← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿بِالْهُدى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنْ عِنْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (الهدى)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): معطوفة على (من) السابقة من غير إعادة الجار. ﴿تَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُ﴾ مقدم، و ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها مؤخر، وأجيز اعتبار اسمها ضمير القصة، و: ﴿لَهُ عاقِبَةُ﴾ جملة اسمية في محل نصب خبرها، وهذا على القراءتين. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿تَكُونُ﴾ تاما وفاعله يعود إلى (من)، وجملة: ﴿لَهُ عاقِبَةُ﴾ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الضمير المجرور باللام، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الدّارِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، الهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُفْلِحُ:﴾ فعل مضارع، ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ لا محل لها على القراءتين؛ لأنها بالواو معطوفة على جواب (لمّا)، وبدون الواو مستأنفة. ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ..﴾. إلخ: قال عبد الله بن عباس-﵄: كان بين قوله هذا؛ وبين قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ أربعون سنة، وكذب عدو الله، بل علم: أن له ربا هو خالقه، وخالق قومه، ولذا نفى علمه بإله غيره دون وجوده؛ إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه، ولذلك أمر ببناء الصرح؛ ليصعد عليه، ويطلع على الحال. ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ﴾ أي: اطبخ لي الآجر، وهو القرميد. قيل: إنه أول من اتخذ آجرا، وبنى به. ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً﴾ أي: قصرا عاليا. وقيل: منارة. وهذا بخلاف صرح سليمان الذي بنته له الجن في الآية رقم [٤٤] من سورة (النمل) فليتأمل. هذا؛ و (غير) اسم شديد الإبهام، لا يتعرف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، فلذا وصفت به النكرة في هذه الآية، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها، إن فهم المعنى، وتقدمت كلمة ليس عليها، تقول: قبضت عشرة ليس غير. وهو مبني على الضم، أو على الفتح، خلاف.

стр. 4447

قال أهل التفسير: لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح؛ جمع هامان العمال، والفعلة، حتى اجتمع عنده خمسون ألف بناء، سوى الأتباع، والأجراء، وطبخ الآجر، والجص، ونجر الخشب، وضرب المسامير، وأمر بالبناء، فبنوه، ورفعوه، وشيدوه، حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، وأراد الله أن يفتنهم فيه، فلما فرغوا منه؛ ارتقى فرعون فوقه، وأخذ نشابة، ورمى بها نحو السماء، فردت إليه، وهي ملطخة بالدم، فقال: قد قتلت إله موسى، فعند مقالته هذه بعث الله جبريل فضرب الصرح بجناحه، فقطعه ثلاث قطع، فوقعت منه قطعة على عسكر فرعون، فقتلت منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة منه في البحر، وقطعة في المغرب، فلم يبق أحد عمل شيئا فيه إلا هلك. ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى﴾ أي: أصعد. ظن الخبيث: أن الله تعالى في مكان؛ أي في السموات، كما هو في مكان؛ أي: في الأرض. ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ أي: موسى.. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ في دعواه: أن له إلها، وأنه أرسله إلينا رسولا. وقد ناقض نفسه اللّعين، فإنه قال: ما علمت لكم من إله غيري، ثم أظهر حاجته إلى هامان اللّعين أيضا، وأثبت: أن لموسى إلها، وأخبر: أنه غير متيقن بكذبه، وكأنه خاف من عصا موسى، فلبّس، وقال: لعلي أطلع إلى إله موسى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله، (يا): أداة نداء، تقوم مقام: أدعو، أو: أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الْمَلَأُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد «أي» أو بعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا، فهو بدل أو عطف بيان، والمتبوع؛ أعني: (أي) منصوب محلا، فكذا التابع، أعني: ﴿الْمَلَأُ﴾ وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿عَلِمْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿إِلهٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، واكتفى بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة، لا من العلم. ﴿غَيْرِي:﴾ صفة: ﴿إِلهٍ﴾ على اللفظ، فهو مجرور، أو على المحل، فهو منصوب، والكسرة أو الفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَوْقِدْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (أوقد): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».

стр. 4448

﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿يا هامانُ:﴾ منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿عَلَى الطِّينِ:﴾ متعلقان بالفعل (أوقد)، والجملة الندائية معترضة بين الفعل ومتعلقه، وجملة: (أوقد...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف يقدر ب: «إذا»، وجملة: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَعَلِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل مفيد للترجي، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَطَّلِعُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر، تقديره: «أنا». ﴿إِلى إِلهِ:﴾ متعلقان به، و ﴿إِلهٍ﴾ مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿أَطَّلِعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلِّي..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محل لها. ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: واو الحال. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَأَظُنُّهُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (أظنه): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به أول، ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وجملة: ﴿لَأَظُنُّهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَطَّلِعُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول فرعون، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. تأمل، وتدبر وربك أعلم. ﴿وَاِسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ:﴾ تعظم في نفسه، وأعرض عن الإيمان. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ أرض مصر. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ:﴾ إذ الاستكبار بالحق إنما هو في الحقيقة لله الواحد القهار، وهو المتكبر على الحقيقة، وهو الذي يليق بجلاله، وعظمته الكبرياء، فعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله جل وعلا: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النّار». رواه ابن ماجة، ورواه مسلم، وأبو داود بألفاظ مختلفة. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ أي: للحساب، والجزاء. هذا؛ ويقرأ الفعل بضم الياء من المتعدي، وبفتح الياء من اللازم؛ لأن رجع يكون متعديا، ولازما. الإعراب: ﴿وَاسْتَكْبَرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (استكبر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنُ﴾ تقديره: «هو». ﴿هُوَ:﴾ توكيد للفاعل المستتر. ﴿وَجُنُودُهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (جنوده): معطوف على الفاعل المستتر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: فرعون، وجنوده، و (غير) مضاف، و ﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَاسْتَكْبَرَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة (قال...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَظَنُّوا:﴾ الواو: حرف عطف. (ظنوا): فعل ماض مبني

стр. 4449

على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، أو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنّ)، وجملة: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ:﴾ وكانوا ألفي ألف وستمائة ألف. ﴿فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ أي: طرحناهم في البحر. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: هذا الكلام الفخم الذي دل على عظمة شأنه، وكبرياء سلطانه، شبههم-استحقارا لهم، واستقلالا لعددهم، وإن كانوا الكثير الكثير، والجم الغفير-بحصيات أخذهن آخذ في كفه، فطرحن في البحر، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ وقوله جلت قدرته: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. وما هي إلا تصويرات، وتمثيلات لاقتداره، وأن كل مقدور-وإن عظم وجل-فهو مستصغر إلى جنب قدرته. انتهى. وانظر الكلام على (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الشعراء)، وانظر كيف كان هلاك فرعون في الآية رقم [٩٠] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ولكل من يتأتى منه النظر، نظر تبصر، واعتبار، فيعتبر العاقل، وينزجر بذلك الاعتبار عن الأفعال القبيحة، والأعمال الخبيثة. وعاقبة كل شيء: نتيجته، وآخره، ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ؛﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير والتأنيث، أو لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَأَخَذْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أخذناه): فعل ماض، وفاعل، ومفعول به. ﴿وَجُنُودَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَنَبَذْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لهما على الاعتبارين بالفاء. ﴿فِي الْيَمِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: هي الفصيحة. والأول أقوى. (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت» وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، ﴿كَيْفَ كانَ:﴾ في ﴿كانَ﴾ وجهان: أحدهما: أنها ناقصة، و ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل

стр. 4450

نصب خبرها تقدم عليها، وعلى اسمها. والثاني: أنها تامة و ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ،﴾ تقدمت على صاحبها وعاملها، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الظّالِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب سدّت مسد مفعول (انظر) وجملة: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معترضة بين المتعاطفتين. ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: قادة، وزعماء يقتدى بهم في الضلال، وبالحمل على الإضلال، كما جعلنا الأنبياء، والمرسلين ودعاة الخير أئمة يدعون إلى الطاعات، وفعل الصالحات. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا..﴾. إلخ رقم [٧٣] من سورة (الأنبياء) ﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ أي: يدعون إلى الكفر، والمعاصي؛ التي تسبب دخول النار؛ لأن من أطاعهم؛ ضلّ، ودخل النار معهم. ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يمنعون من العذاب، ولا يجدون من يدفعه عنهم، بخلاف الأئمة الداعين إلى الخير، فإنهم منصورون في الدارين. ويجوز أن يكون المعنى خذلناهم؛ حتى كانوا أئمة الكفر. ومعنى الخذلان: منع الألطاف، وإنما يمنعها الله من علم: أنها لا تنفع فيه، وهو المصمم على الكفر؛ الذي لا تغني عنه الآيات، والنذر، ومجراه مجرى الكناية؛ لأن منع الألطاف يردف التصميم، والغرض بذكره التصميم نفسه، فكأنه قيل: صمموا على الكفر، حتى كانوا أئمة فيه، دعاة إليه، وإلى سوء عاقبته. وخذ ما يلي: عن حذيفة بن اليمان-﵄-قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشرّ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنّا كنّا في جاهلية وشرّ فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: «نعم». قلت: وهل بعد ذلك الشّرّ من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن». قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر». فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: «نعم دعاة على أبواب جهنّم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». قلت: يا رسول الله! صفهم لنا! قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلّها؛ ولو أن تعضّ بأصل شجرة، حتّى يدركك الموت، وأنت على ذلك». أخرجه البخاري. الإعراب: ﴿وَجَعَلْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَئِمَّةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلَى النّارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والمفعول

стр. 4451

محذوف للتعميم، وجملة: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ في محل نصب صفة: ﴿أَئِمَّةً﴾. ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): ظرف زمان متعلق بما بعده، و (يوم) مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أي: خزيا، وبعدا، وطردا من رحمة الله. أو المراد: لعن اللاعنين لهم كلما ذكروا يلعنهم الملائكة، والمؤمنون. ومثله قوله تعالى في سورة (هود) في حقهم: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: من المبعدين، المطرودين، وقال ابن عباس-﵄: من المشوهين الخلقة بسواد الوجوه، وزرقة العيون. وقال أبو عمرو: قبحت وجهه بالتخفيف معناه: قبّحت، قال الشاعر: [الطويل] ألا قبّح الله البراجم كلّها... وقبّح يربوعا، وقبّح دارما الإعراب: ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أتبعناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿فِي هذِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿لَعْنَةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿الدُّنْيا:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لَعْنَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): فيه أوجه: أحدها أن يتعلق ب: ﴿الْمَقْبُوحِينَ،﴾ على أن (ال) ليست موصولة، أو هي موصولة، واتسع فيه على القاعدة: «يتسع في الظرف والجار والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما» والثاني: أن يتعلق بمحذوف يفسره: ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾. كأنه قيل: وقبحوا يوم القيامة، على مثال ما رأيت في الآية رقم [١٦٨] من سورة (الشعراء). الثالث: أن الظرف معطوف على محل: ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا﴾ فيكون التقدير: وأتبعناهم لعنة يوم القيامة. وهو ما في مغني اللبيب، وهو قول الفارسي. والرابع: أنه معطوف على ﴿لَعْنَةً﴾ على حذف الموصوف؛ أي: ولعنة كائنة يوم القيامة. والوجه الثاني أظهرها، وأقواها. وقد مر معنا كثير مثله، و (يوم) مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَتْبَعْناهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب وذلك على حسب تعليق الظرف. تأمل.

