← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض حفرة، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد لحمه، وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص يروي عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا؛ اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتّى يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة». رواه ابن ماجة، والترمذي. وعن أبي سعيد الخدري-﵁: أنه دخل على رسول الله ﷺ ، وهو موعوك، عليه قطيفة، فوضع يده فوق القطيفة، فقال: ما أشدّ حمّاك يا رسول الله! قال: «إنا كذلك يشدّد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر». ثمّ قال: يا رسول الله! من أشدّ النّاس بلاء؟ قال: «الأنبياء»، قال: ثمّ من؟ قال: «العلماء»، قال: ثم من؟ قال: «الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالفقر حتّى ما يجد إلاّ العباءة يلبسها، ولأحدهم كان أشدّ فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء». رواه ابن ماجة، والحاكم. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا:﴾ في إيمانهم. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ:﴾ في دعواهم الإيمان، و (ليعلمن) هنا ليس على ظاهره؛ لأن الله قد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٦ و ١٦٧] وهو يحتمل ثلاثة معان: الأول: أن (يعلمن) بمعنى: يظهرن. الثاني: أنه بمعنى يميزن بين الصادق، والكاذب. الثالث: أنه بمعنى يجازين الصادق بما يستحق من الثواب، والأجر، ويجازين الكاذب بما يستحق من الخزي، والنكال. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وقرأ الإمام علي-﵁-الفعلين (ليعلمنّ) بضم الياء وكسر اللام، وهذه القراءة تحتمل ثلاثة معان: الأول: أن يعلم الله في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه، وبأعمالهم في الدنيا، بمعنى: يوقفهم ويظهرهم على ما كان منهم. الثاني أن يكون المفعول الأول محذوفا، تقديره: فليعلمنّ الناس والعالم هؤلاء الصادقين والكاذبين؛ أي: يشهرهم، هؤلاء في الخير، وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا، والآخرة. والثالث: أن يكون ذلك من العلامة، أي يضع الله لكل واحد من الصادقين في إيمانهم، والكاذبين علامة يشتهر بها، فالآية على هذا تنظر إلى قول النبي ﷺ : «من أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها». انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وفي التعبير عن الصادقين بقوله: ﴿صَدَقُوا﴾ وفي التعبير عن الكاذبين باسم الفاعل: ﴿الْكاذِبِينَ﴾ نكتة، وهي أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه،

стр. 4517

والفعل الماضي لا يدل عليه؛ لأن وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام، وعن قوم مستمرين على الكفر، فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل، وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات. انتهى. جمل نقلا من زاده. تنبيه: فحوى الآيتين قريب من فحوى قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١٤]: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب من الحال. ﴿فَتَنَّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وجملة: ﴿(لَقَدْ فَتَنَّا...)﴾ إلخ. جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف، اللام: واقعة في جواب القسم بسبب العطف، (يعلمن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿صَدَقُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤)﴾ الشرح: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ:﴾ الشرك، والمعاصي، فإن العمل يعم أفعال القلوب والجوارح. ﴿أَنْ يَسْبِقُونا:﴾ أن يفوتونا، ويعجزونا قبل أن نعاقبهم ونؤاخذهم بما يفعلون، قال ابن عباس-﵄: يريد الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، وأمثالهما من كفرة قريش. وما أحراك أن تجعل حكم الآية عاما لكل من يعمل السيئات. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي: بئس الحكم ما حكموا في صفات ربهم أنه مسبوق، والله القادر على كل شيء. هذا؛ وفحوى الآية قريب من فحوى قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٩]: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾. هذا؛ و ﴿حَسِبَ﴾ من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون سين المضارع مع كسر سين الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين وكسرها، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء. وحسبت المال حسبا من باب: قتل بمعنى: أحصيته عددا.

стр. 4518

الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي منقطعة بمعنى: «بل» لأنها لا معادل لها. ﴿حَسِبَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَسْبِقُونا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، و (نا): مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿حَسِبَ﴾. ﴿ساءَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه مفسر بما بعده. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة: ﴿يَحْكُمُونَ:﴾ في محل نصب صفة: ﴿ما،﴾ والتقدير: ساء الشيء شيئا محكوما به، ورابط الصفة محذوف، التقدير: يحكمونه، والمخصوص بالذم محذوف أيضا، التقدير: هو حكمهم. هذا؛ وأجيز اعتبار الفعل: ﴿ساءَ﴾ متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجيز اعتبار: ﴿ما﴾ موصولة، وموصوفة ومصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام: ساءهم الذي، أو: شيء يحكمونه. وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم حكمهم، والجملة الفعلية: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ الشرح: ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ﴾ أي: يخاف لقاء الله للبعث، والجزاء، والحساب؛ فليعمل عملا صالحا، فإنه لا بد أن يأتيه. أو المعنى: من كان يطمع في ثواب الله، وجنته؛ فليعمل عملا صالحا... إلخ، وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (الفرقان). ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ أي: فإن الأجل المضروب للقائه تعالى لا بد آت، وإذا كان وقت اللقاء آتيا؛ كان اللقاء كائنا لا محالة، فليبادر الإنسان ما يحقق أمله، ويصدق رجاءه، أو ما يستوجب به القربة والرضا، وهو العمل الصالح الذي يرضى به ربه. وهذا ما صرحت به آية (الكهف) الأخيرة: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ:﴾ لأقوال عباده. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بأفعالهم، وعقائدهم من إيمان، ونفاق، وإخلاص، ورياء... إلخ. هذا؛ وإعلال (آت) مثل إعلال ﴿زانٍ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (النور). الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى

стр. 4519

﴿مَنْ﴾. ﴿يَرْجُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِقاءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿يَرْجُوا..﴾. إلخ خبر: ﴿كانَ﴾. وجواب الشرط محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح، وخبر المبتدأ الذي هو: ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا مبتدأ، فجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلته، وخبره ما رأيت تقديره في الشرح، وقد اقترن خبره بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَجَلَ:﴾ اسم (إن)، و ﴿أَجَلَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَآتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (آت): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ تعليل للأمر الذي رأيت تقديره، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿السَّمِيعُ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿الْعَلِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ جاهَدَ:﴾ حارب أعداء الله، وأعداء الدين، وحارب شيطانه العدو المبين، وحارب هو نفسه الأمارة بالسوء، بالصبر على الطاعات، والكف عن المعاصي، وهجر اللذات والشهوات المحرمة. ﴿فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: له ثواب جهاده، وهذا بحكم الوعد، لا بحكم الوجوب على الله، والكريم إذا وعد؛ وفى، ومن أوفى بوعده من الله؟! ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أي: عن أعمالهم، وعبادتهم. وفيه بشارة، وتخويف، أما البشارة؛ فلأنه إذا كان غنيا عن الأشياء، فلو أعطى جميع ما خلقه لعبد من عبيده؛ لا شيء عليه، لاستغنائه عنه، وهو يوجب الرجاء التام، وأما التخويف؛ فلأن الله إذا كان غنيا عن العالمين، فلو أهلكهم بعذابه؛ فلا شيء عليه، لاستغنائه عنهم، وإنما كلف عباده بتكاليف رحمة بهم، ومراعاة لمصالحهم، ومنافعهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. ﴿جاهَدَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿يُجاهِدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ

стр. 4520

الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية السابقة، كما يجوز اعتبار (من) موصولة أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لَغَنِيٌّ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (غني): خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَنِ الْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (غني)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للكلام السابق لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ عطف العمل الصالح على الإيمان دليل واضح على أن الإيمان وحده قد لا يكفي، بل لا بد وأن يقرن بالعمل الصالح. وهذا يسمى في اللغة العربية احتراسا. ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ:﴾ السيئات: جمع سيئة، وهي تعم الكفر والمعصية، فالكفر يكفّر بالإيمان، والمعصية تكفّر بالطاعة، والعمل الصالح. والتكفير: المحو، والإزالة، وهو أيضا: التغطية، فالإيمان يمحو، ويزيل، ويغطي الكفر، والعمل الصالح يمحو، ويزيل، ويغطي المعصية، ولا سيما إذا قرن بالتوبة النصوح. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ والجزاء الحسن: أن يجازى بحسنة حسنة، وأحسن الجزاء هو أن يجازى الحسنة الواحدة بالعشر، وزيادة، قال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها،﴾ وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ رقم [٣٦] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا..﴾. إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: الأعمال الصالحات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَنُكَفِّرَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، (نكفرن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة... إلخ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف، وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار (الذين) منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال؛ أي: ونخلص الذين آمنوا من سيئاتهم. ولا أراه قويا. هذا؛ ووقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدإ. قاله ابن مالك،

стр. 4521

ومنعه ثعلب، ومثله قوله تعالى في سورة (النساء): ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ومثل ذلك قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٧٥٦] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل] جشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين... وإذا أتاك فلات حين مناص قال ابن هشام في المغني: وعندي لما استدل به ابن مالك تأويل لطيف يخرجه عن الاستدلال، وهو أن المبتدأ في ذلك كله، -أي: البيت المذكور، والآيات التي ألحقها، ومنها الآية التي نحن بصدد شرحها-ضمن معنى الشرط؛ إذ التقدير: إن آمنوا وعملوا الصالحات؛ لنكفرن... إلخ، فإذا قدر قسم قبل الشرط؛ كان المعنى: والله إن آمنوا وعملوا الصالحات؛ لنكفرن، ف: (لنكفرنّ) جواب القسم المقدر، والمبتدأ مضمن معنى الشرط، خبره محذوف، وهذا على القاعدة المشهورة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». ويحذف جواب المتأخر، فكذا يقال في المبتدأ المنزل منزلة الشرط مع القسم، وحينئذ فلا تقع الجملة القسمية خبر المبتدأ، ونظيره في الاستغناء بجواب القسم المقدر قبل الشرط المجرد من لام التوطئة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ التقدير: والله ليمسن إن لم ينتهوا. انتهى. وهذا من ابن هشام-رحمه الله تعالى-تخريج على البعيد. والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف، (لنجزينهم): إعرابه مثل إعراب: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ﴾ وهو معطوف عليه، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿أَحْسَنَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ في محل نصب خبر: (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: كانوا يعملونه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ الشرح: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ..﴾. إلخ: أي: وصيناه بوالديه برا بهما، وعطفا عليهما. أو المعنى: وصينا الإنسان بوالديه أن يفعل معهما ما يحسن. نزلت هذه الآية والتي في سورة (لقمان) رقم [١٤]، والتي في سورة (الأحقاف) رقم [١٥] في سعد بن أبي وقاص مالك الزهري، أحد العشرة المبشرين بالجنة-﵃ أجمعين-وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس لما أسلم-﵁، وكان من السابقين إلى الإسلام، وكان بارا بأمه، فلما

