Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي عدم السجود. وقال أبو عمرو: المصدر المؤول في محل جر بدلا من ﴿السَّبِيلِ﴾. هذا؛ وقيل: إن (لا) زائدة، والمصدر المؤول في محل جر ب إلى محذوفة، التقدير: إلى السجود، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَهْتَدُونَ﴾. وقيل:
المصدر المؤول مفعول صريح للفعل: ﴿يَهْتَدُونَ﴾. وعلى هذا الاعتبار، فليست الآية بموضع سجدة. هذا؛ وعلى قراءة تخفيف اللام، فتكون (ألا) أداة استفتاح، وتنبيه يسترعى بها انتباه المخاطب لما يأتي بعدها من كلام، وتكون (يا) أداة نداء حذفت ألفها لالتقاء الساكنين، والمنادى محذوف، التقدير: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وعليه فالفعل فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى هذا فالسجود واجب، كما قرئ شاذا: «(ألا هل تسجدون)» و «(ألا تسجدون)». ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه. ﴿يُخْرِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد. ﴿الْخَبْءَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿الْخَبْءَ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يُخْرِجُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَيَعْلَمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعلم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الذي أيضا. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو شيئا تخفونه، وجملة: ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ:﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها، وإعراب: ﴿وَما تُعْلِنُونَ﴾ مثل إعراب ما قبله، ومعطوف عليه. تأمل.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾
الشرح: قال الخازن: هذه السجدة من عزائم السجود يستحب للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءتها، أقول: ويبتدئ الكلام بقوله ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا﴾ وينتهي بالعظيم، وقال الخازن أيضا:
فإن قلت: قد وصف عرش بلقيس بالعظيم، وعرش الله بالعظيم، فما الفرق بينهما؟ قلت: وصف عرش بلقيس بالعظم بالنسبة إليها، وإلى أمثالها من ملوك الدنيا، وأما عرش الله تعالى، فهو بالنسبة إلى جميع المخلوقات من السموات والأرض، فحصل الفرق بينهما.
بعد هذا: قال الجرجاني: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا..﴾. إلخ هو كلام معترض من الهدهد أو من كلام سليمان، أو من الله. وقال ابن عطية: هو من كلام الهدهد، وهو قول ابن زيد، وابن إسحاق ويعترض بأنه غير مخاطب فكيف يتكلم في معنى الشرع؟ ويحتمل: أنه من قول سليمان لما أخبره الهدهد عن القوم، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى، فهو اعتراض بين الكلامين، وهو الثابت مع التأمل. أقول: المعتمد: أنه من كلام الهدهد، وخذ ما يلي:
стр. 4307
قال أبو السعود رحمه الله تعالى: اعلم أن ما حكي عن الهدهد، من قوله ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ إلى هنا ليس داخلا تحت قوله: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وإنما هو من المعارف والعلوم التي اقتبسها من سليمان ﵇، أورده بيانا لما هو عليه، وإظهارا لتصلبه في الدين، وكل ذلك لتوجيه قلبه ﵇ نحو قبول كلامه، وصرف عنان عزيمته إلى غزوها، وتسخير ولايتها. انتهى.
قال الجمل: وقوله: ليس داخلا تحت قوله... إلخ، مراده بهذا: أن الذي اختص به الهدهد عن سليمان، وذكره بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ قد انتهى بقوله: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ﴾ وأما قوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ..﴾. إلخ فهو وإن كان من مقول الهدهد، لكنه ليس مما علمه دون سليمان، بل سليمان يعلمه أيضا على وجه أتم، وأكمل من علم الهدهد، وإنما ذكره الهدهد بيانا لما هو عليه، أي لما هو معتقده، وإظهارا لتصلبه في الدين. انتهى.
الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: كونه بدلا من اسم (لا) على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء.
والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو أقوى الثلاثة، وهو مبني على الفتح في محل رفع. ﴿رَبُّ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ﴿رَبُّ،﴾ وحسن حذفه توالي اللفظ ب: (هو) مرتين، الثالث: أن يكون خبرا ثانيا لقوله: ﴿اللهُ﴾ والخبر الأول: الجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ..﴾. إلخ، وذلك عند من يرى تعدد الخبر مختلفا بالإفراد، والجملة. الرابع:
أن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشرطين: أن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. و ﴿رَبُّ﴾ مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة (العرش) ويقرأ بالرفع، فيقال فيه ما قيل ب: ﴿رَبُّ﴾ من الأوجه الأربعة، واعتباره صفة له يتضمن الأوجه الأربعة، وإن أبقيته صفة ل: ﴿الْعَرْشِ،﴾ ورفعته فيكون خبر مبتدأ محذوف، وذلك على القطع، وهذا معروف في باب النعت، والجملة الاسمية ﴿اللهُ..﴾. إلخ، تحتمل أن تكون من مقول الهدهد، وأن تكون من كلام سليمان فتكون مستأنفة متصل بها ما بعدها، وأن تكون من كلام الله تعالى، فتكون معترضة بين كلام الهدهد، وكلام سليمان الآتي. تأمل، وتدبر.
﴿قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿قالَ سَنَنْظُرُ:﴾ من النظر الذي هو التأمل، والتصفح. ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ التقدير: أصدقت، أم كذبت؟ والتغيير لرعاية الفواصل، وللمبالغة أيضا، ولم يقل:
стр. 4308
سننظر في أمرك؛ لأن الهدهد لما صرح بفخر العلم بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ صرح له سليمان بقوله: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فكان ذلك مقابلة لما قاله، وكفاء له.
ثم إن الهدهد دلهم على الماء، فاحتفروا الركايا، وروي الناس، والدواب، ثم إن سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كتب كتابا: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: (بسم الله الرحمن الرحيم، السّلام على من اتبع الهدى، أمّا بعد أن لا تعلو عليّ، وائتوني مسلمين). قيل: لم يزد على ما نص الله في كتابه، وكذلك الأنبياء؛ كانوا يكتبون جملا، لا يطيلون، ولا يكثرون. فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد:
﴿اِذْهَبْ..﴾. إلخ. وقيل: لم يبدأ سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كتابه باسم الله؛ لأنها كانت كافرة قارئة، فخاف من كفرها أن تستخف باسم الله، فجعل اسمه وقاية لاسم الله تعالى، وكانت عربية، والكتابة عربية، وهو الظاهر، وقيل: إنه كتبه بالعجمية، ولها ترجمان يترجم لها به؛ لأنها عربية، ويحتمل أنها كانت تعرف غير العربية. انتهى. جمل نقلا عن شيخه.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى «سليمان» تقديره: «هو». ﴿سَنَنْظُرُ:﴾
السين: حرف استقبال. (ننظر): فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَصَدَقْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (صدقت):
فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، تقديره: في قولك، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول: (ننظر). ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كُنْتَ،﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مثلها، وجملة: ﴿سَنَنْظُرُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ:﴾ إنما قال: (إليهم) بلفظ الجمع؛ لأنه جعله جوابا لقول الهدهد: ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ فقال: ألقه إلى الذين هذا دينهم، وقد قرئ: (ألقه) بقراآت كثيرة. ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: تنح عنهم. أمره بالتولي حسن أدب حسب ما يتأدب به مع الملوك، أي: وكن قريبا منهم؛ حتى تسمع، وترى ما يقولون. ﴿فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ:﴾ بماذا يتداولون، كقوله تعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ،﴾ فأخذ الكتاب، وأتى به إلى بلقيس، وكانت بأرض مأرب من اليمن، على ثلاث مراحل من صنعاء، فوجدها نائمة، مستلقية على قفاها، وقد غلقت الأبواب، ووضعت المفاتيح تحت رأسها، وكذلك كانت
стр. 4309
تفعل إذا رقدت، فأتى الهدهد، وألقى الكتاب على نحرها، وكان قد دخل عليها من كوة عالية في جدار قصرها، فاستيقظت فلما رأت الكتاب؛ دهشت.
وقيل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره، وطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة، والوزراء، والجنود، فرفرف ساعة، والناس ينظرون إليه، فرفعت بلقيس رأسها، فألقى الكتاب في حجرها، فلما رأت الخاتم ارتعدت، وخضعت؛ لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل إليها الكتاب أعظم ملكا منها، فقرأت الكتاب؛ والهدهد غير بعيد متوار عنها، وجاءت هي؛ حتى قعدت على سرير ملكها، وجمعت الأشراف من قومها. وقال ابن عباس ﵄: كان مع بلقيس مئة قيل، مع كل قيل مئة ألف، والقيل ملك دون الملك الأعظم، وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، كل رجل منهم على عشرة آلاف، فلما جاؤوا، وأخذوا مجالسهم؛ ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿اِذْهَبْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿بِكِتابِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾
الهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة (كتابي)، وجملة:
﴿اِذْهَبْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. (ألقه): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.
﴿تَوَلَّ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل: أنت. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وليس بشيء. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (انظر): فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿ماذا:﴾ ما:
اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي يرجعونه.
هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، كما يجوز اعتباره مفعولا مقدما، والجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية في محل نصب مفعول به ل (انظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، هذا كله إذا كان (انظر) بمعنى تأمل وتفكر. وإن كان الفعل بمعنى انتظر من قوله تعالى: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ كانت ﴿ماذا﴾ اسما مركبا بمعنى الذي، و ﴿يَرْجِعُونَ﴾ صلته، والعائد مقدر، كما مر تقديره، وتكون: ﴿ماذا﴾ مفعولا به ل (انظر)؛ أي: انتظر الذي يرجعونه، انتهى. جمل نقلا عن السمين. أقول والأول أقوى. هذا؛ والجمل المتعاطفة كلها من قول سليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
стр. 4310
﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي..﴾. إلخ: في الكلام حذف؛ إذ التقدير: فذهب الهدهد، فألقى إليهم الكتاب، فسمعها تقول: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ،﴾ و ﴿الْمَلَأُ:﴾ الأشراف، والسادة. وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (الشعراء). ثم وصفت الكتاب بالكريم، إما؛ لأنه من عند عظيم في نفسها، ونفوسهم، فعظمته إجلالا لسليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهذا قول ابن زيد. وإما أنها إشارة إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، فكرامة الكتاب ختمه، وروي ذلك عن رسول الله ﷺ . وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتابا، ولم يختمه؛ فقد استخف به.
وقيل: لأنه بدأ فيه بالبسملة، وقد قال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «كل كلام لا يبدأ فيه ب: بسم الله الرحمن الرحيم، فهو أجذم. وفي رواية: فهو أقطع. وفي ثالثة: فهو أبتر». وقيل: كريم لغرابة شأنه؛ حيث ألقي إليها من حيث لا تعلم. وقيل: كريم لكرم مضمونه، وهو مفهوم بعض ما تقدم. وانظر شرح ﴿كَرِيمٌ﴾ في الآية رقم [٥٩] من سورة (الشعراء).
﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ:﴾ لا تترفعوا علي، ولا تتكبروا عن متابعتي، ولا تأنفوا عن الانقياد إلى طاعتي، فإني رسول من رب العالمين، وقرئ: «(ألا تغلوا)» بالغين شاذا، من: غلا، يغلو: إذا تجاوز، وتكبر، وهي راجعة إلى قراءة الجماعة. ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ:﴾ موحدين، منقادين، طائعين، وليس المراد ملة الإسلام الحادثة التي جاء بها محمد ﷺ ، ولو قلنا بذلك؛ لرد علينا بما رددنا به على اليهود والنصارى من أن ملة الإسلام الحادثة حدثت بعد سليمان بزمن طويل، فكيف يكون سليمان عليها، ومثل ذلك قل في إسلام نوح وغيره من الأنبياء من أن المراد بإسلامهم التوحيد.
