← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: منّ الله عليه بالأولاد حين أيس من الولادة من عجوز عاقر، وهي سارة، فرزقه إسحاق، وولد لإسحاق يعقوب في حياته، كما قال تعالى في سورة (هود) رقم [٧١]: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٧٢]: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ أي: غنيمة، فعد الله ولد الولد غنيمة فوق الولد. هذا؛ وفي الآية دليل واضح على أن الولد الصالح هبة، ومنحة من الله للوالدين، فلم يقل : أعطيناه، ورزقناه، وإنما قال: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ قال الشاعر الحكيم: [الكامل] نعم الإله على العباد كثيرة... وأجلّهنّ نجابة الأولاد ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ:﴾ فلم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم إلا من ذريته، ونسله، ووحد الكتاب؛ لأنه أراد الجنس ليتناول الكتاب الأربعة، أو أراد المصدر كالنبوة، فإنه تعم كل نبوة كانت في ذريته، والمراد: التوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن، فالتوراة أنزلت على موسى، والزبور أنزل على داود، والإنجيل أنزل على عيسى، والقرآن أنزل على محمد، وكلهم من ولد إبراهيم ﷺ وعليهم أجمعين، ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ أي: ثوابه على الهجرة من وطنه إلى غيره، وثباته على التقوى، والصلاح، وهذا الأجر كان بإعطائه الولد في غير أوانه، والذرية الطيبة، واستمرار النبوة فيهم، وانتماء أهل الملل إليه، فجميع أهل الأديان يتولونه، ويحبونه، ويقدسونه، ويثنون عليه، ويصلون عليه إلى آخر الدهر. ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: أي: مثل نوح، وإدريس، وآدم، وانظر ما ذكرته بشأن الصالحين في الآية رقم [١٠]، وانظر شرح (ذرية) في الآية رقم [٧٤] من سورة (الفرقان). الإعراب: ﴿وَوَهَبْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (وهبنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِسْحاقَ:﴾ مفعول به. ﴿وَيَعْقُوبَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿فِي ذُرِّيَّتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿النُّبُوَّةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْكِتابَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَآتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، والهاء مفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿أَجْرَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو

стр. 4552

هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَجْرَهُ﴾. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: وإنه صالح في الآخرة؛ لأن متعلق الصلة لا يتقدم على الموصول، وهذا على اعتبار «ال» في: ﴿الصّالِحِينَ﴾ موصولة. وقيل: الجار والمجرور للتبيين، فجاز تقديمهما، وقيل: الألف واللام للتعريف، وليستا بمعنى «الذين» وعليه فهما متعلقان ب: ﴿الصّالِحِينَ،﴾ ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (من الصالحين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (إن)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير العائد إلى (إبراهيم)، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨)﴾ الشرح: بعد أن هاجر لوط مع عمه إبراهيم من العراق إلى فلسطين، واستقر به المقام أرسله الله إلى أهل «سدوم» يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح، وهو إتيان الرجال في أدبارهم، وقد ذكرت قصة لوط بتمامها في عدة سور باختلاف يسير، وبعضها يكمل بعضا، وتلخص: أن قوم لوط كانوا من الشر بمكان، وأنهم كانوا يقطعون السبيل على المارة، وقد ذهب الحياء من وجوههم، فلا يستقبحون قبيحا، ولا يرغبون في حسن، كما قال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ وكانوا قد ابتدعوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد من خلق الله، وذلك: أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين شهوة من دون النساء، يستعلنون بذلك، ولا يستسرّون، ولا يرون في ذلك سوءا، أو قبحا، وإن لوطا ﵇ قد وعظهم، ونصحهم، ونهاهم، وخوفهم بأس الله تعالى، فلم يأبهوا، ولم يرتدعوا، فلما ألح عليهم بالعظات والإنذار؛ هددوه، وتوعدوه تارة بالرجم، وتارة بالإخراج من بينهم، إلى أن جاء لوطا الملائكة، الذين ذكرهم الله في سورة (هود)، وسورة (الحجر)، وهذه السورة، وغيرها، وقد جاءوا إلى لوط بهيئة غلمان مرد، حسان الوجوه، فجاء أهل القرية إلى بيت لوط طالبين ضيوفه الكرام؛ ليفعلوا فيهم الفاحشة، وقد جهد لوط في ردهم، وبالغ في ذلك؛ حتى طلب إليهم أن يأخذوا بناته بدل ضيوفه، فلم يصغوا إليه. حينئذ التفت لوط إلى ضيوفه الكرام، وقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: لجاهدتهم بكم، وأوقعت بهم ما يستحقون، وكان لا يعلم: أنهم ملائكة إلى ذلك الحين، وحينئذ أعلمه الملائكة بحقيقة أمرهم، وأنهم جاءوا للتنكيل بأولئك القوم الخبثاء، ولما حاول أهل القرية أخذ أولئك المردان بالقوة، وهجموا على بيت لوط، طمس الله أعينهم، فلم يبصروا، ولم يهتدوا إلى مكان يقتحمون منه عليه، وعلى من معه، قال تعالى في سورة (القمر): ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾.

стр. 4553

ثم أخرج الملائكة لوطا، وابنتيه وزوجه من القرية، وأمروهم أن لا يلتفت منهم أحد، وأن يحضروا حيث يؤمرون، فامتثلوا الأمر إلا امرأته، فقد التفتت إلى القرية لترى ما يحلّ بها، وكانت خبيثة هواها مع أهل القرية دون لوط، فحل بها من السخط، والعذاب ما حل بهم، وكانت كافرة غير مؤمنة، فأمطر الله عليهم حجارة من سجيل، وقلبت ديار القوم، قال تعالى في سورة (هود) رقم [٨٣]: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾. قال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: وأعتقد: أن البحر الميت-المعروف الآن ببحر لوط، أو بحيرة لوط-لم يكن موجودا قبل هذا الحادث، وإنما حدث من الزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من سطح البحر بنحو أربعمائة متر، وقد جاءت الأخبار في السنتين الماضيتين بأنهم اكتشفوا آثار مدن قوم لوط على حافة البحر الميت. انتهى. قصص الأنبياء للنجار بتصرف. يا سبحان الله! كيف زلّ النجار حيث عزا ما وقع في قرى قوم لوط إلى الزلزال؟! وإنما حصل ذلك بفعل جبريل ﵇؛ حيث وضع جناحه تحت القرى، ورفعها إلى السماء ثم جعل عاليها سافلها، ولا زلزال، ولا بحر، ولا بحيرة، وكان هذا العمل الجبار الذي كان من قدرة الواحد القهار، فاعتبروا يا أولي الأبصار!. هذا؛ ويقول ابن كثير-رحمه الله تعالى-في تفسيره: وجعل الله مكان تلك البلاد بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة؛ لفنائها، ولرداءتها ودناءتها، فصارت عبرة، ومثلة، وعظة، وآية على قدرة الله تعالى، وعظمته، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه، وعصى مولاه. انتهى. هذا، والمراد بالفاحشة المذكورة في هذه الآية: هي إتيان الذكور في أدبارهم، وقد ذمهم الله في هذه الآيات. وقال عنهم في سورة (الأعراف) حكاية عن قول لوط لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ؛﴾ لأن الله خلق الإنسان، وركب فيه الشهوة لبقاء النسل، وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥] من سورة (النمل) ففيها الكفاية لطالب الزيادة. ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ أي: لم يفعل هذه الفاحشة أحد قبلكم من الناس أجمعين، وانظر شرح ﴿الْعالَمِينَ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الشعراء). هذا؛ و ﴿أَحَدٍ﴾ أصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة، والمكسورة مثل قولهم: وجوه، وأجوه، ووسادة، وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد، والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال،

стр. 4554

فلا يستعمل «أحد» إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم: «ما في الدار أحد» هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه المفرد والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ،﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾. هذا؛ و «أحد» أكمل من «الواحد»: ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان، فأكثر، بخلاف قولك: لا يقوم له أحد. وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد، تقول: ليس في الدار أحد، فيجوز أن يكون فيها من الدواب، والطير، والوحش، والإنس، فيعم الناس، وغيرهم، بخلاف: ليس في الدار واحد، فإنه مخصوص بالآدميين. ويأتي «الأحد» في كلام العرب بمعنى الواحد، فيستعمل في النفي، والإثبات، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ أي: واحد، وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أي: واحدا منكم، وبغير معنى الواحد، فلا يستعمل إلا في النفي. تقول: ما جاءني من أحد، ومنه قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ،﴾ و «واحد» يستعمل فيهما مطلقا، و «أحد» يستعمل في المذكر، والمؤنث، نحو قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ بخلاف الواحد، فلا يقال: كواحد من النساء، بل: كواحدة. وأحد يصلح للإفراد، والجمع، ولهذا؛ وصف به في قوله تعالى: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ بخلاف الواحد، و «الأحد» له جمع من لفظه، وهو: الأحدون، والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه، فلا يقال: واحدون، بل: اثنان، وثلاثة. والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب بخلاف الواحد، فتلخص من ذلك سبعة فروق. انتهى. الإعراب: ﴿وَلُوطاً:﴾ الواو: حرف عطف، (لوطا): معطوف على (إبراهيم)، أو على الضمير المنصوب في (أنجيناه)، وقيل: معطوف على نوح في الآية رقم [١٤]، وقيل: هو على تقدير: اذكر لوطا. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل من (لوطا) بدل اشتمال. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (لوط). ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتَأْتُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تأتون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. هذا؛ وقرئ بهمزتين على الاستفهام الإنكاري، والواو فاعله. ﴿الْفاحِشَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿سَبَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره،