стр. 4452

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي: التوراة، وهو أول كتاب نزلت فيه الفرائض، والحدود، والأحكام. ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ أي: قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب. وقيل: أي: من بعد إهلاك فرعون، وقومه. قال أبو سعيد الخدري-﵁-قال النبي ﷺ : «ما أهلك الله قوما، ولا قرنا، ولا أمّة، ولا أهل قرية بعذاب من السّماء، ولا من الأرض منذ أنزل التّوراة على موسى غير القرية الّتي مسخت قردة، ألم تر إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ..﴾. إلخ». قال الجمل نقلا من أبي السعود: -رحمهما الله تعالى-: التعرض لكون إيتاء التوراة بعد إهلاك الأمم الماضية، للإشعار بمسيس الحاجة الداعية إليها؛ تمهيدا إلى إنزال القرآن على رسول الله ﷺ ؛ فإن إهلاك القرون الأولى من موجبات اندراس معالم الشرائع، وانطماس آثارها، وأحكامها المؤدّيين إلى اختلال نظام العالم، المستدعيين للتشريع الجديد، بتقرير الأصول الباقية على مر الدهور، وترتيب الفروع المتبدلة بتبدل العصور، وتذكير أحوال الأمم الخالية الموجبة، كأنه قيل: ولقد آتينا موسى التوراة على حين حاجة إليها. وقوله: ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ أي: أنوارا لقلوبهم، تبصر بها الحقائق، وتميز بين الحق والباطل، بعد أن كانت عميا عن الفهم والإدراك بالكلّية، فالبصيرة نور القلب الذي يستبصر به، كما أنّ البصر نور العين الذي به تبصر. انتهى. هذا؛ وبصائر جمع: بصيرة، وهي: العقل، والفطنة، والعبرة، والشاهد، والحجة. يقال: جوارحه بصيرة عليه، أي: شهود، وفراسة ذات بصيرة، أي: صادقة. هذا؛ وقد قال الله تعالى في حق القرآن الكريم: ﴿هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الآية رقم [٢٠٣] من سورة (الأعراف)، وقال أيضا جل ذكره: ﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٠٤] من سورة (الأنعام). ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ أي: رشد، وبيان، وهداية من الضلال، ونعمة شاملة لمن قرأ التوراة، وانتفع بها. هذا؛ والترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى، لا يحصل منه ترج ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾. ﴿ما:﴾

стр. 4453

مصدرية. ﴿أَهْلَكْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْقُرُونَ:﴾ مفعول به. ﴿الْأُولى:﴾ صفة له منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿ما﴾ والفعل: ﴿أَهْلَكْنَا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (بعد) إليه، والتقدير: من بعد إهلاكنا القرون الأولى. ﴿بَصائِرَ:﴾ حال من ﴿الْكِتابَ﴾. وقال أبو البقاء: مفعول لأجله. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿بَصائِرَ﴾. (هدى): معطوف عليه منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، (رحمة): معطوف على ما قبله، وحذف متعلقهما لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: هدى للناس، ورحمة للناس. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وجملة: ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها، وجملة ﴿(لَقَدْ آتَيْنا...)﴾ إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة)، ففيها فضل بيان. ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ:﴾ يريد الوادي، أو الطور، الذي خاطب موسى بجانبه، فإنه كان في الجهة الغربية من مقام موسى، أو: الجانب الغربي منه، ولكن حول عن ذلك، وجعل صفة لمحذوف، التقدير: بجانب المكان الغربي، والخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، أي: ما كنت حاضرا. ﴿إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ أي: وقت كلفناه أمرنا، ونهينا، وألزمناه عهدنا. ﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي: الحاضرين ذلك المقام؛ الذي أوحينا إلى موسى فيه، فتعرفه من ذات نفسك. وهذا شروع في بيان: أن إنزال القرآن واقع في زمان شدة الحاجة إليه ببيان: أن الوقوف على هذه الأحوال لم يحصل لك بالمشاهدة، أو بالتعلم ممن شاهدها، فوجب أن يكون بوحي من الله تعالى. انتهى. جمل. نقلا من أبي السعود. والمراد من الآية: الدلالة على أن إخباره عن ذلك إنما هو من قبيل الإخبار عن المغيبات التي لا تعرف إلا بالوحي. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِجانِبِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (كان) و (جانب) مضاف، و ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ مضاف إليه، وهو على حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، كما رأيت في الشرح. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بما تعلق به ﴿بِجانِبِ﴾. ﴿قَضَيْنا:﴾ فعل ماض، وفاعله. ﴿إِلى مُوسَى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الْأَمْرَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿قَضَيْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿وَما كُنْتَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.

стр. 4454

﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا:﴾ خلقنا. ﴿قُرُوناً:﴾ أجيالا من البشر من بعد موسى، ﵇. ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ والمعنى: ولكنا أوحينا إليك هذا القرآن؛ لأنا خلقنا أجيالا مختلفة بعد موسى، فتطاولت عليهم الأعوام، والسنون، فحرفوا الأخبار، وغيروا الشرائع، وبدلوا الأحكام، ونسوا عهد الله، وتركوا أوامره، فهو كقوله تعالى عنهم في سورة (الحديد): ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾. ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً:﴾ مقيما. ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ:﴾ قوم شعيب الذين أقام فيهم موسى مدة عشر سنين. ﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أي: تذكر أهل مكة بالوعد، والوعيد. والمعنى: ما كنت مقيما في أهل مدين وقت تلاوتك على أهل مكة خبرهم، وقصتهم مع موسى، ومع شعيب حتى تنقلها إليهم بطريق العيان والمشافهة، وإنما أتتك بطريق الوحي الإلهي، وهذا أحد احتمالين في الضمير، والمعنى عليه واضح كما عرفت، وأكثر المفسّرين على أن الضمير لأهل مدين، والمراد بتلاوته عليهم القراءة عليهم بطريق التعلم منهم. انتهى. جمل. ﴿وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ إياك رسولا، وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، تتلوها عليهم، ولولا ذلك؛ ما علمتها، ولم تخبرهم بها. هذا؛ وأصل «كنت»: «كونت» فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «كانت» فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف، فصار: «كنت» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار «كنت». وهناك إعلال آخر: وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل به ضمير رفع متحرك؛ نقل إلى باب فعل، فصار: (كونت) ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار (كونت) فالتقى ساكنان: العين المعتلة ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائها ساكنة مع النون، فصار: (كنت) وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي أسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قام، وقال، ونحوهما. الإعراب: ﴿وَلكِنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها؛ إذا الأصل لكننا، فحذفت النون، وبقيت الألف دليلا عليها، على مثال إنّا وأنّا. ﴿أَنْشَأْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿قُرُوناً:﴾ مفعول به. ﴿فَتَطاوَلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تطاول): فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الْعُمُرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَنْشَأْنا قُرُوناً﴾ فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على

стр. 4455

السكون، والتاء اسمها. ﴿ثاوِياً:﴾ خبرها، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها، وعليه فالجملة الاسمية: ﴿وَلكِنّا..﴾. إلخ معترضة بين المتعاطفتين. ﴿فِي أَهْلِ:﴾ متعلقان ب ﴿ثاوِياً،﴾ و ﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و ﴿مَدْيَنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿تَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ متعلقان به. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَتْلُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر ثان ل: ﴿كُنْتَ،﴾ أو في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿ثاوِياً﴾. ﴿وَلكِنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿لكِنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿مُرْسِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا مُرْسِلِينَ:﴾ في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له. ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ..﴾. إلخ: أي: كما لم تحضر جانب المكان الغربي؛ إذ أرسل الله موسى إلى فرعون، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات مع السبعين. انتهى. قرطبي. هذا؛ وعكس الزمخشري الأمر، وتبعه البيضاوي حيث جعلا الأول، وهو ما تضمنته الآية رقم [٤٤] المناجاة مع السبعين؛ لأخذ التوراة؛ التي وعد الله بها موسى بني إسرائيل، وجعلا ما في هذه الآية المناجاة في طريق عودة موسى من مدين إلى مصر، وكانت هذه المناجاة هي أول منحه الرسالة إلى فرعون، وقومه. وعاد البيضاوي، فاستدرك بقوله: لعل المراد به وقت إعطائه التوراة، وبالأول حيثما استنبأه؛ لأنهما المذكوران في القصة. انتهى. وينبغي أن تعلم: أن بين الإرسال، وإيتاء التوراة نحوا من ثلاثين سنة. قال سليمان الجمل نقلا من أبي السعود: من المعلوم: أن واقعة مدين كانت قبل واقعتي الطور، فمقتضى الترتيب الوقوعي أن تقدم عليهما، وإنما توسطت بينهما للتنبيه على أن كلاّ منهما برهان مستقل على أن إخباره ﷺ عن هذه القصص بطريق الوحي الإلهي، ولو روعي الترتيب الوقوعي لربما توهم: أن الكل دليل واحد على ما ذكر انتهى. هذا؛ وانظر المناجاة لأخذ التوراة في الآية رقم [١٥٤] من سورة (الأعراف).

