Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
قال عطاء: فلا يحل لأحد أن يعين ظالما، ولا يكتب له، ولا يصحبه، وأنه إن فعل شيئا من ذلك فقد صار معينا للظالمين. وفي الحديث: «ينادي مناد يوم القيامة: أين الظلمة، وأعوان الظلمة؛ حتى من لا ق لهم دواة، أو بري لهم قلما، فيجمعون في تابوت من حديد، فيرمى بهم في جهنم». ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «من مشى مع مظلوم؛ ليعينه على مظلمته؛ ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة يوم تزل فيه الأقدام. ومن مشى مع ظالم؛ ليعينه على ظلمه؛ أزل الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام». انتهى. قرطبي، وخذ ما يلي:
عن كعب بن عجرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابهم، وصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن غشي أبوابهم، أولم يغش، فلم يصدقهم في كذبهم، ولا أعانهم على ظلمهم، فهو مني، وأنا منه، وسيرد علي الحوض». رواه الترمذي والنسائي.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾
منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة... إلخ. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿أَنْعَمْتَ:﴾ فعل، وفاعل، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، أو: أسألك بحق إنعامك علي. وانظر الشرح. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف تعليل وتفريغ. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال.
وقال ابن عصفور، وابن السراج، وآخرون: ودعاء، أي: اعتبروها دعائية هنا، مثل قول الأعشى: [الخفيف] لن تزالوا كذلكم، ثم لا زل... ت لكم خالدا خلود الجبال
﴿أَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: (لن) واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا».
﴿ظَهِيراً:﴾ خبر: ﴿أَكُونَ﴾. ﴿لِلْمُجْرِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ظَهِيراً،﴾ وجملة: ﴿فَلَنْ أَكُونَ..﴾. تعليل لما قبلها، والأحسن عطفها على الجواب المحذوف المقدر ب: (لأتوبن)، والكلام ﴿رَبِّ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾
الشرح: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً﴾ أي: على نفسه من قتله القبطي أن يؤخذ به. و (أصبح) بمعنى: صار، وليس على بابه. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ أي: ينتظر سوءا. والترقب: انتظار المكروه. وقيل:
стр. 4412
ينتظر متى يؤخذ به. وقيل، يترقب الأخبار وما يتحدث به الناس. ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ:﴾
وهو الإسرائيلي؛ الذي قتل القبطي بسببه. ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أي: يستغيث بموسى ﵇.
قال ابن عباس ﵄: أتي فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلا منا، فخذ لنا بحقنا، فقال: اطلبوا قاتله، ومن يشهد عليه، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة؛ إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر، فاستغاثه على الفرعوني، وكان موسى قد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي. هذا؛ والصارخ، والمستصرخ: هو الذي يطلب النصرة، والمعاونة، والمصرخ: هو المغيث، قال سلامة بن جندل: [البسيط] كنا إذا ما أتانا صارخ فزع... كان الصراخ له قرع الظنابيب
الظنابيب: جمع ظنبوب، وهو حرف الساق اليابس من قدم، وقال أمية بن أبي الصلت: [الطويل] ولا تجزعوا إني لكم غير مصرخ... وليس لكم عندي غناء ولا نصر
﴿قالَ لَهُ مُوسى﴾ أي: للإسرائيلي. ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر الغواية، قاتلت رجلا بالأمس، فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم رجلا آخر، وتستغيث بي عليه. هذا؛ والغواية، والغي: ضد الرشد، الذي هو التعقل في الأمور، والتدبير: ألا يفعل فعلا يفضي إلى البلاء على نفسه، وعلى من يريد نصرته. وقال الحسن: إنما قال للقبطي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. وهو غير معتمد، وإنما هو للإسرائيلي.
فائدة: الأمس: اسم نكرة يراد به يوم من الأيام الماضية لا على التعيين، وإذا قيل: أمس؛ فإنه يكون معرفة؛ المراد به اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه. وبه يلغز، فيقال: أي اسم إذا عرف، نكر، وإذا نكر؛ عرف. وإذا اقترنت به ال فيكون معربا بالحركات الظاهرة، وإذا جرد منها فللعرب فيه حينئذ ثلاث لغات:
إحداها: البناء على الكسر مطلقا، وهي لغة أهل الحجاز، فيقولون: ذهب أمس بما فيه، واعتكفت أمس، وعجبت من أمس (بالكسر فيهن).
الثانية: إعرابه إعراب ما لا ينصرف مطلقا، وهي لغة بني تميم.
الثالثة: إعرابه إعراب ما لا ينصرف في حالة الرفع خاصة، وبناؤه على الكسر في حالتي النصب والجر، وهي لغة جمهور بني تميم. انتهى. شذور الذهب. هذا؛ وقال الزمخشري: قد يذكر: الأمس، ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك، ولكن يراد به الوقت المستقرب على طريق الاستعارة.
الإعراب: ﴿فَأَصْبَحَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أصبح): فعل ماض ناقص، واسمه مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى موسى. ﴿فِي الْمَدِينَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خائِفاً﴾ بعدهما. ﴿خائِفاً:﴾ خبر
стр. 4413
(أصبح)، ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر: (أصبح)، و ﴿خائِفاً﴾ حالا من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، كما يجوز اعتباره خبرا ثانيا. ﴿يَتَرَقَّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية يجوز فيها أن تكون خبرا ثانيا ل (أصبح)، وأن تكون حالا ثانية، وأن تكون بدلا من الحال الأولى، أو من الخبر الأول، أو حالا من الضمير المستتر ب: ﴿خائِفاً﴾. فتكون حالا متداخلة، وجملة:
﴿فَأَصْبَحَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَإِذَا:﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. (إذا): هي الفجائية. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِسْتَنْصَرَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْأَمْسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَسْتَصْرِخُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والهاء مفعول به، والمتعلق محذوف، التقدير: على قبطي آخر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، أو الخبر متعلق: (إذا) فتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من الموصول. وانظر الآية رقم [٣٢] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قالَ﴾.
﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَغَوِيٌّ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (غوي):
خبر (إنّ). ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ﴾ أي: موسى. ﴿أَنْ يَبْطِشَ:﴾ بطش به: فتك به، وأخذه بصولة، وشدة، وسطا، وانقض عليه فهو باطش، وبطاش وبطيش. وقد أطلق على يوم بدر اسم البطشة الكبرى؛ لأن الله أخذهم أخذة شديدة فيه، كما هو معروف في السيرة النبوية، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٠] من سورة (الشعراء)، فإنه جيد. ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما﴾ أي: لموسى، وللإسرائيلي، والمراد: القبطي الذي يريد أن يسخر الإسرائيلي؛ لأنه عدو لموسى، وللإسرائيلي. وقيل: الذي أراد أن يبطش هو الإسرائيلي. وليس بشيء، وانظر زيادة ﴿أَنْ﴾ بعد (لما) في الآية رقم [٣٣] من سورة (العنكبوت).
стр. 4414
﴿قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ..﴾. إلخ: وذلك: أن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- أخذته الرقة، والغيرة على الإسرائيلي، فمد يده ليبطش بالقبطي، فظن الإسرائيلي: أنه يريد أن يبطش به، لما رأى من غضب موسى، وسمع من قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ وهذا يفيد: أنه لم يكن أحد علم من قوم فرعون: أن موسى هو الذي قتل القبطي، حتى أفشى عليه الإسرائيلي ذلك، فسمعه القبطي، فأتى فرعون، فأخبره بذلك.
﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالقتل ظلما. وقيل: الجبار: هو الذي يقتل، ويضرب، ولا ينظر في العواقب. وقيل: هو الذي يتعاظم، ولا يتواضع لأمر الله تعالى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٠] من سورة (الشعراء) أيضا. ﴿وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ:﴾ بين الناس، فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن، ولما فشا: أن موسى قتل القبطي؛ أمر فرعون بقتله، فخرجوا بطلبه، وسمع رجل من شيعة موسى، ويقال: أنه مؤمن من آل فرعون، واسمه حزقيل، وقيل: شمعون، وقيل: سمعان. أقول: وهو النجار الذي صنع التابوت لأم موسى، كما رأيت في الآية رقم [٧] وهو مؤمن آل فرعون المذكور في سورة (غافر).
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿أَنْ:﴾ زائدة.
﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى موسى على المعتمد. والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾ في محل نصب مفعول به. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لما) حرفا. ﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هُوَ:﴾
ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَهُما:﴾ جار ومجرور، متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الإسرائيلي.
(يا): حرف نداء ينوب مناب: أدعو. (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف في محل نصب ب: (يا). ﴿أَتُرِيدُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (تريد): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَقْتُلَنِي:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الندائية، والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿قَتَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نَفْساً:﴾ مفعول به. ﴿بِالْأَمْسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و: (ما) المصدرية، والفعل ﴿قَتَلْتَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: أتريد أن تقتلني قتلا كائنا مثل قتلك نفسا بالأمس. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا
стр. 4415
التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر، المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿أَنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿تُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿جَبّاراً:﴾ خبر: ﴿تَكُونَ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب ﴿جَبّاراً،﴾ و ﴿أَنْ تَكُونَ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿إِنْ تُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَما تُرِيدُ..﴾. إلخ معطوفة عليها فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وإعرابها مثلها بلا فارق.
﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ:﴾ آخرها، أي: من مكان بعيد. ﴿يَسْعى:﴾ يسرع في مشيه، وأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى موسى، وأخبره، وأنذره بما سمع. ﴿قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ:﴾ يتشاورون بسببك. والائتمار: التشاور. يقال: الرجلان يتآمران، ويأتمران؛ لأن كل واحد منهما يأمر صاحبه بشيء، أو يشير عليه بأمر، و ﴿الْمَلَأَ:﴾ الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملئون العيون بكبريائهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، ونحوهما. وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ أي: في الخروج من المدينة.
تنبيه: في سورة (يس) قدّم ﴿مِنْ أَقْصَا﴾ على: ﴿رَجُلٌ؛﴾ لأنه لم يكن من أقصاها، وإنما جاء منها. وهنا وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان، وقضيتان متباينتان، فما هنا في قضية موسى، وما هناك في قضية حواري عيسى. انتهى. جمل. وهل هذا الرجل من القبط، أو من بني إسرائيل؟ المعتمد: أنه من القبط، وأنه الرجل المذكور في الآية رقم [٢٨] من سورة (غافر) انظر شرحها هناك: إن شاء الله تعالى.
الإعراب: ﴿وَجاءَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (جاء): فعل ماض. ﴿رَجُلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقبلها كلام محذوف يفهم من سياق القصة. ﴿مِنْ أَقْصَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَجُلٌ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف، و ﴿أَقْصَا﴾ مضاف، و ﴿الْمَدِينَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَسْعى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل:
﴿رَجُلٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾
стр. 4416
أَنْزَلْناهُ. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿الْمَلَأَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يَأْتَمِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِيَقْتُلُوكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعوله، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَاخْرُجْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١٦]، (اخرج): فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بمحذوف يدل عليه ما بعده، التقدير: ناصح لك؛ لأن «ال» موصولة، ولا يتقدم معمول الصلة على الموصول، وقيل: متعلقان بالناصحين؛ لأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها، أو على جهة البيان، أعني: لك. ﴿مِنَ النّاصِحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنِّي،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، وجملة: ﴿فَاخْرُجْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف، يقدر بإذا، والكلام ﴿يا مُوسى..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (جاء...) إلخ بواو محذوفة، لا محل لها مثلها، وهو أولى من اعتبارها في محل نصب حال. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢١)﴾
الشرح: ﴿فَخَرَجَ مِنْها﴾ أي: من المدينة. ﴿خائِفاً:﴾ من آل فرعون. ﴿يَتَرَقَّبُ:﴾ لحوق طالب له. ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ:﴾ خلصني منهم، واحفظني من لحوقهم، وهذا لجوء إلى الله لعلمه أن لا ملجأ إلا إليه تعالى.
