← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿خاوِيَةً:﴾ حال من: ﴿بُيُوتُهُمْ﴾. والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، ويقرأ بالرفع، وفيه خمسة أوجه: الأول: أن يكون ﴿بُيُوتُهُمْ﴾ بدلا من اسم الإشارة، و ﴿خاوِيَةً﴾ خبر: البيوت. والثاني: أن تكون: ﴿خاوِيَةً﴾ خبرا ثانيا. والثالث: أن ترفع ﴿خاوِيَةً﴾ على إضمار مبتدأ، أي هي ﴿خاوِيَةً﴾. والرابع: أن تجعل ﴿خاوِيَةً﴾ بدلا من البيوت. والخامس: أن تجعل: ﴿بُيُوتُهُمْ﴾ عطف بيان على (تلك)، و ﴿خاوِيَةً﴾ خبر المبتدأ؛ الذي هو (تلك). ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء. والجار والمجرور متعلقان ب ﴿خاوِيَةً،﴾ وفاعلها ضمير مستتر، تقديره: هي، والجملة الاسمية: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (آية): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية). وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المقدر في محل جر صفة (قوم). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: الذين آمنوا بالله تعالى، وصدقوا برسالة صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ:﴾ الله، ويخافون عذابه، ويبتعدون عن الكفر، والمعاصي. هذا؛ وفي ذكر التقوى بعد الإيمان إشارة إلى أن العمل قرين الإيمان، وأن الإيمان وحده قد لا يجدي إذا لم يقرن بالعمل الصالح. وهذا يسمى: احتراسا، وقد نبهت عليه مرارا، وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الشعراء). وشرح: ﴿يَتَّقُونَ﴾ في الآية رقم [١٠] منها أيضا. تنبيه: آمن بالله، وبرسالة صالح أربعة آلاف من قومه، وهلك الباقون، وكان صالح قد أنذرهم بعد أن عقروا الناقة بالهلاك بعد ثلاثة أيام. وقال لهم: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يصبّحكم العذاب، فلما رأوا العلامات؛ طلبوه؛ ليقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين، ولما كانت ضحوة اليوم الرابع؛ تحنطوا، وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة جبريل من السماء، فتقطعت قلوبهم، فهلكوا، وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، وهلاكهم يوم الأحد، ثم بعد هلاكهم خرج صالح بمن آمن معه من فلسطين إلى حضرموت، فلما دخلوها؛ مات صالح، فسميت الأرض: أرض حضرموت، ثم بنوا فيها أربعة

стр. 4342

آلاف مدينة، وسموها: حاضوراء، وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٥]. الإعراب: ﴿وَأَنْجَيْنَا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنجينا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فأهلكنا الكافرين، و (أنجينا). ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبر (كان). وجملة: ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الموصول، أو من واو الجماعة، فلست مفندا، وتكون «قد» قبلها مقدرة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)﴾ الشرح: ﴿وَلُوطاً:﴾ هو ابن أخي إبراهيم، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. آمن به، وهاجر معه من بلاد العراق، قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي..﴾. إلخ فأقام إبراهيم في فلسطين، وأقام لوط في الأردن، فأرسله الله إلى أهل سدوم، يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح. هذا؛ وقال الجمل: سذوم بالذال المعجمة، وهي بلد بحمص، نقلا من أبي السعود، وأين حمص من الأردن؟!. انتهى. في سورة (الأعراف): ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ:﴾ سؤال توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح، والشناعة. ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ:﴾ تعلمون فحشها، وقبحها، وذلك أعظم لذنوبكم. وقيل: يأتي بعضكم بعضا، وأنتم تنظرون إليه، وكانوا لا يستترون عتوا منهم، وتمردا، وخلاعة، ومجانة، وانهماكا في المعصية، وكأن أبا نواس بنى على مذهبهم قوله، الذي يمثل مجونه وفسوقه: [الطويل] ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر... ولا تسقني سرّا إذا أمكن الجهر وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى... فلا خير في اللّذّات من دونها ستر وهذه الآية وغيرها دالة على وجوب الحد في اللواطة؛ لأنها اشتركت مع الزنى في كونها فاحشة، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ وهذا؛ وإن كان قياسا إلا أن الجامع مستفاد من الآية. انتهى. جمل. هذا؛ وقد شدد النبي ﷺ في النكير على من فعل هذه الفعلة الشنيعة، وأباح قتله، فعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل، والمفعول به». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي.

стр. 4343

وعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله سبعة من خلقه من فوق سبع سمواته، وردّد اللعنة على واحد منهم ثلاثا، ولعن كلّ واحد منهم لعنة تكفيه، قال: ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من أتى شيئا من البهائم، ملعون من عقّ والديه، ملعون من جمع بين امرأة وابنتها، ملعون من غيّر حدود الأرض، ملعون من ادّعى إلى غير مواليه». رواه الطبراني في الأوسط. قال البغوي: اختلف أهل العلم في حد اللّوطي، فذهب قوم إلى أن حد الفاعل حد الزنى، إن كان محصنا يرجم، وإن لم يكن محصنا يجلد مئة، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وقتادة، والنخعي، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وهو قول الشافعي، ويحكى أيضا عن أبي يوسف، ومحمد بن الحسن. وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مئة وتغريب عام رجلا كان، أو امرأة، محصنا كان، أو غير محصن. وذهب قوم إلى أن اللّوطي يرجم محصنا كان، أو غير محصن. رواه سعيد بن جبير، ومجاهد عن ابن عباس، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، والقول الآخر للشافعي: أنه يقتل الفاعل، والمفعول به، كما جاء في الحديث. انتهى. الترغيب. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أتى النّساء في أعجازهنّ، فقد كفر». رواه الطبراني. وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «ملعون من أتى امرأة في دبرها». رواه أحمد، وأبو داود. الإعراب: ﴿وَلُوطاً:﴾ الواو: حرف عطف. (لوطا): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو: وأرسلنا لوطا، لدلالة: (ولقد أرسلنا) عليه. ﴿إِذْ:﴾ بدل على التقدير الأول من (لوطا)، وظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿أَرْسَلْنا﴾ على التقدير الثاني. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. والفاعل يعود إلى (لوط). ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَتَأْتُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ، (تأتون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿الْفاحِشَةَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿تُبْصِرُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾ الشرح: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ..﴾. إلخ: هذا من قول لوط-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مخاطبا لقومه بذلك. ﴿الرِّجالَ:﴾ جمع: رجل، وهو مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة،

стр. 4344

والشجاعة، والقوة، وغير ذلك. ﴿شَهْوَةً:﴾ قال البيضاوي: وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة، وتنبيه على أنّه ينبغي للعاقل أن يكون الداعي إلى المباشرة طلب الولد، وبقاء النوع، لا قضاء الوطر. انتهى. قال عمرو بن دينار-رحمه الله تعالى-: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط. هذا؛ وقد لعن الرسول ﷺ من عمل عمل قوم لوط ثلاثا، كما لعن من أتى امرأته في دبرها أيضا. ﴿النِّساءِ:﴾ أصله: النساي، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والياء المنقلبة ألفا، فأبدلت الثانية همزة. هذا؛ ونساء اسم جمع، لا واحد له من لفظه؛ لأن مفرده: امرأة، وتجمع المرأة أيضا على نسوة، بضم النون، وكسرها، ونسوان، بكسر النون، ونسنون، ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان، فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا، وإما كذبا. هذا؛ والمرأة مشتقة من المرء، وهو الرجل؛ لأنها خلقت منه. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أي: تفعلون فعل من يجهل قبحها، ويكون سفيها، لا يميز بين الحسن والقبيح، قال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: فسرت ﴿تُبْصِرُونَ﴾ بالعلم، وبعده: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فكيف يكونون علماء جهلاء؟! قلت: أراد: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة، مع علمكم بذلك، أو تجهلون العاقبة وأراد بالجهل: المجانة التي كانوا عليها، فإن قلت: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ صفة ل: ﴿قَوْمٌ،﴾ والموصوف لفظه الغائب، فهلا طابقت الصفة الموصوف، فقرئ بالياء، دون التاء، وكذلك: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ؟﴾ قلت: اجتمعت الغيبة، والمخاطبة، فغلبت المخاطبة؛ لأنها أقوى، وأرسخ من الغيبة. وانظر شرح الجاهل في الآية رقم [٦٣] من سورة (الفرقان). تنبيه: ذكرت الآية بكاملها في سورة (الأعراف) برقم [٨١] بإبدال: ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾ هناك بالفعل: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ هنا. وإنما وصفهم الله بالإسراف هناك، وبالجهل هنا؛ لفعلهم ذلك العمل الخبيث؛ لأن الله خلق الإنسان، وركب فيه الشهوة لبقاء النسل، وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا للشهوة، وموضع النسل، فإذا تركهن الرجل، وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال، فكأنما جهل الحكمة الإلهية، وتجاوز الحد، واعتدى، فكان جديرا بهذين الوصفين؛ لأنه وضع الشيء في غير موضعه الذي خلق له؛ لأن أدبار الذكور ليست محلا للولادة، التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان. وكانت قصة لوط على ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل الأخبار، والسير: أنه كانت قرى قوم لوط مخصبة، ذات زروع وثمار، لم يكن في الأرض مثلها، فقصدهم الناس، وآذوهم، وضيقوا عليهم، فعرض لهم إبليس في صورة شيخ، وقال لهم: إذا فعلتم بهم كذا، وكذا؛ نجوتم