стр. 4456

هذا؛ وقال الخازن: اعلم: أن الله تعالى لما بين قصة موسى ﵊ لرسوله ﷺ فجمع بين هذه الأحوال الثلاثة العظيمة التي اتفقت لموسى، فأراد بقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ هو إنزال التوراة عليه؛ حتى تكامل دينه، واستقر شرعه، والمراد بقوله: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ أول أمر موسى، والمراد بقوله: ﴿إِذْ نادَيْنا﴾ ليلة المناجاة، فهذه أعظم أحوال موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام. ولما بينها لرسوله، ولم يكن في هذه الأحوال حاضرا؛ بين الله: أنه بعثه، وعرفه هذه الأحوال الدالة على نبوته ﷺ ومعجزته، وكأنه قال: في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور، ولا مشاهدة دلالة ظاهرة على نبوتك. هذا؛ وروى عمرو بن دينار يرفعه، قال: «نودي يا محمد! أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني». فذلك قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا﴾. وفي رواية عن ابن عباس ﵄: إن الله تعالى قال: «يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني». ﴿وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: رحمناك رحمة بإرسالك، والوحي إليك، واطلاعك على الأخبار الغائبة عنك. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ:﴾ المراد ب ﴿قَوْماً﴾ أهل مكة، فلم يأتهم رسول في الفترة الواقعة بين محمد، وعيسى عليهما الصلاة، والسّلام، وهي خمسمائة وخمسون سنة، أو بين محمد، وإسماعيل، عليهما الصلاة، والسّلام، على أن دعوة موسى، وعيسى -على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-كانت مختصة ببني إسرائيل، وما حواليهم. تنبيه: لعلك تدرك معي أيها القارئ الكريم: أن ما ذكر في هذه الآيات إنما هو من تذكير الله لنبيه ﷺ بما أنعم عليه، وإنك لتجد الكثير من هذا في آيات القرآن مثل سورة (الضحى) وغيرها، وهذا يسمى بالمنّ على المنعم عليه. هذا؛ وقد بين الله في آية البقرة رقم [٢٦٢] أن المنّ على من أنعمت عليه مذموم، وهو يحبط الثواب، بل ويوجب المقت، والسخط. والجواب عن ذلك: أن الفرق بعيد بين منّ الله على عباده، وبين منّ العبد على العبد، فمنّ الله على العبد يزيده شكرا له تعالى، كما يزيده طاعة له، ورغبة في عبادته. وأيضا: فالله هو المالك حقيقة بما ينعم به على العبد، ويمنّ به عليه، وأما العبد فإنه غير مالك بما ينعم على الحقيقة، وإنما هو وكيل على هذه النعم، والمالك على الحقيقة إنما هو الله تعالى. وأيضا: منّ العبد على العبد يورثه ذلة وانكسارا. الإعراب: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ﴾ انظر الآية رقم [٤٤] فالإعراب واحد. ﴿نادَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: نادينا موسى، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿رَحْمَةً:﴾ قال الأخفش: مفعول مطلق عامله محذوف، التقدير: ولكن رحمناك رحمة. وقال الزجاج: مفعول لأجله، التقدير: ولكن كان ذلك رحمة. وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: ولكن هي رحمة. والجملة على جميع الأوجه معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ﴾

стр. 4457

رَبِّكَ: متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِتُنْذِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل الذي رأيت تقديره على جميع الأوجه التي رأيتها، ومتعلقان ب: ﴿رَحْمَةً﴾ على التقدير الأخير. ﴿قَوْماً:﴾ مفعول به. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَتاهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَذِيرٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿قَوْماً...﴾. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿نَذِيرٍ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:﴾ انظر مثلها في الآية رقم [٤٣] إعرابا، ومحلا. ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ:﴾ عقوبة، ونقمة. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ:﴾ من الكفر، والظلم، والمعاصي. ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي؛ نسبت الأعمال كلها إلى الأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب، والأرجل، والعيون، والآذان تغليبا للأكثر على الأقل. ﴿فَيَقُولُوا:﴾ عند معاينة العذاب. ﴿رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ..﴾. إلخ: أي هلا أرسلت إلينا يا ربنا رسولا يدعونا إلى الإيمان، ويبين لنا ما يجب علينا من عبادتك، وتقديسك، وتعظيمك. ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ أي: التي جاء بها الرسول محمد ﷺ . ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من المصادقين له، وبما جاء به. قال النسفي: والمعنى: لولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك، والمعاصي: هلا أرسلت إلينا رسولا محتجين علينا بذلك؛ لما أرسلنا إليهم، يعني أن إرسال الرسول إليهم، إنما هو ليلزموا الحجة، ولا يلزموها، كقوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. فإن قلت: كيف استقام هذا المعنى؟ وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال، لا القول؛ لدخول ﴿لَوْلا﴾ الامتناعية عليها دونه!. قلت: القول هو المقصود بأن يكون سببا للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت سببا للقول وكان وجوده بوجودها؛ جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال، فأدخلت عليها ﴿لَوْلا،﴾ وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ويؤول معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة؛ لما أرسلنا إليهم رسولا. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٤] من سورة (طه)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

стр. 4458

الإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تُصِيبَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مُصِيبَةٌ:﴾ فاعل، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: ولولا إصابتهم مصيبة موجودة. وقال الجلال: لولا الإصابة المسبب عنها قولهم، أو: لولا قولهم المسبب عنها؛ لعاجلناهم بالعقوبة، ولما أرسلناك إليهم رسولا. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء قدمته أيديهم. ﴿فَيَقُولُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (يقولوا): فعل مضارع معطوف على (تصيبهم) منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أَرْسَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به. ﴿فَنَتَّبِعَ:﴾ الفاء: للسببية. (نتبع): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿آياتِكَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: هلا حصل إرسال رسول منك إلينا فاتّباع منا لآياتك. ﴿وَنَكُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (نكون): فعل مضارع ناقص معطوف على نتبع، فهو منصوب مثله، واسمه مستتر تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (نكون) والكلام: ﴿رَبَّنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف، قدره النسفي كما رأيت في الشرح: لما أرسلنا إليهم، وقدره القرطبي: لعاجلناهم بالعقوبة، وهو تقدير الجلال أيضا، وعطف عليه قوله: ولما أرسلناك إليهم رسولا، وهو ما رأيته آنفا. ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ﴾ أي: أهل مكة. ﴿الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا:﴾ المراد به: محمد ﷺ المؤيد بالمعجزات، وأطلق عليه اسم: ﴿الْحَقُّ؛﴾ لأنه مرسل بالحق، والصدق، أو المراد به: القرآن

стр. 4459

الكريم، الناطق بالحق، والصدق. ﴿قالُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿أُوتِيَ:﴾ أعطي من المعجزات. ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ أي: من المعجزات، مثل: العصا، واليد، وإنزال القرآن دفعة واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى، فجاءوا بالاقتراحات المبنية على التعنت، والعناد، كما قالوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ وما أشبه ذلك. ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: أبناء جنسهم، ومن مذهبهم مذهبهم، وعنادهم عنادهم، وهم الكفرة في زمن موسى من قبل محمد ونزول القرآن عليه. قيل: إن يهود المدينة أرسلوا إلى قريش أن يسألوا محمدا ﷺ مثل ما أوتي موسى من المعجزات، فقال الله تعالى: أو لم يكفر اليهود بما أوتي موسى، وأول كفرهم قولهم: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وثاني كفرهم اتخاذهم العجل إلها، وثالث، ورابع... إلخ، ومن كفرهم قتلهم زكريا، ويحيى، وغيرهما من الأنبياء. ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ أي: تعاونا وقوّى بعضهما بعضا. قال الكلبي: بعثت قريش إلى اليهود يسألونهم عن بعث محمد، وشأنه، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته، وصفته كذا، وكذا، فلما رجع الجواب إليهم، وتحققوا الصفات التي اقترحها اليهود موجودة في النبي ﷺ ؛ ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا﴾. هذا؛ وقرئ: «(ساحران تظاهرا)» فيكون المراد: محمدا، وموسى عليهما الصلاة والسّلام. وقيل: هو من قول اليهود، فيكون المراد: موسى، وهارون. وقيل: بل المراد عيسى، ومحمد عليهما الصلاة والسّلام. وهذا قول اليهود إلى اليوم وإلى يوم القيامة، وبه قال قتادة. ﴿وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ أي: بالتوراة، والقرآن، أو بمحمد، وموسى، فيكون من قول كفار قريش، أو بموسى وهارون، أو بعيسى، ومحمد، عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، فيكون من قول اليهود اللؤماء على نحو ما قبله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿جاءَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْحَقُّ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْحَقُّ﴾. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى محمد ﷺ وهو المفعول الأول. ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿فَلَمّا:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والمفعول الثاني محذوف. ﴿مُوسى:﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية صلة ﴿فَلَمّا﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: لولا أوتي محمد مثل الذي، أو: شيء أوتيه موسى، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا)، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.