تنبيه: في هذه الآية، وفي الآية رقم [١٨] دليل واضح على: أن الخوف من الأعداء، والحذر من شرهم، إنما هو سنة الله في أنبيائه، وأوليائه، مع معرفتهم به، وثقتهم بنصره. ومنه حفر النبي ﷺ الخندق حول المدينة تحصينا للمسلمين، وأموالهم؛ مع كونه من التوكل على الله، والثقة به بمحل لم يبلغه أحد، ثم ما كان من أصحابه ما لا يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم، مرة إلى الحبشة، ومرة إلى المدينة تخوفا على أنفسهم من مشركي مكة، وهربا بدينهم أن يفتنوهم عنه بتعذيبهم، وخاب الفسقة، والفجرة الذين يصمون الصديق-﵁-بالجبن، وضعف الإيمان لما ناله من الخوف في ليلة الهجرة الشريفة، ودخوله مع حبيبه الغار، فويل لهم مما يكذبون، وويل لهم مما يفترون.
الإعراب: ﴿فَخَرَجَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (خرج): فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خائِفاً:﴾
стр. 4417
حال من الفاعل المستتر، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَتَرَقَّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا، ومفعوله محذوف، التقدير: يترقب لحوقهم به، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من الفاعل المستتر في الفعل: (خرج) أو من الفاعل المستتر ب: ﴿خائِفاً،﴾ فتكون حالا متداخلة.
﴿قالَ﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف. ﴿نَجِّنِي:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مِنَ الْقَوْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة القوم مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملتان الندائية والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ رَبِّ..﴾. إلخ في محل نصب حال ثانية من فاعل (خرج) المستتر، والرابط: الضمير فقط.
﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾
الشرح: لما خرج موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فارا بنفسه، خائفا منفردا، لا شيء معه: من زاد، ولا راحلة، ولا حذاء نحو مدين. قيل: لأنه وقع في نفسه: أن بينهم، وبينه قرابة؛ لأن أهل مدين من ولد إبراهيم، وموسى من ولد إبراهيم، ومدين هو أحد أولاد إبراهيم، وقد بينته لك في سورة (هود) وغيرها، سميت البلد باسمه، وبين مدين ومصر مسيرة ثمانية أيام، وليس لفرعون سلطان على أهل مدين، ولم يكن لموسى طعام إلا ورق الشجر، ونبات الأرض، حتى رأى خضرته في بطنه. وما وصل إلى مدين؛ حتى وقع خف قدميه. قال ابن عباس-﵄: هو أول ابتلاء من الله لموسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام.
﴿قالَ عَسى رَبِّي أَنْ..﴾. إلخ: لما توجه موسى إلى مدين ولم يكن له معرفة بالطرق؛ سأل الله أن يهديه إلى الطريق التي توصله إلى مدين، فاعترضه ثلاث طرق، فأخذ في أوسطها، وكان فرعون أرسل جنوده في طلبه، وقال لهم: اطلبوه في ثنيات الطريق؛ فإنه لا يعرف الطريق، فجاءه ملك راكبا فرسا، فقال له: اتبعني، فاتبعه، فهداه إلى الطريق. قيل: إن هذا الملك هو جبريل ﵇. والله أعلم.
هذا؛ وبلاد مدين واقعة حول خليج العقبة من عند نهايته الشمالية، وشمال الحجاز، وجنوب فلسطين تنسب إلى مدين، ويطلق على سكانها: قوم مدين.
هذا؛ و ﴿تِلْقاءَ﴾ يقرأ بالمد، والقصر، قراءتان سبعيتان، وهو يستعمل ظرف مكان كما هنا، ويستعمل مصدرا ك: «التّبيان»، ولم يجئ من المصادر على التفعال بالكسر غير: التّلقاء،
стр. 4418
والتّبيان، والزّلزال، والوسواس، وإذا فتحت الأول صارت أسماء. ولم أعثر على فعل ل:
«تلقاء» على الاعتبارين: المصدرية، والاسمية، وهمزته بالمد منقلبة عن ياء «تلقاي» لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين.
هذا؛ و ﴿سَواءَ﴾ في الأصل مصدر بمعنى: الاستواء، فلذا صح الإخبار به عن متعدد في كثير من الآيات، وقيل: هو بمعنى: مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع. قالوا: هما سواء، وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا: سيان، وإن شئت قلت: سواءان. قال قيس بن معاذ، وهو الشاهد رقم [٢٤١] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
فيا ربّ إن لم تجعل الحبّ بيننا... سواءين فاجعلني على حبّها جلدا
واعتبر ابن هشام في المغني هذه التثنية شاذة، وفي الجمع قالوا: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر، وأيضا على غير القياس قولهم: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون. هذا؛ والسواء أيضا: العدل، والوسط، كما في هذه الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾. وانظر شرح السبيل في الآية رقم [٥٧] من سورة (الفرقان). هذا؛ وفسر الجلال: ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ بقصد الطريق، ثم فسر القصد بالوسط.
الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿تَوَجَّهَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿تِلْقاءَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿تِلْقاءَ﴾ مضاف، و ﴿مَدْيَنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. وقيل: العلمية، والتأنيث، وليس بشيء، وجملة: ﴿تَوَجَّهَ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد من أفعال الرجاء، مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبِّي:﴾ اسم (عسى) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَهْدِيَنِي:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿سَواءَ:﴾ منصوب بنزع الخافض. وقيل: هو مفعول ثان للفعل قبله، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ و ﴿سَواءَ﴾ مضاف، و ﴿السَّبِيلِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة للموصوف، و ﴿أَنْ يَهْدِيَنِي﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر:
﴿عَسى،﴾ وجملة: ﴿عَسى رَبِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب.
стр. 4419
﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ:﴾ وصل موسى إلى الماء، وهو بئر لأهل مدين كانوا يسقون منها، ووروده الماء معناه: أنه بلغه لا أنه دخل فيه، ولفظة الورود تكون بمعنى الدخول في المورود، وبمعنى الاطلاع عليه؛ والبلوغ إليه؛ وإن لم يدخل، ومنه قول زهير في معلقته:
رقم [١٤]. [الطويل]
فلمّا وردن الماء زرقا جمامه... وضعن عصيّ الحاضر المتخيّم
﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ أي: قريبا من الماء، أو وجد فوق شفير البئر. ﴿أُمَّةً:﴾ جماعة كثيرة العدد.
﴿يَسْقُونَ:﴾ مواشيهم الماء. هذا؛ وأمة بمعنى الجماعة، كما رأيت، ولا واحد لها من لفظها، وتكون واحدا إذا كان ممن يقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ﴾ والأمة:
الطريقة، والملة في الدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وبها فسرت الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنبياء). وقال النابغة الذبياني من قصيدة يخاطب بها النعمان بن المنذر، ويعتذر له مما وشى به الواشون: [الطويل]
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وهل يأثمن ذو أمّة، وهو طائع؟
وكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾. والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت وحين.
﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ أي: في مكان أسفل من مكانهم، وقبل أن يصل إلى الجماعة المحتشدين على الماء. ﴿اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ:﴾ تحبسان أغنامهما من الماء؛ لئلا تختلط بأغنامهم.
قال سويد بن كراع يذكر تنقيحه شعره: [الطويل]
أبيت على باب القوافي كأنّما... أذود به سربا من الوحش نزّعا
أي: أحبس، وأمنع. وقيل: تذودان: تطردان. قال جرير يهجو الفرزدق: [الوافر]
لقد سلبت عصاك بنو تميم... فما تدري بأيّ عصا تذود؟
أي: تطرد، وتكف. قال ابن عباس-﵄: تذودان أغنامهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء. وقيل: كانتا تكرهان المزاحمة على الماء. ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أي:
стр. 4420
ما شأنكما؟ وحقيقته: ما مخطوبكما؛ أي: ما مطلوبكما من الذياد؟ فسمى المخطوب: خطبا.
هذا؛ والخطب: الأمر العظيم، والنازلة من نوازل الدهر، وجمعه: خطوب، قال جابر بن رألان الطائي الجاهلي، وهذا هو الشاهد رقم [٢٦] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الوافر]
يرجّي المرء ما إن لا يراه... وتعرض دون أدناه الخطوب
﴿قالَتا لا نَسْقِي:﴾ أغنامنا الماء. ﴿حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أي: يصرف الرعاة مواشيهم عن الماء، حذرا من مزاحمة الرجال، فإذا صدروا سقينا مواشينا من فضل ما بقي منهم في الأحواض. هذا؛ ويقرأ ﴿يُصْدِرَ﴾ بضم الياء وكسر الدال من الرباعي، وبفتح الياء، وضم الدال من الثلاثي، و ﴿الرِّعاءُ﴾ بكسر الراء جمع: راع، كقائم، وقيام، ويقرأ بضم الراء، وهو اسم للجمع، كالتّوام، والرّخاء. ﴿وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ:﴾ كبير السن لا يستطيع أن يخرج للسقي، فيرسلنا اضطرارا.
هذا؛ والفعل ﴿نَسْقِي﴾ و ﴿يَسْقُونَ﴾ في الآية السابقة، و (سقى) في الآية التالية، و (سقيت) في الآية التي بعدها كل هذه الأفعال من الثلاثي، كما يأتي هذا الفعل من الرباعي: أسقى، وهما بمعنى واحد، تقول: سقى الله هذه البلاد الغيث، وأسقاها الغيث، فيكون بالهمزة تارة، وبدونه أخرى، وشاهد المهموز قوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً،﴾ وشاهد غير المهموز قول تعالى:
﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً،﴾ ويحتملهما قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً،﴾ وقوله جل ذكره: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقد ورد اللغتان في قول لبيد-﵁: [الوافر]
سقى قومي بني مجد وأسقى... نميرا والقبائل من هلال
ولكنه حذف المفعول الثاني من كليهما، كما حذف المفعولان من الألفاظ المذكورة في هذه الآيات. هذا؛ وفرق الأعلم بين المهموز، وغيره، فقال: تقول: سقيتك ماء إذا ناولته إياه يشربه، وتقول: أسقيتك إذا حصلت له سقيا.
