Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
الإعراب: ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ظاهِراً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْحَياةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ظاهِراً﴾. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ بدل من الجملة قبلها، وفيه إشعار: أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين العلم المقصور على معرفة الدنيا، وتحصيل متاعها الزائل. وفي هذا الإبدال مخالفة بين النفي والإثبات؛ لذا فقد قيل بالاستئناف. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:
واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَنِ الْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿غافِلُونَ﴾ بعدهما. ﴿هُمْ:﴾ توكيد لما قبله. ﴿غافِلُونَ:﴾ خبر المبتدأ. هذا وإن اعتبرت ﴿هُمْ﴾ الثانية مبتدأ ثانيا، و ﴿غافِلُونَ﴾ خبره، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، ومثلها الآية رقم [٣٧] من سورة (يوسف).
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أولم يتفكروا في أنفسهم، التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم بأحوالها منهم بأحوال ما عداها، فيتدبروا ما أودعها الله ظاهرا، وباطنا من غرائب الحكمة الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازى فيه على الإحسان إحسانا، وعلى الإساءة مثلها؛ حتى يعلموا عند ذلك: أن سائر الخلائق كذلك، أمرها جار على الحكمة في التدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت، قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الذاريات.
﴿ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما:﴾ هو مثل قوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ والمعنى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا،﴾ أولم ينظروا نظر تفكر، واعتبار، واستدلال، واستبصار. ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: ما خلق الله السموات والأرض، وما بينهما باطلا وعبثا بغير حكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة، وبتقدير أجل مسمى، لا بد لها من أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب، والثواب، والعقاب. ألا ترى إلى قوله جل ذكره في آية أخرى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثا. ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بلقاء جزائه عند انقضاء الأجل المسمى، أو قيام الساعة. ﴿لَكافِرُونَ:﴾
جاحدون يوم القيامة، ولا يعتقدون بالبعث، والحساب، ولا يقرون بالجزاء، والجنة، والنار، وإنما يظنون: أن الدنيا أبدية، وأن الآخرة لا تكون.
стр. 4622
هذا وقد أعاد الضمير إلى السموات والأرض مثنى، والمرجوع إليه مجموع السموات والأرض، وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين، ومنه قول الشاعر، يذم عاملا على الصدقات في عهد بني أمية: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟
لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين
فقد ثنى: «جمالا» الذي هو جمع: جمل، والعقال: صدقة عام، والسبد: المال القليل، واللبد: المال الكثير، وأوبادا: هلكى جمع: وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الزكوات في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموالنا بغير حق، حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف يكون حالنا؟ وكيف يبقى لأحد مال لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟ ثم أقسم، فقال: والله لو صار عمرو عاملا سنتين لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان؛ أي: قطيعان من الجمال، فيختل أمر الغزوات.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):
حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَتَفَكَّرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، وهو أقوى من العطف على محذوف، فلا محل لها. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما بمعنى الظرف له. وقيل: هما في محل نصب مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾
معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾ بالواو العاطفة. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: إلا مقرونة بالحق. ﴿وَأَجَلٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (أجل): معطوف على الحق. فإن التقدير: وبأجل. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة (أجل) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. وجملة: ﴿ما خَلَقَ اللهُ..﴾.
إلخ قال أبو البقاء والجمل: وجهان: أحدهما أنها مستأنفة، والثاني أنها معلقة للفعل قبلهما عن العمل لفظا، فتكون في محل نصب على نزع الخافض.
وأما الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي، فيعتبرونها في محل نصب مقول القول لقول محذوف. التقدير: أولم يتفكروا، فيقولوا: ما خلق الله... إلخ. وقيل: التقدير: أولم يتفكروا
стр. 4623
فيعلموا ما خلق الله... إلخ؛ لأن في الكلام دليلا عليه. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف.
(إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيراً:﴾ اسم (إن). ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب:
﴿كَثِيراً﴾. ﴿بِلِقاءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (كافرون)، و (لقاء) مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: بلقائهم ربهم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَكافِرُونَ:﴾ اللام:
لام الابتداء. وتسمى المزحلقة. (كافرون): خبر (إن) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو فقط.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ..﴾. إلخ أي: أولم يمش كفار قريش في نواحي الأرض، وجهاتها ليروا مصارع الأمم المكذبة، وما حل بهم من الهلاك، والدمار، فيعتبروا بهم، وفيه ردع، وزجر للكافرين المكذبين بأن الله سيهلكهم، كما أهلك من قبلهم، فهو حض للكفرة؛ لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة، وإهمال، ينظرون إلى مساكن الأمم الماضية، وديارهم وآثارهم، كيف أهلكهم الله، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١].
هذا؛ وعاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ومصيره، ومآله، ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ؛﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث، أو لأن ﴿عَقِبِهِ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه، وهذا باب من أبواب النحو، انظر الشاهد رقم [٩٠١] وما بعده من كتابنا فتح القريب المجيب؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: في الأبدان، كقوم هود، وكقوم صالح، فإنهم كانوا طوال الأجسام أقوياء الأبدان، كما هو معروف عنهم. وأثاروا الأرض: حرثوا الأرض، وقلبوا وجهها لاستنباط المعادن، واستخراج المياه، وزرع البذور وغيرها. وذكر الله أهل مكة بهذا، ولم يكونوا أهل حرث، وزرع لزيادة العبرة، والعظة لهم. ﴿وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أي: عمر الأرض أولئك الأقوام، وشيدوا فيها القصور الشامخة، والعمارة الفخمة أكثر من تعمير كفار قريش لها.
стр. 4624
﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الواضحة، والحجج الدامغة، والدلالات الظاهرة، ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: فأهلكهم الله بذنوبهم، وما كان الله مريدا ظلمهم بأن يهلكهم من غير ذنب. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي، واجتراح السيئات، ومعاندة الواحد القهار.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):
حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة قبلها يقتضيها المقام، أي: أقعدوا في أماكنهم، ولم يسيروا. ﴿فَيَنْظُرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، أو منصوب على إضمار: «أن» واعتبار الفاء للسببية، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا، فيؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، فيكون التقدير: فهلا حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم. ﴿كَيْفَ:﴾
اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و ﴿عَقِبِهِ:﴾
مضاف، والذين اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
هذا وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة؛ فالمعنى لا يأباه، فيكون عاقبة فاعلها، وكيف في محل نصب حال من ﴿عاقِبَةُ﴾ والعامل ﴿كانَ،﴾ وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَشَدَّ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَشَدَّ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾
تمييز، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الموصول. فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط الضمير فقط، وقد ربطت بالواو أيضا في آية سورة (فاطر) رقم [٤٤]، ويجب تقدير: «قد» قبلها، لتقربها من الحال. وقيل: مفسرة لما قبلها.
وقيل: بدل منها. ﴿وَأَثارُوا:﴾ الواو: حرف عطف، وجملة: ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ﴾ معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَعَمَرُوها:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَكْثَرَ:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف.
