Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار مكة لرسول الله ﷺ . ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: مثل آيات الأنبياء، كما جاء صالح بالناقة، وموسى بالعصا، وعيسى بالمائدة، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وقرئ «(آية)» بالإفراد. ﴿قُلْ﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿إِنَّمَا الْآياتُ:﴾ المعجزات. ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي: ينزلها على من يشاء؛ إذا شاء أنزلها عليّ، وليست عندي، فأملكها، فآتيكم بما تقترحونه. ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ:﴾ ليس من شأني إلا الإنذار وإبانته، بما أعطيت من الآيات.
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول.
﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتٌ:﴾ نائب الفاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آياتٌ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْآياتُ:﴾ مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنَّما:﴾ الواو: حرف عطف. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿أَنَا:﴾
ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿نَذِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا..﴾. إلخ: هذا جواب لقولهم في الآية السابقة: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: أو لم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحدّيتهم بأن يأتوا بمثله، أو بسورة منه، فعجزوا، ولو أتيتهم بآيات موسى وعيسى؛ لقالوا:
سحر ونحن لا نعرف السحر، والكلام مقدور لهم، ومع ذلك عجزوا عن المعارضة. وأيضا:
стр. 4587
فإن معجزة القرآن أتم من معجزة من تقدم من الأنبياء؛ لأن معجزة القرآن تدوم على مر الدهور والزمان، ثابتة لا تزول، ولا تضمحل، كما زالت كل آيات الأنبياء بعد وجودها.
وقيل: إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة قال: أتي النبي ﷺ بكتف «أي: عظم كتف دابة» فيه كتاب، فقال: «كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم، أو كتاب غير كتابهم». فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾. أخرجه أبو محمد الدارمي في مسنده، وذكره أهل التفسير في كتبهم. انتهى. قرطبي.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: ذلك الكتاب، الذي هو آية مستمرة، وحجة مبينة. ﴿لَرَحْمَةً:﴾
لنعمة عظيمة في الدنيا والآخرة. وقيل: رحمة في الدنيا باستنقاذهم من الضلالة. وذكرى في الدنيا بإرشادهم به إلى الحق. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ فإنهم هم المنتفعون بتعاليم القرآن، والمهتدون بهديه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):
حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكْفِهِمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل للفعل: «يكفي»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها مع الجملة المعطوفة عليها في التقدير: إذا قدرت: أقصّر محمد، ولم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات.
﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الكتاب، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الكتاب. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَرَحْمَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (رحمة): اسم: ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿وَذِكْرى:﴾ الواو: حرف عطف. (ذكرى): معطوف على رحمة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (رحمة)، أو ب: (ذكرى) على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صفة: (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 4588
﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أني قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، وأنذرتكم، وأنكم قابلتموني بالجحد والتكذيب. وقال ابن عباس-﵄: معناه يشهد لي: أني رسوله، والقرآن كتابه، ويشهد عليكم بالتكذيب، وشهادة الله إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه.
﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المطلع على أمري وأمركم، ويعلم حقي وباطلكم، كيف لا؟ وهو يعلم ما في السموات والأرض، ولا يعزب عن علمه شيء مهما دق، وصغر.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ﴾ أي: بعبادة غير الله من حجارة، أو شمس، أو قمر، أو إنسان، فإن عبادة ما سوى الله باطل. ﴿وَكَفَرُوا بِاللهِ:﴾ بتكذيب رسوله، وجحد كتابه، أو بإضافة الولد له تعالى.
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: من آمن بالباطل فقد كفر بالله، فهل لهذا العطف من فائدة غير التأكيد؟ قلت: نعم فائدته: أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول، فهو كقول القائل:
«أتقول الباطل، وتترك الحق» لبيان: أن الباطل قبيح. ومعنى ﴿الْخاسِرُونَ﴾ المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان، والنار بالجنة.
هذا؛ والباطل ضد الحق، والباطل بمعنى الفاسد، والبطلان عبارة عن عدم الشيء، إما لعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل من باب: دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بضم فسكون: الباطل، والكذب، والبطالة: التعطل والتفرغ عن العمل، ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: حديث، وعريض، وفظيع. هذا؛ ومبطل: اسم فاعل من أبطل الرباعي.
أما كفى في هذه الآية، ونحوها؛ فهو بمعنى: اكتف، والباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومضارعه مثله. كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى، فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنه يكون متعديا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾.
وأما الفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ فإنه هنا بمعنى: يعرف، فهو متعد لمفعول واحد فقط، والفرق بين العلم والمعرفة: أن المعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النّسب بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنّسب. وانظر الآية رقم [٥٢] من سورة (النمل).
стр. 4589
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿بَيْنِي:﴾
ظرف مكان متعلق بما بعده منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة؛ والياء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿وَبَيْنَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿شَهِيداً:﴾
تمييز. وقيل: حال، والأول أقوى، وأصح، وجملة: ﴿كَفى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾
معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي تعليلية، لا محل لها على الوجهين، واعتبارها حالا فيه ضعف.
﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْباطِلِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:
﴿وَكَفَرُوا بِاللهِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا، و ﴿الْخاسِرُونَ﴾ خبره فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿أُولئِكَ،﴾ وعلى الوجهين فالجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ:﴾ لما أنذرهم الرسول ﷺ بالعذاب، قالوا لشدة جهلهم، وحمقهم: عجل لنا هذا العذاب. والقائل: هو النضر بن الحارث، وأبو جهل، وأشباههما، فقد قال النضر ما قاله الله تعالى عنه: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقالوا جميعا ما قاله الله تعالى عنهم: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ،﴾ وقالوا أيضا ما قاله الله عنهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً﴾.
стр. 4590
﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: وقت محدد لعذاب كل قوم، وهلاكهم. وقيل: هو القتل يوم بدر.
وعلى الجملة فلكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر، قال ابن عباس-﵁: المراد به: ما وعد الله به رسوله ﷺ من عدم عذاب قومه، وعدم استئصالهم، وتأخير عذابهم إلى يوم القيامة. ﴿لَجاءَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي: عاجلا، وهو ما استعجلوه، وطلبوه. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة من غير إنذار، ولا يؤخر إذا نزل، وقد حقق الله ذلك يوم بدر. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي:
لا يعلمون بنزوله عليهم. هذا؛ والشعور إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا؛ لفطنته ودقة معرفته.
الإعراب: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يستعجلونك): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به.
﴿بِالْعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: واو الحال. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿أَجَلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة له مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره موجود، والجملة الاسمية هذه ابتدائية لا محل لها، وحالة محل شرط (لولا). ﴿لَجاءَهُمُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (جاءهم):
فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿بِالْعَذابِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب: (لولا) لا محل لها، و (لولا) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير المنصوب، وهو أولى وأقوى معنى من الاستئناف. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب (لولا) تقديرا بسبب العطف. وقيل: موطئة للقسم، ولا وجه له البتة. (يأتينهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿بِالْعَذابِ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لولا)، لا محل لها أيضا. هذا؛ ويغلب أن يقع جواب (لولا) ماضيا، وإنما وقع مستقبلا ليفيد التوكيد في الوعيد والتهديد؛ إذ المعنى: ولأتاهم العذاب بغتة.
وإذا أبقينا الكلام على ظاهره فتكون الجملة جوابا لقسم محذوف، والقسم وجوابه يكون كلاما مستأنفا، ويكون المراد بمجيء العذاب عذاب الاستئصال، والمراد بإتيانه المؤكد بالنون ما نزل ببعضهم يوم بدر من الخزي، والنكال، وهو القتل، والأسر، كما هو معروف. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من الفاعل المستتر بمعنى: باغتا أو مباغتا، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يبغتهم بغتة، وتكون الجملة هذه في محل نصب حال من الفاعل المستتر، وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا للفعل:
يأتي من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا، فتكون نائب مفعول مطلق. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل
стр. 4591
مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ أي: يستعجلونك، وقد أعد لهم جهنم، وأنها ستحيط بهم لا محالة يوم يأتيهم العذاب، فما معنى الاستعجال، أو هي كالمحيطة بهم الآن لإحاطة الكفر والمعاصي التي توجبها بهم؛ لتلبسهم بالكفر والمعاصي، وعدم إقلاعهم عن ذلك.
الإعراب: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ:﴾ هذه الجملة مؤكدة للجملة السابقة، وفيها معنى التعجب، أي: يتعجب من أمرهم، فكيف يطلبون العذاب، وإن جهنم لا بد أن تحيط بهم؟ ﴿وَإِنَّ:﴾
الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ اسم (إن). ﴿لَمُحِيطَةٌ:﴾ اللام: لام الابتداء وتسمى المزحلقة. (محيطة): خبر (إن). ﴿بِالْكافِرِينَ﴾ جار ومجرور متعلقان ب (محيطة)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من العذاب، أو من الواو، أو من الكاف، والرابط الواو فقط.
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: يحيط بهم العذاب من جميع جوانبهم وجهاتهم، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ رقم [١٦] من سورة (الزمر)، وأيضا قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٤١]: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾. ﴿وَيَقُولُ﴾ أي: الموكل بالعذاب. ويقرأ بالنون التي هي للعظمة، فيكون القائل الله تعالى. ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والمعاصي.