стр. 4460

﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وإعراب: (ما أوتي موسى) مثل ما قبله بلا فارق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿أُوتِيَ﴾ وعلقهما الزمخشري بالفعل: ﴿(لَمْ يَكْفُرُوا)﴾، أقول: وهذا الاختلاف تابع للمعنى. تأمل. وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا..﴾. إلخ معطوفة على محذوف، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿سِحْرانِ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هما سحران، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿سِحْرانِ﴾. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمه وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿بِكُلٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿فَأْتُوا:﴾ أمر لكفار قريش. ﴿بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ فيه تبيين الحلال، والحرام، وغيرهما من الأحكام. ﴿هُوَ أَهْدى مِنْهُما﴾ أي: من التوراة، والقرآن. ﴿أَتَّبِعْهُ﴾ أي: أتبع الكتاب الذي تأتون به. وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله، وكيف يأتون بكتاب مثل القرآن، فضلا عن الإتيان بأهدى منه، وقد تحداهم أن يأتوا بسورة مثله، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٨] من سورة (يونس)، ومثلها الآية رقم [٢٣] من سورة (البقرة). ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في قولكم: إنهما سحران تظاهرا؛ فأتوا، وانظر شرح ﴿اِئْتِ﴾ في الآية رقم [١٠٠] من سورة (الشعراء). الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: حرف صلة، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إذا كان ما ادعيتموه صحيحا وواقعا؛ ﴿فَأْتُوا﴾. (ائتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِكِتابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (كتاب). و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَأْتُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَهْدى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل جر صفة

стр. 4461

ثانية ل: (كتاب)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنْهُما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَهْدى﴾ والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَتَّبِعْهُ:﴾ مجزوم بجواب الأمر. وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، تقديره: إن تأتوا بكتاب؛ أتبعه، وقال الفراء: برفعه على أن الجملة صفة لكتاب أيضا، ولم يذكر: أن أحدا قرأ برفعه، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وجواب الشرط محذوف، انظر تقديره في الشرح. والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ أي: إن لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب هو أهدى منهما. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا..﴾. إلخ الآية رقم [٢٤] من سورة (البقرة). هذا؛ وقد تعدى الفعل باللام، وقد عدي بنفسه في قول كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه: [الطويل] وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب والفرق بين الآية والبيت أن هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه، وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عدي إلى الداعي في الغالب فيقال: استجاب الله دعاءه أو: استجاب له، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه. وأما البيت؛ فمعناه: لم يستجب دعاءه؛ على حذف المضاف. هذا؛ والسين والتاء زائدتان؛ لأن استجاب بمعنى: أجاب. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ:﴾ يعني: أن ما ركبوه من الكفر لا حجة لهم فيه، وإنما آثروا اتباع ما هم عليه من الهوى، وما يستحسنونه، ويحببه لهم الشيطان. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ﴾ أي: لا أحد أضل عن طريق الحق والصواب. ﴿بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ﴾ أي: بغير توفيق من الله إلى طريق الرشاد، والفلاح. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ:﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصي. بمعنى لا يرشدهم إلى الإيمان، ولا يوفقهم للعمل به. وهذا يرجع إلى علمه الأزلي بأنهم لو تركوا وشأنهم؛ لما اختاروا غير ما هم عليه من الكفر، والضلال. فائدة: قال مكي-رحمه الله تعالى-في مثل هذا التركيب: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا:﴾ دخلت (إن) على: ﴿لَمْ﴾ ليرتد الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأن «لم» ترد لفظ المستقبل إلى

стр. 4462

معنى المضي، و: «إن» تردّ الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صارت «لم» ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي ردتها (إن) إلى الاستقبال؛ لأن «إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى. الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسْتَجِيبُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، وهو في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فَاعْلَمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اعلم): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿أَنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿يَتَّبِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَنَّما يَتَّبِعُونَ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: (اعلم) وجملة: (اعلم...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام بمعنى النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَضَلُّ:﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِمَّنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَضَلُّ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿اِتَّبَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط. ﴿هَواهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿اِتَّبَعَ﴾ المستتر، أي: مخذولا مخلى بينه وبين هواه، و (غير) مضاف، و ﴿هُدىً﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿هُدىً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿فَإِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ أي: أتبعنا بعضه بعضا، وبعثنا رسولا بعد رسول. وقال أبو عبيدة، والأخفش: معناه: أتممنا، كصلتك الشيء. وقال ابن عيينة، والسدي: معناه: بينا.

стр. 4463

وقال أهل المعاني: والينا، وتابعنا، وأنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضا وعدا، ووعيدا، وقصصا، وعبرا، ونصائح، ومواعظ إرادة أن يتذكروا، فيفلحوا. وهذا القول أعم، وأتم، وأصلها من: وصل الحبال بعضها ببعض، فاستعير لإنزال القرآن متتابعا يتلو بعضه بعضا، قال الشاعر: [الطويل] فقل لبني مروان ما بال ذمّتي... بحبل ضعيف ما يزال يوصّل؟! والضمير في: ﴿لَهُمُ﴾ لقريش، وهو المعتمد، فتكون الآية ردا على من قال: هلا أوتي محمد القرآن جملة واحدة. وقيل: الضمير لليهود، فيكون المراد بتوصيل القول لهم: إرسال الرسل إليهم من بني إسرائيل؛ حتى تم بإرسال محمد ﷺ . ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:﴾ لعلهم يتعظون بالقرآن الكريم عن عبادة الأصنام، ويخافون أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم. وعلى رد الضمير لليهود يكون المعنى: لعلهم يتذكرون: أن محمدا هو المبشر به في التوراة، والإنجيل فيؤمنوا به، ويتبعوه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٤٣]. ﴿وَصَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقَوْلَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿(لَقَدْ وَصَّلْنا...)﴾ إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَتَذَكَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل القرآن، أو من قبل محمد ﷺ . نزلت هذه الآية والتي بعدها في مؤمني أهل الكتاب من اليهود، كعبد الله بن سلام، وأصحابه. ويدخل فيه من أسلم من النصارى، وهم أربعون رجلا قدموا مع جعفر بن أبي طالب المدينة، اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة، وثمانية أقبلوا من الشام، وكانوا أئمة النصارى، فلما رأوا ما بالمسلمين من الفقر، والحاجة، قالوا: يا رسول الله: إن لنا أموالا، فإن أذنت لنا انصرفنا، فجئنا بأموالنا، فواسينا بها المسلمين؟ فأذن لهم، فانصرفوا، فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين، فنزلت الآيات الأربع. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٥] من سورة (المائدة)، فهو وثيق الصلة والمعنى بما في هذه الآيات. وقال ابن عباس-﵄: نزلت الآيات في ثمانين من أهل الكتاب: أربعون من نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام. وعن رفاعة القرظي: نزلت في عشرة، أنا أحدهم. وقال القرطبي: وقال عروة بن الزبير-﵄: نزلت في

стр. 4464

النجاشي، وأصحابه، وكان وجه باثني عشر رجلا، فجلسوا مع النبي ﷺ ، وكان أبو جهل، وأصحابه قريبا منهم، فآمنوا بالنبي ﷺ ، فلما قاموا من عنده؛ تبعهم أبو جهل، ومن معه، فقال لهم: خيبكم الله من ركب! وقبحكم من وفد! لم تلبثوا أن صدقتموه، وما رأينا ركبا أحمق منكم، ولا أجهل! فقالوا: سلام عليكم... إلخ، وإذا عرفت: أن هذه الآيات مدنية، لا يبقى لما ذكره القرطبي اعتبار، والله أعلم بحقيقة الحال. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ:﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿آتَيْناهُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿آتَيْناهُمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أي: يقرأ القرآن على المذكورين في الآية السابقة. ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ﴾ أي: صدقنا بالقرآن، واعترفنا بأنه منزل من عند الله تعالى بالحق والصدق، وذلك: أن ذكر النبي ﷺ كان مكتوبا عندهم في التوراة، والإنجيل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ..﴾. إلخ الآية رقم [١٥٧] من سورة (الأعراف)؛ بل وجاء ذكر أصحابه، وأمته مكتوبا في التوراة، والإنجيل، اقرأ الآية الأخيرة من سورة (الفتح) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك؛ إن كنت من أهل القرآن. ﴿إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل نزول القرآن، أو من قبل بعثة محمد ﷺ . ﴿مُسْلِمِينَ:﴾ موحدين، أو مؤمنين بأنه سيبعث محمد ﷺ وينزل عليه القرآن. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى القرآن. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية مع ما بعدها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.

стр. 4465

﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبر (إن). ﴿مِنْ رَبِّنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْحَقُّ،﴾ و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وقد قال البيضاوي: الجملة الاسمية مستأنفة لبيان ما أوجب إيمانهم به، وقال في الجملة التالية: استئناف آخر للدلالة على أن إيمانهم به ليس مما أحدثوه حينئذ، وإنما هو أمر تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتاب المتقدمة، وكونهم على دين الإسلام، قبل نزول القرآن، أو تلاوته عليهم باعتقادهم صحته في الجملة، وهذا حل معنى، ولا يغير المحل الإعرابي الذي ذكرته للجملتين. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْلِمِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ فيها معنى التعليل لإيمانهم، وإن كانت في محل نصب مقول القول. ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين آمنوا من أهل الكتاب. ﴿يُؤْتَوْنَ:﴾ يعطون، ويوفون. ﴿أَجْرَهُمْ:﴾ ثوابهم على إيمانهم، وعملهم. ﴿مَرَّتَيْنِ:﴾ مرة على إيمانهم بكتابهم الأول، ومرة على إيمانهم بالقرآن الكريم، فهو كقوله تعالى لهم في سورة (الحديد): ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. وعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيّه، وآمن بمحمد ﷺ ، والعبد المملوك؛ إذا أدّى حقّ الله وحقّ مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها، فأدّبها، فأحسن تأديبها، وعلّمها، فأحسن تعليمها، ثمّ أعتقها، ثمّ تزوّجها، فله أجران». متفق عليه. ﴿بِما صَبَرُوا:﴾ بصبرهم على الإيمان بالتوراة، أو الإنجيل، وصبرهم على الإيمان بالقرآن. أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله، وبعد نزوله، أو بصبرهم على أذى المشركين، وأذى أهل الكتاب. ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يدفعون بالعمل الصالح العمل السيئ، فيكون كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال الحسن-رحمه الله تعالى-: (إذا حرموا؛ أعطوا، وإذا ظلموا؛ عفوا، وإذا قطعوا؛ وصلوا) فيكون كقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ الآية رقم [١٩٩] من سورة (الأعراف). ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: قسما من أموالهم في وجوه الخير، وفي الطاعات.