التقدير: عمروها عمارة أكثر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِمّا:﴾ (من): حرف
стр. 4625
جر. (ما): مصدرية، و (ما) والفعل: (عمر) في تأويل مصدر في محل جر ب: (من)، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿أَكْثَرَ،﴾ التقدير: أكثر من عمارتهم.
﴿وَجاءَتْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (جاءتهم): فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعل. والهاء في محل جر بالإضافة، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿لِيَظْلِمَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود.
والفاعل يعود إلى الله تعالى، والهاء مفعول به، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير:
وما كان الله مريدا ظلمهم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَلكِنْ كانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ..﴾. إلخ: هذا بيان هلاكهم في الآخرة بعد بيان هلاكهم في الدنيا بسبب تكذيبهم رسلهم، وانظر شرح: ﴿عاقِبَةَ﴾ في الآية السابقة. هذا؛ والسوء: كل ما يغم الإنسان من أمر دنيوي، أو أخروي، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف كما في هذه الآية.
وقيل: إن ﴿السُّواى﴾ تأنيث الأسوأ، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن. وقيل: المعنى: ثم كان عاقبة الذين أساءوا العقوبة السوأى. أو الخصلة السوأى، كما قيل: السوأى هي النار. هذا؛ والسوء أيضا: العمل السّيّئ، وأطلق عليه ذلك؛ لأنه يسوء صاحبه، ويغمه عند مجازاته به في الدنيا، وفي الآخرة، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتح السين المصدر، تقول: رجل سوء، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء. ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ المعنى: ثم كان عاقبة الكافرين السوأى لتكذيبهم بآيات الله، واستهزائهم بها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةَ:﴾ يقرأ بالرفع، والنصب، فمن رفعه جعله اسم ﴿كانَ،﴾ وفي الخبر وجهان، أحدهما: ﴿السُّواى﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ في محل نصب مفعول لأجله؛ أي: لأن كذبوا، أو بأن كذبوا، أو
стр. 4626
في موضع جر بتقدير الجار على قول الخليل. والثاني: أن الخبر هو المصدر المؤول من: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ أي: كان آخر أمرهم التكذيب، و ﴿السُّواى﴾ على هذا صفة مصدر محذوف، أي:
أساءوا الإساءة السوأى. ومن نصب: ﴿عاقِبَةَ﴾ جعلها خبر (كان) مقدما، وفي الاسم وجهان:
أحدهما: ﴿السُّواى،﴾ والآخر: المصدر المؤول من: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ على ما تقدم، ويجوز أن تجعل المصدر المؤول من ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ بدلا من ﴿السُّواى،﴾ أو خبر مبتدأ محذوف. انتهى.
عكبري بتصرف. وزاد مكي اعتبار ﴿السُّواى﴾ مفعولا به ل: ﴿أَساؤُا﴾ على اعتبار المصدر المؤول من ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ خبر (كان) على قراءة الرفع، واسم (كان) على قراءة النصب، وهو بيان لما أبهم في شأن: ﴿السُّواى﴾. هذا؛ ونقل الجمل عن السمين نحو ما تقدم، وما تقدم من أوجه الإعراب في هذه الآية يشبه الآية رقم [٥١] من سورة (النمل).
هذا و ﴿عاقِبَةَ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.
﴿أَساؤُا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿السُّواى:﴾ رأيت ما فيها من اعتبارات فيما تقدم، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ قد رأيت ما فيه من اعتبارات أيضا. ﴿بِآياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وجملة:
«يستهزءون بها» في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة:
﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ فهي داخلة معها في المصدرية المؤولة، انظر المعنى في الشرح.
﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾
الشرح: ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: خلقهم ابتداء، ثم يعيدهم بعد الموت أحياء.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ:﴾ بالخطاب على الالتفات من الغيبة إليه، ويقرأ بالياء على الغيبة من غير التفات. ورجوع الخلق إليه بعد الموت للحساب، والجزاء، وإدخال المحسنين الجنة، وإدخال المسيئين النار، والفعل: «رجع» يستعمل لازما، ومتعديا.
﴿ثُمَّ:﴾ بضم الثاء: حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق: «ربّ» و «لا» العاملة عمل: «ليس» فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح. هذا؛ و «ثمّ» هذه غير: «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد يتصل به التاء المربوطة، فيقال: «ثمّة».
стр. 4627
الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَبْدَؤُا:﴾ فعل مضارع. والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ تقديره:
«هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿الْخَلْقَ:﴾ مفعول به. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُعِيدُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله أيضا، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما.
﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا مثلها.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾
الشرح: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ:﴾ يسكتون متحيرين، يقال: ناظرته، فأبلس: إذا سكت، وأيس من أن يحتج. وفي سورة (الأنعام) قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير ورحمة. وقال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، وذلك يقال لمن يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون له جواب: قد أبلس. وقال الزجاج: المبلس:
الساكت، المنقطع في حجته، اليائس من أن يهتدي إليها.
أقول: سمي إبليس من هذا؛ لأنه أفلس من رحمة الله، وانقطع رجاؤه من سعة فضل الله. بعد هذا خذ ما رواه عقبة بن عامر-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحبّ، وهو مقيم على معصيته، فذلك منه تعالى استدراج». ثم تلا قوله تعالى في سورة (الأنعام) الآية [٤٤]: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطبري، وانظر الآية رقم [٤٩] الآتية.
هذا والمراد ب: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ الكافرون، والتعبير عن الكافرين بالمجرمين، والظالمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين كثير في القرآن الكريم، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات؛ فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن منهم، واطّلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.
الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿يُبْلِسُ﴾.
﴿تَقُومُ:﴾ فعل مضارع. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها.
﴿يُبْلِسُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ فاعله. هذا؛ وقرئ شاذا ببناء الفعل للمجهول، وهذا بعيد؛ لأن «أبلس» لم يستعمل متعديا، ومخرجه أن يكون أقام المصدر مقام الفاعل وحذفه،
стр. 4628
وأقام المضاف إليه مقامه، فيكون التقدير: يبلس إبلاس المجرمين. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب، ومثلها في إعرابها الآية رقم [٥٥] الآتية.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ:﴾ يجيرونهم من عذاب الله. ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أي: جاحدين متبرءين منها، وتتبرأ منهم. أو المعنى: كانوا في الدنيا كافرين بسببهم، وهذا التبرؤ بين العابدين، والمعبودين من دون الله، وبين التابعين، والمتبوعين نجده في كثير من آيات الله تعالى. والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق وقوعه، وهو كثير في آيات الله تعالى.
هذا وقد أطلق الله على الأصنام المعبودة من دون الله اسم الشركاء لأمرين: أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس، وثانيهما: أنهم يشركونها معهم في الأموال، والأنعام، والزروع. انظر الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأنعام) وما بعدها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا؛ و ﴿شُفَعاءُ﴾ جمع: شفيع، والشفاعة: التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى: الشفيع، والشفاعة تكون حسنة، وتكون سيئة، فالأولى هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الناس. والسيئة ما كانت بخلاف ذلك. وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة إلى الله، فعن النبي ﷺ قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب؛ استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك».
فذلك هو النصيب الذي ذكره الله بقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ رقم [٨٥] من سورة (النساء).
