← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

الشياطين، هم الذين استغووهم، ثم ما يشبه الشماتة بهم، لاستغاثتهم آلهتهم، وعجزهم عن نصرتهم، ثم ما يبكتون به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل، وإزاحة العلل. الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): معطوف على مثله في الآية رقم [٦٢]، أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر (يوم)، وجملة: ﴿يُنادِيهِمْ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿ماذا:﴾ اسم استفهام توبيخي، مبني على السكون في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بماذا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما، أو هو اسم استفهام مركب مبني على السكون في محل نصب مفعول مطلق قدم على عامله. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط محذوف، التقدير: ماذا أجبتم به المرسلين؛ فالمعنى لا يأباه، وأقوى منه اعتبار (ما) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و (ذا) اسما موصولا مبنيا على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية صلته، والعائد محذوف، والتقدير: ما الذي أجبتم به المرسلين، فهو كلام في غاية الوضوح. ﴿أَجَبْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. تأمل، وتدبر. ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦)﴾ الشرح: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: فصارت الأنباء كالعمي عليهم، لا تهتدي إليهم، وأصله: فعموا عن الأنباء، لكنه عكس مبالغة، ودلالة على أن ما يحضر الذهن، إنما يفيض، ويرد عليه من خارج، فإذا أخطأه؛ لم يكن له حيلة إلى استحضاره، والمراد ب: ﴿الْأَنْباءُ﴾ ما أجابوا به الرسل، أو ما يعمها، وإذا كانت الرسل يتعتعون في الجواب عن مثل ذلك من الهول الشديد، ويفوضون علم ذلك إلى الله تعالى، فما ظنكم بالضلال من أممهم؟! ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ:﴾ لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب؛ لفرط الدهشة، أو العلم بأنه مثله في العجز. انتهى. بيضاوي بحروفه. هذا؛ واعتبر ابن هشام في المغني قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ﴾ من باب القلب، وهذا باب واسع من أبواب النحو، ومن شواهده الشعرية الشاهد رقم [١١٨٧] إلى [١١٩٣] من كتابنا فتح القريب المجيب انظرها فيه تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وقال القرطبي: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ:﴾ خفيت عليهم الحجج. قاله مجاهد؛ لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم عذر، ولا حجة يوم القيامة. ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ أي: بالأنساب والقرابات. قاله مجاهد. وقيل: لا يتساءلون سؤال تواصل، كما كانوا يتساءلون في

стр. 4482

الدنيا: من أنت؟ ومن أي قبيلة أنت؟ وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٢]: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ يوضح هذا؛ ويبينه. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (الطور) رقم [٢٥]: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ وقال في سورة (الصافات) رقم [٢٧]: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ،﴾ أقول: فآية (الطور) تنص على أن التساؤل إنما يكون في الجنة بلا ريب، بدليل الآيات التي قبلها، والتي بعدها، وأما آية (الصافات) فهي تنص على أن التساؤل إنما يكون يوم القيامة، بدليل قوله تعالى قبلها بآيتين: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ وهي تعارض الآية التي نحن بصدد شرحها، وآية المؤمنون المذكورة آنفا، وقد قال ابن عباس-﵄-في حل هذا التعارض: إن للقيامة أحوالا ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف، فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة، فيتساءلون. انتهى. خازن في سورة (المؤمنون). الإعراب: ﴿فَعَمِيَتْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (عميت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَنْباءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والتنوين ينوب عن جملة محذوفة، مضافة (إذ) إليها، التقدير: يوم إذ يناديهم. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾ الشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ تابَ:﴾ من الشرك، ﴿وَآمَنَ﴾ أي: بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبمحمد ﷺ نبيا، وشفيعا، ورسولا. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً:﴾ أدى الفرائض، وأكثر من النوافل، مع اجتناب المحرمات، والمنهيات. انظر الآية رقم [٧٠] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك. ﴿فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ أي: من الفائزين بالسعادة الأبدية، والهناءة السرمدية. وعسى من الله واجبة التحقيق على عادة الكرام، أو هي ترج من التائب الذي آمن وعمل صالحا، وينبغي أن تعلم: أنه لما ذكر الله حال الكافرين في الآيات السابقة، وما يجري عليهم يوم القيامة من عظائم الأمور؛ ذكر حال المؤمنين السعداء، وما يجري عليهم من النعيم المقيم والخير العميم؛ لأنه جرت سنة الله في كتابه: أنه لا يذكر أحد الفريقين؛ إلا ويذكر الآخر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار... إلخ، وذلك ليكون المؤمن راغبا في طاعة الله خائفا من معصيته.

стр. 4483

الإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أما) أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء فالذي تاب... إلخ، فأنيبت (أما) مناب: مهما يك من شيء، فصار: أما من فعسى. وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تابَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ معطوفتان عليها. ﴿فَعَسى:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (عسى): فعل ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿مِنَ الْمُفْلِحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُونَ،﴾ ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر (عسى). هذا؛ وإن اعتبرت عسى تامة فالمصدر المؤول يكون في محل رفع فاعلها، ولا ضمير مستتر فيها، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] وجرّدن عسى أو ارفع مضمرا... بها إذا اسم قبلها قد ذكرا وجملة: (عسى...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَأَمّا مَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة جوابا للمشركين حين قالوا: ما حكى الله عنهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ يريدون الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي. وقيل: هي جواب لليهود؛ إذ قالوا: لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل، لآمنا به، والمعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه، ويختار منهم من يشاء لنبوته. قال يحيى بن سلام، وحكى النقاش: أن المعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه. يعني: محمدا ﷺ ، ويختار الأنصار لدينه. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي كتاب البزار مرفوعا صحيحا عن جابر-﵁: «إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين، والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة، يعني: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا-﵃ أجمعين-، فجعلهم أصحابي، وفي أصحابي كلهم خير، واختار أمتي على الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون». انتهى.

стр. 4484

و ﴿الْخِيَرَةُ﴾ من التخير، كالطيرة من التطير. يستعمل بمعنى المصدر، وهو التخير، وبمعنى المتخير، كقولهم: محمد خيرة الله من خلقه، والمعنى على الأول: إن الخيرة لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، أي: ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه، كقوله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وقال محمود الوراق رحمه الله تعالى: [الطويل] توكّل على الرحمن في كلّ حاجة... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه حذره... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وقال آخر: [البسيط] العبد ذو شجر والرّبّ ذو قدر... والدّهر ذو دول والرّزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا... وفي اختيار سواه اللّوم والشّؤم قال بعض العلماء: لا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك؛ بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة، يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ..﴾. إلخ وفي الركعة الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ..﴾. إلخ. واختار بعض المشايخ أن يقرأ في الركعة الأولى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ..﴾. إلخ، وفي الركعة الثانية: قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ..﴾. إلخ وكلّ حسن، ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السّلام، وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله-﵄. قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثمّ ليقل: اللهمّ إنّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم: أنّ هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي ومعاشي، وعاقبة أمري-أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسّره لي، ثمّ بارك لي فيه، وإن كنت تعلم: أنّ هذا الأمر شرّ لي في ديني، ودنياي، ومعاشي، وعاقبة أمري-أو قال: في عاجل أمري وآجله-. فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثمّ رضّني به. قال: ويسمي حاجته». وروى أنس-﵁-أن النبي ﷺ قال له: «يا أنس! إذا هممت بأمر، فاستخر ربّك فيه سبع مرّات، ثمّ انظر إلى ما يسبق إليه قلبك؛ فإنّ الخير فيه». قال العلماء: وينبغي له أن يفرّغ قلبه من جميع الخواطر، حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إليه قلبه؛

стр. 4485

يعمل عليه، فإن الخير فيه إن شاء الله، وإن عزم على سفر، فيتوخّى بسفره يوم الخميس، أو يوم الإثنين، اقتداء برسول الله ﷺ . انتهى. قرطبي بتصرف. أقول: وما تقدم كله صريح على أن الاستخارة تكون في اليقظة. هذا؛ وقد استحدثت الاستخارة المنامية: يتوضأ، ويصلي ركعتين بنية الاستخارة، ثم يدعو بالدعاء المذكور، ثم يستغفر الله ما أمكنه، ثم يصلي على الرسول ﷺ ما أمكنه، ثم ينام موجها صدره إلى جهة القبلة، ثم إن رأى في منامه ما يسره مضى لما يريده، وإن رأى في منامه ما يزعجه ويسوءه أعرض عن الأمر الذي يريده. والله ولي التوفيق. ﴿سُبْحانَ اللهِ:﴾ تنزيها، وتقديسا لله. ﴿(تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ)﴾ أي: تقدس الله، وتنزه عن الذي يشركونه معه من الحجارة، والأوثان، و (تعالى) بهذا المعنى ناقص التصرف، لا يأتي منه أمر. الإعراب: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ربك): مبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَخْلُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (ربك)، والجملة الفعلية في محل رفع خبره. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يخلق الذي أو شيئا يشاؤه، وجملة: ﴿وَيَخْتارُ﴾ معطوفة عليها، والمفعول محذوف أيضا، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) مقدم. ﴿الْخِيَرَةُ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والوقف على (يختار) تام، وجيد. هذا؛ وقيل: إن ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول بما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يختار اختيارهم، كما قيل: إنّ ﴿ما﴾ موصولة في محلّ نصب مفعول به وفي (كان) ضمير مستتر هو اسمها، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ:﴾ في محلّ خبرها، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: ما كان لهم الخيرة فيه، وهذان القولان ضعيفان، والأصح اعتبار ﴿ما﴾ نافية، والجملة مستأنفة. قال مكي-رحمه الله تعالى-: وقال بعض العلماء كالطبري، وغيره: هي في موضع نصب ب: (يختار)، وليس ما قاله بحسن في الإعراب؛ لأنه لا عائد يعود على ﴿ما﴾ في الكلام، وهو بعيد أيضا في المعنى، والاعتقاد؛ لأن كونها للنفي يوجب عموم جميع الأشياء في الخير، والشر: أنها حدثت بقدر الله، واختياره، وليس لمخلوق فيها اختيار غير اكتسابه بقدر من الله له. وإذا كانت ﴿ما﴾ في موضع نصب ب: (يختار)؛ لم تعم جميع الأشياء: أنها مختارة لله، إنما أوجبت أنه يختار ما كان لهم فيه الخيرة لا غير، وبقي ما ليس لهم فيه الخيرة، وهو الخير موقوفا، وهذا هو مذهب القدرية والمعتزلة، فكون ﴿ما﴾ للنفي أولى في المعنى، وأصح في التفسير، وأحسن في الاعتقاد، وأقوى في العربية. انتهى. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو مضاف،