стр. 4345

منهم، فأبوا، فلما ألح عليهم الناس قصدوهم، فأصابوا منهم غلمانا حسانا صباحا، فأخبثوا، واستحكم ذلك فيهم، قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلا الغرباء، وقيل: استحكم ذلك فيهم حتى نكح بعضهم بعضا. أقول: وهو الصحيح ويؤيده قوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٩]: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ وقال الكلبي: إن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس أخزاه الله، وذلك: أن بلادهم أخصبت، فقصدها أهل البلدان، فتمثل لهم إبليس في صورة شاب أمرد، فدعا إلى نفسه، فكان أول من نكح في دبره، فأمر الله السماء أن تحصبهم، والأرض أن تخسف بهم. انتهى من الخازن في سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿أَإِنَّكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتَأْتُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تأتون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الرِّجالَ:﴾ مفعول به. ﴿شَهْوَةً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال بمعنى مشتهين، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ). ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الواو. أو من ﴿الرِّجالَ،﴾ و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿النِّساءِ﴾ مضاف إليه. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف انتقالي من الإنكار عليهم إلى الإخبار عن حالهم التي أدت إلى ارتكاب أمثالها، وهي: اعتياد الجهل، والإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم على جميع معايبهم، أو عن محذوف، مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الجهل، والإسراف. وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [٤٧]، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول لوط، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾ الشرح: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ:﴾ أتى الكلام هنا، وفي الآية رقم [٢٩] من سورة (العنكبوت) مبتدأ بالفاء، وأتى في الآية رقم [٨١] من سورة (الأعراف) مبتدأ بالواو، وقد قال سليمان الجمل نقلا عن السمين-رحمهما الله تعالى-في سورة (الأعراف): أتى هنا بقوله: (وما) وفي (النمل) و (العنكبوت) بقوله: ﴿فَما﴾ والفاء هي الأفضل في هذا الباب؛ لأن المراد: أنهم لم يتأخر جوابهم عن نصيحته، وأما الواو، فالتعقيب أحد محاملها، فتعين هنا: أنها للتعقيب لأمر خارجي، وهو القرينة في السورتين المذكورتين، لا أنها اقتضت ذلك بوضعها. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿قَوْمِهِ﴾ أي: المستكبرين منهم عن الإيمان، وانظر الآية رقم [١٠] من سورة (الشعراء). ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ:﴾ لوطا، والمؤمنين معه من أهله. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ:﴾ هي: سدوم؛ التي ذكرتها

стр. 4346

لك في الآية السابقة. ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي: من الفواحش، ومن أدبار الرجال، وهذا استهزاء منهم بلوط، وأتباعه، وانظر شرح الناس في الآية رقم [٣٩] من سورة (الشعراء)، وانظر قولهم في سورة (العنكبوت) رقم [٢٩]. هذا؛ وأما ﴿آلَ﴾ فأصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار (أأل) ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة: «إذا اجتمع همزتان الأولى متحركة، والثانية ساكنة، قلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الهمزة الأولى»، وذلك مثل: آدم، وإيمان، وأومن، فإن الأصل أأدم، وإإمان، وأؤمن، وقلب الهمزة سائغ مستعمل لغة في: أراق، فإن أصله هراق، وهو كثير مستعمل في الشعر العربي، وغيره، وهذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله: (أول) كجمل من آل يؤول، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وقد صغروه على (أهيل) وهو يشهد للأول، وعلى (أويل) وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل ﴿آلَ﴾ إلا فيمن له خطر وشأن، بخلاف: أهل، يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن أهله، ولا ينتقض بآل فرعون، فإن له شرفا باعتبار الدنيا، واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ : [مجزوء الكامل] لا همّ إنّ المرء يم... نع رحله فامنع رحالك وانصر على آل الصّلي... ب وعابديه اليوم آلك ﴿قَرْيَتِكُمْ:﴾ القرية: اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة، وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى في قوله: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنعام) كما تطلق على الضيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية: بكسر القاف وفتحها، وبالنسبة إليها قرويّ وقرييّ. الإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: عاطفة، وليس بشيء. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿جَوابَ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ مقدم، و ﴿جَوابَ﴾ مضاف، و ﴿قَوْمِهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ومحل الفعل في محل نصب ب: ﴿كانَ،﴾ و ﴿كانَ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخرا. هذا؛ وقرئ برفع (جواب) على: أنه اسم ﴿كانَ،﴾ والمصدر المؤول في محل نصب خبرها، وهو ضعيف والأول أفصح؛ لأن فيه جعل الأعراف اسما، لذا فالقراءة شاذة، وليست سبعية. ﴿أَخْرِجُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آلَ:﴾ مفعول به، و ﴿آلَ﴾ مضاف، و ﴿لُوطٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ:﴾ جار

стр. 4347

ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَخْرِجُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أُناسٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿يَتَطَهَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿أُناسٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للأمر، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧)﴾ الشرح: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: أنجى الله لوطا، ومن آمن معه من أهله. ﴿إِلاّ امْرَأَتَهُ:﴾ فإنها كانت كافرة تسر الكفر، وتخبر قومها بما يكون في بيت لوط، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. واسمها: واهلة. ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي: الذين بقوا في العذاب، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث، مثل قوله تعالى في حق مريم-على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾. هذا؛ والغابر: اسم فاعل من: غبر الشيء بقي، وغبر أيضا: مضى، فهو من الأضداد، وبابه: دخل. انتهى. مختار. هذا؛ ولذا يمكن أن يقال: في غابر الأزمان، أي: في ماضيها، وحاضرها. وقال أبو ذؤيب الهذلي من قصيدة في رثاء أولاده: [الكامل] فغبرت بعدهم بعيش ناصب... وإخال أنّي لا حق مستتبع هذا؛ واللغة العربية غنية بالكلمات التي تعني الضدين، وتحتمل معنيين متقابلين، منها: ما رأيته من لفظ الغابرين، ومنها: جلل للعظيم، والحقير، فمن الأول: قول الحارث بن وعلة بن ذهل بن شيبان الذهلي، وهو الشاهد رقم [١٩٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل] فلئن عفوت لأعفون جللا... ولئن سطوت لأوهنن عظمي ومن الثاني قول امرئ القيس لما قتل أبوه، وهو الشاهد رقم [١٩٣] من كتابنا المذكور: [المتقارب] بقتل بني أسد ربّهم... ألا كلّ شيء سواه جلل أي: هين، وحقير، لا قيمة له. ومنها: الجون للأبيض، والأسود. والبين: للقرب، والبعد. والصريم: للّيل، والنهار. وبهما فسر قوله تعالى في سورة: (ن): ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ والناصح: للأبيض، والأسود، والناهل: للرّيّان، والظمان. والسليم: للديغ، والصحيح، ووراء بمعنى: خلف، وأمام. وشعبت الشيء: أصلحته، وشققته. والصّارخ: للمغيث، والمستغيث. والهاجد: للمصلي في الليل، والنائم. والوهدة: للانحدار والارتفاع. والتعزير: للإكرام، والإهانة. والتقريظ: للمدح، والذم. وترب: للغني والفقير. والإهماد: للسرعة في السير، والإقامة. وعسعس: إذا أقبل، وإذا أدبر. قال تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ والقرء: للحيض، والطهر.

стр. 4348

ومنه قيل في قوله تعالى في الآية رقم [٦٢] من سورة (طه)، وفي الآية رقم [٣] من سورة (الأنبياء): ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى:﴾ إنّ أسروا يحتمل أن يكون بمعنى: أظهروا، وأن يكون بمعنى: أخفوا، فهو من الأضداد. وأيضا قوله تعالى في الآية رقم [٥٤] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾. كما قيل به في قول امرئ القيس، وهو الشاهد رقم [٤٧٢] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل] تجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي الإعراب: ﴿فَأَنْجَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على محذوف، يتطلبه المقام. ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أهله): معطوف على الضمير المنصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اِمْرَأَتَهُ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَدَّرْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿اِمْرَأَتَهُ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها. ﴿مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾ هذه الآية ذكرت بحروفها كاملة برقم [١٧٣] من سورة (الشعراء) فلا حاجة إلى إعادة شيء من شرحها، وإعرابها، والله الموفق والمعين، وبه نستهدي ونستبين. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ الشرح: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: أمر الله رسوله ﷺ بعد ما قص عليه القصص، الدالة على كمال قدرته، وعظيم شأنه أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته، وحكمته، وأن يستفتح بتحميده، والسّلام على أنبيائه، والمصطفين من عباده. وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التّيمّن بالذّكرين، والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، وإصغائهم إليه، ولقد توارث العلماء، والخطباء، والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله ، وصلوا على رسوله ﷺ أمام كل علم مفاد، وقبل كل تذكرة، وموعظة، وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون، فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح، والتهاني، وغير ذلك من الحوادث؛ التي لها شأن. انتهى. بتصرف. هذا؛ وقال الفراء: الخطاب ل: (لوط) والمعتمد الأول؛ لأن القرآن منزل على النبي ﷺ ، وكل ما فيه فهو مخاطب به ﵇، إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره.

стр. 4349

﴿عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ أي: اختار الله لرسالته، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، وقال عبد الله بن عباس، وسفيان-﵄: هم أصحاب محمد ﷺ . والمعتمد الأول؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ:﴾ ف: ﴿خَيْرٌ﴾ هنا ليس بمعنى أفضل، وإنما هو مثل قول حسان-﵁-في هجاء أبي سفيان: [الوافر] أتهجوه، ولست له بكفء... فشرّ كما لخير كما الفداء إذ المعنى: فالذي فيه الشر فداء للذي فيه خير. وقيل: هو على بابه من التفضيل، والمعنى: ﴿آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: أثوابه خير، أم عقاب ما تشركون، أي: ما يتسبب من عبادة الأصنام من عقاب، وقيل: قال لهم ذلك؛ لأنهم كانوا يعتقدون: أن في عبادة الأصنام خيرا، فخاطبهم الله على اعتقادهم، وكان النبي ﷺ إذا قرأ هذه الآية يقول: «بل الله خير، وأبقى، وأجلّ، وأكرم». وقال البيضاوي رحمه الله تعالى: هذا الكلام إلزام لهم، وتهكم بهم، وتسفيه لرأيهم؛ إذ من المعلوم أن لا خير فيما أشركوه رأسا؛ حتى يوازن بينه وبين من هو مبدأ كل الخير. ﴿آللهُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وقد مدت مدا لازما بقدر ست حركات، ولولا مدها لم يظهر الاستفهام، ويسمى هذا المد في أحكام التجويد بمد الفرق؛ لأنه يفرق بين الاستفهام والخبر؛ لأنه لولا المد لتوهم أنه خبر لا استفهام، وانظر الآية رقم [٥١] من سورة (يونس). أما ﴿خَيْرٌ﴾ فهو أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في: حبّ، وشرّ اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما: أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما، استغناء عنها بحركة الخاء والشين، وقد يستعمل: خير، وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ بفتح الشين، ونحو قول رؤبة: [الرجز] يا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر وخير، وشر، وحب يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنه بمعنى: أفعل كما رأيت. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَسَلامٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (سلام): مبتدأ. ﴿عَلى عِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول

стр. 4350

مثلها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة عباده، أو في محل جر بدل منه. ﴿اِصْطَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿آللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذين اصطفاهم الله. ﴿آللهُ:﴾ الهمزة حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (الله): مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَمّا:﴾ أم: حرف عطف وهي متصلة بخلافها في الآيات التالية، فإنها منقطعة. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع معطوفة على لفظ الجلالة، والمعادل محذوف؛ لدلالة (خير) عليه، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أم الذي، أو: شيء يشركونه مع الله تعالى. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مصدرية. ولا أعتمده. ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ الشرح: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ قال أبو حاتم تقديره: آلهتكم خير أم من خلق... إلخ؟ وقيل: المعنى: أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير، أم عبادة من خلق السموات والأرض؟ فهو مردود على ما قبله من المعنى، وفيه معنى التوبيخ، والتقريع لهم، والتنبيه على قدرة الله تعالى، وعجز آلهتهم، وقرئ: «(آمن)» بتخفيف الميم. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ:﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم. هذا؛ والحدائق: جمع: حديقة، وهي البستان الذي عليه حائط، فإن لم يكن عليه حائط، فهو البستان، وليس بحديقة، وقيل: الحدائق: النخل، والبهجة: الزينة والحسن، يبهج به من رآه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (طه): ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾. ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أي: ما ينبغي لكم ذلك؛ لأنكم لا تقدرون عليه؛ لأن الإنسان يقول: أنا المنبت للشجرة بأن أغرسها، وأسقيها الماء، فأزال الله هذه الشبهة بقوله: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ؛ لأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف، والطعوم، والروائح المختلفة، والزروع المتنوعة، تسقى بماء واحد، لا يقدر عليه إلا الله تعالى ولا يتأتّى لأحد، وإنّ تأتّي ذلك لغيره محال. انتهى. خازن. وانظر ما ذكرته في الأحزاب [٣٦]: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ..﴾. إلخ. قال القرطبي رحمه الله تعالى: وقد يستدل من هذا على منع تصوير شيء، سواء كان له روح أم لم يكن؟ وهو قول مجاهد، ويعضده قول النبي ﷺ : قال الله : «ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرّة، أو ليخلقوا حبّة، أو ليخلقوا شعيرة». رواه مسلم في

стр. 4351

صحيحه من حديث أبي هريرة-﵁، فعم بالذم، والتهديد، والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله، وضاهاه في التشبيه في خلقه؛ فيما انفرد به سبحانه من الخلق، والاختراع، وهذا واضح. وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ليس فيه روح، يجوز تصويره والاكتساب به، وقد قال ابن عباس-﵄-للذي سأله أن يصنع الصور: (إن كنت لا بدّ فاعلا، فاصنع الشجر، وما لا نفس له) أخرجه مسلم أيضا، والمنع أولى، -والله أعلم- لما ذكرنا. ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ أي: هل مع الله معبود أعانه على ذلك. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أي: ليس معه معين على خلق ما ذكر، ولكنهم قوم يميلون عن الحق إلى الباطل، وهذا الفعل أحد الأفعال التي يتغير معناها بتغير الجار، تقول: عدلت عنه، بمعنى: أعرضت عنه. وتقول: عدلت إليه، بمعنى: أقبلت عليه. وقد جاء في قوله تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ محتملا لمعنى الميل ومعنى العدل، وقد يجيء محتملا لمعنى الميل، ومعنى التسوية، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فإن جعلت الجار والمجرور ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلقين بيعدلون، كان المعنى إن الكفار يسوون الأصنام بربهم، وإن جعلتهما متعلقين بالفعل كفروا، كان يعدلون بمعنى يميلون، والمعنى: إن الكفار يميلون وينحرفون عن إفراد الله بالوحدانية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة. وانظر شرح ﴿ذاتَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الحج). الإعراب: ﴿أَمَّنْ:﴾ (أم): حرف إضراب بمعنى: «بل»؛ لأنها منقطعة عما قبلها بخلافها في الآية السابقة فإنها متصلة، كما رأيت. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، وتقدير الكلام: أمّن خلق السموات والأرض كمن لا يخلق. وقد أظهر في غير هذه المواضع ما أضمر في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (النحل)، وعلى تقدير أبي حاتم: آلهتكم خير، أم من خلق السموات والأرض؟ يكون تقدير الخبر: خير، وعلى هذا تكون (أم) متصلة، وهو مردود، فالمعتمد: أنها منقطعة، وتقدير الكلام: بل الذي خلق السموات خير. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في محل رفع خبره، فالمعنى صحيح، والكلام تام، لا يحتاج إلى تقدير خبر محذوف. هذا؛ وعلى قراءة: (أمن) فالهمزة للاستفهام وفي (من) وجهان: أحدهما: أن تكون

стр. 4352

مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره ما تقدم، والثاني: أنها بدل من: ﴿اللهِ﴾ كأنه قيل: (أمن خلق السموات والأرض خير أم ما يشركون) ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿وَأَنْزَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزل): فعل ماض، وفاعله يعود إلى (من). ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَنْبَتْنا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أنبتنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الوجهين. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَدائِقَ:﴾ مفعول به. ﴿ذاتَ:﴾ صفة ﴿حَدائِقَ﴾ منصوب مثله، و ﴿ذاتَ﴾ مضاف، و ﴿بَهْجَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تُنْبِتُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿كانَ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿كانَ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿شَجَرَها:﴾ مفعول به، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿حَدائِقَ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ﴾. ﴿أَإِلهٌ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. (إله): مبتدأ. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب وانتقال. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿يَعْدِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة (قوم) والجملة الاسمية: ﴿بَلْ هُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ الشرح: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً﴾ أي: بسطها، وسواها للاستقرار عليها، أي: يستقر على سطحها الإنسان، والحيوان. ﴿وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً﴾ أي: شق في الأرض أنهارا يستفيد منها الإنسان، والحيوان، والنبات. ﴿وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ:﴾ جبالا راسية ثابتة، واحدتها: راسية؛ لأن

стр. 4353

الأرض ترسو بها، أي: تثبت وتستقر، وفي غير ما آية: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ،﴾ وانظر ما أذكره في الآية رقم [١٠] من سورة (لقمان). ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً﴾ أي: مانعا من اختلاط الأجاج بالعذب. وانظر الآية رقم [٥٣] من سورة (الفرقان). ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: الحق، فيشركون مع الله أحقر خلقه. هذا؛ وذكر الأكثر؛ إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ مبلغ التكليف، أو؛ لأنه يقام مقام الكل، وانظر سورة (الروم) رقم [٦]. الإعراب: ﴿أَمَّنْ:﴾ إعرابه مثل إعراب ما قبله بلا فارق، ولذا قال البيضاوي والنّسفي: بدل من ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ فكان حكمهما حكمه. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو من أفعال التصيير، لذا فقد نصب مفعولين، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً﴾ معطوفة عليها، و ﴿خِلالَها﴾ ظرف مكان في محل نصب مفعوله الثاني، وكذا (جعل لها رواسي) فالجار والمجرور: ﴿خِلالَها﴾ في محل نصب مفعوله الثاني، وكذا جملة: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً﴾ ف: ﴿بَيْنَ﴾ ظرف مكان في محل نصب مفعوله الثاني، وكلّ متعلق بالفعل قبله. هذا؛ وإن جعلته متعلقا بمحذوف حال مما بعده على اعتباره صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» فلست مفندا. ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ هو مثل ما تقدم في إعرابه. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ الشرح: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ:﴾ الاضطرار: افتعال من الضرورة، وهي الحالة المحوجة الملجئة. يقال: اضطره إلى كذا. واسم الفاعل والمفعول: مضطر، والمضطر: هو الذي أحوجه مرض، أو فقر، أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجأ، والتضرع إلى الله، أو المذنب إذا استغفر، أو المظلوم إذا دعا، أو من رفع يديه، ولم ير لنفسه حسنة غير التوحيد، وهو منه على خطر. هذا؛ وأل في المضطر للجنس، لا للاستغراق، فلا يلزم منه إجابة كل مضطر. ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أي: الضر؛ لأنه لا يقدر على تغيير حال من فقر إلى غنى، ومن مرض إلى صحة، ومن ضيق إلى سعة إلا القادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا يغلب، ولا ينازع. ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ أي: خلفاء فيها بأن ورّثكم سكناها، والتصرف فيها قرنا بعد قرن، وكذلك يرثها منكم من بعدكم. ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ أي: أيوجد إله مع الله الذي خصكم بهذه النعم،

стр. 4354

العامة، والخاصة، الباطنة، والظاهرة. ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تذكرون نعم الله تذكرا قليلا، وقرئ الفعل بالياء والتاء، وأيضا بتسكين الذال، وتخفيف الكاف، ولا يتغيّر المعنى، ولا الإعراب، ولكن يكون على قراءته بالياء التفات من الخطاب إلى الغيبة، عكس ما في الآية السابقة. تنبيه: جاء رجل إلى مالك بن دينار-رحمه الله تعالى-، فقال: أنا أسألك بالله أن تدعو لي، فأنا مضطر، قال: إذا فاسأله، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه. قال الشاعر: [الطويل] وإنّي لأدعو الله والأمر شيّق... عليّ فما ينفكّ أن يتفرّجا وربّ أخ سدّت عليه وجوهه... أصاب لها لمّا دعا الله مخرجا هذا؛ وعن أبي بكرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ في دعاء المضطر: «اللهمّ رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كلّه، لا إله إلاّ أنت». وينبغي أن تعلم: أن الله ضمن إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك: أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عنها الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وجد من مؤمن، أو كافر، طائع، أو فاجر، كما ذكر الله عنهم بقوله: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ..﴾. إلخ. الآية رقم [٢٢] من سورة (يونس)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ..﴾. إلخ الآية رقم [٦٥] من سورة (العنكبوت)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (لقمان) فيجيب المضطر لموضع اضطراره، وإخلاصه، وإن كان كافرا، وكذلك إن كان فاجرا، فكفر الكافر، وفجوز الفاجر، لا يعود بنقص، ولا عيب في حقّه تعالى، وإنما يعود على صاحبه. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ : أنه قال لمعاذ بن جبل-﵁-لما وجهه إلى أرض اليمن: «واتّق دعوة المظلوم؛ فإنّها ليس بينها وبين الله حجاب». وعن أبي ذر الغفاري-﵁-عن النبي ﷺ ، عن رب العزة في دعوة المظلوم: «فإنّي لا أردّها، ولو كانت من كافر». الإعراب: ﴿أَمَّنْ﴾ قل فيه ما رأيته في الآية السابقة. ﴿يُجِيبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد من الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿دَعاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى المضطر، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ لا محل لها مثلها، (يجعلكم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والكاف مفعول به أول. ﴿خُلَفاءَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْأَرْضِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ لا محل لها مثلها. ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠].