هذا؛ والشيخ هو الذي استبانت فيه السن، وظهر عليه الشيب، وفي اللغة: هو من تجاوز الأربعين من عمره، وهو السن الذي يكمل فيها العقل، ويغلب فيها صلاح الرجل على فساده، ومن لم يكمل بعد الأربعين، ولم يرجع إلى صوابه فهو من الخاسرين. قال رسول الله ﷺ : «من بلغ من العمر أربعين سنة، ولم يغلب خيره على شرّه فليتجهّز إلى النّار». وأصبح الأمل في صلاحه بعيدا. قال زهير بن أبي سلمى: [الطويل]
وإنّ سفاه الشّيخ لا حلم بعده... وإنّ الفتى بعد السّفاهة يحلم
ورحم الله من يقول: [الطويل]
إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكن... له دون ما يأتي حياء ولا ستر
стр. 4421
فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى... وإن مدّ أسباب الحياة له الدّهر
هذا؛ ويجمع شيخ على: شيوخ، وشيوخ، وأشياخ، ومشيخة، وشيخان وشيخة، وجمع الجمع: مشايخ وأشاييخ، وفي مختار الصحاح عدّ من الجمع: مشايخ، ومشيوخاء، والمرأة شيخة، قال عبيد بن الأبرص في وصف فرسه في معلقته: [مخلع البسيط]
باتت على إرم عذوبا... كأنها شيخة رقوب
وقال عبد يغوث بن الحارث، وهذا هو الشاهد رقم (٥٠٣) من كتابنا: «فتح القريب»: [الطويل] وتضحك منّي شيخة عبشميّة... كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا
هذا؛ وشيّخته دعوته شيخا للتبجيل والتعظيم، وتصغير الشيخ: شييخ (بضم الشين وكسرها) ولا تقل: شويخ. ويطلق الشيخ على الأستاذ، والعالم وكبير القوم، ورئيس الصناعة، وعلى من كان كبيرا في أعين الناس علما، أو فضيلة، أو مقاما، ونحو ذلك، وشيخ النار: كناية عن إبليس، أخزاه الله تعالى.
هذا؛ ولقد اختلف في الشيخ أبي البنتين اختلافا كبيرا، فأكثر المفسرين على: أنه شعيب النبي على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقد اشتهر ذلك اشتهارا عظيما، وأولع به الأدباء وأصحاب السير، وهذا أبو العلاء المعري يقول مادحا رجلا عظيما زفت إليه عروسه: [الخفيف]
كنت موسى وافته بنت شعيب... غير أن ليس فيكما من فقير
وآخرون يذكرون غير ذلك، فقال جماعة: اسم والد المرأتين: يثرون، وإنه ابن أخي شعيب، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام. وقال آخرون: اسمه: يثري، فقد ذكر أبو جعفر الطبري في ذلك ثلاث روايات تنتهي كلها إلى ابن عباس-﵄، ليس فيها: أنه شعيب، أو ابن أخي شعيب.
وقال آخرون: إن الذي استأجر موسى هو نبي الله شعيب، وهي رواية ذكرها الطبري بسنده إلى قرّة بن خالد عن الحسن البصري، وذكر هذا الحافظ ابن كثير في تفسيره من قول الحسن البصري، وقول الإمام مالك. وقال آخرون: إن صاحب موسى والد المرأتين هو رجل مؤمن من قوم شعيب. وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى بمدة طويلة، والله أعلم بحقيقة الحال.
هذا؛ وقد روى البزار وابن أبي حاتم، كلاهما عن عتبة بن المنذر السلمي صاحب رسول الله ﷺ بسند طويل، قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبرّهما وأوفاهما». ثم قال النبي ﷺ : «إنّ موسى لمّا أراد فراق شعيب-﵇-أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قالب لون، قال: فما مرّت شاة إلا ضرب موسى جنبها بعصاه، فولدت قوالب ألوان كلّها، وولدت
стр. 4422
ثنتين، أو ثلاثا كلّ شاة، وليس فيها فشوش، ولا ضبوب، ولا كميشة تفوت الكف، ولا ثغول».
وقال رسول الله ﷺ : «إذا فتحتم الشّام، فإنّكم تجدون بقايا منها، وهي السامريّة». هذا الحديث أورده الحافظ ابن كثير من جملة أحاديث مرسلة، ثم قال: بعد كلام طويل: مدار هذا الحديث على عبد الله بن لهيعة المصري، وفي حفظه سوء، وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم.
وابن لهيعة أحد رواة سند الحديث. انتهى. قصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار بتصرف، واختصار كبيرين. ثم قال عبد الوهاب-رحمه الله تعالى-: من هذا نعلم: أنه لا يوجد حديث صحيح فيه اسم شعيب مصرحا به. انتهى.
شرح ألفاظ الحديث-قالب لون: ذات لونين، ما بين أبلق، وبلقاء، وقال الهروي: إنها جاءت على غير ألوان أمهاتها، والفشوش: هي التي ينفشّ لبنها من غير حلب، وذلك لسعة الإحليل، أي الحلمة التي يخرج منها اللبن، ومثله الفتوح والثّرور، ومنه قول النبي ﷺ : «إنّ الشّيطان يفشّ بين أليتي أحدكم حتّى يخيّل إليه: أنه أحدث». أي: ينفخ نفخا ضعيفا. والضبوب: الضيقة ثقب الإحليل، والضّبّ: الحلب لشدة العصر، والكميشة، ويروى الكموش، وهما بمعنى: الصغيرة الضرع، سميت بذلك لانكماش ضرعها، وهو تقلصه. والثغول، ويروى بالعين، وهي الشاة التي لها زيادة حلمة. والثعل: ضيق مخرج اللبن أيضا، وزيد في رواية ابن أبي حاتم: ولا عزوز، قال الهروي: العزوز: البكيئة، مأخوذ من العزاز، وهي الأرض الصلبة. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿وَرَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿ماءَ:﴾ مفعول به، و ﴿ماءَ﴾ مضاف، و ﴿مَدْيَنَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ لا محل لها... إلخ. ﴿وَجَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أُمَّةً:﴾ مفعول به أول. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أُمَّةً﴾. ﴿يَسْقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، وقد حذف مفعولاه، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل نصب حال من: ﴿النّاسِ،﴾ أو من:
﴿أُمَّةً،﴾ والرابط: الضمير. وهذا على اعتبار: وجد بمعنى: لقي. وجملة: ﴿وَجَدَ..﴾. إلخ جواب (لمّا)، لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.
﴿وَوَجَدَ:﴾ الواو: حرف عطف. (وجد): فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى أيضا.
﴿مِنْ دُونِهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿اِمْرَأَتَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى: لقي. ﴿تَذُودانِ:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، وألف الاثنين فاعله، ومفعوله محذوف،
стр. 4423
التقدير: تذودان أغنامهما. وانظر ما ذكرته الآية رقم [٩] من سورة (الزمر) عن ابن هشام فهو جيد إن شاء الله. والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿اِمْرَأَتَيْنِ،﴾ وجملة: ﴿وَوَجَدَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لما)، لا محل لها مثلها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿لَمّا:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَطْبُكُما:﴾ خبر المبتدأ، وبعضهم يعتبره مبتدأ مؤخرا، و (ما) خبرا مقدما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَتا:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين التي هي فاعله. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نَسْقِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، ومفعولاه محذوفان، التقدير: لا نسقي أغنامنا الماء، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة.
﴿يُصْدِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الرِّعاءُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف إن كان من الرباعي؛ و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَبُونا:﴾ والواو: واو الحال. (أبونا):
مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْخٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿كَبِيرٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿نَسْقِي﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وجملة:
﴿قالَتا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿فَسَقى لَهُما:﴾ أغنامهما ماء رحمة بهما، وشفقة عليهما، واختلف كيف كان سقيه لأغنامهما، قيل: اقتلع صخرة كانت على رأس بئر أخرى، كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقيل: زاحم القوم، ونحاهم عن البئر، وسقى لهما الغنم، وقيل: لما فرغ الرعاء من السقي غطوا رأس البئر بحجر، لا يرفعه إلا عشرة نفر، فجاء موسى، فرفع الحجر وحده، ونزع دلوا واحدا، ودعا فيه بالبركة، وسقى الغنم، فرويت.
﴿ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ﴾ أي: عدل، ومال إلى أصل شجرة من شجر الطلح، فجلس في ظلها من شدة الحر، وهو جائع، وفيه دليل على جواز الاستراحة في الدنيا؛ حتى من كثرة العبادة، فكيف بمن يشقى، ويركض في الدنيا ليلا ونهارا في جمع حطامها الفاني، بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة: ولما طال عليه البلاء أنس بالشكوى؛ إذ لا نقص في الشكوى إلى المولى.
стр. 4424
﴿فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما:﴾ لأي شيء. ﴿أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ:﴾ قليل، أو كثير، غث أو سمين، وكان لم يذق طعاما منذ سبعة أيام، حتى لصق بطنه بظهره، وكان يأكل من ورق الشجر ونبات الأرض، فعرّض بالدعاء، ولم يصرح بالسؤال، هكذا روى جميع المفسرين: أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله، فالخير يكون بمعنى الطعام كما في هذه الآية، ويكون بمعنى المال، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ،﴾ ويكون بمعنى القوة، كما قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ،﴾ ويكون بمعنى العبادة، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾.
﴿فَقِيرٌ:﴾ محتاج. وعدي باللام؛ لأنه ضمن معنى: سائل، أو طالب. هذا؛ وأصل «فقير» في اللغة: الذي انكسر فقار ظهره، ثم أطلق على المعدم الذي لا يجد حاجته من المال؛ لأنه يشبه الذي انبت ظهره، وعدم الحول والقوة، وهو أسوأ حالا من المسكين عندنا معاشر الشافعية.
تنبيه: وإنما رضي شعيب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لابنتيه بسقي الغنم؛ لأن هذا الأمر في نفسه ليس بمحظور، والدين لا يأباه، وأما المروءة فعادة الناس في ذلك متباينة، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر، خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة. انتهى. نسفي.
أقول: لعل الرجل أبا البنتين لم يكن له أولاد ذكور يقومون له بسقي الغنم، وغيرها من الأعمال، فإنني لم أطلع على أولاد ذكور لشعيب في المراجع الموجودة لدي، فتكون الضرورة هي التي ألجأت البنتين لسقي الغنم، وغيرها من الأعمال؛ وقد ذكر: أنه كان له سبع بنات، وانظر ما ذكرته في الشاهد [١٠٣١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»؛ ففيه بحث جيد.
الإعراب: ﴿فَسَقى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (موسى)، ومفعولاه محذوفان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقبلها كلام كثير مقدر، كما رأيت في الشرح. ﴿لَهُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِلَى الظِّلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى (موسى) أيضا. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف. وانظر ما ذكرته في (الشعراء) رقم [١٦٩] فإنه جيد.
﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَقِيرٌ﴾ الآتي، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، و ﴿أَنْزَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إني فقير للذي، أو: لشيء أنزلته. ﴿إِلَى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما،
стр. 4425
﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ما. ﴿فَقِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والكلام: ﴿رَبِّ إِنِّي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٥)﴾
الشرح: روي: أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس مبكرتين، وأغنامهما حفل بالماء، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا، رحمنا، فسقى لنا، وقصّا عليه القصة، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، وهو قوله تعالى: ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ﴾. قيل:
هي الكبرى، واسمها صفوراء. وقيل: صفراء. وقيل: بل هي الصغرى، واسمها: ليا. وقيل:
صفيراء، وقال عمر بن الخطاب-﵁: ليست بسلفع من النساء، خرّاجة، ولّاجة، ولكن جاءت مستترة، قد وضعت كمّ درعها على وجهها استحياء.
والاستحياء، والحياء-بالمد-: الحشمة، والانقباض، والانزواء. يقال: استحيت-بياء واحدة، وبياءين-، ويتعدى بنفسه، وبالحرف، يقال: استحييته، واستحيت منه. والحياء: ملكة تمنع الإنسان من ارتكاب الرذائل. والحياء خير ما يتحلى به إنسان، فإذا ذهب الحياء من الإنسان؛ فقد ذهب منه كلّ خير، كما قال القائل: [الوافر]
إذا لم تخش عاقبة اللّيالي... ولم تستح فاصنع ما تشاء
فلا وأبيك ما في العيش خير... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء
وقد رغّب النبي ﷺ في أحاديثه الشريفة الكثيرة بالحياء، وبيّن أنه من خير الخصال، وأكتفي بما يلي: فعن عمران بن الحصين-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الحياء لا يأتي إلاّ بخير». رواه البخاري، ومسلم، وفي رواية لمسلم: «الحياء خير كلّه». وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النّار». رواه أحمد.
