Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾
الشرح: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: حل بهم العذاب الموعود على ألسنة الرسل، عليهم الصلاة والسّلام، وهو كبهم في النار. ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ أي: بسبب التكذيب، وقد ظلموا أنفسهم به، حيث كان شؤمه عليهم. ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ أي: بحجة تدفع عنهم العذاب، وقيل: يختم على أفواههم، فلا ينطقون، وقد ذكرت لك فيما مضى مرارا: أن الكفار في مواطن يتكلمون، وفي مواطن لا يتكلمون يوم القيامة.
هذا؛ والقول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ﴾. الثالث: الحركة، والإمالة، يقال:
قالت النخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾.
الخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول المعتزلة، وهذا قول الأشاعرة، أي: ما يعتقدونه.
وانظر شرح الكلام في الآية رقم [١٠٩] من سورة (المؤمنون) أو [٣٥] من سورة (الروم).
الإعراب: ﴿وَوَقَعَ:﴾ الواو: حرف عطف. (وقع): فعل ماض. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثل إعراب: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ: أي: ألم يعلموا علما يقينا لا شك فيه: أن الله قد جعل الليل للهدوء، والاستقرار بالنوم، والراحة. ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ أي: جعل النهار مبصرا؛ أي: جعلنا شمسه مضيئة للإبصار. فيكون المعنى مبصرا فيه بالضوء؛ لأن النهار لا يبصر، بل يبصر فيه، فهو من إسناد الحدث إلى زمانه، فهو مجاز عقلي، مثل: ليله قائم، ونهاره صائم.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: بتقلب الليل، والنهار، واختلافهما. ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لعلامات، ودلالات على قدرة الله تعالى، فيهتدوا بذلك إلى الإيمان بالحشر، والنشر، وبعثة الرسل؛ لأن تعاقب الظلمة، والنور على وجه مخصوص غير متعين بذاته، لا يكون إلا بقدرة قادر قاهر، وأن من قدر على إبدال الظلمة بالنور في مادة واحدة؛ قدر على إبدال الموت بالحياة في مواد
стр. 4377
الأبدان، وأن من جعل النهار؛ ليبصروا فيه سببا من أسباب معاشهم، لعله لا يخل بما هو مناط جميع مصالحهم في معاشهم، ومعادهم. انتهى. بيضاوي بتصرف.
تنبيه: في الكلام حذف وتقدير؛ إذ التقدير: ألم يروا أنا جعلنا الليل مظلما؛ ليسكنوا فيه، وجعلنا النهار مبصرا؛ ليتحركوا فيه، ويسعوا إلى معايشهم. فحذف من أحدهما ما أثبته في الآخر، ويسمى هذا احتباكا في الكلام. هذا؛ ولا تنس: أن (جعل) هنا بمعنى: خلق، فلذا تعدى إلى مفعول واحد فقط.
هذا؛ والليل واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر وتمرة، وقد جمع على ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، والليل الشرعي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر من غروبها إلى طلوعها. هذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع: كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين كسحاب، وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز]
لولا الثّريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل، وثريد بالنّهر
وفي القليل: أنهر، والنهار: من طلوع الشمس، أو من طلوع الفجر على ما تقدم في نهاية الليل إلى غروب الشمس. وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما رأيت في الآية رقم [١٣٥] من سورة (الشعراء). هذا؛ و (الليل) يطلق على الحبارى، أو على فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]
إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اللَّيْلَ:﴾
مفعول به، ﴿لِيَسْكُنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿جَعَلْنَا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدت مسد مفعول، أو مفعولي ﴿يَرَوْا،﴾ وجملة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (النهار): معطوف على الليل. ﴿مُبْصِراً:﴾
حال من النهار، أو هو مفعول ثان للفعل المقدر. تأمل. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي:﴾
حرف جر. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿فِي،﴾ والجار والمجرور
стр. 4378
متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ في محل جر صفة: قوم، والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧)﴾
الشرح: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ:﴾ الصور: كهيئة البوق، قاله مجاهد. ويدل على صحته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁-قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: ما الصّور؟ قال: «قرن ينفخ فيه». أخرجه أبو داود والترمذي، قال أبو هريرة-﵁، قال النبي ﷺ : «إنّ الله لمّا فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصّور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر بالنفخة». قلت:
يا رسول الله! ما الصّور؟ قال: «قرن والله عظيم، والّذي بعثني بالحقّ إنّ عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض». وعن أبي سعيد الخدري-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم؟ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ».
وكأنّ ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله؟! وكيف نقول؟ فقال: «قولوا:
حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكّلنا، وربّما قال: توكّلنا على الله». أخرجه الترمذي.
وينبغي أن تعلم: أن الذي ينفخ في الصور إنما هو إسرافيل ﵇، أحد الملائكة العشرة المقربين، وهو ينفخ نفختين، بينهما أربعون عاما على الصحيح، الأولى لإماتة جميع الخلق، والثانية لإحيائهم، وبعثهم للحساب والجزاء، خذ قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ بعد هذا أذكر أن الزمخشري-رحمه الله تعالى-قال: إن كل ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، مثل: نفق، ونفث، ونفش... إلخ.
﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ:﴾ التعبير بالماضي لتحقق وقوعه، وثبوته، وأنه كائن لا محالة. هذا؛ وفي هذا الفزع قولان: أحدهما: أنه الإسراع، والإجابة إلى النداء من قولهم:
فزعت إليك في كذا: إذا أسرعت إلى ندائك في معونتك، والقول الثاني: أنه الفزع المعهود من الخوف، والحزن؛ لأنهم أزعجوا من قبورهم، وخافوا. وهذا أشبه القولين، ولذا يقولون مرعوبين: ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟!﴾.
стр. 4379
﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ:﴾ روى أبو هريرة-﵁: أن النبي ﷺ ، سئل عن قوله تعالى ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾. قال: «هم الشهداء متقلّدون أسيافهم حول العرش». وقال ابن عباس ﵄: هم الشهداء؛ لأنهم أحياء عند ربهم، لا يصل إليهم الفزع. وقيل: يعني:
جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، فلا يبقى بعد النفخة الأولى إلا هؤلاء الأربعة.
ويروى: أن الله تعالى يقول لملك الموت: خذ نفس إسرافيل، فيأخذ نفسه، ثم يقول: من بقي يا ملك الموت؟ فيقول: سبحانك ربي، تباركت، وتعاليت يا ذا الجلال، والإكرام، بقي وجهك الباقي الدائم، وبقي جبريل وميكائيل، وملك الموت. فيقول: خذ نفس ميكائيل، فيقع كالطود العظيم، فيقول: من بقي من خلقي؟ فيقول: سبحانك ربي، تباركت، وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام! بقي وجهك الدائم الباقي، وجبريل الميت الفاني. فيقول الله: يا جبريل لا بد من موتك، فيقع ساجدا يخفق بجناحيه.
ويروى: أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش، فيقبض روح جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم أرواح حملة العرش، ثم روح ملك الموت، فإذا لم يبق أحد إلا الله ﵎ طوى السماء كطي السجل للكتاب، ثم يقول: أنا الجبار، لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيقول: لله الواحد القهار!.
فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ينفخ في الصّور، فيصعق من في السّموات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله، ثمّ ينفخ فيه أخرى، فأكون أوّل من رفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان ممّن استثنى الله ، أم رفع رأسه قبلي، ومن قال: أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب». وقيل الذين استثنى الله هم: رضوان، والحور العين، ومالك، والزبانية. انتهى. خازن. وأقول: الله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿وَكُلٌّ﴾ أي: وكل المخلوقات الذين أحيوا بعد النفخة الثانية، وسواء الذين ماتوا بالنفخة الأولى، ومن مات من آلاف السنين. ﴿أَتَوْهُ:﴾ جاؤوا، ووقفوا بين يديه جلّت قدرته، وتعالت حكمته. وقرئ: «(أتاه)» بالإفراد حملا على لفظ كل، وقرئ: «(آتوه)» على أنه جمع اسم فاعل:
(آت). ﴿داخِرِينَ:﴾ صاغرين ذليلين، وقرئ: «(دخرين)».
الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): معطوف على (يوم نحشر) وقبله فعل مقدر مثله. ﴿يُنْفَخُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿فَفَزِعَ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب.
(فزع): فعل ماض، ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿مَنْ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي
стр. 4380
في محل رفع مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول أيضا. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من: ﴿مَنْ﴾ الأولى؛ لأنها بمعنى الجمع، وهذه بمعنى البعض، لذا فقد صح الاستثناء. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير:
«شاءه الله». ﴿وَكُلٌّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كل): مبتدأ، والمضاف إليه محذوف. ﴿أَتَوْهُ:﴾
فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والهاء مفعول به، وعلى قراءة «(أتاه)» فهو فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (كلّ)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية على الوجهين في محل رفع خبر المبتدأ، وعلى قراءة: «(آتوه)» فهو خبر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَكُلٌّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿داخِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه... إلخ.
﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾
الشرح: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، أو لكل أحد. و ﴿الْجِبالَ﴾ مفرده:
جبل، ويجمع على أجبل، وأجبال أيضا، ومعنى: ﴿جامِدَةً:﴾ ثابتة قائمة، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ:﴾ قال القتبي: وذلك: أن الجبال تجمع، وتسير، فهي في رؤية العين كالقائمة؛ وهي تسير، وكذلك كل شيء عظيم، وجمع كثير يقصر عنه النظر لكثرته وبعد أطرافه، وهو في حسبان الناظر كالواقف، وهو يسير قال النابغة في وصف جيش: [الطويل]
بأرعن مثل الطّود تحسب أنّهم... وقوف لحاج والرّكاب تهملج
هذا؛ ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال يوم القيامة بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه، فأول الصفات الاندكاك، وذلك قبل الزلزلة، ثم تصير كالعهن المنفوش، وذلك إذا صارت السماء كالمهل، وقد جمع الله بينهما في سورة (المعارج) فقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾ والحالة الثالثة: أن تصير كالهباء، وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن، قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾. والحالة الرابعة: أن تنسف؛ لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها، والأرض تحتها غير بارزة، فتنسف عنها لتبرز، قال تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ وقال جل ذكره في سورة (الكهف) الآية [٤٧]:
стр. 4381
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً..﴾. إلخ، والحالة الخامسة: أن الرياح ترفعها على وجه الأرض، فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار، فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجسادا جامدة، وهي في الحقيقة مارّة إلا أن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكة متفتتة. والحالة السادسة: أن تكون سرابا فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا منها كالسراب، قال تعالى في سورة (النبأ): ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً﴾ هذا؛ ونقل عن أبي السعود: أن ما ذكر مما يقع بعد النفخة الثانية. وهو غير مسلم له، وإنما هو بعد النفخة الأولى. هذا؛ وانظر شرح (السحاب) في الآية رقم [٤٠] من سورة (النور).
﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: أحكم خلقه وسواه على ما ينبغي. والمعنى: أن الله تعالى لما ذكر ما فعل، وما يفعل في المستقبل، وكل ذلك لا يقدر عليه غيره؛ جعل خلق ما ذكر من الأشياء التي أتقنها، وأحكمها، وأتى بها على وجه الحكمة، والصواب. ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ:﴾ عالم بظواهر الأمور، وبواطنها، فيجازيكم عليها، كما بينه في الآية التالية، ويقرأ الفعل بالياء.
قال الزمخشري رحمه الله تعالى: انظر إلى بلاغة هذا الكلام، وحسن نظمه، وترتيبه، ومكانة إضماده، ورصانة تفسيره، وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفرغ إفراغا واحدا، ولأمر ما أعجز القوى، وأخرس الشقاشق، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام جاء كالشاهد بصحته، والمنادي على سداده، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ و ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ و ﴿وَعَدَ اللهُ﴾ و ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ بعد ما وسمها بإضافتها إليه بسمة التعظيم، كيف تلاها بقوله: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ و ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ و ﴿لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ و ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾. انتهى. هذا؛ وفي الآية طباق عجيب بين الجمود والحركة السريعة، فجعل ما يبدو لعين الناظر كالجبل في جموده ورسوخه، ولكنه سريع يمر مرا حثيثا، كما يمر السحاب.
الإعراب: ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف عطف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْجِبالَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ فهي في محل جر مثلها. ﴿تَحْسَبُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿جامِدَةً:﴾
مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الجبال، والرابط: الضمير فقط.
﴿وَهِيَ:﴾ الواو: واو الحال. (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿تَمُرُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الجبال، تقديره: «هي». ﴿تَمُرُّ:﴾ مفعول مطلق، وهو مضاف، و ﴿السَّحابِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية: ﴿تَمُرُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب أيضا، والرابط: الواو، والضمير، وتعددت الحال مختلفة بالإفراد والجملة.
﴿صُنْعَ:﴾ مفعول مطلق مؤكد لنفسه، وهو مضمون الجملة المتقدمة، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ﴾.
стр. 4382
وقال أبو البقاء: عمل فيه ما دل عليه ﴿تَمُرُّ؛﴾ لأن ذلك من صنعه سبحانه. ويجوز نصبه على الإغراء؛ أي: انظروا صنع الله. ويجوز رفعه على الخبر، التقدير: ذلك صنع. ولم أر من قرأ به.
و ﴿صُنْعَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه. ﴿أَتْقَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: خبير بالذي، أو: بشيء تفعلونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بفعلكم، أو بفعلهم، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها من الإعراب.
﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾
الشرح: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ:﴾ لقد اختلف في هذه الحسنة، فقيل: هي كلمة (لا إله إلا الله)، وقيل: هي الإخلاص، والتوحيد، وقيل: هي الطاعات جميعها على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. وهو أولى. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها:﴾ قيل: المعنى يصل إليه خير بسببها، بمعنى: أنه له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب، والأمن من العذاب، أما أن يكون له شيء خير من الإيمان فلا؛ لأنه لا شيء خير من: لا إله إلا الله. وقيل: هو جزاء الأعمال، والطاعات الثواب والجنة، وجزاء الإيمان والإخلاص رضوان الله، والنظر إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ وقيل: الخيرية ثبتت باستبدال الخسيس بالشريف، والباقي بالفاني، وسبعمئة بواحدة، وهي مضاعفة الثواب التي نص الله عليها في غير ما آية.
﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ أي: من فزع مفرط الشدة، وهو خوف النار، وغضب الجبار، فالمؤمنون المخلصون آمنون منه. وأما الفزع المذكور في الآية السابقة؛ فهو ما يلحق كل إنسان من التهيب لما يرى من الأهوال، والعظائم، وهذا يعم المؤمن، والكافر، والصالح، والطالح، فلا ينفك منه أحد، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح:
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في الآية رقم [٢٢] من سورة (الفرقان).
الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: «هو».
﴿بِالْحَسَنَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل
стр. 4383
المستتر؛ أي: جاء ملتبسا بالحسنة. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿خَيْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وقيل: هما في محل نصب مفعول به ل: ﴿خَيْرٌ﴾. وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين.
هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولا، فهو في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿جاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ صلته، وجملة: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ في محل رفع خبره، واقترنت بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ جاءَ..﴾. إلخ على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ فَزَعٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿آمِنُونَ﴾ بعدهما، ويقرأ بتنوين:
﴿فَزَعٍ،﴾ وبدونه، فعلى التنوين ف: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿آمِنُونَ﴾ بعده، وعلى عدم التنوين، فيكون (يوم) في محل جر بإضافة (فزع) إليه، و (إذ) مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿آمِنُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية:
﴿وَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي: بالشرك على أرجح الأقوال. ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ:﴾
عبر بالوجه عن جميع البدن، كأنه قال: كبوا، وطرحوا في النار جميعهم. وهذا كقوله تعالى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فعبر بالأيدي عن جميع البدن، وانظر شرح (كب وأكب) في الآية رقم [٩٤] من سورة (الشعراء). ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: تقول لهم الملائكة:
لا تجزون إلا جزاء عملكم السّيّئ في الدنيا، ويجوز أن يكون من كلام الله لهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر شرح الحسنة والسيئة برقم [٨٤] من سورة (القصص).
الإعراب: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ﴾ هو مثل الآية السابقة بلا فارق، وأضيف: أن هذه الآية ترجح اعتبار الموصولية على الشرطية في: (من)؛ لأن جملة: ﴿فَكُبَّتْ﴾ تصلح؛ لأن تكون جوابا للشرط، فلو تمحضت للشرطية؛ لما احتيج إلى اقترانها بالفاء؛ لأنها ليست من الجمل التي يجب اقترانها بالفاء، وهو المنظومة في قول بعضهم: [الكامل]
اسميّة طلبيّة وبجامد... وبما ولن وقد وبالتّنفيس
(كبت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿وُجُوهُهُمْ:﴾ نائب فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي النّارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل
стр. 4384
قبلهما. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، وهي في الأصل مضاف إليه، والمضاف محذوف.
﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون. والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلا مثل الذي، أو مثل شيء كنتم تعملونه، وجملة: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ..﴾.
إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر الشرح، وجملة القول، ومقوله مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من وجوههم، التقدير: فكبت وجوههم مقولا لهم.
﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾
الشرح: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ:﴾ أمر الله نبيه ﷺ أن يقول لهم ذلك، بعد ما بين أحوال المبدأ والمعاد، وشرح أحوال القيامة، إشعارا بأنه قد أتم الدعوة، وقد كملت، وما عليه بعد ذلك إلا الاشتغال بشأنه، والاستغراق في عبادة ربه. والمعنى: قل: إنما أمرت أن أخص بعبادتي، وتوحيدي الله الذي هو رب هذه البلدة، وهي مكة المكرمة. وإنما خصها بالذكر من بين سائر البلاد؛ لأنها مضافة إليه، وأحب البلاد، وأكرمها عليه. وأشار إليها إشارة تعظيم؛ لأنها موطن نبيه، ومهبط وحيه.
﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ أي: جعلها حرما آمنا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد صيدها، ولا يختلى خلاها، ولا يدخلها إلا محرم، وإنما ذكر: أنه هو الذي حرمها؛ لأن العرب كانوا معترفين بفضيلة مكة، وأن تحريمها من الله، لا من الأصنام. هذا؛ وقرئ: «(التي حرمها)».
﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ أي: مالك الدنيا، والآخرة خلقا، وعبيدا، فليس له شريك في ذلك أبدا. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: المنقادين له، والثابتين على ملة الإسلام. هذا؛ و «أمر» من الأفعال التي تنصب مفعولين، الثاني منهما مجرور بحرف جر في الغالب، وجاء منصوبا في الشعر كقول عمرو بن معدي كرب الزبيدي: [البسيط]
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
ومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدق، وزوج، وكال، ووزن، قال الشاعر: [البسيط]
أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والقبل
стр. 4385
الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿أُمِرْتُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهي المفعول الأول، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ﴾ في محل نصب مفعول به ثان للفعل «أمر»، أو هو منصوب بنزع الخافض، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أمرت بعبادة رب... إلخ، هذه الاعتبارات تجوز في الأفعال التي ذكرتها لك في الشرح، وهي منقولة عن سيبويه وغيره من العلماء، وقد ورد الجر بقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ رقم [١٢] من سورة (الزمر)، وفيها أقوال، وأوجه، سأذكرها في محلها إن شاء الله تعالى، و ﴿رَبَّ﴾ مضاف، واسم الإشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْبَلْدَةِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿رَبَّ،﴾ وعلى قراءة:
«(التي)» فهو في محل جر صفة: ﴿الْبَلْدَةِ﴾. ﴿حَرَّمَها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ أو إلى ﴿رَبَّ،﴾ و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول على القراءتين، وجملة: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، لقول محذوف؛ إذ التقدير: قل لأهل مكة: إنما أمرت... إلخ، والقول، ومقوله كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: واو الحال. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿كُلُّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿حَرَّمَها﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَأُمِرْتُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أمرت): مثل سابقه في إعرابه.
﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿أَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص، منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنا». ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَكُونَ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ أَكُونَ..﴾. إلخ يقال فيه ما قيل بالمصدر المؤول من ﴿أَنْ أَعْبُدَ..﴾. إلخ.
﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾
الشرح: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ أي: أواظب على قراءته، لتنكشف لي حقائقه الرائعة المخزونة في تضاعيفه شيئا فشيئا، أو على تلاوته على الناس بطريق تكرير الدعوة، وتثنية الإرشاد، فيكون ذلك تنبيها على كفايته في الهداية، والإرشاد من غير حاجة إلى إظهار معجزة أخرى.
﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: فمن اهتدى بالإيمان به، والعمل بما فيه من الشرائع والأحكام؛ فنفع اهتدائه عائد إليه، لا إليّ. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي: عن طريق الإيمان، وأخطأ طريق الهدى؛ ﴿فَقُلْ إِنَّما..﴾. إلخ: أي: فلا يضرني، وليس علي من وبال ضلاله شيء؛ إذا ما على الرسول إلا البلاغ، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾. هذا؛ وقرئ: «(واتل عليهم)» و «(وأن أتل)».
стр. 4386
الإعراب: ﴿وَأَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مصدري ونصب. ﴿أَتْلُوَا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن»، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والمصدر المؤول معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به. هذا؛ وعلى قراءة «(اتل)» فهو فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، الفاعل تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقول ومقوله في محل نصب حال من تاء الفاعل، وعلى قراءة «(أن أتل)» فتؤول أن مع فعل الأمر بمصدر معطوف على ما قبله. ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف.