وردنا على اليهود هو ما تضمنه قوله تعالى: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الآية رقم [٦٧] من سورة (آل عمران)، وقوله تعالى في الآية التي قبلها: ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.
قال البيضاوي رحمه الله تعالى: وهذا الكلام-أي: ما تضمنه الكتاب-في غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة، الدالة على ذات الصانع، وصفاته صريحا، أو التزاما، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل، والأمر بالإسلام، الجامع لأمهات الفضائل، وليس الأمر فيه الانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاء للتقليد، فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الأدلة. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى بلقيس، (يا): أداة نداء، تقوم مقام: أدعو، أو أنادي، (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في
стр. 4311
محل نصب ب (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الْمَلَأُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد (أي)، أو بعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا فهو نعت، وإن كان جامدا، كما هنا، فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع: أعني (أي) منصوب محلا، فكذا التابع أعني ﴿الْمَلَأُ﴾ وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية... إلخ. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أُلْقِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كِتابٌ:﴾ نائب فاعل: ﴿أُلْقِيَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول.
وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَرِيمٌ:﴾ صفة: ﴿كِتابٌ﴾.
﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، ﴿مِنْ سُلَيْمانَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ﴾ مستأنفة، وهي جواب لسؤال مقدر، فكأن سائلا قال لها: ممّن الكتاب، وما هو؟ فقالت: إنه من سليمان. وقرئ بفتح الهمزة (أنّه) وعليه فالمصدر المؤول من (أن) واسمها وخبرها في محل رفع بدل من: ﴿كِتابٌ،﴾ أو في محل جر بلام تعليل مقدرة، أي؛ لأنه من سليمان، والجار والمجرور على هذا متعلقان ب: ﴿كَرِيمٌ،﴾ وإنه الثانية معطوفة على ما قبلها على القراءتين، وفيما بعدها وجهان للإعراب.
الوجه الأول بالنسبة لكلام بلقيس، فالكلام: ﴿بِسْمِ اللهِ..﴾. إلى ﴿مُسْلِمِينَ﴾ كله في محل رفع خبر (إنّ) على الحكاية؛ لأنها أرادت إن ما تضمنه الكتاب: بسم الله... إلخ، وبالنسبة لكلام سليمان التفصيلي فالإعراب كما يلي ﴿بِسْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أفتتح كتابي، أو ابتدئ كلامي باسم، و: (اسم) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ بدلان من لفظ الجلالة على اعتبارهما اسمين من أسماء الله الحسنى، وهو المعتمد، وقيل: هما صفتان للفظ الجلالة، وانظر إعراب البسملة في أول سورة (الفاتحة) وغيرها.
﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿تَعْلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيَّ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (أن) المصدرية، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع بدل من: ﴿كِتابٌ،﴾ أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، يليق بالمقام، أي: مضمونه ﴿أَلاّ تَعْلُوا..﴾. إلخ، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: ب ﴿أَلاّ تَعْلُوا﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار: (أن)، مفسرة، فيكون الفعل مجزوما ب (لا) على أنها ناهية، والجملة الفعلية مفسرة ل ﴿كِتابٌ﴾ لتضمنه معنى القول دون حروفه. ﴿وَأْتُونِي:﴾ الواو: حرف عطف. (ائتوني): فعل أمر
стр. 4312
مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وهذا يرجح اعتبار (أن) تفسيرية، ليصح عطف الإنشاء على مثله. ﴿مُسْلِمِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.
﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ..﴾. إلخ: أجيبوني في أمري، واذكروا ما تستصوبونه فيه، وهذا حسن أدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وبينت أن ذلك شأنها، وعادتها في كل ما يعرض لها من معضلات الأمور. هذا؛ والفتوى: الجواب في الحادثة، اشتقت على طريق الاستعارة من الفتاء في السن، والمراد هنا بالفتوى: الإشارة عليها بما عندهم من الرأي. وقصدها بالرجوع إلى استشارتهم تطييب أنفسهم، وكذلك لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، وإمضائهم على الطاعة لها، لعلمها بأنهم إذا لم يبذلوا أنفسهم، وأموالهم دونها لم يكن لها طاقة على مقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم، كان ذلك عونا لعدوهم عليهم، أما مشاورتهم، واجتماع رأيهم وانقيادهم لطاعتها؛ فهو عون لها على عدوهم، وكذلك ينبغي أن يكون ولاة الأمور في كل زمان ومكان.
الإعراب: ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ففيها الكفاية. ﴿أَفْتُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب مفعول به. ﴿فِي أَمْرِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كُنْتُ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.
﴿قاطِعَةً:﴾ خبر (كان) وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿أَمْراً:﴾ مفعول به ل: ﴿قاطِعَةً؛﴾ لأنه اسم فاعل. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها: «أن» مضمرة. ﴿تَشْهَدُونِ:﴾ فعل مضارع منصوب ب:
«أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بكسرة النون في محل نصب مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿قاطِعَةً،﴾ وجملة: ﴿ما كُنْتُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها، والكلام ﴿يا أَيُّهَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الملأ مجيبين لها، ﴿نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ:﴾ في الحرب، والقتال. ﴿وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ:﴾ في الطعان، والنزال. قال ابن عباس-﵄: كان من قوة أحدهم: أنه يركض
стр. 4313
فرسه حتى إذا احتد؛ ضم فخذيه عليه، فحبسه بقوته. ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ:﴾ سلّموا الأمر إليها مع ما أظهروا لها من القوة والبأس والشدة مع إظهار الطاعة، والانقياد لها، كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا: نحن من أبناء الحرب، لا من أبناء الرأي، والمشورة، وأنت صاحبة الرأي والتدبير، فانظري ما ذاترين؛ نتبع أمرك. فلما أحست منهم الميل إلى الحرب؛ مالت إلى المهادنة، والموادعة، ورتبت الجواب، فزيفت ما ذكروه، وأرتهم الخطأ فيه حيث قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ..﴾. إلخ.
هذا؛ ﴿وَأُولُوا﴾ بمعنى أصحاب، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده: «ذو» المضاف إن كان مرفوعا، و «ذا» المضاف إن كان منصوبا، و «ذي» المضاف إن كان مجرورا، ومؤنثه: «ذات» وجمعها: «أولات» من غير لفظها أيضا، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (الحج) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نَحْنُ:﴾
ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أُولُوا:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة. ﴿وَأُولُوا﴾ مضاف، و ﴿قُوَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأُولُوا بَأْسٍ:﴾ معطوف على ما قبله. وإعرابه مثله. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة ﴿بَأْسٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول. ﴿وَالْأَمْرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأمر): مبتدأ. ﴿إِلَيْكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَانْظُرِي:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منك فانظري... إلخ، (انظري):
فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿ماذا تَأْمُرِينَ:﴾ هو مثل: ﴿ماذا يَرْجِعُونَ﴾ في الآية رقم [٢٨] ويضاف إليه: أنه يجوز اعتبار ﴿ماذا﴾ مفعولا ثانيا مقدما على اعتبار الفعل ناصبا مفعولين، ويكون التقدير: ماذا تأمريننا؟ والجملة سواء أكانت اسمية، أم فعلية في محل نصب سدت مسد مفعول (انظري)، وجملة: ﴿فَانْظُرِي..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها:﴾ فهذا رد منها بادعائهم القوة، والبأس الشديد، وإشعار منها بأنها تريد الصلح مخافة أن يتعدى سليمان حدودهم، فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم، وزروعهم، وعمارتهم. ثم إن الحرب عاقبتها مجهولة، لا تعلم نتائجها.
стр. 4314
﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها:﴾ كرام أهلها. ﴿أَذِلَّةً:﴾ بسبب نهب أموالهم، وتخريب ديارهم، وغير ذلك من القتل، والأسر، يفعلون ذلك ظلما وعدوانا؛ كي يستقيم لهم الأمر، ويستتب لهم الملك. ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ:﴾ تأكيد لما وصفت من حالهم، وتقرير بأن ذلك من عادتهم الثابتة المستمرة، أو هو من قول الله تعالى، فيكون تصديقا منه-جل ذكره، وتعالى شأنه-لما قالت، وتعريفا لمحمد ﷺ وأمته بذلك، وإخبارا به.
قال وهب بن منبه: لما قرأت عليهم الكتاب؛ لم تعرف اسم الله، فقالت: ما هذا؟ فقال بعض القوم: ما نظن هذا إلا عفريتا عظيما من الجن، يقتدر به هذا الملك على ما يريده، فسكّتوه، وقال آخر: أراهم ثلاثة من العفاريت، فسكّتوه. فقال شاب قد علم: يا سيدة الملوك، إن سليمان ملك قد أعطاه ملك السماء ملكا عظيما، فهو لا يتكلم بكلمة إلا بدأ فيها بتسمية إلهه، و «الله» اسم مليك السماء، و ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ نعوته. فعند ذلك قالت: أفتوني في أمري... إلخ. انتهى. قرطبي باختصار منه.
الإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى بلقيس تقديره: «هي».
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُلُوكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب.
﴿دَخَلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿قَرْيَةً:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون، وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: (دخلت، ونزلت البلد، وسكنت الشام) وجملة: ﴿دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿أَفْسَدُوها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها.
(جعلوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَعِزَّةَ:﴾ مفعول به أول، و ﴿أَعِزَّةَ﴾ مضاف، و ﴿أَهْلِها﴾ مضاف إليه، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَذِلَّةً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجَعَلُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها أيضا، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَتْ﴾ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف (كذلك) الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يفعلون فعلا كائنا مثل ذلك، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها؛ إن كانت من قول الله تعالى ابتداء، وفي محل نصب مقول القول؛ إن كانت من قول بلقيس. والأول أقوى، ومثل هذا يسميه المحدّثون مدرجا.
стр. 4315
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ:﴾ بيان لما ترى تقديمه للمهادنة، والموادعة. والمعنى:
إني مرسلة رسلا بهدية أدفعه بها عن ملكي. ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: ما يقولونه عن حال هذا الرجل حتى أعمل بحسب ذلك. وهذا يدل على كمال عقلها، وحسن تدبيرها. وقالت في نفسها: إن كان ملكا؛ قبل الهدية، واتخذت عنده يدا، وإن كان نبيا؛ لم يقبل إلا الاتباع لدينه، والانقياد لطاعته، وأوامره. قال قتادة: يرحمها الله أن كانت لعاقلة في إسلامها، وشركها، قد علمت: أن الهدية تقع موقعا من الناس.
فبعثت إليه خمسمئة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهنّ، راكبي خيل مغشاة بالديباج، محلاة اللجم، والسروج بالذهب المرصع بالجواهر، وخمسمئة جارية على براذين في زيّ الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجا مكللا بالدر، واليواقيت، وحقّا فيه درة عذارء؛ أي غير مثقوبة، وخرزة معوجة الثقب، وبعثت رسلا، وأمرت عليهم المنذر بن عمرو، وكتبت كتابا إلى سليمان، وذكرت فيه أنواع الهدايا، وقالت: إن كنت نبيا فميز بين الوصفاء، والوصائف، وأخبر بما في الحق، واثقب الدرة ثقبا، واسلك في الخرزة خيطا، ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان؛ فهو ملك، فلا يهولنّك منظره، وإن رأيته بشاشا لطيفا؛ فهو نبي، فأقبل الهدهد، وأخبر سليمان الخبر كله.