الإعراب: ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُنْ﴾ تقدم على اسمها. ﴿مِنْ شُرَكائِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو حال من: ﴿شُفَعاءُ؛﴾ لأنه صفة له في الأصل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿شُفَعاءُ:﴾ اسم ﴿يَكُنْ﴾ مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿يَكُنْ﴾ تاما ف: ﴿شُفَعاءُ﴾ فاعله، و ﴿لَهُمْ﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَكُنْ،﴾ و ﴿مِنْ شُرَكائِهِمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿شُفَعاءُ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معترضة بين الجملتين المتعاطفتين لا محل لها على الاعتبارين، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل
стр. 4629
ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِشُرَكائِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كافِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، على جميع الاعتبارات فيها.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾
الشرح: معنى الآية يتفرق الناس يوم القيامة فرقتين بعد الحساب: المؤمنون يدخلون الجنة، والكافرون يدخلون النار، وقد دل على هذا التفرق الآيتان التاليتان. وعن الحسن، ﵁، قال: هو تفرق المسلمين، والكافرين، هؤلاء في عليين، وهؤلاء أسفل السافلين. وعن قتادة ﵁: فرقة لا اجتماع بعدها. وانظر هذا التفرق في الآية رقم [٤٤] الآتية.
هذا؛ و ﴿السّاعَةُ﴾ القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة، لا يعلمها إلا الله ﵎. وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ ولا تنس: أن ساعة كل إنسان، وقيامته وقت مقدمات الموت، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي ﷺ : «من مات فقد قامت قيامته». وقيل: سميت الساعة بذلك؛ لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا.
هذا وقد ثبت: أن لقيام القيامة علامات، وهي صغرى، وكبرى، فالصغرى قد ظهر جميعها، كقبض العلم الشرعي، وتقارب الزمان، وفيض المال، وكثرة الزلازل، وكثرة القتل، وتطاول البدو في البنيان، وكثرة الفجور، والفسوق، وغير ذلك مما هو واقع، ومشاهد الآن.
أما العلامات الكبرى فخذها مما يلي، فعن حذيفة بن أسيد الغفاري-﵁-قال:
طلع علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «ما تذاكرون؟». قالوا: نتذاكر الساعة، قال: «إنّها لن تقوم حتّى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدّخان، والدّجّال، والدّابّة، وطلوع الشّمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم». أخرجه مسلم. انتهى. خازن.
أقول: ما ذكر في الحديث الشريف، بعضه من علاماتها، وبعضه من مبادئها، كخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، فعند ذلك يغلق باب التوبة، ولا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، انظر الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأنعام)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٣] من سورة (الأحزاب) فإنه جيد.
стр. 4630
الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾.
﴿تَقُومُ:﴾ فعل مضارع. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها.
﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ توكيد لفظي لسابقه، و: (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والتنوين عوض عن جملة محذوفة؛ إذ التقدير:
يوم إذ تقوم الساعة. ﴿يَتَفَرَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ في الآية رقم [١٢] لا محل لها مثلها.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾
الشرح: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ عطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة، وغيرها يوحي بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ : «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح وقد بينته الآية رقم [٣٩] من سورة (النور)، والآية رقم [٢٣] من سورة (الفرقان) وغيرهما، ويسمى هذا في علم البديع احتراسا.
﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ:﴾ الروضة: كل أرض ذات نبات، وماء، ورونق، ونضارة. وقال أبو عبيدة: الروضة: ما كان في تسفل من الأرض، فإذا كانت مرتفعة فهي ترعة. وقال غيره:
أحسن ما تكون الروضة؛ إذا كانت في موضع مرتفع غليظ، كما قال الأعشى في معلقته رقم [١٢] وما بعده: [البسيط] ما روضة من رياض الحزن معشبة... خضراء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب شرق... مؤزّر بعميم النّبت مكتهل
يوما بأطيب منها نشر رائحة... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
انظر شرح هذه الأبيات، وإعرابها في كتابنا إعراب المعلقات العشر؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك؛ إلا أنه لا يقال له: روضة إلا إذا كان فيها نبت، فإن لم يكن فيها نبت، وكانت مرتفعة فهي ترعة. وقال القشيري: والروضة عند العرب ما ينبت حول الغدير من البقول، ولم يكن عند العرب شيء أحسن منه. هذا؛ وجمع روضة: روض، ورياض، وأصل هذا: رواض، قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، مثل: حوض، وحياض، وثوب، وثياب، ونحو ذلك، وتجمع أيضا على: روضات، كما في سورة (الشورى) [٢٢].
﴿يُحْبَرُونَ:﴾ يكرمون، وينعّمون. وقيل: يسرون سرورا تهللت له وجوههم. والحبر، والحبور هو السرور. وقيل: هو من التحبير، وهو التحسين، يقال: هو حسن الحبر، والسّبر،
стр. 4631
بكسر الحاء، والسين وفتحهما. وفي الحديث «يخرج من النار رجل ذهب حبره، وسبره».
فالمفتوح مصدر، والمكسور اسم.
روي: أن في الجنة أشجارا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش، فتقع في تلك الأشجار، فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا؛ لماتوا طربا.
وقال الأوزاعي: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم، وتسبيحهم. زاد غير الأوزاعي: ولم تبق شجرة في الجنة إلا وردّدت، ولم يبق ستر، ولا باب إلا أرتج، وانفتح، ولم تبق حلقة إلا طنّت بألوان طنينها، ولم تبق أجمة من آجام الذهب إلى وقع أهبوب الصوت في مقاصبها، فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم تبق جارية من جواري الحور العين إلا غنت بأغانيها، والطير بألحانها.
ويوحي الله إلى الملائكة أن جاوبوهم، وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم من مزامير الشيطان! فيجاوبون بألحان، وأصوات روحانيين، فتختلط هذه الأصوات، فتصير رجة واحدة، ثم يقول الله : «يا داود قم عند ساق عرشي فمجدني، فيندفع داود بتمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات، ويجليها، وتتضاعف اللذة»، فذلك قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ ذكره الترمذي الحكيم ﵀. انتهى. قرطبي، ثم قال-رحمه الله تعالى-: وهذا كله من النعيم والسرور والإكرام، فلا تعارض بين الأقوال، وأين هذا من قوله الحق: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ على ما يأتي، وقول النبي ﷺ : «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». انتهى.
الإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد.
أما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام الشرط، وفعله؛ بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل:
مهما يك من شيء؛ فالذين آمنوا... إلخ، فأنيبت (أما) مناب مهما، ويك من شيء. فصار:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ..﴾. إلخ.
وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها.
وأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لأنها علقته على أمر متيقن. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فَهُمْ:﴾
стр. 4632
الفاء: واقعة في جواب (أما). (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي رَوْضَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يُحْبَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾
الشرح: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ بالله، وبرسوله، وبكتابه. ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ آيات القرآن، أو بالمعجزات التي أيد بها رسوله. ﴿وَلِقاءِ الْآخِرَةِ:﴾ البعث، والحساب، والجزاء يوم القيامة.