قال الجمل-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: لم خص الجانبين بالذكر، ولم يذكر اليمين، ولا الشمال، ولا الخلف، ولا الأمام؟ فالجواب: إن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا، ونار الدنيا تحيط بالجوانب الأربع، فإن من دخلها تكون الشعلة قدامه وخلفه ويمينه وشماله، وأما النار من فوق، فلا تنزل. وإنما تصعد في العادة، وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم، بل تطفأ، ونار جهنم تنزل من فوق، ولا تطفأ بالدوس عليها بوضع القدم. انتهى. نقلا من الرازي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا وأما الذوق فإنه يكون محسوسا ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه، أي: اختبره، وانظر فلانا، فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل]
стр. 4592
فذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز
وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] فذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم
وتقول: ذقت ما عند فلان، أي خبرته، وذقت القوس إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره، أي: عقوبة كفره ومعاصيه، قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل] فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب
وتذوقته، أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق، أي: مجرب معلوم، قال الشاعر: [الوافر] وعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستذاق
وأصله من الذوق بالفم، وذوقوا في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية، وذكر العذاب في بعض الآيات استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب (محيطة)، أو هو متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم، أو هو مفعول به لهذا الفعل المقدر. ﴿يَغْشاهُمُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْعَذابُ﴾. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَمِنْ تَحْتِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، و ﴿تَحْتِ﴾ مضاف، و ﴿أَرْجُلِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَقُولُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقول): فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، أو «نحن». ﴿ذُوقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وهي على تقدير مضاف قبلها؛ إذ التقدير: ذوقوا جزاء الذي، أو: شيء. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:
﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان) والمفعول به، وهو عائد الموصول، أو رابط الصفة محذوف، التقدير: جزاء الذي، أو شيء كنتم تعملونه. هذا؛ وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة للمفعول المحذوف، التقدير: ذوقوا جزاء عملكم، وجملة: ﴿ذُوقُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.
стр. 4593
﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾
الشرح: معنى الآية الكريمة: أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه، ولم يتمشّ له أمر دينه كما ينبغي ويجب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدّر أنه فيه أسلم قلبا، وأصح دينا، وأكثر عبادة، وأحسن خشوعا. هذا؛ وإن الآية الكريمة نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة مستضعفين على الهجرة، فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأن البقاء في أرض يؤذى فيها المسلم بسبب دينه، وطاعته لربه ليس بصواب، بل الحكمة الخروج من هذه الأرض إلى أرض يستطيع فيها أن يؤدي عبادته بحرية تامة.
ولا ريب: أن بقاع الأرض تتفاوت بالفضيلة، وما يكون فيها من راحة وهدوء، وما يتبع ذلك من طمأنينة وخشوع وخضوع لله تعالى، ولا يوجد في الأرض أرض تكون أعون على قهر النفس، وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد للفتن، وأضبط للأمر الديني في الجملة من سكنى حرم الله، وجوار بيت الله في مكة المكرمة، ومع ذلك فقد أمر الله المؤمنين بالهجرة منها حين كانت دار كفر، وكان المشركون يؤذونهم في دينهم.
هذا وقد قال مطرف بن الشخير: المعنى: إن رحمتي واسعة، وعنه أيضا: إن رزقي لكم واسع فابتغوه في الأرض. وقال سفيان الثوري: إذا كنت بأرض غالية، فانتقل إلى غيرها تملأ فيها جرابك خبزا بدرهم. وقيل: المعنى: إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة. وكل هذه الأقوال لا تستفاد من نص الآية؛ لأن الآيات السابقة تكلمت عن المشركين، وعن تعنتهم في سؤالهم، ثم ذكرت ما أعد لهم من العذاب الأليم، في نار الجحيم، وفي الوقت نفسه كانوا يؤذون المؤمنين المستضعفين؛ الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلا، فالقول الحق هو الأول، وهو أن الآية نزلت في تحريض المؤمنين، وحثهم على الهجرة من مكة المكرمة بأية وسيلة كانت، وعن النبي ﷺ : أنه قال: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا من الأرض؛ استوجب الجنّة، وكان رفيق إبراهيم ومحمّد». وعن سهل: إذا ظهرت المعاصي، والبدع في أرض؛ فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين.
الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (عبادي): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهي تقرأ بالسكون وبحركة الفتحة.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة: (عبادي)، أو عطف بيان عليه، والبدلية لا تجوز؛ لأن المبدل منه في نية الطرح، ولا يمكن نداء الذين، بدون «أي» قبله، وهذه
стр. 4594
إحدى مسألتين يمتنع فيهما البدلية، ويتعين فيهما عطف البيان، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى- في ألفيته: [الرجز] وصالحا لبدليّة يرى... في غير نحو يا غلام يعمرا
ونحو بشر تابع البكريّ... وليس أن يبدل بالمرضيّ
﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَرْضِي:﴾
اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه مثل (عبادي). ﴿واسِعَةٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية لا محل لها مثل الجملة الندائية قبلها. ﴿فَإِيّايَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدّر؛ إذ التقدير: إن لم تتمكنوا من العبادة في أرض؛ فإياي اعبدون في غير تلك الأرض. فإذا الضمير في محل نصب مفعول به مقدم للفعل المقدر، كما ترى. ﴿فَإِيّايَ:﴾ الفاء: حرف عطف.
(اعبدون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، والكسرة تحتها دليل على ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والتي هي مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المقدرة قبلها، ومؤكدة لها. وقيل: مفسرة، ولا وجه له. والجملة الشرطية التي رأيت تقديرها، لا محل لها مثل الجملتين قبلها. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٠]:
﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ورقم [٤١]: ﴿وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ:﴾ فيه وعد للمصدق، ووعيد للكاذب، والمعنى: لا يحزنك تكذيبهم إياك فمرجع الخلق إليّ، فأجازيهم على التكذيب، وأجازيك على الصبر. وهذا التعميم مخصوص بقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ فإن الله تعالى حي لا يموت، ولا يجوز عليه الموت، وانظر الآية رقم [٨٧] من سورة (النمل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر (الذوق) في الآية رقم [٥٥]. والموت: هو انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح. هذا ويكثر ذكر الموت في القرآن الكريم، والمراد منه تحقير أمر الدنيا، والزهد فيها، والاستعداد للآخرة التي لا بد منها وخذ قول بعضهم: [البسيط] الموت في كلّ حين ينشد الكفنا... ونحن في غفلة عمّا يراد بنا
لا تركننّ إلى الدّنيا وزهرتها... وإن توشّحت من أثوابها الحسنا
أين الأحبّة والجيران ما فعلوا؟ ... أين الّذين همو كانوا لها سكنا؟
стр. 4595
سقاهم الموت كأسا غير صافية... صيّرهم تحت أطباق الثّرى رهنا
الإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ: وهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ذائِقَةُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْمَوْتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، وهو يقرأ بالتاء والياء مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، فهو عطف جملة فعلية على جملة اسمية.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ:﴾ وقرئ بالياء، كما قرئ: «(لنثوينّهم)» من الثوي وهو الإقامة؛ أي: لنعطينهم غرفا يثوون فيها، والمعنى: على الأول: لننزلنهم، يقال:
بوأته منزلا، وبوأت له، كما يقال: مكنتك ومكنت لك، والمبوأ المنزل الملزوم، ومنه بوأه الله منزلا، أي: ألزمه إياه، وأسكنه فيه، قال الرسول ﷺ : «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار». أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁.
﴿مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً:﴾ جمع: غرفة، وهي الدرجة الرفيعة، وهي أعلى منازل الجنة، وأفضلها، كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا، وتجمع أيضا على غرفات كما في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ الآية رقم [٣٧] من سورة (سبأ)، وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أهل الجنّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدّرّيّ الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم». قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم؟ قال: «بلى والّذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله، وصدّقوا المرسلين». وخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
«إنّ في الجنّة لغرفا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها». فقام إليه أعرابيّ. فقال:
لمن هي يا رسول الله؟! قال: «هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطّعام، وأدام الصّيام، وصلّى لله باللّيل، والنّاس نيام».
هذا؛ وعطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة وغيرها يوحي بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ : «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، ويسمى هذا في علم البديع: احتراسا.
стр. 4596
بعد هذا؛ فقد قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-نقلا عن الرازي: بين الله ما يكون للمؤمنين وقت الرجوع إليه، كما بين في الآية السابقة ما يكون للكافرين بقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ فبين: أن للمؤمنين الجنات في مقابلة: أن للكافرين النيران. وبين: أن فيها غرفا تجري تحتها الأنهار في مقابلة أن تحت الكافرين النار، وبين: أن ذلك أجر عملهم بقوله:
﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ في مقابلة ما تقدم للكفار بقوله: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ ولم يذكر ما فوق المؤمنين؛ لأن المؤمنين في أعلى عليين، فلم يذكر فوقهم شيئا إشارة إلى علو مرتبتهم، وارتفاع منزلتهم، ولم يجعل الماء من تحت أقدامهم، بل جعله من تحت غرفهم؛ لأن الماء يكون ملتذّا به في أي جهة كان، وعلى أي بعد كان إذا كان تحت الغرفة؟. انتهى.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا..﴾. إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: عملوا الأعمال الصالحات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.
(نبوئنهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، أو جوازا تقديره: «هو»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿غُرَفاً﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿غُرَفاً:﴾ مفعول به ثان على قراءة الفعل بالنون، والباء؛ لأن «بوأ» ينصب مفعولين، قال تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ وأما على قراءة الفعل بالنون والثاء ففيه أوجه: أحدها أنه مفعول ثان بتضمين: «نثوي» ننزل، فيتعدى لاثنين بسبب التضمين، وإما على تشبيه الظرف المختص بالمبهم، فيكون ظرف مكان متعلقا بالفعل قبله، أو هو منصوب بنزع الخافض اتساعا، أي في غرف، وجملة: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار (الذين) منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال، أي: ونبوئ الذين آمنوا... إلخ، ولا أراه قويا. هذا؛ ووقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدإ قاله ابن مالك، ومنعه ثعلب، ومثل الآية قوله تعالى في سورة (النساء): ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ..﴾. إلخ، والآية رقم [٧ و ٩] من هذه السورة، ومثل ذلك كله قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٧٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل] جشأت، فقلت: اللّذ خشيت ليأتين... وإذا أتاك فلات حين مناص
стр. 4597
والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و: (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل: ﴿تَجْرِي﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع اسم فاعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بخالدين، وجملة: ﴿تَجْرِي..﴾.