стр. 4486

و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَتَعالى:﴾ الواو: حرف عطف. (تعالى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو عن شيء يشركونه مع الله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: تعالى الله عن شركهم. ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩)﴾ الشرح: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أي: تخفي صدورهم من الحقد عليك يا محمد! والعداوة لك. ﴿وَما يُعْلِنُونَ:﴾ يظهرون من عداوتك بالطعن، والشتم، فليس تأخير العذاب لخفاء حالهم، ولكن له وقت مقدر أوانه، فهو يعلم ما يخفون، وما يعلنون من عداوة رسول الله ﷺ ومكايدهم، وهو معاقبهم على ذلك بما يستحقون، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾. الإعراب: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ربك): مبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (ربك) وهو من المعرفة فلذا اكتفى بمفعول واحد. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تُكِنُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿صُدُورُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو: شيئا تكنه صدورهم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿ما:﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف على نحو ما تقدم. هذا؛ وقد ذكرت الآية بحروفها في سورة (النمل) برقم [٧٤]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ الشرح: ﴿وَهُوَ اللهُ:﴾ المستحق للعبادة. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ لا أحد يستحق العبادة، والتقديس، والتعظيم إلا هو، ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى﴾ أي: في الدنيا. ﴿وَالْآخِرَةِ:﴾ المراد بها: الحياة

стр. 4487

الثانية التي تكون بعد الموت، ثم الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها بالفضل الإلهي، ودخول النار، والخلود فيها بالعدل الرباني. ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ:﴾ القضاء النافذ في كل شيء، لا يوجد معارض، ولا مدافع، ولا محام، يحكم لأهل طاعته بالمغفرة، والسعادة في الجنة، ولأهل المعصية بالشقاوة، ودخول النار. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: بالبعث، والنشور يوم القيامة. هذا؛ ويقرأ الفعل بالبناء للمجهول من المتعدي، ويقرأ بالبناء للمعلوم من اللازم. تنبيه: الحمد في الدنيا حمد تكليف، وشكر لله على إنعامه، وهو في الآخرة على وجه اللذاذة، لا الكلفة، يقولون: ﴿(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ)﴾، ﴿(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ)﴾ ويقولون: ﴿(الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)﴾ انظر (الحمد) في الآية رقم [١٥] من سورة (النمل) فهو جيد. الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ خبر أول، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: اعتباره بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. الثاني: اعتباره بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع على الابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو أقوى الثلاثة، وهو مبني على الفتح في محل رفع، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثالث للمبتدإ. ﴿فِي الْأُولى:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿الْحَمْدُ؛﴾ لأنه مصدر، وتعليقهما بمحذوف حال منه لا يجيزه كثير من النحاة. (الآخرة): معطوف على الأولى، وجملة: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ . ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني، والخطاب لأهل مكة. ﴿إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً:﴾ دائما مستمرا. من السرد، وهو المتابعة، ومنه قولهم في الأشهر الحرم: ثلاثة سرد، وواحد فرد. ومنه قول طرفة في معلقته رقم [١٠٦]: [الطويل] لعمرك ما أمري عليّ بغمّة... نهاري ولا ليلي عليّ بسرمد

стр. 4488

﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ:﴾ بإسكان الشمس تحت الأرض، أو تحريكها حول الأفق الغائر، فقد بيّن سبحانه: أنه مهّد أسباب المعيشة؛ ليقوموا بشكر نعمه. ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ:﴾ المعنى: أي إله يأتيكم بنهار تطلبون فيه المعيشة، وتستعينون فيه على قضاء حوائجكم. ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ أي: سماع فهم وقبول وتدبر واستبصار. هذا؛ والقيامة أصلها: القوامة؛ لأنها من قام، يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، ويوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (رأيتم): فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وقد اختلف في مفعولي هذا الفعل، فقال قوم: هما محذوفان دل عليهما الكلام، التقدير: أرأيتم عبادتكم الأصنام، هل تنفعكم شيئا إن جعل الله... إلخ، ودل عليه قوله: ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ﴾. وقال آخرون: لا يحتاج الفعل إلى مفعول؛ لأن بالشرط، وجوابه قد حصل معنى المفعول. وملخص كلام السمين: أن المفعول الأول محذوف، التقدير: أرأيتموه، والمسألة من باب التنازع، فقد تنازع (أرأيتم) وفعل الشرط في: (الليل) فكلاهما يطلبه مفعولا، فأعمل الثاني، وحذف المفعول الأول، وأما المفعول الثاني ل: (رأيتم) فهو الجملة الاستفهامية. انتهى. جمل بتصرف كبير من سورة (الأنعام). وأرى: أن الفعل: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وأن الجملة الاسمية: ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ﴾ سدت مسد المفعولين، وما بينهما كلام معترض لا محل له، أعطى الكلام تقوية، وتسديدا، وحذف جواب الشرط لدلالة الكلام عليه، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿سَرْمَداً:﴾ مفعول به ثاني، أو هو حال من ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿جَعَلَ،﴾ أو ب: ﴿سَرْمَداً،﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه، التقدير: فمن يأتيكم بضياء تطلبون فيه معايشكم، وتستعينون فيه على قضاء حوائجكم؟!. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة: ﴿إِلهٌ،﴾ و ﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿يَأْتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿إِلهٌ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: (إله)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿بِضِياءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ إِلهٌ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد المفعول، أو المفعولين حسب ما رأيت في الشرح. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف استئناف، أو حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَسْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة

стр. 4489

الفعلية: مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ والكلام ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإعراب الآية التالية مثلها بلا فارق. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ الشرح: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ:﴾ وذلك بإسكان الشمس في وسط السماء، أو تحريكها على مدار فوق الأفق. ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ:﴾ للاستراحة من متاعب الأشغال. ولعله لم يصف الضياء بقوله: بنهار تتصرفون فيه، كما وصف الليل بما ذكر؛ لأن الضوء نعمة في ذاته، مقصود بنفسه، ولا كذلك الليل حيث قال: ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ؛﴾ لأن منافع الضوء التي تتعلق به متكاثرة لا يحصيها عد، ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ثم قرن بالضياء قوله: ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ؛﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه، ووصف فوائده، وقرن الليل بقوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون، ونحوه. تنبيه: الهمزة في الكلام ﴿أَفَلا﴾ ومثلها ﴿أَوَلَمْ﴾ للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء والواو؛ لأنهما حرفا عطف، وكذا تقدم على «ثم» تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله جل شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾. إلخ، وقوله جل شأنه: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ، وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ أمكثوا فلم يسيروا في الأرض، أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات، أو قتل... إلخ؟ ويضعفه ما فيه من التكلف وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف. ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ الشرح: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ:﴾ من فضله، وكرمه. ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ:﴾ يتعاقبان بالظلمة، والضياء. ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ:﴾ لتستريحوا فيه من متاعبكم؛ التي تنالكم في النهار. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ﴾

стр. 4490

فَضْلِهِ أي: في النهار بطلب المعاش، وأنواع المكاسب، فهو من باب اللف، والنشر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك، فتشكروه عليها. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٢]: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ انظر شرحها هناك، وانظر الترجي في الآية رقم [٤٣]. هذا؛ وقد قال الخازن: إن من نعمة الله تعالى على الخلق أن جعل الليل، والنهار يتعاقبان؛ لأن المرء في حال الدنيا، وفي حال التكليف مدفوع إلى التعب، ليحصل ما يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، ولأجله يحصل الاجتماع، فتمكن المعاملات. ومعلوم: أن ذلك لا يتم إلا بالراحة، والسكون بالليل، فلا بد منهما، فأما في الجنة؛ فلا تعب، ولا نصب، فلا حاجة بهم إلى الليل، ولذلك يدوم لهم الضياء أبدا، فيبين الله تعالى: أنه القادر على ذلك؛ ليس غيره، فقال: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ..﴾. إلخ. وقال الزمخشري: زاوج بين الليل، والنهار لأغراض ثلاثة: لتسكنوا في أحدهما، وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخرة، وهو النهار، ولإرادة شكركم. وقد سلكت بهذه الآية طريقة اللف، والنشر في تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء إيذانا بأن لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به! كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده! اللهم فكما أدخلتنا في أهل توحيدك؛ فأدخلنا في الناجين من وعيدك. انتهى. آمين يا رب. الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(مِنْ رَحْمَتِهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. وقيل: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و ﴿جَعَلَ﴾ مؤول بمصدر بتقدير: «أن» مبتدأ مؤخر، ولا وجه له قطعا؛ لأن تأويل الفعل بمصدر إنما هو في المضارع، لا الماضي، وبحثه معلوم. انظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الروم) والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو». ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به أيضا. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. (النهار): معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿لِتَسْكُنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ﴾ أيضا. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلِتَبْتَغُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿وَلَعَلَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها من تعليل. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 4491