هذا؛ والحياء في حق الله تعالى المراد منه: الترك اللازم للانقباض، كما ورد في قول النبي ﷺ : عن سلمان الفارسي-﵁: «إنّ الله حييّ كريم، يستحيي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين». رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، فالمراد منه: أن الله سبحانه يعطي، ولا يمنع.
стр. 4426
﴿قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا:﴾ قيل: لما سمع موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ذلك كره أن يذهب معها، ولكن كان جائعا، فلم يجد بدّا من الذهاب معها، فمشت المرأة، ومشى خلفها، فكانت الريح تضرب ثوبها، فتصف ردفها، فكره أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي، ودليني على الطريق؛ إذا أخطأت، ففعلت ذلك، فلما دخل موسى على شعيب إذا هو بالعشاء مهيأ، فقال: اجلس يا فتى فتعش! فقال: أعوذ بالله، قال شعيب: ولم ذاك؟ ألست جائعا؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لابنتيك، وإنا أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضا من الدنيا. فقال له شعيب: لا والله يا فتى! ولكنها عادتي، وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام. فجلس، وأكل. انتهى. خازن. وقال القرطبي: كان بين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال. فلما جاءه، وقصّ عليه القصص؛ أي: أخبره بأمره أجمع: من خبر ولادته، وتربيته في بلاط فرعون، وقتله القبطي، وقصد فرعون قتله. ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: من فرعون، وقومه، وإنما قال ذلك؛ لأنه لم يكن لفرعون سلطان على مدين.
يقول بعض المفسرين: إن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-أسمع المرأتين قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ تعريضا حتى يكون له منهما ما يقوته، وهو ليس معه درهم ولا متاع ولا دينار، ولا ما يؤكل، فكانت دعوته كدعوة المظلوم سريعة الإجابة، ومن جهة أخرى: فإن غرس الجميل قد أثمر، وآتى أكله في أقل من ساعة، والله يضاعف الحسنات لعباده المخلصين.
موسى رجل ربّي على العزة في بيت فرعون، مدللا في نعيم دائم، ورفاهة، وقد نزل به من الجوع ما اضطره إلى أن يرضى أن يأخذ أجر عمل من أعمال المروءة، والجوع يرضي الأسود بالجيف، وأحسبه لو كان في بلهنية من العيش؛ لم يرض أن يأخذ أجرا على زكاة قوته. انتهى.
عبد الوهاب النجار، وهذا كلام لا وجه له.
الإعراب: ﴿فَجاءَتْهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (جاءته): فعل ماض، والهاء مفعول به.
﴿إِحْداهُما:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وجملة: ﴿فَجاءَتْهُ..﴾. إلخ معطوفة على الكلام المقدر الذي رأيته في الشرح، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿تَمْشِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل تقديره: «هي»، يعود إلى إحداهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿إِحْداهُما﴾. والرابط: الضمير فقط. ﴿عَلَى اسْتِحْياءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿تَمْشِي﴾ فهي حال متداخلة. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿إِحْداهُما﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَبِي:﴾
стр. 4427
اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَدْعُوكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿أَبِي،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
﴿لِيَجْزِيَكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿أَبِي،﴾ والكاف مفعول به أول، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَجْرَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿أَجْرَ﴾ مضاف، و ﴿إِحْداهُما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿سَقَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: أجر الذي سقيته... إلخ، وإن اعتبرت ﴿إِحْداهُما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالإضافة، فالتقدير: أجر سقيك لنا
إلخ. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة:
(جاءته...) إلخ بواو محذوفة، أو هي في محل نصب حال ثانية، فتكون «قد» قبلها مقدرة. تأمل.
﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿جاءَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى)، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿وَقَصَّ:﴾
الواو: حرف عطف. (قصّ): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقَصَصَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى أبي البنتين. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَخَفْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: «لا» الناهية، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿نَجَوْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَخَفْ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿مِنَ الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة (القوم) مجرور مثله، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: ﴿لا تَخَفْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿قالَتْ إِحْداهُما:﴾ وهي التي استدعته. ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ:﴾ اتخذه أجيرا؛ ليرعى غنمنا. ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أي: إن خير من تستعمله الذي قوي على العمل، وأدى الأمانة، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته، وأمانته؟ قالت: أما قوته؛ فإنه رفع الحجر من على رأس البئر، ولا يرفعه إلا عشرة. وقيل: أربعون رجلا. وأما أمانته؛ فإنه قال لي: امشي
стр. 4428
خلفي، ودليني على الطريق؛ حتى لا تصف الريح بدنك. هذا؛ وورود الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أن أمانته، وقوته أمران متحققان. وقولها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ كلام جامع؛ لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان: الكفاية والأمانة في القائم بأمرك؛ فقد فرغ بالك، وتم مرادك. وعن ابن مسعود-﵁-قال: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب، وصاحب يوسف في قوله: ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ وأبو بكر في عمر، رضي الله عن الاثنين. هذا؛ وقد جعل الله ﴿خَيْرَ﴾ اسما ل: ﴿إِنَّ﴾ و ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ خبران لها، وهما أعرف منه، والسبب في ذلك: هو شدة الاهتمام والعناية بما جعل اسما، ومنه قول أبي الشغب العبسي في خالد بن عبد الله القسري الذي أسره يوسف بن عمر، وسجنه: [الطويل]
ألا إنّ خير النّاس حيّا وميّتا... أسير ثقيف عندهم في السّلاسل
﴿يا أَبَتِ:﴾ من المعروف: أن في الاسم المضاف لياء المتكلم إذا كان صحيح الآخر ومنادى ستّ لغات: أحدها: حذف الياء، والاستغناء عنها بالكسرة مثل: يا عبد، وهذا هو الأكثر. الثاني: إثبات الياء ساكنة، نحو: يا عبدي، وهو دون الأول في الكثرة. الثالث: قلب الياء ألفا، وحذفها، والاستغناء عنها بالفتحة، نحو يا عبد. الرابع: قلبها ألفا وبقاؤها، وقلب الكسرة فتحة، نحو: يا عبدا. الخامس: إثبات الياء محركة بالفتحة، نحو: يا عبدي. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
واجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
السادس: ضم الاسم بعد حذفها كالمفرد، اكتفاء بنية الإضافة، وإنما يكون ذلك فيما يكثر نداؤه مضافا للياء كالرب، والأبوين، والقوم، قرئ قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ..﴾.
إلخ بضم الباء، وحكي: يا ربّ اغفر لي. هذا؛ ويضاف إلى ذلك: إذا كان المنادى المضاف إلى الياء أبا، أو أمّا أربع لغات: إحداها: إبدال الياء تاء مكسورة، وبها قرأ السبعة ما عدا ابن عامر في قوله تعالى: ﴿يا أَبَتِ﴾ من سورة (يوسف) وسورة (مريم). الثانية: إبدالها تاء مفتوحة، وبها قرأ عامر ما تقدم. الثالثة: (يا أبتا) بالتاء والألف، وبها قرئ ما تقدم شاذا. وقال رؤبة بن العجاج: [الرجز]
تقول بنتي قد أنى أناكا... يا أبتا علّك أو عساكا
الرابعة: يا أبتي. وعليه قول الشاعر: [الطويل]
أيا أبتي لا زلت فينا فإنّما... لنا أمل في العيش ما دمت عائشا
قال ابن هشام في قطر الندى: وهاتان اللغتان قبيحتان، والأخيرة أقبح من التي قبلها، وينبغي ألاّ تجوز إلا في ضرورة الشعر، وقال الخضري في حاشيته على ابن عقيل: ضرورة لكن الأولى
стр. 4429
أهون لذهاب صورة الياء المعوض عنها. بل قيل: لا ضرورة فيه؛ لأن هذه الألف لم تنقلب عن الياء، بل هي التي تلحق المنادى البعيد، والمندوب، والمستغاث، فتكون لغة عاشرة، والله أعلم.
الإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿إِحْداهُما:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو.
(أبت): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، والمعوض عنها التاء، كما رأيت في الشرح. ﴿اِسْتَأْجِرْهُ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت» والهاء مفعول به. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿خَيْرَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و ﴿مَنِ﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿اِسْتَأْجِرْهُ﴾ صلة ﴿مَنِ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو:
شخص استأجرته. ﴿الْقَوِيُّ:﴾ خبر (إن). ﴿الْأَمِينُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ خَيْرَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، والكلام: ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ أي: أزوجك. ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ:﴾ قيل: زوّجه الكبرى. وقال الأكثرون: إنه زوجه الصغرى، واسمها: صفوراء، أو: ليا، حسبما رأيت فيما تقدم، وهي التي ذهبت في طلبه، واستدعائه، وهذا؛ وعد منه، ولم يكن عقد نكاح إذ لو كان عقدا؛ لقال: قد أنكحتك، ولعين المعقود عليها له. ﴿عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ:﴾ على أن تكون لي أجيرا ثمان سنين، والحجة: السنة، وجمعها: حجج، قال زهير بن أبي سلمى، وينسب لحماد الراوية: [الكامل]
لمن الدّيار بقنّة الحجر... أقوين مذ حجج ومذ دهر
﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً﴾ أي: عمل عشر سنين. ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: فالإتمام من عندك؛ أي:
تفضل منك، وتكرم، وليس مشروطا عليك. ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي: ألزمك إتمام العشر. هذا؛ والمشقة: الصعوبة، واشتقاقها من: الشق، فإن ما يصعب عليك يشق عليك اعتقادك في إطاقته، ورأيك في مزاولته.
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: في حسن المعاملة، ولين الجانب، والوفاء بالمعاهدة، والمراد باشتراطه مشيئة الله فيما وعد من الصلاح: الاتكال على توفيقه تعالى،
стр. 4430
ومعونته، لا المراد التعليق بالمشيئة؛ لأنها غير معلومة في جنب الله تعالى. وإن قلت: المراد:
التبرك، لا الاستثناء؛ فهو جيد.
هذا؛ والمساهلة في المعاملات من شيم الأنبياء بلا ريب، والصالحون يقتدون بهم، ومنه الحديث: «كان رسول الله ﷺ شريكي، فكان خير شريك، لا يداري، ولا يشاري، ولا يماري».
تنبيه: في الآية الكريمة عرض ولي الأنثى ابنته على الرجل، وهذه سنة قائمة بين الناس، عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر، وعثمان-﵃ أجمعين-وعرضت الموهوبة نفسها على النبي ﷺ ، فمن الحسن عرض الرجل وليته، والمرأة نفسها على الرجل الصالح، اقتداء بالسلف الصالح.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى والد البنتين. ﴿إِنِّي:﴾
حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿أُنْكِحَكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب:
﴿أَنْ﴾ والفاعل تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿إِحْدَى:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿إِحْدَى:﴾ مضاف، و ﴿اِبْنَتَيَّ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿هاتَيْنِ:﴾ الهاء: تنبيه. (تين): اسم إشارة صفة ﴿اِبْنَتَيَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وبعضهم يعتبره مبنيا على الياء؛ لأن أسماء الإشارة من المبنيات، وجملة: ﴿أُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب.