فأمر سليمان-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-الجنّ، فضربوا لبنات الذهب والفضة، وفرشوها في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا، شرفه من الذهب، والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر، فربطوها عن يمين الميدان، ويساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن، وهم خلق كثير، فأقيموا على اليمين، واليسار، ثم قعد على سريره، والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والإنس صفوفا فراسخ، والوحش، والسباع، والطيور، والهوام كذلك.
فلما دنا رسل بلقيس، ورأوا الدواب تروث على اللّبن، رموا بما معهم من الهدايا، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم سليمان بوجه طلق، فأعطوه كتاب الملكة، فنظر فيه، وقال: أين الحقّة؟ فأمر الأرضة، فأخذت شعرة، ونفذت في الدرة، وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها، ونفذت فيها، ودعا بالماء، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها، فتجعله في الأخرى، ثم تضرب به وجهها، والغلام يأخذ الماء بيديه، ويغسل به وجهه، فميز بين الغلمان، والجواري بذلك. ثم رد الهدية، وقال للمنذر: ارجع إليهم. انتهى. نسفي بحروفه. وهو موجز ما في الخازن، والقرطبي، والكشاف. والله ولي التوفيق.
стр. 4316
هذا؛ وأما: ﴿بِمَ﴾ فهي كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف الباء الجارة، والاسم (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كل جار، نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ للفرق بين الموصولة، والاستفهامية، ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار.
الإعراب: ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿مُرْسِلَةٌ:﴾ خبر: (إنّ)، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنا».
﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُرْسِلَةٌ﴾. ﴿بِهَدِيَّةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿مُرْسِلَةٌ﴾ أيضا. هذا؛ وإن اعتبرت الباء زائدة؛ فلست مفندا، والمعنى يؤيده، فيكون مفعولا به ل: ﴿مُرْسِلَةٌ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنِّي..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَناظِرَةٌ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ناظرة): معطوفة على ﴿مُرْسِلَةٌ،﴾ وفاعله مستتر تقديره:
«أنا». ﴿بِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وقد رأيت في الشرح كيف حذفت ألف (ما)، وقيل: متعلقان ب (ناظرة) ويرده: أن الاستفهام له الصدر فلا يعمل فيه ما قبله. ﴿يَرْجِعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُرْسَلُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول (ناظرة) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام.
﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أي: جاء الرسول، أو ما أهدته إليه، وقرئ: «(فلما جاؤوا إليه)» قال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ أي: أتزيدونني مالا إلى ما تشاهدونه من أموالي، والخطاب للرسول ومن معه، وقرئ الفعل بقراآت كثيرة. ﴿فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ أي: فما أعطاني من الإسلام، والملك، والنبوة خير مما أعطاكم، فلا أفرح بالمال. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ:﴾ والمعنى: إن ما عندي خير مما عندكم، وذلك: أن الله آتاني الدين الذي فيه الحظ الأوفر، والغنى الأوسع، وآتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يمد بمال؟ بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما تزادون، ويهدى إليكم؛ لأن ذلك مبلغ همتكم، وحالي خلاف حالكم، لا أرضى منكم بشيء، ولا أفرح بشيء منكم إلا بالإيمان، وتوحيد الله، وترك الشرك به، والوثنية. هذا؛ وانظر (الفرح) في سورة (الروم) رقم [٣٢] فإنه جيد جدا.
تنبيه: كان النبي ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها، ولا يقبل الصدقة، وكذلك كان سليمان وسائر الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وإنما رد سليمان هدية بلقيس؛ لأنها جعلت
стр. 4317
هديتها علامة على ما في نفسها على ما ذكرناه من كون سليمان ملكا، أو نبيا؛ لأنه قال في كتابه: ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وهذا لا تقبل فيه فدية، ولا تؤخذ عنه هدية، وليس هذا من الباب الذي تقرر في الشريعة المحمدية عن قبول الهدية بطريق من الطرق المعوجة لأجل غاية عند حاكم، أو موظف، وإنما هي رشوة لأجل إماتة حق، وإحياء باطل، وقد لعن الرسول ﷺ الرّاشي، والمرتشي، والرائش بينهما، وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل أحد، وعلى كل حال؛ لأنها لا يقصد بها إضاعة حق، ولا إحياء باطل.
والهدية على هذا الشكل مندوب إليها، وهي مما تورث المودة، وتذهب العداوة. روى مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني، قال: قال رسول الله ﷺ : «تصافحوا يذهب الغلّ، وتهادوا تحابّوا، وتذهب الشّحناء». وعن ابن شهاب قال: بلغنا: أن رسول الله ﷺ قال:
«تهادوا بينكم، فإنّ الهديّة تذهب السخيمة». وعلى الجملة فقد ثبت: أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية، وفيه الأسوة الحسنة، ومن فضل الهدية مع اتباع السنة: أنها تزيل حزازات النفوس، وتكسب المهدي والمهدى إليه رنّة في اللقاء، والجلوس، ولقد أحسن من قال: [الوافر]
هدايا الناس بعضهم لبعض... تولّد في قلوبهم الوصالا
وتزرع في الصّدور هوى وودّا... وتكسبهم إذا حضروا جمالا
وقال آخر: [البسيط]
إنّ الهدايا لها حظّ إذا وردت... أحظى من الابن عند الوالد الحدب
هذا؛ وقد روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «جلساؤكم شركاؤكم في الهدية». واختلف في معناه، فقيل: هو محمول على ظاهره، وقيل: يشاركهم على وجه الكرم، والمروءة، فإن لم يفعل فلا يجبر عليه، وقال أبو يوسف: ذلك في الفواكه، ونحوها. وقال بعضهم: هم شركاؤه في السرور لا في الهدية. والخبر محمول في أمثال أصحاب الصفة، والخوانق، والرباطات، أما إذا كان فقيها من الفقهاء؛ اختص بها، فلا شركة فيها لأصحابه، فإن أشركهم فذلك كرم وجود منه. انتهى. قرطبي بتصرف من التنبيه إلى هنا، وينبغي أن تعلم أنه لم تذكر الهدية في غير هذه السورة.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٨]. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الرجل المرسل من قبل بلقيس. ﴿سُلَيْمانَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة: (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿سُلَيْمانَ﴾. تقديره: هو. ﴿أَتُمِدُّونَنِ:﴾
الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (تمدونن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، أو الثابتة في بعض
стр. 4318
القراآت في محل نصب مفعول به. ﴿بِمالٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب: (لمّا)، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف، وقيل: حرف تعليل، ولا وجه له، ولو قيل: استئناف لكان أولى. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿آتانِيَ:﴾
فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، والثاني محذوف، وهو العائد، أو الرابط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة: (ما)، أو صفتها، وتقدير الكلام: فالذي، أو: فشيء آتانيه الله. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ و (ما) تحتمل الموصوفة والموصولة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو: من شيء آتاكموه. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وانتقال. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية: «تفرحون بهديتكم» في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة كلام سليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد: ارجع إلى بلقيس وقومها بهديتهم. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها:﴾ لا طاقة لهم بها، وقرئ: «(بهم)». ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها﴾ أي: من أرض سبأ. ﴿أَذِلَّةً:﴾ بذهاب ما كانوا فيه من العز، والمجد. ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ:﴾
أسراء مهانون، إن لم تأتوني مسلمين.
قال وهب بن منبه، وغيره من أهل الكتاب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان، وبلغوها ما قال سليمان، وذكروا لها ما رأوا من عظمة ملكه، وسلطانه، قالت: لقد عرفت أن هذا ليس بملك، وما لنا به من طاقة، فبعثت إلى سليمان: إني قادمة عليك بملوك قومي، حتى أنظر ما أمرك، وما الذي تدعو إليه من دينك؟ ثم أمرت بعرشها، فجعلته في آخر سبعة أبيات بعضها داخل بعض، ثم أغلقت عليه سبعة أبواب، ووكلت به حراسا يحفظونه، ثم قالت لمن خلفت على ملكها: احتفظ بما هو قبلك، وسرير ملكي لا يخلص إليه، ثم أمرت مناديا ينادي في أهل مملكتها، تؤذنهم بالرحيل، وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، كل قيل تحت يده ألوف كثيرة وسمي قيلا بفتح القاف؛ لأنه ينفذ كل ما يقول. قال ابن
стр. 4319
عباس-﵄: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما، فجلس على سريره، فسمع رهجا قريبا منه، قال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس قد نزلت منا بهذا المكان، وكان على مسيرة فرسخ من سليمان، فأقبل سليمان على جنوده، فقال:
﴿يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا..﴾. إلخ ولا تنس: أن «رجع» يكون متعديا، ولازما.
الإعراب: ﴿اِرْجِعْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف تعليل وقيل: حرف استئناف، والأول أقوى.
اللام: واقعة في جواب قسم مقدر، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (نأتينهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿بِجُنُودٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿قِبَلَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا﴾. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان. وقيل متعلقان ب: ﴿قِبَلَ﴾ لتضمنه معنى المصدر، وتعليقهما بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف جيد معنى. تأمل. والجملة الاسمية:
﴿لا قِبَلَ..﴾. إلخ في محل جر صفة: (جنود). ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها. وهي في التقدير جواب لقسم مقدر، وإعرابها مثل إعراب سابقتها. ﴿أَذِلَّةً:﴾ حال من الضمير المنصوب. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿صاغِرُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، وقد تعددت الحال مختلفة في الإفراد والجملة، بعد هذا: فالآية كلها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من جملة كلام سليمان، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾
الشرح: ﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا:﴾ هذا النداء لكلّ من هو عنده في قبضته من الجن، والإنس، والطير، وغير ذلك. ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها:﴾ يحضره إليّ. ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ:﴾ طائعين منقادين، وكان سليمان إذ ذاك في بيت المقدس، وعرشها في سبأ، بلدة في اليمن، وبينها وبين بيت المقدس مسيرة شهرين.
هذا؛ ولقد اختلف في فائدة إحضار عرشها قبل حضورها. قيل: غرض سليمان في ذلك ليريها قدرة الله تعالى، وإظهار معجزة دالة على نبوته. وقيل: أراد أن ينكّره، ويغيّره قبل مجيئها
стр. 4320
ليختبر بذلك عقلها؛ لأن الجن قالوا له: إن في عقلها خللا، وقيل: إن سليمان علم: أنها إن أسلمت حرم عليه مالها، فأراد أن يستولي عليه قبل أن يحرم عليه أخذه؛ لأنها حربية، ومال الحربي يحل أخذه بأية وسيلة كانت. وقيل: أراد أن يعرف صدق الهدهد في قوله ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ وقيل: أراد أن يعرف قدر ملكها؛ لأنّ السرير على قدر الملك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ففيها الكفاية. ﴿أَيُّكُمْ:﴾ اسم استفهام مبتدأ. والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَأْتِينِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿أَيُّكُمْ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿بِعَرْشِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله أيضا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.