стр. 4466

الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿يُؤْتَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿أَجْرَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَّتَيْنِ:﴾ نائب مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿صَبَرُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يُؤْتَوْنَ،﴾ أو ب: ﴿أَجْرَهُمْ﴾. ﴿وَيَدْرَؤُنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يدرءون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿بِالْحَسَنَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿السَّيِّئَةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَمِمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (مما): جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يُنْفِقُونَ،﴾ و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿رَزَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء رزقناهموه، وجملة: ﴿يُنْفِقُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يُؤْتَوْنَ..﴾. إلخ، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا سَمِعُوا:﴾ هذا وصف لمن آمن من أهل الكتاب، وفي ضمنه مدح لهم، وثناء عليهم. ﴿اللَّغْوَ:﴾ الشتم، والأذى من الكفار، وكان المشركون يسبون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون لهم: تبا لكم تركتم دينكم! فيعرضون عنهم، ولا يردون عليهم. هذا؛ واللغو: ما ينبغي أن يلغى، ويطرح، وفي آية الفرقان رقم [٧٢]: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ والمعنى: إذا مروا بأهل اللغو، المشتغلين به؛ مروا معرضين عنهم، مكرمين أنفسهم عن التوقف معهم، والخوض معهم. ﴿وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ أي: لنا ديننا، وعبادتنا، ولكم دينكم، وعبادتكم. ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ:﴾ هذا سلام توديع، ومتاركة، مثل قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٦٣]: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ فأقيم السّلام مقام التسلم، والتوديع، والمتاركة؛ إذ المعنى: وإن سفه عليهم جاهل؛ حلموا، ولم يجهلوا. وليس المراد السّلام المعروف، فالإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعا، ومروءة. ﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ أي: لا نطلبهم للجدال، والمراجعة، والمشاتمة. وانظر ما ذكرته في آية الفرقان رقم [٦٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

стр. 4467

الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٥٣]. ﴿سَمِعُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللَّغْوَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿أَعْرَضُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها معطوف على الجمل الفعلية السابقة، فهو في محل رفع مثلها، أو هو مستأنف، لا محل له. ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): فعل، وفاعل. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿أَعْمالُنا:﴾ مبتدأ مؤخر، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ معطوفة عليها، وهي مثلها في المحل والإعراب. ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ، وساغ الابتداء به، وهو نكرة؛ لأنه بمعنى الدعاء. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نَبْتَغِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْجاهِلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من نا، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (أعرضوا...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ الشرح: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ:﴾ هذا الخطاب لسيد الخلق وحبيب الحق ﷺ ، والمعنى: لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك، وغيرهم؛ لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي:﴾ يدخل في الإسلام ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ وهو الذي علم أنه غير مطبوع على قلبه، وأن الألطاف تنفع فيه، فيقرن به ألطافه حين تدعوه إلى القبول. قال النسفي-رحمه الله تعالى-: والآية حجة على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الهدى هو البيان، وقد هدى الله الناس أجمع، ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم، فدل على أن وراء البيان ما يسمى هداية، وهو خلق الاهتداء، وإعطاء التوفيق، والقدرة. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من سورة (الفرقان). ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي: بالقابلين من الذين لا يقبلون. قال الزجاج: أجمع المسلمون: أنها نزلت في أبي طالب، وذلك: أن أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني هاشم، أطيعوا محمدا، وصدقوه؛ تفلحوا، وترشدوا. فقال النبي ﷺ : «يا عم! تأمرهم بالنصيحة؛ لأنفسهم، وتدعها لنفسك!». قال: فما تريد يا بن أخي؟ قال: «أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم

стр. 4468

من أيام الدنيا: أن تقول: لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله». قال: يا بن أخي قد علمت: أنك لصادق، ولكني أكره أن يقال: جزع عند الموت، ولولا أن يكون عليك، وعلى بني عمك غضاضة، ومسبة بعدي؛ لقلتها، ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ: عبد المطلب، وهاشم، وعبد المناف. وروي أنه قال للنبي: جئت بشيء قبله الجنان، وأباه اللسان، مخافة الشنآن. تنبيه: من المعروف: أن أبا طالب كفل النبي ﷺ بعد وفاة جده عبد المطلب، وعطف عليه عطف الوالد على ولده حتى شبّ وترعرع، وكان يحبه حبا شديدا، ولما منّ الله عليه بالرسالة؛ قامت قريش بكليتها تعارضه، وتصد الناس عن دعوته، فأعلن أبو طالب حمايته له، والذود عنه، ومشوا إليه مرارا يطلبون منه أن يكف الرسول ﷺ عن تسفيه عقولهم، وشتم آبائهم، وعيب آلهتهم، وقدموا له من مغريات الدنيا المال، والملك، والسيادة، كل ذلك لم يثن الرسول ﷺ عن دعوته. وروي في كتاب السيرة، وغيرها: أن قريشا جاءوا إلى أبي طالب، فكلموه في شأن النبي ﷺ فهددوه، وتوعدوه، وكان فيما قالوا له: إما أن تكفه، أو ننازله، وإياك! فشق على أبي طالب فراق قومه، ومعاداتهم، فبعث إلى النبي ﷺ فجاء، وقال له: يا بن أخي! إن قومك جاءوني، وقالوا لي: كذا، وكذا. يا بن أخي! أبق عليّ، وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق! فظن النبي ﷺ أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله، فقال: «يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله تعالى، أو أهلك في طلبه». ثم استعبر فبكى، فلمّا ولى، قال له: يا بن أخي! امض على أمرك، وافعل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا! وأنشد: [الكامل] والله لن يصلوا إليك بجمعهم... حتّى أوسّد في التّراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة... أبشر وقرّ بذاك منك عيونا ودعوتني وزعمت أنّك ناصح... ولقد صدقت وكنت قبل أمينا ولقد علمت بأنّ دين محمّد... من خير أديان البريّة دينا لولا الملامة أو حذاري سبّة... لوجدتني سمحا بذاك مبينا انتهى. بتصرف كبير، سيوطي، وبغدادي، كلاهما شرح شواهد المغني. ومن الغريب: أن الخازن-رحمه الله تعالى-ذكر: أن أبا طالب أنشد البيتين الأخيرين عند موته، ونقله عنه سليمان الجمل، رحمه الله تعالى، ولم يصحح له هذا الخطأ، بل أبقاه على حاله، وانظر الآية رقم [١١٣] من سورة (التوبة).

стр. 4469

الإعراب: ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَحْبَبْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: لا تهدي الذي، أو: شخصا أحببته، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو مستأنفة. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مَنْ:﴾ مثل سابقتها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يهدي الذي، أو شخصا يشاء هدايته. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو أعلم): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَهْدِي﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِالْمُهْتَدِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش. وقال عبد الله بن عباس-﵄: قائل ذلك من قريش الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القريشي، قال للنبي ﷺ : إنا لنعلم: أن قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك، ونؤمن بك مخافة أن يخرجنا العرب من بلدنا، وإنما نحن أكلة رأس (أي: قليلون). هذا؛ والتخطف الانتزاع، والأخذ بسرعة. ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ أي: ذا أمن، وذلك: أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون مطمئنون في حرمهم، لا يخافون أن يغير عليهم أحد، فأخبر الله: أنه قد أمنهم بحرمة البيت، وحماهم من الاعتداء عليهم، فلا يخافون أن تستحل العرب حرمة في قتالهم. ومن المعروف: أنه كان تأمن فيه الظباء من الذئاب، والحمام من الحدأة، فكيف يسلبهم هذا الأمن، ويخيفهم، ويعرضهم للتخطف إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام، وتوحيد الملك العلام، ونبذوا الشرك، والأوثان. ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: يجمع، ويجلب إلى الحرم من الشام، ومصر، والعراق، واليمن وغيرها الثمرات، والفواكه، وغيرها. والمراد بالكلية: الكثرة مثل قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا الكلية الحقيقية، كما هو معروف. هذا؛ ويقرأ ﴿يُجْبى﴾ بالياء، والتاء، كما يقرأ: «(يجنى)» بالنون.

стр. 4470

﴿رِزْقاً مِنْ لَدُنّا﴾ أي: من عندنا كرما، وجودا، وتفضلا، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أي أكثر أهل مكة، بل أكثر الناس لا يفهمون هذا؛ ولا يعرفونه، وذكر الأكثر إما؛ لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل. وانظر الآية رقم [٦] من سورة (الروم)، وانظر شرح (لدن) في الآية رقم [٦] من سورة (النمل)، وشرح شيء في الآية رقم [١٨٣] من سورة (الشعراء). الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿نَتَّبِعِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْهُدى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل في محل نصب حال، ولا وجه له، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَتَّبِعِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿نُتَخَطَّفْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿مِنْ أَرْضِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: (قالوا...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الواو: حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نُمَكِّنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لم)، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿حَرَماً:﴾ مفعول به. ﴿آمِناً:﴾ صفة له. ﴿يُجْبى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثَمَراتُ:﴾ نائب فاعل، و (هو) مضاف، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف إليه، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يُجْبى..﴾. إلخ في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿حَرَماً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والجملة: ﴿أَوَلَمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (رزقا) فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو مفعول مطلق مؤكد؛ لأن معنى ﴿يُجْبى إِلَيْهِ﴾ بمعنى: نرزقهم. وثانيها: على أنه مفعول لأجله، عامله محذوف، التقدير: نسوقه إليه رزقا. ثالثها: على أنه حال من ﴿ثَمَراتُ﴾ لتخصصها بالإضافة. ﴿مِنْ لَدُنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رِزْقاً،﴾ أو بمحذوف صفة له، و (لدن): مبني على السكون في محل جر، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر: (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.