стр. 4522

أسلم؛ قالت له أمه: ما هذا الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب، ولا يظلني سقف بيت من الحر، والريح؛ حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت، فتعيّر بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمه. ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب، ولم تستظل، فأصبحت وقد جهدت، ثم مكثت كذلك يوما آخر، وليلة، فجاءها، وقال: يا أماه! والله لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا؛ نفسا ما تركت ديني، فكلي إن شئت، وإن شئت فلا تأكلي! فلما أيست منه؛ أكلت، وشربت، واستظلت. وروي عن ابن عباس-﵄-أنه قال: نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه حين هاجر. والصحيح الأول. ومع ذلك فالآية حكمها عام إلى يوم القيامة. هذا؛ وقد قال تعالى هنا: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي..﴾. إلخ، وفي سورة (لقمان) قال: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي..﴾. إلخ؛ لأن ما في هذه السورة وافق ما قبله لفظا، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ،﴾ وفي لقمان محمول على المعنى؛ لأن التقدير: وإن حملاك على أن تشرك بي. انتهى. جمل نقلا عن غيره. ﴿فَلا تُطِعْهُما:﴾ في الشرك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مرجع من آمن منكم، ومرجع من أشرك، ومن أطاع، ومن عصى، ومن بر بوالديه، ومن عق... إلخ، وفي كثير من الآيات يذكر بعده: ﴿جَمِيعاً﴾. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فأخبركم بالذي كنتم تعملونه من إيمان، أو كفر، صلاح، أو فساد، طاعة، أو معصية... إلخ. هذا؛ والفعل «وصى» حكمه حكم: «أمر» في معناه، وتصريفه. يقال: وصيت زيدا بأن يفعل كذا، كما تقول: أمرته بأن يفعل كذا، ومنه قول الشاعر: [الوافر] وذبيانيّة وصّت بنيها... بأن كذب القراطف والقروف يصف امرأة ذبيانية وصت بنيها بحفظ القراطف، جمع القرطفة، وهي القطيفة المخملة، والقروف: أوعية من أدم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ أي: وصاهم بكلمة التوحيد، وأمرهم بها. أما ﴿الْإِنْسانَ،﴾ فإنه يطلق على الذكر، والأنثى من بني آدم، ومثله كلمة: «شخص» قال تعالى في سورة (العصر): ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم: أن الله لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أن المراد: الذكر، والأنثى، واللام في الإنسان إنما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صح الاستثناء من الإنسان في سورة (العصر). هذا؛ وإنسان العين: هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء، التي تبدو لامعة وسط السواد، قال ذو الرمة، وهو الشاهد رقم (٨٨٩) من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل] وإنسان عيني يحسر الماء تارة... فيبدو وتارات يجمّ فيغرق

стр. 4523

وانظر جمع ﴿الْإِنْسانَ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (الشعراء). هذا؛ والإنس: البشر، الواحد: إنسي، بكسر الهمزة فيهما، وجمع الإنسي أناس، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ ويجمع أيضا على: أناسيّ، كما في الآية رقم [٤٩] من سورة (الفرقان). هذا؛ وفي قوله (والديه) تغليب الوالد على الوالدة، وفي: «أبويه» تغليب الأب على الأم. الإعراب: ﴿وَوَصَّيْنَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (وصينا): فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿بِوالِدَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى تغليبا، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿حُسْناً:﴾ صفة مصدر محذوف مع حذف مضاف؛ إذ التقدير: وصينا الإنسان بوالديه إيصاء ذا حسن. وقيل: هو منتصب بفعل مضمر على تقدير قول مفسر للتوصية؛ أي: قل لهما، أو افعل بهما حسنا، وهو أوفق لما بعده، وعليه يحسن الوقف على: ﴿بِوالِدَيْهِ،﴾ وقرئ «(حسنا)» و «(إحسانا)». انتهى. بيضاوي. وقال مكي: التقدير: وصينا الإنسان بوالديه أمرا ذا حسن، ثم أقام الصفة مقام الموصوف، وهو الأمر، ثم حذف المضاف، وهو «ذا» وأقام المضاف إليه مقامه، وهو حسن. انتهى. وهذا يعني: أن الفعل قد نصب مفعولين، وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: وصينا الإنسان بوالديه بحسن، وانظر ما ذكرته في سورة (الأحقاف) رقم [١٥]، وجملة: ﴿وَوَصَّيْنَا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جاهَداكَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لِتُشْرِكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، ﴿بِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجيز بعضهم تعليقهما بمحذوف حال من ﴿عِلْمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم: ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور بالباء. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (لا): ناهية. ﴿تُطِعْهُما:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والهاء ضمير متصل في محل نصب

стр. 4524

مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنبئكم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فأنبئكم بالذي، أو: بشيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فأنبئكم بعملكم، وهو أضعف من الاعتبارين السابقين، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية، لا محل لها مثلها. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ (٩)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ هو مثل الآية رقم [٧]. ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ أي: مع الصالحين؛ أي: نحشرهم معهم يوم القيامة، وندخلهم معهم الجنة. والاتصاف بالكمال في الصلاح منتهى درجات المؤمنين، ومتمنى أنبياء الله المرسلين، وإذا تحصل للمؤمن هذا الحكم؛ تحصل ثمرته، وجزاؤه وهو الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، والخير العميم، كيف لا؛ وقد تمنى يوسف، وسليمان-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-ذلك فقال يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ،﴾ وقال سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وقيل: هو منصوب على الاشتغال بفعل محذوف. ولا أراه قويا. وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (ندخلنهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، ﴿فِي الصّالِحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، وانظر الآية رقم [٧]؛ ففيها الكفاية.

стр. 4525

﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠)﴾ الشرح: لما بين الله المؤمنين، والكافرين فيما تقدم في قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ،﴾ وبين حال الكفار بقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ..﴾. إلخ، وبين حال المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. إلخ؛ بين حال المنافقين في هذه الآية حيث جعلوا إيذاء الكفار لهم صارفا لهم عن الإيمان، كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر. ﴿فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ﴾ أي: عذبوا تعذيبا لم يصبروا عليه، وتركوا الدين الحق، وكان يمكنهم أن يصبروا على الأذى إلى حد الإكراه، وتكون قلوبهم مطمئنة بالإيمان. ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ أي: تعذيب الكافرين لهم صارفا عن الإيمان. ﴿كَعَذابِ اللهِ﴾ أي: في النار فإنه يصرف المؤمنين عن الكفر، وشتان ما بينهما، فتعذيب الكافرين للمؤمنين يترتب عليه ثواب عظيم، وعذاب الله للكافرين بعده عذاب أليم، والمشقة إذا كانت مستتبعة للراحة العظيمة؛ تطيب لها النفس، ولا تعد عذابا، كما تجرى عملية جراحية في الجسم لقطع ما يؤذيه، ولا تعد عذابا له. ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: نصر على الكفار، وفيه كسب، وغنيمة، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أي: المنافقون. وهذا على ضم اللام مراعاة لمعنى (من)، وقرئ بفتح اللام، مراعاة للفظ (من). ﴿إِنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أي: على عدوكم، وكنا مسلمين، وإنما أكرهنا بالتعذيب حتى قلنا ما قلنا فأشركونا معكم بالكسب، والغنيمة. ﴿أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ أي: الله أعلم بما في صدور العالمين من العالمين أنفسهم بما في صدورهم، ومن ذلك ما في صدور المؤمنين من الإخلاص، وما في صدور المنافقين من النفاق. تنبيه: قال الضحاك: نزلت الآية في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا؛ رجعوا إلى الشرك. وقال عكرمة: كان قوم قد أسلموا، فأكرههم المشركون على الخروج معهم إلى بدر، فقتل بعضهم، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فكتاب بها المسلمون من المدينة إلى المسلمين بمكة، فخرجوا، فلحقهم المشركون، فافتتن بعضهم، فنزلت هذه الآية فيهم. وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أسلم، وهاجر، ثم أوذي، وضرب، فارتد، وإنما عذبه أبو جهل والحارث وكانا أخويه لأمه. قال ابن عباس-﵄: ثم عاش بعد ذلك بدهر وحسن إسلامه. انتهى. قرطبي.