﴿تَأْجُرَنِي:﴾ فعل مضارع منصوب، ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، ويا المتكلم مفعول به، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: تأجرني نفسك. ﴿ثَمانِيَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، واعتبره الزمخشري مفعولا ثانيا على تضمين ﴿تَأْجُرَنِي﴾ تثيبني، وتقدير مضاف محذوف، التقدير: تثيبني رعي ثماني حجج، و ﴿ثَمانِيَ﴾ مضاف، و ﴿حِجَجٍ﴾ مضاف إليه، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو من المفعول وهو الكاف، التقدير: مشروطا علي، أو عليك ذلك.
﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (إن): حرف شرط جازم، ﴿أَتْمَمْتَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿عَشْراً:﴾ مفعول به، وهو على حذف مضاف، التقدير: أتممت رعي عشر سنين، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَمِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من عندك):
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف أيضا: التقدير: فالتمام من عندك تفضلا،
стр. 4431
لا من عندي إلزاما عليك، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما):
نافية. ﴿أُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿وَما أُرِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿سَتَجِدُنِي:﴾ السين: حرف استقبال. (تجدني): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن شاء الله ذلك؛ فإنك تجدني مثلك. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿سَتَجِدُنِي،﴾ وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الشرطية معترضة بينهما لا محل لها، وجملة: ﴿سَتَجِدُنِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: الذي قلته، وعاهدتني عليه قائم، وثابت بيننا، لا يخرج عنه واحد منا، لا أنا عما شرطت علي، ولا أنت عما شرطته على نفسك. ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ أي: أتممت أقصرهما، أو أطولهما. ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أي: لا يتعدى علي بطلب الزيادة على الثمان، كما لا أطالب بالزيادة على العشر، أما الثمان فأنا ملزم بإتمامها. وقرئ بضم العين وكسرها، والأول أفصح. ﴿وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ:﴾ شاهد، وحفيظ. هذا؛ وقرئ: «(أيما)» بتخفيف الياء، ومثله قول الفرزدق في مدح نصر بن سيار أمير خراسان لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وهو الشاهد رقم [١٢٤] من كتابنا فتح القريب المجيب إعراب شواهد مغني اللبيب: [الطويل]
تنظّرت نصرا والسّماكين أيهما... عليّ من الغيث استهلّت مواطره
تنبيه: قيل: تم عقد النكاح والإجارة بما صدر من شعيب، وهو قوله ﴿إِنِّي أُرِيدُ..﴾. إلخ ومن موسى، وهو قوله ﴿ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ..﴾. إلخ ولعل هذا كان في شرعهما، وإلا فهذه الصيغة لا تكفي عندنا في عقد النكاح؛ لأن الواقع من شعيب وعد بالإنكاح، والواقع من موسى ليس فيه مادة التزويج، ولا الإنكاح، وأيضا الصداق ليس راجعا للمنكوحة، بل لأبيها، وأيضا لم يعين المنكوحة. وقيل: إنهما عقدا عقدا بغير الصورة المذكورة هنا منهما. انتهى. جمل.
والله أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 4432
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: قائم، وثابت بيني وبينك، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَبَيْنَكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (بينك): معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَيَّمَا:﴾ اسم شرط مفعول به مقدم، و (ما): صلة، و (أيّ) مضاف، و ﴿الْأَجَلَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. هذا؛ وقيل: (ما) نكرة تامة بمعنى شيء، وهي المضاف إليه، و ﴿الْأَجَلَيْنِ﴾ بدل منها. وبه قيل في قوله تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية رقم [١٥٩] من سورة (آل عمران). ﴿قَضَيْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل: «إن».
﴿عُدْوانَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿عَلَيَّ:﴾ حرف جر. ﴿أَيَّمَا:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلَيَّ،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿وَكِيلٌ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿أَيَّمَا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: على الذي، أو على شيء نقوله، وعلى اعتبار: ﴿أَيَّمَا﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلَيَّ،﴾ التقدير: على قولنا. ﴿وَكِيلٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، إن كانت من كلام موسى، ومستأنفة إن كانت من قول شعيب، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ:﴾ وهو عشر سنين. عن سعيد بن جبير-﵄ قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري؛ حتى أقدم على حبر العرب، فأسأله. فقدمت، فسألت ابن عباس-﵄-فقال: قضى أكثرهما، وأوفاهما؛ لأن النبي إذا قال؛ فعل.
وعن أبي ذر الغفاري-﵄-مرفوعا إذا سئلت: أيّ الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما، وأبرّهما. وإذا سئلت أي المرأتين تزوج فقل: الصغرى منهما، وهي التي جاءت
стр. 4433
فقالت: ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ فتزوج صغراهما، وقضى أوفاهما، وعن عيينة بن حصن-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أجّر موسى نفسه بشبع بطنه، وعفّة فرجه».
وروى شداد بن أوس مرفوعا: بكى شعيب النبي ﷺ ؛ حتى عمي، فرد الله عليه بصره، ثم بكى؛ حتى عمي، فرد الله عليه بصره، ثم بكى؛ حتى عمي، فرد الله عليه بصره، فقال الله له:
ما هذا البكاء؟ أشوقا إلى الجنة، أم خوفا من النار؟ فقال: لا يا رب، ولكن شوقا إلى لقائك، فأوحى الله إليه: إن يكن ذلك، فهنيئا لك لقائي يا شعيب! لذلك أخدمتك كليمي موسى.
ولما تعاقدا العقد السابق بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، قيل: كانت من آس الجنة، حملها آدم معه، فتوارثها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم؛ حتى وصلت إلى شعيب، فأعطاها موسى.
وقيل: أمره شعيب أولا أن يلقيها في البيت، ويأخذ غيرها، فدخل، وأخرج تلك العصا بعينها، وهكذا سبع مرات، كل مرة لا تقع بيده غير تلك، فعلم شعيب: أن له شأنا.
فلما أصبح قال له: سق الأغنام إلى مفرق الطريق، فخذ عن يمينك، وليس بها عشب كثير، ولا تأخذ عن يسارك فإن بها عشبا كثيرا، وتنينا كبيرا، فساق المواشي إلى مفرق الطريق، فأخذت نحو اليسار ولم يقدر على ضبطها، فنام موسى وخرج التنين، فقامت العصا، وصارت شعبتاها حديدا، وحاربت التنين حتى قتلته، وعادت إلى موسى، فلما انتبه رأى العصا مخضوبة بالدم، والتنين مقتولا، فعاد إلى شعيب عشاء، وكان شعيب ضريرا فمس الأغنام، فإذا أثر الخضب باد عليها، فسأله عن القصة، فأخبره بها، ففرح شعيب.
﴿وَسارَ بِأَهْلِهِ:﴾ بامرأته؛ لصلة رحمه، وزيارة أمه، وأبيه، وأخيه، وأقاربه مصطحبا الغنم التي أعطاه إياها شعيب كما رأيت في الآية رقم [٢٣] وكان قد استأذن شعيبا في العودة إلى مصر، فأذن له، فخرج من عنده قاصدا مصر، وفيه دليل على: أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء، لما له عليها من فضل القوامة وزيادة الدرجة، إلا أن يلتزم لها أمرا؛ فالمؤمنون عند شروطهم. ﴿آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً:﴾ انظر الآية رقم [٧] من سورة (النمل)، وانظر التعبير هناك بقوله تعالى: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ﴾.
﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ:﴾ وفي (النمل): ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ و (الجذوة) بتثليث الجيم، وقرئ بهن: الجمرة الملتهبة، والجمع: جذا بتثليث الجيم أيضا، والجذوة: العود الغليظ كانت في رأسه نار، أو لم تكن، قاله الزمخشري، والأول قاله القرطبي، وهو الموافق لكتاب اللغة، قال ابن مقبل: [البسيط]
باتت حواطب ليلى يلتمسن لها... جزل الجذى غير خوّار ولا دعر
الخوار: الضعيف، وعود دعر: كثير الدخان، وقال آخر: [الطويل]
стр. 4434
وألقى على قيس من النّار جذوة... شديدا عليها حرّها والتهابها
فهي في هذا البيت مستعارة لشدة النّكاية التي أذاقها قبيلة قيس. ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٧] من سورة (النمل). هذا؛ والنار: جوهر لطيف مضيء محرق، وهي من المؤنث المجازي وقد تذكّر، وأصلها: نور، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وتصغيرها:
نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، قلبت الواو فيهما ياء لانكسار ما قبلها. ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين والمجرمين. والفعل: نار ينور، يستعمل لازما، ومتعديا؛ إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿قَضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿مُوسَى:﴾ فاعله مرفوع... إلخ. ﴿الْأَجَلَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. (سار): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسَى،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِأَهْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿آنَسَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسَى﴾. ﴿مِنْ جانِبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ناراً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة...» إلخ و ﴿جانِبِ﴾ مضاف، و ﴿الطُّورِ﴾ مضاف إليه. ﴿ناراً:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿آنَسَ﴾ جواب (لما)، لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وقبله كلام محذوف يدل عليه سياق الكلام.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسَى﴾ أيضا. ﴿لِأَهْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿اُمْكُثُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والمعنى: فلما آنس من جانب الطور نارا؛ قال... إلخ. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿آنَسْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ناراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿لَعَلِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿آتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من (خبر).
﴿بِخَبَرٍ:﴾ متعلقان به أيضا، وهما في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: ﴿آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ﴾ في محل رفع خبر: (لعلّ)، وجملة: ﴿لَعَلِّي..﴾. إلخ مفيدة للتعليل أيضا. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له؛ لأن الترجي إنشاء. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿جَذْوَةٍ:﴾ معطوف على
стр. 4435
ما قبله. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿جَذْوَةٍ،﴾ وجملة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ بمنزلة البدل من سابقتها، وإعرابها غير خاف؛ إن شاء الله تعالى.
﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا أَتاها:﴾ يعني: الشجرة، قدّم ضميرها عليها. ﴿نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ﴾ أي: من جانب الوادي الذي عن يمين موسى، وهو صريح قوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ وإن الجبل، والوادي لا يمين لهما، ولا شمال كما هو معروف، والشجرة المذكورة كانت نابتة على الشاطئ، وشاطئ الوادي، وشطه: جانبه، والجمع شطّان، وشواطئ ذكره القشيري، وقال الجوهري: ويقال: شاطئ الأودية، ولا يجمع. ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ:﴾
جعلها الله مباركة؛ لأن الله كلم موسى هناك، وبعثه نبيا، وقيل: يريد: البقعة المقدسة.
﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ أي: من ناحية الشجرة. قال ابن مسعود-﵁: كانت سمرة خضراء تبرق، وقيل: كانت عوسجة. وقيل: كانت من العليق. وعن ابن عباس-﵄: إنها العناب. وقيل: إن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لما رأى النار في الشجرة الخضراء علم: أنه لا يقدر على الجمع بين النار، وخضرة الشجرة إلا الله تعالى، فعلم بذلك أن المتكلم هو الله تعالى. وقيل: إن الله تعالى: خلق في نفس موسى علما ضروريا بأن المتكلم هو الله تعالى، وأن ذلك الكلام كلام الله تعالى. وقيل: إنه قيل لموسى:
كيف عرفت أنه نداء الله تعالى؟ قال: إني سمعته بجميع أجزائي، فلما وجد حس السمع من جميع الأجزاء؛ علم بذلك: أنه لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى. انتهى. خازن.