стр. 4471

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨)﴾ الشرح: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها:﴾ هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم بإنعام الله عليهم، فلم يشكروا النعمة، وقابلوها بالبطر، فأهلكوا، فدمرهم الله، وخرب ديارهم. هذا؛ والبطر: سوء احتمال الغنى، وهو أن لا يحفظ حق الله فيه، والبطر: الأشر والكبر وتجاوز حدود الله تعالى. وقيل: عاشوا في البطر، فأكلوا رزق الله، وعبدوا غيره، و ﴿مِنْ قَرْيَةٍ:﴾ على حذف المضاف؛ أي: من أهل القرية. ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ﴾ أي: منازلهم باقية الآثار، يشاهدونها في الأسفار، كبلاد ثمود، وقوم لوط، وشعيب، وغيرهم. ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً:﴾ قال ابن عباس-﵄: لم يسكنها إلا المسافرون سكونا قليلا. وقيل: لم يعمر إلا أقلها، وأكثرها خراب. ﴿وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ أي: لم يخلفهم فيها أحد بعد هلاكهم، وصار أمرها إلى الله تعالى؛ لأنه الباقي بعد فناء الخلق. وفحوى الآية الكريمة: أن كفار قريش لما خافوا أن يتخطفهم الناس؛ إن آمنوا، ونبذوا عبادة الأصنام؛ بين الله لهم في هذه الآية: أن الأمر بالعكس، وأنهم جديرون بأن يخافوا بأس الله تعالى، ولا يغتروا بالأمن الحاصل لهم؛ إن بقوا على كفرهم بالله، وأنهم جديرون بالأمن والطمأنينة إن هم آمنوا بالله، ووحدوه. هذا؛ و (كم) خبرية كناية عن عدد مبهم، وهي هنا بمعنى: كثير، والمعنى: أهلكنا كثيرا من القرى. الإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): خبرية بمعنى كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَرْيَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿مِنْ﴾ بيان ل: (كم) وتمييز له. والتمييز في المعنى هو المجرور ب: ﴿مِنْ،﴾ وبما أنه معرفة؛ لأنه على حذف المضاف كما رأيت في الشرح، والتمييز لا يكون معرفة، فلذا جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَطِرَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿قَرْيَةٍ،﴾ تقديره: «هي». ﴿مَعِيشَتَها،﴾ فيه أوجه: مفعول به على تضمين ﴿بَطِرَتْ:﴾ خسرت، أو على الظرف؛ أي: أيام معيشتها. فيكون على حذف المضاف، أو على حذف «في» أي: في معيشتها، أو على التمييز، أو على التثنية بالمفعول به، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿بَطِرَتْ..﴾. إلخ في محل جر صفة: ﴿قَرْيَةٍ﴾. ﴿فَتِلْكَ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له.

стр. 4472

﴿مَسْكَنِهِمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿لَمْ:﴾ حرف جزم. ﴿تُسْكَنْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مَسْكَنِهِمْ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿مَسْكَنِهِمْ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة، وأجيز اعتبارها في محل رفع خبر ثان، كما أجيز اعتبار ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ بدلا من تلك، فتكون الجملة الفعلية خبرا للمبتدإ. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا سكنا قليلا، أو صفة زمان محذوف، أي: إلا زمنا قليلا، أو صفة مكان محذوف، أي: إلا مكانا قليلا. والأقوى الثاني من الثلاثة. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: واو الحال. (كنا): فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد ل: (نا). ﴿الْوارِثِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة ﴿وَكُنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر. ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩)﴾ الشرح: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ويعم كل واحد من العقلاء. ﴿مُهْلِكَ الْقُرى﴾ أي: القرى الكافرة. ﴿حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً﴾ أي: في أكبرها وأعظمها رسولا ينذرهم، وخص الأم ببعثة الرسول؛ لأنه يبعث إلى الأشراف، وهم سكان المدن، بخلاف أهل البوادي، فإن الله لا يبعث فيهم، انظر ما ذكرته الآية رقم [١٠٩] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: المراد بأم القرى: مكة المكرمة، والمراد بالرسول: محمد ﷺ ؛ لأنه خاتم الأنبياء، ويؤيده قوله تعالى في سورة (الأنعام) [٩٢]: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾. ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا:﴾ يقرأ عليهم ما ننزله عليه من آيات، وهذا يفيد: أن أهل الفترة غير معذبين في الدنيا، وفيه دلالة على أنهم لا يعذبون في الآخرة، كما هو صريح قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٥]: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى..﴾. إلخ: أي: لم أهلكهم إلا وقد استحقوا الإهلاك؛ لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم، وفي هذا بيان لعدله، وتقدسه عن الظلم. أخبر الله تعالى في هذه الآية: أنّه لا يهلك قوما هلاك استئصال إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم. ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة، والإلزام ببعثة الرسل. ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم، ونزه ذاته أن يهلكهم؛ وهم غير ظالمين، وهو صريح قوله تعالى في

стр. 4473

سورة (هود): ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ ولا تنس: أن في الآية التفاتا من الخطاب إلى التكلم. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿رَبُّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُهْلِكَ:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْقُرى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَبْعَثَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿مُهْلِكَ﴾. ﴿فِي أُمِّها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به. ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولاً﴾. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَتْلُوا..﴾. إلخ في محل نصب صفة: ﴿رَسُولاً﴾. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿مُهْلِكِي:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿مُهْلِكِي﴾ مضاف، و ﴿الْقُرى﴾ مضاف إليه... إلخ على مثال سابقه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وَأَهْلُها:﴾ الواو: واو الحال. (أهلها): مبتدأ، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ظالِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: وما نهلكهم في حال من الأحوال إلا في حال كونهم ظالمين. وجملة: ﴿وَما كُنّا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿(ما كانَ...)﴾ إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾ الشرح: ﴿وَما أُوتِيتُمْ:﴾ الخطاب لأهل مكة، ويعم كل عاقل. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: من أسباب الدنيا، وزينتها. ﴿فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها:﴾ تتمتعون بها أيام حياتكم، ثم هي إلى فناء، وانقضاء؛ لأنها زينة أيام قلائل سرعان ما تنقضي، فإما أن تزول عن الإنسان، أو يزول الإنسان عنها. روي عن ابن عباس-﵄: أنه قال: إن الله خلق الدنيا، وجعل أهلها ثلاثة أصناف: المؤمن، والمنافق، والكافر، فالمؤمن يتزود، والمنافق يتزيّن، والكافر يتمتّع. انتهى.

стр. 4474

﴿وَما عِنْدَ اللهِ:﴾ ثوابه، وما أعده الله من النعيم المقيم للمؤمنين العاملين. ﴿خَيْرٌ:﴾ في نفسه من الأول؛ لأنه لذة خالصة من المكدرات، وبهجة كاملة لا يشوبها منغصات. ﴿وَأَبْقى:﴾ أدوم بخلاف الأول فإنه منقطع، وزائل. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا تفهمون، وتتدبرون: أن الباقي خير من الفاني. وقيل: من لم يرجح الآخرة على الدنيا فليس بعاقل. ولهذا قال الشافعي ﵁: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس؛ صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى؛ لأن أعقل الناس من أعطى القليل، وأخذ الكثير، وما هم إلا المشتغلون بطاعة الله تعالى. والمعنى: أعطى القليل من حطام الدنيا، وأخذ الكثير من الحسنات. هذا؛ وقد وصف الله تعالى الحياة الدنيا التي يحياها ابن آدم في هذه الآية وغيرها بالدنيا؛ لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة. ورحم الله الجريري إذ يقول: [الكامل] يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار أو: هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيا. الإعراب: (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان تقدم على عامله، أو هو في محل رفع مبتدأ. ﴿أُوتِيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف على اعتبار (ما) مبتدأ. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (ما)، أو من المفعول الثاني المحذوف، و (من) بيان لما أبهم في (ما). ﴿فَمَتاعُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (متاع): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالمؤتى متاع، و (متاع) مضاف، و ﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر (ما) على اعتبارها مبتدأ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة؛ فالجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: والذي أوتيتموه. والجملة الاسمية خبرها، وزيدت الفاء في خبر المبتدأ؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ويؤيد هذا الاعتبار الجملة التالية؛ لأن (ما) لا تكون إلا موصولة فيها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، وقيل: واو الحال، ولا وجه له لعدم الرابط. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. (أبقى): معطوف

стр. 4475

على ما قبله مرفوع مثله... إلخ. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. والفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ الشرح: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً:﴾ والمراد به: المؤمن الذي وعده ربه بالجنة على عمله الصالح. والوعد الحسن: الثواب في الآخرة ودخول الجنة؛ لأنه دائم غير منقطع تكرما، وتفضلا منه تعالى: ﴿فَهُوَ لاقِيهِ:﴾ مدركه لا محالة لامتناع الخلف في وعده سبحانه، وتعالى، قال تعالى: ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾. ﴿كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ الذي هو مشوب بالآلام، مكدر بالمتاعب، مستعقب للتحسر على الانقطاع. والمعنى لا يستوي من يدخل الجنة تحقيقا لوعده سبحانه الصادق، ومن يتمتع في هذه الدنيا متاعا قليلا، ثم هو يزول ويفنى، ثم يوم القيامة يحشر، ويحضر للحساب، والجزاء، ثم يساق إلى النار، وبئس القرار، ونحوه قوله تعالى حكاية عن قول المؤمن: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ،﴾ وقوله جل شأنه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. تنبيه: قال ابن عباس-﵄: نزلت الآية في حمزة بن عبد المطلب، وفي أبي جهل بن هشام. وقال مجاهد: نزلت في النبي ﷺ وأبي جهل. وقال محمد بن كعب: نزلت في حمزة، وعلي-﵄، وقيل غير ذلك. قال القشيري: والصحيح: أنها نزلت في المؤمن، والكافر على التعميم. وقال الثعلبي: وبالجملة فإنها نزلت في كل كافر متع في الدنيا بالعافية، والغنى، وله في الآخرة النار. وفي كل مؤمن صبر على بلاء الدنيا، ثقة بوعد الله، وله في الآخرة الجنة. هذا؛ ومعنى الآية شبيه بالآية رقم [٢٢] من سورة (الرعد). هذا؛ والوعد يستعمل في الخير وفي الشر، فإذا قلت: وعدت فلانا من غير أن تتعرض لذكر الموعود به، كان ذلك خيرا، وإذا قلت: أوعدت فلانا من غير ذكر الموعود به، كان ذلك شرا، وهو ما في بيت طرفة بن العبد البيت الأخير من معلقته: [الطويل] وإنّي وإن أوعدته، أو وعدته... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وهو قول الجوهري، وقول كثير من أئمة اللغة، وأما عند ذكر الموعود به، أو الموعد به، فيجوز أن تستعمل «وعد» في الخير وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ومن الثاني قوله جل شأنه: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وأنشدوا: [الطويل]