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤)﴾ الشرح: ذكرت هذه الآية بحروفها برقم [٦٢] وأعيدت هنا لزيادة التوبيخ والتقريع للمشركين للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به! أو الآية الأولى لتقرير فساد آرائهم، وهذه الآية لبيان: أن إشراكهم لم يكن عن سند، وإنما هو محض تشهّ، ومجرد هوى. ﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾ الشرح: ﴿وَنَزَعْنا﴾ أي: وأخرجنا يوم القيامة. ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً:﴾ يشهد عليهم، والمراد به رسولهم يشهد عليهم بأن بلغهم رسالة ربهم، ونصح لهم، اقرأ معي قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ:﴾ حجتكم على صحة ما كنتم تدينون به من الشرك، ومخالفة الرسل. ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ﴾ أي: أيقنوا يوم القيامة: أن الدين القويم هو الذي ارتضاه الله للناس أجمعين، وهو دين التوحيد. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: غاب عنهم. ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: يختلقون في الدنيا من الكذب على الله من ألوهية غيره، والشفاعة لهم. هذا؛ و (ضل): غاب كما رأيت، وأكثر استعماله في القرآن الكريم بمعنى: كفر، وخرج عن جادة الحق والصواب، وهو ضد: اهتدى، واستقام. وضل الشيء: ضاع وهلك، وضل: أخطأ في رأيه. ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم لأبيهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ،﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وضل: تحير، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، وهو فن من فنون البلاغة، كما هو معروف ببابه. الإعراب: ﴿وَنَزَعْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (نزعنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيداً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَنَزَعْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَقُلْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قلنا): فعل، وفاعل. ﴿هاتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بُرْهانَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿هاتُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَعَلِمُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (علموا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف

стр. 4492

للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْحَقَّ:﴾ اسمها. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (علموا)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَضَلَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (ضل): فعل ماض. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ضل عنهم الذي، أو شيء كانوا يفترونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ضل عنهم افتراؤهم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان). ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى:﴾ قال القرطبي رحمه الله تعالى: لما قال تعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها﴾ بيّن أن قارون أوتيها، فاغتربها، ولم تعصمه من عذاب الله، كما لم تعصم فرعون، ولستم أيها المشركون بأكثر عددا، ومالا من فرعون، وقارون، فلم ينفع فرعون جنوده، وأمواله، ولم ينفع قارون قرابته من موسى، ولا كنوزه. قال النخعي، وقتادة، وغيرهما: كان ابن عمّ موسى لحّا، وهو قارون، بن يصهر، بن قاهث، بن لاوي، بن يعقوب، وموسى بن عمران، بن قاهث. انتهى. ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ:﴾ تكبر عليهم، وأراد أن يكون بنو إسرائيل تحت أمره. وقيل: أمّره فرعون على بني إسرائيل، فجعل يظلمهم، ويستبد بهم. ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ:﴾ من الأموال المدخرة. وقيل: أظفره الله بكنز من كنوز يوسف، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: سميت أمواله كنوزا؛ لأنه كان ممتنعا من أداء الزكاة، وبسبب ذلك عادى موسى، ﵇. ﴿ما إِنَّ مَفاتِحَهُ﴾ أي: مفاتح كنوزه، جمع مفتح-بكسر الميم، وفتح التاء-فيكون المراد به الآلة المعروفة، ويؤيده قراءة: (مفاتيح) في سورة (الأنعام) ويكون قد حذف منه عند الجمع الألف التي تقلب ياء في صيغة منتهى الجموع، كما قيل في جمع: مصباح: مصابح، وفي جمع: محراب: محارب، أو هو جمع مفتح-بفتح الميم، وكسر التاء-كمخزن وزنا، ومعنى، وهو الخزانة. وقال النسفي: والأصوب: أنها المقاليد، والمعتمد الأول بدليل قوله تعالى: ﴿لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي: لتثقلهم، وتميل بهم؛ إذا حملوها. قال النمر بن تولب الصحابي-﵁، قيل: إنه عمر مائتي سنة: [الطويل]

стр. 4493

يودّ الفتى طول السّلامة والبقا... فكيف يرى طول السلامة يفعل؟ يودّ الفتى بعد اعتدال وصحّة... ينوء إذا رام القيام ويحمل هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قلب؛ إذ المعنى: لتنوأ العصبة بها، أي: تنهض بها متثاقلة. هذا؛ والقلب باب واسع من أبواب النحو، ويوجد في القرآن كثير، كما رأيته في مواضعه. ومن شواهده الشعرية الشواهد رقم [١١٨٧] إلى [١١٩٤] من كتابنا فتح القريب المجيب، وخذ واحدا منها، وهو للقطامي: [الوافر] فلمّا أن جرى سمن عليها... كما طيّنت بالفدن السّياعا قال ابن عباس-﵄: كان يحمل مفاتيح خزائنه أربعون رجلا أقوى ما يكون من الرجال. وقيل: كان قارون يحمل معه مفاتيح كنوزه معه أينما ذهب، وكانت من حديد، فلما كثرت، وثقلت؛ جعلها من خشب، فثقلت فجعلها من جلود البقر، كل مفتاح على قدر الإصبع، وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلا. هذا؛ والعصبة، ومثلها العصابة: من الرجال ما بين العشرة إلى الأربعين، وهو قول السدي، وقتادة، وقال تعالى في قصة أولاد يعقوب، وكانوا عشرة: ﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ثم قالوا: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾. هذا؛ والعصبة، والعصابة: الجماعة من الناس، والخيل، والطير، واعصوصبوا: اجتمعوا، والعصبة لا واحد لها من لفظها، مثل: نفر، ورهط، ومعشر، وانظر شرح (أولو) في الآية رقم [٣٣] من سورة (النمل). ﴿إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ أي: المؤمنون من بني إسرائيل. قاله السدي. وقال يحيى بن سلام: القوم هنا: موسى، وقاله الفراء أيضا، وعليه فهو جمع، أريد به واحد، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ وإنما هو نعيم بن مسعود، كما رأيت في الآية رقم [١٧٣] من سورة (آل عمران) والمراد بالفرح: البطر، وهو مذموم؛ لأنه نتيجة حب الدنيا، والرضا بها، والذهول عن ذهابها، فإن الواقع بأن ما فيها من اللذة زائل لا محالة، يوجب الهم، والغم، والحزن الطويل، كما قال أبو الطيب المتنبي: [الوافر] أشدّ الغمّ عندي في سرور... تيقّن عنه صاحبه انتقالا ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي: بزخارف الدنيا، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، ويبطرون به على خلقه، قال الشاعر: [الطويل] ولست بمفراح إذا الدّهر سرّني... ولا ضارع من صرفه المتقلّب الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿قارُونَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿قارُونَ﴾. ﴿مِنْ قَوْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان). و ﴿قَوْمِ﴾

стр. 4494

مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ قارُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَبَغى:﴾ الفاء: حرف عطف. (بغى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿قارُونَ،﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَآتَيْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل (بغى) المستتر، فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وتكون: «قد» قبلها مقدرة. ﴿مِنَ الْكُنُوزِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مَفاتِحَهُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَتَنُوأُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تنوء): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَفاتِحَهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِالْعُصْبَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿أُولِي:﴾ صفة (العصبة) مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و ﴿أُولِي﴾ مضاف، و ﴿الْقُوَّةِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿إِنَّ مَفاتِحَهُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل (تنوء)، وقال أبو البقاء: متعلق ب: (آتينا)، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل محذوف، دل عليه الكلام، أي: بغى؛ إذ قال له قومه. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به. ﴿قَوْمُهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا تَفْرَحْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿الْفَرِحِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ الشرح: ﴿وَابْتَغِ:﴾ اطلب، واقصد. ﴿فِيما آتاكَ اللهُ:﴾ من المال، والغنى. ﴿الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي: الجنة، وهو أن تقوم بشكر الله فيما أنعم، وتنفق المال في مرضاة الله ؛ لأن من حق المؤمن العاقل أن يصرف المال فيما يقربه من رحمة الله تعالى، لا فيما يسبب له غضبه، وسخطه من تجبر وتكبر، وبغي، وفساد في الأرض.

стр. 4495

﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا:﴾ اختلف فيه، فقال ابن عباس، والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك؛ إذ الآخرة إنما يعمل لها، فنصيب الإنسان عمره، وعمله الصالح فيها. فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة. وقال الحسن، وقتادة: معناه: لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال، وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك. فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به، وإصلاح الأمر الذي يشتهيه، وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النّبوة من الشدّة. قاله ابن عطية. وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر-﵄-في قوله: احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، وقيل: لا تنس صحتك، وقوتك، وشبابك، وغناك أن تطلب بها الآخرة. وعن عمرو بن ميمون الأزدي قال: قال رسول الله ﷺ لرجل، وهو يعظه: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك». ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ أي: أطع الله، واعبده، كما أنعم عليك. وقيل: أحسن إلى الناس، كما أحسن الله إليك. وقال ابن العربي: فيه أقوال كثيرة، جماعها: استعمال نعم الله في طاعة الله. ﴿وَلا تَبْغِ﴾ أي: لا تقصد. ﴿الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ:﴾ كل من عصى الله وآذى عباد الله فقد طلب الفساد في الأرض، وتعرّض لسخط الله، وشديد نقمته، ودليله عدم حبّه له، وهو كناية عن البغض، والسخط، والغضب. ومحبته جلت قدرته للعبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَابْتَغِ:﴾ الواو: حرف عطف. (ابتغ): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأجاز أبو البقاء تعليقهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر، والمعنى لا يؤيده، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في). ﴿آتاكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني-وهو العائد، أو الرابط-محذوف؛ إذ التقدير: في الذي، أو: في شيء آتاك الله إياه. وأجاز أبو البقاء فيها المصدرية، والمعنى لا يؤيده. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها. ﴿الدّارَ:﴾ مفعول به للفعل: (ابتغ) ﴿الْآخِرَةَ:﴾ صفة: ﴿الدّارَ،﴾ وجملة: ﴿وَابْتَغِ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَنْسَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿نَصِيبَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَصِيبَكَ﴾. وهو أقوى معنى، وجملة: ﴿وَلا تَنْسَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَأَحْسِنْ:﴾ الواو:

стр. 4496

حرف عطف. (أحسن): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت» ﴿كَما﴾ الكاف حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَحْسِنْ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، يقع مفعولا مطلقا، التقدير: أحسن إحسانا كائنا مثل إحسان الله إليك، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩] عن سيبويه، رحمه الله تعالى. واعتبار (ما) موصولة ضعيف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا تبغ): فعل مضارع مجزوم ب: (لا) إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْفَسادَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ إعراب هذه الجملة ومحلها مثلها إعراب: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ في الآية السابقة بلا فارق. ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ الشرح: ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي: على فضل، وخير علمه الله عندي، فرآني أهلا لذلك، ففضلني بهذا المال عليكم، كما فضلني بغيره. وقيل: هو علم الكيمياء، وكان موسى ﵇ يعلمه، فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم، وعلم كالب بن يوقنا ثلثه، وعلم قارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، فكان يصنع من الرصاص فضة، ومن النحاس ذهبا، وكان ذلك سبب كثرة أمواله. وقيل: كان علمه حسن التصرف في التجارات، والزراعات، وأنواع المكاسب. انتهى. خازن. وقال القرطبي: يعني: علم التوراة، وكان فيما روي من أقرأ الناس لها، ومن أعلمهم بها، وكان أحد السبعين الذين اختارهم موسى للميقات. انتهى. فهو كقول الله تعالى على لسان الآخر: ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ الآية رقم [٤٩] من سورة (الزمر). فائدة: قال سهل: ما نظر أحد إلى نفسه، فأفلح! والسعيد من صرف بصره عن أفعاله، وأقواله، وفتح له سبيل رؤية منّة الله تعالى عليه في جميع الأفعال، والأقوال، والشقي من زين في عينه أفعاله، وأقواله، وأحواله، ولا فتح له سبيل رؤية منة الله تعالى عليه، فافتخر بها، وادعاها لنفسه، فشؤمه يهلكه يوما، كما خسف بقارون لما ادعى لنفسه فضلا. انتهى. نسفي. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ..﴾. إلخ: أي: ألم يعلم علم اليقين: أن الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه، وأغنى؛ لأنه قد قرأ في التوراة، وفيها ذكر من أهلك الله، كعاد، وثمود، وما فرعون منه ببعيد، كأنه قيل: أولم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا، حتى لا يغتر بكثرة ماله، وقوته، أو هو نفي لعلمه بذلك؛ لأنه لما قال: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى﴾

стр. 4497

﴿عِلْمٍ عِنْدِي،﴾ قيل: أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه، ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين. انتهى. نسفي. ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ:﴾ لعلمه تعالى بهم، بل يدخلون النار بغير حساب، أو يعترفون بها بغير سؤال، أو يعرفون بسيماهم، فلا يسألون، أولا يسألون من جهتهم؛ لتعلم ذنوبهم، بل يسألون سؤال تقريع، وتوبيخ. أولا يسأل عن ذنوب الماضين المجرمون من هذه الأمة. انتهى. نسفي. وانظر العنكبوت [١٣] قال الزمخشري-رحمه الله تعالى -: وجه اتصال هذه الجملة بما قبلها: لما ذكر الله قارون ومن أهلك من قبله من القرون الذين كانوا أقوى منه، وأغنى مالا منه؛ قال على سبيل التهديد، والوعيد له: والله مطلع على ذنوب المجرمين، لا يحتاج إلى سؤالهم عنها، وهو قادر على أن يعاقبهم عليها، كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ،﴾ وقوله: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وما أشبه ذلك. انتهى. بتصرف. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (قارون). ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿أُوتِيتُهُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني. ﴿عَلى عِلْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل. ﴿عِنْدِي:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿عِلْمٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الواو: حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعْلَمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى: ﴿قارُونَ﴾. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَهْلَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْقُرُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مِنْ﴾ بعدهما، و ﴿مِنْ﴾ الجارة تبيين لما أبهم فيها. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَشَدُّ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَأَكْثَرُ:﴾ معطوف على ﴿أَشَدُّ،﴾ ومتعلقه محذوف. ﴿جَمْعاً:﴾ تمييز، وجملة: ﴿قَدْ أَهْلَكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول: ﴿يَعْلَمْ،﴾ وجملة: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف.

стр. 4498

(لا): نافية. ﴿يُسْئَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والمفعول الأول نائب الفاعل، وهو قوله ﴿الْمُجْرِمُونَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾ الشرح: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ:﴾ قيل: خرج هو، وحاشيته، وهم سبعون ألفا، عليهم الثياب الحمر، والصفر، والمعصفرات، وكان ذلك أول يوم رؤي فيه المعصفر. وقيل: خرج يوم السبت على بغلة شهباء عليها الأرجوان، وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف من حاشيته على زيه. وقيل: عليهم، وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاثمائة غلام، وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض، عليهن الحلي، والديباج، والجميع على البغال الشهب. ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا:﴾ قيل: كانوا مسلمين، وإنما تمنوا ذلك على سبيل الرغبة في اليسار على عادة البشر. وقيل: هو من قول أقوام لم يؤمنوا بالآخرة، ولا رغبوا فيها، وهم الكفار. ولا وجه له؛ لأن بني إسرائيل كانوا جميعا مؤمنين موحدين في عهد موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ:﴾ قالوا ذلك غبطة، والغابط: هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه، كما في هذه الآية. وهذا لا بأس به، ولا يضر بالدين. أما الحاسد فهو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه، وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا مذموم، ضار بالدين، يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب. قيل للنبي ﷺ : هل يضر الغبط؟ فقال: «لا إلا كما يضر العضاه الخبط». هذا؛ والتمني: طلب ما لا طمع فيه كقول أبي العتاهية: [الوافر] ألا ليت الشباب يعود يوما... فأخبره بما فعل المشيب أو ما فيه عسر، كقول المعدم الآيس: ليت لي قنطارا من الذهب. هذا؛ والترجي طلب المحبوب المتوقع حصوله، كقولك: لعل زيدا هالك. ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: صاحب حظ، والحظ: الجد، وهو البخت، والدولة، وصفوه بأنه رجل مجدود مبخوت، يقال: فلان ذو حظ، وحظيظ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظ، وجدود. هذا؛ والحظ ضد النحس، وعليه قول أبي العلاء المعري: [الكامل] لا تطلبن بغير حظ رتبة... قلم الأديب بغير حظ مغزل

стр. 4499

سكن السما كان السماء كلاهما... هذا له رمح وهذا أعزل الإعراب: ﴿فَخَرَجَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (خرج): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿قارُونُ﴾. ﴿عَلى قَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي زِينَتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل (خرج) المستتر، وجملة: ﴿فَخَرَجَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالَ إِنَّما..﴾. إلخ وما بينهما كلام معترض. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ صلة الموصول لا محل لها. (يا): حرف تنبيه. وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، والمعتمد الأول. (ليت): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليت) تقدم على اسمها. ﴿مِثْلَ:﴾ اسمها مؤخر، و (مثل) مضاف، و ﴿ما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والمفعول الثاني محذوف، والمفعول الأول هو نائب الفاعل، الذي هو ﴿قارُونُ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: مثل الذي أوتيه قارون، والجملة الاسمية: ﴿يا لَيْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَذُو:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ذو): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخامسة، و (ذو) مضاف، و ﴿حَظٍّ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة ﴿حَظٍّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للتمني، لا محل لها. ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ (٨٠)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: بالثواب، والعقاب، وفناء الدنيا، وبقاء الآخرة. قال ابن عباس ﵄: يعني الأحبار للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون. ﴿وَيْلَكُمْ:﴾ دعاء بالهلاك، استعمل للزجر عما لا يرتضى. ﴿ثَوابُ اللهِ﴾ أي: جزاؤه للمؤمنين المطيعين، وهو الجنة. ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ:﴾ صدق بوعد الله. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً:﴾ هذا احتراس، وقد ذكرته لك مرارا، وهو يفيد: أنه لا بد من العمل الصالح مقرونا بالإيمان. ﴿وَلا يُلَقّاها:﴾ الضمير فيه للكلمة التي تكلم بها العلماء، أو للثواب، فإنه بمعنى المثوبة، أو للجنة المفهومة من الكلام، أو للإيمان، والعمل الصالح، فإنهما بمعنى السيرة، والطريقة، ومثلها قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٣٤]: ﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. هذا؛ وأصل ﴿أُوتُوا:﴾ (أوتيوا) فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء، وبقيت الواو. فصار: (أوتوا) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو.

стр. 4500

هذا؛ و (ويل) كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، وأصلها في اللغة: العذاب والهلاك. وقال ابن عباس ﵄: الويل: شدة العذاب. وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «الويل واد في جهنم، يهوي به الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». أخرجه الترمذي. هذا؛ والويل مصدر لم يستعمل منه فعل؛ لأن فاءه وعينه معتلتان، ومثله: ويح، وويس، وويب، وهو لا يثنى، ولا يجمع. وقيل: يجمع على: ويلات بدليل قول امرئ القيس: [الطويل] ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت: لك الويلات إنك مرجلي وإذا أضيفت هذه الأسماء، فالأحسن النصب على المفعولية المطلقة، وإذا لم تضف فالأحسن فيها الرفع على الابتداء، وهي نكرات، وسائغ ذلك؛ لتضمنها معنى خاصا. هذا؛ وويل: نقيض: الوأل، وهو النجاة. وقد ينادى الويل إذا أضيف إلى ياء المتكلم، أو (نا) وسبقته أداة النداء، وانظر: ﴿يا وَيْلَتى﴾ في الآية رقم [٧٢] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وانظر ﴿يا وَيْلَتَنا﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (الكهف)، ولا تنس: أنه قد أنث الويل في الآيتين المذكورتين. هذا؛ وانظر شرح (الصبر) في الآية رقم [٨٥] من سورة (الأنبياء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَيْلَكُمْ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف. وقال أبو البقاء: مفعول به لفعل محذوف، أي ألزمكم الله ويلكم. والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ثَوابُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله؛ لأنه بمعنى: إثابة الله لكم. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة (من) أو صفتها، وجملة: ﴿وَعَمِلَ صالِحاً:﴾ معطوفة عليها، والكلام ﴿وَيْلَكُمْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يُلَقّاها:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به ثان. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الصّابِرُونَ:﴾ نائب فاعل وهو المفعول الأول مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من مرجع الضمير المنصوب، وهو أولى، والرابط: الواو والضمير.

