواع الشدائد، وكان كما قال الله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ،﴾ وقيل: نزلت في حرب (أحد) نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ رقم [١٤٢]. وقالت جماعة أخرى: نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم، وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ﷺ ، وأسرّ قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله الآية الكريمة تطييبا لقلوبهم، وتفريجا لهمومهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل». ﴿حَسِبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَدْخُلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع: ﴿تَدْخُلُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿حَسِبْتُمْ﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨]. ﴿وَلَمّا:﴾ الواو:

стр. 494

واو الحال. (لمّا): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لمّا) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به. ﴿مَثَلُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة ﴿خَلَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله. وقدّر الجلال، والجمل محذوفا بين المتضايفين، فالجلال قدّر: مثل ما أتى الّذين. والجمل قدّر: مثل محنة المؤمنين الّذين. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصولة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مَسَّتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبَأْساءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها، وجوز اعتبارها مستأنفة. ﴿وَالضَّرّاءُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَزُلْزِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر. ﴿يَقُولَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الرَّسُولُ:﴾ فاعله. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿زُلْزِلُوا﴾) وعلى قراءة الفعل بالرّفع؛ فالجملة معطوفة على ما قبلها عطفا. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزّمانية متعلق بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نَصْرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَلا:﴾ حرف استفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿نَصْرُ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿قَرِيبٌ:﴾ خبر: ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ أي: قيل لهم ذلك، والقائل هو الله تعالى؛ الذي لا يخلف وعده. والقول، ومقوله كلام مستأنف لا محل له. وقال أبو البقاء-﵀: هو من مقول الرّسول. والأول أقوى. هذا؛ والجملة الاسمية فيها عدّة مؤكدات، تدل على تحقّق النصر: أولا: بدء الجملة بأداة الاستفتاح: ﴿أَلا﴾ التي تفيد التأكيد. ثانيا: ذكر ﴿أَنْ﴾ الدّالة على التوكيد أيضا. ثالثا: إيثار الجملة الاسمية على الفعلية، فلم يقل: «ستنصرون». والتعبير بالجملة الاسمية يفيد التأكيد. رابعا: إضافة النّصر لله ربّ العالمين القادر على كلّ شيء.

стр. 495

﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ الشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ انظر الكلام على: سأل، يسأل في الآية رقم [١٨٩] والخطاب للنبي ﷺ ، والسائل هو عمرو بن الجموح، ﵁، وكان شيخا كبيرا ذا مال جم، فسأل الرسول ﷺ عمّا ينفق، وعلى من ينفق. ﴿ماذا يُنْفِقُونَ﴾ أي: ما قدره، وما جنسه؟ والمراد: نفقة التطوع، لا الزكاة، فالآية محكمة لا منسوخة، فهي مبينة لمصارف صدقة الصّدقة، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الإسراء) وسورة (الروم): ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. هذا؛ ويعدّ علماء البلاغة هذه الآية من الأسلوب الحكيم؛ حيث قالوا: إن السائل سأل الرسول ﷺ عن حقيقة الإنفاق، وعن كمية المال الذي ينفق: الربع، أو الثلث، أو النصف مثلا، فأجيب ببيان طرق إنفاق المال تنبيها على أنّ هذا هو الأولى، والأجدر بالسّؤال عنه. ومثل هذه الآية في هذا الحكم الآية رقم [١٨٩]، فقد بني الكلام في هذه على ما هو الأهم، وهو بيان المصرف؛ لأنّ النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها، كما قال الشاعر الحكيم: [الكامل] إنّ الصّنيعة لا تكون صنيعة... حتّى يصاب بها طريق المصنع فإذا صنعت صنيعة فاعمد بها... لله أو لذوي القرائب أو دع ﴿قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ:﴾ من مال، وانظر الآية رقم [١٠٥]. ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ:﴾ فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين في قدر ما لهما من حاجة من طعام، وكسوة، وسكن يليق بهما، وعليه أن يزوج أباه إن كانت نفسه تتشرف إلى الزّواج؛ لأن إعفاف الأب مطلوب، بل هو أولى من الطّعام، والكسوة، وعليه نفقة امرأة أبيه إن تزوّج بعد موت أمّ أولاده امرأة أجنبية، ولا يجوز للولد أن يمنع أمّه من الزّواج؛ إن طلبت الزواج بعد موت أبيه؛ لأنّ إعفافها مطلوب أيضا، وعليه أن يخرج عنهما صدقة الفطر؛ لأنّها مستحقّة بالنفقة، والإسلام. أمّا ما يتعلق بالعبادات من الأموال، فليس على الولد أن يعطيهما ما يحجّان به، ولكن من باب البرّ الّذي أوصى الله به أن يبذل لهما من المال ما يحجّان به، ولا سيما الأم التي تعبت في تربيته، ولاقت العناء الشديد في حمله، ووضعه. ﴿وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وانظر الآية رقم [١٧٦] ففيها الكفاية. ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ:﴾ المراد به كلّ عمل صالح من إنفاق مال، وغيره. ﴿فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ:﴾ يجازي به الجزاء الأوفى. الإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (﴿ذا﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل
следующие страницы →