стр. 4355

﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ:﴾ لقد ذكر ابن هشام رحمه الله تعالى في مغني اللبيب في هذه الجملة وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار، فقال-رحمه الله تعالى-: ﴿ما:﴾ محتملة لثلاثة أوجه: أحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، وقليلا في معنى النفي، وإما لإفادة التقليل، مثلها في: (أكلت أكلا ما) وعلى هذا فيكون تقليلا بعد تقليل. الوجه الثاني: النفي، وقليلا نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف، أي تذكرا قليلا، أو زمنا قليلا. الثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب: (قليل)، وقليلا حال معمول لمحذوف دل عليه المعنى؛ أي: تذكروا فأخروا قليلا تذكرهم. أجازه ابن الحاجب، ورجّح معناه على غيره. انتهى. بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب قليلا على الوجه الأول، وذكر سليمان الجمل الوجه الأول واعتبر قليلا نعتا لمصدر محذوف، مثل اعتباره في الوجه الثاني، وذكر أبو البقاء الثاني، وقال: التقدير: فما يتذكرون قليلا، ولا كثيرا. وجملة: ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ تعليلية لا محل لها من الإعراب، وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ﴾ وهي الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة). ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ الشرح: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ:﴾ يرشدكم، ويدلكم. ﴿فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ:﴾ إذا سافرتم إلى البلاد التي تتوجهون إليها بالليل والنهار. وقيل: جعل مفاوز البر؛ التي لا أعلام لها، ولجج البحار كأنها ظلمات؛ لأنها ليس لها علم يهتدى به، والاهتداء في تلك الظلمات يكون بالنجم، وغيره، كما قال تعالى: ﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وانظر شرح البر والبحر في الآية رقم [٥٩] من سورة (الأنعام). ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ:﴾ يبعثها. ويقرأ: «(الريح)» بالإفراد. ﴿بُشْراً:﴾ جمع: بشير، وهو بضم الباء وسكون الشين، ويقرأ بضمتين، ويقرأ: «(نشرا)» بضم النون مع ضم الشين وسكونها على أنه جمع: نشور بمعنى: ناشر، كطهور بمعنى: طاهر، ويجوز أن يكون جمع: نشور بمعنى: منشور، ويقرأ: «(نشرا)»، بفتح النون، وسكون الشين على أنه مصدر نشر بعد الطي كما يقرأ: «(بشرى)» على وزن: حبلى، أي: ذات بشارة، وكما يقرأ: «(بشرا)» بفتح الباء، وسكون الشين، وهو مصدر: بشرته: إذا بشرته. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: أمام المطر؛ الذي هو رحمته، وإنما سماه الله: رحمة؛ لأنه سبب لحياة الأرض، وحياتها حياة للإنسان والحيوان، وكل شيء، كما هو مشاهد. و ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾

стр. 4356

بمعنى: أمام، وقدام مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، وهذه الجملة مذكورة في الآية رقم [٥٧] من سورة (الأعراف)، وانظر شرح ﴿الرِّياحَ﴾ في الآية رقم [٦٩] من سورة (الإسراء)، أو الآية رقم [٩] من سورة (الأحزاب). ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ أي: يقدر على ذلك، ويعينه عليه. ﴿تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تقدس الله، وتنزه عن الذي يشركونه معه من الحجارة، والأوثان. الإعراب: ﴿أَمَّنْ﴾ انظر الآية رقم [٦٠] ففيها الكفاية. ﴿يَهْدِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من)، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة (من) على اعتبارها موصولة، والخبر محذوف، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية. ﴿فِي ظُلُماتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿ظُلُماتِ﴾ مضاف، و ﴿الْبَرِّ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْبَحْرِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): معطوفة على ما قبلها. ﴿يُرْسِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿الرِّياحَ:﴾ مفعول به. ﴿بُشْراً:﴾ حال من الرياح، وقيل: مفعول مطلق، وهذا على قراءته بالنون، لأن أرسل، وأنشر متقاربان في المعنى. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿بُشْراً،﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى لفظا، وصورة، وحذفت النون للإضافة، و ﴿يَدَيْ﴾ مضاف، و ﴿رَحْمَتِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿يُرْسِلُ..﴾. إلخ صلة (من) على اعتبارها موصولة، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية، ويكون العطف عطف جملة على جملة. ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿تَعالَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو: عن شيء يشركونه مع ﴿اللهِ﴾. وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: تعالى الله عن شركهم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤)﴾ الشرح: ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ:﴾ يبدأ الخلق: يوجده من العدم، مثل خلق الإنسان من النطفة، ومثله كثير، ثم يبعثه، وينشره بعد موته، وفنائه، والكفرة وإن أنكروا الإعادة؛ فهم معترفون بالإيجاد من العدم، وليس البعث، والإعادة بأصعب على الله من الإيجاد من العدم، بل هو أهون

стр. 4357

عليه. ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بأسباب سماوية، وأرضية، من السماء بسبب المطر، ومن الأرض بسبب النبات. ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ يخلق، ويرزق، ويبدئ ويعيد؟ لا، وألف لا، لا يوجد معه معين، ولا مساعد. ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ:﴾ حجتكم على أنه صنع أحد شيئا من هذه الأشياء غير الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في ادعائكم: أن مع الله إلها آخر. تنبيه: ﴿هاتُوا:﴾ بمعنى: أحضروا. قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في قطر الندى: وأما (هات وتعال) فعدّهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصواب: أنهما فعلا أمر، بدليل أنهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، تقول: هاتي، وتعالي. ثم قال: واعلم أنّ آخر (هات) مكسور أبدا، إلا إذا كان لجماعة المذكورين، فإنه يضم، فتقول: هات يا زيد، وهاتي يا هند، وهاتيا يا زيدان، أو هاتيا يا هندان، وهاتين يا هندات، كل ذلك بكسر التاء، وتقول: هاتوا يا قوم بضمها. انتهى. أقول: ومما ينبغي التنبه له: أنهما ملازمان للأمرية، فهما جامدان، لا ماضي، ولا مضارع لهما. الإعراب: ﴿أَمَّنْ:﴾ هو مثل الآية رقم [٦٠] بلا فارق. ﴿يَبْدَؤُا:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿الْخَلْقَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة (من) على اعتبارها موصولة، والخبر محذوف، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُعِيدُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): معطوفة على ما قبلها. ﴿يَرْزُقُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من) والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة (من)، أو في محل رفع خبرها، على اعتبارها استفهامية، ويكون العطف عطف جملة على جملة. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَإِلهٌ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. (إله): مبتدأ. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿هاتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بُرْهانَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، وجملة: ﴿كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين؛ فهاتوا... إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 4358

﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ . ﴿لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ:﴾ العلم هنا من المعرفة، لا من اليقين. والغيب: هو ما لم يقم عليه دليل، ولا اطلع عليه مخلوق، والغيب: ما غاب عن المخلوقات من معلومات لا يعلمها إلا الله تعالى، وقد ذكرها ربنا في آخر آية من آيات سورة (لقمان)، وقال سبحانه في سورة (الرعد): ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾. وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس، لا يعلمها إلاّ الله تعالى: لا يعلم أحد ما يكون في غد إلاّ الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلاّ الله، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت، ولا يدري أحد متى يأتي المطر». وفي رواية أخرى: «لا يعلم ما تغيض الأرحام إلاّ الله، ولا يعلم ما في غد إلاّ الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلاّ الله، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت إلاّ الله، ولا يعلم متى تقوم السّاعة إلاّ الله». أخرجه البخاري. هذا؛ والغيب: ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه، قال الشاعر المسلم: [الطويل] وبالغيب آمنّا، وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد أقول: وما اخترع من أشياء، وما اكتشف من أمور في هذا العصر، وما يتحدثون عنه من مغيبات، مثل نزول المطر، وغير ذلك، إنما هو قائم على التجربة، والتخمين، كثيرا ما يخطئ، وقد يصيب فيبقى من غيب الله تعالى. ﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ:﴾ وما يعلمون في أي وقت يبعثون من قبورهم للحساب، والجزاء. وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق، ولم يطّلع عليه أحد، لئلا يأمن عبد من عبيده مفاجأة عقابه، وحسابه. وقالت عائشة-﵂: من زعم أن محمدا يعلم ما في غد؛ فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾. أخرجه مسلم. وأخيرا أقول: نزلت الآية الكريمة في المشركين حين سألوا رسول الله ﷺ عن وقت الساعة، وعليه؛ فالمعنى: أن الله هو الذي يعلم الغيب وحده، ويعلم متى تقوم الساعة؟ وأخيرا أذكر ما قاله البيضاوي-رحمه الله تعالى-: لما بين الله تعالى اختصاصه بالقدرة التامة الفائقة العامة؛ أتبعه ما هو كاللازم له، وهو التفرد بعلم الغيب، والاستثناء منقطع، ورفع المستثنى على اللغة التميمية؛ للدلالة على: أنه تعالى إن كان ممن في السموات والأرض؛ ففيها من يعلم الغيب مبالغة في نفيه عنهم. أو متصل على أن المراد ممن في السموات والأرض من تعلق علمه بها، واطلع عليها اطلاع الحاضر فيها، فإنه يعمّ الله تعالى، وأولي العلم من خلقه. وهو موصول، أو موصوف.