﴿فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ:﴾ مقيمون، لا يغيبون عنه، ولا يخفف عنهم منه شيء. قال تعالى: ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها﴾ وقال: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
تنبيه: لما ذكر الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما أعد لهم من النعيم المقيم، والخير العميم؛ ذكر الذين كفروا، وما أعد لهم من العذاب المقيم، والعقاب الشديد، وتلك سنة الله في كتابه العظيم؛ حيث اقتضت حكمته تعالى، ورحمته، فلا يذكر التصديق من المؤمنين؛ إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، راجيا خائفا.
والمراد ب: ﴿(عَمِلُوا الصّالِحاتِ)﴾ الأعمال الصالحات على اختلافها، وتفاوت درجاتها، ومراتبها.
الإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ انظر الآية السابقة؛ فالإعراب مثله. ﴿وَلِقاءِ:﴾
الواو: حرف عطف. (لقاء): معطوف على (آياتنا)، و (لقاء) مضاف، و ﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: ولقائهم الآخرة. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء:
واقعة في جواب (أما). (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾
الشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: الكلام إخبار في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى، والثناء عليه في هذه الأوقات؛ التي تظهر فيها قدرته، وتتجدد فيها نعمته. أو دلالة على أن ما
стр. 4633
يحدث فيها من الشواهد الناطقة بتنزيهه، واستحقاقه الحمد ممن له تمييز من أهل السموات، والأرض. وتخصيص التسبيح بالمساء، والصباح؛ لأن آثار القدرة، والعظمة فيهما أظهر، وتخصيص الحمد بالعشي؛ الذي هو آخر النهار، وبالظهيرة؛ التي هي وسطه؛ لأن تجدد النعم فيهما أكثر.
هذا؛ وقال الجوهري: العشي، والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عشيّة أمس، وعشيّ أمس. وتصغير العشي: عشيّان على غير قياس مكبّره، والجمع: عشيّانات، وتصغير العشية: عشيشة، والجمع عشيشيات، والعشاء مثل العشي. والعشاءان: المغرب، والعتمة، وزعم قوم: أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا: [الوافر] غدونا غدوة سحرا بليل... عشاء بعد ما انتصف النّهار
هذا؛ وقال الأزهري: العشي ما بين زوال الشمس، وغروبها. وهذا هو المعتمد عنده.
أقول: والمعتمد أنه الوقت من قبيل العصر إلى المغرب، وهو ما رأيته في تفسير الآية، وإن أفتاك الناس، وأفتوك. وقال الماوردي: والفرق بين المساء، والعشاء: أن المساء بدوّ الظلام بعد المغيب، والعشاء آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، وهو مأخوذ من: عشا العين، وهو نقص النور من الناظر، كنقص نور الشمس.
هذا؛ وقد قوبل العشي بالإبكار في قوله تعالى لزكريا ﵇: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ،﴾ وقد قوبل بالغدو، في قوله تعالى في حق فرعون، وأشياعه: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا،﴾ وقوبل بالغداة في قوله تعالى لنبينا، وحبيبنا ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ..﴾. إلخ. وقوبلت العشية بالضحى في قوله تعالى في بيان يوم القيامة في سورة (النازعات) رقم [٤٦]: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾.
هذا وأكثر المفسرين على أن المراد بالتسبيح هنا: الصلاة، والمراد ب: ﴿حِينَ تُمْسُونَ:﴾
تدخلون في المساء وفيه صلاة المغرب والعشاء، والمراد ب: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ تدخلون في الصباح، وفيه صلاة الصبح، والمراد بالعشي: الوقت ما بين العصر، والمغرب، وفيه صلاة العصر والمراد ب ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ:﴾ حين تدخلون في الظهيرة، وفيه صلاة الظهر، قال نافع بن الأزرق الخارجي لابن عباس-﵄: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن، قال:
نعم، وقرأ هاتين الآيتين: وقال: جمعتا الصلوات الخمس، ومواقيتها.
وعن النبي ﷺ : «من سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى، فليقل: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ..﴾. إلخ»، وعنه ﷺ : «من قال حين يصبح: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ..﴾. إلخ إلى قوله: ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته».
стр. 4634
وإنما خص الله هذه الأوقات بالصلاة لله تعالى، وتسبيحه، وتعظيمه، وتقديسه؛ لأن أفضل الأعمال أدومها، والإنسان لا يقدر أن يصرف جميع أوقاته إلى الصلاة، والتسبيح، والتحميد، والتقديس؛ لأنه محتاج إلى ما يمونه من مأكول، وملبوس، وغير ذلك، فخفف الله عنه العبادة في غالب الأوقات، وأمره بها في أول النهار، ووسطه، وآخره، وفي أول الليل، وآخره، فإذا صلى العبد ركعتي الفجر، فكأنما عبد الله قدر ساعتين، وكذلك باقي الركعات، وهي سبع عشرة ركعة مع ركعتي الفجر، فإذا صلى المسلم، والمسلمة الصلوات الخمس في أوقاتها، فكأنما سبحه، وقدسه، وعظمه سبع عشرة ساعة من الليل، والنهار، وبقي عليه سبع ساعات في جميع الليل والنهار، وهي مقدار النوم، والنائم مرفوع عنه القلم، فيكون قد صرف جميع أوقاته في التسبيح، والعبادة. انتهى. خازن بتصرف.
هذا؛ وإن الصلوات الخمس إذا أديت على الوجه الأكمل كانت كفارة لما بينها من الذنوب الصغار. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كلّ يوم خمس مرّات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فكذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا».
رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. وعنه أيضا-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفّارة لما بينهنّ ما لم تغش الكبائر». رواه مسلم والترمذي، وفي رواية أخرى: «الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ؛ إذا اجتنبت الكبائر».
هذا؛ وتفسير التسبيح بالصلاة على ما تقدم هو قول لبعض المفسرين، وقال بعضهم:
المراد: التنزيه، أي: نزهوا الله عن صفات النقص، وصفوه بصفات الكمال. وهذا أولى؛ لأنه يتضمن الصلاة؛ لأن التنزيه المأمور به يتناول التنزيه بالقلب؛ الذي هو الاعتقاد الجازم، ويتناول التنزيه باللسان، وهو الذكر الحسن، ويتناول التنزيه بالأركان، وهو العمل الصالح، والثاني ثمرة الأول، والثالث ثمرة الثاني، فاللسان ترجمان الجنان، والأركان ترجمان اللسان، لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان، فهي مشتملة على الذكر باللسان، والتصديق بالجنان، فهو نوع من أنواع التنزيه، والأمر المطلق، لا يختص بنوع دون نوع، فيجب حمله على كل ما هو تنزيه، الذي من جملته الصلاة، انتهى. جمل نقلا عن الرازي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة الأحزاب.
هذا؛ وقد حضنا الرسول ﷺ على كثرة التسبيح باللسان زيادة على تسبيح الله، وتعظيمه بالصلوات: فرضها، ونفلها، وذكر لنا أحاديث ترغبنا به، وصيغا مفضلة على غيرها لما فيها من المعاني الجميلة، وخذ نبذة من ذلك: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 4635
«كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرّحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». رواه الستة ما عدا أبا داود. وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس».
رواه مسلم، والترمذي.