﴿يَأْتُونِي:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلَ﴾ إليه، التقدير: قبل إتيانهم. ﴿مُسْلِمِينَ:﴾
حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والكلام: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾
الشرح: ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ:﴾ مارد من الجن، يقرأ بكسر العين، وفتحها، وهي قراءة الجمهور، وقرأ أبو رجاء، وعيسى الثقفي: «(عفرية)» ورويت عن أبي بكر الصديق-﵁ ومن قول النبي ﷺ : «إنّ الله يبغض العفرية النّفرية». قال قتادة: هي الداهية. وقال النحاس:
يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء: عفر، وعفرية، وعفريت، وعفارية، وقيل: عفريت؛ أي:
رئيس، وكان اسم هذا العفريت ذكوان، أو صخرا، ومن هذا الاسم قول ذي الرمة: [البسيط]
كأنّه كوكب في إثر عفرية... مصوّب في سواد الليل منقضب
وأنشد الكسائي قول رؤبة من قصيدة مدح بها مسلمة بن عبد الملك: [الرجز]
إذ قال شيطانهم العفريت... ليس لكم ملك ولا تثبيت
هذا؛ ومن قول النبي ﷺ أيضا: «إن الله ليبغض العفريت النفريت». قيل: هو الجموع المنوع من الناس. وقال أبو عثمان النهدي-﵁: دخل رجل عظيم على النبي ﷺ ،
стр. 4321
فقال له: «متى عهدك بالحمّى؟». قال: ما أعرفها، قال: «فبالصّداع؟». قال: ما أدري ما هو، قال: «أفأصبت بمالك؟» قال: لا، قال: «أفرزئت بولدك؟». قال: لا، فقال النبي ﷺ : «إن الله ليبغض العفريت النفريت، وهو الذي لا يرزأ».
﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ أي: من مجلسك للحكم، وكان يجلس إلى نصف النهار. ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾ أي: على العرش. ﴿لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ أي: قوي على حمله، أمين على ما فيه من الجواهر وغيرها، وكان هذا المارد مثل الجبل يضع قدمه عند منتهى طرفه، فقال سليمان: أريد أسرع من ذلك، عند ذلك ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ..﴾. إلخ.
تنبيه: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ عفريتا من الجنّ تفلّت عليّ البارحة؛ ليقطع عليّ الصّلاة، وإنّ الله أمكنني منه، فدعتّه». رواه البخاري، ومعنى «تفلّت»:
تعرض لي فلتة؛ أي: بغتة، ومعنى «دعته»: دفعته دفعا شديدا. وفي رواية قذعته؛ أي: خنقته.
وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد: أنه قال: «أسري برسول الله ﷺ ، فرأى عفريتا من الجنّ يطلبه بشعلة من نار، كلّما التفت رسول الله ﷺ رآه، فقال جبريل ﵇: أفلا أعلّمك كلمات تقولهنّ؛ إذا قلتهنّ؛ طفئت شعلته، وخرّ لفيه؟ فقال رسول الله ﷺ : بلى، فقال: أعوذ بالله الكريم، وبكلمات الله التّامات الّتي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر من شرّ ما ينزل من السّماء، وشرّ ما يعرج فيها، وشرّ ما ذرأ في الأرض، وشرّ ما يخرج منها، ومن فتن اللّيل، والنّهار، ومن طوارق اللّيل، والنّهار، إلاّ طارقا يطرق بخير يا رحمن».
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿عِفْرِيتٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عِفْرِيتٌ﴾. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿آتِيكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنا».
والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويحتمل أن يكون ﴿آتِيكَ:﴾ اسم فاعل، فهو خبر مفرد مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. وانظر مثله في الآية رقم [٩٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿آتِيكَ﴾ على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُومَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنْ مَقامِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. و ﴿أَنْ﴾ والفعل (تقوم) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلَ﴾ إليه.
والجملة الاسمية: ﴿أَنَا آتِيكَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: واو الحال. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل
стр. 4322
نصب اسمها، ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما على التنازع. ﴿لَقَوِيٌّ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (قوي أمين): خبران ل (إن)، والجملة الاسمية: (إني عليه...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿آتِيكَ،﴾ والرابط: الواو، والضمير.
﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ:﴾ قيل: هو ملك بيده كتاب المقادير، أرسله الله عند قول العفريت. وقيل: هو جبريل ﵇، والكتاب على هذا هو: اللوح المحفوظ. وقيل:
هو الخضر، وقيل: هو آصف بن برخيا، وهو الأصح، وعليه الجمهور، وكان عنده اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب. وإذا سئل به أعطى. روي: أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان:
يا نبي الله! امدد بصرك، فمد بصره، نحو اليمن فإذا بالعرش، فما رد بصره إلا وهو عنده. وقيل:
هو سليمان نفسه، وعليه؛ فالخطاب في: ﴿أَنَا آتِيكَ﴾ للعفريت، وكأنه استبطأه، فقال له ذلك.
والمعتمد: أنه آصف، كما قدمت. فهو كرامة له، ومعجزة لسليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام؛ لأن كرامة الولي معجزة لنبيه الذي كان سببا في هدايته إلى الدين القويم، وقد اختلف في الكيفية التي كان فيها إحضار العرش، فالله أعلم أي ذلك كان، فالتفويض أولى.
هذا؛ وقد قالت عائشة-﵂-قال النبي ﷺ : «إنّ اسم الله الأعظم الّذي دعا به آصف بن برخيا يا حيّ يا قيّوم». وقال الزهري: دعاء الذي عنده اسم الله الأعظم: يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا، لا إله إلا أنت ايتني بعرشها! فمثل بين يديه. وقال مجاهد: دعا، فقال:
يا إلهنا، وإله كل شيء، يا ذا الجلال والإكرام!.
﴿طَرْفُكَ:﴾ الطرف: تحريك جفن العين إذا نظرت، فوضع موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قول الشاعر: [الطويل]
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا... لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الّذي لا كلّه أنت قادر... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وصف برد الطرف، ووصف الطرف بالارتداد، وقد يراد بالطرف: الجفن خاصة، كما في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]
أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة مخزون، ولم تتكلّم
стр. 4323
فأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
ويقال: ما طبق طرفه، أي جفنه على الآخر، والطرف بالمعنى السابق لا يثنى، ولا يجمع؛ لأنه في الأصل مصدر، فيكون واحدا، وجمعا، قال تعالى في سورة (إبراهيم): ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ رقم [٤٣] وهو هنا بفتح الطاء وسكون الراء، وهو بفتحهما: حرف الشيء، ومنتهاه، وجمعه: أطراف، قال تعالى في سورة (طه) رقم [١٣٠]: ﴿وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾. وهو بكسر الطاء، وسكون الراء: الكريم من الخيل، وقد يراد به أيضا الكريم الطرفين؛ أي: الأب، والأم، ويجمع على أطراف أيضا.
﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا:﴾ ثابتا بين يديه غير متقلقل، وليس بمعنى الحصول المطلق؛ إذ لو كان كذلك لم يذكر، فهو كون خاص، انتهى. مغني. ﴿قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أي: هذا النصر، والتمكين من حصول المراد. ﴿لِيَبْلُوَنِي:﴾ ليختبرني ربي ﴿أَأَشْكُرُ﴾ أي: نعمته عليّ؛ بأن أرى ذلك فضلا بلا حول ولا قوة مني، وأقوم بحقه، ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ أي: أجحد نعمته عليّ، وأقصر بالقيام في حقه. ﴿وَمَنْ شَكَرَ﴾ أي: النعمة، وأدى حق الله فيها، ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ:﴾ يرجع نفع ذلك إلى نفسه، لا إلى غيره، حيث يستوجب بشكره تمام النعمة ودوامها، والمزيد منها، كما قال تعالى:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ والشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة، ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: جحد النعمة. ولم يقم بشكرها. ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ أي: عن العباد، وعن شكرهم. ﴿كَرِيمٌ:﴾
يتفضل على العباد لا يقطع نعمة عنهم إذا أعرضوا عن شكره، وقصروا في واجب النعمة، وفي سورة (لقمان) رقم [١٢]. ﴿فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد.
هذا؛ وسمى الله سبحانه جحود النعمة: كفرا؛ لأن معنى الكفر الغوي: الستر، والتغطية.
كما في الآية رقم [٤٣] الآتية. أما الفعل: شكر، فيتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له، وانظر شرح الشكر لغة، واصطلاحا في الآية رقم [١٥].
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عِلْمٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿عِلْمٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ ويجوز اعتبار الظرف متعلقا بمحذوف صلة الموصول، فيكون ﴿عِلْمٌ﴾ فاعلا به، أي: بمتعلقه، وهذا لا غبار عليه. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ:﴾ بلا فارق، وهو في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 4324
﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٨]، ﴿رَآهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى سليمان، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مُسْتَقِرًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب، وفاعله مستتر فيه. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: (مستقرا). انظر الشرح فإنه جيد، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿رَآهُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى سليمان أيضا. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ فَضْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، و ﴿فَضْلِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿لِيَبْلُوَنِي:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف مدلول عليه بما قبله، التقدير: تفضل عليّ ليبلوني.
﴿أَأَشْكُرُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (أشكر): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب بدلا من ياء المتكلم، ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿أَكْفُرُ:﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها، والكلام: ﴿هذا مِنْ فَضْلِ..﴾.
إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ هذا..﴾. إلخ جواب (لما)، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل لها.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشْكُرُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وفاعله مستتر تقديره:
«هو» يعود إلى (من)، ومفعوله محذوف. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (إنما):
كافة، ومكفوفة، ﴿يَشْكُرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وقيل: (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب اسم:
(إنّ)، التقدير: فإن ثواب شكره... و ﴿لِنَفْسِهِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (إن)، وبذلك تكون الجملة اسمية في محل جزم جواب الشرط، ويرجحه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ في الجملة التالية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين.
стр. 4325
هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا مبتدأ، وجملة: ﴿أَشْكُرُ﴾ صلته، والجملة الفعلية: ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ خبره؛ فهو جيد، وتكون الفاء زائدة دخلت على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿وَمَنْ كَفَرَ:﴾ مثل: (من شكر). ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي:﴾ اسم (إن) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم
إلخ، ﴿غَنِيٌّ كَرِيمٌ:﴾ خبران ل: (إن)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ رَبِّي..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وتتمة الكلام مثل سابقه بلا فارق، والكلام: ﴿وَمَنْ شَكَرَ..﴾. إلخ مستأنف، وهو في محل نصب مقول القول؛ لأنه من جملة قول سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾
الشرح: ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها:﴾ بتغيير شكله، وهيئته. وقيل: هو أن يزاد فيه، أو ينقص منه. وقيل: هو أن يجعل أعلاه أسفله، ويجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر، ومكان الأخضر أحمر، ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إلى معرفته، ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ إلى معرفته، والجواب الصواب. وقيل: أتهتدي إلى الإيمان بالله ورسوله؛ إذا رأت عرشها عندنا، وقد خلفته في قصرها مغلقة عليه الأبواب، موكلة عليه الحراس.
قال الفراء وغيره: إنما أمر سليمان بتنكير عرشها؛ لأن الشياطين قالوا له: إن في عقلها شيئا، فأراد أن يمتحنها. وقيل: خافت الجن أن يتزوجها سليمان، فيولد له منها ولد، فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا؛ لأن أمها جنية كما ذكرته لك فيما سبق. فقالوا لسليمان: إنها ضعيفة العقل.
ورجلها كرجل الحمار، وإنها شعراء الساقين، فقال: ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ لنعرف عقلها، وكان لسليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ناصح من الجن، فقال: كيف لي أن أرى قدميها من غير أن أسألها كشفهما؟ فقال: أنا أجعل لك في هذا القصر ماء، وأجعل فوق الماء زجاجا، تظن: أنه ماء، فترفع ثوبها، فترى قدميها، فهذا هو الصرح المذكور في الآية رقم [٤٤].
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى سليمان، ﴿نَكِّرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأنّ مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَرْشَها:﴾ مفعول به، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿نَنْظُرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وقرئ برفعه على الاستئناف، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَتَهْتَدِي:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (تهتدي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى بلقيس، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل ﴿نَنْظُرْ﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب
стр. 4326
الاستفهام. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه يعود إلى بلقيس. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُ،﴾ وجملة: ﴿لا يَهْتَدُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والكلام: ﴿نَكِّرُوا لَها..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقال الجمل: معطوفة على المعنى، على قوله: ﴿قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾.