стр. 4476

إذا وعدت شرّا أتى قبل وقته... وإن وعدت خيرا فراث وعتّما كما يستعمل «أوعد» فيهما أيضا، كقولك: (أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرّا) هذا؛ والمركز في الطبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات: أنك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرا؛ كان الخلف محمدة، وإذا وعدته خيرا؛ كان الخلف منقصة. وهذا ما أراده طرفة في بيته المتقدم. هذا؛ والثابت عند الأشاعرة: أنه يجوز إخلاف الوعيد في حقه تعالى كرما. وعند الماتريدية لا يجوز. وأما الوعد؛ فلا يجوز الخلف في حقه تعالى اتفاقا، دليل الأشاعرة قول النبي ﷺ : «من وعده الله على عمل ثوابا؛ فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا؛ فهو بالخيار، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، واستبعاد. الفاء: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (من): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿وَعَدْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها. ﴿وَعْداً:﴾ مفعول مطلق. ﴿حَسَناً:﴾ صفة له. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لاقِيهِ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية هذه معطوفة على فحوى ما قبلها. ﴿كَمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة مثل سابقتها، وجملة: ﴿مَتَّعْناهُ﴾ صلة (من)، أو صفتها. ﴿مَتاعَ:﴾ مفعول مطلق، وهو مضاف، و ﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿فَهُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده، على أن (ال) ليست موصولة، أو هي موصولة، واتسع فيه على القاعدة: «يتوسع في الظرف والجار والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما»، أو هو متعلق بمحذوف يفسره ﴿الْمُحْضَرِينَ﴾ وانظر الآية رقم [٤٢] و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ يَوْمَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أيستوي المؤمن الموعود بالخير العميم، والكافر الموعود بالعذاب الأليم؟! وهذا الكلام كله مستأنف لا محل له. تنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فسر لي الفاءين، و ﴿ثُمَّ،﴾ وأخبرني عن مواقعها، قلت: قد ذكر في الآية التي قبلها متاع الحياة الدنيا، وما عند الله، وتفاوتهما ثم عقبه بقوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ﴾ على معنى: أبعد هذا التفاوت الظاهر، يسوّى بين أبناء الآخرة، وأبناء الدنيا، فهذا بيان معنى الفاء الأولى وبيان موقعها. وأما الثانية فللتسبب؛ لأن لقاء الموعود

стр. 4477

مسبب عن الوعد، الذي هو الضمان في الخير، وأما ﴿ثُمَّ﴾ فلتراخي حال الإحضار عن حال التمتيع، لا لتراخي وقته عن وقته. انتهى. ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾ الشرح: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ أي: ينادي الله يوم القيامة هؤلاء المشركين الذين اتخذوا الحجارة آلهة من دون الله، فيقول: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أي: يقول الله لهم يوم القيامة على سبيل التقريع، والتأنيب: أين شركائي في الألوهية ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ:﴾ أنهم آلهة، وأنهم ينصرونكم ويشفعون لكم. هذا؛ وأطلق الله على الأصنام اسم الشركاء لأمرين: أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس، وثانيهما: أنهم يشركونها معه في الأموال، والأنعام، والزروع، وانظر الآية رقم [١٣٨] من سورة (الانعام) وما بعدها. هذا؛ وماضي: ﴿تَزْعُمُونَ:﴾ زعم. قال الشيخ مصطفى الغلاييني-رحمه الله تعالى-: الغالب في «زعم» أن تكون للظن الفاسد، وهو حكاية قول، يكون مظنة للكذب، فيقال فيما يشك فيه، أو فيما يعتقد كذبه، ولذلك يقولون: «زعم» مطية الكذب، أي: هذه الكلمة مركب للكذب، ومن عادة العرب: أن من قال كلاما، وكان عندهم كاذبا؛ قالوا: زعم فلان، ولهذا جاء في القرآن الكريم في كل موضع ذمّ القائلون به، وقد يراد الزعم بمعنى القول مجردا عن معنى الظن الراجح أو الفاسد، أو المشكوك فيه، فإن كانت زعم بمعنى: تأمّر، وترأّس، أو بمعنى: كفل به؛ تعدت إلى واحد بحرف الجر، تقول: زعم على القوم، فهو زعيم، أي: تأمّر عليهم، وترأّسهم، وزعم بفلان أو بالمال، أي: كفله، وضمنه. وتقول: زعم اللبن؛ أي: أخذ يطيب. انتهى. وقال الأشموني: وإن كانت بمعنى: سمن، أو: هزل؛ فهي لازمة. هذا؛ وأقول: إن «زعم» من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ، وخبر إن كان من أفعال الرجحان، والأكثر أن يسد مسدهما: «أن» واسمها وخبرها مخففة من الثقيلة أو غيرها، نحو قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا،﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ..﴾. إلخ، وانظر شواهد ذلك في كتابنا فتح رب البرية، والقليل أن تنصب مفعولين صريحين، وهو ناقص التصرف لا يأتي منه غير الماضي، والمضارع. الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): معطوف على ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ،﴾ أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم. ﴿يُنادِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله) تعالى، والهاء مفعول به. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿فَيَقُولُ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفسير. (يقول): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام توبيخي إنكاري، مبني على الفتح في في محلّ نصب

стр. 4478

على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدّم. ﴿شُرَكائِيَ:﴾ مبتدأ مؤخر، مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة: ﴿شُرَكائِيَ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَزْعُمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعولاه محذوفان، والتقدير: تزعمونهم شركائي، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف كما رأيت تقديره، والجملة الاسمية: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿فَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها من عطف التفسير على المفسّر. ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾ الشرح: ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ:﴾ وهم أئمة الكفر، ورؤساء الضلالة، ومعنى ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ:﴾ وجب عليهم مقتضاه، وثبت مؤداه تحقيقا لقوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ:﴾ دعوناهم إلى الشرك، وارتكاب المعاصي، واجتراح السيئات، فأجابونا، وانقادوا لنا من دون قهر، وقسر. ﴿أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا﴾ أي: أضللناهم كما ضللنا، فهم يريدون ضللنا باختيارنا، وضلوا باختيارهم؛ لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة، وتسويلا، فلا فرق بين غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا داعيا لهم إلى الكفر، وارتكاب المعاصي، فهناك دعاء الله في مقابلته إلى الإيمان، بما ركز فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل عليهم من الكتاب الداعية إلى الهدى والرشاد. ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ:﴾ معناه: تبرأ بعضهم من بعض، وصاروا أعداء، وقول الله تعالى في سورة (إبراهيم) -على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٢] برهان قاطع على وقوع العداوة بين الأتباع والمتبوعين، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾. ومثل ذلك الآية رقم [٢٥] من سورة (العنكبوت). ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أي: بل كانوا يعبدون أهواءهم، ويطيعون شهواتهم، ولا سلطان لنا عليهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿حَقَّ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعل، وجملة: ﴿حَقَّ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هؤُلاءِ:﴾

стр. 4479

الهاء: حرف تنبيه. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وقيل: صفة له، فهو مبني على الفتح في محل رفع. ﴿أَغْوَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: أغويناهم. ﴿أَغْوَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَغْوَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، وهو لازم لا ينصب مفعولا، و (ما) المصدرية والفعل ﴿أَغْوَيْنا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: أغويناهم إغواء كائنا مثل إغوائنا. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها، والكلام ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَبَرَّأْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿كَما:﴾ نافية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿إِيّانا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وجملة: ﴿إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿ما كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال ثانية من (نا) أيضا، فهي حال متكررة، أو متداخلة، والرابط: الضمير فقط على الاعتبارين. قال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى. أقول: واعتبارهما حالا يؤدي هذا المعنى بلا ريب. هذا؛ وقيل: (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر مجرور بحرف جر محذوف، التقدير: من عبادتهم إيانا، وهو ضعيف. ﴿وَقِيلَ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾ الشرح: ﴿وَقِيلَ﴾ أي: للكفار، والقائل هو الله تعالى أو الملائكة، وهذا يكون يوم القيامة، والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه. ﴿اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ أي: أصنامكم التي كنتم تعبدونها في الدنيا لتخلصكم من العذاب. ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ أي: استغاثوا بهم. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ:﴾ لم يجيبوهم ولم يغيثوهم. ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ:﴾ عاينوه بأعينهم واقعا بهم. ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أي: لو أنّهم كانوا يهتدون؛ لأنجاهم الهدى، ولما صاروا إلى العذاب. وقيل: المعنى لو أنهم كانوا يهتدون؛ ما استغاثوا بهم؛ لأن استغاثتهم بهم لا تغني فتيلا. وقيل: المعنى ودوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا إلى التوحيد، والإيمان بالله، وتصديق رسول الله ﷺ .

стр. 4480

الإعراب: ﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اُدْعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿شُرَكاءَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعل: (قيل)، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه. هذا؛ وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور المقدر ب: «لهم» في محل رفع نائب فاعل. والمعتمد الأول. وأيده ابن هشام في المغني؛ حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو «لا حول ولا قوة إلاّ بالله كنز من كنوز الجنّة» ونحو «زعموا مطيّة الكذب» وجملة: ﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَدَعَوْهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (دعوهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وجزم، وقلب. ﴿يَسْتَجِيبُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَرَأَوُا:﴾ الواو: حرف عطف. (رأوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، وحركت الواو بالضم للتفريق بينها وبين الواو الأصلية في نحو قولك: (لو اجتهدت؛ لنجحت). والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَهْتَدُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أن) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: لو حصل، أو وقع اهتداؤهم. وقال سيبويه: هو في محلّ رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو اهتداؤهم حاصل أو واقع، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن ﴿لَوْ﴾ لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره: لأنجاهم الهدى ولما صاروا إلى العذاب. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿لَوْ﴾ للتمني فلا جواب لها، وانظر تقدير الكلام في الشرح. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ الشرح: قال النسفي-رحمه الله تعالى-: حكى أولا ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء، ثم ما يقوله الشياطين، أو أئمة الكفر عند توبيخهم؛ لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة، اعتذروا بأن