قال المهدوي: كلم الله تعالى موسى من فوق عرشه، وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء، ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بالانتقال، والزوال، وشبه ذلك من صفات المخلوقين.
وقال أبو المعالي: وأهل المعاني، وأهل الحق، يقولون: من كلمه الله تعالى، وخصه بالرتبة العليا، والغاية القصوى، فيدرك كلامه القديم المتقدس عن مشابهة الحروف، والأصوات، والعبارات، والنغمات، وضروب اللغات، كما أن من خصه الله بمنازل الكرامات، وأكمل عليه نعمته، ورزقه رؤيته يرى الله منزها عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث، ولا مثل له سبحانه في ذاته، وصفاته. انتهى. قرطبي.
﴿يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ:﴾ وفي سورة (طه) قوله تعالى: ﴿يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ..﴾. إلخ، وفي سورة (النمل) ﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ والمعنى واحد، واختلاف
стр. 4436
الألفاظ لشحذ الأذهان، وله وقع جيد على الأسماع، وهو دليل واضح على بلاغة القرآن، الذي أخرس الفصحاء، وأسكت البلغاء، واعتبروا يا أولي الأبصار.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿أَتاها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى﴾ تقديره: «هو» و (ها):
مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿نُودِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى﴾.
﴿مِنْ شاطِئِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من نائب الفاعل؛ أي: قريبا منه، أو كائنا فيه. و ﴿شاطِئِ﴾ مضاف، و ﴿الْوادِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْأَيْمَنِ:﴾ صفة: ﴿الْوادِ﴾. ﴿فِي الْبُقْعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿نُودِيَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شاطِئِ﴾. ﴿الْمُبارَكَةِ:﴾ صفة ﴿الْبُقْعَةِ﴾. ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ:﴾ بدل من ﴿شاطِئِ الْوادِ﴾ بدل اشتمال، وجملة: ﴿نُودِيَ..﴾. إلخ جواب (لما)، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وقبله كلام مقدر يقتضيه المقام.
﴿أَنْ:﴾ مفسرة، وقيل: مصدرية، وقيل: مخففة من الثقيلة. وليسا بشيء؛ لعدم إفادتها المعنى المقصود. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف المقصورة في محل نصب ب: (يا). ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل في محل رفع توكيد لاسم (إنّ) على المحل، أو هو ضمير فصل لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ خبر (إن). ﴿رَبُّ:﴾ خبر ثان ل: (إنّ)، أو هو بدل من لفظ الجلالة، أو هو صفة له. و ﴿رَبُّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وهو مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، ولفظ الجلالة خبره؛ فالجملة الاسمية تكون في محلّ رفع خبر (إنّ). هذا؛ والكلام: ﴿أَنْ يا مُوسى..﴾. إلخ لا محل له؛ لأنه مفسر ل: ﴿نُودِيَ،﴾ وقيل: هو على إضمار القول؛ أي: قل يا موسى: إني... إلخ، والمعتمد الأول. هذا؛ وقرئ بفتح همزة: (أني)، وعليه تؤول أن واسمها وخبرها بمصدر في محل نصب سد مسد مفعول لفعل محذوف، التقدير: اعلم: أني... إلخ، وهذه الجملة في محلها ما ذكرته سابقا.
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ:﴾ في الآية حذف؛ إذ التقدير: وألق عصاك، فألقاها من يده، فصارت حية تهتز، كأنها جان، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم، وقيل: إنها قلبت له حية
стр. 4437
صغيرة، فلمّا أنس منها، قلبت حية كبيرة. وقيل: انقلبت مرة حية صغيرة، ومرة حية تسعى، وهي الأنثى، وهو ما عبر عنها في سورة (طه) بقوله: ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ومرة ثعبانا، وهو الذكر الكبير من الحيات، وهو ما عبر عنها بقوله تعالى في سورة (الشعراء)، وفي سورة (الأعراف): ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾.
قال أحمد محشّي الكشاف: كما وصف الله الريح بأنها تكون أحيانا عاصفة، وأحيانا رخاء، وذلك لسليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-وصف عصا موسى تارة بأنها جان، وتارة بأنها ثعبان. والجان: الرقيق من الحيات، والثعبان: العظيم الجافي منها، ووجه ذلك: أنها جمعت بين الوصفين، فكانت في خفتها، وفي سرعة حركتها كالجان، وكانت في عظم خلقها كالثعبان، ففي كل واحد من الريح، والعصا على هذا التقرير معجزتان، والله أعلم. انتهى.
﴿وَلّى مُدْبِراً:﴾ خائفا على عادة البشر، هاربا من هول ما رأى. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ:﴾ لم يرجع، ولم يلتفت لشدة خوفه، ورعبه؛ لأنه ظن: أن هذا الأمر أريد به. ﴿يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ:﴾ ناداه ربه:
يا موسى! لا تخف من الحية، وضررها. ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ:﴾ من المخاوف جميعها، فإنه لا يخاف لدي المرسلون. قال وهب-رحمه الله تعالى-: إنها لم تدع شجرة، ولا صخرة إلا بلعتها؛ حتى إن موسى سمع صرير أسنانها، وقعقعة الشجر، والصخر في جوفها، فحينئذ ولّى مدبرا ولم يعقب، فنودي عند ذلك: ﴿يا مُوسى أَقْبِلْ..﴾. إلخ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَأَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): مفسرة مثل سابقتها. ﴿أَلْقِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «أنت».
﴿عَصاكَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على قوله تعالى: ﴿أَنْ يا مُوسى..﴾. إلخ ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿رَآها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى)، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا؛ لأنها ابتدائية، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿تَهْتَزُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى العصا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وجملة:
﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ في محل نصب حال من فاعل: ﴿تَهْتَزُّ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي حال متداخلة، أو هي حال ثانية من الضمير المنصوب. ﴿وَلّى:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (موسى) أيضا. ﴿مُدْبِراً:﴾ حال منه، وهي حال مؤكدة لمعنى الفعل؛ لأنها من معناه، وإن اختلف اللفظ، وجملة: ﴿وَلّى مُدْبِراً﴾ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام معطوف على الكلام الذي رأيته في الشرح، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين. ﴿وَلَمْ:﴾
стр. 4438
الواو: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُعَقِّبْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب:
(لم) والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من فاعل:
﴿وَلّى،﴾ والرابط: الواو، والضمير.
﴿يا مُوسى:﴾ منادى مثل سابقه. ﴿أَقْبِلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿وَلا:﴾
الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَخَفْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿مِنَ الْآمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ تعليل للنهي، لا محل لها، والكلام: ﴿يا مُوسى..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له.
هذا؛ والآية مذكورة في سورة (النمل) برقم [١٠] مع فارق بسيط.
﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ..﴾. إلخ: وفي سورة (النمل): ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ..﴾. إلخ، وهما بمعنى واحد. وقيل: كانت عليه مدرعة صوف، لا كم لها، ولا أزرار، فأدخل يده في جيبها، وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل شعاع الشمس، أو البرق. والجيب طوق القميص، سمي جيبا؛ لأنه يجاب؛ أي: يقطع؛ ليدخل فيه الرأس. هذا؛ وفي سورة (طه) قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ..﴾. إلخ فيكون المراد بما هنا، وهناك أدخل يدك في جيبك، وأوصلها تحت العضد، وضمّ عليها العضد وهو المعبر عنه بالجناح. وقوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير عاهة، وقبح، كنى به عن البرص، كما كنى بالسوءة عن العورة؛ لأن الطباع تعافه، وتنفر منه. قال ابن عباس-﵄: كان ليده نور ساطع، يضيء بالليل، والنهار كضوء الشمس، والقمر، فكان يعشي البصر من شدته. ولا تنس: أن قوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ احتراس من أن يتوهم متوهم البرص، وغيره من الأمراض المشينة.
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ:﴾ المعنى: اضمم يدك إلى صدرك يذهب ما بك من خوف لأجل الحية، عن ابن عباس-﵄-قال: كل خائف إذا وضع يده على صدره؛ زال خوفه. وقيل: معنى ضم الجناح: أن الله تعالى لما قلب العصا حية؛ فزع موسى، واتّقاها بيده، كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء، فإذا ألقيتها، فكما تنقلب العصا حية؛ فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء؛ ليحصل
стр. 4439
الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى. والمراد بالجناح: اليد؛ لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى، فقد ضم جناحه إليه.
أو أريد بضم جناحه إليه: تجلده وضبط نفسه عند انقلاب العصا حية؛ حتى لا يضطرب، ولا يرهب استعارة من فعل الطائر؛ لأنه إذا خاف؛ نشر جناحيه، وأرخاهما، وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران. انتهى. نسفي. هذا؛ وضم الجناح كناية عن السكون، والرفق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ارفق بهم.
طرفة: يحكى عن عمر بن عبد العزيز-﵁: أن كاتبا كان يكتب بين يديه، فانفلتت منه فلتة ريح فخجل، وانكسر، فقام، وضرب بقلمه الأرض، فقال له عمر-رحمه الله تعالى-: خذ قلمك واضمم إليك جناحك، وليفرخ روعك، فإني ما سمعتها من أحد أكثر ممّا سمعتها من نفسي. هذا؛ ومعنى: وليفرخ روعك: وليذهب روعك، وأفرخ الروع: انكشف وذهب.
هذا ويقرأ ﴿الرَّهْبِ﴾ بفتحتين، وبضمتين وبضم فسكون، والمعنى واحد. ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ:﴾
حجتان واضحتان، والمراد بهما: العصا، واليد. هذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: لم سميت الحجة برهانا؟ قلت: لبياضها، وإنارتها، من قولهم للمرأة البيضاء: برهرهة بتكرير العين واللام معا. انتهى. ومثله تسميتهم الحجة سلطانا من السليط، وهو الزيت؛ لإنارتها، وقرئ بتشديد نون (ذانك) والتخفيف أفصح، وانظر شرح بقية الآية في سورة (النمل) رقم [١٢] وإنما ذكّر اسم الإشارة مع أن المشار إليه اليد، والعصا، وهما مؤنثان؛ لأن المبتدأ عين الخبر في المعنى، والبرهان مذكر.
الإعراب: ﴿أَسْئَلَكَ:﴾ فعل أمر معطوف بواو محذوفة على قوله: ﴿أَلْقِ﴾ بدليل قوله ﴿وَأَدْخِلْ﴾ في الآية رقم [١٢] من سورة (النمل)، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿يَدَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي جَيْبِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تَخْرُجْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، والفاعل يعود إلى:
﴿يَدَكَ﴾. ﴿بَيْضاءَ:﴾ حال من الفاعل المستتر. ﴿مِنْ غَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أخرى من الفاعل المستتر، أو من الضمير المستتر في: ﴿بَيْضاءَ،﴾ أو بمحذوف صفة:
﴿بَيْضاءَ،﴾ و ﴿غَيْرِ﴾ مضاف، و ﴿سُوءٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿تَخْرُجْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر قبل ﴿أَسْئَلَكَ،﴾ ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿وَاضْمُمْ:﴾ الواو:
حرف عطف. (اضمم): معطوف على ما قبله، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿إِلَيْكَ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: في تعليق الجار والمجرور في هذه الآية، وفي قوله تعالى:
﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ الآية رقم [٢٦٠] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وهذا كله يتخرج إما على
стр. 4440
التعلق بمحذوف، كما قيل في اللام في: سقيا لك. وإما على حذف مضاف، التقدير: واضمم إلى نفسك جناحك، وذلك لأنه لا يتعدى فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل إلا في باب: «ظنّ» وانظر ما ذكرته في الشاهد رقم [٢٥٧] من كتابنا فتح القريب المجيب؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿جَناحَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الرَّهْبِ:﴾ متعلقان بالفعل:
(اضمم) وقال مكي وأبو البقاء: متعلقان ب: ﴿وَلّى،﴾ وقيل: ب: ﴿مُدْبِراً،﴾ وقيل: بمحذوف، أي: يسكن من الرهب، وقيل: ب: (اضمم). انتهى. ولعلك تدرك معي: أن التعليق بأقرب مذكور أولى. ﴿فَذانِكَ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (ذانك): اسم إشارة مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بالمثنى، وبعضهم يعتبره مبنيا على الألف؛ لأن أسماء الإشارة مبنية، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بُرْهانانِ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على مضمون الكلام قبلها لا محل لها، وإن اعتبرتها مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (برهان)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الكاف، التقدير: مرسلا إلى فرعون. ﴿وَمَلائِهِ:﴾
معطوف على: ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مجرور مثله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [١٢] من سورة (النمل).