والمقصود عطف المتعلق، فكان يكفي أن يقال: ونكروا لها عرشها، وإنما أعيد ذكر القول لكون المتعلق مختلفا لكونه أولا ثناء على الله تعالى، وثانيا متعلقا بشأن عرشها.
﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَتْ﴾ أي: حضرت، ودخلت على سليمان. ﴿قِيلَ﴾ أي: لها. ﴿أَهكَذا عَرْشُكِ:﴾ تشبيها عليها، زيادة في امتحان عقلها. ﴿قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ:﴾ لم تقل: هو؛ لا حتمال أن يكون مثله، وذلك من كمال عقلها. وقيل: إنها عرفته، لكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها.
وقيل: إنها كانت حكيمة، لم تقل: نعم؛ خوفا من الكذب، ولا قالت: لا؛ خوفا من التكذيب أيضا، فقالت: كأنه هو، فعرف سليمان كمال عقلها بحيث لم تقر، ولم تنكر، وقيل: اشتبه عليها أمر العرش؛ لأنها تركته في بيت، عليه سبعة أبواب مغلقة، والمفاتيح معها. قيل لها: فإنه عرشك، فما أغنى عنك إغلاق الأبواب.
﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها﴾ أي: من قبل هذه الآية في العرش، ﴿وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين خاضعين طائعين لأمر سليمان. وقيل: المعنى، أوتينا العلم بالله وبصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدهد، والرسل من قبل هذه الآية، وهذا على أن الكلام من كلام بلقيس. وقيل: هو من كلام سليمان، فيكون المعنى: أوتينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة، وقبل مجيئها. ﴿وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ موحدين مؤمنين بالله، فيكون الغرض من هذا الكلام مزيد شكر الله على نعمته حيث خصه بمزيد من العلم، والتقدم في الإيمان، والتوحيد. وقيل: معناه: أوتينا العلم بإسلامها، ومجيئها طائعة من قبل وصولها إلينا، وهذا ضعيف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٨]، ﴿جاءَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى بلقيس، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار: (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول ﴿أَهكَذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، والهاء:
حرف تنبيه لا محل له، والكاف حرف تشبيه، وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وقد فصل في هذا التركيب بين (ها) التنبيه، واسم الإشارة بحرف الجر، وهو الكاف، والأصل اتصال (ها) التنبيه باسم
стр. 4327
الإشارة، وهذا الفصل لا يجوز بغير الكاف من حروف الجر. ﴿عَرْشُكِ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل: ﴿قِيلَ،﴾ وهذا جار على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول:
«يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه. و ﴿قِيلَ:﴾ نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول، وقيل: الجار والمجرور المقدران في الشرح في محل رفع نائب فاعل، وجملة: ﴿قِيلَ﴾ جواب (لما)، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى بلقيس أيضا، ﴿كَأَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع خبر: (كأن)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأُوتِينَا:﴾ الواو: حرف عطف. (أوتينا): فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و (نا): ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ قَبْلِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْعِلْمَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَأُوتِينَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقالت بلقيس: وأوتينا... إلخ، أو قال سليمان:
وأوتينا... إلخ، حسب ما رأيت في الشرح، وهذا الكلام معطوف على جملة: ﴿قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ لا محل له مثلها. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (كنا): فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): ضمير متصل في محل رفع اسمه. ﴿مُسْلِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فمحلها مثل محل ما قبلها.
﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣)﴾
الشرح: ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ صرفها عن الإيمان بالله، وتوحيده، وعبادته ما كانت تعبده من دون الله من عبادة الشمس، وغيرها. وقيل المعنى: وصدها سليمان عن ما كانت تعبده من دون الله، وذلك بسبب إسلامها على يديه، فحال بينها، وبين ذلك. ﴿إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ:﴾ قرئ بكسر الهمزة وفتحها، وهذا الكلام من إخبار الله تعالى بأنها كانت كافرة؛ لأنها نشأت بين قوم كافرين.
هذا؛ والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى؛ ولذا يحرم السجود لغيره تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. وعن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: أنا، والإنس، والجن في
стр. 4328
نبأ عظيم، أخلق، ويعبد غيري، وأرزق، ويشكر غيري». هذا؛ وانظر (الكفر) في الآية رقم [١٩] من سورة (الشعراء).
الإعراب: ﴿وَصَدَّها:﴾ الواو: حرف عطف. (صدها): فعل ماض، و (ها) ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكره موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى بلقيس، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿تَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى بلقيس أيضا، ومفعوله محذوف، وهو عائد الموصول، أو رابط النكرة الموصوفة. وجملة: ﴿كانَتْ تَعْبُدُ﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، التقدير: وصدها الذي، أو: شيء كانت تعبده. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف. و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، فيكون التقدير:
وصدها كونها عابدة من دون الله، أو التقدير: وصدها عبادة الشمس عن التقدم إلى الإيمان، والإسلام. هذا؛ وقيل: الفاعل يعود إلى سليمان، أو إلى: ﴿اللهِ﴾ ويكون التقدير: وصدها سليمان، أو ﴿اللهِ﴾ عن الذي كانت تعبده من دون الله، وذلك بهدايتها إلى الإسلام.
﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (ها): ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمه يعود إلى بلقيس أيضا. ﴿مِنْ قَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَتْ﴾. ﴿كافِرِينَ:﴾ صفة ﴿قَوْمٍ﴾ مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّها..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وعلى قراءة فتح الهمزة تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر على أنه بدل من: ﴿ما،﴾ أو على أنه في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لكونها من قوم كافرين، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (صدها)، وجملة: ﴿وَصَدَّها..﴾. إلخ معطوفة على جملة (أوتينا...) إلخ في الآية السابقة.
﴿قِيلَ لَهَا اُدْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ:﴾ القصر، وذلك: أن سليمان لما اختبر عقلها بتنكير العرش، وأراد أن ينظر إلى ساقيها، وقدميها من غير أن يسألها كشفهما؛ لما أخبرته الجن: أن رجليها كحافر الحمار، وهي شعراء الساقين؛ أمر الشياطين أن يعملوا له قصرا من الزجاج الأبيض كالماء. وقيل: ﴿الصَّرْحَ:﴾ صحن الدار، وأجرى تحته الماء، وألقى فيه السمك، والضفادع،
стр. 4329
ونحوهما من دواب البحر، ثم وضع سريره في صدر المجلس، وجلس عليه، ولما جاءت قيل لها: ادخلي الصرح، وهذا بخلاف صرح فرعون المذكور في الآية رقم [٣٨] من سورة (القصص).
﴿فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً:﴾ أي ظنته ماء عظيما راكدا. هذا؛ ولجة الماء: معظمه، وجمعه:
لجج، ولما رأت لجة الماء؛ فزعت، وظنت: أن سليمان قصد بها الغرق، وتعجبت من كون كرسيه على الماء، ورأت ما هالها، ولم يكن لها من امتثال الأمر بدّ. هذا؛ وفي هذه الجملة تشبيه مأخوذ من معنى: ﴿حَسِبَتْهُ،﴾ فقد شبهت الصرح بلجة الماء فهو قسم من أقسام التشبيه جاءت فيه الأداة فعلا من أفعال الظن، ومثله آية (الكهف) رقم [١٨]، وآية (الدهر) رقم [١٩].
﴿وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها:﴾ فإذا هي من أحسن الناس ساقا، سليمة مما قالت الجن، غير أنها كثيرة الشعر، فلما بلغت هذا الحد، قال لها سليمان بعد أن صرف نظره عنها: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ﴾ والممرّد: المملّس المحكوك، ومنه: الأمرد لملاسة وجهه، أي: نعومته لعدم وجود الشعر به، والقوارير: الزجاج الأبيض الجميل.
هذا؛ والقوارير جمع: القارورة. وفي المصباح: القارورة: إناء من زجاج، والجمع:
القوارير، والقارورة أيضا: وعاء الرطب والتمر، وهي القوصرّة، وتطلق القارورة على المرأة؛ لأن الولد، أو المني يقر في رحمها، كما يقر الشيء في الإناء، أو تشبيها بآنية الزجاج لضعفها.
وفي الحديث الشريف: «رفقا بالقوارير». قال الأزهري: والعرب تكني عن المرأة بالقارورة والقوصرة انتهى. وفي القاموس: القارورة: حدقة العين، وما قرّ فيه الشراب، أو نحوه، أو يخصّ بالزجاج، و ﴿قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: من زجاج في بياض الفضة وصفاء الزجاج.
وعند ذلك استسلمت، وأذعنت، وأقرت على نفسها بالظلم؛ حيث قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي..﴾. إلخ. ولما رأى سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قدميها؛ قال لناصحه من الشياطين: كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة بالجسد؟ فدله على عمل النورة، فكانت النورة، والحمامات من يومئذ. هذا؛ وقيل في معنى ظلمها لنفسها: إنها ظنت:
أن سليمان يريد أن يغرقها في الماء. والأصح: أنها أرادت ظلمات نفسي بعبادة غير الله تعالى، ونحوها؛ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
واختلفوا في أمر بلقيس بعد إسلامها، فقيل: انتهى أمرها إلى قولها: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ولا علم لأحد وراء ذلك؛ لأنه لم يذكر في الكتاب، ولا في خبر صحيح. وقال بعضهم: تزوجها سليمان، وأحبها حبا شديدا، وأقرها على ملكها، وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون، لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا، وهي سلحين، وبينون، وغمدان، ثم كان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام، يبكر من الشام إلى اليمن، ومن اليمن إلى الشام، وولدت له ولدا ذكرا، أسماه داود، مات في حياته.
стр. 4330
وقال وهب بن منبه: زعموا أن بلقيس لما أسلمت، قال لها سليمان: اختاري رجلا من قومك حتى أزوجك إياه، فقالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال، وقد كان لي من قومي الملك والسلطان؟! قال: نعم، إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، ولا ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله، قالت: فإن كان ولا بد فزوجني ذا تبّع ملك همدان، فزوجها إياه، وذهب بها إلى اليمن، وملك زوجها على اليمن، ودعا زوبعة ملك الجن، وقال له: اعمل ل: «ذي تبّع» ما استعملك فيه، فلم يزل يعمل له ما أراده إلى أن مات سليمان، وحال الحول، وعلم الجن موته، فأقبل رجل منهم حتى بلغ جوف اليمن، وقال بأعلى صوته: يا معشر الجن إن الملك سليمان قد مات، فارفعوا أيديكم، فرفعوا أيديهم، وتفرقوا، وانقضى ملك سليمان، وملك «ذي تبع» وملك بلقيس، وبقي الملك لله الواحد القهار. قيل: إن سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. انتهى. خازن بتصرف.
الإعراب: ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿اُدْخُلِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل. ﴿الصَّرْحَ:﴾ مفعول فيه ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض، وفي مقدمتهم سيبويه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٤]. وجملة: ﴿اُدْخُلِي الصَّرْحَ﴾ في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٢] ففيها الكفاية، وجملة: ﴿قِيلَ لَهَا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٨]، ﴿رَأَتْهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة التي هي حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وقد اكتفى الفعل به؛ لأنه بصري، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى بلقيس، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا؛ لأنها ابتدائية، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، ﴿حَسِبَتْهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى بلقيس أيضا، والتاء للتأنيث، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿لُجَّةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (لما)، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَكَشَفَتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (كشفت): فعل ماض، والفاعل يعود إلى بلقيس أيضا، والتاء للتأنيث، ﴿عَنْ ساقَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها:﴾ معطوفة على جواب (لما)، لا محل لها مثلها.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (سليمان). ﴿إِنَّهُ:﴾
حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿الصَّرْحَ:﴾ خبر (إن).