(من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِهْتَدى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) ومتعلقه محذوف. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة، ومكفوفة ﴿يَهْتَدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا.
﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿فَإِنَّما..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٨٩]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، وجملة: ﴿اِهْتَدى﴾ صلة الموصول، وجملة: ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ في محل رفع خبره، واقترنت بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنِ اهْتَدى..﴾. إلخ لا محل لها على الاعتبارين؛ لأنها مفرعة عما قبلها، ومستأنفة. ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه بلا فارق. (إنما): كافة، ومكفوفة. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾
الشرح: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، أمره ربه أن يحمده على نعمة النبوة، أو على ما علّمه، ووفقه للعمل به. ﴿سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ أي: آياته الباهرة، ودلائله القاهرة، فتعرفون:
أنها آيات الله. قيل: هي يوم بدر، وهو ما أراهم فيه من القتل، والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم. وقيل: آياته في السموات، والأرض، وفي أنفسكم، وهو المعتمد، لقوله تعالى في الآية [٣٥] من سورة (فصلت): ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وقال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾. وقيل: المراد بالآيات علامات الساعة التي ذكرتها في الآية رقم [٨٢] وليس بشيء، ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ..﴾. إلخ: فيه تهديد، ووعيد لا يخفيان؛ إذ المعنى: فلا تحسبوا: أن تأخير العذاب لغفلة الله عنكم؛ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء، وهذا على الالتفات.
стр. 4387
الإعراب: ﴿وَقُلِ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».
﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ.
﴿سَيُرِيكُمْ:﴾ السين: حرف استقبال، وهي تفيد تحقيق الوعد بحقه جل ذكره. (يريكم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى الله، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وينبغي أن تعلم: أن الفعل: (يري) من رأى البصرية، فلما دخلت عليه الهمزة عدته إلى المفعول الثاني.
﴿فَتَعْرِفُونَها:﴾ الفاء: حرف عطف (تعرفونها): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون
إلخ، والواو فاعله، و (ها): مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلِ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة، فهي في محل جزم مثلها.
﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿رَبُّكَ:﴾ اسم (ما)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وأجاز بعضهم اعتبار: (ما) مهملة تميمية، والباء زائدة في خبر المبتدأ. والمعتمد الأول؛ لأن الخبر بعد «ما» لم يجيء في التنزيل مجردا من الباء؛ إلا وهو منصوب نحو قوله تعالى: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ ﴿ما هذا بَشَراً﴾.
﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان: ب: (غافل)، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بغافل عن الذي، أو: عن شيء تعملونه. وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، والجار والمجرور متعلقان: ب: (غافل)، التقدير: وما ربك بغافل عن عملكم، أو عن عملهم، والجملة الاسمية: ﴿وَما رَبُّكَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (قل) المستتر، أو من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير على الاعتبارين، أو هي مستأنفة، لا محل لها.
انتهت سورة النمل، بحمد الله وتوفيقه، شرحا وإعرابا.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 4388
سورة القصص
سورة القصص، وهي مكية كلها في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء. وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آية نزلت بين مكة والمدينة. وقال ابن سلام: بالجحفة في وقت هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة، وهي قوله : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾. وقال مقاتل: فيها آية من المدني: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ إلى قوله: ﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾. وهي ثمان وثمانون آية، وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وخمسة آلاف وثمانمائة حرف. انتهى. قرطبي، وخازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾
الشرح: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾ أي: نقرأ عليك بواسطة جبريل؛ لأنه هو الذي ينزل عليك بكلامنا، ووحينا. ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ﴾ أي: من خبرهما، فقد ذكر الله في هذه السورة قصة موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-وفرعون، وقارون، واحتج على مشركي قريش، وبيّن: أن قرابة قارون من موسى لم تنفعه مع كفره، وكذلك قرابة قريش لمحمد ﷺ .
وبيّن: أن فرعون علا في الأرض، وتجبر، فكان ذلك من كفره، فليجتنب العلو في الأرض، وكذلك التعزز بكثرة المال، وهما من سيرة فرعون وقارون، وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالتذكير، وقص قصص الأنبياء.
هذا؛ و (النبأ): الخبر وزنا، ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأنباء. وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرّى عن الكذب كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ . هذا؛ والفعل منه من الأفعال التي
стр. 4389
تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل منه غير مضمن معنى: أعلم، فيتعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
الإعراب: ﴿نَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ نَبَإِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به؛ لأن ﴿مِنْ﴾ بمعنى بعض، والأخفش يعتبر ﴿مِنْ﴾ زائدة، و ﴿نَبَإِ﴾ مفعولا به، وقيل: المفعول محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة له، التقدير: نتلو عليك شيئا كائنا من نبأ موسى. و ﴿نَبَإِ﴾ مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. (فرعون): معطوف على ﴿مُوسى﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿نَتْلُوا﴾ المستتر؛ أي: محقين، أو من: ﴿نَبَإِ مُوسى﴾ أي: ملتبسا بالحق. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿نَتْلُوا،﴾ وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة: (قوم)، وجملة:
﴿نَتْلُوا..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: استكبر وطغى وتجبر، وادعى الربوبية.
و ﴿الْأَرْضِ﴾ أرض مصر. ﴿وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً﴾ أي: فرقا؛ يشيعونه فيما يريد، أو يشيع بعضهم بعضا في طاعته، أو أصنافا في استخدامه، استعمل كل صنف في عمل، أو أحزابا بأن أغرى بينهم العداوة كيلا يتفقوا عليه. ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ:﴾ يستذلها، ويستعبدها، والمراد: بنو إسرائيل. ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ:﴾ سمي هذا استضعافا؛ لأنهم عجزوا، وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، فكان يذبح الصبيان الذكور، ويترك البنات أحياء، وسبب ذلك: أن فرعون رأى في منامه رؤيا أفزعته، فعبرها له الكهنة بأن مولودا يولد في بني إسرائيل، يكون ذهاب ملك فرعون على يديه.
قال الزمخشري: وفيه دليل على ثخانة حمق فرعون فإنّه إن صدق الكاهن؛ لم يدفع القتل الكائن. وإن كذب، فما وجه القتل. أقول: لذا كان قول سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق ﷺ لعمر بن الخطاب-﵁-في ابن صياد: «إن يكنه فلن تسلّط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله». هو عين الحكمة، والحق والصواب. ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي:
بقتل الأولاد، وتسخير الكبار، وادعائه الربوبية. وقيل: إنه ذبح سبعين غلاما من بني إسرائيل.
стр. 4390
هذا؛ و (الطائفة): الجماعة من الناس، لا واحد لها من لفظها، مثل: فريق، ورهط، وجماعة، وجمعها: طوائف، وقد يطلق لفظ طائفة على الواحد، وعلى الاثنين، مثل قوله تعالى في سورة (التوبة): ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً؛﴾ لأن مجموع الطائفتين كانوا ثلاثة، كما رأيت في تفسير الآية هناك.
أما (شيع) فهو جمع شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر، فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشيع، ومعنى الشيعة: الجماعة الذين يتبع بعضهم بعضا، وقيل: الشيعة: هم الذين يتقوى بهم الإنسان. وفي القاموس المحيط: وشيعة الرجل بالكسر: أتباعه، وأنصاره، والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث. وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علي بن أبي طالب، وأهل بيته-﵃ أجمعين-حتى صار اسما لهم خاصة، قال الكميت: [الطويل]
وما لي إلاّ آل أحمد شيعة... وما لي إلاّ مذهب الحقّ مذهب
هذا؛ والمشايعة: المناصرة، والمعاونة، أخذت من الشياع وهو دقاق الحطب؛ لمعاونته النار على الإيقاد في الحطب الجزل، قال عنترة: [الكامل]
ذلل ركابي حيث شئت مشايعي... قلبي وأحفزه بأمر مبرم
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَلا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ تقديره: «هو». ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. وقيل: تفسير ل: ﴿نَبَإِ مُوسى﴾. ﴿وَجَعَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى:
﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿أَهْلَها:﴾ مفعول به أول، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿شِيَعاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿يَسْتَضْعِفُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿طائِفَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿طائِفَةً﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: (جعل)، والرابط:
الضمير فقط، أو في محل نصب صفة: ﴿شِيَعاً،﴾ أو مستأنفة، والأول أقوى، وجملة: ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ﴾ بدل منها بدل اشتمال على جميع الوجوه المعتبرة فيها. «(يستحيي)»: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنَ﴾ أيضا.
﴿نِساءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي بدل مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها.
﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿مِنَ الْمُفْسِدِينَ:﴾ جار ومجرور
стр. 4391
متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لأفعاله المذكورة، لا محل لها.
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥)﴾
الشرح: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ..﴾. إلخ: أي: نريد أن نتفضل على بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون، واستذلهم. والتعبير بالمضارع حكاية حال مضت، كما هو الواقع، فإن التقدير: وأردنا أن نمن، وقل مثله إلى آخر الآية التالية. هذا؛ والإرادة: نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه. ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته ، فقيل: إرادته لأفعاله: أنه غير ساه، ولا مكره.. ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته.
وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح. وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر. هذا؛ ولم يرد لفعل الإرادة، ولا لفعل المشيئة أمر فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وقد كثر حذف مفعول هذين الفعلين؛ حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل]
فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو»، وليس كذلك.
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: رؤساء يقتدى بهم في الخيرات، وأعمال الطاعات. وقيل: نجعلهم ملوكا. وهو غير مسلم. هذا؛ و ﴿أَئِمَّةً﴾ جمع: إمام، سمي بذلك؛ لأنه يؤتم به في الأفعال، فهنيئا لمن كان إماما في الخير، وويل لمن كان إماما في الشر. هذا؛ والفعل (نجعل) بمعنى:
نصير، فلذا تعدى إلى مفعولين، فإن كان بمعنى: خلق تعدى إلى مفعول واحد، نحو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ أي: وخلق الظلمات، والنور، وخلق إذا كان بمعنى: صير؛ تعدى إلى مفعولين، نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ وإن كان بمعنى: اخترع، وأحدث؛ تعدّى إلى مفعول واحد، وهو كثير. هذا؛ والفرق بين: خلق وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إحداث الظلمات، والنور بالجعل، فقال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما، كما زعمت المجوس، بخلاف الخلق، فإن فيه معنى الإيجاد، والإنشاء، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إيجاد السموات والأرض بالخلق.
стр. 4392
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ أي: لملك فرعون، يرثون ملكه، ويسكنون مساكن القبط، كما قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾. قال ابن عباس-﵄: إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر؛ استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، فسلط الله عليهم القبط، وساموهم سوء العذاب إلى أن أنجاهم الله على يد موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-.