стр. 4555

منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿ما سَبَقَكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من: ﴿الْفاحِشَةَ﴾ نفسها، والرابط: الضمير فقط على الاعتبارين. وقد قيل: إنها مستأنفة. والأول أقوى، وجملة: اذكر لوطا، أو: أرسلنا لوطا، معطوفة على ما قبلها، ومتضمنة عطف قصة لوط على قصة إبراهيم، ونوح على نبينا، وعليهم جميعا ألف تحية، وسلام، وصلاة. هذا؛ وقد قال البيضاوي، والنسفي تبعا للزمخشري: جملة: ﴿ما سَبَقَكُمْ..﴾. إلخ جملة مستأنفة مقررة لقبح تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقيل له: لأن أحدا قبلهم لم يقدم عليها اشمئزازا منها في طباعهم، لإفراط قبحها؛ حتى أقدم عليها قوم لوط لخبث طينتهم، وقذر طباعهم. انتهى. كشاف بتصرف. ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ أي: في أدبارهم شهوة من دون النساء؛ حيث تقضون وطركم بالرّجال، ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ أي: الطريق، فقد كانوا يتعرضون للمارة في طرقهم بالقتل، وسلب مالهم، أو يتعرضون لهم بالفاحشة بالقهر، والقوة حتى ابتعد الناس عن المرور في طرقهم. وقيل: المراد به قطع سبيل النّسل بالإعراض عن مكان الحرث؛ أي: محل النسل، وإتيان ما ليس بمكان النسل. ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ:﴾ النادي: مجلس القوم ومتحدثهم، ولا يقال له: ناد إلا بوجود أهله فيه، ودار الندوة كان قرب الكعبة المعظمة، يجتمع فيه زعماء قريش للتشاور في أمورهم العامة، والخاصة. ﴿الْمُنْكَرَ:﴾ الفعل القبيح؛ الذي تأباه العقول السليمة، والأخلاق الكريمة، والفطرة المستقيمة. قيل: كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل واحد منهم قصعة فيها حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل؛ خذفوه، فأيهم أصابه؛ قال: أنا أولى به، فيأخذه، ويفعل به الفاحشة قهرا. وقيل: كان يأخذ ما معه، وينكحه. وهذان الفعلان سبب في قطع الطريق، كما رأيت، فهما مفهومان مما سبق. وقيل: كان يلوط بعضهم ببعض في مجلسهم. وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم، ويتهارشون تهارش الكلاب، ويبزق بعضهم على بعض. وقيل: كانت أخلاق قوم لوط مضغ العلك، وتطريف الأصابع بالحناء، وحل الإزار، والصفير، والحذف بالحصى، والرمي بالبندق، واللوطية، والفحش في المزاح، وفرقعة الأصابع، وغير ذلك من رذيل الفعال.

стр. 4556

وعن أم هانئ بنت أبي طالب-﵂: أنها قالت: سألت النبي ﷺ عن قول الله : ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: «كانوا يخذفون من يمرّ بهم، ويسخرون منه، فذلك المنكر الّذي كانوا يأتونه». أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، وذكره النحاس، والثعلبي، والمهدوي، والماوردي. وذكر الثعلبي: قال معاوية: قال النبي ﷺ : «إنّ قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كلّ رجل قصعة فيها الحصى للخذف، فإذا مرّ بهم عابر؛ قذفوه، فأيّهم أصابه كان أولى به». يعني: يذهب به للفاحشة. انتهى. قرطبي. ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أي: حين أنذرهم، وتوعدهم بالعذاب. ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ:﴾ الذي تعدنا به. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ فائتنا بما تعدنا به، وقولهم هذا إنما هو استهزاء، وقولهم في سورة (النمل) رقم [٥٦] غير هذا. تنبيه: كثير من أمة محمد يفعلون القبائح، والفواحش التي فعلها قوم لوط، والقبائح التي فعلها غيرهم، مثل: بخس الكيل والميزان، والظلم، والعدوان، والتكبر، والإفساد في الأرض، ومع ذلك لم يعاقبهم الله في الدنيا، وانظر ما أذكره في الآية رقم [٤٠] الآتية. الإعراب: ﴿أَإِنَّكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، فيكون تأكيدا لما في الآية السابقة على قراءتها بالاستفهام. (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتَأْتُونَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (تأتون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الرِّجالَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وفيها معنى التوكيد لجملة: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾. وجملة: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وأيضا ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ معطوفة عليها فهي في محل رفع مثلها، والجار والمجرور: ﴿فِي نادِيكُمُ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمُنْكَرَ﴾. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٦] من سورة (النمل) من الفرق بين بدء جوابهم بالفاء هنا، وفيها، وبين بدء جوابهم بالواو في الآية رقم [٨٢] من سورة (الأعراف). (ما): نافية. ﴿جَوابَ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ مقدم، وهو مضاف، و ﴿قَوْمِهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ قالُوا﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. هذا ويقرأ برفع (جواب) على أنّه اسم ﴿كانَ﴾ والمصدر المؤوّل في محل نصب خبرها، ولكن الأول أفصح؛ لأن فيه جعل الأعرف اسما. ﴿اِئْتِنا:﴾ فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: أنت، و (نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل

стр. 4557

قبلهما، و (عذاب) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لفاعله. ﴿كانَ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: فائتنا به، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول. ﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: لوط. ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أي: بإنزال العذاب. ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: بابتداع الفاحشة وسنها فيمن بعدهم، وصفهم بذلك مبالغة في استنزال العذاب، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ رقم [٨٨] من سورة (النحل). الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. والفاعل يعود إلى (لوط) تقديره: «هو». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، وانظر تفصيله في الآية رقم [١٦٩] من سورة (الشعراء) ففيها الكفاية. ﴿اُنْصُرْنِي:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿عَلَى الْقَوْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمُفْسِدِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة. ﴿إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى:﴾ هي البشارة بالولد، والنافلة لزوجته سارة، وهي قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٧١]. ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾. ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة المرسلون. ﴿إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ:﴾ وهي قرية «سدوم» وما حولها، وقد قيل فيها: أجور من قاضي سدوم. وهذه الآية تشعر بأن القرية قريبة من موضع إبراهيم على نبينا، وحبيبنا، وعليهم أجمعين ألف صلاة، وألف سلام. قالوا: إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم. ﴿إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ أي: إن الظلم قد استمر فيهم في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وظلمهم: هو كفرهم، وأنواع معاصيهم التي رأيتها فيما مضى. هذا؛ وانظر شرح

стр. 4558

﴿الْقَرْيَةِ﴾ في الآية رقم [٥٦] من سورة (النمل)، وانظر شرح: ﴿أَهْلِ﴾ في الآية رقم [١٦٩] من سورة (الشعراء). هذا؛ وقد قال المرحوم عبد الوهاب النجار: قرأت في كتاب من كتاب الأدب العبري وصفا لهم، وفي ذلك الكتاب من دلائل ظلمهم، واستغراقهم فيه: أن سارة زوج إبراهيم أرسلت لعازر كبير عبيد إبراهيم؛ ليأتيها بأخبار لوط، فلما دخل مدينة سدوم لقيه رجل من أهلها، فعمد إلى لعازر بحجر ضربه به في رأسه، فأسال منه دما كثيرا، ثم تعلق به قائلا: إن هذا الدم لو بقي لأضرّ بك، فأعطني أجري، ثم آل الأمر بينهما إلى الترافع إلى قاضي سدوم، فلما سمع للخصمين حكم على لعازر بأن يعطي للسدومي أجر ما ضربه بالحجر، وأسال دمه، فلما رأى لعازر الجور من القاضي والخصم في أمره، عمد إلى حجر ضرب به رأس القاضي، فأسال دمه، وقال له: الأجر الذي وجب لي عليك بإسالة دمك عليك أن تعطيه لضاربي السدومي جزاء ضربه إياي، وإسالة دمي. ولقد كنت أقرأ قول المعري: [الطويل] وأيّ امرئ في الناس ألفي قاضيا... ولم يمض أحكاما لحكم سدوم فلم أفهم ما يعزوه بهذا البيت، ولم أعرف ما سدوم حتى قرأت هذه القصة ففهمت معنى البيت. هذه الحكاية مع احتمال وضعها تفيدنا معرفة الفكر العام في أحوال هؤلاء الناس، وأنهم من الشر بحيث يصلحون أن تسند إليهم أمثالها. انتهى. بحروفه. الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿رُسُلُنا:﴾ فاعل. و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْبُشْرى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿جاءَتْ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مُهْلِكُوا:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿مُهْلِكُوا﴾ مضاف، و ﴿أَهْلِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و ﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و ﴿هذِهِ﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقَرْيَةِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول

стр. 4559

القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ وقدر الجمل ما يلي: فاستجاب الله دعاءه، فأرسل ملائكة لإهلاكهم، وأمرهم أن يبشروا إبراهيم بالذرية الطيبة، فجاءوا أولا إلى إبراهيم. فيقدر هذا كله قبل قوله: ﴿وَلَمّا جاءَتْ..﴾. إلخ ونقل من أبي السعود نحوه، وعليه ف: (لما) ومدخولها معطوف على هذا المقدر. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَهْلَها:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿ظالِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا ظالِمِينَ:﴾ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل لإهلاكهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿قالَ:﴾ أي: إبراهيم ﵇. ﴿إِنَّ فِيها لُوطاً﴾ أي: أتهلكون أهل القرية، وفيهم من هو بريء من الكفر، والمعصية، وهو لوط؟! وأراد بهذا الاعتراض، والجدال إظهار الشفقة عليه، وما يجب للمؤمن من التحزن لأخيه، والتشمر في نصرته، وحياطته، والخوف من أن يمسه أذى، أو يلحقه ضرر. ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها:﴾ يريدون نحن أعلم منك، وأخبر بحال لوط، وحال قومه، وامتيازه منهم الامتياز البين، وأنه لا يستحق ما يستحقون من العذاب، فخفض على نفسك، وهون عليك الخطب. ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ:﴾ مما يقع فيهم من العذاب الذي يستأهلونه. ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي: الباقين في العذاب، وانظر الآية رقم [٥٧] من سورة (النمل) ففيها الكفاية لمن أراد الزيادة. وانظر مراجعة إبراهيم للملائكة في سورة (هود) رقم [٧٤] وما بعدها. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى إبراهيم. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿لُوطاً:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث؛ فلذا صح فيه الإخبار عن الجمع. ﴿بِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ؛﴾ لأنه أفعل التفضيل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.