إلخ في محل نصب صفة: ﴿غُرَفاً﴾. ﴿نِعْمَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء المدح. ﴿أَجْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْعامِلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والمخصوص بالمدح محذوف، دل عليه ما قبله؛ إذ التقدير: نعم أجر العاملين الممدوح ما ذكر، وجملة: ﴿نِعْمَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقرئ: «(فنعم)».
فائدة: الحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة نحو قوله تعالى:
﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ وحال محكية، وهي الماضية. نحو: جاء زيد أمس راكبا.
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا:﴾ على مفارقة الأهل، والأوطان، والهجرة لأجل الدين، وصبروا على أذى المشركين، وصبروا على المحن، والشدائد، والمصائب، وصبروا على الطاعات على تفاوت درجاتها، ومراتبها، وصبروا عن المعاصي كبيرها، وصغيرها، وعلى جميع أنواعها.
﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ:﴾ لا يتوكلون، ولا يعتمدون على غيره. هذا؛ وحقيقة التوكل: تفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره. وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى، فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها، لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله تعالى، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة، والله أعلم، وأجل، وأعظم.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿الْعامِلِينَ﴾ أو هو بدل منه، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أمدح، أو: أعني الذين، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الذين صبروا... لهم أجرهم عند ربهم، وجملة: ﴿صَبَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَعَلى:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(عَلى رَبِّهِمْ)﴾: جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله
стр. 4598
مستتر فيه. ﴿يَتَوَكَّلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾
الشرح: ﴿وَكَأَيِّنْ:﴾ أصلها «أي» الاستفهامية، دخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى «كم» الخبرية التكثيرية، وهي كناية عن عدد مبهم، مثل «كم» و «كذا»، وفيها خمس لغات، كلها قرئ بها: إحداها: (كأيّن)، وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة، إلا ابن كثير، والثانية: (كائن) بوزن كاعن، وبها قرأ ابن كثير وجماعة، وهي أكثر استعمالا من: (كأيّن)، وإن كانت الأصل، وهو كثير في الشعر العربي، الثالثة: (كئين) بوزن كريم، الرابعة: (كيئن) بياء ساكنة، وهمزة مكسورة، الخامسة: (كأن) بوزن كفن. هذا؛ والجلال المحلي اعتبر (كأيّن) بسيطة غير مركبة، وأن آخرها نون من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل، والشيخ-رحمه الله تعالى-سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد، وتشحين الذهن، وتمرينه. انتهى. جمل.
﴿دَابَّةٍ:﴾ تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان، وطير، وحشرة، وغيرها.
هذا وسبب نزول الآية الكريمة: أن النبي ﷺ لما أمر المسلمين بالهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المشرفة حين آذاهم المشركون؛ قالوا: كيف نخرج إلى المدينة، وليس لنا بها دار، ولا مال؟ فمن يطعمنا، ويسقينا؟! فأنزل الله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ..﴾. إلخ.
والمعنى: كثير من الدواب لا تطيق حمل رزقها لضعفها، أو لا تدخره، وإنما تصبح، ولا معيشة عندها، ثم إنها مع ضعفها، وتوكلها يرزقها الله، وإياكم مع قوتكم، واجتهادكم، فأنتم سواء في أن يرزق الله الجميع من فضله، وكرمه، وجوده، و ﴿هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ،﴾ فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة، فإن الله يرزقكم.
فقد سوى الله بين الحريص، والمتوكل في الرزق، وبين الراغب، والقانع، وبين الجلد، والعاجز. يعني: أن الجلد لا يتصور: أنه مرزوق بجلده؛ ولا يتصور العاجز: أنه ممنوع من الرزق بعجزه. انتهى. قرطبي بتصرف.
وعن عمر-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله لرزقكم، كما يرزق الطّير تغدو خماصا، وتروح بطانا». أخرجه الترمذي. ومعناه أن الطير تذهب أول النهار جياعا ضامرة البطون، وتروح آخر النهار إلى أوكارها شباعا ممتلئة البطون، ولا تدخر شيئا. قال سفيان بن عيينة: ليس شيء من خلق الله يخبئ طعامه إلا الإنسان، والفأرة، والنملة، وعن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في محضنه، ويقول: للعقعق مخابئ إلا أنه
стр. 4599
ينساها. هذا؛ وادخار الطعام لا ينافي التوكل، فقد روى البخاري، ومسلم: أن النبي ﷺ كان يدخر لأهله قوت سنتهم. وهذا بلا ريب كان في آخر حياته، وقد وسع الله عليه، وعلى المسلمين في معيشتهم، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون ذلك، وهم القدوة الطيبة، وأهل اليقين والأئمة لمن بعدهم من المتقين المتوكلين. وخذ على سبيل الموعظة ما يلي:
عن عبد الله بن مسعود-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ليس من عمل يقرّب من الجنّة؛ إلاّ وقد أمرتكم به، ولا عمل يقرّب من النّار؛ إلاّ وقد نهيتكم عنه، فلا يستبطئنّ أحد منكم رزقه، فإنّ جبريل ألقى في روعي: أنّ أحدا لن يخرج من الدّنيا حتّى يستكمل رزقه.
فاتّقوا الله أيّها الناس! وأجملوا في الطّلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه، فلا يطلبه بمعصية الله، فإنّ الله لا ينال فضله بمعصيته». رواه الحاكم.
الإعراب: ﴿وَكَأَيِّنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كأيّن): اسم كناية بمعنى كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وأجاز أبو البقاء أن يكون في موضع نصب بفعل دل عليه ﴿يَرْزُقُها،﴾ ويقدّر بعد (كأيّن) وفيه ضعف لا يخفى. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ:﴾ تمييز لكأين منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَحْمِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿دَابَّةٍ﴾.
﴿رِزْقَهَا:﴾ مفعول به، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر على اللفظ، أو في محل نصب على المحل صفة ﴿دَابَّةٍ﴾. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَرْزُقُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ تقديره: «هو». و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿وَإِيّاكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إياكم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب، والجملة الاسمية:
﴿اللهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَكَأَيِّنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿السَّمِيعُ:﴾ خبر أول. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَرْزُقُها﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾
الشرح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمسئول منهم أهل مكة. ﴿مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ..﴾. إلخ: ذكر الله من آثار قدرته، ودلائل عظمته أمرين: أحدهما: إشارة إلى اتحاد الذات، والثاني: إشارة إلى اتحاد الصفات، وهي الحركة في الشمس، والقمر، وذكر في السموات،
стр. 4600
والأرض الخلق، وفي الشمس، والقمر التسخير؛ لأن مجرد خلق الشمس والقمر، ليس حكمة، فإن الشمس لو كانت مخلوقة بحيث تكون في موضع واحد، لا تتحرك؛ ما حصل الليل، والنهار، ولا الصيف، والشتاء وكذلك القمر لولا زيادته، ونقصانه، ونوره، ومحاقه؛ لما أمكن معرفة الشهور، وعددها، فحينئذ الحكمة إنما هي في تحريكهما، وتسخيرهما. ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ:﴾ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد، واجب الوجود. ﴿فَأَنّى يُؤْفَكُونَ:﴾ أي فكيف يصرفون عن توحيد الله وعبادته مع إقرارهم بذلك، واعترافهم: أنه هو الصانع الحكيم.
هذا وقد قال تعالى في سورة الذاريات ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: يصرف عنه من صرف، فهو من باب: ضرب، ومصدره: أفكا، كضربا. هذا؛ وهو من الباب الرابع بمعنى: كذب، ومصدره، إفكا كعلما، ويغلب مجيء الأول بالبناء للمجهول، وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في قوله تعالى: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ سورة الأحقاف رقم [٢٢] ومن مجيئه بمعنى الكذب قوله تعالى: ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ الآية رقم [٤٥] من سورة (الشعراء)، انظر شرحها هناك، ففيه كبير فائدة.
الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله.
(إن): حرف شرط جازم. ﴿سَأَلْتَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾
فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾
معطوف على ما قبله بالواو العاطفة، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ خَلَقَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (سأل)، وجملة: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولنّ): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والنون حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: الله خلقهن، أو هو فاعل لفعل محذوف، التقدير: خلقهن الله، ويرجحه التصريح به في قوله تعالى في سورة (الزخرف): ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ رقم [٩]، والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ جواب القسم المقدر، المدلول عليه باللام الموطئة، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
стр. 4601
والكلام: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محل له. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كانوا يعترفون بأن الله خلق السموات والأرض فكيف يصرفون عن توحيده، وعبادته. (أنى): اسم استفهام، وتعجب، وتوبيخ مبني على السكون في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿يُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر بإذا، والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها.
﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾
الشرح: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ:﴾ لما ذكر الخلق؛ ذكر الرزق؛ لأن كمال الخلق ببقائه، وبقاء الخلق بالرزق، والله تعالى هو المتفضل بالرزق على الخلق، فله الفضل، والإحسان، والطول، والامتنان. ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يضيق عليه إذا شاء، ويفقره من المال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي: ضيق عليه في الرزق. وينبغي أن يعلم الإنسان: أن البسط في الرزق لا ينبئ عن كرامة العبد على الله، والقبض، والضيق في الرزق لا ينبئ عن هوان العبد على الله، بل العكس هو الصحيح، فإذا رأينا إنسانا عاصيا لله، وهو يمده في المال، ويعطيه ما يرغب فيه من حطام الدنيا؛ فإن هذا الإمداد والإعطاء قد يكون استدراجا له، قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ،﴾ وقال جل ذكره: ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا،﴾ وقال تعالى شأنه: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾.