стр. 4359

الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْغَيْبَ:﴾ مفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ بدل من: ﴿مَنْ﴾ قاله أبو البقاء، ومكي، والمعنى: لا يعلم أحد الغيب إلا الله. وقيل: ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى: غير، وهي صفة ل: ﴿مَنْ،﴾ فتكون مثل الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء)، ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية، لكونها على صورة الحرف، و ﴿إِلاَّ﴾ مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة: ﴿إِلاَّ،﴾ التي على صورة الحرف. هذا؛ وقال السمين: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: يعلمه، و ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى: «لكن» إشارة إلى انقطاع الاستثناء. وقال ابن هشام في مغنيه: وفي الآية وجه آخر، وهو أن يقدر ﴿مَنْ﴾ مفعولا به، والغيب بدل اشتمال، والله فاعل، والاستثناء مفرغ. وأعتمد الوجه الثاني من الأوجه الأربعة المتقدمة. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَيّانَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده، وهو معلق لما قبله عن العمل لفظا. ﴿يُبْعَثُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل (يشعرون)، وهذه الجملة في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو فقط، والكلام: ﴿لا يَعْلَمُ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿بَلِ اِدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦)﴾ الشرح: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ:﴾ قال البيضاوي رحمه الله تعالى: لما نفى عنهم علم الغيب، وأكد ذلك بنفي شعورهم، بما هو مالهم لا محالة؛ بالغ فيه بأن أضرب عنه، وبين: أنّ ما انتهى، وتكامل فيه أسباب علمهم من الحجج والآيات، وهو أن يوم القيامة كائن لا محالة، لا يعلمونه كما ينبغي. انتهى. وقال النسفي: والإضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم، وتكرير لجهلهم. وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون: أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية، فلا يزيلونه، والإزالة مستطاعة. انتهى. وكلاهما اختصره من الكشاف. هذا؛ و: ﴿اِدّارَكَ﴾ بمعنى لحق وتتابع. وخذ تتمة ما قاله الزمخشري-رحمه الله تعالى-: ألا ترى أن من لم يسمع اختلاف المذاهب، وتضليل أربابها بعضهم لبعض؛ كان أمره أهون ممن سمع بها، وهو جاثم لا يشخص به طلب

стр. 4360

التمييز بين الحق والباطل. انتهى. أي: لا يبحث عن سبب الاختلاف بين المذاهب، ويتعرف دليل كل مذهب، ووجهة نظر إمام المذهب، وهذا يعني: أن الإنسان إذا تعرف أسباب الاختلاف بين المذاهب الأربعة، لا يبقى عنده شك في أن كل مذهب على حق، ولكلّ وجهة الله مولّيه إياها. ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها﴾ أي: من الآخرة، فهم كمن تحيّر في أمر لا يجد عليه دليلا، ولا يهتدي إليه سبيلا، ولكنهم إذا أبصروا القيامة؛ أيقنوا بها، وزال شكهم فيها. ﴿بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ:﴾ لا يدركون دلائلها؛ لاختلال بصيرتهم؛ وإن كانت لهم أبصار: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. هذا؛ وواحد ﴿عَمُونَ﴾ عمو، وقيل: عم، أصله عمي، وقد مر معنا إعلال مثله، وعليه فجمعه: عميون، حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها، وعليه فقد تصرف فيه بحذف لامه كقاض إذا جمع، وهو صفة مشبهة. وفي السمين، يقال: عم: إذا كان أعمى البصيرة، غير عارف بأموره، وأعمى، أي: في البصر، وهذا قول الليث، وقيل: عم، وأعمى، كخضر، وأخضر. هذا؛ ولم يذكر هذا اللفظ في غير هذه السورة، وذكر بلفظ: ﴿عَمِينَ﴾ في الآية رقم [٦٤] من سورة (الأعراف). بعد هذا في الفعل (ادّارك) اثنتا عشرة قراءة، أذكر بعضها والمعتمد منها: (ادّارك): أصله: تدارك، وقد قرئ به أيضا، فأدغمت التاء في الدال بعد قلبها دالا، وتسكينها، ثم اجتلبت همزة الوصل ليمكن النطق بالساكن، ولهذه الكلمة نظائر، مثل: ادّكر، واطّلع، والطّيّر، وادّارأتم، وازّيّن؛ إذ الأصل: تدارأتم، وتزيّن، وقال تعالى في سورة (الأعراف) الآية رقم [٣٨]. ﴿حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعاً﴾ ومعنى القراءتين واحد، وفي معناه قولان: أحدهما: أن المعنى: بل تكامل علمهم في الآخرة؛ لأنهم رأوا كل ما وعدوا به معاينة، فتكامل علمهم به. والقول الآخر: أن المعنى: بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة، فقالوا: تكون، وقالوا: لا تكون، وقرئ: «(أدرك)» من الإدراك، وفي معناه قولان: أيضا: أحدهما: أن معناه: كمل في الآخرة، وهو مثل الأول، قال مجاهد: معناه: يدرك علمهم في الآخرة، ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم؛ لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين. والقول الآخر: أنه على معنى الإنكار، وهو مذهب أبي إسحاق، واستدل على هذا القول بأن بعده: ﴿بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ أي: لم يدرك علمهم علم الآخرة. وقيل: بل ضلّ، وغاب علمهم في الآخرة، فليس لهم فيها علم انتهى. قرطبي بتصرف كبير. هذا؛ وقد تفرد الجلال رحمه الله تعالى بقوله: ﴿بَلِ﴾ بمعنى «هل» التي للاستفهام الإنكاري، ومعناه: ليس الأمر كذلك. ولم يسلك هذا التقرير غيره، بل أبقوا «بل» على أصلها من الإضراب الانتقالي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿اِدّارَكَ:﴾ فعل ماض ﴿عِلْمُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور

стр. 4361

متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بالمصدر علمهم، وهو أولى، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب وانتقال أيضا. ﴿عِلْمُهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي شَكٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿شَكٍّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿عِلْمُهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عَمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة... إلخ. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧)﴾ الشرح: في الآية قراآت كثيرة، وأوجه متعددة، وأقتصر على هذه القراءة شرحا، وإعرابا، فالمراد بالذين كفروا: كفار قريش، والآية بيان لضلالهم، وإنكارهم للبعث، والحساب، والجزاء، وعمههم عن طريق الحق، والصواب، والمراد بالإخراج: الإخراج من القبور، أو من حال الفناء بعد الموت إلى الحياة، والوجود. ومعنى الآية رقم [٨٢] من سورة (المؤمنون) قريب من معنى هذه الآية، فهو تعجب منها، واستبعاد للبعث، والإحياء بعد الموت، وفناء الجسد، ولكنهم لم يتأملوا: أنهم كانوا قبل ذلك ترابا، فخلقهم الله، وأظهرهم إلى الوجود، وهم كانوا يظنون: أن البعث، والإعادة إنما يكونان في الدنيا، وهم لم يروا أحدا رجع إلى الدنيا ممن تقدمهم. وتكرير حرف الاستفهام إنكار بعد إنكار، وجحود عقيب جحود، ودليل على كفر مؤكد، مبالغ فيه. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَإِذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، وهذا عند سيبويه. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿تُراباً:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنّا تُراباً﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح، وجواب (إذا) محذوف دل عليه الجملة الآتية، التقدير: أئذا كنا ترابا نخرج، ولا يجوز أن يعمل فيها مخرجون؛ لأن كلا من الهمزة و (إنّ) واللام مانعة من عملها فيما قبلها. ﴿وَآباؤُنا:﴾ الواو: حرف عطف. (آباؤنا): معطوف على (نا) وجاز ذلك للفصل بينهما ب: ﴿تُراباً،﴾ و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والكلام ﴿أَإِذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير

стр. 4362

متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمُخْرَجُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مخرجون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا﴾ مؤكدة لما قبلها، والاستفهام فيها مبالغة بالإنكار، وقرئ بدون الاستفهام فيها. فيكون الإنكار حصل بالأولى، وهذه مرتبطة فيها من جهة التوكيد، فالإنكار بالأولى إنكار فيها أيضا، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ الشرح: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ﴾ أي: هذا الوعد، وهو: البعث بعد الموت، والحساب، والجزاء. ﴿وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وعد آباءنا قوم زعموا أنهم رسل من قبل مجيء محمد، فلم نرهم بعثوا، ولم نر لذلك حقيقة قولهم هذا؛ لأنهم ظنوا: أن البعث، والإعادة بعد الموت إنما يكونان في الدنيا، وهم لم يروا، ولم يسمعوا: أن أحدا خرج من قبره بعد موته. ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ما هذا الذي يقوله محمد: «إننا نبعث بعد الموت» إلا أكاذيب الأولين، وترهاتهم، وخرافاتهم؛ التي سطروها. هذا؛ والآية بحروفها مذكورة في سورة (المؤمنون) برقم [٨٣] مع ملاحظة تقديم، ﴿هذا﴾ على ﴿نَحْنُ﴾ هنا؛ لأن المقصود بالذكر هو البعث، وأخر في سورة (المؤمنون) ﴿هذا﴾ على ﴿نَحْنُ﴾ فالمقصود به المبعوثون نظرا إلى الاهتمام. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر شرح (أساطير) في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان). الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، أو هي لام الابتداء. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وُعِدْنا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و (نا): ضمير متصل في محل رفع نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع توكيد ل: (نا). ﴿وَآباؤُنا:﴾ الواو: حرف عطف. (آباؤنا): معطوف على (نا) بعد توكيدها، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿وُعِدْنا،﴾ أو بمحذوف صفة: (آباؤنا)، أي: الكائنون من قبلنا، ومقتضى القاعدة أن يكونا متعلقين بمحذوف حال منه؛ لأنه معرفة بالإضافة للضمير، ولكن المراد به الماضي، وهو لا يتفق مع الحال. تأمل، وبني (قبل) على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، أو لأنها ابتدائية. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول الذين كفروا.

стр. 4363

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ . ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ:﴾ هذا أمر لكفار قريش؛ لينظروا ما فعل الله بالأقوام الذين كذبوا رسلهم؛ حيث أهلكهم بسبب ذلك، وفيه تهديد، ووعيد لا يخفيان لأهل مكة ولكلّ المكذبين المجرمين. هذا؛ وقد قال الله تعالى هنا: ﴿فَانْظُرُوا﴾ ومثلها الآية رقم [٣٦] من سورة (النحل)، والآية رقم [١٣٧] من سورة (آل عمران) بينما قال تعالى في الآية رقم [١١] من سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ والفرق بينهما: أن النظر في السور الثلاث جعل مسببا عن السير، فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السير في سورة (الأنعام) إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك ب: ﴿ثُمَّ،﴾ التي هي للتراخي لتباعد ما بين الواجب، والمباح، وانظر التعبير عن الكافرين بالمجرمين، ونحوه في الآية رقم [٢٠٠] من سورة (الشعراء)، ورحم الله البيضاوي حيث قال: والتعبير عن الكافرين بالمجرمين ليكون لطفا للمؤمنين في ترك الجرائم، وانظر عدم تأنيث ﴿كانَ﴾ في الآية رقم [٥١]. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿سِيرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَانْظُرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انظروا): فعل أمر وفاعله، والألف للتفريق، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر (كان)، تقدم عليها، وعلى اسمها، وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة فهو في محل نصب حال من ﴿عاقِبَةُ،﴾ والعامل في الحال ﴿كانَ﴾. ﴿عَقِبِهِ:﴾ اسم (كان) أو فاعل بها، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل: (انظروا)، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها. وجملة: ﴿قُلْ سِيرُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: لا تحزن على الكافرين الذين ناصبوك العداء، ولم يتبعوك، وآذوك، وأصحابك بأنواع الأذى. ﴿وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: لا تغتم يا محمد، ولا يضيق صدرك بسبب مكرهم، وتدبير الكيد لك، فإن الله مذلهم، وخاذلهم، وناصرك عليهم. هذا؛ وقرئ (ضيق) بفتح الضاد وكسرها، وهما لغتان كالقول، والقيل، ويجوز أن يكون بالفتح مخففا من المشدد مثل تخفيف: هين، ولين، ونحوهما، وقال الفراء: الضّيق: ما ضاق