وعن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، عن أبيها-﵄: أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة، بين يديها نوى، أو حصى تسبح به، فقال: «أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا، أو أفضل؟ فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما خلق بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلاّ الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله مثل ذلك».
رواه أبو داود، والترمذي. فلفظ مثل يجوز رفعه ونصبه.
الإعراب: ﴿فَسُبْحانَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل الفصيحة، ولا وجه له. (سبحان):
مفعول مطلق لفعل محذوف: و (سبحان) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر والمصدر كلام مستأنف لا محل له. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل المقدر، أو بالمصدر المذكور. ﴿تُمْسُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وهو تام، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿حِينَ﴾ إليها، وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.
هذا؛ ويقرأ: «(حين)» بالتنوين، فتكون الجملة الفعلية في الموضعين في محل نصب صفة له.
﴿وَلَهُ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحَمْدُ:﴾
مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَمْدُ،﴾ ومن لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ يعتبرهما متعلقين في محل نصب حال من الخبر المحذوف.
﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَعَشِيًّا:﴾ معطوف على (حين)، وعليه فالجملة الاسمية معترضة بين المتعاطفين. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ:﴾ كالإنسان، والطائر. ﴿الْمَيِّتِ:﴾ النطفة، والبيضة، ومعروف إخراج أحدهما من الآخر. هذا؛ وقد قيل: إن المراد ب: ﴿الْحَيَّ﴾ المسلم يخرج من صلب الكافر، وب: ﴿الْمَيِّتِ﴾ الكافر يخرج من صلب المؤمن، فالمسلم حي القلب بالإيمان، والكافر
стр. 4636
ميت القلب بالكفر، خذ قول ربك: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ الآية رقم [١٢٢] من سورة (الأنعام) انظر شرحها، وتفسيرها هناك. ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي: يبسها وجدبها؛ إذ موتها حين تكون يابسة لا نبات فيها شبيهة بالميت، وإحياؤها يكون بنزول المطر عليها، وقد قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ انظر تفسيرها، وشرحها هناك.
﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: ومثل ذلك الإخراج تخرجون من قبوركم. والمعنى: أن بدء خلق الإنسان، وإعادته بعد موته متساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الميت من الحي، وعكسه. روى ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ قال: «من قرأ: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ..﴾. إلخ إلى الثلاث، وآخر سورة (الصافات) دبر كلّ صلاة، كتاب له من الحسنات عدد نجوم السماء، وقطر الأمطار، وورق الأشجار، وتراب الأرض، فإذا مات أجري له بكلّ حرف عشر حسنات في قبره».
هذا؛ و ﴿الْمَيِّتِ﴾ والميتة بفتح الميم، وسكون الياء فيهما، وهو من فارقت روحه جسده، وجمعهما: أموات، وميتات، وأما المشدد، فهو الحي الذي سيموت، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وجمعه: موتى قال بعض الأدباء في الفرق بينهما: [الطويل] أيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل
فمن كان ذا روح فذلك ميّت... وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل
هذا هو الأصل الغالب في الاستعمال، وقد يتعاوضان، كما في قول عدي بن الرّعلاء الغساني: [الخفيف] ليس من مات، فاستراح بميت... إنّما الميت ميّت الأحياء
إنّما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله قليل الرّجاء
أقول: ومن هذا ما في هذه الآية، والآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٢٧] من سورة (آل عمران) حيث استعمل المشدد في الآيات الثلاث لفاقد الحياة، والروح، كما هو واضح، ولا تنس: أن أصل ميّت المشدد: ميوت؛ لأنه من: مات، يموت، فقل في إعلاله: اجتمعت الياء، والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقل مثله في إعلال سيّد وهيّن وصيّب ونحو ذلك، وأضيف: أنه قرئ في الآيات الثلاث بتشديد ياء الميت وتخفيفها.
الإعراب: ﴿يُخْرِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، أو من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الضمير فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿الْحَيَّ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ﴾
стр. 4637
الْمَيِّتِ: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وإن اعتبرتهما متعلقان بمحذوف حال من:
﴿الْحَيَّ﴾ فلست مفندا، والمعنى لا يأباه، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها.
(يحيي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَيُحْيِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه، وجر، و (ذا):
اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: تخرجون إخراجا كائنا مثل إخراج الحي من الميت. أو التقدير: تخرجون إخراجا كائنا مثل إخراج النبات من الأرض... إلخ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تُخْرَجُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، أو هو فاعل له، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: ومن علامات ربوبيته، ووحدانيته. ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ:﴾
في هذا الخلق تأويلان: خلق من تراب غير مباشر، وخلق مباشر، فالأول: خلق أبينا آدم من تراب، كما رأيت في سورة (الحجر) رقم [٢٦] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
والثاني: كل واحد منا خلق من التراب خلقا مباشرا، وذلك إذا نظرنا إلى المادة التي يتخلق منها الإنسان، فإنها من الدم بلا ريب، والدم مصدره من الطعام، والشراب، وأنواع الغذاء، وكل ذلك مصدره من التراب، كما هو معروف.
﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ:﴾ ثم أنتم عقلاء ناطقون، تتصرفون فيما فيه قوام معايشكم؛ إذا فلم يكن خلقكم عبثا، ومن قدر على هذا؛ فهو أهل للعبادة، والتسبيح، والتحميد، والتقديس. هذا؛ والترتيب والمهلة المفهومان من ﴿ثُمَّ﴾ هنا ظاهران، فإنهم إنما يصيرون بشرا بعد أطوار كثيرة، والغالب أن تقع «إذا» الفجائية بعد الفاء؛ لأنها تقتضي التعقيب بلا مهلة، ووجه وقوعها هنا بعد ﴿ثُمَّ﴾ بالنسبة إلى ما يليق بالحالة الخاصة، أي بعد تلك الأطوار، التي قصها الله علينا في مواضع أخر من كتابه من كوننا نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما مجردا، ثم عظما مكسوا لحما فاجأ البشرية والانتشار. انتهى. جمل نقلا عن السمين. بتصرف مني.
هذا؛ وآيات: جمع: آية، وتطلق على معان كثيرة: الدلالة على قدرة الله تعالى، كما في الآية الكريمة، وما يليها من آيات، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وتطلق
стр. 4638
على المعجزة الخارقة للعادة، مثل: انشقاق القمر، وعصا موسى، ونحو ذلك، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. وتطلق على الموعظة. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كما تطلق على جملتين أو أكثر من كلام الله تعالى، وعلى السورة بكاملها، كما في أول سورة (الشعراء) ونحوها.
أما: ﴿بَشَرٌ﴾ فإنه يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا مثل كلمة «الفلك» تطلق على المفرد، والجمع. وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو الصوف، أو الريش. هذا؛ و ﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾.