стр. 4526

الإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(مِنَ النّاسِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وقيل: إن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: وفريق كائن من الناس على حد قوله تعالى: ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾. والأصح: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و: ﴿مِنَ﴾ هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض؛ أي: وبعض الناس، وجمع الضمير في قوله ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فعطف (أكثرهم) على ﴿مِنْهُمُ﴾ يؤيد: أن معناه: بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت، وضمّ حبل الحاطب حيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة: «بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون: «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث: جمع ليث، وهو الأسد. لا ترام: لا تقصد. قمشت: جمعت من هنا وهناك، والمراد رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ،﴾ تقديره: «هو». ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أُوذِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿مِنَ،﴾ ﴿فِي اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مِنَ﴾ أيضا، ﴿فِتْنَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. ﴿كَعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ،﴾ وهما في محل نصب مفعوله الثاني. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى مثل، فهي المفعول الثاني، وهي مضاف، و (عذاب) مضاف إليه، و (عذاب) مضاف، و ﴿بِاللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، وجملة: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ..﴾. إلخ جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، ﴿نَصْرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَصْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف ضمير متصل في

стр. 4527

محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له. هذا؛ وعلى قراءته بفتح اللام، فهو مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مِنَ﴾. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص، مبني على السكون، و (نا): ضمير متصل في محل رفع اسمها. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (كان)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كُنّا مَعَكُمْ:﴾ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا كُنّا مَعَكُمْ:﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ إِنّا..﴾. إلخ جواب القسم المقدر المدلول عليه باللام، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم؛ فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم ﴿أَوَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي، الواو: حرف استئناف. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿بِاللهِ:﴾ اسم (ليس). ﴿بِأَعْلَمَ:﴾ الباء: حرف جر صلة، (أعلم): خبر (ليس) مجرور لفظا، منصوب محلا. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (أعلم). ﴿فِي صُدُورِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، و ﴿صُدُورِ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿أَوَلَيْسَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١)﴾ الشرح: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٣] ففيها الكفاية. هذا؛ و ﴿اللهُ﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تعلم أحدا تسمى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين، وثلاثمائة وستين موضعا. بعد هذا: فالمنافقون: جمع: منافق، وقد سمي المنافق: منافقا أخذا من: نافقاء اليربوع، وهو جحره الذي يقيم فيه، فإنه يجعل له بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر. هذا؛ وقد يتصف

стр. 4528

مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب، ويخلف الوعد، ويخون في الأمانة، ويفجر في الخصومة. وما أكثرهم في هذا الزمن! فهذا يقال له: نفاق العمل، وأما الأول فيقال له: نفاق العقيدة؛ لأنه يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشد منه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وقد حذر الرسول ﷺ من نفاق العمل، والاتصاف به؛ لأنه قد يجر إلى نفاق العقيدة، فعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث؛ إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان؛ وإن صلّى، وصام، وحجّ، واعتمر، وقال إنّي مسلم». أخرج بعضه البخاري، وبعضه مسلم، وآخره أبو يعلى من حديث أنس-﵁. الإعراب: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (يعلمن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وجملة ﴿(وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ)﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ أي: ديننا الذي ندين به، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ:﴾ هذا أمر، وهو في تأويل الشرط، والجزاء؛ إذ المعنى: إن تتبعوا ديننا نحمل خطاياكم. وقيل: هو خبر عبر عنه بصيغة الطلب، مثل قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧٥]: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾. والحمل هنا بمعنى: الحمالة، لا الحمل على الظهر. وهذا قول صناديد قريش، كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن، ولا أنتم، فإن كان ذلك؛ فإنا نتحمل عنكم الإثم الذي تخافون سوء عاقبته. وقيل: القائل الوليد بن المغيرة. وقيل: أبو سفيان. هذا؛ وإنك لترى في هذه الأيام بعض من يتسمون بالإسلام، وبأسماء المسلمين يستنون بأولئك الكفرة الفجرة، فيقول أحدهم لصاحبه إذا أراد أن يشجعه على ارتكاب بعض الجرائم: افعل هذا؛ وإثمه في عنقي. وكم من مغرور بمثل هذا الضمان من ضعفة العامة وجهلتهم!. ﴿وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: لا يحملون شيئا من أوزارهم. قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وانظر الآية التالية. ﴿إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي: في قولهم؛ لأنهم قالوا ذلك؛ وقلوبهم على خلافه كالمرائين الذين يعدون؛ وفي قلوبهم نية الخلف. وأيضا فإنهم لا يستطيعون ذلك، بل، ولا أقل منه.

стр. 4529

هذا؛ و ﴿خَطاياكُمْ:﴾ جمع: خطيئة. وأصله: خطايئ، بياء قبل الهمزة، فقلبت تلك الياء همزة مكسورة، فاجتمع همزتان، فقلبت الثانية ياء، فاستثقلت الكسرة على حرف ثقيل من نفسه، وهو الهمزة الأولى، فقلبت فتحة. ثم يقال: تحركت الياء التي بعد الهمزة، وانفتح ما قبلها، وهو الهمزة، فقلبت ألفا على القاعدة، فصار خطاءا بألفين، بينهما همزة، فاستثقل ذلك؛ لأن الهمزة شبه الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات متواليات، فقلبت الهمزة ياء للخفة، فصار خطايا بوزن فعالى، ففيه خمسة أعمال: قلب الياء التي قبل الهمزة همزة، ثم قلب الثانية ياء، ثم قلبت كسرة الأولى فتحة، ثم قلبت الثانية ألفا، ثم قلبت الأولى ياء. هذا؛ وتجمع: خطيئة جمع مؤنث سالما: خطيئات. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف، (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره: كفروا بالله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (قال)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سَبِيلَنا:﴾ مفعول به، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اِتَّبِعُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلْنَحْمِلْ:﴾ الواو: حرف عطف، (لنحمل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿خَطاياكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿بِحامِلِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة، (حاملين): خبر: (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ خَطاياهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به ل: (حاملين)، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَما هُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَكاذِبُونَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (كاذبون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ:﴾ مؤكدة لمضمون الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها.

стр. 4530

﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ:﴾ الأثقال: الأوزار، جمع: ثقل، وهو استعارة أطلق عليها لفظ الأثقال، وهي الأحمال التي تثقل حاملها، وتتعبه؛ لأنها تسبب له النكد، والشقاء الطويل في جهنم يوم القيامة، وما بعده. وفيه تأويلان: أحدهما: أن المراد به ما يحمل على الظالمين من سيئات من ظلموه بعد فراغ حسناتهم، قال أبو أمامة الباهلي-﵁: «يؤتى بالرجل يوم القيامة، وهو كثير الحسنات، فلا يزال يقتصّ منه حتى تفنى حسناته، ثم يطالب، فيقول الله : اقتصوا من عبدي، فتقول الملائكة: ما بقيت له حسنات! فيقول: خذوا من سيئات المظلوم، فاجعلوا عليه». ثم تلا رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾. أقول: وهذا في حق المسلم الموحد؛ لأن الكافر لا حسنة له، كما نوهت به آية (الفرقان) رقم [٢٣]: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ وآية (النور) رقم [٣٩] وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً..﴾. إلخ. والمسلم الذي تذهب حسناته، ويطرح عليه من سيئات المظلومين، هو من سماه الرسول ﷺ المفلس، فعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا، من لا درهم له ولا متاع، فقال: المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة؛ ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثمّ طرح في النّار». رواه مسلم والترمذي. والتأويل الثاني: أن المراد به: رؤساء الكفر، ودعاة الشر، والرذيلة، الذين يصدون الناس عن الإيمان، أو عن الطاعة، أو عن عمل الخير... إلخ، فقد قال قتادة-﵁: من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء، ونظيره قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٢٥]: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. وعن أنس بن مالك-﵁-عن رسول الله ﷺ : أنه قال: «أيّما داع دعا إلى ضلالة فاتّبع، فإنّ له مثل أوزار من اتّبعه، ولا ينقص من أوزارهم شيئا، وأيّما داع دعا إلى هدى، فاتّبع فإنّ له مثل أجور من اتّبعه، ولا ينقص من أجورهم شيئا». أخرجه ابن ماجة. هذا؛ ومن الحديث الطويل الذي خرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجة، والترمذي عن جرير بن عبد الله البجلي-﵁: أن النبي ﷺ قال: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».

стр. 4531

وعن حذيفة-﵁-قال: سأل رجل على عهد رسول الله ﷺ ، فأمسك القوم، ثم إن رجلا أعطاه، فأعطى القوم، فقال رسول الله ﷺ : «من سنّ خيرا فاستنّ به كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا، ومن سنّ شرّا فاستنّ به، كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». رواه أحمد، والحاكم. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأنعام) الآية رقم [٣١]: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ﴾. وحمل الذنوب-بالمعنيين: الأوزار، والأثقال-قيل به: إن الكافر إذا خرج من قبره يوم القيامة يستقبله أقبح شيء صورة، وأنتنه ريحا، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك؛ حتى أخزيك على رءوس الخلائق! فيركبه، ويتخطّى به الناس، حتى يقف بين يدي الله تعالى. وأقول: إن الفاسق، والفاجر ليس من ذلك ببعيد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ:﴾ من الأباطيل التي أضلوا بها غيرهم، يسألون سؤال توبيخ، وتقريع؛ لأن الله تعالى عالم بأعمالهم، وأحوالهم، وافترائهم. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الحجر): ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ،﴾ وهذه الآية تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم، كافرهم ومؤمنهم، وفي سؤاله الكافر، ومحاسبته خلاف بين العلماء، والذي يظهر سؤاله لهم، لقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ،﴾ وقوله : ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ،﴾ فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ،﴾ وقال: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ فالجواب: أن ليوم القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال، وكلام، وموطن لا يكون فيه ذلك. وقال ابن عباس-﵄: لا يسألهم سؤال استخبار، واستعلام، ولكن يسألهم سؤال تقريع، وتوبيخ، فيقول لهم: لم عصيتم القرآن؟ وما حجتكم فيه؟ قال ابن عادل: وأليق الوجوه بهذه الآيات الاستعتاب لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ،﴾ وقوله جل ذكره: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. هذا؛ وأصل الفعل: (ليحملن) يحملون، فلما اتصلت به نون التوكيد الثقيلة صار: (ليحملوننّ) فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار: (ليحملونّ) فحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، فصار: (ليحملنّ) وبقيت الضمة على اللام لتدل على الواو المحذوفة، ومثله: (ليسألن) وشبهه. الإعراب: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف، اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (يحملن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له. ﴿أَثْقالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَأَثْقالاً:﴾ الواو: حرف عطف. (أثقالا):