стр. 4364

عنه صدرك، والضّيق ما يكون في الذي يتسع، ويضيق، مثل الدار، والثواب. والمكر: تدبير الأمر في الخفاء. ولا تنس: أن الآية مذكورة بحروفها في الآية رقم [١٢٧] من سورة (النحل). الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَحْزَنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا)، واسمه مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿فِي ضَيْقٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِمّا:﴾ (من): حرف جر. (ما): مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من مكرهم، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿ضَيْقٍ﴾ أو بمحذوف صفة له. هذا؛ واعتبار (ما) موصولة أو موصوفة فيه ضعف لا يخفى. تأمل، وتدبر. ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١)﴾ الشرح: والمعنى يقول كفار قريش: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ أي: الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب؟! وقيل: قيام الساعة. وإنما قالوا ذلك على وجه التكذيب، والاستبعاد، والاستهزاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: فيما تعدوننا به، وإنما قالوا بلفظ الجمع؛ لأن كل أمة من الأمم السابقة قالت لرسولها كذلك، أو المعنى: إن كنتم صادقين أنت، وأتباعك يا محمد ﷺ ! وينبغي أن تعلم: أن هذه الآية تكررت بحروفها في كثير من السور، وفيها تسلية للنبي ﷺ . الإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقولون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿الْوَعْدُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين؛ فمتى يتحقق صدقكم، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)﴾ الشرح: ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ:﴾ تبعكم، ولحقكم. ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ:﴾ حلوله ونزوله، وهو عذاب يوم بدر، ولعل، وعسى، وسوف في مواعيد الملوك كالجزم بها، وإنما

стр. 4365

يطلقونها إظهارا لوقارهم، وإشعارا بأن الرمزة منهم كالتصريح من غيرهم، وعليه جرى وعد الله تعالى، ووعيده، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن»، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ في محل رفع فاعل ﴿عَسى،﴾ وهو تام هنا، وإن كان من أفعال الرجاء. هذا؛ وقيل: هي الناقصة هنا، واسمها ضمير، والمصدر المؤول خبرها، وهو غير وجيه. تأمل. ﴿رَدِفَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهذا على اعتبار الفعل لازما، واعتباره بمعنى: دنا، واقترب، وقد تعدى باللام، وأما على اعتباره متعديا بمعنى: تبع ولحق، فاللام زائدة، ويسميها ابن هشام لام التقوية، والكاف في محل نصب مفعول به، وإن كانت مجرورة لفظا باللام. هذا؛ وقيل: الفعل متعد، والمفعول محذوف، واللام أصلية، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: ردف الخلق لأجلكم، وهذا ضعيف كما ترى. ﴿بَعْضُ:﴾ فاعل: ﴿رَدِفَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿يَكُونَ،﴾ وعلى هذا فاسم ﴿يَكُونَ﴾ ضمير شأن محذوف، وهو قول الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي في الآية رقم [١٨٥] من سورة (الأعراف)، وجوز السمين اعتبار ﴿بَعْضُ﴾ اسم ﴿يَكُونَ﴾ مؤخرا. وجملة: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ في محل نصب خبر مقدم، وعليه ففاعل: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى متأخر لفظا، وأرى: أن الفعلين ﴿يَكُونَ﴾ و ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ قد تنازعا ﴿بَعْضُ﴾ فالمسألة من باب التنازع، تأمل جيدا يظهر لك ذلك جليا بعونه تعالى، و ﴿بَعْضُ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي تستعجلونه، وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ويعم كل عاقل. ﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ:﴾ صاحب إنعام، وجود، وإفضال على الناس حيث لم يعاجلهم بالعقاب، والانتقام على المعاصي، والمنكرات، والفضل، والفاضلة: الإفضال، وجمعهما: فضول، وفواضل. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يعرفون حق النعمة، ولا يشكرون الله على فضله، وجوده، وكرمه، فهم يستعجلون العذاب بجهلهم. هذا؛ وقد قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ سورة (سبأ) رقم [١٣]. الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم (إن)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.

стр. 4366

﴿لَذُو:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ذو): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذو) مضاف، و ﴿فَضْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿فَضْلٍ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفه له، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف.. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وقيل: في محل نصب حال، والمعنى لا يؤيده قطعا. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ:﴾ تخفي صدورهم، وقرئ: «(ما تكنّ)» بفتح التاء وضم الكاف، من: كننت الشيء، وأكننته: إذا سترته، وأخفيته. ﴿وَما يُعْلِنُونَ:﴾ يظهرون من عداوتك، فليس تأخير العذاب لخفاء حالهم، ولكن له وقت مقدر أوانه، فهو يعلم ما يخفون، وما يعلنون من عداوة رسول الله ﷺ ومكايدهم، وهو معاقبهم على ذلك بما يستحقون. وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾. هذا؛ وقد ذكرت الآية بحروفها كاملة في سورة (القصص) برقم [٦٩] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم (إن)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿لَيَعْلَمُ:﴾ اللام: هي المزحلقة (يعلم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تُكِنُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿صُدُورُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ليعلم الذي، أو شيئا تكنه صدورهم، وجملة: ﴿لَيَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿ما:﴾ معطوفة على سابقتها، وباقي الإعراب لا خفاء فيه، فهو مثل سابقه بلا فارق. ﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ الشرح: أي: وما من شيء يغيب في السماء، والأرض عن أعين الناس، ومشاهدتهم إلا هو مسجل، ومكتوب في اللوح المحفوظ، سمي الشيء الذي يغيب، ويخفى: غائبة، وخافية،

стр. 4367

والتاء فيهما كالتاء في العاقبة والعافية، ونظائرهما: الرمية، والنطيحة، والذبيحة في أنها أسماء غير صفات. ويجوز أن يكونا صفتين، وتاؤهما للمبالغة كالراوية، وإذا كان الله يعلم كل شيء في السموات، والأرض؛ فكيف يخفى عليه ما يسر هؤلاء، وما يعلنونه، فأما عذابهم، وعقابهم، فله أجل مضروب مسجل لا يتأخر عنه، ولا يتقدم، فلماذا يستعجلونه؟!. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿غائِبَةٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان ب ﴿غائِبَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿كِتابٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو. ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾ الشرح: إن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ يبين لليهود، والنصارى-الذين هم من أولاد يعقوب-الكثير مما اختلفوا فيه، وتخاصموا بشأنه، فإنهم اختلفوا في شأن عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كما رأيت في سورة (التوبة) و (المائدة) وغيرهما؛ حيث تحزبوا فيه أحزابا، ووقع التناكر بينهم في أشياء كثيرة، حتى لعن بعضهم بعضا، قال تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو أنصفوا، وأخذوا به وأسلموا؛ لنالوا خيري الدنيا، والآخرة، ولفازوا بالحسنيين. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿يَقُصُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الْقُرْآنَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَلى بَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَكْثَرَ:﴾ مفعول به، و ﴿أَكْثَرَ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون، في محل جرّ بالإضافة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يَخْتَلِفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ..﴾. إلخ مبتدأة أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.

стр. 4368

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ الشرح: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ:﴾ أمره بالتوكل عليه تعالى في جميع أموره، وكافة شؤونه، وعدم المبالاة بأعداء الله، وأعدائه، وانظر (التوكل) في الآية رقم [٢١٧] من سورة (الشعراء). ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ:﴾ هذا تعليل للتوكل بأنه على الحق الأبلج، وهو الدين الواضح، والصراط

стр. 4369

المستقيم؛ الذي لا شك، ولا ريب فيه. وفيه بيان: أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله وبنصرته؛ لأن للباطل جولة، ثم يضمحل. وقيل: للباطل جولة، وللحق ألف جولة، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾. هذا؛ والحق ضد الباطل، قال الراغب: أصل الحق المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة. والحق يقال لموجد الشيء بسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحقّ، للموجد بحسب مقتضى الحكمة حقّ؛ ولذلك يقال: فعل الله كلّه حقّ، نحو قولنا: الموت حقّ، والحساب حقّ... إلخ، وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حق، وللفعل والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حق، وفعلك حق، ويقال: أحققت ذا، أي: أثبتّه حقّا، أو: حكمت بكونه حقّا. انتهى. بغدادي. الإعراب: ﴿فَتَوَكَّلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، ومحققا، فتوكل... إلخ. (توكل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿عَلَى الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿الْمُبِينِ:﴾ صفة الحق، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ الشرح: لما كان الكفار، لا يفهمون ما يسمعون، ولا به ينتفعون؛ شبهوا بالموتى، وهم أحياء صحاح الحواس، وبالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون، وبالعمي حيث يضلون الطريق، ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم، ويجعلهم هداة بصراء إلا الله تعالى. ثم أكد حال الصم بقوله: ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ؛﴾ لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبرا؛ كان أبعد عن إدراك صوته. انتهى. نسفي. هذا؛ وأقول: إن الله قال عنهم في سورة (البقرة): ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ؛﴾ وهم لم يكونوا في الحقيقة كذلك، ولكن المعنى: هم صم عن سماع الحق، وهم خرس عن النطق بالحق، وهم عمي عن طريق الحق، فلا يهتدون، وهذا تكرر في القرآن الكريم، وآية الأعراف رقم [١٧٩] ذكرت أن لهم قلوبا، ولكن لا يفقهون بها، وأن لهم أعينا؛ ولكن لا يبصرون بها طريق الخير، والهدى، وأن لهم آذانا، ولكن لا يسمعون بها الحق سماع قبول، وتدبر. هذا؛ والموتى جمع: ميت ويجمع على أموات، وكلاهما جمع تكسير، ويجمع جمع سلامة أيضا: ميتون، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.