الإعراب: ﴿وَنُرِيدُ:﴾ الواو: حرف عطف. (نريد): فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره:
«نحن»، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَمُنَّ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اُسْتُضْعِفُوا:﴾ فعل ماض، مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف، وجملة: ﴿وَنُرِيدُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، وقيل: هي في محل نصب حال من فاعل يستضعف، ولا وجه له قطعا؛ لأن الجملة المضارعية الواقعة حالا لا تقترن بالواو إلا بتقدير: ونحن نريد... إلخ. (نجعلهم): معطوف على: ﴿نَمُنَّ﴾ منصوب مثله، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿الْوارِثِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾
الشرح: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ أرض مصر، والشام، وأصل التمكين أن تجعل للشيء مكانا يتمكن فيه، ثم استعير للتسليط، وإطلاق الأمر. ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما،﴾ وقرئ «(يرى فرعون...)» إلخ برفع هذه الأسماء. ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من بني إسرائيل. ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ أي:
يخافون من هلاكهم، وذهاب ملكهم على يد مولود منهم، والحذر والتحرز من الشر، ولا يغني حذر من قدر. هذا؛ وهامان كان وزيرا لفرعون، وهو معين له على ضلاله، وكفره، وادعائه الربوبية.
تنبيه: قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في مغنيه: إنهم يعبرون عن الماضي، والآتي، كما يعبرون عن الشيء الحاضر قصدا لإحضاره في الذهن، حتى كأنه مشاهد حالة الإخبار، ومنه:
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿وَنُمَكِّنَ:﴾ معطوف على: ﴿أَنْ نَمُنَّ،﴾ والفاعل المستتر تقديره: «نحن». ﴿لَهُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ جاران، ومجروران متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقان بمحذوف
стр. 4393
حال، وليس بشيء. ﴿وَنُرِيَ:﴾ معطوف على ما قبله، والفاعل: «نحن». ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه. وعلى قراءة: (يرى) فهو فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. (فرعون): فاعله بالرفع، والجملة الفعلية على هذه القراءة فيها معنى التعليل؛ إذ التقدير: وليرى فرعون... إلخ، ﴿وَجُنُودَهُما:﴾ اسم معطوف، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (نري) على القراءتين. ﴿جُنُودَهُما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان على القراءة الأولى، أو مفعول واحد على القراءة الثانية، وكلاهما بصريان، لكن الأول رباعي فتعدى بالهمزة إلى مفعولين، والثاني ثلاثي يكتفي بمفعول واحد.
﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، و (كان) واسمها وخبرها صلة ﴿جُنُودَهُما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو: شيئا كانوا يحذرونه.
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾
الشرح: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى:﴾ اختلف في هذا الوحي، فقيل: وحي إلهام، وقيل: كان في المنام، وقيل: كان جبريل يكلمها. وأجمع الجميع على أنها لم تكن نبية. هذا؛ وانظر الوحي في الآية رقم [٥٢] من سورة (الشعراء).
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ:﴾ قيل: أرضعته ثمانية أشهر، وقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة، وكانت ترضعه، وهو لا يبكي، ولا يتحرك في حجرها. ﴿فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ أي: الذبح. ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ أي: في البحر، والمراد به: نيل مصر، فأطلق عليه اسم اليم لعظمه. ﴿وَلا تَخافِي﴾ أي: عليه من الغرق، وقيل: الضياع. ﴿وَلا تَحْزَنِي﴾ أي: على فراقه. ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ:﴾ عن قريب بحيث تأمنين عليه، ونرده إليك بوجه لطيف لتربيه. ﴿وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من الأنبياء المرسلين مثل أجداده: يعقوب، وإسحاق، وإبراهيم. هذا؛ والفرق بين الخوف، والحزن: أن الخوف غم يلحق الإنسان لشر متوقع. والحزن: غم يلحق الإنسان لشر واقع، والمراد هنا فراق ولدها، والأخطار المحيطة به، فنهيت عنهما، وبشرت برده، وجعله من المرسلين. حكي أن الأصمعي رحمه الله تعالى قال: سمعت جارية أعرابية تنشد، وتقول: [الرجز]
أستغفر الله لذنبي كلّه... قبّلت إنسانا بغير حلّه
مثل الغزال ناعما في دلّه... فانتصف اللّيل ولم أصلّه
стр. 4394
فقلت: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: أو تعد هذا فصاحة مع قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ..﴾. إلخ، فجمع في آية واحدة بين أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين. هذا؛ والفعل ﴿تَحْزَنِي﴾ في هذه الآية من باب: فرح، وطرب، فهو لازم، ويأتي من باب: دخل، وقتل، فيكون متعديا، كما يكون متعديا إذا أتى من الرباعي.
قال ابن عباس-﵄: إن أم موسى لما تقاربت ولادتها، كانت قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، وقالت لها: قد نزل بي ما نزل فلينفعني حبك إياي، فعالجت قبالها، فلما أن وقع موسى بالأرض هالها نور عيني موسى، فارتعش كل مفصل فيها، ودخل حب موسى قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت حين دعوتني إلا مرادي قتل ولدك، ولكن وجدت لابنك حبا، ما وجدت حب شيء مثل حبه، فاحفظي ابنك، فإني أراه عدونا. فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون، فجاءوا إلى بابها ليدخلوا، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب.
فلفته بخرقة وألقته في التنور، وهو مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، فلمّا دخلوا؛ فتشوا فلم يجدوا شيئا ورأوا: أنّ التنور مسجور، ورأوا أن أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن في ثديها، فقالوا: ما أدخل القابلة؟ قالت: هي مصافية لي، فدخلت عليّ زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأخته: أين الصبي؟ فقالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي في التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما، فاحتملته.
ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الصبيان؛ خافت على ابنها، فقذف الله في قلبها أن تتخذ تابوتا له، ثم تقذف التابوت في النيل، فانطلقت إلى نجار من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ فقالت: ابن لي أخبئه في هذا التابوت، وكرهت الكذب، ولم تقل: أخشى عليه كيد فرعون، فلما اشترت التابوت وحملته، وانطلقت به، انطلق النجار إلى الذباحين؛ ليخبرهم بأمر أم موسى، فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه، فلم يطق الكلام، وجعل يشير بيديه، فلم تدر الأمناء ما يقول، فلما أعياهم أمره، قال كبيرهم: اضربوه! فضربوه، وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه؛ رد الله عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء. فأتاهم؛ ليخبرهم، فأخذ الله لسانه، وبصره، فلم يطق الكلام، ولم يبصر شيئا، فضربوه، وأخرجوه، وبقي حيران، فجعل لله عليه: إن رد عليه لسانه، وبصره ألاّ يدل عليه، وأن يكون معه فيحفظه حيثما كان. فعرف الله صدقه، فرد الله عليه لسانه، وبصره، فخر لله ساجدا، فقال: يا رب دلني على هذا العبد الصالح، فدله عليه فآمن به، وصدقه. انتهى. بحروفه من الخازن، وفي الكشاف قريب منه. أقول: وهذا النجار هو مؤمن آل فرعون الذي سيأتي ذكره في سورة (غافر) -إن شاء الله تعالى-بقوله جل شأنه: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ.
стр. 4395
هذا؛ وقد اختلف في اسم أم موسى، فقيل: اسمها: يوحنانذ، وقيل: اسمها: لوخا بنت هاند، بن لاوي بن يعقوب، وقيل: اسمها أيارخا. وقيل: أيارخت. وقيل: بوخابذ. وقيل:
يوخابيل. وقيل: غير ذلك، والمشهور: أنه حنّة، والله أعلم، أما زوجها فهو: عمران، -ويقال بالعبري: عمرام-ابن قاهت بن لاوي، بن يعقوب فهو ابن عمها. وينبغي أن تعلم أن عمران أبا موسى غير عمران أبي مريم أم عيسى؛ لأن بين العمرانين ألفا وثمانمائة سنة. وانظر الآية رقم [١٩] الآتية.
الإعراب: ﴿وَأَوْحَيْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أوحينا): فعل ماض، وفاعله. ﴿إِلى أُمِّ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿أُمِّ﴾ مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسره مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير. وقيل: حرف مصدري، ونصب، وهو ضعيف؛ لأنها مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه. ﴿أَرْضِعِيهِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، والهاء في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة ل: (أوحينا) على المعتمد عندي، وجملة: ﴿وَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ؛ لأنها معها من جملة تفسير النبأ. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريغ. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿خِفْتِ:﴾
فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَأَلْقِيهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ألقيه): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب (إذا). ﴿فِي الْيَمِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَخافِي:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَلا تَحْزَنِي﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا) ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿رَادُّوهُ:﴾ خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَيْكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿رَادُّوهُ﴾. ﴿وَجاعِلُوهُ:﴾ معطوف على: ﴿رَادُّوهُ،﴾ وهو مثله في إعرابه. ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿(جاعِلُوهُ)﴾ معطوف على: ﴿رَادُّوهُ﴾ وهو مثله في إعرابه. ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾
جار ومجرور متعلقان ب: (جاعلوه) وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا رَادُّوهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها.
стр. 4396
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄-وغيره: كان لفرعون يومئذ بنت، ولم يكن له غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إليه، وكان بها برص شديد، وكان فرعون قد جمع لها الأطباء، والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا: أيها الملك، لا تبرأ البنت من برصها إلا من قبل البحر، يوجد فيه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه، فيلطخ به برصها، فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا ساعة كذا حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس له على شفير النيل، ومعه امرأته آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهن، وتنضح الماء على وجوههن؛ إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إن هذا لشيء في البحر قد تعلق بالشجر؛ ائتوني به.
فابتدروه بالسفن من كل ناحية حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقتدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فدنت آسية، فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها، فعالجته، ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في التابوت، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله رزقه في إبهامه، يمص منه لبنا، فألقى الله محبته في قلب آسية، وأحبه فرعون، وأقبل عليه، وأقبلت عليه بنت فرعون، فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت إلى ما يسيل من أشداقه من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت، ثم قبلته، وضمته إلى صدرها.
فقالت الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنا نظن أن هذا المولود هو الذي نحذر منه من بني إسرائيل رمي به في النيل فزعا منك، فهم فرعون بقتله، فقالت آسية: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ أي: فنصيب منه خيرا، نتخذه ولدا، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، قال رسول الله ﷺ : «لو قال يومئذ قرّة عين لي، كما هو لك؛ لهداه الله كما هداها الله». فقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موسى؛ لأنا وجدناه في الماء والشجر؛ لأن (مو) هو الماء، و (سا) هو الشجر. انتهى. خازن بحروفه.