هذا وإذا رأينا إنسانا مطيعا لله تعالى، ورزقه مضيق عليه، فقد يكون ذلك رحمة من الله له؛ لأنه تعالى لا يريد أن يلوثه بحطام الدنيا، ولا أن يكثر مسئوليته أمامه يوم القيامة عن تبعات المال، وخذ ما يلي: فعن أبي سعيد الخدري-﵁: أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله ليحمي عبده المؤمن من الدّنيا، وهو يحبّه كما تحمون مريضكم الطّعام، والشّراب». رواه الحاكم. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «التقى مؤمنان على باب الجنّة: مؤمن غنيّ، ومؤمن فقير كانا في الدنيا، فأدخل الفقير الجنّة، وحبس الغنيّ ما شاء الله أن يحبس، ثمّ أدخل الجنّة، فلقيه الفقير، فقال: يا أخي ما حبسك؟ والله لقد حبست؛ حتّى خفت عليك! فيقول:
يا أخي! إنّي حبست بعدك محبسا فظيعا كريها، ما وصلت إليك؛ حتّى سال مني من العرق ما لو ورده ألف بعير، كلّها أكلة حمض النّبات؛ لصدرت عنه رواء». رواه أحمد.
﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ يعلم ما يصلحهم، وما يفسدهم، فيعطي كل واحد حسب ما تقتضيه حكمته ، من غنى، أو فقر، والسعيد من كان رزقه كفافا، وقنع به، ورضيه، وحمد الله عليه. وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «إن من عبادي من لا يصلح
стр. 4602
إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته؛ لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته؛ لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، والعافية، ولو أمرضته؛ لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا المرض، ولو عافيته وصححت له جسمه؛ لأفسده ذلك».
الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَبْسُطُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (من): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة:
﴿يَشاءُ﴾ صلة: (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير للذي، أو لشخص يشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقدر): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:
﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسم (إنّ). ﴿بِكُلِّ:﴾
جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾
خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ يَبْسُطُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ والمسئول منهم أهل مكة. ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي: من السحاب مطرا. ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها﴾ أي: جدبها. وموت الأرض عند ما تكون يابسة لا نبات فيها شبيهة بالميت، وقد قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ انظر تفسيرها وشرحها هناك.
﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ:﴾ فهم معترفون بأن الله هو الموجد للممكنات بأسرها، أصولها، وفروعها، ثم هم يشركون به بعض مخلوقاته، الذي لا يقدر على شيء من ذلك، وكان الأحرى بهم أن يعبدوه، ويوحدوه ما داموا يعترفون بأنه هو الذي ينزل الغيث من السماء، وما داموا يعترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وسخر الشمس، والقمر، ولكنهم لا يعقلون كما ذكر الله ذلك عنهم كثيرا.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ؛ أي: احمد الله يا محمد على نعمته عليك حيث عصمك من مثل ضلالهم، وهداك الصراط المستقيم، وأنعم عليك بالرسالة، والنبوة، وأيدك
стр. 4603
بالحجج الدامغة، والبراهين الساطعة. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يفهمون فيناقض فعلهم قولهم، حيث يقرون بأن الله هو المبدئ لكل ما عداه، ثم يشركون به أحقر خلقه. وذكر الأكثر؛ إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ مبلغ التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل، وانظر سورة الروم رقم [٦].
الإعراب: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٦١]. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية:
﴿مَنْ نَزَّلَ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني ل: (سأل). ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة. (يقولن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الله نزل من السماء ماء، والمعنى:
لا يؤيد التقدير الثاني، الذي ذكرته في الآية رقم [٦١]، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف على مثال ما رأيت في الآية رقم [٦١]، والكلام: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.
﴿قُلِ:﴾ فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الْحَمْدُ:﴾
مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال.
﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها؛ لأنها ليست من مقول القول. تأمل وتدبر، وربك أعلم. وأجل وأعظم.
﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾
الشرح: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ إشارة تحقير؛ كيف لا؟ وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا جرعة ماء، ولقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله الحريري؛ إذ يقول: [الكامل]
стр. 4604
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
أو هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيّا.
﴿إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: إلا كما يلهو ويلعب به الصبيان، ويجتمعون عليه، ويبتهجون به ساعة، ثم يتفرقون متعبين. هذا؛ واللهو: هو الاستمتاع بلذات الدنيا. وقيل: هو الاشتغال بما لا يعنيه، وما لا يهمه. واللعب: هو العبث، أي ليس ما أعطاه الله الأغنياء من الدنيا؛ إلا وهو يضمحل، ويزول، كاللعب الذي لا حقيقة له، ولا ثبات، قال بعضهم: إن بقيت لك الدنيا؛ لم تبق لها، وأنشد: [الطويل] تروح لنا الدّنيا بغير الّذي غدت... وتحدث من بعد الأمور أمور
وتجري اللّيالي باجتماع وفرقة... وتطلع فيها أنجم وتغور
فمن ظنّ أنّ الدّهر باق سروره... فذاك محال، لا يدوم سرور
عفا الله عمّن صيّر الهمّ واحدا... وأيقن أنّ الدّائرات تدور
وما أحسن قول الشافعي، ﵁: [الطويل] وما هي إلاّ جيفة مستحيلة... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
﴿وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي: التي تكون بعد الموت، وبعد البعث، والحشر، والحساب والجزاء، والمراد بها: الجنة، ونعيمها الدائم. ﴿لَهِيَ الْحَيَوانُ﴾ أي: هي دار الحياة الباقية، التي لا تزول، ولا موت فيها، وهي دار الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت عليها، أو جعلت في ذاتها حياة للمبالغة.
و ﴿الْحَيَوانُ﴾ مصدر: حيي، سمّي به ذو الحياة، وأصله عند سيبويه، وأتباعه: حييان، فقلبت الياء الثانية واوا، وهو شاذ. قال أبو البقاء: لئلا يلتبس بالتثنية، ولم تقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، لئلا تحذف إحدى الألفين. وقال البيضاوي: وهو أبلغ من الحياة؛ لما في بناء:
«فعلان» من الحركة، والاضطراب اللازم للحياة، ولذا اختير عليها هاهنا. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ:﴾ حقيقة الدارين؛ لما اختاروا اللهو الفاني على الحيوان الباقي.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْحَياةُ:﴾ بدل من ﴿هذِهِ،﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف
стр. 4605
للتعذر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لَهْوٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿وَلَعِبٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل.
﴿الدّارَ:﴾ اسم (إن)، وقدر أبو البقاء، وغيره: وإن حياة الدار الآخرة، وإنما قدروا ذلك ليتطابق المبتدأ، والخبر. ﴿الْآخِرَةَ:﴾ صفة: ﴿الدّارَ﴾. ﴿لَهِيَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْحَيَوانُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ الدّارَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.
﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، انظر تقديره في الشرح، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، أو معترض في آخر الكلام، لا محل له على الاعتبارين.
﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾
الشرح: ﴿فَإِذا رَكِبُوا﴾ أي: ركب المشركون في السفن، وخافوا الهلاك، والغرق، وهذا مع كونهم وصفوا بالشرك، والعناد، فإذا ركبوا في البحر، وخافوا الغرق. ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: تركوا الأصنام، ولجئوا إلى الله بالدعاء، والتضرع حالة كونهم كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين؛ حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو.
﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ أي: إلى الأرض اليابسة. ﴿إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: عادوا إلى ما كانوا عليه من الشرك، والعناد. وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا إذا ركبوا البحر؛ حملوا أصنامهم معهم، فإذا اشتدت الريح، وخافوا الغرق؛ ألقوها في البحر، وقالوا: يا رب! وقيل: إشراكهم أن يقول قائلهم: لولا الله، والرئيس أو الملاح؛ لغرقنا، فيجعلون ما فعل الله بهم من النجاة قسمة بين الله وبين خلقه.
أقول: وهذا القول لا يقتصر على المشركين، بل هو يعم المسلمين؛ إذا قال أحدهم:
لولا فلان؛ لكان كذا، واعتقد بأن لفلان، أو لشيء تأثيرا في جلب نفع، أو جلب شر. وهذا ما يسمى بالشرك الأصغر، لذا ينبغي للمسلم أن ينزه نفسه عن ذلك خوفا من تطرق الشرك إليه، وهو لا يشعر به، قال الرسول ﷺ لعبد الله بن عباس-﵄: «يا غلام! إنّي أعلّمك
стр. 4606
كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك؛ إذا سألت؛ فاسأل الله، وإذا استعنت؛ فاستعن بالله، واعلم: أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضرّوك بشيء؛ لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفّت الصحف». رواه الترمذي.
الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَكِبُوا:﴾
فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْفُلْكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجملة:
﴿دَعَوُا اللهَ﴾ جواب: (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعوله. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف.
(لما): انظر الآية رقم [٣١]. ﴿نَجّاهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿إِلَى الْبَرِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا. ﴿فَإِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة هنا واقعة في جواب (لما)، وانظر تفصيل الكلام فيها في الآية رقم [٣٢] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿نَجّاهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُشْرِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب (لما) لا محل لها، على اعتبار ﴿فَإِذا﴾ حرفا، وهو قول الأخفش، وابن مالك، و (لما) ومدخولها كلام معطوف على (إذا) ومدخولها، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين.