﴿مُمَرَّدٌ:﴾ صفة: ﴿الصَّرْحَ،﴾ ﴿مِنْ قَوارِيرَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل ﴿الصَّرْحَ،﴾ أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾
стр. 4331
أَنْزَلْناهُ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى بلقيس، تقديره:
«هي». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، وانظر الآية رقم [١٦٩] من سورة (الشعراء) الشرح والإعراب تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿ظَلَمْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نَفْسِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي:﴾ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَسْلَمْتُ:﴾
الواو: حرف عطف. (أسلمت): فعل، وفاعل. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله أو هو متعلق بمحذوف حال من تاء الفاعل، وهو أولى، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿سُلَيْمانَ﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. هذا؛ وقيل: ﴿مَعَ﴾ حرف جر، ولا أعتمده. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبِّ:﴾
صفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وجملة: ﴿وَأَسْلَمْتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿ثَمُودَ:﴾ قبيلة عربية مثل قبيلة: «عاد» سميت باسم أبيها الأكبر، ثمود بن غابر، بن سام، بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر، وكانت منازل ثمود الحجر بين الحجاز، والشام إلى وادي القرى وما حوله. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد:
الماء القليل، والأول هو المعتمد. فإن جعلته اسما لمذكر صرفته، وإن جعلته اسما لمؤنث منعته، وقرئ بصرفه شاذا. (صالح): هو ابن عبيد بن آسف، بن ماشخ، بن عبيد بن حاذر، بن ثمود، وليس من أنبياء بني إسرائيل ك: (هود)، وكان بينهما مئة سنة، وعاش صالح مئتي سنة، كما في التحبير للسيوطي، وأخوته لقومه إخوة نسب، لا أخوة دين، كأخوة هود ونوح، وغيرهما إلى أقوامهم. هذا؛ وعاش هود أربعمئة وأربعا وستين سنة وبين هود، ونوح ثمانمئة سنة.
﴿فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ:﴾ ذكر هذين الفريقين جاء في سورة (الأعراف) في قوله تعالى:
﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ﴾
стр. 4332
كافِرُونَ هذا؛ والفريق: الطائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، وقوم.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة)، أو الآية رقم [٣٧] من سورة (طه) لتتمة الإعراب. ﴿إِلى ثَمُودَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَخاهُمْ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿صالِحاً:﴾ بدل، أو عطف بيان على: ﴿أَخاهُمْ،﴾ ﴿أَنِ:﴾ مفسرة؛ لأن الإرسال يتضمن معنى القول. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية مفسرة للإرسال، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بعبادة الله. ﴿فَإِذا:﴾ انظر الآية رقم [٣٢] من سورة (الشعراء) ففيها الكفاية.
﴿أَخاهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فَرِيقانِ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿يَخْتَصِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، وأجيز اعتبارها صفة ل: ﴿فَرِيقانِ﴾ على المعنى، كقوله تعالى: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا﴾ وقوله تعالى:
﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا..﴾. إلخ. هذا؛ وأجيز تعليق (إذا) بالفعل: ﴿يَخْتَصِمُونَ،﴾ فيكون المعنى: فإذا قوم صالح فريقان: مؤمن به، وكافر به يختصمون. وقال ابن هشام: ويحتمل الحالية أيضا، أي: فإذا هم فريقان مختصمين.
﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي: بالعقوبة، وهو قولهم: ﴿وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ:﴾ قبل التوبة، وطلب الرحمة، فتؤخرونها إلى نزول العذاب، فإنهم كانوا يقولون: إن صدق إيعاده؛ تبنا حينئذ. ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ:﴾ تتوبون، وتطلبون المغفرة لذنوبكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ:﴾ بقبول التوبة، وشمول
стр. 4333
الرحمة؛ إن تبتم، ورجعتم إلى الله، وعبادته، وترك عبادة الأوثان، والأصنام. وانظر العجلة في الآية رقم [٢٠٤] من سورة (الشعراء).
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى صالح تقديره: «هو». (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة فيقول: يا قومي، ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة، فيقول: يا قومي، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا قوما. ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: يا قوم، ويزاد لغة سادسة، وهي لغة القطع، فتقول: يا قوم، ﴿لِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام، وحذفت ألفها للفرق بين الخبر والاستخبار كما رأيت في الآية رقم [٣٥]، ﴿تَسْتَعْجِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿بِالسَّيِّئَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من السيئة.
و ﴿قَبْلَ﴾ مضاف، و ﴿الْحَسَنَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿تَسْتَغْفِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ مفعول به منصوب على التعظيم. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾
حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تُرْحَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ تعليل للحض على الاستغفار، والكلام: ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالُوا اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: مجيبين لصالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ:﴾ تشاءمنا بك، وبمن معك؛ إذ تتابعت علينا الشدائد، وكانوا قد قحطوا، وجاعوا، وكذلك ما أصابهم من التفرق بسبب من آمن مع صالح. ﴿قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي:
سبب خيركم، وشركم عند الله، وهو حكمه، ومشيئته، أو سبب شؤمكم عند الله، وهو أعمالكم المكتوبة عنده، فإنها هي التي ساقت لكم ما يسوءكم. وقال ابن عباس-﵄:
طائرهم: ما قضي لهم، وقدر عليهم. انتهى. هذا؛ وقد سمي ما قضي عليهم بذلك؛ لأنه لا شيء أسرع من نزول القضاء المحتوم. وقيل: طائركم: عملكم عند الله، سمي طائرا لسرعة صعوده إلى السماء، وقد استعير الطائر لما كان سبب الخير والشر من قدر الله، وقسمته، أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة، والنقمة.
стр. 4334
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ:﴾ تختبرون، وتمتحنون بتعاقب السراء، والضراء، هل تنتبهون إلى أن ما أصابكم من حسنة؛ فبفضل الله، وأن ما أصابكم من سيئة؛ فبسوء أعمالكم. وتشاؤمهم إغراق منهم بالغباوة، وقسوة القلب، فإن الشدائد ترقق القلوب، وتلين العرائك، سيما بعد مشاهدة المعجزة، وهي لم تؤثر فيهم، بل زادوا عتوا، وانهماكا في الغيّ، والضلال.
هذا؛ وقد كانت العرب في الجاهلية أكثر الناس طيرة، وكان أحدهم: إذا أراد سفرا نفّر الطير صباحا، فإن طار يمنة تيمن، وسار، وإن طار يسرة؛ أي: شمالا؛ رجع، وتشاءم، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك فقال: «لا عدوى، ولا طيرة... إلخ». رواه أبو هريرة.
وعن عبد الله بن مسعود-﵁: -أن رسول الله ﷺ قال: «الطّيرة شرك». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩] من سورة (يس) ففيها فضل زيادة.
هذا؛ وأصل ﴿اِطَّيَّرْنا﴾ تطيرنا، أدغمت التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرج واحد، واجتلبت همزة الوصل لأجل التوصل للنطق بالساكن الذي هو الطاء المدغمة؛ لأن المدغم ساكن دائما، وقد قرئ: «(تطيّرنا)» على الأصل، وانظر رقم [٦٦].
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿اِطَّيَّرْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَبِمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف، (بمن): جار ومجرور معطوفان على ﴿بِكَ﴾. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (صالح) تقديره: «هو». ﴿طائِرُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال.
﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبره. ﴿تُفْتَنُونَ:﴾
فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿قَوْمٌ﴾.
وهذه الصفة وطئ لها بلفظ ﴿قَوْمٌ،﴾ فهي المرادة؛ لا لفظ ﴿قَوْمٌ؛﴾ لأنهم معلومون بأنهم قوم، ولهذا أعيد الضمير بعد ﴿قَوْمٌ﴾ إلى ما قبله لا إليه، وإلا لقيل: (يفتنون) بالغيبة فيه؛ لأن ﴿قَوْمٌ﴾ اسم ظاهر وهو من قبيل الغيبة، ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [٥٥]: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وقل مثل ذلك في الحال الموطئة في قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والجملة
стр. 4335
الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها وما قبلها وما أشبههما بمنزلة جواب لسؤال مقدر؛ إذ التقدير: فما كان الجواب من صالح... إلخ.
﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ:﴾ مدينة ثمود، وهي الحجر المصرح بها في كثير من الآيات، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ:﴾ وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط؛ لأنه في معنى الجماعة، فكأنه قيل:
تسعة أنفس. هذا؛ و «رهط»: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: نفر ومعشر... إلخ، والفرق بين الرهط، والنفر: أن الرهط من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة، والنفر من الثلاثة إلى التسعة، من الرجال، وليس فيهم امرأة. هذا؛ وجمع رهط: أرهط، وأراهط.
وأسماؤهم عن وهب بن منبه: الهذيل بن عبد رب، غنم بن غنم، رياب بن مهرج، مصدع بن مهرج، عمير بن كردبة، عاصم بن مخرمة، سبيط بن صدقة، سمعان بن صيفي، قدار بن سالف، وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وكانوا من أبناء أشرافهم. انتهى. كشاف. وقيل في أسمائهم غير ذلك، والله أعلم.
﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالكفر، وارتكاب المعاصي، والمنكرات لا يتورعون عن شيء، ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ أي: شأنهم الإفساد الخالص، الخالي من شوائب الصلاح، كما ترى بعض المفسدين، قد يندر منهم بعض الصلاح في هذه الأيام. قيل: فسادهم: أنهم كانوا يتبعون عورات الناس، ولا يسترون عليهم؛ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿فِي الْمَدِينَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (كان). تقدم على اسمها. ﴿تِسْعَةُ:﴾ اسم (كان) مؤخر، وهو مضاف، و ﴿رَهْطٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يُفْسِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿تِسْعَةُ،﴾ أو في محل جر صفة ﴿رَهْطٍ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُصْلِحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل صفة مثلها، التقدير: تسعة رهط مفسدون، أو مفسدين في الأرض، وغير مصلحين، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها ليست من قول قوم صالح، ولا من قول صالح، وإنما من إخبار الله تعالى.
стр. 4336
﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنّا لَصادِقُونَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: المتآمرون على قتل صالح، أي: قال بعضهم لبعض. ﴿تَقاسَمُوا بِاللهِ:﴾ يحتمل الأمر، والماضي، والمعنى: تحالفوا بالله، وفيه دليل على أن الكفار يعتقدون بوجود إله يسمونه الله، وإن كان لهم فيه اعتبارات حسب المعبودات التي كانوا ينصبونها للعبادة، ويعظمونها، ويقدسونها في كل زمان ومكان، حتى الملحدين في هذه الأيام، فإنهم يلهجون بحركاتهم، وسكناتهم بكلمة (يا الله) من حيث لا يشعرون. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ:﴾ لنباغتن صالحا، وأهله ليلا. وقرئ الفعل بالنون، والياء، والتاء، ومثله (لنقولن) وعلى قراءتهما بالنون مفتوح ما قبل النون، وعلى قراءتهما بالتاء والياء مضموم ما قبل النون، وانظر الإعراب.
﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ أي: لأقربائه الذين لهم ولاية الدم، وحق المطالبة بدمه. ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ:﴾ ما حضرنا، ولا ندري من قتله وأهله؛ أي: لا علم لنا بذلك قطعا. ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ:﴾ فيما نقول من إنكارنا العلم بقتله، وقتل أهله. هذا؛ ويقرأ: ﴿مَهْلِكَ﴾ بضم الميم وفتح اللام على زنة المفعول، ويقرأ بفتح الميم مع كسر اللام وفتحها، فالقراآت ثلاث سبعيات، وانظر شرح ﴿أَهْلَهُ﴾ في الآية رقم [١٦٩] من سورة (الشعراء).
تنبيه: قال السدي، وغيره: أوحى الله تعالى إلى صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: إن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك، فقالوا: ما كنا لنفعل، فقال لهم: إنه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها، ويكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد في هذا الشهر غلام إلا قتلناه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر أولاد ذكور، فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر، فأبى أن يذبح ولده، وكان لم يولد له قبل ذلك ذكر، وكان ابن العاشر أزرق أحمر، فنبت نباتا سريعا، وكان إذا مر بالتسعة، فرأوه؛ قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، وغضب التسعة على صالح؛ لأنه كان سبب قتلهم أبناءهم، فتعصبوا، وتقاسموا بالله... إلخ.
قالوا لما عزموا على قتله: نخرج إلى سفر، فنري الناس سفرنا، فنكون في غار، حتى إذا كان الليل، وخرج صالح إلى مسجده؛ أتيناه، فقتلناه، ثم قلنا: ما شهدنا مهلك أهله، وإنا لصادقون، فيصدقوننا، ويعلمون أننا خرجنا إلى سفر، وكان صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لا ينام معهم في القرية، وكان يأوي إلى مسجده، فإذا أصبح أتاهم، فوعظهم، فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا، فسقط عليهم الغار، فقتلهم.
فرأى ذلك ناس ممن كان قد اطلع على ذلك، فصاحوا في أهل بلدتهم: يا عباد الله! أما رضي صالح أن أمر بقتل أولادهم حتى قتلهم، فأجمع أهل البلد على قتل الناقة. انتهى. قرطبي
стр. 4337
من سورة (الشعراء) وكان الذي باشر قتلها قدار بن سالف برضاهم، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥٧] من سورة (الشعراء). هذا؛ وما تقدم يفيد: أن قوم صالح بقوا مدة طويلة بعد خروج الناقة من الصخرة، التي هي المعجزة التي اقترحوها عليه، وهذه المدة كانت من قبل ولادة قدار إلى بلوغه سن الشباب، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥٨] من سورة (الشعراء).
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿تَقاسَمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. هذا؛ وأجيز اعتباره فعلا ماضيا مبنيا على الضم، والواو فاعله، وحينئذ يجوز أن يكون مفسرا ل: ﴿قالُوا،﴾ كأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: تقاسموا، ويجوز أن تكون الجملة في محل نصب حال من واو الجماعة على تقدير «قد» قبلها، أي قد قالوا ذلك متقاسمين.
﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (نبيتنه): فعل مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». هذا؛ وعلى قراءته بالتاء والياء فهو مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب: ﴿تَقاسَمُوا،﴾ لا محل لها. ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف، (أهله):
معطوفة على الضمير المنصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَنَقُولَنَّ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لِوَلِيِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وانظر الشرح، ﴿ما:﴾ نافية، ﴿شَهِدْنا:﴾ فعل ماض، و (نا) فاعله. ﴿مَهْلِكَ:﴾ مفعول به، أو هو ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿مَهْلِكَ﴾ مضاف، و ﴿أَهْلَهُ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم المفعول لنائب فاعله، أو من إضافة المصدر لفاعله، أو من إضافة اسم المكان للحال فيه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ما شَهِدْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا):
حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَصادِقُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (صادقون): خبر (إن) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير، والكلام: ﴿تَقاسَمُوا..﴾. إلخ، كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً:﴾ مكرهم الذي مكروه هو ما روي: أن قوم صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لما توعدهم بالهلاك بعد ثلاثة أيام من عقر الناقة كما رأيت في
стр. 4338
سورة (الشعراء) اتفقوا وتحالفوا على أن يأتوا داره ليلا، ويقتلوه وأهله المختصين به، والمؤمنين الذين اتبعوه، واهتدوا بهديه؛ وقد قالوا: إذ كان كاذبا في وعيده؛ أوقعنا به ما يستحق، وإن كان صادقا؛ كنا قد عجلناه قبلنا، وشفينا قلوبنا. قاله مجاهد، وغيره.
﴿وَمَكَرْنا مَكْراً﴾ أي: جازيناهم على مكرهم بتعجيل العذاب. قال ابن عباس-﵄: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه، فأتت تلك التسعة دار صالح، شاهرين سلاحهم وسيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة، وهم يرون الحجارة، ولا يرون الملائكة، فقتلتهم، وأهلك الله جميع القوم بالصيحة. انتهى. خازن. وهذا يخالف ما ذكرته في الآية السابقة عن القرطبي، والنتيجة واحدة، وهي نجاة صالح، وإهلاك قومه، كما رأيت في سورة (الأعراف) وسورة (هود) وغيرهما.
﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ أن وبال مكرهم عائد عليهم بالويل، والثبور، وعظائم الأمور. هذا؛ والشعور: إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته. هذا؛ و (المكر) معناه: الخبث، والخداع والاحتيال، والكيد، والتدبير الحرام. وهو مستحيل في حقه تعالى، وإنما نسبه الله إلى نفسه في هذه الآية وأمثالها من باب المقابلة، وهذا يسمى عند البلغاء بالمشاكلة؛ أي: ذكر الله جزاءهم، وعقابهم من جنس صنعهم، ومنه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾. وذلك كثير في كتاب الله تعالى: هذا؛ وخذ قول الشاعر: [الطويل]
قهرت العدا لا مستعينا بعصبة... ولكن بأنواع الخديعة والمكر
وأيضا قول زياد بن يسار: [الطويل]
تعلّم شفاء النّفس قهر عدوّها... فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر
وهذا هو الشاهد رقم [١٠٢١] من كتابنا فتح القريب المجيب.
الإعراب: ﴿وَمَكَرُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (مكروا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَكْراً:﴾ مفعول مطلق؛ لأنه مصدر ميمي، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَمَكَرْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (مكرنا):
فعل، وفاعل. ﴿مَكْراً:﴾ مفعول مطلق أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
стр. 4339
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿فَانْظُرْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ولكل من يتأتى منه النظر نظر تبصر، واعتبار، فيعتبر العاقل وينزجر بذلك الاعتبار عن الأفعال القبيحة والأعمال الخبيثة، ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ:﴾ عاقبة كل شيء آخره ونتيجته، ولم يؤنث الفعل ﴿كانَ؛﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير والتأنيث، أو لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه، ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ..﴾. إلخ أهلكناهم بسبب كفرهم، وخروجهم عن طاعة ربهم بعقرهم الناقة، وغير ذلك من قبيح الفعال. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة (أن) وكسرها، قراءتان سبعيتان.
هذا؛ وتدميرهم كان بإهلاك التسعة بالحجارة، وإهلاك الباقين بالصيحة.
الإعراب: ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ: في ﴿كانَ﴾ وجهان: أحدهما: هي الناقصة، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مرفوعة على أنها اسمها، وفي الخبر وجهان: أحدهما ﴿كَيْفَ﴾ و ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ:﴾ إن كسرت الهمزة كان مستأنفا، وهو مفسر لمعنى الكلام، وإن فتحت ففيه أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ال ﴿عاقِبَةُ﴾. والثاني: أن يكون المصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف. التقدير: هي كوننا دمرناهم. والثالث: أن يكون في محل نصب بدلا من ﴿كَيْفَ﴾ عند بعضهم. وقال آخرون: لا يجوز ذلك؛ لأن البدل من الاستفهام، يلزم فيه إعادة حرفه، كقولك: كيف زيد؟ أصحيح أم مريض؟ والرابع: هو في موضع نصب على نزع الخافض، التقدير: بكوننا دمرناهم، أو لكوننا دمرناهم، والوجه الثاني: أن يكون خبر ﴿كانَ﴾ هو المصدر المؤول من ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ إذا فتحت الهمزة، وإذا كسرت الهمزة لم يجز؛ لأنه ليس في الجملة ضمير يعود على ﴿عاقِبَةُ،﴾ و ﴿كَيْفَ﴾ على هذا في محل نصب حال من: ﴿عَقِبِهِ،﴾ والعامل في الحال ﴿كانَ﴾ أو ما يدل عليه الخبر، والوجه الثاني من وجهي (كان) أن تكون التامة، و ﴿كَيْفَ﴾ على هذا حال، و ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ بالكسر مستأنف، وبالفتح، فالمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها على ما تقدم في محله من اعتبارات. إلا في كونها خبرها، انتهى. أبو البقاء بتصرف كبير مني. هذا؛ وأجاز ابن هشام في المغني في ﴿كانَ﴾ ثلاثة أوجه: نقصان ﴿كانَ،﴾ وتمامها، وزيادتها، وقال: إلا أن الناقصة لا تكون شأنية لأجل الاستفهام، ولتقدم الخبر، و ﴿كَيْفَ﴾ حال على التمام، وخبر ل: ﴿كانَ﴾ على النقصان، وللمبتدأ على الزيادة. انتهى. أقول: وتبقى الاعتبارات المذكورة في ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ..﴾. إلخ على حالها.
و ﴿عاقِبَةُ:﴾ مضاف، و ﴿مَكْرِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب
стр. 4340
مفعول به للفعل: (انظر)، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل له. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿دَمَّرْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ)، ومحل المصدر المؤول، أو الجملة الناتجة منها، ومن اسمها، وخبرها هو ما رأيته سابقا. ﴿وَقَوْمَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.
(قومهم): معطوف على الضمير المنصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد لما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ.
﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ:﴾ بيوت قوم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿خاوِيَةً:﴾ خالية، من: خوى البطن: إذا خلا، أو: ساقطة متهدمة، من خوى النجم:
إذا سقط ﴿بِما ظَلَمُوا:﴾ بسبب ظلمهم؛ لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة ربهم، وتعدوا حدوده، وأهملوا أوامره. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في الذي وقع في قوم صالح من الهلاك، والدمار. ﴿لَآيَةً:﴾ لدلالة واضحة على قدرة الله تعالى، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، وأنه ينتقم من العاصين، وإن أمهل؛ فهو لا يهمل. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ:﴾ يعرفون الحق، فيعتبرون بقوم صالح، وأمثالهم ممن أهلك الله في العصور السابقة.
هذا؛ والفعل ﴿يَعْلَمُونَ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]
لعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه
بخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ وخبر، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النّسب، بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني والنّسب.
فائدة: يحكى: أن بعض الملوك الظالمين أغاز على قرية، فنهبها، وفتك بأهلها، فخرجت إليه عجوز، وقالت له: يا ويلك من ديان يوم الدين! فقال لها: يا عجوز، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً،﴾ فقالت له: يا هذا لقد حفظت شيئا، وغابت عنك أشياء، أو نسيت الآية التي بعدها ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ فاتعظ الملك، وردّ أموال الناس إليهم.
الإعراب: ﴿فَتِلْكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بُيُوتُهُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء
стр. 4341
ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿خاوِيَةً:﴾ حال من: ﴿بُيُوتُهُمْ﴾. والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، ويقرأ بالرفع، وفيه خمسة أوجه: الأول: أن يكون ﴿بُيُوتُهُمْ﴾ بدلا من اسم الإشارة، و ﴿خاوِيَةً﴾ خبر: البيوت. والثاني: أن تكون: ﴿خاوِيَةً﴾ خبرا ثانيا.