стр. 4532

معطوف على ما قبله. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة (أثقالا). و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿أَثْقالَهُمْ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (ليسألن): معطوف على الفعل: (ليحملنّ)، فهو مثله، مع ملاحظة: أنه مبني للمجهول، والواو نائب فاعله. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (ليسألن)، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن). ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ليسألن عن الذي، أو: عن شيء كانوا يفترونه. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: ليسألن يوم القيامة عن افترائهم. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤)﴾ الشرح: لقد شرح الله لنا في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) قصة نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-شرحا وافيا وكافيا، وذكرها في سورة (الشعراء) باختصار، ولم يخل الله سورة من سور القرآن من ذكره إلا القليل منها؛ وقد عد المرحوم عبد الوهاب النجار السور التي ورد فيها ذكر نوح ثلاثا وأربعين سورة، وعمل لها جدولا، مع عدد الآيات التي ذكر فيها بكل سورة جزاه الله خيرا! وقال: ذكرت قصة نوح مفصلة في سورة (الأعراف) وسورة (هود) وسورة (الشعراء) وسورة (القمر) وسورة (نوح) وهي مختلفة اللفظ بحسب ما تكون العناية موجهة نحوه من البيان. انتهى. بتصرف. وهذا؛ أنا ذا أذكر لك ما يتعلق بهاتين الآيتين، فأقول وبالله التوفيق: قيل: إن اسمه الأصلي: السكن، سمي بذلك؛ لأن الناس سكنوا إليه بعد آدم. فهو الأب الثاني لهم بعده، وقيل: إن اسمه: عبد الغفار، وسمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك بن متوشلخ، وقال النجار (نوح بن لامك، بن متوشالح) بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، ابن يارد، بن مهلئيل، بن قينان، بن أنوش، بن شيث، بن آدم أبي البشر، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وذكر المرحوم النجار: أن آدم عاش في الأرض تسعمائة وثلاثين عاما، وأن المدة بين وفاة آدم وولادة نوح مائة وستة وعشرون عاما. واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: اخسأ يا قبيح! فأوحى الله إليه: أعبتني أم عبت الكلب؟! وهو أول رسول بعث بشريعة بعد آدم، وهو أول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه

стр. 4533

عشر صحائف، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الشرك بدعائه، وكان أبا البشر كآدم، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وكان أطول الأنبياء عمرا، عمّر ألفا وخمسين سنة، وقال وهب: عمّر نوح ألفا وأربعمائة سنة، وقيل غير ذلك، ولم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين؛ بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الآخرة في سورة (نوح). وولد له أربعة أولاد: سام، وحام، ويافث، وكنعان، فالثلاثة الأول اتبعوه في دينه، وأما الرابع وهو كنعان، فقد انشق عنه وخالفه، كما رأيت تفصيله في سورة (هود). وروي: أنه ﵊ عاش عمره الطويل في بيت من شعر، فقيل له: يا نبي الله ابن بيتا، فقال: أموت اليوم، أو غدا. وقال وهب بن منبه: مرت بنوح خمسمائة سنة لم يقرب النساء وجلا من الموت. ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ:﴾ أقام في قومه، ألف سنة إلا خمسين عاما: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: هلاّ قيل: تسعمائة وخمسين سنة؟ قلت: ما أورده الله أحكم؛ لأنه لو قيل كما قلت لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك، وكأنه قيل: تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد، إلا أن ذلك أخصر، وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة، وفيه نكتة أخرى، وهي: أن القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح ﵇ من أمته، وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله ﷺ ، وتثبيتا له، فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطاعة السامع مدة صبره. فإن قلت: فلم جاء المميز أولا بالسّنة، وثانيا بالعام؟ قلت: لأن تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم من تفخيم، أو تهويل، أو تنويه، أو نحو ذلك. انتهى. كشاف. أما ذكر مدة لبثه في قومه ﵊ ففائدته تسلية النبي ﷺ ؛ لأنه ﵊ كان يضيق صدره بسبب عدم إسلام قومه، وقد ذكر ذلك في آياته حيث قال له: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فقال الله له: إن نوحا لبث هذا العدد الكثير من السنين، ولم يؤمن من قومه إلا القليل، فصبر، وما ضجر، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك. انتهى. نقلا عن الرازي بتصرف. هذا؛ ونوح أحد الرسل أولي العزم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وروي: أنه لما أتاه ملك الموت، قال: يا نوح، يا أكبر الأنبياء، ويا طويل العمر، ويا مجاب الدعوة، كيف وجدت الدنيا؟ قال: مثل رجل بني له بيت، له بابان، فدخل من أحدهما، وخرج من الآخر. ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ أي: الماء الكثير الذي نبع من الأرض، ونزل من السماء. ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ:﴾ أنفسهم بالكفر، ومخالفة الواحد القهار.

стр. 4534

الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نُوحاً:﴾ مفعول به. ﴿إِلى قَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نُوحاً،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ: جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر أن الجملة الآتية جواب لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو: وأقسم والله. اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها: المؤذنة. وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية؛ لتدل على القسم المقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد بعون الله تعالى. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به وبقاء حرف القسم. والجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى،﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ فإن التقدير: وربّ السماء... إلخ، بدليل التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم) وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة) فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب. ﴿فَلَبِثَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لبث): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (نوح)، تقديره: «هو» ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَلْفَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل (لبث)، و ﴿أَلْفَ﴾ مضاف، و ﴿سَنَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿خَمْسِينَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾ منصوب. وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهو عند المبرد مفعول به، و ﴿إِلاّ﴾ عنده قامت مقام الفعل الناصب للأسماء، فهي تقوم مقام: أستثني، واستثنيت فلانا، ولا يستثنى من العدد إلا أقل من النصف عند أكثر النحويين. انتهى. من قول مكي. ﴿عاماً:﴾ تمييز. وجملة: ﴿فَلَبِثَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة جواب القسم، لا محل لها مثلها. ﴿فَأَخَذَهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذهم): فعل ماض، والهاء: مفعول به. ﴿الطُّوفانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو

стр. 4535

الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ظالِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ:﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥)﴾ الشرح: وجه مناسبة ذكر نوح، وإبراهيم-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام- بعد ما تقدم من الآيات هو: أن الله تعالى لما بين التكليف، وذكر أقسام المكلفين، ووعد المؤمن الصادق الثواب العظيم، ووعد المنافق العذاب الأليم؛ ذكر: أن هذا التكليف ليس مختصا بالنبي ﷺ ، وأصحابه، وأمته حتى صعب عليهم ذلك، بل من قبله كان كذلك، كنوح، وإبراهيم وغيرهما. انتهى. جمل نقلا عن الرازي، وقد تصرفت فيه. ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ أي: أنجينا نوحا من أذى قومه، ومن الغرق بالطوفان الذي غرقوا فيه، و ﴿وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ أي: أنجيناهم مع نوح، وكثيرا جاء التعبير عن السفينة بالفلك، وكانوا ثمانية وسبعين من بني آدم، نصفهم ذكور، ونصفهم إناث، كما حمل في السفينة ذكرا وأنثى من جميع أصناف المخلوقات، وهو فحوى قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٤٠]: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ﴾. ﴿وَجَعَلْناها:﴾ الضمير يعود إلى السفينة، أو للعقوبة التي أهلكوا فيها، أو للنجاة الحاصلة بسبب السفينة. ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أي: علامة على قدرة الله القاهرة، وقوته الباهرة. هذا؛ وانظر صنع السفينة مفصلا في سورة (هود). هذا؛ وأصحاب جمع: صاحب، وهو هنا بمعنى الراكب فيها، ويكون بمعنى المالك، كقولك: صاحب الدار. أي: مالكها. هذا؛ والصاحب يكون بمعنى الصديق، والزوج. وصاحب رسول الله ﷺ هو كل من جالسه في حياته، ولو ساعة بشرط أن يكون مسلما موحدا، ويجمع على: أصحاب، وصحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على: أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب. الإعراب: ﴿فَأَنْجَيْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنجيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَصْحابَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أصحاب): معطوف على الضمير المنصوب، و (أصحاب) مضاف، و ﴿السَّفِينَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَجَعَلْناها:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلناها): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آيَةً،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.

стр. 4536

﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ أي: اذكر. أو وأرسلنا إبراهيم. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ وحدوه، ولا تشركوا معه شيئا في العبادة. ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي: خافوا عقابه، فاجتنبوا مخالفته، ومعصيته، ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ:﴾ الإشارة إلى ما ذكر من العبادة، والتقوى، أي: فهي خير لكم مما أنتم عليه من عبادة الأصنام، وذلك على تقدير الخيرية فيه على زعمكم. وقيل: التقدير: خير من كل شيء؛ لأن حذف المفضل عليه يقتضي العموم مع عدم احتياجه إلى التأويل؛ إذ المراد بكل شيء، كل شيء فيه خيرية، ويجوز كونه صفة لا اسم تفضيل. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: الخير، والشر، وتميزون بين ما هو خير، وبين ما هو شر، أو: كنتم تنظرون في الأمور بنظر العلم دون نظر الجهل. هذا؛ وإبراهيم خليل الله بن تارح، بن ناحور، بن سروج، بن رعو، بن فالج، بن عابر، بن شالح، بن أرفكشاذ بن سام، بن نوح، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، وقد جاء ذكره في القرآن في خمس وعشرين سورة، وقد عمل المرحوم عبد الوهاب النجار، جدولا بأسماء تلك السور، مع عدد الآيات التي ذكر فيها بكل سورة، جزاه الله خيرا! وقد ذكرت قصة إبراهيم مفصلة في سورة (هود) وفي سورة (إبراهيم) وفي سورة (الحجر) وفي سورة (مريم) وفي سورة (الأنبياء) وفي سورة (الشعراء) وفي سورة (الصافات) ومختصرة في باقي السور التي ذكر فيها، وهي مختلفة الألفاظ، والتعبير بحسب ما تكون العناية موجهة نحوه من البيان والإيضاح. وإبراهيم خليل الرحمن ولد في فدام آرام من بلاد العراق، ولم يؤمن له من قومه سوى زوجه سارة، وابن أخيه لوط بن هاران، بن تارح، فهاجر إلى فلسطين، ثم إلى مصر، ثم عاد إلى فلسطين، وكانت وفاته فيها، وقبره موجود في بلدة الخليل. هذا؛ ويذكر المفسرون: أن شأن إبراهيم في ولادته شبيه بشأن موسى في ولادته، وأنه ربي خفية عن النمرود الذي هو شبيه بفرعون بادعاء الألوهية، والربوبية. هذا؛ وإبراهيم معناه في العبرانية: أب رحيم، وانظر أولاده والكثير من سيرته في الآية رقم [٣٥] وما بعدها من السورة المسماة باسمه، على نبينا، وحبيبنا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿وَإِبْراهِيمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (إبراهيم): معطوف على ﴿نُوحاً﴾ فيكون التقدير: وأرسلنا إبراهيم. أو هو معطوف على الضمير المنصوب، فيكون التقدير: وأنجينا إبراهيم. أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: واذكر إبراهيم. هذا؛ وقرئ برفعه فيكون مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: ومن المرسلين إبراهيم. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل

стр. 4537

نصب يقع بدلا من (إبراهيم) على نصبه، فهو بدل اشتمال، ومفعول به لفعل محذوف على رفع (إبراهيم)، التقدير: اذكر وقت قال... إلخ. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم)، تقديره: «هو». ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل، في محل جر بالإضافة. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَاتَّقُوهُ:﴾ معطوفة عليها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والكلام معطوف على ما قبله على نصب (إبراهيم)، ومستأنف على رفعه. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ذلِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم تعلمون فذلكم خير لكم. أو: «فاعبدوا الله...» إلخ، وهذه الجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً:﴾ أصناما. قال أبو عبيدة: الصنم: ما يتخذ من ذهب، أو فضة، أو نحاس. والوثن: ما يتخذ من جصّ، أو حجارة. وقال الجوهري: الوثن: الصنم، والجمع: وثن، وأوثان، مثل: أسد، وآساد. انتهى. قرطبي. هذا؛ وقد حكى الله عن إبراهيم في سورة (الأنبياء) قوله: ﴿ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾. وفسرت هناك بالأصنام المصورة على صورة السباع، أو الطيور، أو الإنسان، وحكى الله عنه قوله في السورة المسماة باسمه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾. والأصنام، والتماثيل، والأوثان كلها بمعنى واحد، وتصنع من خشب، أو ذهب، أو فضة، أو نحاس، وذلك تبع لقدرة العابد، وغناه، وكانت العرب، وغيرهم من الوثنيين يعبدونها، والنصارى تنصب الصليب، وتعبده، وتعظمه، فهو كالتمثال أيضا، قال عدي بن حاتم الطائي-﵁: أتيت النبي ﷺ ، وفي عنقي صليب

стр. 4538

من ذهب، فقال: «يا عدي! ألق عنك هذا الوثن!». فألقيته. وأصله من: وثن الشيء؛ أي: أقام في مقامه، وسمي الصنم وثنا؛ لأنه ينصب ويركز في مكان لا يبرح عنه. ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً:﴾ وتكذبون كذبا في تسميتها آلهة، وادعاء شفاعتها عند الله، أو تعملونها وتنحتونها للإفك، وهو استدلال بيّن على شرارة ما هم عليه من حيث إنه زور، وباطل، وبهتان، وقرئ: «(تخلّقون)»، وقرئ: «(تخلّقون)» وهو بمعنى التكثير من خلّق، والأول من تخلّق بمعنى: تكذّب، وتخرّص. هذا؛ والإفك هو أبلغ ما يكون من الكذب، والافتراء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ..﴾. إلخ رقم [١١] من سورة (النور)، وانظر الآية رقم [٤٥] من سورة (الشعراء). ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: من الأوثان. ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً:﴾ لا يستطيعون أن يرزقوكم، وهذا دليل ثان على شرارة عبادتهم لهذه الأوثان؛ لأنها لا تجدي قليلا، ولا تغني فتيلا، ونكر: (رزقا) للتعميم؛ أي: لا قليلا، ولا كثيرا. ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ:﴾ اطلبوا رزقكم كله من عند الله تعالى، وتعريف الرزق على حد قوله تعالى في سورة (المزمل): ﴿كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ..﴾. إلخ. ﴿وَاعْبُدُوهُ:﴾ وحّدوه، وانظر (العبادة) في سورة (النمل) رقم [٤٣]، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ:﴾ انظر (الشكر) في الآية رقم [٤٠] من سورة (النمل). ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ:﴾ يقرأ بالبناء للمجهول من المتعدي، وبالبناء للمعلوم من اللازم. هذا؛ و ﴿تَعْبُدُونَ﴾ بمعنى: غير وسوى هنا، وأصله من الدنو، وهو القرب، ومنه: تدوين الكتاب؛ لأنه إدناء، أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو، أي: في الشرف، والسيادة، وعلو المنزلة، ثم اتّسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد. هذا؛ ويأتي «دون» بمعنى «قدام» قال الشاعر: [الطويل] تريك القذى من دونها، وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق هذا؛ ومثله: أدنى، وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من دنا، يدنو: إذا قرب، وله معنيان: أحدهما: أن يكون المعنى: ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني أن يكون بمعنى: القريب منكم، لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أوامر الله تعالى؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة. خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء، حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. وقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من: دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون من الشيء الدّون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن أفلع. انتهى. عكبري في غير هذا الموضع.

стр. 4539

الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعله. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من: ﴿أَوْثاناً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿أَوْثاناً:﴾ مفعول به، ولو قرئ برفعه، لكانت (ما) اسما موصولا اسما ل: (إن)، على حد قوله تعالى في سورة (طه): ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ..﴾. إلخ، (تخلقون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعله. ﴿إِفْكاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: إن الذين تعبدونهم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، و ﴿تَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رِزْقاً﴾ على مثال ما تقدم. ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لا يَمْلِكُونَ..﴾. إلخ: في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. وقيل: ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول مطلق، وعامله: ﴿لا يَمْلِكُونَ؛﴾ لأنه من معناه، وليس بشيء. ﴿فَابْتَغُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر... (ابتغوا): فعل أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو: فاعله، والألف للتفريق. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَابْتَغُوا..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب: إذا، التقدير: وإذا كانت معبوداتكم لا تملك لكم رزقا؛ فابتغوا... إلخ، وجملة: ﴿وَاعْبُدُوهُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ:﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعله، أو نائب فاعله. بعد هذا فالآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول إبراهيم على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾ الشرح: وإن تكذبوني؛ فلا تضروني بتكذيبكم، فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم، وما ضروهم، وإنما ضروا أنفسهم؛ حيث حل بهم ما حل بسبب تكذيب الرسل. وأما الرسول فقد تم أمره حين بلغ البلاغ المبين الذي زال معه الشك، وهو اقترانه بآيات الله، ومعجزاته، أو وإن كنت مكذبا فيما بينكم؛ فلي في سائر الأنبياء أسوة، وسلوة؛ حيث كذّبوا، وعلى الرسول أن يبلغ، وما عليه أن يصدّق ولا يكذّب.

стр. 4540

وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم-صلوات الله، وسلامه عليه-لقومه، وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله ﷺ وشأن قريش بين أول قصة إبراهيم، وآخرها. فإن قلت: إذا كانت من قول إبراهيم؛ فما المراد بالأمم قبله؟ قلت: قوم شيث، وإدريس، ونوح، وقوم صالح، وهود، وغيرهم-وكفى بقوم نوح أمة-في معنى أمم جمّة مكذبة. ولقد عاش إدريس ألف سنة في قومه إلى أن رفع إلى السماء، وآمن به ألف إنسان منهم على عدد سنيه، وأعقابهم على التكذيب. انتهى. كله من الكشاف. وما ذكر في شأن إدريس-﵇ يخالف ما ذكرته في الآية رقم [٥٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال النسفي-وهو مأخوذ من الكشاف بلا شك-: فإن قلت: فالجمل الاعتراضية، لا بدّ لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه، فلا تقول: مكة، وزيد قائم، خير بلاد الله. قلت: نعم، وبيانه: أن إيراد قصة إبراهيم-﵇-ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله ﷺ ، وأن تكون مسلاة له بأن أباه إبراهيم-﵇-كان مبتلى بنحو ما ابتلي به من شرك قومه، وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا..﴾. إلخ على معنى: أنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمدا؛ فقد كذب إبراهيم قومه، وكل أمة كذبت نبيها؛ لأن قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لا بد من تناوله لأمة إبراهيم، وهو كما ترى اعتراض متصل، ثم سائر الآيات بعدها من توابعها؛ لكونها ناطقة بالتوحيد، ودلائله، وهدم الشرك، وتوهين قواعده، وصفة قدرة الله، وسلطانه، ووضوح حجته وبرهانه. انتهى. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض، أو هي حرف عطف، (إن): حرف شرط جازم، ﴿تُكَذِّبُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فلا يضرني تكذيبكم. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل للجواب المنفي. (قد): حرف تحقيق، يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض. ﴿أُمَمٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أُمَمٌ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ..﴾. إلخ، لا محل لها؛ لأنها تعليلية. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية، ﴿عَلَى الرَّسُولِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، ولا أراه قويا. هذا؛ والآية في محل نصب مقول القول على اعتبارها مع ما بعدها من قول إبراهيم ﵇، ولا محل لها على اعتبارها مع ما بعدها كلام معترض، وهو المعتمد. انظر الشرح.

стр. 4541

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ: لما بين الله الأصل الأول، وهو التوحيد، وأشار إلى الثاني، وهو الرسالة بقوله: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ؛﴾ شرع في بيان الأصل الثالث، وهو الحشر. وهذه الأصول الثلاثة لا ينفك بعضها عن بعض في الذكر الإلهي. انتهى. جمل نقلا من النهر. هذا؛ والضمير في ﴿يَرَوْا﴾ إلى الأمم المكذبة، ويقرأ: «(أولم تروا)» بتاء المضارعة خطاب لكفار قريش. ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ﴾ أي: من مادة من نطفة، ونحوها، ومن غير مادة، والفعل بضم الياء من الرباعي، وقرئ شاذا: «(يبدأ)» من الثلاثي. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: يوم القيامة للحساب، والجزاء، ويجوز أن يراد ببدء الخلق، وإعادته ما يحصل في كل سنة مثل ما كان في السنة السابقة من النبات، والثمار، ونحوهما؛ حيث تحيا، ثم تفنى، ثم يعيدها وكذلك يبدأ خلق الإنسان، ثم يميته بعد أن خلق منه ولدا، وخلق من الولد ولدا، وكذلك سائر الحيوان، والمعنى: إذا رأيتم قدرة الله تعالى على الإبداء، والإيجاد فيما ذكر؛ فهو القادر على الإعادة بلا ريب. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ أي: ما ذكر من الإيجاد، والإعدام، والإهلاك، ثم الإعادة. ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرٌ:﴾ هيّن سهل؛ لأنه سبحانه لا يفتقر في فعل ذلك إلى معاون، ولا إلى مساعد؛ لأنه إذا أراد شيئا؛ فإنما يقول له: كن، فيكون. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الواو: حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لم)، وهو بصري، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من لفظ الجلالة، ﴿يُبْدِئُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْخَلْقَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَيْفَ..﴾. إلخ: في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها، وجملة: ﴿أَوَلَمْ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُعِيدُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ، ولا يجوز عطفها على جملة: ﴿يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ؛﴾ لأن الرؤية غير واقعة على الإعادة، بل على الإبداء فقط. هذا؛ وقدر الجلال: ثم هو يعيده. وهذا يعني: أن الجملة اسمية، وهي مستأنفة. وهو قول ابن هشام في المغني. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ﴾. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَسِيرٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية تعليل لما ذكر من الإبداء، والإعادة.