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾
الشرح: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ:﴾ اللام لام التعليل، ومتعلقة بما قبلها؛ إذ التقدير: إذا هم يشركون ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة. ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا:﴾ معطوف على ما قبله على قراءة كسر اللام، واعتبارها للتعليل، فيكون المعنى: يعودون إلى شركهم بعد نجاتهم من الغرق؛ ليكونوا بالعود إلى شركهم كافرين بنعمة النجاة، قاصدين التمتع والتلذذ بها لا غير، على خلاف عادة المؤمنين المخلصين على الحقيقة، فإنهم يشكرون نعمة الله إذا أنجاهم، ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى ازدياد الطاعة، لا إلى التلذذ، والتمتع، وعلى هذا لا وقف على قوله ﴿يُشْرِكُونَ؛﴾ لأنه
стр. 4607
ينقطع التعليل عن المعلل. هذا؛ ومن اعتبر اللام فيهما للأمر محتجا بقراءة ابن كثير، وحمزة، وعلي بسكون اللام على وجه التهديد والوعيد، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ..﴾. إلخ فيكون الكلام مستأنفا، والوقوف على ﴿يُشْرِكُونَ﴾ جيد. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ:﴾ سوء تدبيرهم عند تدميرهم، فهذا تهديد، ووعيد صراحة.
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله بالكفر، وبأن يعمل العصاة ما شاءوا وهو ناه عنه، ومتوعد عليه؟! قلت: هو مجاز عن الخذلان، والتخلية، وأن ذلك الأمر متسخط إلى غاية، ومثاله: أن ترى الرجل قد عزم على أمر، وعندك: أن ذلك الأمر خطأ، وأنه يؤدي إلى ضرر عظيم، فتبالغ في نصحه، واستنزاله عن رأيه، فإذا لم تر منه إلا الإباء، والتصميم؛ حردت عليه، وقلت: أنت وشأنك، وافعل ما شئت! فلا تريد بهذا حقيقة الأمر. كيف والآمر بالشيء مريد له؟! وأنت شديد الكراهة، متحسر، ولكنك كأنك تقول له:
فإذا قد أبيت قبول النصيحة، فأنت أهل لأن يقال لك: افعل ما شئت، وتبعث عليه؛ ليتبين لك إذا فعلت صحة رأي الناصح، وفساد رأيك. انتهى. بحروفه. أقول: ومن هذه المشكاة قوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ رقم [٤٠] من سورة (فصلت).
الإعراب: ﴿لِيَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، وأن المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُشْرِكُونَ﴾. هذا؛ وعلى اعتبار اللام لام الأمر، فالفعل مجزوم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿آتَيْناهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، و (نا): فاعله، والهاء مفعوله الأول، والمفعول الثاني، وهو العائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: (بالذي)، أو بشيء آتيناهموه. ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا:﴾ معطوف على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة، ولا وجه له. (سوف):
حرف تسويف، واستقبال. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني: أهل مكة. ﴿أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً﴾ أي: جعلنا بلدهم، وهو مكة آمنا مصونا من النهب، والتعدي، ومن القتل، والسبي. ﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ:﴾ يختلسون
стр. 4608
قتلا، وسبيا؛ إذ كانت العرب حول الكعبة يغزو بعضهم بعضا، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارّون آمنون فيها، لا يغزون، ولا يغار عليهم مع قلتهم، وكثرة العرب حولهم، فذكرهم الله هذه النعمة الخاصة بهم. هذا؛ والتخطف: الانتزاع، والأخذ بسرعة.
ولا تنس: أن ذلك كان تحقيقا لدعوة إبراهيم، وإجابة لسؤاله، فقد قال الله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٢٦]: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً،﴾ وقال في السورة المسماة باسمه رقم [٣٥]: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ فقد حقق الله رجاءه، وأجاب دعوته، والحمد لله رب العالمين، وكان ذلك فخرا للمسلمين إلى يوم الدين.
﴿أَفَبِالْباطِلِ﴾ يعني: الشيطان، والأصنام. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يؤملون أن تنفعهم، والمعنى: أبعد هذه النعمة الظاهرة وهي الأمن، والاستقرار في بلدهم، وغير هذه النعمة مما لا يقدر عليه إلا الله يؤمنون بالأصنام، وينقادون للشيطان؟! ﴿وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: بمحمد ﷺ والإسلام يكافرون؛ حيث أشركوا مع الله في العبادة أحقر خلقه. هذا؛ ولم يذكر الله الضمير: (هم) هنا، وذكره في سورة (النحل) رقم [٧٢] بقوله: ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ لأن ما في سورة (النحل) اتصل بقوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ وهو بالخطاب كما ترى، فلو ترك: (هم) لالتبست الغيبة بالخطاب بأن تبدل الياء تاء.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، والفعل بصري، لا علمي. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و: (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿حَرَماً:﴾ مفعول به. ﴿آمِناً:﴾ صفة ﴿حَرَماً،﴾ وجملة: ﴿جَعَلْنا حَرَماً آمِناً﴾ في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيُتَخَطَّفُ:﴾ الواو: واو الحال. (يتخطف): فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿النّاسُ:﴾
نائب فاعل. ﴿مِنْ حَوْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: (يتخطف...) إلخ في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهم يتخطف الناس من حولهم. والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ ولا يجوز اعتبار الجملة الفعلية حالا بمفردها؛ لاقترانها بالواو، وهي مضارعية، وهذا ممتنع كما هو معروف في القواعد النحوية.
قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا ومن الواو خلت
стр. 4609
وذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا
﴿أَفَبِالْباطِلِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير: أيكفرون بالله الذي هذا شأنه، فيؤمنون. (بالباطل): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على المقدرة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَبِنِعْمَةِ:﴾ الواو: حرف عطف. (بنعمة):
جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و (نعمة) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم ممن جعل مع الله شريكا وولدا، وإذا فعل فاحشة قال: ﴿وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها﴾. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ..﴾. إلخ، فقد جمعوا بين أمرين لا يجتمعان عند عاقل: افتراؤهم على الله بما هو باطل غير ثابت بالحجة، أو المعنى: لا أحد أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين، فكيف بمن جمع بينهما، والأمر الأول هو ما زعمه مشركو العرب من كون الملائكة بنات الله تعالى، والأمر الثاني هو تكذيبهم بالقرآن الكريم، وبالمعجزات التي أيد الله بها نبيه محمدا ﷺ .
﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أي: بمحمد ﷺ ، أو بالقرآن، وفي لفظ: ﴿لَمّا﴾ تسفيه لهم حيث لم يتوقفوا، ولم يتأملوا قط حين جاءهم، بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه، ولم يفعلوا كما يفعل العقلاء المتثبتون في الأمور، يسمعون الخبر، فيستعملون فيه الروية، والفكر، ويستأنون إلى أن يتضح لهم صدقه، أو كذبه.
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ:﴾ هذا تقرير لثوائهم؛ لأن همزة الاستفهام إذا دخلت على النفي صار إيجابا فيرجع إلى معنى التقرير، قال تعالى لنبيه ﷺ في سورة (الضحى): ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى،﴾ وقال له في سورة (الشرح): ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ،﴾ وقال جرير يخاطب عبد الملك بن مروان، ويمدحه: [الوافر] ألستم خير من ركب المطايا... وأندى العالمين بطون راح؟
إذ المعنى: ألا يستوجبون، ويستحقون الثواء في جهنم، والإقامة فيها، وقد افتروا على الله مثل هذا الكذب، وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب، أو لاجترائهم على الله؛ أي: ألم يعلموا علم اليقين، ويستقر في نفوسهم: أن في جهنم مثوى للكافرين المكذبين؛ حتى اجترءوا على الله هذه الجرأة؟!
стр. 4610
هذا؛ و ﴿مَثْوىً﴾ بمعنى: مأوى، وكلاهما بمعنى المستقر، والملجأ، والفرق بينهما: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولو مؤقتا، وقدم المأوى على المثوى في قوله تعالى: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ؛﴾ لأنه على الترتيب الوجودي يأوي، ثم يثوي. هذا و ﴿مَثْوىً﴾ مشتق من: ثوى بالمكان: إذا أقام به ثواء، وثويّا، مثل: مضى، يمضي مضاء، ومضيّا، ولو كان من: أثوى لكان: مثوى، وهذا يدل على أن «ثوى» هي اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيد: أثوى، وأنشد قول الأعشى: [الكامل] أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا... ومضى وأخلف من قتيلة موعدا
والأصمعي لا يعرف إلا «ثوى» ويروى البيت (أثوى) على الاستفهام، وأثويت غيري يتعدى، ولا يتعدى.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِمَّنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من).
﴿اِفْتَرى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره:
«هو»، يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَذِباً:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف.
﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَمّا:﴾ ظرف زمان بمعنى «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿جاءَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الحق، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، وجملة: ﴿كَذَّبَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اِفْتَرى..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَلَيْسَ:﴾
الهمزة: حرف استفهام تقريري. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿فِي جَهَنَّمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) تقدم على اسمها، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿مَثْوىً:﴾ اسم (ليس) مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة، لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مَثْوىً،﴾ وجملة: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ أي: جاهدوا في طلب مرضاتنا. فقد أطلق المجاهدة، ولم يقيدها بمفعول؛ ليتناول كل ما تجب مجاهدته، من النفس، والشيطان، وأعداء الدين. قال
стр. 4611
أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وأعظمه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله، وهو الجهاد الأكبر، فقد روى البيهقي بإسناد حسن صحيح: أن أصحاب رسول الله ﷺ حين قدموا من الجهاد، تلقاهم الرسول ﷺ ، وقال لهم: «مرحبا بكم قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟! قال: «جهاد النفس».
وقال عبد الله بن عباس، وإبراهيم بن أدهم-﵄: الآية في الذين يعملون بما يعلمون؛ وقد قال ﷺ : «من عمل بما علم؛ علّمه الله ما لم يعلم». ونزع بعض العلماء إلى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾. وقال عمر بن عبد العزيز-﵁: إنما قصّر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علما لا تقوم به أبداننا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾.