стр. 4560

(ننجينه): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أهله): معطوف على الضمير المنصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اِمْرَأَتَهُ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة أيضا. والكلام: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿اِمْرَأَتَهُ﴾. ﴿مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَتْ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال مقدر نشأ من استئنافها. كأنه قيل: فماذا كان حالها؟ فقيل: كانت من الغابرين. انتهى. جمل من سورة (الأعراف). هذا؛ وأرى جواز اعتبارها حالا من ﴿اِمْرَأَتَهُ﴾ وهي على تقدير «قد» قبلها، والرابط: الضمير فقط. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ:﴾ ساءه مجيئهم، واغتم بسببهم، مخافة أن يقصدهم قومه بسوء، و ﴿أَنْ﴾ صلة أكدت وجود فعلين متجاورين، مرتبا أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان، كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث خيفة عليهم من قومه أن يتناولوهم بالفجور. انتهى. نسفي بتصرف. هذا؛ وزيدت ﴿أَنْ﴾ بعد (لما) في الآية رقم [١٩] من سورة (القصص)، وفي الآية رقم [٩٦] من سورة (يوسف)، ولم تزد في الآية رقم [٧٧] من سورة (هود) لعدم السبب المذكور، وإنما ساءه مجيئهم؛ لأنهم كانوا في صورة غلمان مرد، حسان الوجوه، فظن: أنهم أناس، فخاف أن يقصدهم قومه، فيعجز عن مدافعتهم؛ لأن قوم لوط كانوا مولعين بالفاحشة، وهي إتيان الذكور في أدبارهم. هذا؛ والفعل: ﴿سِيءَ﴾ من: ساء، يسوء يكون لازما، ويكون متعديا، كما في قولك: ساءني فلان، وكما هنا، وهذا غير «ساء» المستعمل في الذم. ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ أي: ضاق بشأنهم، وتدبير أمرهم ذرعه؛ أي: طاقته، وقد جعلت العرب ضيق الذراع، والذرع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع بكذا؛ إذا كان مطيقا له، والأصل فيه: أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير، فضرب ذلك مثلا في العجز، والقدرة. انتهى. كشاف.

стр. 4561

هذا؛ ولما كان الذراع موضع قوة الإنسان، وقدرته، وشهرته، قيل في الأمر الذي لا طاقة للإنسان به: ضاق بالأمر ذراع فلان، وذرعه، وضاق بالأمر ذرعا، وذراعا: عجز عن احتماله. قال هدبة بن خشرم، رحمه الله تعالى، وهو الشاهد رقم [٥٦٣] من كتابنا: فتح القريب المجيب: [الطويل] إن العقل في أموالنا لا نضق بها... ذراعا وإن صبرا فنصبر للصّبر وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه، والاحتيال فيه، قال عمر بن أبي ربيعه المخزومي: [الخفيف] من رسولي إلى الثّريّا بأني... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب؟ وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل على أكثر من طوقه؛ ضاق عن ذلك، وضعف، ومد عنقه. فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع. هذا؛ والذراع من الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. وهي مؤنثة، وجمعها: أذرع لا غير، قاله سيبويه، وذرع الثوب: قاسه بذراعه، وذرعه القيء: غلبه. هذا؛ وضاق الأمر، وتضايق وتضيّق به، أو عليه: ضد اتسع. والضيق: ما ضاق عنه الصدر من حزن، أو هم. قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ وهو بفتح الضاد، وبكسرها ما يكون في الذي يتسع، ويضيق، مثل الدار، والثوب ونحوهما. ﴿وَقالُوا﴾ أي: الملائكة لما رأوا فيه أثر الضجر، والقلق والانزعاج من أجلهم. كيف لا؛ وقد قال لقومه، وهم يسمعون قوله متأسفا متحسرا: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ؛﴾ أي: لبطشت بكم. ﴿لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ:﴾ ولا تغتم لأجلنا، فإنهم لن يصلوا إلينا بسوء. ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ أي: إنا مهلكوهم، ومنجوك، وأهلك ولم يكن له أهل، ولا عشيرة فيهم سوى ابنتيه؛ لأنه لم يكن منهم في نسب، ولا قرابة، كما بينته لك في سورة (الأعراف) وغيرها، ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب مع قومها. وانظر سبب ذلك، وشرحه في الآية رقم [٥٧] من سورة (النمل). الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٣١]. ﴿أَنْ:﴾ حرف صلة كما رأيت في الشرح. ﴿جاءَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿رُسُلُنا:﴾ فاعله، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لُوطاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿جاءَتْ..﴾. إلخ: لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿سِيءَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى (لوط) وقيل: هو ضمير المصدر، وليس بشيء. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ جواب: (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها

стр. 4562

كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَضاقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ضاق): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (لوط). ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ذَرْعاً:﴾ تمييز جملة، وجملة: ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف، (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لا تَخَفْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿(لا تَحْزَنْ)﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: (قالوا...) إلخ معطوفة على جواب (لما)، لا محل لها أيضا. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مُنَجُّوكَ:﴾ خبر: (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَأَهْلَكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أهلك): معطوف على محل الكاف عند الأخفش. وعند سيبويه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وننجي أهلك، وهذه الجملة معطوفة على: ﴿مُنَجُّوكَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، وهي من مقول الرسل بلا ريب. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اِمْرَأَتَكَ:﴾ مستثنى ب: (إلا)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وإعراب: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ مثل سابقتها محلا، وإعرابا بلا فارق. والله ولي التوفيق. ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ..﴾. إلخ: يقرأ بتشديد الزاي، وتخفيفها، وتشديد الجيم، وتخفيفها بقوله تعالى: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ و ﴿مُنَجُّوكَ﴾ والمراد بالقرية: قرية سدوم التي كان يقطنها قوم لوط، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والرجز: العذاب، ومثله الرجس من قولهم: ارتجز، وارتجس: إذا اضطرب، لما يلحق المعذب من القلق، والاضطراب، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٣٤] في حق الفراعنة الطغاة: ﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ..﴾. إلخ. هذا؛ واختلف في ذلك الرجز الذي أنزل على قوم لوط، قيل: حجارة، وقيل: نار، وقيل: خسف، وعلى هذا يكون المراد: أن الأمر بالخسف، والقضاء به من السماء، ومعلوم: أن الخسف كان بجعل عاليها سافلها، ثم أمطر الله على من كان خارج القرية حجارة من سجيل منضود. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: إن إنزال الرجز عليهم كان بسبب فسقهم، وخروجهم عن طاعة ربهم، ومخالفة نبيهم.

стр. 4563

الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿مُنْزِلُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿عَلى أَهْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُنْزِلُونَ؛﴾ لأنه جمع اسم فاعل، لذا فيه ضمير مستتر هو فاعله، و: ﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و ﴿هذِهِ:﴾ مضاف إليه مبني على الكسر في محل جر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقَرْيَةِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿رِجْزاً:﴾ مفعول به ل: ﴿مُنْزِلُونَ﴾. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رِجْزاً﴾. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر، (ما): مصدرية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَفْسُقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بفسقهم، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿مُنْزِلُونَ﴾. هذا؛ واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة ضعيف معنى، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ..﴾. إلخ تعليل آخر للنهي المذكور في الآية السابقة. ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً:﴾ قال ابن عباس-﵄: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة، وقيل: هي الحجارة التي أهلكوا بها، أبقاها الله حتى أدركتها أوائل هذه الأمة. وقيل: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض، والضمير يعود إلى قرى قوم لوط، والآية: الدلالة، والعبرة. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:﴾ يفهمون، فيستعملون عقولهم في الاستبصار، والاعتبار. هذا؛ والعقل: نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس الظاهرة، وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه؛ أي: يمنع صاحبه من فعل الرذائل، والقبائح؛ لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، فقد ورد: أن رجلا معتوها مر على مجلس النبي ﷺ ، فقال الصحابة الكرام-رضوان الله عليهم-: (هذا رجل مجنون) فقال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «هذا مصاب، إنّما المجنون من أصرّ على معصية الله تعالى». هذا؛ والعقل أيضا: الدية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية تعقل بباب ولي القتيل. والعقال بكسر العين: الحبل الذي تشد به ركبة الجمل عند بروكه؛ ليمنعه من القيام، والمشي، والعقال أيضا: صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات، في عهد بني أمية: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو سعى عمرو عقالين؟! لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين

стр. 4564

الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [١٤] ففيها الكفاية. ﴿تَرَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به. ﴿بَيِّنَةً:﴾ صفة: ﴿آيَةً﴾. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو ب: ﴿آيَةً،﴾ أو ب: ﴿بَيِّنَةً،﴾ وهو أظهر، قاله الجمل. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة: (قوم)، وجملة: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاُرْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مدين. هذا؛ ومدين اسم رجل، وهو مدين بن إبراهيم الخليل، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. فعلى هذا يكون المعنى: وأرسلنا إلى ولد مدين. ومدين: اسم للقبيلة، كما يقال: بنو تميم، وبنو أمية، ونحو ذلك، وقيل: مدين: اسم للماء الذي كانوا عليه. وقيل: هو اسم للمدينة، وعلى هذين القولين يكون المعنى: وأرسلنا إلى أهل مدين. والصحيح هو الأول؛ لقوله تعالى: ﴿أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ يعني في النسب لا في الدين، وشعيب هو ابن ميكيل، بن يشجر، بن مدين، بن إبراهيم، وأم ميكيل هي بنت لوط، وكان يقال لشعيب ﵇: خطيب الأنبياء؛ لحسن مراجعته قومه، وكانوا أهل كفر، وبخس في المكيال، والميزان. هذا؛ وكان أهل مدين قوما عربا يسكنون في بلاد الحجاز، مما يلي جهة الشام قريبا من خليج العقبة من الجهات الشمالية منه، ويقول الطبري: إن بين مصر وأرض مدين ثمان ليال، ويظهر: أنها في الأرض المسماة الآن معان، وهي جنوب فلسطين. وهذا يخالف ما ذكرته سابقا. هذا؛ واذكر أن شعيبا أضيف إلى قومه حيث قال تعالى: ﴿أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ بخلافه في قصة نوح، وإبراهيم، ولوط حيث ذكر قوم مؤخرا عنهم، معرفا بالإضافة إلى ضمير كل واحد منهم؛ لأن الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم، ثم يذكر رسولهم؛ لأن الله لا يبعث رسولا إلى غير معين، غير أن قوم نوح، وإبراهيم، ولوط، لم يكن لهم اسم خاص، ولا نسبة مخصوصة، يعرفون بها، فعرفوا بالإضافة إلى نبيهم، فقيل: قوم نوح، وقوم لوط، وقوم إبراهيم، وأما قوم شعيب، وهود، وصالح، فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس، فجرى الكلام على أصله. انتهى. جمل بتصرف. وينبغي أن تعلم: أن الله أرسل شعيبا إلى أهل مدين أولا، كما ذكر في سورة (الأعراف) وسورة (هود) فدعاهم إلى التوحيد، وإلى إيفاء الكيل، والميزان،