هذا؛ وقد قرئ: (حزنا) بفتحتين، وبضم فسكون، وهما لغتان مثل: العدم، والعدم، والسّقم، والسّقم، والرّشد، والرّشد، والحزن: ضد الفرح، والسرور، يحصل للإنسان بسبب مصائب الدهر، ومتاعب الدنيا، وآل فرعون لقوا من موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-ما لقوا من الهم، والغم، والحزن، وما آل إليه أمرهم من الهلاك، والدمار، وقد تفرد الجلال-﵀-بتفسير حزنا، فقال: يستعبد نساءهم. قال الجمل-رحمه الله تعالى-:
ظاهر هذه العبارة: أنّ موسى بعد غرق القبط كان يستعبد نساءهم؛ أي: يعاملهن معاملة العبيد
стр. 4397
في التسخير في الأعمال، ولم نر من ذكر هذا في هذه القصة في سائر مواضعها في القرآن.
ويمكن أن يقال: المراد باستعباده نساءهم: تذليلهن، أي: تصييرهن أذلاء ضعفاء لعدم الرجال الذين يقومون عليهن بالخدمة والنفقة. فليتأمل انتهى. بحروفه.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ أي: في كل شيء، فليس ببدع منهم أن قتلوا ألوفا لأجله، ثم أخذوه يربونه؛ ليكبر، ويفعل بهم ما كانوا يحذرون، أو كانوا مذنبين، فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم على أيديهم. هذا؛ واللام بقوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ تسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة؛ لأنهم أخذوه؛ ليكون لهم قرة عين، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا، وحزنا، فذكر الحال بالمآل، كما قال الشاعر: [البسيط] وللمنايا تربّي كلّ مرضعة... ودورنا لخراب الدّهر نبنيها
وقال آخر: [الطويل] فللموت تغذوا الوالدات سخالها... كما لخراب الدّور تبنى المساكن
وقال عبد الله بن الزّبعرى: [المتقارب] فإن يكن الموت أفناهم... فللموت ما تلد الوالده
وهذا قول الكوفيين، وقد أنكر البصريون، ومن تابعهم لام العاقبة. قال الزمخشري:
والتحقيق: أنها لام العلة، وأن التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة، وبيانه أنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا، بل المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له، وثمرته؛ شبه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله، فاللام مستعارة لما يشبه التعليل، كما استعير الأسد لمن يشبه بالأسد. انتهى. مغني اللبيب.
هذا؛ وينبغي أن تدرك معي: أن كل مخلوق ذي روح حبس عنه الهواء بضع دقائق يموت بلا شك، فكيف بقي هذا المخلوق الصغير الضعيف حيا داخل صندوق محكم الإغلاق؟! إن هي إلا معجزة رب الأرض، والسماء الذي حفظ له روحه دون إزهاق ساعات، وساعات مضت بين إلقائه في النيل، والتقاطه منه، وما أشبه هذه المعجزة بمعجزة يونس-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-الذي التقمه الحوت، وجاب به أعماق البحار، وبقي حيا أيضا حتى نبذه إلى شاطئ البحر بأمر الله الواحد القهار.
الإعراب: ﴿فَالْتَقَطَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (التقطه): فعل ماض، والهاء مفعول به.
﴿آلُ:﴾ فاعل، و ﴿آلُ﴾ مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والجملة الفعلية معطوفة على جمل مقدرة قبلها، كما يلي: فأرضعته، فوضعته في تابوت، وألقته في نهر النيل، فالتقطه... إلخ.
стр. 4398
﴿لِيَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد اللام، واسمه يعود إلى:
﴿مُوسى﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما على التنازع. ﴿عَدُوًّا:﴾ خبر (يكون).
﴿وَحَزَناً:﴾ معطوف عليه، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾
اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَهامانَ:﴾ معطوف عليه. ﴿وَجُنُودَهُما:﴾ معطوف أيضا على ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿خاطِئِينَ:﴾ خبر كان منصوب... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليلية. وقال الجمل: معترضة بين الجملتين المتعاطفتين جملة: ﴿وَقالَتِ..﴾. إلخ وجملة: ﴿فَالْتَقَطَهُ..﴾. إلخ.
﴿وَقالَتِ اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩)﴾
الشرح: ﴿وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: لفرعون حين أخرجته من التابوت. ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ:﴾ الخطاب لفرعون، وانظر شرح: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ في الآية رقم [٧٤] من سورة (الفرقان).
﴿لا تَقْتُلُوهُ:﴾ خاطبته بلفظ الجمع للتعظيم. ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا:﴾ لأن فيه مخايل اليمن، والبركة، ودلائل النفع، وذلك لما رأت منه ما ذكرته في الآية السابقة. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ أي: نتبناه، فإنه أهل له. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ أن التقاطه، وتربيته وبال عليهم.
تنبيه: امرأة فرعون هي آسية بنت مزاحم، وكانت من خيار النساء، ومن بنات الأنبياء، وكانت أمّا للمساكين، ترحمهم، وتتصدق عليهم، قالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه على شاطئ النيل حين التقطوا موسى: هذا أكبر من ابن سنة، وأنت تذبح ولدان هذه السنة، فدعه يكون عندي، وقيل: إنها قالت له: إنه أتانا من أرض أخرى، وليس هو من بني إسرائيل، فاستحياه فرعون، وألقى الله محبته في قلبه. قال ابن عباس-﵄: لو أن عدوّ الله قال في موسى، كما قالت آسية: لنفعه الله به، ولكنه أبى للشقاء الذي كتبه الله عليه. انتهى.
خازن. وفي أبي السعود: وآسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق ﵇. انتهى.
أقول: أعتمد: أنها من بني إسرائيل، وقيل: إنها بنت عم موسى، وقد تزوجها فرعون قهرا، ولم تنجب منه أولادا، وقد آمنت بموسى وصدّقته، كما ستعرفه في آخر سورة (التحريم) إن شاء الله تعالى. وعن أبي موسى الأشعري-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلاّ مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت
стр. 4399
خويلد، وفضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام». متفق عليه. وعن أنس ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، وآسية امرأة فرعون». أخرجه الترمذي، وورد أن النبي ﷺ يتزوج مريم، وآسية في الجنة، وأخت موسى بن عمران.
فقد روى الزبير بن بكار: أن رسول الله ﷺ قال لخديجة-﵂: «أشعرت أنّ الله زوّجني معك في الجنة مريم بنت عمران، وكلثوم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون؟ فقالت: الله أخبرك بذلك؟ فقال: نعم، فقالت: بالرّفاء والبنين». انتهى. وهذا كان منه ﷺ قرب وفاتها ﵂-وأرضاها.
الإعراب: ﴿وَقالَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (قالت): فعل ماض، والتاء للتأنيث.
﴿اِمْرَأَتُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (التقطه...) إلخ لا محل لها مثلها، و ﴿اِمْرَأَتُ﴾ مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿قُرَّتُ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو قرة. وقال النحاس: وفيه وجه آخر بعيد، ذكره أبو إسحاق، قال: يكون رفعا بالابتداء، والخبر جملة: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾. وإنما بعد؛ لأنه يصير المعنى: أنه معروف بأنه قرة عين. وجوازه أن يكون المعنى: إذا كان قرة عين لي ولك؛ فلا تقتلوه. ويجوز النصب بمعنى: لا تقتلوه قرة عين لي، ولك، ولم أر قراءة بالنصب. تأمّل. و ﴿قُرَّتُ﴾ مضاف، و ﴿عَيْنٍ﴾ مضاف إليه، ﴿لِي:﴾
جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قُرَّتُ،﴾ أو بمحذوف صفة له. (لك): جار، ومجرور، معطوفان على ما قبلهما، وجملة: «هو قرّة...» إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة.
﴿تَقْتُلُوهُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد تام هنا مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب ﴿يَنْفَعَنا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى،﴾ و (نا): مفعول به، وأن والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ﴿عَسى﴾. هذا؛ وإن كانت ﴿عَسى﴾ ناقصة فاسمها ضمير مستتر والمصدر المؤول في محل نصب خبرها. والأول أقوى؛ لأنه لا مرجع للضمير. تأمّل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف.
﴿نَتَّخِذَهُ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿وَلَداً:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿(آلُ فِرْعَوْنَ)﴾ والرابط: الواو، والضمير، الذي رأيت تقديره في الشرح.
стр. 4400
﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿وَأَصْبَحَ:﴾ صار، فليست أصبح على بابها من التوقيت في الصباح. وقيل: المراد ألقته ليلا، فأصبح فؤادها في النهار فارغا. والفؤاد: القلب، والجمع: أفئدة، ومعنى ﴿فارِغاً:﴾
صفرا من العقل؛ لما دهمها من الخوف، والحيرة لمّا سمعت بوقوعه في يد فرعون، كقوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ أي: خلاء لا عقول فيها، ومنه قول حسّان-﵁: [الوافر] ألا أبلغ أبا سفيان عنّي... فأنت مجوّف نخب هواء
وقيل: المعنى: خاليا من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى. وقيل: معناه: ناسيا للوحي الذي أوحاه الله إليها حين أمرها أن تلقيه في اليم بقوله: ﴿وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي،﴾ والعهد الذي عهده إليها أن يرده إليها، ويجعله من المرسلين.
﴿إِنْ كادَتْ﴾ أي: إنها قاربت. ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: لتظهر أمره. قال ابن عباس-﵄: أي: تصيح عند إلقائه في يد فرعون: وا ابناه. ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ أي:
بالصبر، والثبات. ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من المصادقين بوعد الله إياها. قال يوسف بن الحسين-رحمه الله تعالى-: أمرت أم موسى بشيئين، ونهيت عن شيئين، وبشرت ببشارتين، فلم ينفعها الكل حتى تولى الله حياطتها، فربط على قلبها. انتهى. نسفي؛ أي: بالصبر، والثبات، وقوة الإيمان، والله يتولى الصالحين. وفيه استعارة تصريحية تبعية؛ لأن الربط هو الشد بالحبل.
الإعراب: ﴿وَأَصْبَحَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أصبح): فعل ماض ناقص. ﴿فُؤادُ:﴾ اسم (أصبح)، وهو مضاف، و ﴿أُمِّ﴾ مضاف إليه، و ﴿أُمِّ﴾ مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿فارِغاً:﴾ خبر: (أصبح)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وهي من جملة تفسير ﴿نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ﴾. ﴿إِنْ:﴾ مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كادَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هي»، يعود إلى ﴿أُمِّ مُوسى﴾. ﴿لَتُبْدِي:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات.
(تبدي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿أُمِّ مُوسى﴾. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كادَتْ،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط.
﴿إِنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿رَبَطْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون، وهو في محل نصب ب ﴿إِنْ،﴾ و (نا): فاعله، و ﴿إِنْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف
стр. 4401
وجوبا، والجملة الاسمية ابتدائية، وحالة محل شرط ﴿لَوْلا﴾. وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: لولا ربطنا على قلبها موجود؛ لأبدت به. ﴿عَلى قَلْبِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِتَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: ﴿إِنْ﴾ مضمرة بعد لام التعليل، واسمه مستتر تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿أُمِّ مُوسى﴾. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكون)، و: «أن» المضمرة، والفعل (تكون) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿رَبَطْنا﴾. تأمل، وتدبر.
﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١)﴾
الشرح: ﴿وَقالَتْ﴾ أي: أم موسى. ﴿لِأُخْتِهِ:﴾ أخت موسى، واسمها: مريم بنت عمران وافق اسمها اسم مريم أم عيسى على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وذكر ذلك السهيلي، والثعلبي. وذكر الماوردي عن الضحاك: أن اسمها: كلثمة. وقال السهيلي: اسمها:
كلثوم، جاء ذلك في حديث الزبير بن بكار، انظره في الآية رقم [٩]. ﴿قُصِّيهِ:﴾ اتبعي أثره حتى تتعرفي خبره. هذا؛ وقص الخبر: أخبر به، والقصص: تتبع الأثر، وسميت الحكاية: قصة؛ لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا.
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ:﴾ عن بعد، قيل: كانت تمشي جانبا، وتنظره اختلاسا، ترى: أنها لا تنظره. و «بصر» من الباب الخامس. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ أنها أخته، وأنها تراقبه، فكانت تسير على شاطئ النيل بعيدا عنه حتى دخلوا القصر، وأخذوا يبحثون عن مرضع ترضعه.
الإعراب: ﴿وَقالَتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قالت): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿أُمِّ مُوسى﴾. ﴿لِأُخْتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿قُصِّيهِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والياء فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿وَقالَتْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَبَصُرَتْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتعقيب. (بصرت): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى (أخته) تقديره: «هي».
﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَنْ جُنُبٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل (بصرت) المستتر؛ أي: بصرت به مستخفية كائنة عن جنب، أو من الضمير المجرور بالباء؛ أي: بعيدا منها، وجملة: ﴿فَبَصُرَتْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قالت...) إلخ لا محل لها مثلها، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، انظر الشرح. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ انظر الآية رقم [٩] ففيها الكفاية محلا، وإعرابا.
стр. 4402
﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢)﴾
الشرح: ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: منعناه من قبول ثدي مرضعة غير أمه، فلم يقبل ثدي واحدة من المراضع المحضرة، قبل مجيء أمه، وأخته. والتحريم استعارة للمنع؛ لأن من حرم عليه الشيء؛ فقد منعه، وذلك؛ لأن الله منعه أن يرضع ثديا غير ثدي أمه، وقد أهمهم ذلك. هذا؛ وإن الحكم الشرعي وإن نسب إلى ذات، فالطلب لا يتعلق إلا بالأفعال، نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ أي: حرم الاستمتاع بهن، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي: أكلها، وقوله: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ أي: تناولها، لا أكلها، لتناول شرب ألبان الإبل، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ أي: منافعها من الركوب، والتحميل. و (مراضع) جمع:
مرضع بضم الميم، وكسر الضاد، وترك التاء إما لاختصاصه بالنساء، أو لأنه بمعنى: شخص مرضع، وفي سورة (الحج): ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ لذا قيل: مرضعة بالتاء لمن باشرت الإرضاع، وبلا تاء لمن شأنها الإرضاع، وإن لم تباشره، قال امرؤ القيس يخاطب ابنة عمه عنيزة: [الطويل]
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع... فألهيتها عن ذي تمائم محول
هذا؛ ويقال: لم يؤنث مرضع في بيت امرئ القيس، ونحوه؛ لأن المراد النسبة، أي: ذات إرضاع، أو ذات رضيع، ومثلها: حائض، وطالق، وحامل. والاسم إذا كان من هذا القبيل عرته العرب من علامة التأنيث، كما قالوا: امرأة لابن تامر، أي: ذات لبن، وذات تمر، ورجل لابن تامر، أي: ذو لبن، وذو تمر، ومنه قوله تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ نص الخليل على أن المعنى: السماء ذات انفطار به؛ لذلك تجرد لفظ منفطر من علامة التأنيث، بخلاف ما إذا بني الوصف على الفعل؛ أنث، فتقول: أرضعت فهي مرضعة كما في آية الحج. والجمع: مراضع، ومراضيع، ومرضعات.
﴿فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أي: يتولون تربيته، ورضاعه، وإنما قالت لهم ذلك حين رأت رغبتهم في إيجاد امرأة يقبل ثديها، وحرصهم على حياة الطفل الذي يبكي بين أيديهم من شدة جوعه. ﴿وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ أي: لا يمنعونه ما ينفعه من تربيته، وغذائه، والنصح: إخلاص العمل من شوائب الفساد. قيل: لما قالت لهم ذلك، قالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله، قالت: لا أعرفه، ولكن قلت: وهم ناصحون للملك، وقيل: إنها قالت: إنما قلت ذلك رغبة في سرور الملك، واتصالنا به. وقيل: قالوا: من هي؟ قالت: أمي، قالوا: أولأمك ولد؟ قالت نعم هارون، وكان هارون-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-قد ولد في السنة التي لا يقتل فيها
стр. 4403
الغلمان، قالوا: صدقت فائتينا بأمك، فانطلقت إليها، وأخبرتها بحال ابنها، وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها، وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريا. انتهى. خازن.
روي: أنهم قالوا لأم موسى حين قبل ثديها، والتقمه: كيف ارتضع منك، ولم يرتضع من غيرك؟! فقالت: إني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني.
فاستأجرها فرعون لإرضاعه، وحضانته، وكان يعطيها كل يوم دينارا. روي: أن فرعون-لعنه الله تعالى-قال لها: أقيمي عندنا لإرضاعه، فقالت: لا أقدر على فراق بيتي، إن رضيتم أن أرضعه في بيتي، وإلا فلا حاجة لي فيه، وأظهرت الزهد فيه نفيا للتهمة عنها، فرضوا بذلك، فرجعت به إلى بيتها من يومها، ولم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها، وأتحفها بالذهب، والجواهر.
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف حل لها أن تأخذ الأجر على إرضاع ولدها؟ قلت: ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع، ولكنه مال حربي، تأخذه على وجه الاستباحة. انتهى. أقول:
ومن هذا يستباح مال الحربي بأي وجه كان، ولو كان عن طريق المقامرة؛ إذا كان المسلم يعلم من نفسه أنه يقمرهم ويغلبهم. والله أعلم.
الإعراب: ﴿وَحَرَّمْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (حرمنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَراضِعَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَراضِعَ﴾. وبني (قبل) على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿فَقالَتْ:﴾
الفاء: حرف عطف. (قالت): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى أخت موسى.
﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أَدُلُّكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عَلى أَهْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و ﴿بَيْتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يَكْفُلُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿أَهْلِ بَيْتٍ،﴾ أو في محل نصب حال منه لتخصصه بالإضافة. ﴿أَدُلُّكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿ناصِحُونَ:﴾
خبر المبتدأ مرفوع.. إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَقالَتْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها:﴾ تسر، وتفرح من «القرار»، فإن العين إذا رأت ما يسر النفس؛ سكنت إليه من النظر إلى غيره. أو من «القر»، فإن دمعة السرور باردة، ودمعة
стр. 4404
الحزن حارة، وضعف ناس هذا، وقالوا: الدمع كله حار، فمعنى «أقر الله عينه» أي: سكن الله عينه؛ بالنظر إلى من يحبه حتى تقر وتسكن، وإذا أريد بهذه الجملة الدعاء فيكون المعنى: أقر الله عينه، أي: أسكنها بالموت، فيكون الفعل من الأضداد، وفلان قرة عيني؛ أي: تسكن نفسي بقربه، وقالت ميسون بنت بحدل الكلبية: [الوافر] ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٤] من سورة (الفرقان). ﴿وَلا تَحْزَنَ﴾ أي: لفراقه.
﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ﴾ أي: ما وعدها به من رده إليها، وجعله من المرسلين. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر آل فرعون كانوا في غفلة عن ما قدره الله، وقضاه. هذا؛ وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ مبلغ التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿فَرَدَدْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (رددناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِلى أُمِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كَيْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقَرَّ:﴾
فعل مضارع منصوب ب ﴿كَيْ﴾. ﴿عَيْنُها:﴾ فاعل، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و: ﴿كَيْ﴾ والفعل: ﴿تَقَرَّ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بلام تعليل مقدرة قبل ﴿كَيْ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت النصب ب: «أن» مضمرة بعد: ﴿كَيْ،﴾ ف: «أن» تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر ب: ﴿كَيْ﴾. وعلى الاعتبارين فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَحْزَنَ:﴾ معطوف على ﴿تَقَرَّ﴾. وقيل التقدير: ولئلا تحزن، والفاعل يعود إلى ﴿أُمِّ مُوسى﴾. ﴿وَلِتَعْلَمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لتعلم): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى أم موسى أيضا، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور معطوفان على ما قبلهما.
﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿وَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول: (تعلم). ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لكن):
حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسم (لكن)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لكن)، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.
стр. 4405
﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاِسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ:﴾ الأشد: ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين عاما، وقيل: الأشد:
ثلاثة وعشرون سنة. ﴿وَاسْتَوى:﴾ بلغ أربعين عاما هكذا قيل، ومعلوم أن بلوغه سن الأربعين كان عند رجوعه من مدين؛ لأنه أقام في مصر ثلاثين سنة، ثم ذهب إلى مدين، وأقام فيها عشر سنين، ووقعة قتل القبطي كانت قبل ذهابه إلى مدين، فهي السبب فيه؛ لذا تفسير الاستواء بانتهاء الشباب، وتكامل العقل، والقوى أولى بالاعتبار. ولا تنس: أن الله تعالى لم يذكر الاستواء في حق يوسف على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. وانظر شرح ﴿اِسْتَوى﴾ في سورة (طه) رقم [٥]. و ﴿آتَيْناهُ حُكْماً﴾ أي: الحكمة قبل النبوة. والعلم: الفهم. وقال محمد بن إسحاق:
أي: العلم بما في دينه ودين آبائه، وكان له تسعة من بني إسرائيل يسمعون منه، ويقتدون به، ويجتمعون إليه، وكان هذا قبل النبوة. ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا أم موسى لما استسلمت لأمر الله، وألقت ولدها في البحر، وصدّقت بوعد الله، فرددنا ولدها إليها مصحوبا بالهدايا والتحف وهي آمنة، ثم وهبنا له العقل، والحكمة، والنبوة، وكذلك نجزي كل محسن على إحسانه. انتهى. قرطبي بتصرف.
الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿بَلَغَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى موسى، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا.
﴿أَشُدَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَاسْتَوى:﴾ الواو: حرف عطف. (استوى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى موسى، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿آتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول.
﴿حُكْماً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَعِلْماً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف.
الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نجزي المحسنين جزاء كائنا مثل جزاء موسى وأمه على صبرهما، وإحسانهما. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿نَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والكلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
стр. 4406
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾
الشرح: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ يعني: موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
والمدينة قيل: هي منف من أعمال مصر. وقيل: هي قرية، يقال لها: حايين على رأس فرسخين من مصر. وقيل: هي مدينة عين شمس. ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها:﴾ قيل: هي نصف النهار، واشتغال الناس بالقيلولة. وقيل: دخلها ما بين المغرب، والعشاء. وفي سبب دخول المدينة في ذلك الوقت أقوال:
الأول: أن موسى كان يسمى ابن فرعون، وكان يركب في مراكبه، ويلبس لباسه، فركب فرعون يوما، وكان موسى غائبا، فلما جاء؛ قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض منف، فدخلها، وليس في طرقها أحد.
الثاني: أنه كان لموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه، ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، ومخالفتهم في دينه؛ حتى أنكروا عليه ذلك، وخافوه، وخافهم، فكان لا يدخل المدينة إلا خائفا مستخفيا على حين غفلة من أهلها.
القول الثالث: أن موسى ضرب فرعون بالعصا في صغره، فأراد فرعون قتله، فقالت امرأته:
هو صغير فتركه وأمر بإخراجه من مدينته، فأخرج منها، فلم يدخل عليهم حتى كبر، وبلغ أشده، فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها، يعني: عن ذكر موسى، ونسيانهم خبره لبعد عهدهم به.
وعن علي بن أبي طالب-﵁: أنه كان يوم عيد لهم، قد اشتغلوا فيه بلهوهم ولعبهم. انتهى. خازن بحروفه. وفي القرطبي قريب منه، واعتمد المروي عن علي كرم الله وجهه. هذا؛ وعلى حين بمعنى في حين، قال النابغة الذبياني: [الطويل] على حين عاتبت المشيب على الصّبا... وقلت: ألمّا أصح والشّيب وازع؟!
وقال القرطبي: يقال في الكلام: دخلت المدينة حين غفل أهلها، ولا يقال: على حين غفل أهلها، فدخلت ﴿عَلى﴾ في هذه الآية؛ لأن الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول: جئت على غفلة انتهى. هذا؛ والغفلة: معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور. وقيل:
حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ، والتيقظ، وهذا في حق الله تعالى محال، فلا بد من تأويل قوله تعالى في سورة (إبراهيم) رقم [٤٢]: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ﴾
стр. 4407
﴿الظّالِمُونَ..﴾. إلخ فإن المقصود منها: أنه سبحانه ينتقم من الظالم للمظلوم، ففيه وعيد، وتهديد للظالم، وإعلام له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه، بل ينتقم منه، ولا يتركه مغفلا.
﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ:﴾ يتخاصمان، ويتنازعان. ﴿هذا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: أحدهما من طائفة بني إسرائيل. ﴿وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ:﴾ والثاني قبطي من قوم فرعون عدوه. وقيل: أحدهما مؤمن، والآخر كافر. وقيل: الذي من شيعته هو السامري، والذي من عدوه هو طباخ فرعون، واسمه: فاتون، وكان القبطي يريد أن يأخذ الإسرائيلي ليحمل الحطب إلى مطبخ فرعون، وهذا يرجح ما اعتمدته عن علي-كرم الله وجهه -آنفا. وقال ابن عباس ﵄:
لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم؛ حتى امتنعوا كل الامتناع، وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى؛ لأنهم كانوا يعلمون: أنه منهم.
قال ابن هشام في المغني: ليس المراد تقريب الرجلين من موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، كما تقول: هذا كتابك فخذه، وإنما الإشارة إليهما كانت في ذلك الوقت هكذا، فحكيت.
﴿فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ:﴾ طلب منه أن يغيثه وأن يعينه على عدوه الفرعوني. وقرئ:
(فاستعانه) وهو بمعناه، والسين والتاء فيهما للطلب. ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ أي: ضرب القبطي بجمع كفه، وقرئ: «(فلكزه)» أي: فضرب به صدره. قال قتادة: ضربه بعصاه، وقال مجاهد: بكفه، أي: دفعه. هذا؛ والوكز، واللكز، واللهز، واللهد بمعنى واحد، وهو الضرب بجمع الكف مجموعا كعقد ثلاثة وسبعين، قال طرفة في معلقته يذم رجلا: [الطويل] بطيء عن الجلى، سريع إلى الخنا... ذلول بإجماع الرجال ملهد
ففعل موسى -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام -ذلك؛ وهو لا يريد قتله، إنما قصد دفعه، فكانت فيه منيته، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ وكل شيء أتيت عليه، وفرغت منه قضيت عليه. يروى: أن موسى قال للقبطي: خل سبيله، فقال: إنما أريد أن يحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازعه، فقال القبطي لموسى: لقد هممت أن أحمله عليك، فغضب موسى، واشتد غضبه، وكان قد أوتي بسطة في الخلق، وشدة في القوة، فوكزه فقضى عليه.
﴿قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ أي: من إغوائه؛ لأنه لم يكن أمر بقتال الكفار، أو لأنه كان مأمونا فيهم، فلم يكن له اغتيالهم، ولا يقدح ذلك في عصمته؛ لأنه قتل خطأ لا عمد، وإنما عده من عمل الشيطان، وسماه ظلما، واستغفر منه على عادتهم في استعظام محقرات فرطت منهم. ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ:﴾ بين الضلال، والإضلال، وانظر شرح (عدو) في الآية رقم [٧٧] من سورة (الشعراء).
стр. 4408
الإعراب: ﴿وَدَخَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (دخل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى.
﴿الْمَدِينَةَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة وفي مقدمتهم سيبويه. والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في «دخلت الدار، ونزلت البلد، وسكنت الشام». ﴿عَلى حِينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَدِينَةَ،﴾ أو من الفاعل المستتر؛ أي: مستخفيا. ﴿مِنْ أَهْلِها:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:
﴿غَفْلَةٍ،﴾ و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَدَخَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لما) لا محل لها أيضا. ﴿فَوَجَدَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (وجد): فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى أيضا، ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، تقدم على الأول. ﴿رَجُلَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى. ﴿يَقْتَتِلانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (رجلين) وجملة: ﴿فَوَجَدَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ شِيعَتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿رَجُلَيْنِ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ،﴾ وجملة: ﴿وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ معطوفة على ما قبلها فلها حكمها. ﴿فَاسْتَغاثَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف.
(استغاثه): فعل ماض. والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية معطوفة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿مِنْ شِيعَتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿عَلَى الَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ عَدُوِّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿فَوَكَزَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (وكزه): فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها.
﴿فَقَضى:﴾ الفاء: حرف عطف. (قضى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (موسى)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿هذا:﴾
مبتدأ. ﴿مِنْ عَمَلِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عَمَلِ﴾ مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ﴾ مضاف
стр. 4409
إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر (إن). ﴿مُضِلٌّ:﴾ خبر ثان. ﴿مُبِينٌ:﴾ خبر ثالث. وإن اعتبرت ﴿مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ صفتين ل: ﴿عَدُوٌّ﴾ فالمعنى لا يأباه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾
الشرح: ندم موسى -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام -على ذلك الوكز، الذي كان فيه إزهاق الروح، فحمله ندمه على الخضوع لربه، والاستغفار من ذنبه، ثم لم يزل يعدد ذلك على نفسه مع علمه بأنه قد غفر له، حتى إنه في يوم القيامة يعتذر عن الشفاعة، ويقول: إني قتلت نفسا لم اؤمر بقتلها، وإنما اعتبره ذنبا؛ لأن النبي لا ينبغي له أن يقتل حتى يؤمر. ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ أي: ذنبي الذي حصل من قتل القبطي. ﴿فَغَفَرَ لَهُ:﴾ ذنوبه باستغفاره. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ:﴾ لذنوب عباده إذا استغفروا، وتابوا، و ﴿الْغَفُورُ﴾ صيغة مبالغة. ﴿الرَّحِيمُ:﴾ بعباده حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، ويغفر لهم ذنوبهم؛ إذا استغفروا.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة... إلخ، وانظر الآية رقم [١٦٩] من سورة (الشعراء) ففيها البحث كاف واف. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿ظَلَمْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نَفْسِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاغْفِرْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (اغفر): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والمفعول محذوف، تقديره: اغفر لي ذنوبي، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»؛ إذ التقدير: إذا كان ذلك حاصلا مني فاغفر لي، والكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿فَغَفَرَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (غفر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: «ربه». ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء
стр. 4410
اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له من الإعراب، أو هو توكيد لا سم (إن) على المحل.
﴿الْغَفُورُ:﴾ خبر (إن). ﴿الرَّحِيمُ:﴾ خبر ثان. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، وما بعده خبرا عنه، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: من المعرفة، والحكمة، والتوحيد، والإيمان بك.
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى -: يجوز أن يكون قسما، جوابه محذوف، تقديره: أقسم بإنعامك علي بالمغفرة؛ لأتوبن. وأن يكون استعطافا، كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت علي من المغفرة، فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين. فتكون الباء متعلقة ب: «اعصمني» المقدر، أقول: من المعروف: أن جواب القسم الاستعطافي يكون جملة إنشائية، مثل قول الشاعر: [الطويل] بعيشك يا سلمى ارحمي ذا صبابة... أبى غير ما يرضيك في السر والجهر
وأيضا قول مجنون ليلى: [الوافر] بربك هل ضممت إليك ليلى... قبيل الصبح أو قبلت فاها؟
اللهم إلا أن يقال: الجواب محذوف لدلالة الجملة الآتية عليه، التقدير على الأول: أقسم بحق إنعامك علي؛ لأتوبن! والتقدير على الثاني: أسألك بحق إنعامك علي اعصمني! هذا؛ وانظر البيتين في كتابنا فتح القريب المجيب رقم [٩٩٥ و ٩٩٦].
هذا؛ وأراد بمظاهرة المجرمين: إما صاحبة فرعون، وانتظامه في جملته، وتكثير سواده؛ حيث كان يركب بركوبه، كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون، وإما بمظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم، والإثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له قتله. وعن ابن عباس ﵄-قال: لم يستثن، فابتلي به مرة أخرى، يعني: لم يقل: فلن أكون إن شاء الله ظهيرا؛ أي: معاونا للمجرمين، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
قال عبيد الله بن الوليد الوصافي: قلت لعطاء بن أبي رباح: إن لي أخا يأخذ بقلمه (أي:
يأخذ أجرة على كتابته بقلمه)، وإنما يحسب ما يدخل، وما يخرج، وله عيال، ولو ترك ذلك لاحتاج، وادان، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله القسري، قال: أما تقرأ ما قال العبد الصالح: ﴿رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾. قال ابن عباس ﵄: فلم يستثن، فابتلي به ثانية، فأعانه الله، فلا يعينهم أخوك؛ فإن الله يعينه.