تنبيه: ذكر الله لفظ: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ في هذه السورة ست مرات، تنتهي عند قوله: ﴿إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ذكر فيها بدء خلق الإنسان آية آية إلى حين بعثه من القبور، وختم هذه الآيات بقيام السموات والأرض، لكونه من العوارض اللازمة؛ لأن كلا من السماء، والأرض، لا يخرج عن مكانه، فيتعجب من وقوف الأرض، وعدم نزولها، ومن علو السماء وثباتها بغير عمد، ثم أتبع ذلك بالنشأة الآخرة، وهي الخروج من الأرض، وذكر من الأنفس أمرين: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ و ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ،﴾ وذكر من الآفاق السماء، والأرض، وذكر من لوازم الإنسان: اختلاف الألسنة، واختلاف اللون، وذكر من عوارضه: المنام، والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البرق، والمطر، ومن لوازمها: قيام السماء وقيام الأرض، فجملة ما يتعلق بالنوع الإنساني ستة أشياء:
اثنان أصول، واثنان لوازم، واثنان عوارض، وستة متعلقة بالآفاق، اثنان أصول، واثنان لوازم، واثنان عوارض، انتهى. جمل من هنا، وهناك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(مِنْ آياتِهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾
فعل ماض مبني على الفتح في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ تُرابٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (أن) والفعل (خلق) في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة، وانظر الآية رقم [٢٥] الآتية.
﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبره: والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، على اعتبار ﴿إِذا﴾ حرفا، واعتبارها هنا ظرفا غير جيد، ولا يصح معنى. ﴿تَنْتَشِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة بشر، أو هي في محل رفع خبر ثان. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 4639
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: من دلائل قدرته، وعلامات ربوبيته، ووحدانيته. ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ أي: لأن حواء خلقت من ضلع آدم ﵉، وسائر النساء خلقن من نطف الرجال، أو لأنهن من جنسهم لا من جنس آخر. ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْها:﴾ لتميلوا إليها، وتأنسوا بها؛ لأنهن من جنسكم، لا من جنس آخر، وذلك لما بين الاثنين من جنس واحد من الإلف، والسكون، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر، يقال: سكن إليه إذا مال إليه، وأنس به. هذا؛ والمودة، والرحمة، والألفة التي تقع بين الزوجين ظاهرة لا خفاء فيها.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي: محبة، وشفقة متبادلتين، فعن ابن عباس-﵄-قال: المودة حبّ الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء. انتهى.
والعكس صحيح، وعن ابن عباس، ومجاهد، والحسن: المودة الجماع، والرحمة: الولد، ولا أراه قويا، فلعله متقوّل عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: الخلق. ﴿لَآياتٍ:﴾ لعلامات واضحة على قدرته تعالى. ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ:﴾ وإذا تفكروا؛ اتعظوا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا، وعبدوا الله، والتفكير في صنع الله أعظم عبادة يقوم بها العبد، وقد ورد: لتفكّر ساعة في صنع الله أفضل من عبادة ستّين سنة. وورد: تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله، فإنه لا تحيط به الفكرة.
وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا عبادة كالتّفكّر». لأنه المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق، وعنه ﷺ أنه قال: «بينما رجل مستلق على فراشه، إذ رفع رأسه، فنظر إلى السماء والنّجوم، فقال: أشهد أنّ لك ربّا، وخالقا، اللهمّ اغفر لي! فنظر الله إليه، فغفر له».
هذا؛ والفكر: تصرف القلب في طلب الأشياء. وقال صاحب المفردات: الفكر: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر: جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب. انتهى. هذا؛ والفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التآنس، والتجانس بين الأشياء كالزوجين.
الإعراب: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ:﴾ انظر الآية السابقة فالإعراب واحد لا يتغير. ﴿لَكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿خَلَقَ﴾ أيضا، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَزْواجاً:﴾ مفعول به. ﴿لِتَسْكُنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿خَلَقَ﴾ أيضا. ﴿إِلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان
стр. 4640
بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ آياتِهِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَجَعَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعل): معطوف على ﴿خَلَقَ،﴾ فهو يؤول مثله بمصدر، أو هو داخل معه بالمصدرية بسبب العطف، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا.
﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: مفعول ثان، ولا وجه له، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مَوَدَّةً:﴾ مفعول به. ﴿وَرَحْمَةً:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي:﴾ حرف جر. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿فِي،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنْ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿أَنْ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آيات). ﴿يَتَفَكَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: الدالة على أمر البعث، وما يتلوه من الحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار. ﴿خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ في تخصيصهما بالذكر أحد أمرين: إما من حيث إن القادر على خلقهما بما فيهما من المخلوقات بلا مادة مساعدة لها أظهر قدرة على إعادة ما كان حيا قبل ذلك. وإما من حيث إن خلقهما، وما فيهما ليس إلا لمعاش البشر، ومعاده، كما يفصح عنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً،﴾ وقوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.
﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي: لغاتكم بأن علّم كل صنف لغته، أو ألهمه وضعها، وأقدره عليها، أو أجناس نطقكم وأشكاله، فإنك لا تكاد تسمع متكلمين متساويين في الكيفية من كل وجه، فكيف بالاختلاف الكبير، من العربية، والتركية، والرومية، والإنكليزية... إلخ.
﴿وَأَلْوانِكُمْ:﴾ بياض الجلد، وسواده، وتوسطه فيما بينهما، أو تخطيطات الأعضاء، وهيآتها، وألوانها، وحلاها بحيث وقع بها التمايز بين الأشخاص، حتى إن التوأمين مع توافق موادهما، وأسبابهما، والأمور الملاقية لهما في التخليق مختلفان في شيء من ذلك لا محالة، وإن كانا في غاية التشابه، وإنما نظم هذا في سلك الآيات الآفاقية من خلق السموات، والأرض
стр. 4641
مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة بالانتظام في سلك ما سبق من خلق أنفسهم، وأزواجهم للإيذان باستقلاله، والاحتراز عن توهم كونه من تتمات خلقهم. انتهى جمل نقلا من أبي السعود، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] من سورة فاطر.
تنبيه: خالف بين الألوان، والألسنة حتى ما تكاد تسمع منطقين متفقين في جرس واحد، ولا جهارة واحدة، وحتى ما تكاد ترى صورتين متشابهتين تمام التشابه في الألوان، والسمات، والقسمات؛ لحصول التعارف، وإلا فلو كان الناس على هيئة واحدة، وبلون واحد، وتقاسيم وتقاطيع واحدة لحصل الخلل والالتباس، ولانعدم التمييز بينها جميعا حتى إن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما، والأمور الملاقية في التخليق يختلفان في شيء من ذلك لا محالة، مهما تقاربا في وجه الشبه انتهى.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما ذكر في هذه الآية. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات بالغة لا تكاد تخفى على عاقل من ملك، أو إنس، أو جن على قدرة الواحد القهار، حيث ولدوا من أب واحد، وهم على هذه الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون.
﴿لِلْعالِمِينَ:﴾ يقرأ بكسر اللام على أنه جمع: عالم بكسرها أيضا، ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ ويقرأ بفتح اللام على أنه جمع: عالم بفتحها أيضا، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له قوله تعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ والعوالم كثيرة، لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾.
هذا وخص الله السموات والأرض بالذكر هنا وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض؛ وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار، والحركات، وقدمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا؛ لأنها كالذّكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في رحم المرأة؛ لأن الأرض تنبت، وتخضر بالمطر.