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً:﴾ يعني القبطي الذي تقدم ذكره في الآية رقم [١٥].
﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: به. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١].
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف. ﴿إِنِّي:﴾
حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿قَتَلْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَفْساً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، وجملة: ﴿قَتَلْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فَأَخافُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخاف):
فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَقْتُلُونِ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة ﴿فَأَخافُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ رَبِّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 4441
﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً﴾ أي: كلاما، أو بيانا، وإنما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه من وضع الجمرة في فيه، وذلك: أن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-قد ربّي في حجر فرعون، كما رأيت فيما سبق، فكان يلاعبه ذات يوم، فلطم موسى فرعون لطمة على وجهه، وأخذ بلحيته، فقال فرعون لامرأته آسية: إن هذا عدوي، وأراد قتله، فقالت له آسية-﵍: إنه صبي، لا يعقل، جربه إن شئت، فجاءت بطستين، في أحدهما جمر، وفي الآخر جوهر. وقيل: تمر، فوضعتهما بين يدي موسى، وفرعون ينظر، فأراد موسى أن يأخذ الجوهر، فأخذ جبريل ﵇ يده، فوضعها على الجمر، فأخذ جمرة، فوضعها في فيه، فاحترق لسانه، وصارت فيه لكنة، ولذا قال في سورة (طه): ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ وقال فرعون عنه في سورة (الزخرف): ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾. وهو حكاية قول الله عنهما.
﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً:﴾ معينا، مشتق من: أردأته، أي: أعنته، وأردأته: أفسدته، فهو من الأضداد. قال النحاس: وقد حكي: ردأته ردءا. هذا؛ والردء: اسم لما يعان به، كما أنّ الدفء اسم لما يدفأ به. قال سلامة بن جندل: [الوافر]
وردئي كلّ أبيض مشرفيّ... شحيذ الحدّ، عضب ذي فلول
وقرئ «(ردا)» على التخفيف، كما قرئ قوله تعالى ﴿الْخَبْءَ:﴾ (الخب). قال المهدوي:
ويجوز أن يكون ترك الهمز من قولهم: أردى على المئة، أي: زاد عليها. وكأن المعنى: أرسله معي زيادة في تصديقي، قاله مسلم بن جندب، وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
وأسمر خطّيّا كأنّ كعوبه... نوى القسب قد أردى ذراعا على العشر
فهو يصف رمحا. والقسب: الصلب، والقسب: تمر يابس يتفتت في الفم، صلب النواة.
﴿يُصَدِّقُنِي:﴾ يقرأ بالرفع، والجزم، والمراد بتصديق هارون له أن يخلص بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ويجادل به الكفار، كما يفعل الرجل الفصيح البليغ، لا المراد أن يقول له: صدقت، فإن هذا يستوي فيه البليغ، والبليد، والمنطيق، والعي، كما هو معروف. ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ:﴾ إذا لم يكن لي وزير، ولا معين يدعمني، ويقوي حجتي.
الإعراب: ﴿وَأَخِي:﴾ الواو: حرف استئناف. (أخي): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير في محل جر بالإضافة. ﴿هارُونُ:﴾ بدل، منه، أو عطف بيان عليه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿أَفْصَحُ:﴾ خبر المبتدأ. وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و ﴿أَفْصَحُ﴾ خبره؛ فالجملة
стр. 4442
الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من تاء الفاعل؛ فالرابط: الواو، والضمير، ولكن الأول أقوى.
﴿مِنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَفْصَحُ﴾. ﴿لِساناً:﴾ تمييز. ﴿فَأَرْسِلْهُ:﴾ الفاء هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١٦]. (أرسله): فعل دعاء، والفاعل تقديره: «أنت» والهاء مفعول به.
﴿مَعِي:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿رِدْءاً:﴾ مفعول به ثان، وقيل: حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية: ﴿فَأَرْسِلْهُ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿يُصَدِّقُنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى ﴿هارُونُ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿رِدْءاً،﴾ وقيل: في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وعلى قراءته بالجزم يكون مجزوما بجواب الدعاء، والجملة الفعلية لا محل لها. ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ إعرابها مثل إعراب ما قبلها بلا فارق، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اِتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله. ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنقويك به، فإن قوة الشخص بقوة اليد على مزاولة الأمور؛ ولذلك يعبر عنه باليد، وشدتها بشدة العضد. هذا؛ وأصل العضد: العضو الذي هو المرفق إلى الكتف، ففي الكلام استعارة، وفيه قراءات ثمانية. هذا؛ والعضد تذكر، وتؤنث، وقال اللحياني: العضد مؤنثة لا غير، وهي العضو ما بين المرفق، والكتف، وجمعها:
أعضاد، وأعضد، وتكون بمعنى الناصر، والمعين، كما في قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾. وذلك على سبيل الاستعارة، قال أبو الشعر الهلالي من قصيدة له مستجادة: [البسيط]
كلا أخي وخليلي واجدي عضدا... في النّائبات وإلمام الملمّات
وتكون بمعنى القوة، كما في الآية الكريمة، وقال طرفة بن العبد: [السريع]
أبني لبينى لستم بيد... إلاّ يدا ليست لها عضد
ويقال في دعاء الخير: شدّ الله عضدك، وفي ضده: فتّ الله في عضدك. ﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً:﴾ غلبة، وتسلطا، أو حجة واضحة. ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما:﴾ بالأذى من قتل، أو غيره، وقد استدل بهذه الآية على أن فرعون لم يقتل السحرة الذين آمنوا، ولم يسلط عليهم. ﴿بِآياتِنا:﴾
المعنى: نمدكما بالمعجزات، ما تمتنعان به من أذاهم. ﴿أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ أي: لكما،
стр. 4443
ولأتباعكما الغلبة على فرعون، وقومه. هذا؛ وقد كان هارون في مصر، ولم يكن حاضرا في مجلس المناجاة، وإنما جمعهما في هذا الخطاب من باب تغليب الحاضر على الغائب. هذا؛ وذكر: أن الله في ذلك الوقت أرسل جبريل بالرسالة إلى هارون، وهو بمصر، فيكون الخطاب إليهما في وقت واحد، وهما في مكانين متباعدين. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى الله تعالى. ﴿سَنَشُدُّ:﴾
السين: حرف استقبال. (نشد): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَضُدَكَ:﴾
مفعول به. ﴿بِأَخِيكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَنَجْعَلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (نجعل): فعل مضارع، والفاعل تقديره:
«نحن». ﴿لَكُما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿سُلْطاناً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية.
﴿يَصِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلَيْكُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِآياتِنا:﴾ يجوز فيهما أوجه: أن يتعلقا ب: (نجعل)، أو ب: ﴿يَصِلُونَ،﴾ أو بمحذوف، تقديره: اذهبا بآياتنا. أو على البيان فيتعلقان بمحذوف أيضا، أو ب: ﴿الْغالِبُونَ﴾ على أن (ال) ليست موصولة، أو موصولة، واتسع فيهما ما لا يتسع في غيرهما، أو هما قسم وجوابه متقدم عليه، وهو قوله: ﴿فَلا يَصِلُونَ﴾ أو من لغو القسم. انتهى. سمين نقلا عن الزمخشري. و (نا):
في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْتُما:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿وَمَنِ:﴾
الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على ما قبله.
﴿اِتَّبَعَكُمَا:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْغالِبُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أي: فرعون، وقومه. ﴿مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ﴾ أي: واضحات، والمراد بها هنا: العصا، واليد؛ إذ هما اللتان أظهرهما الله على يد موسى إذ ذاك، والتعبير عنهما بصيغة الجمع؛ لأن في كل واحدة منهما آيات عديدة. ﴿قالُوا ما هذا﴾ أي: قلب العصا حية،
стр. 4444
وجعل اليد بيضاء كشعاع الشمس. ﴿إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً﴾ أي: سحر تعمله أنت، ثم تفتريه على الله.
أو: هو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر، وليس بمعجزة من عند الله تعالى.
﴿وَما سَمِعْنا بِهذا﴾ أي: بالذي تدعونا إليه. ﴿فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ:﴾ وكلامهم هذا لا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك، وقد سمعوا، وعلموا بنحوه، أو يريدوا: أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته، أو ما كان الكهان يخبرون بظهور موسى، ومجيئه بما جاء به. وهذا دليل على أنهم حجوا، وبهتوا وما وجدوا ما يدفعون به ما جاءهم من الآيات إلا قولهم: هذا سحر، وبدعة لم يسمعوا بمثلها. وانظر ما حدث عند إلقاء العصا بين يدي فرعون، وانقلابها حية في الآية رقم [٤٥] من سورة (الشعراء).
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال من (آياتنا) منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿جاءَهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فَلَمّا:﴾ نافية. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُفْتَرىً:﴾ صفة ﴿سِحْرٌ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية: ﴿ما هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَما:﴾
الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه مقحم بينهما، لا محل له. ﴿فِي آبائِنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من اسم الإشارة، والعامل حرف التنبيه. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة: ﴿آبائِنَا﴾ مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، واعتبارها حالا من واو الجماعة ليس بعيدا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٣٧)﴾
الشرح: أي: قال موسى: ربي أعلم منكم بحال من أهّله الله للفلاح الأعظم؛ حيث جعله نبيا، وبعثه بالهدى، ووعده حسن العقبى، يعني: نفسه، ولو كان ساحرا مفتريا كما تزعمون؛
стр. 4445
لما أهّله الله لذلك؛ لأنه غني حكيم لا يرسل الكذابين، ولا ينبئ الساحرين، ولا يفلح عنده الظالمون، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة لقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ (٢٢) جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ والمراد بالدار: الدنيا، وعاقبتها: أن يختم للعبد بالرحمة، والرضوان، وتلقى الملائكة بالبشرى، والغفران. هذا؛ وقرئ الفعل: ﴿تَكُونُ﴾ بالتاء، والياء؛ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث، كما قرئ (قال) بواو وبدونه وكلاهما حسن، وجيد.
فقراءته بالواو وجهها: أنهم قالوا ذلك، وقال موسى هذا ليوازن الناظر بين قولهم، وقوله، ويتبصر فساد أحدهما، وصحة الآخر، وبضدها تتبين الأشياء، وقراءته بدون الواو وجهها: أن الموضع موضع سؤال وبحث عما أجابهم به موسى عند تسميتهم مثل تلك الآيات الباهرة سحرا مفترى. هذا؛ وإعلال ﴿يُفْلِحُ﴾ مثل إعلال ﴿يُقِيمُونَ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (النمل)، وانظر التعبير عن الكافرين بالظالمين ونحوه في الآية رقم [٢٠٠] من سورة (الشعراء). والفلاح: نيل المرغوب، والفوز بالمطلوب.