стр. 4542

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا الخطاب للنبي ﷺ ، وهو يؤيد ما ذكر من الاعتراض. وقيل: هو لإبراهيم ﵇. ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ:﴾ على كثرتهم، واختلاف أحوالهم، وألسنتهم، فهو أمر للكفرة؛ لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة، وإهمال، ينظرون إلى مساكن الأمم الماضية، وديارهم، وآثارهم كيف أهلكهم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ أي: يخلق الخلق المرة الثانية بعد الأولى؛ التي هي الإبداء، والآخرة تكون يوم القيامة. فبدء الخلق، وإعادته نشأتان من حيث إن كلا منهما اختراع، وإخراج من العدم، غير أن الثانية إنشاء بعد إنشاء مثله، والأولى ليست كذلك، والقياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق، ثم ينشئ النشأة الآخرة؟ لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الإبداء، وجب ألا يعجزه الإعادة، فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشئ النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه، وأوقعه مبتدأ. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ لأن قدرته لذاته، ونسبة ذاته إلى كل الممكنات على سواء، فيقدر على النشأة الأخرى كما قدر على النشأة الأولى. هذا؛ وقرئ: «(النّشاءة)» كالرأفة. هذا؛ وقد قال تعالى هنا: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ..﴾. إلخ، وقال في سورة (الأنعام) رقم [١١]: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا..﴾. إلخ والفرق بينهما: أن النظر هنا جعل مسببا عن السير، فكأنه قال: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السير هناك إباحة السير للتجارة، وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين. ونبه على ذلك ب: ﴿ثُمَّ﴾ التي هي للتراخي لتباعد ما بين الواجب، والمباح. انتهى. نسفي من سورة (الأنعام) بتصرف كبير. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿سِيرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَانْظُرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انظروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من فاعل: ﴿بَدَأَ﴾. ﴿بَدَأَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ تعالى. ﴿الْخَلْقَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ:﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول (انظروا)، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿فَانْظُرُوا..﴾. إلخ معطوفة على

стр. 4543

ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يُنْشِئُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿النَّشْأَةَ:﴾ مفعول مطلق، فهي مصدر محذوف الزوائد، والأصل الإنشاءة، أو هو على حذف العامل، أي: ينشئ فينشئون النشأة؛ وعلى هذا فهي مصدر للثلاثي، ولا حذف. ﴿الْآخِرَةَ:﴾ صفة لها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ يُنْشِئُ..﴾. إلخ، معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿كُلِّ:﴾ اسم مجرور، وهو مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ، تعليل لقدرة الله القاهرة، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)﴾ الشرح: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ:﴾ تعذيبه بعدله. ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ:﴾ رحمته بفضله، وكرمه، وجوده. ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ:﴾ ترجعون، وتردون إليه يوم القيامة، فيجازي كل واحد ما يستحق من الثواب، والعقاب. هذا؛ وقد قال سليمان الجمل: لما ذكر الله النشأة الآخرة؛ ذكر ما يكون فيها، وهو تعذيب أهل التكذيب عدلا، وحكمة، وإثابة أهل الإثابة فضلا، ورحمة. وقدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة؛ لأن السابق ذكر الكفار، فذكر العذاب أولا لسبق ذكر مستحقيه. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. الإعراب: ﴿يُعَذِّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعذب الذي، أو شخصا يشاء تعذيبه، والجملة الفعلية مستأنفة، واعتبارها حالا من لفظ الجلالة، لا بأس به، وجملة: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ:﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وتقديمهما يفيد الحصر. ﴿تُقْلَبُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ:﴾ ربكم عن إدراككم. بمعنى: لا تفوتونه؛ إن هربتم من حكمه، وقضائه. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ أي: إن فررتم من قضائه، وحكمه بالتواري في

стр. 4544

الأرض، أو الهبوط في مهاويها، والتحصين في السماء، أو القلاع، والجبال الذاهبة، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وقيل: المعنى: ولو كنتم في السماء لا تعجزون الله، ولا تهربون من قضائه، وحكمه، فهو كقوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾. وقيل: التقدير: ولا من في السماء. قال حسان بن ثابت-﵁-في هجاء أبي سفيان، وقريش: [الوافر] أمن يهجو رسول الله منكم... ويمدحه وينصره سواء؟! فإن المعنى: ومن يمدحه. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ من غيره، وسواه. ﴿مِنْ وَلِيٍّ:﴾ يتولى أموركم، ويمنعكم من عذابه. ﴿وَلا نَصِيرٍ:﴾ ينصركم من عذاب الله تعالى. هذا؛ والولي: هو الذي يتولى شئون غيره، والنصير: المعين، والمساعد. والفرق بينهما: أن الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا، وقال تعالى هنا: ﴿فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ واقتصر في سورة (الشورى) رقم [٣١] على ﴿الْأَرْضِ؛﴾ لأن ما هنا خطاب لقوم فيهم النمرود، الذي حاول الصعود إلى السماء. وقد حذفا معا للاختصار في الآية رقم [٥١] من سورة (الزمر). فائدة: والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات، المعرض عن الانهماك في اللذات، والشهوات. ووجهان: أحدهما: أنه فعيل بمعنى مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، فعلى هذا هو من يتولى الله رعايته، وحفظه، فلا يكله إلى غيره، ونفسه لحظة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. والوجه الثاني: أنه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم بمعنى: راحم، وعالم، فعلى هذا هو من يتولى عبادة الله تعالى، من غير أن يتخللها عصيان، أو فتور. وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض؛ فليس بولي، بل هو مغرور، مخادع. ذكره الإمام أبو القاسم القشيري وغيره من أئمة الطريقة رحمهم الله تعالى. انتهى. من شرح ألفاظ الزبد للشيخ أحمد بن حجازي الفشني، رحمه الله تعالى. هذا؛ وربنا يقول في الحديث القدسي: «من عادى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب». الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف، أو: واو الحال. وقيل: عاطفة. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس» ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿بِمُعْجِزِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (معجزين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا. وإن اعتبرت (ما) مهملة؛ فالضمير يكون مبتدأ، والباء زائدة في خبره، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وفاعل (معجزين) ضمير مستتر فيه، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: وما

стр. 4545

أنتم بمعجزين الله في حال وجودكم في الأرض، وهذا يعني: أن الجار، والمجرور: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر ب: (معجزين). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: زائدة لتوكيد النفي. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ل: «كان» المحذوفة، على تقدير: ولو كنتم في السماء. أو صفة: «من» على تقدير: من في السماء. أو هما معطوفان على قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ مراعاة للظاهر. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرٍ:﴾ معطوف على: ﴿وَلِيٍّ﴾ على لفظه، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بدلائل وحدانيته، وقدرته، أو المعنى: بكتاب الله؛ التي أنزلها على رسله، أو بالمعجزات؛ التي أجراها على أيدي رسله، ﴿وَلِقائِهِ:﴾ يوم القيامة بالبعث، والحشر، والنشر. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: المتصفون بما ذكر. ﴿يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي: قطعوا أملهم في دخول الجنة يوم القيامة. والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه. ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ يوم القيامة، وذلك بدخولهم النار لمخالفتهم أوامر الواحد القهار. وعن قتادة ﵁-قال: إن الله ذم قوما هانوا عليه، فقال: ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي،﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ،﴾ فينبغي للمؤمن أن لا ييأس من روح الله، ولا من رحمته، وأن لا يأمن عذابه، وعقابه، صفة المؤمن أن يكون راجيا لله خائفا. انتهى. كشاف. هذا؛ والفعل «يئس» مضارعه: ييأس بمعنى: يقنط من رحمة الله، ويقطع أمله فيها. قال تعالى حكاية عن قول يعقوب لأولاده: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾. هذا؛ ويأتي «ييأس» بمعنى: يعلم، وبه فسر قوله تعالى في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد): ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ﴾. قال الكلبي: هي لغة النخع. وقيل: لغة هوازن. ويؤيده ما روي: أن عليا، وابن عباس، وجماعة من الصحابة، والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين قرءوا: «(أفلم يتبين)» وهو تفسيره، وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأنه مسبب

стр. 4546

عن العلم بأن الميئوس منه لا يكون. وقال الليث، وأبو عبيدة: هو بمعنى: ألم يعلم، واستدلوا لهذه اللغة بقول سحيم بن وثيل اليربوعي: [الطويل] أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني: ... ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم؟ زهدم اسم فرس، وقال رباح بن عدي: [الطويل] ألم ييأس الأقوام أنّي أنا ابنه... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا؟ ﴿عَذابٌ:﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عطاء، وسلام، ونبات لأعطى وسلّم، وأنبت. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف، (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿بِآياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. (لقائه): معطوف على: (آيات الله) بالواو العاطفة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿يَئِسُوا:﴾ فعل، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنْ رَحْمَتِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أولئك): مبتدأ أول، والكاف حرف خطاب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أي: قوم إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-حين دعاهم إلى التوحيد، والإيمان. ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض، أو

стр. 4547

قاله واحد منهم، وكان الباقون راضين، فكانوا جميعا في حكم القائلين. ﴿اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ:﴾ ثم اتفقوا على تحريقه. ﴿فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ﴾ أي: فقذفوه في النار، فأنجاه الله منها بأن جعلها عليه بردا، وسلاما. انظر ما ذكرته في سورة (الأنبياء) الآية رقم [٦٨ و ٦٩]. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ:﴾ أي في إنجائه من النار العظيمة التي أوقدوها، ﴿لَآياتٍ﴾ أي: دلالات وعلامات على قدرة الله تعالى. هذا؛ وذكر الجلال الآيات بأنها ثلاث: عدم تأثيرها فيه مع عظمها، وإخمادها، وإنشاء روض في مكانها في زمن يسير. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ خصهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتفكرون، ويتأملون، وينتفعون. يروى: أنه لم ينتفع أحد في ذلك اليوم الذي ألقي فيه إبراهيم في النار بشيء منها، وذلك لذهاب حرها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿جَوابَ:﴾ خبر كان مقدم، وقرئ برفعه على أنه اسمها، و ﴿جَوابَ﴾ مضاف، و ﴿قَوْمِهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿كانَ﴾ والفعل ﴿قالُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر كان على رفع: (جواب)، وفي محل رفع اسمها مؤخرا على نصبه، وهو الأفصح؛ لأن فيه جعل الأعرف اسما. ﴿اُقْتُلُوهُ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿حَرِّقُوهُ:﴾ فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿فَما كانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما ذكر في الآية رقم [١٦]، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَأَنْجاهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له. (أنجاه): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَأَنْجاهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (ما كان...) إلخ لا محل لها مثلها، والأولى عطفها على جملة محذوفة، التقدير: فقذفوه، فأنجاه الله. ﴿كانَ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء، (آيات): اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آيات)، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي تعليل لمحذوف، أي: وخصوا بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون.