стр. 4370

الإعراب: ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿تُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: الدعاء، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) وما بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر قبلها. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿تُسْمِعُ﴾. ﴿وَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعل، والألف للتفريق. ﴿مُدْبِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، وهي حال مؤكدة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. هذا؛ والآية مذكورة برقم [٥٢] من سورة (الروم). ﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾ الشرح: ﴿وَما أَنْتَ:﴾ يا محمد. ﴿بِهادِي الْعُمْيِ:﴾ عمى البصيرة لا عمى البصر، والمعنى: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى، وأعمى قلبه عن الإيمان. ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا:﴾ لا تسمع سماع قبول، وتدبر إلا من يؤمن، ويصدق بالقرآن: أنه منزل من عند الله. ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ:﴾ مخلصون، من قوله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ أي: جعله سالما لله خالصا له، أي: لا رياء، ولا حب سمعة، ومحمدة. وانظر الآية رقم [٥٣] من سورة (الروم). الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِهادِي:﴾ الباء: حرف جر زائد. هادي: خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، وهو مضاف، و ﴿الْعُمْيِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (هادي)، وأجاز أبو البقاء تعليقهما ب: (العمي)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿تُسْمِعُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿تُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والمفعول الأول محذوف. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ لا محل لها. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ﴾

стр. 4371

﴿تُسْمِعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وجب عليهم العذاب، وقيل: إذا غضب الله عليهم. وقيل: إذا وجبت الحجة عليهم؛ وذلك: أنهم إذا لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر. وقيل: إذا لم يرج صلاحهم، وذلك في آخر الزمان قبل قيام الساعة. فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال قبل ستّ: طلوع الشمس من مغربها، والدّخان، والدجّال، والدّابّة، وخويصّة أحدكم، وأمّ العامريّة». رواه مسلم. انتهى. خازن ولدى مراجعة صحيح مسلم وجدت الحديث بسنده إلى أبي هريرة كما يلي: «بادروا بالأعمال ستّا: طلوع الشّمس من مغربها، والدّخان، والدّجّال، والدّابّة، وخاصّة أحدكم، وأمر العامّة». بروايتين: الأولى بأو، والثانية بالواو العاطفة. وفسرت «خويصّة أحدكم» و «خاصّة أحدكم» بالموت، وفسرت «أمّ العامريّة» و «أمر العامّة» بالفتنة التي تعم الناس، أو الأمر الذي يستبد به العوام، ويكون من قبلهم دون الخواص من تأمير الأمة. هذا؛ وفي القاموس المحيط: والخويصّة تصغير الخاصّة، ياؤها ساكنة؛ لأن ياء التصغير لا تتحرك، وفسرت الخاصة بشواغل النفس، وأمر العامة بيوم القيامة. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أوّل الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدّابّة على النّاس ضحى، وأيّتهما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على أثرها قريبا». أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «تخرج الدّابّة ومعها خاتم سليمان وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتّى إنّ أهل الخوان ليجتمعون، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وروى البغوي بإسناده عن الثعلبي وأوصله القرطبي إلى حذيفة بن اليمان-﵁ عن النبي ﷺ قال: «يكون للدّابّة ثلاث خرجات من الدّهر، فتخرج خروجا بأقصى اليمن، فيفشو ذكرها في البادية، لا يدخل ذكرها القرية-يعني: مكّة-ثم تمكث زمانا طويلا، ثمّ تخرج خرجة أخرى، قريبا من مكة، فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية-يعني: مكة-ثمّ بينا

стр. 4372

النّاس يوما في أعظم المساجد على الله حرمة، وأكرمها على الله-يعني الحرام-لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو، وتدنو كذا-وقال القرطبي: ترغو، وترغو-قال عمر: وما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك، فارفضّ الناس عنها، وتثبت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب، فمرت بهم، فجلت وجوههم، حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية، ثم ولت في الأرض، لا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب، حتى إن الرجل ليقوم، فيتعوّذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان الآن تصلي، فيقبل عليها بوجهه، فتسمه بوجهه، فيتجاور الناس في ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم، ويشركون في الأموال، يعرف المؤمن من الكافر، فيقال للمؤمن: يا مؤمن! ويقال للكافر: يا كافر!». وبإسناد الثعلبي عن حذيفة بن اليمان-﵁-ذكر رسول الله ﷺ الدابة، قلت: يا رسول الله: من أين تخرج؟ قال: «من أعظم المساجد حرمة على الله، فبينما عيسى يطوف بالبيت، ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض، وينشقّ الصّفا، مما يلي المسعى، وتخرج الدّابّة من الصّفا، أوّل ما يخرج منها رأسها، ملمّعة، ذات وبر وريش، لن يدركها الطالب، ولن يفوتها هارب، تسم الناس مؤمنا، وكافرا، فأما المؤمن؛ فتترك وجهه كأنه كوكب درّيّ، وتكتب بين عينيه: مؤمن، وأما الكافر؛ فتنكت بين عينيه: نكتة سوداء، وتكتب بين عينيه: كافر». وروي عن ابن عباس-﵄-أنه قرع الصفا بعصاه؛ وهو محرم، وقال: إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه. وعن ابن عمر-﵄-قال: تخرج الدابة ليلة جمع، والناس يسيرون إلى منى. وعن أبي هريرة-﵄-أن رسول الله ﷺ : قال: «بئس الشّعب شعب أجياد مرّتين، أو ثلاثا، قيل: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: تخرج منه الدابة، تصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين.» وروي عن ابن الزبير-﵄: أنه وصف الدابة، فقال: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرّ، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا. انتهى. خازن ببعض تصرف، وهذا كله في القرطبي وزاد: أن الدابة فصيل ناقة صالح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وصححه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ أي: بكلام عربي فصيح. قيل: تقول: هذا مؤمن، وهذا كافر. وقيل: تقول ما أخبر الله به ﴿أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أي: بخروجي؛ لأن خروجها من الآيات. وتقول: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ وقولها هذا حكاية لقول الله ، أو على معنى: بآيات ربنا، أو لاختصاصها بالله، وأثرتها عنده، وأنها من خواص خلقه أضافت آيات الله إلى نفسها، كما يقول

стр. 4373

بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا، وإنما هي خيل مولاه، وبلاده. انتهى. كشاف بتصرف. هذا؛ والدابة التي الكلام فيها يطلق عليها اسم: الجسّاسة، وتنوينها، وتنكيرها لإبهامها، وتفخيمها، لتسترعي الانتباه إليها، وتلفت الأنظار إلى ترقب خروجها، وهي من الأمور المغيبة التي نؤمن بها، ونعتقد بخروجها؛ لأن القرآن جاء بها، وأحاديث الرسول ﷺ نوّهت بشأنها. تنبيه: خروج الدابة من الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك من مبادئ وقوع الساعة، وقيامها كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة، وقد ثبت: أن للساعة علامات تتقدمها، وتدل عليها، وهي علامات صغرى، وعلامات كبرى، فالصغرى قد ظهر جميعها، كقبض العلم الشرعي، وتقارب الزمان، وفيض المال، وكثرة الزلازل، وكثرة القتل، وتطاول البدو في البنيان، وكثرة الفسوق، والفجور، وغير ذلك مما هو واقع، ومشاهد الآن. وأما العلامات الكبرى؛ فعشرة، وهي: الدجال، وظهور المهدي، ونزول عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، وخروج يأجوج ومأجوج، والخسوف الثلاثة الكبرى: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخروج النار، وطرد الناس إلى أرض المحشر، والدخان، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها؛ أغلقت أبواب الرحمة، ولم تقبل توبة. وهذا فحوى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾. (الأنعام) [١٥٨] انظر شرحها هناك. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿وَقَعَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، على المشهور المرجوح. ﴿أَخْرَجْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿دَابَّةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿دَابَّةً،﴾ وجملة: ﴿أَخْرَجْنا..﴾. إلخ جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿تُكَلِّمُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿دَابَّةً،﴾ والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿دَابَّةً،﴾ أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ﴾. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿النّاسَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع

стр. 4374

خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: تكلمهم بكونهم لا يوقنون. هذا؛ وأجيز اعتبار المصدر في محل نصب مفعول به ثان على تضمين ﴿تُكَلِّمُهُمْ:﴾ «تخبرهم» وهو جيد. هذا؛ ويقرأ بكسر همزة (إن). وفي الجملة الاسمية قولان: أحدهما: الاستئناف، والثاني: على تضمين ﴿تُكَلِّمُهُمْ:﴾ «تقول لهم» ولا بأس به أيضا. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)﴾ الشرح: أي: واذكر يوم نجمع من كل أمة من الأمم زمرة من الكافرين الذين كذبوا رسلهم، ولم يؤمنوا بآيات ربهم؛ التي أنزلها على تلك الرسل. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يدفعون، ويساقون إلى موضع الحساب، قال الشماخ: [الرجز] وكم وزعنا من خميس جحفل... وكم حبونا من بئيس مسحل وقال قتادة: ﴿يُوزَعُونَ﴾ أي: يردّ أولهم على آخرهم. وانظر الآية رقم [١٧]، وانظر شرح ﴿أُمَّةٍ﴾ في الآية رقم [٣٤] من سورة (الحج). هذا؛ وفوج: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، وجمعه: أفواج، وفؤوج، وجمع الجمع: أفاوج، وأفايج، وأفاويج. الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو. ﴿نَحْشُرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن». ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿فَوْجاً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا... إلخ، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فَوْجاً:﴾ مفعول به، ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿فَوْجاً﴾ على تعليق: ﴿مِنْ كُلِّ﴾ بالفعل قبلهما، و ﴿مِمَّنْ﴾ بدل من ﴿كُلِّ أُمَّةٍ﴾ على تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿فَوْجاً﴾ كما رأيت. وقول الزمخشري، وغيره: ﴿مِنْ﴾ الأولى للتبعيض، و (من) الثانية للتبيين، ولا يبين الإعراب الحقيقي فيهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿يُكَذِّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى من، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَحْشُرُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف تفريع وعطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُوزَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

стр. 4375

﴿حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ الشرح: ﴿حَتّى إِذا جاؤُ:﴾ يوم القيامة إلى المحشر. ﴿قالَ﴾ أي: الله تعالى لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ أي: لم تصدقوا بما أنزلت على رسلي من كتب، وتعاليم سماوية. ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً﴾ أي: ولم تعرفوها حق معرفتها. ﴿أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: أم أي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك، وهو للتبكيت؛ لأنهم لم يفعلوا غير التكذيب من الجهل، فلا يقدرون أن يقولوا: فعلنا غير ذلك، فكأنهم لم يخلقوا إلا للكفر، والمعصية، وإنما خلقوا للإيمان والطاعة، يخاطبون بهذا الكلام قبل كبهم في النار، ثم يكبون فيها، وذلك قوله: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش في مثل ذلك حرف جر، وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى الوجهين؛ فهي غاية، لما قبلها من كلام. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٨٢]. ﴿جاؤُ:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف؛ أي: جاؤوا إلى مكان الحساب، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المرجوح، وهو المشهور. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿أَكَذَّبْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (كذبتم): فعل، وفاعل. ﴿بِآياتِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُحِيطُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل مع الميم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عِلْماً:﴾ مفعول به. ﴿أَمّا ذا:﴾ (أم): حرف إضراب، وانتقال. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، وهو مفعول تعملون. هذا؛ ويجوز اعتبار (ماذا) كله في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في محل رفع خبره، كما يجوز اعتباره اسما مركبا في محل نصب مفعولا به مقدما ل: ﴿تَعْمَلُونَ،﴾ وسواء أكانت الجملة اسمية، أو فعلية، فهي مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول.