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ أي: طرق السير إلينا، والوصول إلى جنابنا، أو لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير، وتوفيقا لسلوكها، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ وهاك أقوالا أخر في تفسير هذه الآية: فعن الفضيل قوله: والذين جاهدوا في طلب العلم؛ لنهدينهم سبل العمل به. وعن سهل قوله: والذين جاهدوا في إقامة السنة؛ لنهدينهم سبل الجنة. وعن ابن عطاء قوله: والذين جاهدوا في رضانا؛ لنهدينهم إلى الوصول إلى محل الرضوان. وعن ابن عباس قوله: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وعن الجنيد قوله: والذين جاهدوا في التوبة؛ لنهدينهم سبل الإخلاص، أو جاهدوا في خدمتنا، لنفتحنّ عليهم سبل المناجاة معنا، والأنس بنا، أو جاهدوا في طلبنا تحرّيا لرضانا؛ لنهدينهم سبل الوصول إلينا. انتهى. نسفي.
﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ:﴾ بالعون، والرعاية، والتوفيق، والهداية، ومع جميع الناس بالعلم، والقدرة، والإحاطة، فبين المعنيين بون، ومع المحسنين بالنصرة، والمعونة في الدنيا، وبالثواب والمغفرة في العقبى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿جاهَدُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِينا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نهدينهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿سُبُلَنا:﴾ مفعول به، و (نا):
ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ جواب القسم
стр. 4612
المحذوف، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، وانظر الآية رقم [٥٨] ففيها كبير فائدة، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف.
(إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم (إن). ﴿لَمَعَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى:
(المزحلقة) هنا. (مع): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: (إن)، و (مع) مضاف، و ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو فقط.
تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، ورحم الله قيس بن سعد بن عبادة-﵄-إذ يقول: [مخلع البسيط] يا ناظرا في الكتاب بعدي... مجتنيا من ثمار جهدي
بي افتقار إلى دعاء... تهديه لي في ظلام لحدي
انتهت سورة العنكبوت شرحا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه
والحمد لله رب العالمين.
стр. 4613
سورة الرّوم
سورة الروم، وهي مكية كلها، وهي ستون آية، وثمانمائة وتسع عشرة كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة وثلاثون حرفا. انتهى. خازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾
الشرح: ﴿الم:﴾ ألف لام ميم، اعلم: أن مجموع الأحرف المنزلة في أوائل السور أربعة عشر حرفا، وهي نصف حروف الهجاء، وقد تفرقت في تسع وعشرين سورة، ولم يثبت عن النبي ﷺ في هذه الفواتح شيء، يصلح للتمسك به؛ لذا كان بعده فيها مذهبان: مذهب السلف: التفويض، ومذهب الخلف: التأويل، فالصحابة، والتابعون لم يخوضوا في تفسيرها، ويكلون العلم بها إلى الله تعالى. فعن أبي بكر الصديق-﵁: أنه قال: في كل كتاب سرّ، وسرّ الله في القرآن أوائل السور. وعن عمر، وعثمان، وابن مسعود-﵃: أنهم قالوا: الحروف المقطعة من السر المكتوم؛ الذي لا يفسر. وعن علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-: أنه قال: إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. ولكن بعد أن اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، ودخل أكثر أهل البلاد المفتوحة في الدين الإسلامي الحنيف، وظهرت الملل، والنحل خصوصا في العصر العباسي؛ اضطر علماء المسلمين للخوض في تفسير هذه الحروف، وأعني بهؤلاء الخلف، وبمذهبهم مذهب الخلف، وكثرت الأقوال والتفاسير في ذلك:
فقيل: كل حرف مفتاح اسم من أسماء الله تعالى، فالألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح اسمه المجيد. وقيل: الألف آلاء الله، واللام لطفه، والميم ملكه. وقيل: هي أسماء مقطعة لو علم الناس تأليفها، لعلموا اسم الله الأعظم، ألا ترى أنك تقول ﴿الر﴾ و ﴿لَحْمَ﴾ و ﴿ن﴾ فيكون مجموعها الرحمن وكذلك سائرها، ولكن لم يتهيأ تأليفها جميعا. وقيل: هي أسماء للسور التي بدئت بها. وقيل: غير ذلك. انتهى. من تفسير سورة (البقرة).
وينبغي أن تعلم: أن هذا اللفظ أعني: ﴿الم﴾ قد ذكر في أول سورة (البقرة)، وأول سورة (آل عمران)، وأول سورة (العنكبوت) وأول سورة (الروم) هذه، وأول سورة (لقمان) وأول سورة
стр. 4614
(السجدة) وذكر في أول سورة (الأعراف) ﴿المص،﴾ وفي أول سورة (الرعد) ﴿المر،﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ:﴾ الروم اسم قبيلة، سميت باسم جدها الأول، وهو: روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. وسبب نزول الآيات على ما ذكره المفسرون: أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم؛ لأن الفرس كانوا مجوسا أميين مثل المشركين، وكان المسلمون يودون غلبة الروم على فارس لكونهم أهل كتاب مثل المسلمين، فبعث كسرى جيشا إلى الروم استعمل عليهم رجلا، يقال له:
شهريزان، وبعث قيصر جيشا وأمر عليهم رجلا يدعى بخين. وقيل: بخنس، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى بلاد الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة، فشق عليهم، وفرح به كفار قريش، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أمّيّون، وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، وإنكم إن قاتلتمونا؛ لنظهرن عليكم.
فأنزل الله تعالى هذه الآية فخرج أبو بكر الصديق-﵁-إلى كفار مكة، وقال:
فرحتم بظهور إخوانكم، فلا تفرحوا، فو الله لتظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا ﷺ ، فقام إليه أبيّ بن خلف الجمحي، وقال: كذبت! فقال له الصديق-﵁: أنت أكذب يا عدوّ الله! فقال: اجعل أجلا أناحبك عليه، والمناحبة: القمار والمراهنة؛ أي: أراهنك عليه، فناحبه على عشر قلائص مني، وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت لك، وإن ظهرت فارس على الروم غرمت لي. ففعلوا، وجعلوا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر ﵁-إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره بذلك، وكان ذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي ﷺ : «ما هكذا ذكرت، إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر، ومادده في الأجل». فخرج أبو بكر، ﵁، فلقي أبيّا، فقال: لعلك ندمت، فقال: لا، فتعال أزيدك في الخطر، وأماددك في الأجل فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين. وقيل: إلى سبع.
فلما خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه، ولزمه، وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة، فأقم لي كفيلا ضامنا، فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد، أتاه عبد الله بن أبي بكر، فلزمه، وقال: لا أدعك حتى تعطيني كفيلا، فأعطاه كفيلا، ثم خرج إلى أحد، ثم رجع أبي بن خلف إلى مكة، ومات بها من جراحته التي جرحه إياها النبي ﷺ حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك على رأس سبع سنين من مناحبتهم. وقيل: كان يوم بدر، وربطت الروم خيولهم بالمدائن.
وبنوا بالعراق مدينة، وسمّوها روميّة، فقمر أبو بكر-﵁-أبيّا، وأخذ مال الخطر
стр. 4615
من ورثته، وجاء به إلى النبي ﷺ ، وذلك قبل أن يحرّم القمار، فقال له النبي ﷺ : «تصدق به». انتهى. خازن.
وكان سبب غلبة الروم فارسا على ما قاله عكرمة وغيره: أن شهريزان لما غلب الروم لم يزل يطؤهم، ويخرب مدائنهم؛ حتى بلغ الخليج، فبينا أخوه فرّخان جالس ذات يوم يشرب؛ قال لأصحابه: لقد رأيت أني جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى! فكتاب إلى شهريزان:
إذا أتاك كتابي فابعث إليّ برأس أخيك فرّخان! فكتاب إليه: أيها الملك! إنك لم تجد مثل فرخان، إن له لنكاية، وصولة في العدو، فلا تفعل! فكتاب إليه: إن في رجال فارس خلفا عنه، فعجّل إليّ برأسه! فراجعه، فغضب كسرى، ولم يجبه وبعث بريدا إلى أهل فارس: إني قد عزلت عنكم شهريزان، واستعملت عليكم فرخان، ثم بعث مع البريد صحيفة صغيرة، وأمره فيها بقتل شهريزان، وقال: إذا ولي فرّخان الملك، وانقاد له أخوه، فأعطه الصحيفة.
فلما وصل البريد إلى شهريزان عرض عليه كتاب كسرى، فلما قرأه قال: سمعا وطاعة، ونزل عن سرير الملك، وأجلس عليه أخاه فرّخان، فدفع البريد الصحيفة إلى فرخان فلما قرأها استدعى أخاه شهريزان، وقدمه ليضرب عنقه، فقال له: لا تعجل حتى أكاتب وصيتي! قال:
نعم، فدعا بسفط، ففتحه، وأعطاه ثلاث صحائف منه، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت تريد قتلي بكتاب واحد، فرد فرخان الملك إلى أخيه شهريزان.
ثم كتاب إلى قيصر ملك الروم: أما بعد: إن لي إليك حاجة، لا تحملها البرد، ولا تبلغها الصحف، فالقني في خمسين روميّا حتى ألقاك في خمسين فارسيا، فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطرق، مخافة أن يمكر به شهريزان حتى أتاه عيونه، فأخبروا: أنه ليس معه إلا خمسون فارسيا، فلما التقيا ضربت لهما قبة، فيها ديباج، فدخلاها ومع كل واحد منهما سكين، ودعيا بترجمان يترجم بينهما، فقال شهريزان: إن الذي خرب بلادك أنا، وأخي بكيدنا، وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا، وأراد أن يقتل أخي، فأبيت عليه، ثم أمر أخي بقتلي، فأبى عليه، وقد خلعناه، ونحن نقاتله معك، فقال: قد أصبتما، وأشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإذا جاوزهما فشا، فقتلا الترجمان معا بسكينهما، ونشبت الحروب بعدئذ، وأديل للروم على فارس عند ذلك، وغلبوهم، وقتلوهم، وجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ففرح، ومن كان معه من المسلمين بذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ..﴾. إلخ. انتهى. خازن. والبادئ في الحرب الأولى الفرس، وفي هذه الروم.