стр. 4548

﴿وَقالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ﴾ أي: إبراهيم، ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ﴾ أي: عبدتم، وجعلتم آلهة. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً:﴾ من سوى الله أصناما تقدسونها وتعظمونها بالعبادة، ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: اجتمعتم على عبادة تلك الأوثان، واتفقتم عليها؛ لتتوادوا بينكم، وتتواصلوا، وتتآلفوا لاجتماعكم على عبادتها، واتفاقكم عليها، كما يتفق على مذهب من المذاهب، فيكون سببا لتحابهم، وتآلفهم، وتعلقتم بها، وأحببتموها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾. [١٦٥] من سورة (البقرة). ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ:﴾ تتبرأ الأوثان من عابديها، وتجحد الآلهة عبادة المشركين لها، كما قال تعالى: ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ الآية رقم [٨٢] من سورة (مريم)، وكما حكى الله عنهم في سورة (القصص) رقم [٦٣]: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾. ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي: يقوم بينكم التلاعن، والتباغض، والتعادي، يتلاعن العبدة والأصنام، ويتلاعن العبدة، وهذا ما صرحت به سورة الأحزاب رقم [٦٨]: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾. ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ:﴾ مقركم، ومآلكم، ومصيركم النار، وبئس المآل، والمصير! ﴿وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ:﴾ ينصرونكم من النار، ويمنعونكم من عذاب الله تعالى. هذا؛ والخطاب لعبدة الأوثان، الرؤساء منهم، والأتباع. وقيل: تدخل فيه الأوثان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ سورة (الأنبياء) رقم [٩٨]. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف، (قال): فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى إبراهيم. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿اِتَّخَذْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَوْثاناً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْثاناً:﴾ مفعول به أول، أو مفعول واحد، على حد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ﴿مَوَدَّةَ:﴾ مفعول لأجله، و ﴿مَوَدَّةَ﴾ مضاف، و ﴿بَيْنِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وهذا الإعراب إنما هو على قراءة حفص، وقد قرئ: «(مودّة)» بالرفع أيضا، وفيه من الأوجه ما يلي:

стр. 4549

اعتبار (إن) عاملة، و (ما): اسم موصول بمعنى «الذي» مبني على السكون في محل نصب اسمها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: إن الذي اتخذتموه. وعليه ف: ﴿أَوْثاناً﴾ مفعول ثان، أو حال، و (مودّة) بالرفع خبر (إن)، وعلى الوجه الأول في الإعراب، تكون (مودّة) بالرفع خبرا لمبتدإ محذوف، أي هي مودة، أي ذات مودة، والجملة الاسمية هذه في محل نصب صفة: ﴿أَوْثاناً﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر (مودّة) على رفعه، ولا حذف على هذا الوجه، والخبر محذوف على نصب ﴿مَوَدَّةَ،﴾ التقدير: إن اتخاذكم أوثانا من دون الله لأجل المودة لا ينفعكم، أو: يكون عليكم. هذا؛ ويقرأ ﴿مَوَدَّةَ﴾ في حال رفعه بالتنوين، وعدمه، فعدم التنوين على الإضافة، وعلى رفعه يكون (بينكم) متعلقا بمحذوف صفة: (مودّة)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ قال أبو البقاء: فيه سبعة أوجه: الأول: أن يتعلقا ب ﴿اِتَّخَذْتُمْ﴾ إذا جعلت (ما) كافة ل (إن)، لا على الوجهين الآخرين؛ لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة بالخبر، والثاني: أن يتعلقا بنفس: ﴿مَوَدَّةَ؛﴾ إذا لم تجعل ﴿بَيْنِكُمْ﴾ صفة لها؛ لأن المصدر إذا وصف لا يعمل. والثالث: أن يتعلقا بنفس: ﴿بَيْنِكُمْ؛﴾ لأن معناه: اجتماعكم، أو وصلكم. والرابع: أن تجعلهما متعلقين بمحذوف: صفة ثانية ل: ﴿مَوَدَّةَ﴾ إذا نونتها، وجعلت ﴿بَيْنِكُمْ﴾ متعلقا بمحذوف صفة أولى. والخامس: أن تعلقهما ب: ﴿مَوَدَّةَ،﴾ وتجعل ﴿بَيْنِكُمْ﴾ ظرف مكان، فيعمل ﴿مَوَدَّةَ﴾ فيهما، والسادس: أن تعلقهما بمحذوف حال من الضمير في: ﴿بَيْنِكُمْ؛﴾ إذا جعلته وصفا ل ﴿مَوَدَّةَ﴾. والسابع: أن تعلقهما بمحذوف حال من ﴿بَيْنِكُمْ﴾ لتعرفه بالإضافة، وأجاز قوم منهم، أن يتعلقا ب: ﴿مَوَدَّةَ،﴾ وإن كان ﴿بَيْنِكُمْ﴾ متعلقا بمحذوف صفة لها؛ لأن الظروف يتوسع فيها، بخلاف المفعول به. انتهى. بتصرف. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ل: (حياة) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَكْفُرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ معطوفة عليها. ﴿وَمَأْواكُمُ:﴾ الواو: حرف عطف، أو واو الحال، (مأواكم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف المجرورة بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر

стр. 4550

مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ناصِرِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع محلا، مجرور لفظا، وإن اعتبرت (ما) نافية حجازية عاملة عمل «ليس»، فالإعراب لا يخفى، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أي: صدق إبراهيم برسالته لما رأى معجزاته، وذلك حين رأى النار عليه بردا وسلاما. والمراد: التصديق كما ذكرت، وأما في أصل التوحيد؛ فإنه كان مؤمنا، موحدا؛ لأن الأنبياء لا يتصور فيهم الكفر. ولوط هو ابن أخي إبراهيم، كما ذكرته لك فيما مضى. ﴿وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ أي: إلى حيث أمرني ربي. قال النخعي، وقتادة: هاجر إبراهيم من كوثا-وهي قرية من سواد العراق-. إلى حران، ثم إلى الشام، ومعه ابن أخيه لوط، بن هاران بن تارح، وامرأته سارة، وهي بنت عمه، وهو أول من هاجر من أرض الكفر. قال مقاتل: هاجر إبراهيم، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقيل: الذي قال ذلك إنما هو لوط، وليس بشيء يعتد به. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي القاهر الذي يمنعني من أعدائي. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ الذي لا يأمرني إلا بما فيه صلاحي، والذي لا يفعل إلا ما فيه الحكمة. الإعراب: ﴿فَآمَنَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (آمن): فعل ماض. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لُوطٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم) على المعتمد. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿مُهاجِرٌ:﴾ خبر (إن)، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنا». ﴿إِلى رَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُهاجِرٌ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي مُهاجِرٌ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ إِنِّي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه توكيد للضمير المنصوب على المحل. والثاني: أنه ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وعليهما ف: ﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر أول ل: (إن)، و ﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثان. والثالث: أن الضمير مبتدأ، و ﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر أول له، و ﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليلية، وهي في محل نصب مقول القول أيضا. هذا؛ وقال ابن هشام في المغني الفصل أرجحها، والابتداء أضعفها، ويختص بلغة تميم، والتوكيد سكت عنه.

стр. 4551

﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: منّ الله عليه بالأولاد حين أيس من الولادة من عجوز عاقر، وهي سارة، فرزقه إسحاق، وولد لإسحاق يعقوب في حياته، كما قال تعالى في سورة (هود) رقم [٧١]: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٧٢]: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ أي: غنيمة، فعد الله ولد الولد غنيمة فوق الولد. هذا؛ وفي الآية دليل واضح على أن الولد الصالح هبة، ومنحة من الله للوالدين، فلم يقل : أعطيناه، ورزقناه، وإنما قال: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ قال الشاعر الحكيم: [الكامل] نعم الإله على العباد كثيرة... وأجلّهنّ نجابة الأولاد ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ:﴾ فلم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم إلا من ذريته، ونسله، ووحد الكتاب؛ لأنه أراد الجنس ليتناول الكتاب الأربعة، أو أراد المصدر كالنبوة، فإنه تعم كل نبوة كانت في ذريته، والمراد: التوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن، فالتوراة أنزلت على موسى، والزبور أنزل على داود، والإنجيل أنزل على عيسى، والقرآن أنزل على محمد، وكلهم من ولد إبراهيم ﷺ وعليهم أجمعين، ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ أي: ثوابه على الهجرة من وطنه إلى غيره، وثباته على التقوى، والصلاح، وهذا الأجر كان بإعطائه الولد في غير أوانه، والذرية الطيبة، واستمرار النبوة فيهم، وانتماء أهل الملل إليه، فجميع أهل الأديان يتولونه، ويحبونه، ويقدسونه، ويثنون عليه، ويصلون عليه إلى آخر الدهر. ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: أي: مثل نوح، وإدريس، وآدم، وانظر ما ذكرته بشأن الصالحين في الآية رقم [١٠]، وانظر شرح (ذرية) في الآية رقم [٧٤] من سورة (الفرقان). الإعراب: ﴿وَوَهَبْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (وهبنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِسْحاقَ:﴾ مفعول به. ﴿وَيَعْقُوبَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿فِي ذُرِّيَّتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿النُّبُوَّةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْكِتابَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَآتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، والهاء مفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿أَجْرَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو

стр. 4552

هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَجْرَهُ﴾. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: وإنه صالح في الآخرة؛ لأن متعلق الصلة لا يتقدم على الموصول، وهذا على اعتبار «ال» في: ﴿الصّالِحِينَ﴾ موصولة. وقيل: الجار والمجرور للتبيين، فجاز تقديمهما، وقيل: الألف واللام للتعريف، وليستا بمعنى «الذين» وعليه فهما متعلقان ب: ﴿الصّالِحِينَ،﴾ ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (من الصالحين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (إن)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير العائد إلى (إبراهيم)، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨)﴾ الشرح: بعد أن هاجر لوط مع عمه إبراهيم من العراق إلى فلسطين، واستقر به المقام أرسله الله إلى أهل «سدوم» يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح، وهو إتيان الرجال في أدبارهم، وقد ذكرت قصة لوط بتمامها في عدة سور باختلاف يسير، وبعضها يكمل بعضا، وتلخص: أن قوم لوط كانوا من الشر بمكان، وأنهم كانوا يقطعون السبيل على المارة، وقد ذهب الحياء من وجوههم، فلا يستقبحون قبيحا، ولا يرغبون في حسن، كما قال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ وكانوا قد ابتدعوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد من خلق الله، وذلك: أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين شهوة من دون النساء، يستعلنون بذلك، ولا يستسرّون، ولا يرون في ذلك سوءا، أو قبحا، وإن لوطا ﵇ قد وعظهم، ونصحهم، ونهاهم، وخوفهم بأس الله تعالى، فلم يأبهوا، ولم يرتدعوا، فلما ألح عليهم بالعظات والإنذار؛ هددوه، وتوعدوه تارة بالرجم، وتارة بالإخراج من بينهم، إلى أن جاء لوطا الملائكة، الذين ذكرهم الله في سورة (هود)، وسورة (الحجر)، وهذه السورة، وغيرها، وقد جاءوا إلى لوط بهيئة غلمان مرد، حسان الوجوه، فجاء أهل القرية إلى بيت لوط طالبين ضيوفه الكرام؛ ليفعلوا فيهم الفاحشة، وقد جهد لوط في ردهم، وبالغ في ذلك؛ حتى طلب إليهم أن يأخذوا بناته بدل ضيوفه، فلم يصغوا إليه. حينئذ التفت لوط إلى ضيوفه الكرام، وقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: لجاهدتهم بكم، وأوقعت بهم ما يستحقون، وكان لا يعلم: أنهم ملائكة إلى ذلك الحين، وحينئذ أعلمه الملائكة بحقيقة أمرهم، وأنهم جاءوا للتنكيل بأولئك القوم الخبثاء، ولما حاول أهل القرية أخذ أولئك المردان بالقوة، وهجموا على بيت لوط، طمس الله أعينهم، فلم يبصروا، ولم يهتدوا إلى مكان يقتحمون منه عليه، وعلى من معه، قال تعالى في سورة (القمر): ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾.

стр. 4553

ثم أخرج الملائكة لوطا، وابنتيه وزوجه من القرية، وأمروهم أن لا يلتفت منهم أحد، وأن يحضروا حيث يؤمرون، فامتثلوا الأمر إلا امرأته، فقد التفتت إلى القرية لترى ما يحلّ بها، وكانت خبيثة هواها مع أهل القرية دون لوط، فحل بها من السخط، والعذاب ما حل بهم، وكانت كافرة غير مؤمنة، فأمطر الله عليهم حجارة من سجيل، وقلبت ديار القوم، قال تعالى في سورة (هود) رقم [٨٣]: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾. قال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: وأعتقد: أن البحر الميت-المعروف الآن ببحر لوط، أو بحيرة لوط-لم يكن موجودا قبل هذا الحادث، وإنما حدث من الزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من سطح البحر بنحو أربعمائة متر، وقد جاءت الأخبار في السنتين الماضيتين بأنهم اكتشفوا آثار مدن قوم لوط على حافة البحر الميت. انتهى. قصص الأنبياء للنجار بتصرف. يا سبحان الله! كيف زلّ النجار حيث عزا ما وقع في قرى قوم لوط إلى الزلزال؟! وإنما حصل ذلك بفعل جبريل ﵇؛ حيث وضع جناحه تحت القرى، ورفعها إلى السماء ثم جعل عاليها سافلها، ولا زلزال، ولا بحر، ولا بحيرة، وكان هذا العمل الجبار الذي كان من قدرة الواحد القهار، فاعتبروا يا أولي الأبصار!. هذا؛ ويقول ابن كثير-رحمه الله تعالى-في تفسيره: وجعل الله مكان تلك البلاد بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة؛ لفنائها، ولرداءتها ودناءتها، فصارت عبرة، ومثلة، وعظة، وآية على قدرة الله تعالى، وعظمته، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه، وعصى مولاه. انتهى. هذا، والمراد بالفاحشة المذكورة في هذه الآية: هي إتيان الذكور في أدبارهم، وقد ذمهم الله في هذه الآيات. وقال عنهم في سورة (الأعراف) حكاية عن قول لوط لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ؛﴾ لأن الله خلق الإنسان، وركب فيه الشهوة لبقاء النسل، وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥] من سورة (النمل) ففيها الكفاية لطالب الزيادة. ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ أي: لم يفعل هذه الفاحشة أحد قبلكم من الناس أجمعين، وانظر شرح ﴿الْعالَمِينَ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الشعراء). هذا؛ و ﴿أَحَدٍ﴾ أصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة، والمكسورة مثل قولهم: وجوه، وأجوه، ووسادة، وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد، والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال،

стр. 4554

فلا يستعمل «أحد» إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم: «ما في الدار أحد» هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه المفرد والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ،﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾. هذا؛ و «أحد» أكمل من «الواحد»: ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان، فأكثر، بخلاف قولك: لا يقوم له أحد. وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد، تقول: ليس في الدار أحد، فيجوز أن يكون فيها من الدواب، والطير، والوحش، والإنس، فيعم الناس، وغيرهم، بخلاف: ليس في الدار واحد، فإنه مخصوص بالآدميين. ويأتي «الأحد» في كلام العرب بمعنى الواحد، فيستعمل في النفي، والإثبات، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ أي: واحد، وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أي: واحدا منكم، وبغير معنى الواحد، فلا يستعمل إلا في النفي. تقول: ما جاءني من أحد، ومنه قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ،﴾ و «واحد» يستعمل فيهما مطلقا، و «أحد» يستعمل في المذكر، والمؤنث، نحو قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ بخلاف الواحد، فلا يقال: كواحد من النساء، بل: كواحدة. وأحد يصلح للإفراد، والجمع، ولهذا؛ وصف به في قوله تعالى: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ بخلاف الواحد، و «الأحد» له جمع من لفظه، وهو: الأحدون، والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه، فلا يقال: واحدون، بل: اثنان، وثلاثة. والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب بخلاف الواحد، فتلخص من ذلك سبعة فروق. انتهى. الإعراب: ﴿وَلُوطاً:﴾ الواو: حرف عطف، (لوطا): معطوف على (إبراهيم)، أو على الضمير المنصوب في (أنجيناه)، وقيل: معطوف على نوح في الآية رقم [١٤]، وقيل: هو على تقدير: اذكر لوطا. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل من (لوطا) بدل اشتمال. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (لوط). ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتَأْتُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تأتون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. هذا؛ وقرئ بهمزتين على الاستفهام الإنكاري، والواو فاعله. ﴿الْفاحِشَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿سَبَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره،

стр. 4555

منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿ما سَبَقَكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من: ﴿الْفاحِشَةَ﴾ نفسها، والرابط: الضمير فقط على الاعتبارين. وقد قيل: إنها مستأنفة. والأول أقوى، وجملة: اذكر لوطا، أو: أرسلنا لوطا، معطوفة على ما قبلها، ومتضمنة عطف قصة لوط على قصة إبراهيم، ونوح على نبينا، وعليهم جميعا ألف تحية، وسلام، وصلاة. هذا؛ وقد قال البيضاوي، والنسفي تبعا للزمخشري: جملة: ﴿ما سَبَقَكُمْ..﴾. إلخ جملة مستأنفة مقررة لقبح تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقيل له: لأن أحدا قبلهم لم يقدم عليها اشمئزازا منها في طباعهم، لإفراط قبحها؛ حتى أقدم عليها قوم لوط لخبث طينتهم، وقذر طباعهم. انتهى. كشاف بتصرف. ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ أي: في أدبارهم شهوة من دون النساء؛ حيث تقضون وطركم بالرّجال، ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ أي: الطريق، فقد كانوا يتعرضون للمارة في طرقهم بالقتل، وسلب مالهم، أو يتعرضون لهم بالفاحشة بالقهر، والقوة حتى ابتعد الناس عن المرور في طرقهم. وقيل: المراد به قطع سبيل النّسل بالإعراض عن مكان الحرث؛ أي: محل النسل، وإتيان ما ليس بمكان النسل. ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ:﴾ النادي: مجلس القوم ومتحدثهم، ولا يقال له: ناد إلا بوجود أهله فيه، ودار الندوة كان قرب الكعبة المعظمة، يجتمع فيه زعماء قريش للتشاور في أمورهم العامة، والخاصة. ﴿الْمُنْكَرَ:﴾ الفعل القبيح؛ الذي تأباه العقول السليمة، والأخلاق الكريمة، والفطرة المستقيمة. قيل: كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل واحد منهم قصعة فيها حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل؛ خذفوه، فأيهم أصابه؛ قال: أنا أولى به، فيأخذه، ويفعل به الفاحشة قهرا. وقيل: كان يأخذ ما معه، وينكحه. وهذان الفعلان سبب في قطع الطريق، كما رأيت، فهما مفهومان مما سبق. وقيل: كان يلوط بعضهم ببعض في مجلسهم. وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم، ويتهارشون تهارش الكلاب، ويبزق بعضهم على بعض. وقيل: كانت أخلاق قوم لوط مضغ العلك، وتطريف الأصابع بالحناء، وحل الإزار، والصفير، والحذف بالحصى، والرمي بالبندق، واللوطية، والفحش في المزاح، وفرقعة الأصابع، وغير ذلك من رذيل الفعال.
следующие страницы →