стр. 4565

فعصوا، وعاندوا، فأهلكهم الله بالرجفة، ثم بعثه إلى أهل الأيكة، كما رأيت في سورة (الشعراء) فعصوا، وعتوا أيضا، فأهلكهم الله بالظلة. ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ:﴾ وحدوه. لم يذكر الله عن لوط: أنه أمر قومه بالعبادة، والتوحيد، وذكر عن غيره ذلك؛ لأن لوطا كان في زمن إبراهيم على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وإبراهيم سبق لوطا بذلك؛ حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق، وإنما ذكر عنه ما اختص به من النهي عن الفاحشة، وأما غيره؛ فجاءوا في زمن غير مشتهر بالتوحيد، فأمروا به. انتهى. جمل نقلا عن الرازي. ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي: افعلوا ما ترجون به ثوابه، فأقيم المسبب مقام السبب. أو المعنى: اخشوا اليوم، وخافوه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر شرح (يوم) في الآية رقم [١٣٥] من سورة (الشعراء) ووصفه بالآخر؛ لأنه آخر يوم من أيام الدنيا، وهو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء، وهو لا ريب فيه، وانظر شرح: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في الآية رقم [١٨٣] من سورة (الشعراء). الإعراب: ﴿وَإِلى:﴾ الواو: حرف عطف، ﴿(إِلى مَدْيَنَ)﴾: جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: وأرسلنا إلى مدين، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَخاهُمْ:﴾ مفعول به للفعل المحذوف منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿شُعَيْباً:﴾ بدل من ﴿أَخاهُمْ﴾ بدل كل من كل، أو عطف بيان عليه. والواو عطفت قصة شعيب على قصة نوح، وإبراهيم. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (شعيب) تقديره: هو. ﴿يا قَوْمِ:﴾ منادى، انظر تفصيل إعرابه في الآية رقم [٤٦] من سورة (النمل). ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية والندائية قبلها كلتاهما في محل نصب مقول القول. (ارجو): فعل أمر... إلخ، ﴿الْيَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الْآخِرَ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَعْثَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُفْسِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، وهي مؤكدة للفعل؛ لأنها من معناه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَلا تَعْثَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة المقدرة بعد الواو لا محل لها مثلها.

стр. 4566

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: كذب قوم شعيب شعيبا فيما قاله، فلم يؤمنوا به، ولم يصدقوه فيما يقوله. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:﴾ وفي سورة (الحجر): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ،﴾ وفي سورة (هود): ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾. فقد قال الفراء، والزجاج: الرجفة: الزلزلة الشديدة العظيمة. وقال مجاهد، والسدي: هي الصيحة، فيحتمل: أنهم أخذتهم الزلزلة من تحتهم، والصيحة من فوقهم حتى هلكوا، فيكون قد اجتمع على إهلاكهم سببان. وقيل: إن جبريل الأمين-﵇-صاح فيهم، فتزلزلت الأرض من صيحته، فرجفت قلوبهم. والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب. انتهى. جمل نقلا من زاده. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: أصبحوا في أرضهم، وبلدهم ميتين على وجوههم خامدين. هذا؛ والجثوم للناس، والطير بمنزلة البروك للبعير. وانظر شرح ﴿الدّارِ﴾ في الآية رقم [٣٧] من سورة (القصص). الإعراب: ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (كذبوه): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف أيضا. (أخذتهم): فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿الرَّجْفَةُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَأَصْبَحُوا:﴾ الفاء: حرف عطف، وقد أفادت في المواضع الثلاثة الترتيب، والتعقيب. (أصبحوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِي دارِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿جاثِمِينَ:﴾ خبر (أصبح) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وأجيز اعتبار أصبحوا تاما، فتكون الواو فاعله، و ﴿جاثِمِينَ﴾ حالا، والأول أقوى، وجملة: ﴿فَأَصْبَحُوا..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿وَعاداً:﴾ عاد: اسم للحي؛ ولذلك صرف، ومنهم من جعله اسما للقبيلة، ولذلك منعه، و (عاد) في الأصل اسم الأب الكبير، وهو: عاد بن عوص، بن إرم، بن سام، بن نوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. فسميت به القبيلة، أو الحي، وقبيلة عاد كانت تسكن الأحقاف من أرض اليمن. أما ثمود؛ فهي قبيلة أخرى من العرب كعاد، سموا باسم أبيهم

стр. 4567

الأكبر: ثمود، بن غابر، بن سام، بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر. وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز، والشام إلى وادي القرى وما حوله. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد: الماء القليل. والأول هو المعتمد، ونبي قوم عاد هو هود، ونبي قوم ثمود هو صالح. على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وقد مضى القول على هذين الرسولين وقومهما مفصلا في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) وغيرهما. ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ﴾ أي: تبين لكم بعض مساكنهم، أو تبين لكم إهلاكهم من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها، وكان أهل مكة يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام، واليمن لأجل التجارة، فيبصرون ديار أولئك الأقوام الهالكين. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ:﴾ انظر الآية رقم [٤] و [٢٤] من سورة (النمل) ففيها الكفاية. ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: فكانوا متمكنين من النظر، والاستبصار، ولكنهم لم يفعلوا، وكانوا معجبين بدينهم، وضلالتهم، يحسبون أنهم على هدى؛ وهم على باطل، وضلالة. أو المعنى: كانوا متبينين: أن العذاب لاحق بهم بإخبار الرسل لهم، ولكنهم لجوا في العصيان حتى هلكوا، فلم تغن عنهم عقولهم شيئا؛ لأنهم لم ينتفعوا بها؛ حيث لم تهدهم إلى مرضاة الله تعالى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَعاداً:﴾ الواو: حرف عطف، (عادا): قال الكسائي-رحمه الله تعالى-: قال بعضهم: هو راجع إلى أول السورة؛ أي: ولقد فتنا الذين من قبلهم، وفتنا عادا، وثمود. قال: وأحب إليّ أن يكون معطوفا على: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛﴾ أي: وأخذت عادا، وثمود. وزعم الزجاج: أن التقدير: وأهلكنا عادا، وثمود. وقيل: المعنى: واذكر عادا إذ أرسلنا إليهم هودا، فكذبوه، فأهلكناهم. انتهى. قرطبي. أقول: وقول الزجاج أولى بالاعتبار، وهو أولى لعطف جملة على جملة قريبة في المعنى. ﴿وَثَمُودَ:﴾ معطوف على: (عادا). ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل محذوف، تقديره: ذلك؛ يعني ما وصفه الله من إهلاكهم. وقيل: التقدير: تبين لكم بعض مساكنهم، أو تبين لكم إهلاكهم من جهة مساكنهم، والأول أولى بالاعتبار. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ مَساكِنِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية؛ أي: من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿(عاداً وَثَمُودَ)﴾. ﴿وَزَيَّنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (زين): فعل ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والرابط في الأولى:

стр. 4568

الواو، والضمير. ﴿فَصَدَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (صدهم): فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿عَنِ السَّبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وأيضا جملة ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، و «قد» مقدرة قبل كل جملة من هذه الجمل المتعاطفة؛ لأنها كلها في محل نصب حال. ﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩)﴾ الشرح: (قارون): هو من بني إسرائيل، وقد رأيت قصته في آخر سورة (القصص) وقدم بالذكر على فرعون، وهامان لشرف نسبه بقرابته من موسى لكونه ابن عمه. (فرعون): ما أكثر ذكره في القرآن لشدة عتوه، وكثرة طغيانه. و (هامان): هو وزيره والمساعد له على عتوه، وطغيانه، وخروجه عن طاعة ربه. ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الواضحات، والحجج الدامغات. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تعالوا على الناس، وخرجوا عن طاعة الله بأرض مصر؛ حيث كان فرعون، وهامان. وأما قارون؛ فقد كان، وأهلكه الله بأرض فلسطين. ﴿وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ أي: فائتين من عذابنا، بل أدركهم العذاب، فلم يفوتوه. وانظر الآية رقم [٤] فبحثها جيد. وقيل: المعنى: وما كانوا سابقين في الكفر، والطغيان، والعصيان، بل قد سبقهم في ذلك قرون كثيرة، وأمم عديدة، مثل قوم نوح، وقوم هود، وصالح، وقوم لوط... إلخ، فأخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق. الإعراب: ﴿وَقارُونَ:﴾ معطوف على: (عادا وثمود) وما بعده معطوف عليه. ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [١٤] فالإعراب فيها كاف واف، ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿مُوسى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ جار ومجرور، متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مُوسى﴾ أي: مصحوبا بالبينات، أو ملتبسا بها، وجملة: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه، كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (استكبروا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم، لا محل لها أيضا. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿سابِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من اعتبارها معطوفة على ما قبلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 4569

﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ أي: فكل واحد من المذكورين عاقبناه بسبب ذنبه. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً﴾ أي: ريحا عاصفا، فيها حصباء، أو ملكا رماهم بها، كالذي حصل لقوم لوط، قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ:﴾ كقوم شعيب، وقوم صالح، قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾. وانظر تفسير الرجفة في الآية رقم [٣٧]. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ:﴾ والمراد به: قارون، قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ﴾. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا﴾ أي: بالماء، كالذي حصل لقوم نوح، وقوم فرعون. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: ليعاملهم معاملة الظالم، فيعاقبهم بغير جرم؛ إذ ليس ذلك من عادته، بل أنذرهم رسولهم عقاب الله، وأمهلهم الله؛ حيث بعث إليهم الرسل، وأزاح العذر. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ:﴾ حيث ارتكبوا الجرائم التي سببت لهم الهلاك والدمار. هذا؛ وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الشعراء)، وشرح الذنب في الآية رقم [٥٨] من سورة (الفرقان). تنبيه: مما لا ريب فيه أن أمة محمد ﷺ ، قد فعل أفرادها جميع الفواحش، والقبائح التي فعلتها الأمم الماضية، والقرون الخالية من تطفيف، وبخس للكيل والميزان، والزنى وعمل قوم لوط، وسفك الدماء، والظلم، والعدوان، والفساد في الأرض، وتجاوز حدود الله: من سلب للأموال، وانتهاك للحرمات، واعتداء على الكرامات، ومع ذلك لم يقع عذاب على هذه الأمة، وهي باقية بقاء الدهر، ولعل السبب في ذلك: أن الأمة لا تخلو في كل زمان، ومكان من صالحين، وصالحات، فيدفع الله بهم البلاء عن المسيئين، والمسيئات، أو أن الله لم يعاجل هذه الأمة بالأخذ الشديد، والعقاب الأليم، بل يؤخر ذلك إلى يوم القيامة، أو أن السبب كون النبي ﷺ رحمة للعالمين، فلذا لم يعاقب أحدا عقاب استئصال؛ حتى الكافرين لم يعاقبهم ذلك العقاب، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ولكن لا بد من القول: إن الله سينزل على هذه الأمة في آخر الزمان أنواع العذاب؛ التي أنزلها على الأمم الماضية، والقرون الخالية، وخذ ما يلي: فعن أبي أمامة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «يبيت قوم من هذه الأمّة على طعم، وشرب، ولهو، ولعب، فيصبحوا قد مسخوا قردة، وخنازير، وليصيبنّهم خسف، وقذف، حتّى

стр. 4570

يصبح النّاس، فيقولون: خسف اللّيلة ببني فلان، وخسف اللّيلة بدار فلان خواصّ، ولترسلنّ عليهم حجارة من السّماء، كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها، وعلى دور، ولترسلنّ عليهم الريح العقيم؛ التي أهلكت عادا على قبائل فيها، وعلى دور بشربهم الخمر ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وأكلهم الرّبا، وقطيعتهم الرّحم». رواه الإمام أحمد، والبيهقي. وعن علي بن أبي طالب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فعلت أمّتي خمس عشرة خصلة؛ حلّ بها البلاء». قيل: ما هنّ يا رسول الله؟! قال: «إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعقّ أمّه، وبرّ صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرّجل مخافة شرّه، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتّخذت القينات، والمعازف، ولعن آخر هذه الأمّة أوّلها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، أو خسفا، أو مسخا». رواه الترمذي. الإعراب: ﴿فَكُلاًّ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة. (كلاّ): مفعول به مقدم. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِذَنْبِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا هو الإعراب المتعارف عليه، والظاهر في مثل هذه الجملة، وأرى: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و ﴿مَنْ﴾ خبره. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠]. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حاصِباً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية ﴿أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً:﴾ صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (على)، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوف عليها، كما هو الظاهر. ﴿أَخَذَتْهُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وهو العائد، أو الرابط ل: ﴿مَنْ﴾. ﴿الصَّيْحَةُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها. ﴿خَسَفْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِذَنْبِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ:﴾ صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿أَغْرَقْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: منهم الذي، أو شخص أغرقناه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لِيَظْلِمَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ تقديره: «هو» والهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. و «أن»

стр. 4571

المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ التقدير: وما كان الله مريدا ظلمهم. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا ب: (من) فلست مفندا. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾. والجملة الفعلية: ﴿وَلكِنْ كانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ الشرح: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ﴾ يعني: الأصنام التي اتخذوها معتمدا، ومتكلا، يرجون نصرها، ونفعها. فالغرض تشبيه ما اتخذوه متكلا، ومعتمدا في دينهم، وتولّوه من دون الله بما هو مثل عند الناس في الوهن والضعف، وهو نسج العنكبوت. ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً:﴾ لنفسها تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف، والوهن، لا يدفع عنها حرا، ولا بردا، فكذلك الأوثان، لا تملك لعابدها نفعا، ولا ضرا. وقيل: معنى هذا المثل: أن المشرك الذي يعبد الأصنام بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل العنكبوت تتخذ بيتا من نسجها بالإضافة إلى رجل بنى بيتا بآجرّ وجصّ، أو نحته من صخر فكما: أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت، فكذلك أضعف الأديان إذا استقريتها دينا دينا عبادة الأوثان؛ لأنها لا تضر ولا تنفع. ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ:﴾ أي أضعفها. ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ:﴾ إشارة إلى ضعفه، فإن الريح إذا هبت عليه، أو لمسه لامس، فلا يبقى له عين، ولا أثر، فقد صح، وثبت: أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، وقد تبين وثبت أن دين الكفرة أوهن الأديان، وأحقرها. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا يرجعون إلى علم؛ لعلموا: أن هذا مثل دينهم، فعند ذلك يقلعون عن دينهم الوضيع المهين، ويعتنقون الدين القويم، الذي جاء به سيد المرسلين محمد ﷺ . هذا؛ وقد قال النحاة: إن تاء العنكبوت في آخرها مزيدة؛ لأنها تسقط في التصغير، والجمع، وهي مؤنثة. وحكى الفراء تذكيرها، وأنشد قول الشاعر: [الوافر] على هطّالهم منهم بيوت... كأنّ العنكبوت قد ابتناها ويروى: على أهطالهم منهم بيوت.

стр. 4572

قال الجوهري: والهطال: اسم جبل، والعنكبوت: الدويبة المعروفة التي تنسج نسجا رقيقا مهلهلا بين الهواء، ويجمع على: عناكيب، وعناكب، وعكاب، وعكب، وأعكب. وقد حكى: أنه يقال: عنكب، وعكنباة. قال الشاعر: [الرجز] كأنّما يسقط من لغامها... بيت عكنباة على زمامها ويقال أيضا: «عنكباة» بتقديم النون على الكاف، وتصغّر، فيقال: عنيكب. وقد حكي عن يزيد بن ميسرة: أن العنكبوت شيطان مسخها الله تعالى (ولا أصل له). وقال عطاء الخراساني: نسجت العنكبوت مرتين: مرة على داود ﵇، حين كان جالوت يطلبه-الأصح: (طالوت) -، ومرة على النبي ﷺ (ليلة الهجرة، ويومها حين كان في غار ثور)؛ ولذلك نهى النبي عن قتلها. ويروى عن علي-﵁، وكرم الله وجهه-: أنه قال: طهّروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإنّ تركه في البيوت يورث الفقر. انتهى. قرطبي. ما عدا ما بين القوسين، فإنه تصرف مني. وأضيف: أن العنكبوت يقع على الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، والغالب في استعماله التأنيث. تنبيه: روي عن الحسن البصري، وقتادة-﵄: أنهما قالا: لما ذكر الله الذباب، والعنكبوت في كتابه؛ أي: في هذه الآية وقوله تعالى في سورة (الحج): ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. وضرب للمشركين بذلك المثل ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله! تعالى قوله في سورة (البقرة): ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها..﴾. إلخ الآية رقم [٢٦]. وانظر الآية رقم [١٣] من سورة (فاطر)، وانظر (الحج) رقم [٧٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَوْلِياءَ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها صار حالا». و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ: صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. و (مثل) مضاف، و ﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ مضاف إليه. ﴿اِتَّخَذَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿الْعَنْكَبُوتِ،﴾ تقديره: «هي». ﴿بَيْتاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ على اعتبار (ال) للتعريف، وقد حازت شرط مجيء الحال من المضاف إليه، أو الجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ على اعتبار (ال) فيه

стр. 4573

للجنس، على حد قوله تعالى في حق علماء اليهود اللؤماء: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾. وقال السلولي: [الكامل] ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَوْهَنَ:﴾ اسم (إنّ) وهو مضاف، و ﴿الْبُيُوتِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَبَيْتُ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى: (المزحلقة). (بيت): خبر (إنّ)، و (بيت) مضاف، و ﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الْعَنْكَبُوتِ،﴾ والرابط: إعادة ﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ بلفظه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يَعْلَمُونَ:﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير: لو كانوا يعلمون ذلك؛ لما عبدوها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام فيه معنى التقوية للجملة الاسمية قبله. والجملة الاسمية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: الله يعلم ما يعبدون من غيره من إنس، أو جن، أو جماد، أو نبات، أو شمس، أو قمر... إلخ، وقال الخازن: هذا توكيد للمثل، وزيادة عليه، يعني: إن الذين يدعون من دونه ليس بشيء. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي القاهر؛ الذي لا يغلب. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في صنعه، فهو الذي خلق كل شيء على مقتضى الحكمة. هذا؛ وإن من فرط الغباوة إشراك ما لا يعد شيئا بمن هذا شأنه وهو القدرة على كل شيء، وإن الجماد الذي يعبده المشركون بالإضافة إلى القاهر على كل شيء، البالغ في العلم وإتقان العمل الغاية القصوى، كالمعدوم، وإن من هذا صفته قادر على مجازاتهم إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، وانظر شرح (دعا) في الآية رقم [٢١٣] من سورة (الشعراء)، وشرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [١٨٣] منها. هذا؛ و ﴿اللهَ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد: وهو اسم الله الأعظم؛ الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه. قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل أحد تسمى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا.