والثالث: أن ترفع ﴿خاوِيَةً﴾ على إضمار مبتدأ، أي هي ﴿خاوِيَةً﴾. والرابع: أن تجعل ﴿خاوِيَةً﴾ بدلا من البيوت. والخامس: أن تجعل: ﴿بُيُوتُهُمْ﴾ عطف بيان على (تلك)، و ﴿خاوِيَةً﴾ خبر المبتدأ؛ الذي هو (تلك). ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية.
﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء. والجار والمجرور متعلقان ب ﴿خاوِيَةً،﴾ وفاعلها ضمير مستتر، تقديره: هي، والجملة الاسمية: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء.
(آية): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية). وجملة:
﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المقدر في محل جر صفة (قوم). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: الذين آمنوا بالله تعالى، وصدقوا برسالة صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ:﴾ الله، ويخافون عذابه، ويبتعدون عن الكفر، والمعاصي. هذا؛ وفي ذكر التقوى بعد الإيمان إشارة إلى أن العمل قرين الإيمان، وأن الإيمان وحده قد لا يجدي إذا لم يقرن بالعمل الصالح. وهذا يسمى: احتراسا، وقد نبهت عليه مرارا، وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الشعراء). وشرح: ﴿يَتَّقُونَ﴾ في الآية رقم [١٠] منها أيضا.
تنبيه: آمن بالله، وبرسالة صالح أربعة آلاف من قومه، وهلك الباقون، وكان صالح قد أنذرهم بعد أن عقروا الناقة بالهلاك بعد ثلاثة أيام. وقال لهم: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يصبّحكم العذاب، فلما رأوا العلامات؛ طلبوه؛ ليقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين، ولما كانت ضحوة اليوم الرابع؛ تحنطوا، وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة جبريل من السماء، فتقطعت قلوبهم، فهلكوا، وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، وهلاكهم يوم الأحد، ثم بعد هلاكهم خرج صالح بمن آمن معه من فلسطين إلى حضرموت، فلما دخلوها؛ مات صالح، فسميت الأرض: أرض حضرموت، ثم بنوا فيها أربعة
стр. 4342
آلاف مدينة، وسموها: حاضوراء، وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٥].
الإعراب: ﴿وَأَنْجَيْنَا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنجينا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فأهلكنا الكافرين، و (أنجينا). ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف.
(كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة:
﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبر (كان). وجملة: ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ:﴾
معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الموصول، أو من واو الجماعة، فلست مفندا، وتكون «قد» قبلها مقدرة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿وَلُوطاً:﴾ هو ابن أخي إبراهيم، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام.
آمن به، وهاجر معه من بلاد العراق، قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي..﴾. إلخ فأقام إبراهيم في فلسطين، وأقام لوط في الأردن، فأرسله الله إلى أهل سدوم، يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح. هذا؛ وقال الجمل: سذوم بالذال المعجمة، وهي بلد بحمص، نقلا من أبي السعود، وأين حمص من الأردن؟!. انتهى. في سورة (الأعراف): ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ:﴾ سؤال توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح، والشناعة. ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ:﴾ تعلمون فحشها، وقبحها، وذلك أعظم لذنوبكم. وقيل: يأتي بعضكم بعضا، وأنتم تنظرون إليه، وكانوا لا يستترون عتوا منهم، وتمردا، وخلاعة، ومجانة، وانهماكا في المعصية، وكأن أبا نواس بنى على مذهبهم قوله، الذي يمثل مجونه وفسوقه: [الطويل]
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر... ولا تسقني سرّا إذا أمكن الجهر
وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى... فلا خير في اللّذّات من دونها ستر
وهذه الآية وغيرها دالة على وجوب الحد في اللواطة؛ لأنها اشتركت مع الزنى في كونها فاحشة، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ وهذا؛ وإن كان قياسا إلا أن الجامع مستفاد من الآية. انتهى. جمل. هذا؛ وقد شدد النبي ﷺ في النكير على من فعل هذه الفعلة الشنيعة، وأباح قتله، فعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل، والمفعول به». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي.
стр. 4343
وعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله سبعة من خلقه من فوق سبع سمواته، وردّد اللعنة على واحد منهم ثلاثا، ولعن كلّ واحد منهم لعنة تكفيه، قال: ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من أتى شيئا من البهائم، ملعون من عقّ والديه، ملعون من جمع بين امرأة وابنتها، ملعون من غيّر حدود الأرض، ملعون من ادّعى إلى غير مواليه». رواه الطبراني في الأوسط.
قال البغوي: اختلف أهل العلم في حد اللّوطي، فذهب قوم إلى أن حد الفاعل حد الزنى، إن كان محصنا يرجم، وإن لم يكن محصنا يجلد مئة، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وقتادة، والنخعي، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وهو قول الشافعي، ويحكى أيضا عن أبي يوسف، ومحمد بن الحسن. وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مئة وتغريب عام رجلا كان، أو امرأة، محصنا كان، أو غير محصن. وذهب قوم إلى أن اللّوطي يرجم محصنا كان، أو غير محصن. رواه سعيد بن جبير، ومجاهد عن ابن عباس، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، والقول الآخر للشافعي: أنه يقتل الفاعل، والمفعول به، كما جاء في الحديث. انتهى. الترغيب.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أتى النّساء في أعجازهنّ، فقد كفر». رواه الطبراني. وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «ملعون من أتى امرأة في دبرها». رواه أحمد، وأبو داود.
الإعراب: ﴿وَلُوطاً:﴾ الواو: حرف عطف. (لوطا): مفعول به لفعل محذوف، تقديره:
اذكر، أو: وأرسلنا لوطا، لدلالة: (ولقد أرسلنا) عليه. ﴿إِذْ:﴾ بدل على التقدير الأول من (لوطا)، وظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿أَرْسَلْنا﴾ على التقدير الثاني. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. والفاعل يعود إلى (لوط). ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَتَأْتُونَ:﴾
الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ، (تأتون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿الْفاحِشَةَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾
الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة:
﴿تُبْصِرُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ..﴾. إلخ: هذا من قول لوط-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مخاطبا لقومه بذلك. ﴿الرِّجالَ:﴾ جمع: رجل، وهو مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة،
стр. 4344
والشجاعة، والقوة، وغير ذلك. ﴿شَهْوَةً:﴾ قال البيضاوي: وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة، وتنبيه على أنّه ينبغي للعاقل أن يكون الداعي إلى المباشرة طلب الولد، وبقاء النوع، لا قضاء الوطر. انتهى.
قال عمرو بن دينار-رحمه الله تعالى-: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط.
هذا؛ وقد لعن الرسول ﷺ من عمل عمل قوم لوط ثلاثا، كما لعن من أتى امرأته في دبرها أيضا.
﴿النِّساءِ:﴾ أصله: النساي، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والياء المنقلبة ألفا، فأبدلت الثانية همزة. هذا؛ ونساء اسم جمع، لا واحد له من لفظه؛ لأن مفرده: امرأة، وتجمع المرأة أيضا على نسوة، بضم النون، وكسرها، ونسوان، بكسر النون، ونسنون، ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان، فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا، وإما كذبا. هذا؛ والمرأة مشتقة من المرء، وهو الرجل؛ لأنها خلقت منه.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أي: تفعلون فعل من يجهل قبحها، ويكون سفيها، لا يميز بين الحسن والقبيح، قال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: فسرت ﴿تُبْصِرُونَ﴾ بالعلم، وبعده:
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فكيف يكونون علماء جهلاء؟! قلت: أراد: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة، مع علمكم بذلك، أو تجهلون العاقبة وأراد بالجهل: المجانة التي كانوا عليها، فإن قلت: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ صفة ل: ﴿قَوْمٌ،﴾ والموصوف لفظه الغائب، فهلا طابقت الصفة الموصوف، فقرئ بالياء، دون التاء، وكذلك: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ؟﴾ قلت: اجتمعت الغيبة، والمخاطبة، فغلبت المخاطبة؛ لأنها أقوى، وأرسخ من الغيبة. وانظر شرح الجاهل في الآية رقم [٦٣] من سورة (الفرقان).
تنبيه: ذكرت الآية بكاملها في سورة (الأعراف) برقم [٨١] بإبدال: ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾ هناك بالفعل: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ هنا. وإنما وصفهم الله بالإسراف هناك، وبالجهل هنا؛ لفعلهم ذلك العمل الخبيث؛ لأن الله خلق الإنسان، وركب فيه الشهوة لبقاء النسل، وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا للشهوة، وموضع النسل، فإذا تركهن الرجل، وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال، فكأنما جهل الحكمة الإلهية، وتجاوز الحد، واعتدى، فكان جديرا بهذين الوصفين؛ لأنه وضع الشيء في غير موضعه الذي خلق له؛ لأن أدبار الذكور ليست محلا للولادة، التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان.
وكانت قصة لوط على ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل الأخبار، والسير: أنه كانت قرى قوم لوط مخصبة، ذات زروع وثمار، لم يكن في الأرض مثلها، فقصدهم الناس، وآذوهم، وضيقوا عليهم، فعرض لهم إبليس في صورة شيخ، وقال لهم: إذا فعلتم بهم كذا، وكذا؛ نجوتم
стр. 4345
منهم، فأبوا، فلما ألح عليهم الناس قصدوهم، فأصابوا منهم غلمانا حسانا صباحا، فأخبثوا، واستحكم ذلك فيهم، قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلا الغرباء، وقيل: استحكم ذلك فيهم حتى نكح بعضهم بعضا. أقول: وهو الصحيح ويؤيده قوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٩]: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ وقال الكلبي: إن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس أخزاه الله، وذلك: أن بلادهم أخصبت، فقصدها أهل البلدان، فتمثل لهم إبليس في صورة شاب أمرد، فدعا إلى نفسه، فكان أول من نكح في دبره، فأمر الله السماء أن تحصبهم، والأرض أن تخسف بهم. انتهى من الخازن في سورة (الأعراف).
الإعراب: ﴿أَإِنَّكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتَأْتُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تأتون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الرِّجالَ:﴾ مفعول به. ﴿شَهْوَةً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال بمعنى مشتهين، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ). ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الواو. أو من ﴿الرِّجالَ،﴾ و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿النِّساءِ﴾ مضاف إليه.
﴿بَلْ:﴾ حرف عطف انتقالي من الإنكار عليهم إلى الإخبار عن حالهم التي أدت إلى ارتكاب أمثالها، وهي: اعتياد الجهل، والإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم على جميع معايبهم، أو عن محذوف، مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الجهل، والإسراف. وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [٤٧]، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول لوط، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ:﴾ أتى الكلام هنا، وفي الآية رقم [٢٩] من سورة (العنكبوت) مبتدأ بالفاء، وأتى في الآية رقم [٨١] من سورة (الأعراف) مبتدأ بالواو، وقد قال سليمان الجمل نقلا عن السمين-رحمهما الله تعالى-في سورة (الأعراف): أتى هنا بقوله:
(وما) وفي (النمل) و (العنكبوت) بقوله: ﴿فَما﴾ والفاء هي الأفضل في هذا الباب؛ لأن المراد:
أنهم لم يتأخر جوابهم عن نصيحته، وأما الواو، فالتعقيب أحد محاملها، فتعين هنا: أنها للتعقيب لأمر خارجي، وهو القرينة في السورتين المذكورتين، لا أنها اقتضت ذلك بوضعها. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿قَوْمِهِ﴾ أي: المستكبرين منهم عن الإيمان، وانظر الآية رقم [١٠] من سورة (الشعراء).
﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ:﴾ لوطا، والمؤمنين معه من أهله. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ:﴾ هي: سدوم؛ التي ذكرتها
следующие страницы →