стр. 4501

﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ الشرح: (خسفنا به) أي: بقارون، والخسف: انهيار الأرض، وخسف المكان: ذهب في الأرض، وبابه: جلس، وخسف الله به الأرض من باب: ضرب، أي: غاب به فيها، وخسوف القمر: ذهاب ضوئه. هذا؛ والخسف: النقصان، والخسف: الذلة، والمهانة، والحقارة، قال الشاعر: [البسيط] ولا يقيم على ضيم يراد به... إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته... وذا يشج فلا يرثي له أحد ﴿فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ:﴾ جماعة من الناس، وهي اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: قوم، وفريق، ومعشر... إلخ؛ ولذا أعاد عليه الضمير بلفظ الجمع، والمراد: فما كان له أعوان يدفعون عنه عذاب الله. ﴿وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أي: الممتنعين من عذابه. تنبيه: كان قارون ابن عم موسى كما ذكرت لك فيما سبق، وكان قد آمن به، وكان من السبعين الذين اختارهم موسى للمناجاة، فسمع كلام الله تعالى، وكان أعلم بني إسرائيل بعد موسى، وهارون على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، وأقرأ هم للتوراة، وأكملهم، فابتلاه الله بالغنى، وجمع المال، فبغى، وطغى، وكان موسى يداريه للقرابة التي بينهما، وهو يؤذيه كل وقت، ولا يزيد إلا عتوا، وتجبرا، ومعاداة لموسى ﵇ -حتى بنى دارا، وجعل لها بابا من ذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، فيطعمهم الطعام، ويحدثونه، ويضاحكونه. قال ابن عباس ﵄: لما نزلت فريضة الزكاة على موسى؛ أتاه قارون، فصالحه على كل ألف دينار عنها دينار، وعلى كل ألف درهم عنها درهم، وعلى كل ألف شاة عنها شاة، وكذلك سائر الأشياء، انتهى. أقول: والمشهور: أن الزكاة كانت مفروضة على بني إسرائيل بمقدار الربع من جميع أصناف المال، ويظهر أن موسى ﵇ صالحه على ما ذكر لما رأى من شحه، وبخله. ثم رجع قارون إلى بيته، وماله بعد المصالحة المذكورة، فحسب ماله، فوجد المال المطلوب إخراجه زكاة كثيرا، فلم تسمح نفسه بذلك، فجمع بني إسرائيل، وقال لهم: إن موسى أمركم بكل شيء، فأطعتموه، وهو يريد أن يأخذ أموالكم. فقالوا له: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت، قال: آمركم أن تأتوا فلانة البغي، وتجعلوا عليكم لها جعلا على أن تقذف موسى بنفسها،

стр. 4502

فإذا فعلت ذلك؛ خرج عليه بنو إسرائيل، فرفضوه. فدعوها، فجعل لها قارون ألف دينار، وألف درهم. وقيل: طستا من ذهب، وقيل: قال لها قارون: أنزلك بيتي، وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل. قالت: نعم، فلما كان الغد، وهو يوم عيد لهم، قام موسى -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام -خطيبا، فقال: من سرق قطعنا يده، ومن زنى غير محصن جلدناه، ومن زنى، وهو محصن؛ رجمناه إلى أن يموت. فقال قارون: وإن كنت أنت، قال: وإن كنت أنا. قال: فإن بني إسرائيل يزعمون: أنك فجرت بفلانة البغي، قال موسى: ادعوها فلما جاءت، قال لها موسى: أسألك بالله الذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة إلا صدقت، فتداركها الله بالتوفيق. فقالت في نفسها: أحدث توبة أفضل من أن أوذي رسول الله. فقالت: لا والله، ولكن قارون جعل لي جعلا على أن أقذفك بنفسي! فخر موسى ساجدا يبكي، ويقول: اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي! فأوحى الله إليه: إني أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت. فقال موسى: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون، كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليثبت مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا قارون، فلم يبق معه إلا رجلان، وقيل: كان على سريره، وفرشه فأخذته الأرض حتى غيبت سريره، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق. وأصحاب قارون يتضرعون إلى موسى، وقارون يناشده الله، والرحم؛ حتى قيل: إنه ناشده أربعين مرة. وقيل: سبعين مرة، وموسى في ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأطبقت عليهم الأرض، فأوحى الله إلى موسى ﵇: ما أغلظ قلبك! يستغيث بك قارون سبعين مرة، فلم تغثه، أما وعزتي، وجلالي لو استغاث بي مرة لأغثته! وفي بعض الآثار، لا أجعل بعدك الأرض طوعا لأحد. قال قتادة: خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قائمة رجل، لا يبلغ قرارها إلى يوم القيامة. وأصبح بنو إسرائيل يقولون فيما بينهم: إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره، وكنوزه، وأمواله، فدعا الله موسى حتى خسف بداره، وكنوزه، وأمواله. وقد ذكر في فتح الباري شرح البخاري نكتة لطيفة، وهي أن مقتضى هذا الحديث: أن الأرض لم تأكل جسده، فيمكن أن يلغز، ويقال لنا: كافر لا يبلى جسده بعد الموت، وهو قارون. والله أعلم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٩] من سورة (الأحزاب). الإعراب: ﴿فَخَسَفْنا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (خسفنا): فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. (بداره): جار ومجرور، معطوفان عليهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿فَخَسَفْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار

стр. 4503

ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿فِئَةٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة ف ﴿فِئَةٍ﴾ فاعلها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿فِئَةٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿يَنْصُرُونَهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر على اللفظ، أو في محل رفع على المحل صفة: ﴿فِئَةٍ﴾. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة العائدة على ﴿فِئَةٍ﴾. و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (ما): نافية، ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى قارون. ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ، في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)﴾ الشرح: ﴿وَأَصْبَحَ﴾ أي: صار؛ فليس المراد التوقيت في الصباح. ﴿الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ:﴾ منزلته، وهو ما كان فيه من النعيم، والزينة، والتفاخر بالأموال، والتعاظم بالذهب، والفضة، والعمارات الشامخة، والفرش الوثيرة. ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ..﴾. إلخ: يبسط، ويقدر بمقتضى مشيئته، لا لكرامة تقتضي البسط، ولا لهوان يوجب القبض، فإن القوم الذين شاهدوا قارون في زينته لما شاهدوا ما نزل به من الخسف؛ تنبهوا لخطئهم في تمنيهم، مثل ما أوتي قارون حيث علموا: أن بسط الرزق لا يكون لكرامة الإنسان على الله، ولا تضييقه لهوانه عليه، فتعجبوا من أنفسهم: كيف وقعوا في مثل هذا الخطأ، ثم ابتدءوا يقولون: كأن الله يبسط الرزق... إلخ، والمعنى: ليس الأمر كما زعمنا من أن البسط في الرزق ينبئ عن الكرامة، والقبض ينبئ عن الهوان، بل كان بمقتضى مشيئته، وحكمته. هذا؛ و ﴿تَمَنَّوْا﴾ أرادوا، وأحبوا، ويأتي (تمنى) بمعنى: قرأ، وتلا قال الشاعر في عثمان-﵁: [الطويل] تمنّى كتاب الله أوّل ليلة... تمنّي داود الزّبور على رسل أي: قرأ كتاب الله، ومثله قول حسان بن ثابت-﵁: [الطويل] تمنّى كتاب الله أول ليلة... وآخرها لاقى حمام المقادر ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي: بالإيمان، والرحمة، وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البغي والبطر. هذا؛ وقرئ: «(لولا منّ الله لخسف بنا)» أي: لما يحصل فينا من الغطرسة، والبغي