стр. 4481

الشياطين، هم الذين استغووهم، ثم ما يشبه الشماتة بهم، لاستغاثتهم آلهتهم، وعجزهم عن نصرتهم، ثم ما يبكتون به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل، وإزاحة العلل. الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): معطوف على مثله في الآية رقم [٦٢]، أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر (يوم)، وجملة: ﴿يُنادِيهِمْ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿ماذا:﴾ اسم استفهام توبيخي، مبني على السكون في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بماذا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما، أو هو اسم استفهام مركب مبني على السكون في محل نصب مفعول مطلق قدم على عامله. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط محذوف، التقدير: ماذا أجبتم به المرسلين؛ فالمعنى لا يأباه، وأقوى منه اعتبار (ما) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و (ذا) اسما موصولا مبنيا على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية صلته، والعائد محذوف، والتقدير: ما الذي أجبتم به المرسلين، فهو كلام في غاية الوضوح. ﴿أَجَبْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. تأمل، وتدبر. ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦)﴾ الشرح: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: فصارت الأنباء كالعمي عليهم، لا تهتدي إليهم، وأصله: فعموا عن الأنباء، لكنه عكس مبالغة، ودلالة على أن ما يحضر الذهن، إنما يفيض، ويرد عليه من خارج، فإذا أخطأه؛ لم يكن له حيلة إلى استحضاره، والمراد ب: ﴿الْأَنْباءُ﴾ ما أجابوا به الرسل، أو ما يعمها، وإذا كانت الرسل يتعتعون في الجواب عن مثل ذلك من الهول الشديد، ويفوضون علم ذلك إلى الله تعالى، فما ظنكم بالضلال من أممهم؟! ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ:﴾ لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب؛ لفرط الدهشة، أو العلم بأنه مثله في العجز. انتهى. بيضاوي بحروفه. هذا؛ واعتبر ابن هشام في المغني قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ﴾ من باب القلب، وهذا باب واسع من أبواب النحو، ومن شواهده الشعرية الشاهد رقم [١١٨٧] إلى [١١٩٣] من كتابنا فتح القريب المجيب انظرها فيه تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وقال القرطبي: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ:﴾ خفيت عليهم الحجج. قاله مجاهد؛ لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم عذر، ولا حجة يوم القيامة. ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ أي: بالأنساب والقرابات. قاله مجاهد. وقيل: لا يتساءلون سؤال تواصل، كما كانوا يتساءلون في

стр. 4482

الدنيا: من أنت؟ ومن أي قبيلة أنت؟ وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٢]: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ يوضح هذا؛ ويبينه. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (الطور) رقم [٢٥]: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ وقال في سورة (الصافات) رقم [٢٧]: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ،﴾ أقول: فآية (الطور) تنص على أن التساؤل إنما يكون في الجنة بلا ريب، بدليل الآيات التي قبلها، والتي بعدها، وأما آية (الصافات) فهي تنص على أن التساؤل إنما يكون يوم القيامة، بدليل قوله تعالى قبلها بآيتين: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ وهي تعارض الآية التي نحن بصدد شرحها، وآية المؤمنون المذكورة آنفا، وقد قال ابن عباس-﵄-في حل هذا التعارض: إن للقيامة أحوالا ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف، فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة، فيتساءلون. انتهى. خازن في سورة (المؤمنون). الإعراب: ﴿فَعَمِيَتْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (عميت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَنْباءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والتنوين ينوب عن جملة محذوفة، مضافة (إذ) إليها، التقدير: يوم إذ يناديهم. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾ الشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ تابَ:﴾ من الشرك، ﴿وَآمَنَ﴾ أي: بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبمحمد ﷺ نبيا، وشفيعا، ورسولا. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً:﴾ أدى الفرائض، وأكثر من النوافل، مع اجتناب المحرمات، والمنهيات. انظر الآية رقم [٧٠] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك. ﴿فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ أي: من الفائزين بالسعادة الأبدية، والهناءة السرمدية. وعسى من الله واجبة التحقيق على عادة الكرام، أو هي ترج من التائب الذي آمن وعمل صالحا، وينبغي أن تعلم: أنه لما ذكر الله حال الكافرين في الآيات السابقة، وما يجري عليهم يوم القيامة من عظائم الأمور؛ ذكر حال المؤمنين السعداء، وما يجري عليهم من النعيم المقيم والخير العميم؛ لأنه جرت سنة الله في كتابه: أنه لا يذكر أحد الفريقين؛ إلا ويذكر الآخر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار... إلخ، وذلك ليكون المؤمن راغبا في طاعة الله خائفا من معصيته.

стр. 4483

الإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أما) أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء فالذي تاب... إلخ، فأنيبت (أما) مناب: مهما يك من شيء، فصار: أما من فعسى. وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تابَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ معطوفتان عليها. ﴿فَعَسى:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (عسى): فعل ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿مِنَ الْمُفْلِحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُونَ،﴾ ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر (عسى). هذا؛ وإن اعتبرت عسى تامة فالمصدر المؤول يكون في محل رفع فاعلها، ولا ضمير مستتر فيها، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] وجرّدن عسى أو ارفع مضمرا... بها إذا اسم قبلها قد ذكرا وجملة: (عسى...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَأَمّا مَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة جوابا للمشركين حين قالوا: ما حكى الله عنهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ يريدون الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي. وقيل: هي جواب لليهود؛ إذ قالوا: لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل، لآمنا به، والمعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه، ويختار منهم من يشاء لنبوته. قال يحيى بن سلام، وحكى النقاش: أن المعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه. يعني: محمدا ﷺ ، ويختار الأنصار لدينه. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي كتاب البزار مرفوعا صحيحا عن جابر-﵁: «إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين، والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة، يعني: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا-﵃ أجمعين-، فجعلهم أصحابي، وفي أصحابي كلهم خير، واختار أمتي على الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون». انتهى.

стр. 4484

و ﴿الْخِيَرَةُ﴾ من التخير، كالطيرة من التطير. يستعمل بمعنى المصدر، وهو التخير، وبمعنى المتخير، كقولهم: محمد خيرة الله من خلقه، والمعنى على الأول: إن الخيرة لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، أي: ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه، كقوله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وقال محمود الوراق رحمه الله تعالى: [الطويل] توكّل على الرحمن في كلّ حاجة... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه حذره... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وقال آخر: [البسيط] العبد ذو شجر والرّبّ ذو قدر... والدّهر ذو دول والرّزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا... وفي اختيار سواه اللّوم والشّؤم قال بعض العلماء: لا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك؛ بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة، يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ..﴾. إلخ وفي الركعة الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ..﴾. إلخ. واختار بعض المشايخ أن يقرأ في الركعة الأولى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ..﴾. إلخ، وفي الركعة الثانية: قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ..﴾. إلخ وكلّ حسن، ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السّلام، وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله-﵄. قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثمّ ليقل: اللهمّ إنّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم: أنّ هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي ومعاشي، وعاقبة أمري-أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسّره لي، ثمّ بارك لي فيه، وإن كنت تعلم: أنّ هذا الأمر شرّ لي في ديني، ودنياي، ومعاشي، وعاقبة أمري-أو قال: في عاجل أمري وآجله-. فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثمّ رضّني به. قال: ويسمي حاجته». وروى أنس-﵁-أن النبي ﷺ قال له: «يا أنس! إذا هممت بأمر، فاستخر ربّك فيه سبع مرّات، ثمّ انظر إلى ما يسبق إليه قلبك؛ فإنّ الخير فيه». قال العلماء: وينبغي له أن يفرّغ قلبه من جميع الخواطر، حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إليه قلبه؛

стр. 4485

يعمل عليه، فإن الخير فيه إن شاء الله، وإن عزم على سفر، فيتوخّى بسفره يوم الخميس، أو يوم الإثنين، اقتداء برسول الله ﷺ . انتهى. قرطبي بتصرف. أقول: وما تقدم كله صريح على أن الاستخارة تكون في اليقظة. هذا؛ وقد استحدثت الاستخارة المنامية: يتوضأ، ويصلي ركعتين بنية الاستخارة، ثم يدعو بالدعاء المذكور، ثم يستغفر الله ما أمكنه، ثم يصلي على الرسول ﷺ ما أمكنه، ثم ينام موجها صدره إلى جهة القبلة، ثم إن رأى في منامه ما يسره مضى لما يريده، وإن رأى في منامه ما يزعجه ويسوءه أعرض عن الأمر الذي يريده. والله ولي التوفيق. ﴿سُبْحانَ اللهِ:﴾ تنزيها، وتقديسا لله. ﴿(تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ)﴾ أي: تقدس الله، وتنزه عن الذي يشركونه معه من الحجارة، والأوثان، و (تعالى) بهذا المعنى ناقص التصرف، لا يأتي منه أمر. الإعراب: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ربك): مبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَخْلُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (ربك)، والجملة الفعلية في محل رفع خبره. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يخلق الذي أو شيئا يشاؤه، وجملة: ﴿وَيَخْتارُ﴾ معطوفة عليها، والمفعول محذوف أيضا، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) مقدم. ﴿الْخِيَرَةُ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والوقف على (يختار) تام، وجيد. هذا؛ وقيل: إن ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول بما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يختار اختيارهم، كما قيل: إنّ ﴿ما﴾ موصولة في محلّ نصب مفعول به وفي (كان) ضمير مستتر هو اسمها، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ:﴾ في محلّ خبرها، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: ما كان لهم الخيرة فيه، وهذان القولان ضعيفان، والأصح اعتبار ﴿ما﴾ نافية، والجملة مستأنفة. قال مكي-رحمه الله تعالى-: وقال بعض العلماء كالطبري، وغيره: هي في موضع نصب ب: (يختار)، وليس ما قاله بحسن في الإعراب؛ لأنه لا عائد يعود على ﴿ما﴾ في الكلام، وهو بعيد أيضا في المعنى، والاعتقاد؛ لأن كونها للنفي يوجب عموم جميع الأشياء في الخير، والشر: أنها حدثت بقدر الله، واختياره، وليس لمخلوق فيها اختيار غير اكتسابه بقدر من الله له. وإذا كانت ﴿ما﴾ في موضع نصب ب: (يختار)؛ لم تعم جميع الأشياء: أنها مختارة لله، إنما أوجبت أنه يختار ما كان لهم فيه الخيرة لا غير، وبقي ما ليس لهم فيه الخيرة، وهو الخير موقوفا، وهذا هو مذهب القدرية والمعتزلة، فكون ﴿ما﴾ للنفي أولى في المعنى، وأصح في التفسير، وأحسن في الاعتقاد، وأقوى في العربية. انتهى. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو مضاف،
следующие страницы →