أما ﴿أَلْسِنَتِكُمْ﴾ فهو جمع لسان، ويجمع أيضا على لسن بضم اللام، وضم السين وتسكينها أيضا، وهو على هذا مؤنث كذراع وأذرع، والأول مذكر، كحمار، وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة، وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السوء، كما في قول الشاعر: [الوافر] لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا
стр. 4642
فيؤنث لا غير، كما يجعل كناية عن الرسالة، أو عن القصيدة من الشعر، كقول الآخر: [المتقارب] أتتني لسان بني عامر... فجلّت أحاديثها عن بصر
وقد أطلقه الله على القرآن الكريم بكامله مع التذكير في قوله تعالى: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ الآية رقم [١٠٣] من سورة (النحل)، كما أطلقه على الثناء، والذكر الحسن في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ الآية رقم [٥٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وأيضا قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (الشعراء) رقم [٨٤]: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.
الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(مِنْ آياتِهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿خَلْقُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: ومن آياته خلقه السموات، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿وَاخْتِلافُ:﴾ معطوف على ﴿خَلْقُ،﴾ و (اختلاف) مضاف. ﴿أَلْسِنَتِكُمْ:﴾
مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَأَلْوانِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وانظر إعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ في الآية السابقة.
﴿لِلْعالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، أو لأنه ملحق به، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية، وقوة القوى الطبيعية، وطلب معاشكم فيهما، أو منامكم بالليل، وابتغاؤكم بالنهار، فلف وضم بين الزمانين، والفعلين بعاطفين إشعارا بأن كلا من الزمانين؛ وإن اختص بأحدهما؛ فهو صالح للآخر عند الحاجة، يؤيده سائر الآيات الواردة فيه. انتهى. بيضاوي.
وقال الجمل: قيل في الآية تقديم وتأخير ليكون كل واحد مع ما يلائمه، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل، وعطف عليه؛ لأن حرف العطف قد يقوم مقام الجار، والأحسن أن يجعل على حاله، والنوم بالنهار مما كانت العرب تعده نعمة من الله، ولا سيما في أوقات القيلولة في البلاد الحارة. انتهى. نقلا عن السمين.
стр. 4643
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما ذكر في هذه الآية. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات واضحة على قدرة الله تعالى. ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ:﴾ سماع تفهم واستبصار، وتدبر، واعتبار؛ لأن الحكمة فيما ذكر ظاهرة.
هذا و ﴿مَنامُكُمْ﴾ مصدر ميمي بمعنى النوم، أو هو اسم مكان بمعنى موضعه، أو هو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأن «مفعلا» يصلح لهذا كله. هذا؛ والنوم هو الموتة الصغرى؛ لذا أرشدنا سيد الخلق وحبيب الحق ﷺ أن نقول عند القيام من النوم: «سبحان من أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النّشور». والنوم قسمان: نوم العين، ونوم القلب، فنوم العين فترة طبيعية، تعتري الحيوان، وتتعطل حواسه بها، وأما نوم القلب، فهو تعطيل القوى المدركة، والثاني لم يقع من النبي ﷺ ؛ لأن قلبه لا ينام، كما في حديث الصحيحين عنه ﷺ : أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي». ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط] لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم
هذا والفعل (يسمع) من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا، وهذا اختيار الفارسي، واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال، إن كان المتقدم معرفة، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.
الإعراب: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ:﴾ انظر الآية السابقة فإعراب هذه الجملة مثلها، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر الميمي، وإن علقتهما بمحذوف حال من الكاف؛ فالمعنى لا يأباه. (النهار):
معطوف على الليل. (ابتغاؤكم): معطوف على منامكم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالمصدر (ابتغاء) والهاء في محل جر بالإضافة، وانظر إعراب مثل: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ في الآية رقم [٢١] مفردات، وجملا، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ آياتِهِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ:﴾ هذا الفعل من: «رأى» البصرية التي تنصب مفعولا واحدا، فلما دخلت عليه همزة التعدية صار: «أرى» وحذفت الهمزة الأصلية منه؛ لأن أصله «أرأى» مثل: «أذهب»، وفي المضارع حذفت منه الهمزتان كما ترى، وهمزة التعدية عدته إلى المفعولين.
стр. 4644
﴿الْبَرْقَ:﴾ مصدر: برق، يبرق: إذا لمع. والرعد مصدر: رعد، يرعد، وهما معروفان، ومشاهدان للناس، وتفسيرهما وشرحهما في الشرع غير تفسيرهما في العلم الحديث. ﴿خَوْفاً وَطَمَعاً:﴾ هذا الخوف، والطمع من رؤية البرق يكونان من وجوه: الأول: عند لمعان البرق يخاف من الصواعق، ويطمع في نزول المطر. الثاني: أنه يخاف من البرق من يتضرر بالمطر كالمسافر، ومن على بيدره التمر، والزبيب، والقمح ونحو ذلك، ويطمع فيه من له في نزول المطر نفع كالزراع، ونحوهم. الثالث: أن المطر يخاف منه إذا كان في غير مكانه، وزمانه، ويطمع فيه إذا كان في مكانه وزمانه المناسبين لسقوطه، وخذ قول أبي الطيب في ممدوحه: [الطويل] فتى كالسّحاب الجون يخشى ويرتجى... يرجى الحيا منه، وتخشى الصّواعق
هذا؛ وقيل: ﴿خَوْفاً﴾ أن يكون البرق برقا خلبا، لا يمطر، ﴿وَطَمَعاً﴾ أن يكون ممطرا. قاله ابن بحر، وأنشد قول الشاعر: [الرمل] لا يكن برقك برقا خلّبا... إنّ خير البرق ما الغيث معه
هذا؛ والسماء يذكر، ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت:
سماء، والسماء: المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء؛ حتى أتيناكم، قال معاوية بن مالك: [الوافر] إذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه، وإن كانوا غضابا
أراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في: «رعيناه» بمعنى النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، وانظر شرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [٢٢].
وأما ﴿السَّماءِ﴾ فاصله: موه بفتح الميم والواو، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «ماه» فلما اجتمعت الألف والهاء، وكلاهما خفي، قلبت الهاء همزة، ودليل ذلك: أن جمع ﴿السَّماءِ:﴾ أمواه، ومياه، وتصغيره: مويه، وأصل ياء مياه واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار، وديار، وقيمة، وقيم، ومثله قولهم: سوط، وسياط، وحوض، وحياض، وثوب، وثياب، وثور، وثيرة. ويقال في تعريف الماء: هو جسم رقيق مائع به حياة كل نام. وقيل في حده: جوهر سيال به قوام الأرواح. بعد هذا خذ قول أبي ذؤيب الهذلي: [الطويل] شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت... متى لجج خضر لهنّ نئيج
فهو يصف السحاب على اعتقاد العرب في الجاهلية، ومثلهم العصريون في هذا الزمن من أن السحاب، أي: الغيوم تدنو من البحر الملح في أماكن مخصوصة، فتمتد منها خراطيم
стр. 4645
كخراطيم الفيلة، فتشرب بها من مائه، فيسمع لها عند ذلك صوت مزعج، ثم تصعد إلى الجو، وترتفع، فيلطف ذلك الماء، ويعذب بإذن الله تعالى في زمن صعودها، ثم تمطره حيث شاء العلي القدير. هذا ونص الآية يرد هذا الاعتقاد، وأما عند أهل السنة، فهم يقولون: إن أصله من الجنة، يأتي به المولى القدير من السحاب من خروق فيها كخروق الغربال.