стр. 4504

المتولد عن الغنى، كقوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾. ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ أي: الجاحدون لنعمة الله، أو المكذبون برسله، وبما وعد لهم من ثواب الآخرة. هذا؛ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بمعنى: يضيق، ويفقر من المال. قال تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وقال جل ذكره: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾. أما (وي) فقد قال ابن جني-﵀-في المحتسب: في: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ ثلاثة أقوال: منهم من جعلها كلمة واحدة، فلم يقف على (وي)، ومنهم من يقف على: (وي)، ويعقوب يقف على: (ويك) وهو مذهب أبي الحسن، والوجه فيه عندنا قول الخليل، وسيبويه، وهو أن: (وي) على قياس مذهبهما اسم سمي به الفعل، فكأنه اسم فعل بمعنى: أعجب، ثم ابتدأ، فقال: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ ف: (كأنّه) هنا إخبار عار من معنى التشبيه، ومعناه: إن الله يبسط الرزق، و: (وي) منفصلة من (كأن)، وعليه بيت الكتاب، وأنشد قول سعيد بن زيد الصحابي أحد العشرة المبشرين بالجنة، ﵁: [الخفيف] وي كأن من يكن له نشب يح... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ هذا كلامه، وهو خلاف ما صرح به سيبويه، قال: سألت الخليل عن قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ وعن قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ..﴾. إلخ، فزعم أنها مفصولة من كأنّ، والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا، فتكلموا على قدر علمهم، أو نبهوا فقيل لهم: أما يشبه أن يكون هذا عندكم كذا، والله أعلم. قال النحاس: يريد: أن معنى (وي) تنبيه يقولها الإنسان حين يستنكر أمرا، أو يستعظمه، فيقول: «وي!» فتكون (ويكأنّ) مركبة من (وي) للتنبيه، ومن (كأنّ) للتشبيه، وكذلك قال الأعلم. انتهى. بغدادي بتصرف. وقال الفراء: هي كلمة تقرير، كقولك: أما ترى إلى صنع الله، وإحسانه! وذكر أن أعرابية قالت لزوجها: أين ابنك ويلك؟! فقال: وي كأنه وراء البيت، أي: أما ترينه وراء البيت! هذا؛ وعلى قول يعقوب: إن الوقف على: (ويك) جاء قول عنترة العبسي في معلقته رقم [٩٩]: [الكامل] ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم وعليه فالكاف حرف خطاب مضمومة إلى (وي) وأنه بمعنى: لأنه. وبقي قول آخر للكوفيين، وهو: أن (ويك) بمعنى: ويلك، بل وهو أصلها، فحذفت اللام، واتصلت الكاف ب: (وي) وفيه بعد في المعنى، والإعراب؛ لأن القوم لم يخاطبوا في الآية أحدا بخلاف بيت عنترة، ولأن حذف اللام من هذا لا يعرف، ولأنه كان يجب أن تكون «إن» مكسورة؛ إذ لا شيء يوجب فتحها. انتهى. من هنا وهناك. وقد ذكر الجمل الأقوال كلها باختصار، وإيجاز، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.

стр. 4505

الإعراب: ﴿وَأَصْبَحَ:﴾ الواو: حرف عطف، (أصبح): فعل ماض ناقص. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع اسمها. ﴿تَمَنَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مَكانَهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْأَمْسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿مَكانَهُ،﴾ ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مع مقولها في محل نصب خبر (أصبح). هذا؛ وأجيز اعتبار (أصبح) تامة. وليس بشيء. وجملة: ﴿وَأَصْبَحَ..﴾. إلخ، معطوفة على جملة: (خسفنا...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَيْكَأَنَّهُ:﴾ فيها أوجه، ومذاهب: أحدهما: أن (وي) اسم فعل مضارع بمعنى: أعجب مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنا»، والكاف حرف تشبيه وجر، و (أن) حرف مشبه بالفعل. و ﴿اللهَ﴾ اسمها، والجملة الفعلية بعدها في محل رفع خبرها، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار، والمجرور متعلقان باسم الفعل (وي) والمعنى: أعجب؛ لأن الله يبسط... إلخ. الثاني: أن (وي) اسم فعل مضارع مثل الأول، و (كأن) حرف مشبه بالفعل، و ﴿اللهَ﴾ اسمها، والجملة الفعلية خبرها، إلا أن معنى التشبيه ذهب منها، وصارت للخبر، واليقين. والثالث: أن (ويك) كلمة برأسها؛ أي: هي اسم فعل مضارع مثل الأول، والثاني، والكاف حرف خطاب، لا محل له، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي فعل محذوف، التقدير: اعلم: أن الله يبسط... إلخ. قال هذا الأخفش. الرابع: أن (ويك) مفعول مطلق عامله محذوف، وهذا على أن أصلها: «ويلك» وفيه بعد في المعنى، والإعراب، كما رأيت في الشرح. والخامس: اعتبار: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كلمة مستقلة بسيطة عاملة عمل «أنّ»، و ﴿اللهَ﴾ اسمها، وجملة: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ،﴾ في محل رفع خبرها على جميع أوجه الإعراب المتقدمة، والرابط رجوع فاعل ﴿يَبْسُطُ،﴾ ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو لشخص يشاؤه، ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و (من) بيان لما أبهم في: (من)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقدر): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَبْسُطُ..﴾. إلخ، فهي في محل رفع مثلها.

стр. 4506

﴿لَوْلا:﴾ حرف امتناع لوجود. ﴿وَيْكَأَنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿لِمَنْ:﴾ فعل ماض، و ﴿اللهَ:﴾ فاعله، ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ والفعل ﴿لِمَنْ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ. هذا؛ وقرأ الأعمش: «(لولا منّ الله)» بحذف ﴿وَيْكَأَنَّ،﴾ ورفع (منّ) على الابتداء، وإضافته إلى لفظ الجلالة. وعلى الوجهين فخبر المبتدأ محذوف، تقديره: لولا من الله علينا موجود. ﴿لَخَسَفَ:﴾ اللام: واقعة في جواب: ﴿لَوْلا﴾. (خسف): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ وقرئ بالبناء للمجهول. ﴿بِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (خسف) على بنائه للمعلوم، وهما في محل نائب فاعل على بنائه للمجهول، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْلا،﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْلا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل سابقتها، وهي توكيد لها. ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ الشرح: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ﴾ أي: الجنة، والإشارة تعظيم لها، وتفخيم لشأنها، والمعنى: تلك التي سمعت بذكرها، وبلغك وصفها. ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: رفعة وتكبرا على الإيمان، والمؤمنين، كتكبر فرعون. ﴿وَلا فَساداً:﴾ عملا بالمعاصي، كالذي حصل من قارون؛ حيث افترى على موسى الافتراءات. ﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ أي: المحمودة. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز-﵁-أنه كان يردد هذه الآية حتى قبض. وعن الفضيل: أنه قرأ هذه الآية، ثم قال: ذهبت الأماني هاهنا. هذا؛ والطماع في رحمة الله من دون عمل صالح، من يجعل العلو لفرعون، متعلقا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ والفساد لقارون متعلقا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ،﴾ ويقول: من لم يكن مثل فرعون، وقارون؛ فله الدار الآخرة؛ أي: الجنة، ولا يتدبر قوله تعالى: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كما تدبره الفضيل، وعمر رحمهما الله تعالى. الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الدّارُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿الْآخِرَةُ:﴾ صفة: ﴿الدّارُ﴾. ﴿نَجْعَلُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و (ها): مفعول به أول. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عُلُوًّا:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عُلُوًّا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لا:﴾ زائدة لتأكيد النفي. ﴿فَساداً:﴾

стр. 4507

معطوف على: ﴿عُلُوًّا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْعاقِبَةُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (العاقبة): مبتدأ. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من العطف على الجملة السابقة، وأقوى من اعتبارها حالا، وجملة: ﴿نَجْعَلُها..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿تِلْكَ﴾. ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ الشرح: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها:﴾ ذاتا، وصفة، وقدرا، وانظر الآية رقم [٨٩] من سورة (النّمل)، ففيها الدواء الشافي لقلبك. ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ،﴾ انظر الآية رقم [٩٠] من سورة (النمل) أيضا. ﴿فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ:﴾ وضع فيه الظاهر موضع الضمير تهجينا لحالهم بتكرير إسناد السيئة إليهم، وفيه زيادة تبغيض السيئة إلى قلوب السامعين. ﴿إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: إلا مثل ما كانوا يعملون، وهذا من فضله العظيم، وكرمه العميم أن لا يجزي السيئة إلا بمثلها، ويجزي الحسنة بعشر أمثالها، وبسبعمائة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم. ووجه المناسبة بين هذه الآية، والتي قبلها: أن الله تعالى لما حكم بأن العاقبة للمتقين؛ أكد ذلك بوعد المحسنين، ووعيد المسيئين، ثم وعده بالعاقبة الحسنى في الدارين. هذا؛ والحسنة: ما يحمد فاعله شرعا، وسميت حسنة؛ لحسن وجه صاحبها عند رؤيتها يوم القيامة، والمراد بالحسنة: المقبولة الأصلية المعمولة للعبد، أو ما في حكمها، كما لو تصدق عنه غيره. وأما السيئة، فهي: ما يذم فاعلها شرعا، صغيرة كانت، أو كبيرة، وسميت سيئة؛ لأن فاعلها يساء بها عند المجازاة عليها في الدنيا، أو في الآخرة، وأصلها: سيوئة، فقل في إعلالها: اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. الإعراب: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها:﴾ انظر الآية رقم [٨٩] من سورة (النمل)، والجملة التالية فإنها مثلها بلا فارق، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِالسَّيِّئَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية، ﴿يُجْزَى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول، ﴿عَمِلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة

стр. 4508

نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، وهي في الأصل مضاف إليه، والمضاف محذوف. التقدير: إلا مثل الذي، أو: مثل شيء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبر (كان). هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان. وهو في الأصل مضاف إليه. والمضاف محذوف، التقدير: إلا مثل عملهم، والجملة الفعلية: ﴿فَلا يُجْزَى..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا فتكون جملة: ﴿جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ صلتها، وجملة: (لا يجزى...) إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء على خبرها؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ:﴾ أوجب عليك تلاوته، وتبليغه والعمل به، والمعنى: إن الذي حملك صعوبة هذا التكليف لمثيبك عليها ثوابا، لا يحيط به الوصف. ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ:﴾ أيّ معاد! وهو المقام المحمود الذي وعدك أن يبعثك فيه. وعن أبي سعيد الخدري، وابن عباس-﵄: لرادك إلى الجنة؛ لأنه دخلها ليلة الإسراء، والمعراج. وقيل: لأن أباه آدم خرج منها. هذا؛ وقول آخر: ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ إلى مكة، وهو قول جابر بن عبد الله، وابن عباس، ومجاهد، وغيرهم. قال مقاتل: خرج النبي ﷺ من الغار ليلا مهاجرا إلى المدينة في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى الطريق، ونزل بالجحفة، عرف الطريق إلى مكة، فاشتاق إليها، فنزل جبريل الأمين-﵇-فقال له: أتشتاق إلى مكة؟ قال: نعم، فأوحاها إليه. قال القتبي: معاد الرجل بلده؛ لأنه ينصرف منه، ثم يعود، وعليه فالآية الكريمة ليست مكية، ولا مدنية؛ لأنها نزلت بالجحفة. وفيها يتجلى مقدار الحب، والحنين للأوطان، ومما يؤكد هذا قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٦٦]، ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ حيث سوى الله بين قتل أنفسهم، وبين الخروج من ديارهم. وقال