стр. 4574

الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي يدعونه. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف العائد على الموصول، و ﴿مِنْ﴾ تبيين ل: ﴿ما﴾ وهذا الإعراب هو الظاهر، والمتبادر إلى الأفهام. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿ما﴾ استفهامية على جهة التوبيخ، وهي معلقة للفعل عن العمل، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعدها، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾. وقول الجمل: (فتكون هي وما عمل فيها معترضا بين قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ وبين قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ كأنه قيل: أي شيء يدعون من دونه؟ ولا أراه قويا، كما أجيز اعتبار: ﴿ما﴾ نافية، فتكون معلقة للفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ عن العمل أيضا، وتكون: ﴿مِنْ﴾ صلة، و ﴿شَيْءٍ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾. كما أجيز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية، فتؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم دعوتهم شيئا من دونه. فينتج أربعة أوجه في: ﴿ما﴾ ويكون فحوى الكلام على الوجه الأول، والرابع تجهيلا لهم، وتوكيدا للمثل. وعلى الوجه الثاني، والثالث وعيدا لهم. وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ، في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ إذ التقدير: قل يا محمد لهؤلاء الكفرة: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ..﴾. إلخ وهذا الكلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ خبر أول. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل يعلم المستتر؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ:﴾ يعني هذا المثل الذي ضربه الله للأوثان بالعنكبوت، ونظائره مما ذكر في سورة (البقرة) وسورة (الحج) وغيرهما. ﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ:﴾ نبينها لكفار مكة، وغيرهم. ﴿وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ أي: ما يفهم الأمثال التي يضربها الله للناس إلا العلماء الذين يعقلون عن الله . فقد روي البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله-﵄: أن النبي ﷺ تلا هذه الآية، ثم قال: «العالم من عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه».

стр. 4575

فعن النبي ﷺ : أنه قال: «الناس كلهم هالكون إلا العالمون، والعالمون كلّهم هالكون إلا العاملون، والعاملون كلّهم هالكون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم». وفي رواية «الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلاّ العاملون، والعاملون هلكى إلاّ المخلصون». وينبغي أن تعلم أن «إلا» في هذا الحديث بمعنى «غير» إذ المعنى: الناس غير العالمين هلكى، والعالمون غير العاملين هلكى، والعاملون غير المخلصين هلكى، ولو أراد الاستثناء لنصب ما بعد «إلاّ»؛ لأنه في كلام تام موجب. الإعراب: ﴿وَتِلْكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْأَمْثالُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿نَضْرِبُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿لِلنّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿الْأَمْثالُ﴾ خبر المبتدأ؛ فالجملة الفعلية تكون في محل نصب حال من ﴿الْأَمْثالُ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، والجملة الاسمية: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (ما): نافية. ﴿يَعْقِلُها:﴾ فعل مضارع، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿الْعالِمُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَعْقِلُها..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، أو: هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، والقسط، محقا غير قاصد به باطلا، فإن المقصود من خلقهما إفاضة الخير على العباد، والدلالة على ذاته، وصفاته. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ أي: لعلامة، ودلالة على قدرته التامة، وحكمته البالغة. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ خصهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتفكرون، فينتفعون. الإعراب: ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من لفظ الجلالة، والجملة الفعلية: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام

стр. 4576

للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (آية): اسم: ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آية)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ﴾ أي: تقربا إلى الله تعالى بقراءته، وتذكرا لما في تضاعيفه من المعاني، وتذكيرا للناس، وحملا لهم على العمل بما فيه من الأحكام، ومحاسن الآداب، ومكارم الأخلاق. ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ويعم أمته إلى يوم القيامة بدليل التعليل بالجملة الاسمية التالية، وإقامة الصلاة: أداؤها في وقتها بقراءتها، وركوعها، وسجودها، وقعودها وتشهدها، وجميع شروطها على الوجه الأكمل، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل؛ يقال عنه: إنه صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. وانظر ما ذكرته لك في الآية رقم [٣] من سورة (النمل). ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ﴾ أي: ما قبح من الأعمال، وفحش من الأقوال. ﴿وَالْمُنْكَرِ:﴾ وهو ما استقبحه الشرع، والعقل، وتأباه الفطرة السليمة، والخليقة المستقيمة، فقد قال عبد الله بن مسعود، وابن عباس-﵄: في الصلاة منتهى، ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر؛ لم تزده صلاته من الله إلا بعدا. وقال الحسن، وقتادة-﵄: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ فصلاته وبال عليه. وقيل: من داوم على الصلاة جره ذلك إلى ترك المعاصي، والسيئات. كما روي عن أنس ﵁-قال: كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله ﷺ ، ثم لم يدع من الفواحش شيئا إلا ركبه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «إنّ صلاته ستنهاه يوما». فلم يلبث أن تاب، وحسنت حاله، فقال النبي ﷺ «ألم أقل لكم: إنّ صلاته ستنهاه يوما». وفي الآية قول آخر، ارتضاه المحققون، وقال به المشيخة الصوفية، وذكره المفسرون؛ حيث قيل: المراد ب: ﴿(أَقِمِ الصَّلاةَ)﴾ إدامتها، والقيام بحدودها، ثم أخبر حكما منه بأن الصلاة تنهى صاحبها، وممتثلها عن الفحشاء والمنكر، وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة. والصلاة تشغل كل بدن المصلي، فإذا دخل المصلي في محرابه، وخشع، وأخبت لربه، وادّكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطلع عليه، ويراه؛ صلحت لذلك نفسه، وتذللت، وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيبتها، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى، يرجع بها إلى أفضل حالة. فهذا معنى هذه الأخبار؛ لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون. انتهى. قرطبي.

стр. 4577

ثم قال: لا سيما وإن أشعر نفسه: أن هذا ربما يكون آخر عمله، وهذا أبلغ في المقصود، وأتم في المراد، فإن الموت ليس له سن محدود، ولا زمن مخصوص، ولا مرض معلوم، وهذا مما لا خلاف فيه. وروي عن بعض السلف: أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد، واصفر لونه، فكلّم في ذلك، فقال: إني واقف بين يدي الله تعالى، وحقّ لي هذا مع ملوك الدنيا، فكيف مع ملك الملوك. فهذه صلاة تنهى صاحبها، ولا بد عن الفحشاء، والمنكر. ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء، لا خشوع فيها، ولا تذكر، ولا فضائل، كصلاتنا-وليتها تجزي-فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان على طريقة معاص، تبعده من الله تعالى؛ تركته الصلاة يتمادى على بعده. انتهى. والمعنى: إن الصلاة لم تؤثر في تقريبه من الله، بل تتركه على حاله، ومعاصيه من الفحشاء، والمنكر، والبعد، فلم تزده الصلاة إلا تقرير البعد الذي كان سبيله. وعلى الجملة فالمعنى المقصود بالحديث: «لم تزده من الله إلا بعدا، ولم يزدد بها من الله إلا مقتا». إشارة إلى أن مرتكب الفحشاء، والمنكر لا قدر لصلاته؛ لغلبة المعاصي على صاحبها. انتهى. قرطبي. ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي: ذكر الله لكم بالثواب، والثناء عليكم أكبر من ذكركم له في عبادتكم، وصلواتكم. وقال معناه ابن مسعود، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو قرّة، وسلمان، والحسن-﵃ أجمعين-؛ وهو اختيار الطبري. وقيل: ذكركم الله في صلاتكم، وفي قراءة القرآن أفضل من كل شيء. وقيل: المعنى: لذكر الله باللسان بسائر أنواعه من تحميد، وتهليل، وتسبيح، وتكبير وغير ذلك أفضل من أي عمل كان. واستدل عليه بما رواه أبو الدرداء عن النبي ﷺ قال: «ألا أنبّئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذّهب، والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟». قالوا: بلى، قال: «ذكر الله». أخرجه الترمذي، وابن ماجة، والحاكم، وغيرهم. والحديث القدسي الذي خرجه الشيخان عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله: أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ؛ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب إليّ شبرا؛ تقرّبت إليه ذراعا، وإن تقرّب إليّ ذراعا؛ تقرّبت إليه باعا، وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة». وخذ قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ..﴾. إلخ. وقيل: و ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ﴾ يريد: وللصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله، كما قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ وإنما قال: ولذكر الله؛ ليستقل بالتعليل، كأنه قال: وللصلاة أكبر؛ لأنها ذكر الله، وعن ابن عباس-﵄، قال: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر

стр. 4578

من ذكركم إياه بطاعته. وهو قريب مما تقدم. هذا؛ وإننا لنرى من يكثر الصلاة، والركوع، والسجود، وهو معرض عن الحق، مؤيد للباطل، فهذا يمكن القول: إنه اتخذ الصلاة عادة من غير أن يفقه لها معنى، ولا مغزى. وقد قيل: إن الصلاة عادة، والصوم جلادة. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ:﴾ هو أبلغ من (والله يعلم ما تعملون)؛ حيث إن الصنع عمل الإنسان بعد تدرب فيه وتروّ، وتحري إجادة، ولذا ذم الله به خواص اليهود؛ حيث قال تعالى في حقهم: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ بينما ذم عوامهم بقوله: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وأعني بخواصهم: الأحبار، والرهبان الذين يحرفون التوراة، ويفترون على الله المفتريات، وأعني بعوامهم: الذين كانوا لا يعلمون الكتاب إلا أماني، أي: أكاذيب. والمراد ما تصنعون من الذكر، وسائر الطاعات فيجازيكم به أحسن المجازاة. الإعراب: ﴿اُتْلُ:﴾ فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُوحِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود إلى ﴿ما،﴾ تقديره: «هو» وهو العائد. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا أراه قويا، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿اُتْلُ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وجملة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿الصَّلاةَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿تَنْهى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى: ﴿الصَّلاةَ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَنِ الْفَحْشاءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْمُنْكَرِ:﴾ معطوف على ما قبله بالواو العاطفة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَلَذِكْرُ:﴾ الواو: واو الحال. اللام: لام الابتداء، (ذكر): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: ولذكركم الله. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الصَّلاةَ،﴾ والرابط: الواو فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف أو عطف. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع. وفاعله مستتر فيه يعود إلى (الله)، واكتفى بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة، لا من العلم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو: شيئا تصنعونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل

стр. 4579

بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم صنعكم. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأعظم. ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ الشرح ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ أي: لا تخاصموهم، والجدل شدة الخصومة، وهي مذمومة إلا عند الضرورة كما سيأتي، فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل» ثم قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً﴾. رواه الترمذي، وابن ماجة. وعن أبي أمامة الباهلي-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنّة، ومن تركه وهو محقّ بني له في وسطها، ومن حسّن خلقه بني له في أعلاها». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي. ﴿إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالخصلة التي هي أحسن للثواب، وهي: مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ:﴾ فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح والإرشاد، ولم ينفع فيهم الرفق والسهولة، فاستعملوا معهم الغلظة. وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله ﷺ بالقول، أو بالفعل. أو إلا الذين أثبتوا الولد والشريك لله، وقالوا: يد الله مغلولة، أو المعنى: ولا تجادلوا الداخلين في الذمة، المؤدين للجزية. ﴿إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا،﴾ فنبذوا الذمة، ومنعوا الجزية، فمجادلتهم بالسيف، والآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين، وعلى جواز تعلم علم الكلام الذي تتحقق به المجادلة. ﴿وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ:﴾ روى البخاري عن أبي هريرة-﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالذي... إلخ». وروى عبد الله بن مسعود-﵁-أن النبي ﷺ قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنّهم لن يهدوكم وقد ضلّوا، إمّا أن تكذّبوا بحقّ، وإما أن تصدّقوا بباطل». وعن النبي ﷺ أنه قال: «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالله وملائكته وبكتبه ورسله، فإن قالوا باطلا لم تصدّقوهم، وإن قالوا حقّا لم تكذّبوهم».