هذا؛ والدار تطلق على الحياة الدنيا، كما تطلق على الآخرة، والدار هي منزل الإنسان ومسكنه الخاص به في الدنيا، وهي مؤنثة، وقد تذكر، أصلها: دور بفتحتين، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وجمعها: ديار، ودور، وأدؤر، وأدور، وأدورة، وأدوار، وديارات، ودورات، ودوران، وديران. وأصل ديار: دوار، قلبت الواو ياء؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن فعال، لمفرد اعتلت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا: البلد، والقبيلة، ودار القرار:
الآخرة، والداران: الدنيا والآخرة، ودار الحرب: بلاد العدو. هذا؛ وقد قال أبو حاتم: إن الديار: العساكر، والخيام، لا البنيان، والعمران، وإن الدار: البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم، وخيامهم ميتين. وقال جل شأنه:
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ذلك؛ لجمع الدار، فعلم من كلامه: أن الديار مخصوصة بالخيام. انتهى. قال صاحب الخزانة: وهذه غفلة عن قول الشاعر، وهو مجنون ليلى (أقبّل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله: [الوافر]
أمرّ على الدّيار، ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار، وذا الجدارا
وما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا
الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿مُوسى:﴾ فاعله، ﴿رَبِّي:﴾
مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿بِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و (من)
стр. 4446
تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها.
﴿بِالْهُدى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنْ عِنْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (الهدى)، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): معطوفة على (من) السابقة من غير إعادة الجار.
﴿تَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُ﴾ مقدم، و ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها مؤخر، وأجيز اعتبار اسمها ضمير القصة، و: ﴿لَهُ عاقِبَةُ﴾ جملة اسمية في محل نصب خبرها، وهذا على القراءتين. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿تَكُونُ﴾ تاما وفاعله يعود إلى (من)، وجملة: ﴿لَهُ عاقِبَةُ﴾ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الضمير المجرور باللام، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الدّارِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، الهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُفْلِحُ:﴾ فعل مضارع، ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ لا محل لها على القراءتين؛ لأنها بالواو معطوفة على جواب (لمّا)، وبدون الواو مستأنفة.
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ..﴾. إلخ: قال عبد الله بن عباس-﵄:
كان بين قوله هذا؛ وبين قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ أربعون سنة، وكذب عدو الله، بل علم: أن له ربا هو خالقه، وخالق قومه، ولذا نفى علمه بإله غيره دون وجوده؛ إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه، ولذلك أمر ببناء الصرح؛ ليصعد عليه، ويطلع على الحال.
﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ﴾ أي: اطبخ لي الآجر، وهو القرميد. قيل: إنه أول من اتخذ آجرا، وبنى به. ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً﴾ أي: قصرا عاليا. وقيل: منارة. وهذا بخلاف صرح سليمان الذي بنته له الجن في الآية رقم [٤٤] من سورة (النمل) فليتأمل.
هذا؛ و (غير) اسم شديد الإبهام، لا يتعرف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، فلذا وصفت به النكرة في هذه الآية، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها، إن فهم المعنى، وتقدمت كلمة ليس عليها، تقول: قبضت عشرة ليس غير. وهو مبني على الضم، أو على الفتح، خلاف.
стр. 4447
قال أهل التفسير: لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح؛ جمع هامان العمال، والفعلة، حتى اجتمع عنده خمسون ألف بناء، سوى الأتباع، والأجراء، وطبخ الآجر، والجص، ونجر الخشب، وضرب المسامير، وأمر بالبناء، فبنوه، ورفعوه، وشيدوه، حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، وأراد الله أن يفتنهم فيه، فلما فرغوا منه؛ ارتقى فرعون فوقه، وأخذ نشابة، ورمى بها نحو السماء، فردت إليه، وهي ملطخة بالدم، فقال: قد قتلت إله موسى، فعند مقالته هذه بعث الله جبريل فضرب الصرح بجناحه، فقطعه ثلاث قطع، فوقعت منه قطعة على عسكر فرعون، فقتلت منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة منه في البحر، وقطعة في المغرب، فلم يبق أحد عمل شيئا فيه إلا هلك.
﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى﴾ أي: أصعد. ظن الخبيث: أن الله تعالى في مكان؛ أي في السموات، كما هو في مكان؛ أي: في الأرض. ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ أي: موسى.. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ في دعواه: أن له إلها، وأنه أرسله إلينا رسولا. وقد ناقض نفسه اللّعين، فإنه قال:
ما علمت لكم من إله غيري، ثم أظهر حاجته إلى هامان اللّعين أيضا، وأثبت: أن لموسى إلها، وأخبر: أنه غير متيقن بكذبه، وكأنه خاف من عصا موسى، فلبّس، وقال: لعلي أطلع إلى إله موسى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (قال): فعل ماض.
﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله، (يا): أداة نداء، تقوم مقام: أدعو، أو: أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الْمَلَأُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد «أي» أو بعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا، فهو بدل أو عطف بيان، والمتبوع؛ أعني: (أي) منصوب محلا، فكذا التابع، أعني: ﴿الْمَلَأُ﴾ وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿عَلِمْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿إِلهٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، واكتفى بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة، لا من العلم. ﴿غَيْرِي:﴾ صفة: ﴿إِلهٍ﴾ على اللفظ، فهو مجرور، أو على المحل، فهو منصوب، والكسرة أو الفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَوْقِدْ:﴾ الفاء:
هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (أوقد): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».
стр. 4448
﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿يا هامانُ:﴾ منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿عَلَى الطِّينِ:﴾ متعلقان بالفعل (أوقد)، والجملة الندائية معترضة بين الفعل ومتعلقه، وجملة: (أوقد...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف يقدر ب: «إذا»، وجملة:
﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَعَلِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل مفيد للترجي، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَطَّلِعُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر، تقديره: «أنا». ﴿إِلى إِلهِ:﴾ متعلقان به، و ﴿إِلهٍ﴾ مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿أَطَّلِعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلِّي..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محل لها. ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: واو الحال. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَأَظُنُّهُ:﴾ اللام: هي المزحلقة.
(أظنه): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به أول، ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وجملة: ﴿لَأَظُنُّهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَطَّلِعُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول فرعون، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. تأمل، وتدبر وربك أعلم.
﴿وَاِسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩)﴾
الشرح: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ:﴾ تعظم في نفسه، وأعرض عن الإيمان. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾
أرض مصر. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ:﴾ إذ الاستكبار بالحق إنما هو في الحقيقة لله الواحد القهار، وهو المتكبر على الحقيقة، وهو الذي يليق بجلاله، وعظمته الكبرياء، فعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله جل وعلا: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النّار». رواه ابن ماجة، ورواه مسلم، وأبو داود بألفاظ مختلفة.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ أي: للحساب، والجزاء. هذا؛ ويقرأ الفعل بضم الياء من المتعدي، وبفتح الياء من اللازم؛ لأن رجع يكون متعديا، ولازما.
الإعراب: ﴿وَاسْتَكْبَرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (استكبر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى:
﴿فِرْعَوْنُ﴾ تقديره: «هو». ﴿هُوَ:﴾ توكيد للفاعل المستتر. ﴿وَجُنُودُهُ:﴾ الواو: حرف عطف.
(جنوده): معطوف على الفاعل المستتر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: فرعون، وجنوده، و (غير) مضاف، و ﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَاسْتَكْبَرَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة (قال...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَظَنُّوا:﴾ الواو: حرف عطف. (ظنوا): فعل ماض مبني
стр. 4449
على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه.
﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، أو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنّ)، وجملة: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ:﴾ وكانوا ألفي ألف وستمائة ألف. ﴿فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ أي:
طرحناهم في البحر. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: هذا الكلام الفخم الذي دل على عظمة شأنه، وكبرياء سلطانه، شبههم-استحقارا لهم، واستقلالا لعددهم، وإن كانوا الكثير الكثير، والجم الغفير-بحصيات أخذهن آخذ في كفه، فطرحن في البحر، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ وقوله جلت قدرته: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. وما هي إلا تصويرات، وتمثيلات لاقتداره، وأن كل مقدور-وإن عظم وجل-فهو مستصغر إلى جنب قدرته. انتهى. وانظر الكلام على (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الشعراء)، وانظر كيف كان هلاك فرعون في الآية رقم [٩٠] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ولكل من يتأتى منه النظر، نظر تبصر، واعتبار، فيعتبر العاقل، وينزجر بذلك الاعتبار عن الأفعال القبيحة، والأعمال الخبيثة. وعاقبة كل شيء: نتيجته، وآخره، ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ؛﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير والتأنيث، أو لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَأَخَذْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أخذناه): فعل ماض، وفاعل، ومفعول به. ﴿وَجُنُودَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَنَبَذْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لهما على الاعتبارين بالفاء. ﴿فِي الْيَمِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: هي الفصيحة. والأول أقوى. (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره:
«أنت» وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، ﴿كَيْفَ كانَ:﴾ في ﴿كانَ﴾ وجهان:
أحدهما: أنها ناقصة، و ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل
стр. 4450
نصب خبرها تقدم عليها، وعلى اسمها. والثاني: أنها تامة و ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ،﴾ تقدمت على صاحبها وعاملها، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الظّالِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب سدّت مسد مفعول (انظر) وجملة: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معترضة بين المتعاطفتين.
﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾
الشرح: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: قادة، وزعماء يقتدى بهم في الضلال، وبالحمل على الإضلال، كما جعلنا الأنبياء، والمرسلين ودعاة الخير أئمة يدعون إلى الطاعات، وفعل الصالحات. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا..﴾. إلخ رقم [٧٣] من سورة (الأنبياء) ﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ أي: يدعون إلى الكفر، والمعاصي؛ التي تسبب دخول النار؛ لأن من أطاعهم؛ ضلّ، ودخل النار معهم.
﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يمنعون من العذاب، ولا يجدون من يدفعه عنهم، بخلاف الأئمة الداعين إلى الخير، فإنهم منصورون في الدارين. ويجوز أن يكون المعنى خذلناهم؛ حتى كانوا أئمة الكفر. ومعنى الخذلان: منع الألطاف، وإنما يمنعها الله من علم:
أنها لا تنفع فيه، وهو المصمم على الكفر؛ الذي لا تغني عنه الآيات، والنذر، ومجراه مجرى الكناية؛ لأن منع الألطاف يردف التصميم، والغرض بذكره التصميم نفسه، فكأنه قيل: صمموا على الكفر، حتى كانوا أئمة فيه، دعاة إليه، وإلى سوء عاقبته. وخذ ما يلي:
عن حذيفة بن اليمان-﵄-قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشرّ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنّا كنّا في جاهلية وشرّ فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: «نعم». قلت: وهل بعد ذلك الشّرّ من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن». قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر». فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: «نعم دعاة على أبواب جهنّم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». قلت: يا رسول الله! صفهم لنا! قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلّها؛ ولو أن تعضّ بأصل شجرة، حتّى يدركك الموت، وأنت على ذلك». أخرجه البخاري.
الإعراب: ﴿وَجَعَلْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَئِمَّةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلَى النّارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والمفعول
следующие страницы →