стр. 4509

تعالى حكاية عن قول قوم طالوت: ﴿وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾. الآية رقم [٢٤٦]، من سورة (البقرة)، وقال بعضهم: من أمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه. والشعر العربي طافح بالحنين إلى الأوطان، أكتفي بقول أبي تمام: [الكامل] نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى... ما الحبّ إلا للحبيب الأوّل كم منزل في الأرض يألفه الفتى... وحنينه أبدا لأوّل منزل ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: قل يا محمد للمشركين: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ..﴾. إلخ: فإن الله لما وعد النبي ﷺ الردّ إلى معاد، قال له: قل للمشركين: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى:﴾ وما يستحقه من الثواب، والتأييد، والنصر على الأعداء، ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ وما يستحقه من الإذلال والإهانة في الدنيا، والعذاب الشديد في العقبى. هذا؛ وفي ختم السورة بهذه الآية بشارة للنبي ﷺ ، برده إلى مكة فاتحا منتصرا مظفرا في وقت كان فيه خائفا من لحاق قريش؛ وهو في طريق هجرته إلى المدينة المنورة. تنبيه: هذه الآية اتخذها عبد الله بن سبأ اليهودي الخبيث ذريعة في تفرقة المسلمين وجعلهم شيعا، فإنه انتحل الإسلام، وجعل يطوف في البلاد الإسلامية في عهد عثمان بن عفان-﵁-ويقول: إن محمدا يعود إلى الدنيا قبل يوم القيامة كما يرجع عيسى إلى الدنيا، ومحمد أحق بالرجعة منه، شأنه في ذلك شأن بولص اليهودي الذي انتحل النصرانية، وجعلهم شيعا، وقد سار أبناء الخبيث سيرته بعد موته حتى ألّهوا علي بن أبي طالب-﵁ وكرم الله وجهه-وتم لهم ما أرادوا من جعل المسلمين شيعا، وفرقا، وهناك من يقدّسه ويعظمه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿فَرَضَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَرادُّكَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (رادك): خبر ﴿إِنَّ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿إِلى مَعادٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (رادك)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِي..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿رَبِّي:﴾ مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون

стр. 4510

في محل نصب مفعول به ل ﴿أَعْلَمُ﴾ على تأويله ب: «عالم»، أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: يعلم، وإنما احتيج إلى ذلك؛ لأن ﴿أَعْلَمُ﴾ لا ينصب المفعول به. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد أو الرابط. ﴿بِالْهُدى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿مَنْ:﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿رَبِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦)﴾ الشرح: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا:﴾ تأمل، وتتوقع. وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (الفرقان) ﴿أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ﴾ أي: ما كنت قبل النبوة، ونزول الوحي تؤمّل أن ينزل عليك القرآن من السماء. ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ولكن أنزله الله عليك رحمة، وفضلا، وكرما، ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ﴾ أي: معاونا، ومساعدا للكافرين على ظلمهم، وفسوقهم، وفسادهم. وانظر الآية رقم [١٧] تجد ما يسرك. هذا؛ وقيل: نزلت الآية الكريمة حين دعا كفار قريش النبيّ ﷺ إلى دين آبائه، فذكره نعمه عليه، ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه. قال ابن عباس-﵄: الخطاب في الظاهر للنبي ﷺ ، والمراد أهل دينه. انتهى. وهذا المعنى يتكرر في آيات الله، كما في الآية التالية. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَرْجُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُلْقى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْكِتابُ:﴾ نائب فاعل، و ﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل ﴿يُلْقى﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿تَرْجُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتَ تَرْجُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. وإن اعتبرتها في محلّ نصب حال من ضمير المخاطب في الآية السابقة؛ فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر بمعنى: «لكن». ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول لأجله، والعامل محذوف، والتقدير: لكن ألقاه رحمة منه. ويجوز أن يكون الاستثناء محمولا على المعنى، كأنه قال: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة، أي: لأجل الترحم.

стр. 4511

﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، وانظر الآية رقم [١٦]. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ:﴾ فعل مضارع ناقص مبني على الفتح في محل جزم ب: (لا) الناهية، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والنون للتوكيد حرف لا محل له. ﴿ظَهِيراً:﴾ خبر ﴿تَكُونَنَّ،﴾ ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ظَهِيراً،﴾ وجملة: ﴿فَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ، لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب: «إذا» التقدير: وإذا أنعمنا عليك بما أنعمنا فلا تكونن... إلخ، وهذا الكلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)﴾ الشرح: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ﴾ أي: ولا يصرفنك عن قراءة آيات الله، والعمل بها كفار قريش، ومن على شاكلتهم من المجرمين. هذا؛ وانظر صدّ يصدّ في الآية رقم [٢٤] من سورة (النمل)، وقد قرئ «(يصدّنّك)» من: أصده، يصده، وهي لغة في بني كلب، قال ذو الرمة: [الطويل] أناس أصدّوا النّاس بالسّيف عنهم... صدود السّواقي عن أنوف الحوائم ﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ أي: ادع الناس إلى دين الله وتوحيده. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ انظر ما ذكرته في الآية السابقة عن عبد الله بن عباس-﵄. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، (لا): ناهية جازمة. ﴿يَصُدُّنَّكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب «لا» الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين، والمدلول عليها بالضمة فاعله، والنون حرف لا محل له. ﴿عَنْ آياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿آياتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿إِذْ﴾ ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أُنْزِلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿آياتِ اللهِ،﴾ والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها، وهي جملة: ﴿فَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ. ﴿وَادْعُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ادع): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله

стр. 4512

مستتر فيه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَكُونَنَّ:﴾ فعل مضارع ناقص مبني على الفتح في محل جزم ب: (لا) الناهية، والنون حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونَنَّ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ:﴾ هذا الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد غيره، كقوله تعالى له: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ،﴾ وحاشاه ﷺ أن يشرك باتخاذ إله مع الله تعالى، وانظر الآية رقم [٢١٣] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ لا إله موجود في هذا الكون إلا الله تعالى. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ذاته، فإن كل ما عداه ممكن هالك في حد ذاته معدوم، والتعبير بالوجه عن الكل مستعمل في العربية، وقال أبو العالية، وسفيان: معناه: إلا ما أريد به وجهه؛ أي: ما يقصد إليه بالقربة، قال الشاعر: [البسيط] أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٧٠] ففيها الكفاية، وفي الآية التفات من خطاب الواحد إلى الجمع. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَدْعُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف مفعول به ثان تقدم على الأول على اعتبار الفعل متعديا إلى مفعولين. و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهاً:﴾ مفعول به، ﴿آخَرَ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَدْعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ انظر إعرابها في الآية رقم [٧٠]، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف، ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿هالِكٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء، ﴿وَجْهَهُ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحُكْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف

стр. 4513

عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. انتهت سورة (القصص)، شرحا وإعرابا. والله الموفق والمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 4514

سورة العنكبوت سورة العنكبوت، وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ومدنية كلها في أحد قولي ابن عباس وقتادة-﵄-وفي القول الآخر لهما، وهو قول يحيى بن سلاّم أنها مكية إلا عشر آيات من أولها، فإنها نزلت بالمدينة في شأن من كان من المسلمين في مكة. وقال علي بن أبي طالب-﵁: نزلت بين مكة والمدينة. انتهى. قرطبي. وآياتها تسع وستون، وكلماتها تسعمائة وثمانون، وحروفها أربعة آلاف، ومائة وخمسة وستون حرفا. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١) أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ الشرح: ﴿الم:﴾ انظر شرح هذا اللفظ، وإعرابه في أول سورة (الروم). ﴿أَحَسِبَ النّاسُ﴾ أي: أظنّ الناس. والحسبان: قوة أحد النقيضين على الآخر كالظن، بخلاف الشك، فهو الوقوف بينهما، أما العلم؛ فهو القطع على أحدهما. والحسبان، والظن يتعلقان بمضامين الجمل، للدلالة على جهة ثبوتها، ولذلك اقتضى كل واحد منهما مفعولين متلازمين، أصلهما مبتدأ وخبر، أو ما يسد مسدهما. ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ أي: بغير اختبار، وابتلاء، ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ أي: يقولوا بألسنتهم: آمنا بالله، ورسوله. ﴿وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ أي: لا يبتلون في أنفسهم، وأموالهم. كلا لنختبرنهم بأنواع البلاء لنمحص المؤمن من المنافق، ونميز الصادق من الكاذب. هذا؛ والفتنة: الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجر الشهوات والملاذ، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس، والأموال، وبمصابرة الكفار على أذاهم، وكيدهم، وضرارهم، وكذلك الصبر على أذى الفساق من الذين يدّعون الإسلام؛ والإسلام منهم براء. قال ابن عباس-﵄-وغيره: المراد ب: ﴿النّاسُ﴾ قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان كفار قريش يؤذونهم، ويعذبونهم على الإسلام، كسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر، وياسر أبوه، وسمية أمه، وعدة من بني مخزوم، وغيرهم،