стр. 4580

وفي البخاري عن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. ﴿وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ:﴾ مطيعون له خاصة. وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم، ورهبانهم أربابا من دون الله. هذا وفحوى الآية قريب من قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا..﴾. إلخ رقم [١٣٦]. وقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً..﴾. إلخ رقم [٦٤] والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُجادِلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَهْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالَّتِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال؛ إذ المعنى: ولا تجادلوا أهل الكتاب في حال من الأحوال إلا في حال مجادلتكم إياهم بالتي... إلخ. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من ﴿أَهْلَ الْكِتابِ،﴾ أو في محل نصب بدل منه. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: (لا تجادلوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَقُولُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قولوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والموصول مبني على السكون في محل جر. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو يعود إلى الذي، وهو العائد. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وقال الكوفيون، والأخفش وتبعهم ابن مالك: إنّ اسما موصولا محذوفا هنا معطوفا على ما قبله، التقدير: والذي أنزل إليكم. ومثل الآية قول حسان بن ثابت ﵁: [الوافر] أمن يهجو رسول الله منكم... ويمدحه وينصره سواء؟ التقدير: ومن يمدحه، وهذا هو الشاهد رقم [١٠٥٨] من كتابنا فتح القريب المجيب، ولولا هذا التقدير لفسد المعنى فسادا شنيعا؛ إذ يصير المادح هو الهاجي، وهو لا يصح، ومثله قول الآخر، وهو الشاهد التالي له من كتابنا المذكور: [الخفيف]

стр. 4581

ما الّذي دأبه احتياط وحزم... وهواه أطاع يستويان وجملة: ﴿آمَنّا بِالَّذِي﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُولُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿(لا تُجادِلُوا...)﴾ إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَإِلهُنا:﴾ الواو: واو الحال. (إلهنا): مبتدأ، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِلهُكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إلهكم): معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿واحِدٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (إلهنا...) إلخ في محل نصب حال من (نا)، أو من الكاف، والرابط على الاعتبارين الواو والضمير. ﴿وَنَحْنُ:﴾ الواو: حرف عطف. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧)﴾ الشرح ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أي: كما أنزلنا الكتاب على اليهود والنصارى؛ أنزلنا إليك القرآن يا محمد مصدقا لسائر الكتاب السماوية، ومحتويا على جميع ما فيها من تعاليم وتشريعات إلهية. ﴿فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:﴾ المراد بهم: عبد الله بن سلام ومن تبعه من اليهود وأيضا من أسلم من نصارى نجران، والقسيسون، والرهبان من أهل الحبشة. قال الجمل: فيه أن إسلامهم إنما كان بالمدينة، والسورة مكية، ويجاب بأن هذا من قبيل الإخبار بالغيب فأخبر الله نبيه ﷺ بحالهم قبل وقوعه. انتهى. نقلا من كرخي، وانظر ما ذكرته في المقدمة عن ابن عباس وقتادة-﵄. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: يصدقون بالقرآن، ويهتدون بهديه. ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ:﴾ ومن أهل مكة، أو: ومن العرب. وقيل: المراد بالذين أوتوا الكتاب: الذين تقدموا عهد رسول الله ﷺ . ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ﴾ ممن في عهده منهم. ﴿وَما يَجْحَدُ:﴾ وما يكفر، يقال: جحد الشيء: أنكره، وجحد الإسلام: كفر به، وهو من باب: فتح. ﴿بِآياتِنا:﴾ آيات القرآن. ﴿إِلاَّ الْكافِرُونَ﴾ أي: المتوغلون في الكفر، فإن جزمهم به يمنعهم من التأمل فيما يفيد لهم صدقها؛ لكونها معجزة بالإضافة إلى رسول الله ﷺ الذي لم يقرأ ولم يكتب. هذا والمراد بالكتاب الأول: القرآن، وبالكتاب الثاني: التوراة، والكتاب في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة لاجتماع أفرادها، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا.

стр. 4582

هذا و ﴿أَنْزَلْنا﴾ بمعنى: نزّلنا، والفرق بين الفعلين أن أنزل يفيد أن القرآن، أو السورة نزل دفعة واحدة، وأما نزّل فيفيد أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال، على ما نرى عليه أهل الشعر والخطابة، وهذا مما يريب القرشيين، كما حكى ذلك عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين الله سبحانه الحكمة من نزوله مفرقا بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أنزلنا إليك الكتاب إنزالا كائنا، مثل إنزالنا التوراة، والإنجيل على من قبلك، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): حرف جر. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب: (من)، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الجملة، وأرى: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و ﴿مِنْ﴾ خبره، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من هذه السورة؛ تجد ما يسرك. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَجْحَدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَجْحَدُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.

стр. 4583

﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا:﴾ تقرأ، والخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق ﷺ . ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ من قبل القرآن. ﴿مِنْ كِتابٍ﴾ أي: من كتاب سماوية، أو غيرها. ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: لم تكتبه، والمعنى: إنك لم تقرأ، ولم تكتاب قبل الوحي. وذكر اليمين، وهي اليد الجارحة التي يزاول بها الخط زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتبا، ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات: رأيت الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه، كان أشد لإثباتك أنه تولى كتابته بيده، فكذلك النفي، وإن ظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة على أمّيّ لم يعرف بالقراءة، والكتابة، والتعلم خارق للعادة، بل هو معجزة المعجزات. ﴿إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ معناه: لو كنت تقرأ، وتكتاب قبل الوحي إليك؛ لارتاب المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنه يقرأ ما يقصه، ويتلوه علينا من كتاب الأولين، أو ينسخه منها. وقيل: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ هم اليهود، ومعناه: أنهم إذا لشكّوا فيما تتلوه وتقرؤه، واتهموك، وقالوا: إن الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ، ولا يكتب، ومحمد ليس على هذه الصفة. وسماهم الله مبطلين؛ لإنكارهم نبوة محمد ﷺ ، وكفاهم بذلك بطلا، وكفرا. وعن مجاهد، والشعبي: ما مات النبي ﷺ حتى كتاب وقرأ. وهذا لم يثبت. وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم: أن محمدا ﷺ المبعوث آخر الزمان لا يخط، ولا يقرأ، فنزلت الآية الكريمة تؤيد ما في كتبهم. قال النحاس: نزلت الآية دليلا على نبوته لقريش؛ لأنه لا يقرأ، ولا يكتب، ولا يخالط أهل الكتاب، ولم يكن بمكة أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء، والأمم، وزالت الريبة، والشك. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون. والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها. ﴿تَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿كِتابٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿كِتابٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿تَتْلُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَما كُنْتَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿تَخُطُّهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء

стр. 4584

مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿تَتْلُوا..﴾. إلخ فهي في محل نصب مثلها. ﴿بِيَمِينِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب وجزاء. ﴿لارْتابَ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: إذا والله... إلخ. (ارتاب): فعل ماض. ﴿الْمُبْطِلُونَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، لا محل لها. هذا؛ وقدر الجلال الكلام كما يلي: «لو كنت قارئا كتابا؛ لارتاب المبطلون» وقدر نظيره في قوله تعالى: ﴿وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ وقد قال الجمل هناك، معلقا على تقدير الجلال: ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب وجزاء يقدر بلو الشرطية كما فعل الشارح، وعبارة السمين: ﴿إِذاً﴾ حرف جواب وجزاء، ولهذا تقع أداة الشرط موقعها. هذا وقد قال ابن هشام-رحمه الله تعالى في مغنيه-: والأكثر أن تكون جوابا ل: «إن»، أو «لو» مقدرتين، أو ظاهرتين، فالأول أي وقوعها جوابا ل: «إن» كقول كثير عزة: [الطويل] لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها... وأمكنني منها إذا لا أقيلها هذا هو الشاهد رقم [١٩] من كتابنا فتح القريب المجيب، وقول قريط بن أنيف: [البسيط] لو كنت من مازن لم تستبح إبلي... بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصري معشر خشن... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا هذا هو الشاهد رقم [٢٠] من كتابنا المذكور. هذا؛ وقد قال الفراء: حيث جاءت بعدها اللام فقبلها (لو) مقدرة، إن لم تكن ظاهرة، وهذا هو القول الفصل، والكلام بجملته: ﴿إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ مستأنف لا محل له. ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ:﴾ إضراب عن ارتيابهم، أي: ليس القرآن مما يرتاب فيه؛ لكونه في الصدور، وكونه محفوظا بخلاف غيره من الكتاب، فإنه لا يقرأ إلا في المصاحف، ولذا جاء في وصف هذه الأمة، صدورهم أناجيلهم، والمعنى: أنهم يقرءون كتاب الله عن ظهر قلب، وهو مثبت محفوظ في صدورهم، كما كان كتاب النصارى مثبتا في أناجيلهم، أي: كتبهم. ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون من أنه سحر أو شعر، ولكنه علامات، ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه، وهي كذلك في صدور الذين أوتوا