стр. 4376

﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ الشرح: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: حل بهم العذاب الموعود على ألسنة الرسل، عليهم الصلاة والسّلام، وهو كبهم في النار. ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ أي: بسبب التكذيب، وقد ظلموا أنفسهم به، حيث كان شؤمه عليهم. ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ أي: بحجة تدفع عنهم العذاب، وقيل: يختم على أفواههم، فلا ينطقون، وقد ذكرت لك فيما مضى مرارا: أن الكفار في مواطن يتكلمون، وفي مواطن لا يتكلمون يوم القيامة. هذا؛ والقول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ﴾. الثالث: الحركة، والإمالة، يقال: قالت النخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾. الخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول المعتزلة، وهذا قول الأشاعرة، أي: ما يعتقدونه. وانظر شرح الكلام في الآية رقم [١٠٩] من سورة (المؤمنون) أو [٣٥] من سورة (الروم). الإعراب: ﴿وَوَقَعَ:﴾ الواو: حرف عطف. (وقع): فعل ماض. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثل إعراب: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ: أي: ألم يعلموا علما يقينا لا شك فيه: أن الله قد جعل الليل للهدوء، والاستقرار بالنوم، والراحة. ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ أي: جعل النهار مبصرا؛ أي: جعلنا شمسه مضيئة للإبصار. فيكون المعنى مبصرا فيه بالضوء؛ لأن النهار لا يبصر، بل يبصر فيه، فهو من إسناد الحدث إلى زمانه، فهو مجاز عقلي، مثل: ليله قائم، ونهاره صائم. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: بتقلب الليل، والنهار، واختلافهما. ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لعلامات، ودلالات على قدرة الله تعالى، فيهتدوا بذلك إلى الإيمان بالحشر، والنشر، وبعثة الرسل؛ لأن تعاقب الظلمة، والنور على وجه مخصوص غير متعين بذاته، لا يكون إلا بقدرة قادر قاهر، وأن من قدر على إبدال الظلمة بالنور في مادة واحدة؛ قدر على إبدال الموت بالحياة في مواد

стр. 4377

الأبدان، وأن من جعل النهار؛ ليبصروا فيه سببا من أسباب معاشهم، لعله لا يخل بما هو مناط جميع مصالحهم في معاشهم، ومعادهم. انتهى. بيضاوي بتصرف. تنبيه: في الكلام حذف وتقدير؛ إذ التقدير: ألم يروا أنا جعلنا الليل مظلما؛ ليسكنوا فيه، وجعلنا النهار مبصرا؛ ليتحركوا فيه، ويسعوا إلى معايشهم. فحذف من أحدهما ما أثبته في الآخر، ويسمى هذا احتباكا في الكلام. هذا؛ ولا تنس: أن (جعل) هنا بمعنى: خلق، فلذا تعدى إلى مفعول واحد فقط. هذا؛ والليل واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر وتمرة، وقد جمع على ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، والليل الشرعي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر من غروبها إلى طلوعها. هذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع: كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين كسحاب، وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز] لولا الثّريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل، وثريد بالنّهر وفي القليل: أنهر، والنهار: من طلوع الشمس، أو من طلوع الفجر على ما تقدم في نهاية الليل إلى غروب الشمس. وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما رأيت في الآية رقم [١٣٥] من سورة (الشعراء). هذا؛ و (الليل) يطلق على الحبارى، أو على فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر] إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به، ﴿لِيَسْكُنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿جَعَلْنَا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدت مسد مفعول، أو مفعولي ﴿يَرَوْا،﴾ وجملة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (النهار): معطوف على الليل. ﴿مُبْصِراً:﴾ حال من النهار، أو هو مفعول ثان للفعل المقدر. تأمل. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي:﴾ حرف جر. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿فِي،﴾ والجار والمجرور

стр. 4378

متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ في محل جر صفة: قوم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧)﴾ الشرح: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ:﴾ الصور: كهيئة البوق، قاله مجاهد. ويدل على صحته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁-قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: ما الصّور؟ قال: «قرن ينفخ فيه». أخرجه أبو داود والترمذي، قال أبو هريرة-﵁، قال النبي ﷺ : «إنّ الله لمّا فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصّور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر بالنفخة». قلت: يا رسول الله! ما الصّور؟ قال: «قرن والله عظيم، والّذي بعثني بالحقّ إنّ عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض». وعن أبي سعيد الخدري-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم؟ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ». وكأنّ ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله؟! وكيف نقول؟ فقال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكّلنا، وربّما قال: توكّلنا على الله». أخرجه الترمذي. وينبغي أن تعلم: أن الذي ينفخ في الصور إنما هو إسرافيل ﵇، أحد الملائكة العشرة المقربين، وهو ينفخ نفختين، بينهما أربعون عاما على الصحيح، الأولى لإماتة جميع الخلق، والثانية لإحيائهم، وبعثهم للحساب والجزاء، خذ قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ بعد هذا أذكر أن الزمخشري-رحمه الله تعالى-قال: إن كل ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، مثل: نفق، ونفث، ونفش... إلخ. ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ:﴾ التعبير بالماضي لتحقق وقوعه، وثبوته، وأنه كائن لا محالة. هذا؛ وفي هذا الفزع قولان: أحدهما: أنه الإسراع، والإجابة إلى النداء من قولهم: فزعت إليك في كذا: إذا أسرعت إلى ندائك في معونتك، والقول الثاني: أنه الفزع المعهود من الخوف، والحزن؛ لأنهم أزعجوا من قبورهم، وخافوا. وهذا أشبه القولين، ولذا يقولون مرعوبين: ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟!﴾.

стр. 4379

﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ:﴾ روى أبو هريرة-﵁: أن النبي ﷺ ، سئل عن قوله تعالى ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾. قال: «هم الشهداء متقلّدون أسيافهم حول العرش». وقال ابن عباس ﵄: هم الشهداء؛ لأنهم أحياء عند ربهم، لا يصل إليهم الفزع. وقيل: يعني: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، فلا يبقى بعد النفخة الأولى إلا هؤلاء الأربعة. ويروى: أن الله تعالى يقول لملك الموت: خذ نفس إسرافيل، فيأخذ نفسه، ثم يقول: من بقي يا ملك الموت؟ فيقول: سبحانك ربي، تباركت، وتعاليت يا ذا الجلال، والإكرام، بقي وجهك الباقي الدائم، وبقي جبريل وميكائيل، وملك الموت. فيقول: خذ نفس ميكائيل، فيقع كالطود العظيم، فيقول: من بقي من خلقي؟ فيقول: سبحانك ربي، تباركت، وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام! بقي وجهك الدائم الباقي، وجبريل الميت الفاني. فيقول الله: يا جبريل لا بد من موتك، فيقع ساجدا يخفق بجناحيه. ويروى: أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش، فيقبض روح جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم أرواح حملة العرش، ثم روح ملك الموت، فإذا لم يبق أحد إلا الله ﵎ طوى السماء كطي السجل للكتاب، ثم يقول: أنا الجبار، لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيقول: لله الواحد القهار!. فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ينفخ في الصّور، فيصعق من في السّموات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله، ثمّ ينفخ فيه أخرى، فأكون أوّل من رفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان ممّن استثنى الله ، أم رفع رأسه قبلي، ومن قال: أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب». وقيل الذين استثنى الله هم: رضوان، والحور العين، ومالك، والزبانية. انتهى. خازن. وأقول: الله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿وَكُلٌّ﴾ أي: وكل المخلوقات الذين أحيوا بعد النفخة الثانية، وسواء الذين ماتوا بالنفخة الأولى، ومن مات من آلاف السنين. ﴿أَتَوْهُ:﴾ جاؤوا، ووقفوا بين يديه جلّت قدرته، وتعالت حكمته. وقرئ: «(أتاه)» بالإفراد حملا على لفظ كل، وقرئ: «(آتوه)» على أنه جمع اسم فاعل: (آت). ﴿داخِرِينَ:﴾ صاغرين ذليلين، وقرئ: «(دخرين)». الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): معطوف على (يوم نحشر) وقبله فعل مقدر مثله. ﴿يُنْفَخُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿فَفَزِعَ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (فزع): فعل ماض، ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿مَنْ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي

стр. 4380

في محل رفع مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول أيضا. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من: ﴿مَنْ﴾ الأولى؛ لأنها بمعنى الجمع، وهذه بمعنى البعض، لذا فقد صح الاستثناء. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: «شاءه الله». ﴿وَكُلٌّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كل): مبتدأ، والمضاف إليه محذوف. ﴿أَتَوْهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والهاء مفعول به، وعلى قراءة «(أتاه)» فهو فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (كلّ)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية على الوجهين في محل رفع خبر المبتدأ، وعلى قراءة: «(آتوه)» فهو خبر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَكُلٌّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿داخِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه... إلخ. ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ الشرح: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، أو لكل أحد. و ﴿الْجِبالَ﴾ مفرده: جبل، ويجمع على أجبل، وأجبال أيضا، ومعنى: ﴿جامِدَةً:﴾ ثابتة قائمة، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ:﴾ قال القتبي: وذلك: أن الجبال تجمع، وتسير، فهي في رؤية العين كالقائمة؛ وهي تسير، وكذلك كل شيء عظيم، وجمع كثير يقصر عنه النظر لكثرته وبعد أطرافه، وهو في حسبان الناظر كالواقف، وهو يسير قال النابغة في وصف جيش: [الطويل] بأرعن مثل الطّود تحسب أنّهم... وقوف لحاج والرّكاب تهملج هذا؛ ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال يوم القيامة بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه، فأول الصفات الاندكاك، وذلك قبل الزلزلة، ثم تصير كالعهن المنفوش، وذلك إذا صارت السماء كالمهل، وقد جمع الله بينهما في سورة (المعارج) فقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾ والحالة الثالثة: أن تصير كالهباء، وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن، قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾. والحالة الرابعة: أن تنسف؛ لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها، والأرض تحتها غير بارزة، فتنسف عنها لتبرز، قال تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ وقال جل ذكره في سورة (الكهف) الآية [٤٧]:
следующие страницы →