стр. 4411
قال عطاء: فلا يحل لأحد أن يعين ظالما، ولا يكتب له، ولا يصحبه، وأنه إن فعل شيئا من ذلك فقد صار معينا للظالمين. وفي الحديث: «ينادي مناد يوم القيامة: أين الظلمة، وأعوان الظلمة؛ حتى من لا ق لهم دواة، أو بري لهم قلما، فيجمعون في تابوت من حديد، فيرمى بهم في جهنم». ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «من مشى مع مظلوم؛ ليعينه على مظلمته؛ ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة يوم تزل فيه الأقدام. ومن مشى مع ظالم؛ ليعينه على ظلمه؛ أزل الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام». انتهى. قرطبي، وخذ ما يلي:
عن كعب بن عجرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابهم، وصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن غشي أبوابهم، أولم يغش، فلم يصدقهم في كذبهم، ولا أعانهم على ظلمهم، فهو مني، وأنا منه، وسيرد علي الحوض». رواه الترمذي والنسائي.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾
منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة... إلخ. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿أَنْعَمْتَ:﴾ فعل، وفاعل، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، أو: أسألك بحق إنعامك علي. وانظر الشرح. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف تعليل وتفريغ. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال.
وقال ابن عصفور، وابن السراج، وآخرون: ودعاء، أي: اعتبروها دعائية هنا، مثل قول الأعشى: [الخفيف] لن تزالوا كذلكم، ثم لا زل... ت لكم خالدا خلود الجبال
﴿أَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: (لن) واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا».
﴿ظَهِيراً:﴾ خبر: ﴿أَكُونَ﴾. ﴿لِلْمُجْرِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ظَهِيراً،﴾ وجملة: ﴿فَلَنْ أَكُونَ..﴾. تعليل لما قبلها، والأحسن عطفها على الجواب المحذوف المقدر ب: (لأتوبن)، والكلام ﴿رَبِّ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾
الشرح: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً﴾ أي: على نفسه من قتله القبطي أن يؤخذ به. و (أصبح) بمعنى: صار، وليس على بابه. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ أي: ينتظر سوءا. والترقب: انتظار المكروه. وقيل:
стр. 4412
ينتظر متى يؤخذ به. وقيل، يترقب الأخبار وما يتحدث به الناس. ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ:﴾
وهو الإسرائيلي؛ الذي قتل القبطي بسببه. ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أي: يستغيث بموسى ﵇.
قال ابن عباس ﵄: أتي فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلا منا، فخذ لنا بحقنا، فقال: اطلبوا قاتله، ومن يشهد عليه، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة؛ إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر، فاستغاثه على الفرعوني، وكان موسى قد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي. هذا؛ والصارخ، والمستصرخ: هو الذي يطلب النصرة، والمعاونة، والمصرخ: هو المغيث، قال سلامة بن جندل: [البسيط] كنا إذا ما أتانا صارخ فزع... كان الصراخ له قرع الظنابيب
الظنابيب: جمع ظنبوب، وهو حرف الساق اليابس من قدم، وقال أمية بن أبي الصلت: [الطويل] ولا تجزعوا إني لكم غير مصرخ... وليس لكم عندي غناء ولا نصر
﴿قالَ لَهُ مُوسى﴾ أي: للإسرائيلي. ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر الغواية، قاتلت رجلا بالأمس، فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم رجلا آخر، وتستغيث بي عليه. هذا؛ والغواية، والغي: ضد الرشد، الذي هو التعقل في الأمور، والتدبير: ألا يفعل فعلا يفضي إلى البلاء على نفسه، وعلى من يريد نصرته. وقال الحسن: إنما قال للقبطي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. وهو غير معتمد، وإنما هو للإسرائيلي.
فائدة: الأمس: اسم نكرة يراد به يوم من الأيام الماضية لا على التعيين، وإذا قيل: أمس؛ فإنه يكون معرفة؛ المراد به اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه. وبه يلغز، فيقال: أي اسم إذا عرف، نكر، وإذا نكر؛ عرف. وإذا اقترنت به ال فيكون معربا بالحركات الظاهرة، وإذا جرد منها فللعرب فيه حينئذ ثلاث لغات:
إحداها: البناء على الكسر مطلقا، وهي لغة أهل الحجاز، فيقولون: ذهب أمس بما فيه، واعتكفت أمس، وعجبت من أمس (بالكسر فيهن).
الثانية: إعرابه إعراب ما لا ينصرف مطلقا، وهي لغة بني تميم.
الثالثة: إعرابه إعراب ما لا ينصرف في حالة الرفع خاصة، وبناؤه على الكسر في حالتي النصب والجر، وهي لغة جمهور بني تميم. انتهى. شذور الذهب. هذا؛ وقال الزمخشري: قد يذكر: الأمس، ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك، ولكن يراد به الوقت المستقرب على طريق الاستعارة.
الإعراب: ﴿فَأَصْبَحَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أصبح): فعل ماض ناقص، واسمه مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى موسى. ﴿فِي الْمَدِينَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خائِفاً﴾ بعدهما. ﴿خائِفاً:﴾ خبر
стр. 4413
(أصبح)، ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر: (أصبح)، و ﴿خائِفاً﴾ حالا من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، كما يجوز اعتباره خبرا ثانيا. ﴿يَتَرَقَّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية يجوز فيها أن تكون خبرا ثانيا ل (أصبح)، وأن تكون حالا ثانية، وأن تكون بدلا من الحال الأولى، أو من الخبر الأول، أو حالا من الضمير المستتر ب: ﴿خائِفاً﴾. فتكون حالا متداخلة، وجملة:
﴿فَأَصْبَحَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَإِذَا:﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. (إذا): هي الفجائية. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِسْتَنْصَرَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْأَمْسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَسْتَصْرِخُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والهاء مفعول به، والمتعلق محذوف، التقدير: على قبطي آخر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، أو الخبر متعلق: (إذا) فتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من الموصول. وانظر الآية رقم [٣٢] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قالَ﴾.
﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَغَوِيٌّ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (غوي):
خبر (إنّ). ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ﴾ أي: موسى. ﴿أَنْ يَبْطِشَ:﴾ بطش به: فتك به، وأخذه بصولة، وشدة، وسطا، وانقض عليه فهو باطش، وبطاش وبطيش. وقد أطلق على يوم بدر اسم البطشة الكبرى؛ لأن الله أخذهم أخذة شديدة فيه، كما هو معروف في السيرة النبوية، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٠] من سورة (الشعراء)، فإنه جيد. ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما﴾ أي: لموسى، وللإسرائيلي، والمراد: القبطي الذي يريد أن يسخر الإسرائيلي؛ لأنه عدو لموسى، وللإسرائيلي. وقيل: الذي أراد أن يبطش هو الإسرائيلي. وليس بشيء، وانظر زيادة ﴿أَنْ﴾ بعد (لما) في الآية رقم [٣٣] من سورة (العنكبوت).
стр. 4414
﴿قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ..﴾. إلخ: وذلك: أن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- أخذته الرقة، والغيرة على الإسرائيلي، فمد يده ليبطش بالقبطي، فظن الإسرائيلي: أنه يريد أن يبطش به، لما رأى من غضب موسى، وسمع من قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ وهذا يفيد: أنه لم يكن أحد علم من قوم فرعون: أن موسى هو الذي قتل القبطي، حتى أفشى عليه الإسرائيلي ذلك، فسمعه القبطي، فأتى فرعون، فأخبره بذلك.
﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالقتل ظلما. وقيل: الجبار: هو الذي يقتل، ويضرب، ولا ينظر في العواقب. وقيل: هو الذي يتعاظم، ولا يتواضع لأمر الله تعالى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٠] من سورة (الشعراء) أيضا. ﴿وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ:﴾ بين الناس، فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن، ولما فشا: أن موسى قتل القبطي؛ أمر فرعون بقتله، فخرجوا بطلبه، وسمع رجل من شيعة موسى، ويقال: أنه مؤمن من آل فرعون، واسمه حزقيل، وقيل: شمعون، وقيل: سمعان. أقول: وهو النجار الذي صنع التابوت لأم موسى، كما رأيت في الآية رقم [٧] وهو مؤمن آل فرعون المذكور في سورة (غافر).
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿أَنْ:﴾ زائدة.
﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى موسى على المعتمد. والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾ في محل نصب مفعول به. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لما) حرفا. ﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هُوَ:﴾
ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَهُما:﴾ جار ومجرور، متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الإسرائيلي.
(يا): حرف نداء ينوب مناب: أدعو. (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف في محل نصب ب: (يا). ﴿أَتُرِيدُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (تريد): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَقْتُلَنِي:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الندائية، والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿قَتَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نَفْساً:﴾ مفعول به. ﴿بِالْأَمْسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و: (ما) المصدرية، والفعل ﴿قَتَلْتَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: أتريد أن تقتلني قتلا كائنا مثل قتلك نفسا بالأمس. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا
стр. 4415
التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر، المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿أَنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿تُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿جَبّاراً:﴾ خبر: ﴿تَكُونَ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب ﴿جَبّاراً،﴾ و ﴿أَنْ تَكُونَ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿إِنْ تُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَما تُرِيدُ..﴾. إلخ معطوفة عليها فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وإعرابها مثلها بلا فارق.
﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ:﴾ آخرها، أي: من مكان بعيد. ﴿يَسْعى:﴾ يسرع في مشيه، وأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى موسى، وأخبره، وأنذره بما سمع. ﴿قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ:﴾ يتشاورون بسببك. والائتمار: التشاور. يقال: الرجلان يتآمران، ويأتمران؛ لأن كل واحد منهما يأمر صاحبه بشيء، أو يشير عليه بأمر، و ﴿الْمَلَأَ:﴾ الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملئون العيون بكبريائهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، ونحوهما. وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ أي: في الخروج من المدينة.
تنبيه: في سورة (يس) قدّم ﴿مِنْ أَقْصَا﴾ على: ﴿رَجُلٌ؛﴾ لأنه لم يكن من أقصاها، وإنما جاء منها. وهنا وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان، وقضيتان متباينتان، فما هنا في قضية موسى، وما هناك في قضية حواري عيسى. انتهى. جمل. وهل هذا الرجل من القبط، أو من بني إسرائيل؟ المعتمد: أنه من القبط، وأنه الرجل المذكور في الآية رقم [٢٨] من سورة (غافر) انظر شرحها هناك: إن شاء الله تعالى.
الإعراب: ﴿وَجاءَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (جاء): فعل ماض. ﴿رَجُلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقبلها كلام محذوف يفهم من سياق القصة. ﴿مِنْ أَقْصَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَجُلٌ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف، و ﴿أَقْصَا﴾ مضاف، و ﴿الْمَدِينَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَسْعى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل:
﴿رَجُلٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾
следующие страницы →