﴿أَدْنَى:﴾ أقرب. قال ابن عطية، فإن كانت الواقعة بأذرعات، فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة، وهي التي ذكرها امرؤ القيس في قوله: [الطويل] تنوّرتها من أذرعات وأهلها... بيثرب أدنى دارها نظر عالي
стр. 4616
وإن كانت الواقعة في الجزيرة، فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن، فهي أدنى إلى أرض الروم. وكان في هذا الإخبار دليل على نبوة محمد ﷺ ؛ لأن الروم قد غلبتها فارس، فأخبر الله نبيه محمدا ﷺ أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، وأن المؤمنين يفرحون بذلك، وفي هذا الإخبار دليل على أن القرآن من عند الله؛ لأن الآيات أنبأت عن علم الغيب؛ الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ لبيان شدة ضعفهم، أي: انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طرف بلادهم، وكسروهم، وهم في بلادهم، ثم غلبوا حتى وصلوا إلى المدائن، وبنوا هناك الروميّة، لبيان: أن هذه الغلبة العظيمة بعد ذلك الضعف العظيم كان، بإذن الله تعالى. انتهى جمل نقلا من كرخي. قال الزمخشري: وهذه الآية من الآيات البينة الشاهدة على صحة نبوة النبي ﷺ ، وأن القرآن من عند الله؛ لأنها إنباء عن علم الغيب؛ الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
الإعراب: ﴿الم:﴾ في إعراب هذا اللفظ وجوه: الأول: أن محله الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه الم. أو هو مبتدأ خبره ما بعده. والثاني: أن محله النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل الم، أو هو منصوب على تقدير حذف حرف القسم، كما تقول: الله لأفعلنّ، والناصب فعل محذوف أيضا، التقدير: التزمت الله، أي:
اليمين به. والثالث: أن محله الجر على القسم، وحرف الجر محذوف، وبقي عمله بعد الحذف؛ لأنه مراد، فهو كالملفوظ به، وتقدير الكلام على هذا: أقسم، أو أحلف ب: الم، وضعف هذا سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-، فقال: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك؛ أي: حذف الجار، وإبقاء عمله من خصائص الجلالة المعظمة، لا يشركها فيه غيرها. ولا محل لها من الإعراب على اعتبارها وأمثالها حروفا مقطعة، أو مختصرة من أسماء.
﴿غُلِبَتِ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الرُّومُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر: ﴿الم﴾ على وجه مر ذكره في إعرابها. ﴿فِي أَدْنَى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿أَدْنَى﴾ مضاف، و ﴿الْأَرْضِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال.
(هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و ﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و ﴿غَلَبِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: من بعد غلب فارس لهم. ﴿سَيَغْلِبُونَ:﴾ السين: حرف استقبال. (يغلبون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الروم، والرابط:
стр. 4617
الواو، والضمير. هذا؛ واقتران الجملة الخبرية بالسين، لا يضر، وهو من قبيل الوعد، ووعد الله حق، لا يخلف فكان بمنزلة الواقع حالا، وإن اعتبرتها معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فمحلها مثلها، والحالية أقوى.
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾
الشرح: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ:﴾ البضع مأخوذ من: بضعت الشيء؛ أي: قطعته، فهو قطعة من العدد، وهو في العدد بكسر الباء، وبعض العرب يفتحها، وهو ما بين الثلاث إلى التسع، تقول: بضع سنين، وبضعة عشر رجلا، وبضع عشرة امرأة، فإذا جاوزت لفظ العشر، ذهب البضع، لا تقول: بضع وعشرون، وقد يقال. والبضع: الطائفة من الليل، والبضع بضم الباء:
الجماع، أو الفرج نفسه، والمهر، والطلاق، وعقد النكاح. وقد أبهم البضع ولم يبينه، وإن كان معلوما لنبيه ﷺ ، لإدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت. انتهى. جمل نقلا من الرازي.
﴿سِنِينَ:﴾ جمع سنة، والأصل فيها ألا تجمع بالياء والنون؛ لأن الواو والنون لمن يعقل، ولكن جاز ذلك فيها، وإن كانت ممن لا يعقل للحذف الذي دخلها؛ لأن أصلها سنوة.
وقيل: سنهة على فعلة، دليله قولهم: في جمع الأول سنوات جمع مؤنث سالم، وقولهم:
سانهت، وتجمع على سنهات، كسرت السين في ﴿سِنِينَ﴾ لتدل على أنه جمع على غير الأصل؛ لأن كل ما جمع جمع السلامة، لا يتغير فيه بناء الواحد، فلما تغير بناء الواحد في هذا الجمع بكسر أوله، وقد كان مفتوحا في الواحد؛ علم أنه جمع على غير أصله، لذا فإنه يلحق بجمع المذكر السالم إلحاقا، والنسبة إلى سنة: سنهي، أو سنوي.
﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ:﴾ أخبر الله تعالى بانفراده بالقدرة، وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه، وبإرادته، وقدرته، فقال: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ﴾ أي: إنفاذ الأحكام. و ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ أي: من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء، أو حين غلبوا، وحين يغلبون، والمعنى:
أن كونهم مغلوبين أولا، وغالبين آخرا ليس إلا بأمر الله، وقضائه، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾. هذا؛ و ﴿قَبْلُ﴾ و ﴿بَعْدُ﴾ ظرفان بنيا على الضم؛ لأنهما تعرّفا بحذف ما أضيفا إليهما، وصارا متضمنين ما حذف، فخالفا تعريف الأسماء، وأشبها الحروف في التضمين، فبنيا، وخصّا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نكر وأضيف؛ زال بناؤه، وكذلك هما، فضما. هذا؛ وقرئ شاذا بالجر بالتنوين، وعدمه.
(يومئذ): التنوين فيه ينوب عن جملة محذوفة، دلت عليها الغاية، أي: يوم ينتصر الروم على الفرس، و (إذ) مضافة لهذه الجملة في الأصل، فإن أصل الكلام: يوم إذ ينتصر الروم على الفرس، ويتحقق وعد الله بنصرهم، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت
стр. 4618
الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما، وانظر الفرح في الآية رقم [٣٢] الآتية.
الإعراب: ﴿فِي بِضْعِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يغلبون) و ﴿بِضْعِ﴾ مضاف، و ﴿سِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَمْرُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وهو أولى من تعليقهما بمحذوف خبر ثان، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: في ألفيته: [الرجز] واضمم بناء غيرا أن عدمت ما... له أضيف ناويا ما عدما
قبل كغير بعد حسب أوّل... ودون والجهات أيضا وعل
(من بعد): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَيَوْمَئِذٍ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يومئذ): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
﴿يَفْرَحُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على الاعتبارين.
﴿بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾
الشرح: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾ أي: يفرح بنصر الله من له كتاب، وهم الروم على من لا كتاب له، وهم الفرس، لما في ذلك من انقلاب التفاؤل، وظهور صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من أهل مكة، وغلبة أبي بكر الصديق-﵁-في رهانه مع أبي بن خلف كما رأيت، وازدياد يقينهم، وثباتهم في دينهم. ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: من أوليائه على أعدائه؛ لأن نصره مختص بغلبة أوليائه؛ لأعدائه، فأما غلبة أعدائه لأوليائه؛ فليس بنصر، وإنما هو ابتلاء، وقد يسمى ظفرا. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي الغالب القاهر ينتقم من أعدائه. ﴿الرَّحِيمُ:﴾ بأهل طاعته، ينصرهم؛ إن نصروا دينه، وتعاليم نبيه.
الإعراب: ﴿بِنَصْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل يفرح، و (نصر) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، انظر الشرح. ﴿يَنْصُرُ:﴾ فعل مضارع،
стр. 4619
والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ينصر الذي، أو: شخصا يشاء نصره، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ خبر أول.
﴿الرَّحِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (ينصر) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها أيضا.
﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦)﴾
الشرح: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ أي: وعد الله وعدا قاطعا بظهور الروم على فارس. ﴿لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ:﴾
لامتناع الخلف في حقه تعالى كرما، وجودا. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ الحقيقة، ولا يفهمونها، وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل. وخذ قول الشاعر: [البسيط] لم يبق من جلّ هذا الناس باقية... ينالها الوهم إلا هذه الصّور
لا يدهمنّك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر
دهمه: غشيه، يقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء، ونصرة، فإن كلهم كالأنعام، والبهائم، ولله درّ القائل: [المنسرح] لا يدهمنّك اللّحاء والصّور... تسعة أعشار من ترى بقر
في شجر السّرو منهم شبه... له رواء ما له ثمر
ورضي الله عن حسان بن ثابت؛ إذ يقول: [البسيط] لا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم الجمال وأحلام العصافير
هذا والفعل ﴿يَعْلَمُونَ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] لعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه
بخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما: مبتدأ، وخبر، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النّسب بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنّسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا؛ فالمعنى: أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك
стр. 4620
عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى لم يتجاوز مفعولا؛ لأن العلم، والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما، لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.
هذا؛ والوعد يستعمل في الخير والشر، وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (القصص) ففيها الكفاية.
الإعراب: ﴿وَعْدَ:﴾ مفعول مطلق عامله محذوف دل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ لأن هذا الكلام كان بمنزلة الوعد للمؤمنين، و ﴿وَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخْلِفُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿وَعْدَهُ:﴾
مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط إعادة اللفظ الكريم بعينه وهي مؤكدة لمعنى المصدر، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن):
حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، و ﴿أَكْثَرَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾
نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لكنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.
﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧)﴾
الشرح: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: ما يشاهدونه منها، والتمتع بزخارفها، ويعلمون أمر معاشهم؛ كيف يكسبون، ويتجرون، ومتى يغرسون، ويزرعون، ويحصدون. قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره، فيذكر وزنه لا يخطئ؛ وهو لا يحسن أن يصلي.