стр. 4585

العلم، وهم أصحاب محمد ﷺ ، والمؤمنون به، يحفظونه، ويقرءونه، ووصفهم بالعلم؛ لأنهم ميزوا بأفهامهم بين كلام الله، وكلام البشر، والشياطين، ولذا لا يقدر أحد على تحريفه، كما حرفت الكتاب السابقة. وقال قتادة، وابن عباس-﵄: ﴿بَلْ هُوَ﴾ يعني: محمدا ﷺ . والمراد ب: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أهل الكتاب يجدونه مكتوبا عندهم في كتبهم بهذه الصفة: أميا لا يقرأ، ولا يكتب، ولكنهم ظلموا أنفسهم، وكتموا، وهذا اختيار الطبري. ودليل هذا القول قراءة ابن مسعود، وابن السّميقع: (بل هذا آيات بينات) وكان ﵊ آيات، لا آية واحدة؛ لأنه دل على أشياء كثيرة من أمر الدين، لهذا قال: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ وقيل: بل هو ذو آيات بينات، فحذف المضاف. ﴿وَما يَجْحَدُ:﴾ وما يكفر. ﴿بِآياتِنا:﴾ بآيات القرآن. ﴿إِلاَّ الظّالِمُونَ:﴾ المتوغلون في الظلم بالمكابرة بعد وضوح دلائل إعجازها حتى لم يعتدّوا بها، والمراد بالظالمين: اليهود، ومن على شاكلتهم من المكابرين المعاندين في كل وقت، وحين. وعبر سبحانه في هذه الآية وسابقتها عن القرآن بالآيات للتنبيه على ظهور دلالتها على معانيها، وعلى كونها من عند الله تعالى، وأضيفت إلى نون العظمة لمزيد تفخيمها، وغاية التشنيع على من يجحدها. هذا؛ والظالم هو الذي يظلم غيره بالاعتداء على حقوقه، أو على كرامته، وحرماته، والظالم هو الذي يظلم نفسه بالكفر، أو بالمعاصي، وارتكاب الفواحش، والمنكرات، وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب. الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آياتٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿بَيِّناتٌ:﴾ صفة ﴿آياتٌ﴾. ﴿فِي صُدُورِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَيِّناتٌ،﴾ و ﴿صُدُورِ:﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ آياتٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَما يَجْحَدُ..﴾. إلخ انظر الآية رقم [٤٧] فالإعراب مثلها.

стр. 4586

﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار مكة لرسول الله ﷺ . ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: مثل آيات الأنبياء، كما جاء صالح بالناقة، وموسى بالعصا، وعيسى بالمائدة، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وقرئ «(آية)» بالإفراد. ﴿قُلْ﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿إِنَّمَا الْآياتُ:﴾ المعجزات. ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي: ينزلها على من يشاء؛ إذا شاء أنزلها عليّ، وليست عندي، فأملكها، فآتيكم بما تقترحونه. ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ:﴾ ليس من شأني إلا الإنذار وإبانته، بما أعطيت من الآيات. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتٌ:﴾ نائب الفاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آياتٌ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْآياتُ:﴾ مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنَّما:﴾ الواو: حرف عطف. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿نَذِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا..﴾. إلخ: هذا جواب لقولهم في الآية السابقة: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: أو لم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحدّيتهم بأن يأتوا بمثله، أو بسورة منه، فعجزوا، ولو أتيتهم بآيات موسى وعيسى؛ لقالوا: سحر ونحن لا نعرف السحر، والكلام مقدور لهم، ومع ذلك عجزوا عن المعارضة. وأيضا:

стр. 4587

فإن معجزة القرآن أتم من معجزة من تقدم من الأنبياء؛ لأن معجزة القرآن تدوم على مر الدهور والزمان، ثابتة لا تزول، ولا تضمحل، كما زالت كل آيات الأنبياء بعد وجودها. وقيل: إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة قال: أتي النبي ﷺ بكتف «أي: عظم كتف دابة» فيه كتاب، فقال: «كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم، أو كتاب غير كتابهم». فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾. أخرجه أبو محمد الدارمي في مسنده، وذكره أهل التفسير في كتبهم. انتهى. قرطبي. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: ذلك الكتاب، الذي هو آية مستمرة، وحجة مبينة. ﴿لَرَحْمَةً:﴾ لنعمة عظيمة في الدنيا والآخرة. وقيل: رحمة في الدنيا باستنقاذهم من الضلالة. وذكرى في الدنيا بإرشادهم به إلى الحق. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ فإنهم هم المنتفعون بتعاليم القرآن، والمهتدون بهديه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكْفِهِمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل للفعل: «يكفي»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها مع الجملة المعطوفة عليها في التقدير: إذا قدرت: أقصّر محمد، ولم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات. ﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الكتاب، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الكتاب. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَرَحْمَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (رحمة): اسم: ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿وَذِكْرى:﴾ الواو: حرف عطف. (ذكرى): معطوف على رحمة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (رحمة)، أو ب: (ذكرى) على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صفة: (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 4588

﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أني قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، وأنذرتكم، وأنكم قابلتموني بالجحد والتكذيب. وقال ابن عباس-﵄: معناه يشهد لي: أني رسوله، والقرآن كتابه، ويشهد عليكم بالتكذيب، وشهادة الله إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه. ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المطلع على أمري وأمركم، ويعلم حقي وباطلكم، كيف لا؟ وهو يعلم ما في السموات والأرض، ولا يعزب عن علمه شيء مهما دق، وصغر. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ﴾ أي: بعبادة غير الله من حجارة، أو شمس، أو قمر، أو إنسان، فإن عبادة ما سوى الله باطل. ﴿وَكَفَرُوا بِاللهِ:﴾ بتكذيب رسوله، وجحد كتابه، أو بإضافة الولد له تعالى. قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: من آمن بالباطل فقد كفر بالله، فهل لهذا العطف من فائدة غير التأكيد؟ قلت: نعم فائدته: أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول، فهو كقول القائل: «أتقول الباطل، وتترك الحق» لبيان: أن الباطل قبيح. ومعنى ﴿الْخاسِرُونَ﴾ المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان، والنار بالجنة. هذا؛ والباطل ضد الحق، والباطل بمعنى الفاسد، والبطلان عبارة عن عدم الشيء، إما لعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل من باب: دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بضم فسكون: الباطل، والكذب، والبطالة: التعطل والتفرغ عن العمل، ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: حديث، وعريض، وفظيع. هذا؛ ومبطل: اسم فاعل من أبطل الرباعي. أما كفى في هذه الآية، ونحوها؛ فهو بمعنى: اكتف، والباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومضارعه مثله. كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى، فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنه يكون متعديا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾. وأما الفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ فإنه هنا بمعنى: يعرف، فهو متعد لمفعول واحد فقط، والفرق بين العلم والمعرفة: أن المعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النّسب بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنّسب. وانظر الآية رقم [٥٢] من سورة (النمل).

стр. 4589

الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة؛ والياء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿شَهِيداً:﴾ تمييز. وقيل: حال، والأول أقوى، وأصح، وجملة: ﴿كَفى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي تعليلية، لا محل لها على الوجهين، واعتبارها حالا فيه ضعف. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْباطِلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَكَفَرُوا بِاللهِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا، و ﴿الْخاسِرُونَ﴾ خبره فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿أُولئِكَ،﴾ وعلى الوجهين فالجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ:﴾ لما أنذرهم الرسول ﷺ بالعذاب، قالوا لشدة جهلهم، وحمقهم: عجل لنا هذا العذاب. والقائل: هو النضر بن الحارث، وأبو جهل، وأشباههما، فقد قال النضر ما قاله الله تعالى عنه: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقالوا جميعا ما قاله الله تعالى عنهم: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ،﴾ وقالوا أيضا ما قاله الله عنهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً﴾.

стр. 4590

﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: وقت محدد لعذاب كل قوم، وهلاكهم. وقيل: هو القتل يوم بدر. وعلى الجملة فلكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر، قال ابن عباس-﵁: المراد به: ما وعد الله به رسوله ﷺ من عدم عذاب قومه، وعدم استئصالهم، وتأخير عذابهم إلى يوم القيامة. ﴿لَجاءَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي: عاجلا، وهو ما استعجلوه، وطلبوه. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة من غير إنذار، ولا يؤخر إذا نزل، وقد حقق الله ذلك يوم بدر. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يعلمون بنزوله عليهم. هذا؛ والشعور إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا؛ لفطنته ودقة معرفته. الإعراب: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يستعجلونك): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به. ﴿بِالْعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: واو الحال. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿أَجَلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة له مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره موجود، والجملة الاسمية هذه ابتدائية لا محل لها، وحالة محل شرط (لولا). ﴿لَجاءَهُمُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (جاءهم): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿بِالْعَذابِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب: (لولا) لا محل لها، و (لولا) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير المنصوب، وهو أولى وأقوى معنى من الاستئناف. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب (لولا) تقديرا بسبب العطف. وقيل: موطئة للقسم، ولا وجه له البتة. (يأتينهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿بِالْعَذابِ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لولا)، لا محل لها أيضا. هذا؛ ويغلب أن يقع جواب (لولا) ماضيا، وإنما وقع مستقبلا ليفيد التوكيد في الوعيد والتهديد؛ إذ المعنى: ولأتاهم العذاب بغتة. وإذا أبقينا الكلام على ظاهره فتكون الجملة جوابا لقسم محذوف، والقسم وجوابه يكون كلاما مستأنفا، ويكون المراد بمجيء العذاب عذاب الاستئصال، والمراد بإتيانه المؤكد بالنون ما نزل ببعضهم يوم بدر من الخزي، والنكال، وهو القتل، والأسر، كما هو معروف. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من الفاعل المستتر بمعنى: باغتا أو مباغتا، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يبغتهم بغتة، وتكون الجملة هذه في محل نصب حال من الفاعل المستتر، وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا للفعل: يأتي من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا، فتكون نائب مفعول مطلق. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل
следующие страницы →