стр. 4515

فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكر أن يمكن الله الكفار من المؤمنين. قال مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية مسلّية، ومعلمة: أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارا للمؤمنين، وفتنة. قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب، أو ما في معناه من الأقوال؛ فهي باقية في أمة محمد ﷺ ، موجود حكمها بقية الدهر. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ما أحسن ما قاله! ولقد صدق فيما قال-﵁. انتهى. وقيل: نزلت هذه الآية في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتاب إليهم أصحاب النبي ﷺ : أنه لا يقبل منكم الإقرار بالإسلام؛ حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فتبعهم المشركون، وقاتلوهم فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله هاتين الآيتين. الإعراب: ﴿أَحَسِبَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير، وتوبيخ. (حسب): فعل ماض. ﴿النّاسُ:﴾ فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُتْرَكُوا:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي: (حسب)، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن يقولوا. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، كما تقول: خرج زيد بثيابه، وقيل: هو على تقدير لام التعليل؛ أي: لأن يقولوا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: المصدر المؤول من ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ بدل مما قبله، وقيل: هو على التكرير؛ أي: تقدير: أحسبوا أن يقولوا... إلخ. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُفْتَنُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿(هُمْ لا يُفْتَنُونَ)﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ابتلينا الماضين بأنواع البلاء، كالخليل-﵇-ألقي في النار، ومنهم من يوضع المنشار على رأسه، فيشقه نصفين، فما يصرفه ذلك عن دينه، ومنهم من يمشط بأمشاط الحديد ما يصرفه ذلك أيضا عن دينه، ومنهم من أحرق بالنار كأصحاب الأخدود، والأمثلة على هذا كثيرة. روى البخاري عن خبّاب بن الأرتّ-﵁-قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ ؛ وهو متوسّد بردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فقال: «قد كان من

стр. 4516

قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض حفرة، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد لحمه، وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص يروي عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا؛ اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتّى يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة». رواه ابن ماجة، والترمذي. وعن أبي سعيد الخدري-﵁: أنه دخل على رسول الله ﷺ ، وهو موعوك، عليه قطيفة، فوضع يده فوق القطيفة، فقال: ما أشدّ حمّاك يا رسول الله! قال: «إنا كذلك يشدّد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر». ثمّ قال: يا رسول الله! من أشدّ النّاس بلاء؟ قال: «الأنبياء»، قال: ثمّ من؟ قال: «العلماء»، قال: ثم من؟ قال: «الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالفقر حتّى ما يجد إلاّ العباءة يلبسها، ولأحدهم كان أشدّ فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء». رواه ابن ماجة، والحاكم. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا:﴾ في إيمانهم. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ:﴾ في دعواهم الإيمان، و (ليعلمن) هنا ليس على ظاهره؛ لأن الله قد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٦ و ١٦٧] وهو يحتمل ثلاثة معان: الأول: أن (يعلمن) بمعنى: يظهرن. الثاني: أنه بمعنى يميزن بين الصادق، والكاذب. الثالث: أنه بمعنى يجازين الصادق بما يستحق من الثواب، والأجر، ويجازين الكاذب بما يستحق من الخزي، والنكال. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وقرأ الإمام علي-﵁-الفعلين (ليعلمنّ) بضم الياء وكسر اللام، وهذه القراءة تحتمل ثلاثة معان: الأول: أن يعلم الله في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه، وبأعمالهم في الدنيا، بمعنى: يوقفهم ويظهرهم على ما كان منهم. الثاني أن يكون المفعول الأول محذوفا، تقديره: فليعلمنّ الناس والعالم هؤلاء الصادقين والكاذبين؛ أي: يشهرهم، هؤلاء في الخير، وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا، والآخرة. والثالث: أن يكون ذلك من العلامة، أي يضع الله لكل واحد من الصادقين في إيمانهم، والكاذبين علامة يشتهر بها، فالآية على هذا تنظر إلى قول النبي ﷺ : «من أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها». انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وفي التعبير عن الصادقين بقوله: ﴿صَدَقُوا﴾ وفي التعبير عن الكاذبين باسم الفاعل: ﴿الْكاذِبِينَ﴾ نكتة، وهي أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه،

стр. 4517

والفعل الماضي لا يدل عليه؛ لأن وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام، وعن قوم مستمرين على الكفر، فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل، وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات. انتهى. جمل نقلا من زاده. تنبيه: فحوى الآيتين قريب من فحوى قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١٤]: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب من الحال. ﴿فَتَنَّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وجملة: ﴿(لَقَدْ فَتَنَّا...)﴾ إلخ. جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف، اللام: واقعة في جواب القسم بسبب العطف، (يعلمن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿صَدَقُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤)﴾ الشرح: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ:﴾ الشرك، والمعاصي، فإن العمل يعم أفعال القلوب والجوارح. ﴿أَنْ يَسْبِقُونا:﴾ أن يفوتونا، ويعجزونا قبل أن نعاقبهم ونؤاخذهم بما يفعلون، قال ابن عباس-﵄: يريد الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، وأمثالهما من كفرة قريش. وما أحراك أن تجعل حكم الآية عاما لكل من يعمل السيئات. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي: بئس الحكم ما حكموا في صفات ربهم أنه مسبوق، والله القادر على كل شيء. هذا؛ وفحوى الآية قريب من فحوى قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٩]: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾. هذا؛ و ﴿حَسِبَ﴾ من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون سين المضارع مع كسر سين الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين وكسرها، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء. وحسبت المال حسبا من باب: قتل بمعنى: أحصيته عددا.

стр. 4518

الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي منقطعة بمعنى: «بل» لأنها لا معادل لها. ﴿حَسِبَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَسْبِقُونا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، و (نا): مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿حَسِبَ﴾. ﴿ساءَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه مفسر بما بعده. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة: ﴿يَحْكُمُونَ:﴾ في محل نصب صفة: ﴿ما،﴾ والتقدير: ساء الشيء شيئا محكوما به، ورابط الصفة محذوف، التقدير: يحكمونه، والمخصوص بالذم محذوف أيضا، التقدير: هو حكمهم. هذا؛ وأجيز اعتبار الفعل: ﴿ساءَ﴾ متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجيز اعتبار: ﴿ما﴾ موصولة، وموصوفة ومصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام: ساءهم الذي، أو: شيء يحكمونه. وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم حكمهم، والجملة الفعلية: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ الشرح: ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ﴾ أي: يخاف لقاء الله للبعث، والجزاء، والحساب؛ فليعمل عملا صالحا، فإنه لا بد أن يأتيه. أو المعنى: من كان يطمع في ثواب الله، وجنته؛ فليعمل عملا صالحا... إلخ، وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (الفرقان). ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ أي: فإن الأجل المضروب للقائه تعالى لا بد آت، وإذا كان وقت اللقاء آتيا؛ كان اللقاء كائنا لا محالة، فليبادر الإنسان ما يحقق أمله، ويصدق رجاءه، أو ما يستوجب به القربة والرضا، وهو العمل الصالح الذي يرضى به ربه. وهذا ما صرحت به آية (الكهف) الأخيرة: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ:﴾ لأقوال عباده. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بأفعالهم، وعقائدهم من إيمان، ونفاق، وإخلاص، ورياء... إلخ. هذا؛ وإعلال (آت) مثل إعلال ﴿زانٍ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (النور). الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى

стр. 4519

﴿مَنْ﴾. ﴿يَرْجُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِقاءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿يَرْجُوا..﴾. إلخ خبر: ﴿كانَ﴾. وجواب الشرط محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح، وخبر المبتدأ الذي هو: ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا مبتدأ، فجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلته، وخبره ما رأيت تقديره في الشرح، وقد اقترن خبره بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَجَلَ:﴾ اسم (إن)، و ﴿أَجَلَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَآتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (آت): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ تعليل للأمر الذي رأيت تقديره، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿السَّمِيعُ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿الْعَلِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ جاهَدَ:﴾ حارب أعداء الله، وأعداء الدين، وحارب شيطانه العدو المبين، وحارب هو نفسه الأمارة بالسوء، بالصبر على الطاعات، والكف عن المعاصي، وهجر اللذات والشهوات المحرمة. ﴿فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: له ثواب جهاده، وهذا بحكم الوعد، لا بحكم الوجوب على الله، والكريم إذا وعد؛ وفى، ومن أوفى بوعده من الله؟! ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أي: عن أعمالهم، وعبادتهم. وفيه بشارة، وتخويف، أما البشارة؛ فلأنه إذا كان غنيا عن الأشياء، فلو أعطى جميع ما خلقه لعبد من عبيده؛ لا شيء عليه، لاستغنائه عنه، وهو يوجب الرجاء التام، وأما التخويف؛ فلأن الله إذا كان غنيا عن العالمين، فلو أهلكهم بعذابه؛ فلا شيء عليه، لاستغنائه عنهم، وإنما كلف عباده بتكاليف رحمة بهم، ومراعاة لمصالحهم، ومنافعهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. ﴿جاهَدَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿يُجاهِدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ

стр. 4520

الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية السابقة، كما يجوز اعتبار (من) موصولة أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لَغَنِيٌّ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (غني): خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَنِ الْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (غني)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للكلام السابق لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ عطف العمل الصالح على الإيمان دليل واضح على أن الإيمان وحده قد لا يكفي، بل لا بد وأن يقرن بالعمل الصالح. وهذا يسمى في اللغة العربية احتراسا. ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ:﴾ السيئات: جمع سيئة، وهي تعم الكفر والمعصية، فالكفر يكفّر بالإيمان، والمعصية تكفّر بالطاعة، والعمل الصالح. والتكفير: المحو، والإزالة، وهو أيضا: التغطية، فالإيمان يمحو، ويزيل، ويغطي الكفر، والعمل الصالح يمحو، ويزيل، ويغطي المعصية، ولا سيما إذا قرن بالتوبة النصوح. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ والجزاء الحسن: أن يجازى بحسنة حسنة، وأحسن الجزاء هو أن يجازى الحسنة الواحدة بالعشر، وزيادة، قال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها،﴾ وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ رقم [٣٦] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا..﴾. إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: الأعمال الصالحات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَنُكَفِّرَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، (نكفرن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة... إلخ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف، وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار (الذين) منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال؛ أي: ونخلص الذين آمنوا من سيئاتهم. ولا أراه قويا. هذا؛ ووقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدإ. قاله ابن مالك،
следующие страницы →