وقيل: إن المعنى لا يعلمون الدنيا بحقيقتها إنما يعلمون ظاهرها، وهو ملاذّها، وملاعبها، ولا يعلمون باطنها، وهو مضارّها، ومتاعبها.
﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ﴾ أي: عن العلم بها، والعمل لها، وأنّها غاية الدنيا، والمقصود منها. ﴿هُمْ غافِلُونَ:﴾ لا تخطر ببالهم. وهو نداء، وإشعار على تمكن غفلتهم عن الآخرة. وهو تقرير لجهالتهم، وتشبيه لهم بالحيوانات، وخذ ما يلي وهو قول بعضهم: [الكامل] ومن البليّة أن ترى لك صاحبا... في صورة الرّجل السّميع المبصر
فطن بكلّ مصيبة في ماله... وإذا يصاب بدينه لم يشعر
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يبغض كلّ جعظريّ جوّاظ، صخّاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنّهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة».
стр. 4621
الإعراب: ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ظاهِراً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْحَياةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ظاهِراً﴾. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ بدل من الجملة قبلها، وفيه إشعار: أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين العلم المقصور على معرفة الدنيا، وتحصيل متاعها الزائل. وفي هذا الإبدال مخالفة بين النفي والإثبات؛ لذا فقد قيل بالاستئناف. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:
واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَنِ الْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿غافِلُونَ﴾ بعدهما. ﴿هُمْ:﴾ توكيد لما قبله. ﴿غافِلُونَ:﴾ خبر المبتدأ. هذا وإن اعتبرت ﴿هُمْ﴾ الثانية مبتدأ ثانيا، و ﴿غافِلُونَ﴾ خبره، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، ومثلها الآية رقم [٣٧] من سورة (يوسف).
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أولم يتفكروا في أنفسهم، التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم بأحوالها منهم بأحوال ما عداها، فيتدبروا ما أودعها الله ظاهرا، وباطنا من غرائب الحكمة الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازى فيه على الإحسان إحسانا، وعلى الإساءة مثلها؛ حتى يعلموا عند ذلك: أن سائر الخلائق كذلك، أمرها جار على الحكمة في التدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت، قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الذاريات.
﴿ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما:﴾ هو مثل قوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ والمعنى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا،﴾ أولم ينظروا نظر تفكر، واعتبار، واستدلال، واستبصار. ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: ما خلق الله السموات والأرض، وما بينهما باطلا وعبثا بغير حكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة، وبتقدير أجل مسمى، لا بد لها من أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب، والثواب، والعقاب. ألا ترى إلى قوله جل ذكره في آية أخرى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثا. ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بلقاء جزائه عند انقضاء الأجل المسمى، أو قيام الساعة. ﴿لَكافِرُونَ:﴾
جاحدون يوم القيامة، ولا يعتقدون بالبعث، والحساب، ولا يقرون بالجزاء، والجنة، والنار، وإنما يظنون: أن الدنيا أبدية، وأن الآخرة لا تكون.
стр. 4622
هذا وقد أعاد الضمير إلى السموات والأرض مثنى، والمرجوع إليه مجموع السموات والأرض، وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين، ومنه قول الشاعر، يذم عاملا على الصدقات في عهد بني أمية: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟
لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين
فقد ثنى: «جمالا» الذي هو جمع: جمل، والعقال: صدقة عام، والسبد: المال القليل، واللبد: المال الكثير، وأوبادا: هلكى جمع: وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الزكوات في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموالنا بغير حق، حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف يكون حالنا؟ وكيف يبقى لأحد مال لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟ ثم أقسم، فقال: والله لو صار عمرو عاملا سنتين لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان؛ أي: قطيعان من الجمال، فيختل أمر الغزوات.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):
حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَتَفَكَّرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، وهو أقوى من العطف على محذوف، فلا محل لها. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما بمعنى الظرف له. وقيل: هما في محل نصب مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾
معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾ بالواو العاطفة. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: إلا مقرونة بالحق. ﴿وَأَجَلٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (أجل): معطوف على الحق. فإن التقدير: وبأجل. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة (أجل) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. وجملة: ﴿ما خَلَقَ اللهُ..﴾.
إلخ قال أبو البقاء والجمل: وجهان: أحدهما أنها مستأنفة، والثاني أنها معلقة للفعل قبلهما عن العمل لفظا، فتكون في محل نصب على نزع الخافض.
وأما الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي، فيعتبرونها في محل نصب مقول القول لقول محذوف. التقدير: أولم يتفكروا، فيقولوا: ما خلق الله... إلخ. وقيل: التقدير: أولم يتفكروا
стр. 4623
فيعلموا ما خلق الله... إلخ؛ لأن في الكلام دليلا عليه. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف.
(إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيراً:﴾ اسم (إن). ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب:
﴿كَثِيراً﴾. ﴿بِلِقاءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (كافرون)، و (لقاء) مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: بلقائهم ربهم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَكافِرُونَ:﴾ اللام:
لام الابتداء. وتسمى المزحلقة. (كافرون): خبر (إن) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو فقط.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ..﴾. إلخ أي: أولم يمش كفار قريش في نواحي الأرض، وجهاتها ليروا مصارع الأمم المكذبة، وما حل بهم من الهلاك، والدمار، فيعتبروا بهم، وفيه ردع، وزجر للكافرين المكذبين بأن الله سيهلكهم، كما أهلك من قبلهم، فهو حض للكفرة؛ لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة، وإهمال، ينظرون إلى مساكن الأمم الماضية، وديارهم وآثارهم، كيف أهلكهم الله، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١].
هذا؛ وعاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ومصيره، ومآله، ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ؛﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث، أو لأن ﴿عَقِبِهِ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه، وهذا باب من أبواب النحو، انظر الشاهد رقم [٩٠١] وما بعده من كتابنا فتح القريب المجيب؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: في الأبدان، كقوم هود، وكقوم صالح، فإنهم كانوا طوال الأجسام أقوياء الأبدان، كما هو معروف عنهم. وأثاروا الأرض: حرثوا الأرض، وقلبوا وجهها لاستنباط المعادن، واستخراج المياه، وزرع البذور وغيرها. وذكر الله أهل مكة بهذا، ولم يكونوا أهل حرث، وزرع لزيادة العبرة، والعظة لهم. ﴿وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أي: عمر الأرض أولئك الأقوام، وشيدوا فيها القصور الشامخة، والعمارة الفخمة أكثر من تعمير كفار قريش لها.
стр. 4624
﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الواضحة، والحجج الدامغة، والدلالات الظاهرة، ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: فأهلكهم الله بذنوبهم، وما كان الله مريدا ظلمهم بأن يهلكهم من غير ذنب. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي، واجتراح السيئات، ومعاندة الواحد القهار.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):
حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة قبلها يقتضيها المقام، أي: أقعدوا في أماكنهم، ولم يسيروا. ﴿فَيَنْظُرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، أو منصوب على إضمار: «أن» واعتبار الفاء للسببية، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا، فيؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، فيكون التقدير: فهلا حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم. ﴿كَيْفَ:﴾
اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و ﴿عَقِبِهِ:﴾
مضاف، والذين اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
هذا وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة؛ فالمعنى لا يأباه، فيكون عاقبة فاعلها، وكيف في محل نصب حال من ﴿عاقِبَةُ﴾ والعامل ﴿كانَ،﴾ وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَشَدَّ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَشَدَّ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾
تمييز، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الموصول. فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط الضمير فقط، وقد ربطت بالواو أيضا في آية سورة (فاطر) رقم [٤٤]، ويجب تقدير: «قد» قبلها، لتقربها من الحال. وقيل: مفسرة لما قبلها.
وقيل: بدل منها. ﴿وَأَثارُوا:﴾ الواو: حرف عطف، وجملة: ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ﴾ معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَعَمَرُوها:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَكْثَرَ:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف.
التقدير: عمروها عمارة أكثر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِمّا:﴾ (من): حرف
стр. 4625
جر. (ما): مصدرية، و (ما) والفعل: (عمر) في تأويل مصدر في محل جر ب: (من)، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿أَكْثَرَ،﴾ التقدير: أكثر من عمارتهم.
﴿وَجاءَتْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (جاءتهم): فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعل. والهاء في محل جر بالإضافة، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿لِيَظْلِمَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود.
والفاعل يعود إلى الله تعالى، والهاء مفعول به، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير:
وما كان الله مريدا ظلمهم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَلكِنْ كانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ..﴾. إلخ: هذا بيان هلاكهم في الآخرة بعد بيان هلاكهم في الدنيا بسبب تكذيبهم رسلهم، وانظر شرح: ﴿عاقِبَةَ﴾ في الآية السابقة. هذا؛ والسوء: كل ما يغم الإنسان من أمر دنيوي، أو أخروي، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف كما في هذه الآية.
وقيل: إن ﴿السُّواى﴾ تأنيث الأسوأ، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن. وقيل: المعنى: ثم كان عاقبة الذين أساءوا العقوبة السوأى. أو الخصلة السوأى، كما قيل: السوأى هي النار. هذا؛ والسوء أيضا: العمل السّيّئ، وأطلق عليه ذلك؛ لأنه يسوء صاحبه، ويغمه عند مجازاته به في الدنيا، وفي الآخرة، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتح السين المصدر، تقول: رجل سوء، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء. ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ المعنى: ثم كان عاقبة الكافرين السوأى لتكذيبهم بآيات الله، واستهزائهم بها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةَ:﴾ يقرأ بالرفع، والنصب، فمن رفعه جعله اسم ﴿كانَ،﴾ وفي الخبر وجهان، أحدهما: ﴿السُّواى﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ في محل نصب مفعول لأجله؛ أي: لأن كذبوا، أو بأن كذبوا، أو
следующие страницы →