وأقول: إن ما ينزل من السماء من مطر بعضه من ماء البحار المالحة الأرضية، وبعضه من خزائن القدرة على أن الأول لا ينبت وإنما الإنبات والخصب في الثاني، وعلامة الأول أنه ينزل غزيرا كأنما ينصب من أفواه قرب، وأما ما يقوله الدهريون الملحدون: إن الطبيعة تمطر فهو كفر صراح.
﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها:﴾ انظر الآية رقم [١٩]. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما ذكر في هذه الآية. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات واضحة على قدرة الله تعالى. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يفهمون.
وإذا فهموا؛ تدبروا، وإذا تدبروا؛ اتعظوا، وتذكروا؛ وإذا اتعظوا؛ آمنوا، ووحدوا، وإذا آمنوا؛ عبدوا الله.
الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من آياته): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يُرِيكُمُ:﴾ هذا الفعل مقدر ب: «أن يريكم» وعليه فأن المقدرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، ومثل ذلك قول طرفة بن العبد في معلقته رقم [٦٠]: [الطويل] ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي؟
بنصب «أحضر» بعد حذف أن الناصبة، وهي رواية الكوفيين، ولكن لم يقرأ أحد بنصب الفعل في الآية، أو الفعل منزل منزلة المصدر، كما في قول طرفة المذكور في رفع «أحضر» وهي رواية البصريين، ومنه المثل العربي: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» فيروى «تسمع» برفعه، ونصبه، وإنزال الفعل منزلة المصدر واضح في قول عروة بن الورد العبسي، المعروف بعروة الصعاليك: [الوافر] فقالوا: ما تشاء؟ فقلت: ألهو... إلى الإصباح آثر ذي أثير
هذا؛ أو: الجملة الفعلية: ﴿يُرِيكُمُ﴾ في محل رفع صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: ومن آياته آية يريكم بها البرق، كما قال ابن مقبل الشاعر: [الطويل] وما الدّهر إلاّ تارتان فمنهما... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
التقدير: فمنهما تارة أموت منها. وقيل: التقدير: ومن آياته أنه يريكم البرق. وتعسف أبو البقاء وجها آخر، فاعتبر: (من آياته) متعلقين بمحذوف حال من البرق، وقال التقدير: يريكم
стр. 4646
البرق كائنا من آياته، والمعتمد من كل ما تقدم تنزيل الفعل منزلة المصدر، و ﴿يُرِيكُمُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله) والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿الْبَرْقَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ آياتِهِ..﴾. إلخ على جميع الوجوه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿خَوْفاً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال على حذف المضاف، التقدير: ذوي خوف، وذوي طمع، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: فتخافون خوفا، وتطمعون طمعا. أجاز الاعتبارات الثلاثة ابن هشام في المغني. ﴿وَيُنَزِّلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ينزل): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وجملة: ﴿وَيُنَزِّلُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يُرِيكُمُ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿فَيُحْيِي:﴾ الفاء: حرف عطف. (يحيي): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل (يحيي)، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و (موتها) مضاف إليه، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَيُحْيِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا، وانظر مثل: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ..﴾. إلخ في الآية رقم [٢١] فالإعراب لا يختلف.
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: من علامات قدرة الله، ودلائل ربوبيته، ووحدانيته. ﴿أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: تثبتا وتدوما بلا عمد، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ سورة (الرعد) رقم [٢]، وقال في الآية رقم [١٥] من سورة (النحل): ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ والتعبير بالأمر للمبالغة في كمال القدرة، والغنى عن الآلة. ﴿ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم، والمراد بالدعوة هي ما عبر عنها جلت قدرته بسورة (ق) في قوله: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ والمنادي هو إسرافيل ﵇، والصيحة هي قوله: أيتها العظام البالية! أيتها اللحوم المتمزقة! أيتها الشعور المتفرقة! أيتها الأوصال المتقطعة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. فلا تبقى حينئذ نسمة من الأولين، والآخرين إلا قامت تنظر، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
стр. 4647
هذا؛ وأظهر الله تعالى ﴿أَنْ﴾ الناصبة هنا التي هي علم الاستقبال، ولم يظهرها في الآية السابقة قبل: ﴿يُرِيكُمُ﴾ لأن القيام هنا بمعنى البقاء لا الإيجاد، وهو مستقبل باعتبار أواخره، وما بعد نزول هذه الآيات. انتهى. جمل بتصرف.
فائدة: ذكر الله قوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ في الأربع مواضع، ولم يذكره في الأول، وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ ولا في الأخير، وهو هذا، ووجه عدم ذكره في الأول: أن خلق الأنفس، وخلق الأزواج من باب واحد، وهو الإيجاد، فاكتفى فيهما بذكره مرة واحدة، أي: اكتفى بذكر قوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ مرة واحدة. وأمّا قيام السموات، والأرض الذي هو الأخير فلذكره الدلائل الظاهرة بقوله: ﴿لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ و ﴿يَسْمَعُونَ﴾ و ﴿يَعْقِلُونَ﴾ فيكون الأمر بعدها أظهر فلم يميز أحدا عن أحد، أو ذكر ما هو مدلوله، وهو قدرته على الإعادة. انتهى. جمل نقلا من الرازي.
فائدة: قال هنا: ﴿إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ وقال في خلق الإنسان أولا: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ؛﴾ لأنه هناك يكون خلق، وتقدير، وتدريج، حتى يصير التراب قابلا للحياة، فتنفخ فيه الروح، فإذا هو بشر. وأما في الإعادة فلا يكون تدريج، بل يكون بدء، وخروج، فلم يقل هنا:
ثم. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(مِنْ آياتِهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تَقُومَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعل.
﴿وَالْأَرْضُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، و ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير: ومن آياته قيام السموات... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب.
﴿دَعاكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر فيه، تقديره: «هو» يعود إلى الله، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿دَعْوَةً:﴾ مفعول مطلق. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (دعا) كقوله: دعوته من أسفل الوادي، فطلع إليّ، وقال أبو البقاء:
وجهان: أحدهما هو صفة ل: ﴿دَعْوَةً﴾ والثاني: أن يكون متعلقا بمحذوف، تقديره: خرجتم من الأرض، ودل على المحذوف ما بعده، والمعتمد الأول، تأمل. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة، وهي رابطة لجواب ﴿إِذا﴾ الشرطية قبلها.
стр. 4648
و «إذا» الفجائية تختص بالجملة الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو خرجت؛ فإذا الأسد بالباب، وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه نحو: «خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب» لأن «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهي ظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة. ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور، في نحو «خرجت فإذا زيد جالس» أو المقدر في نحو: فإذا الأسد. أي:
حاضر، وإذا قدرت أنها الخبر؛ فعاملها مستقر، أو: استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب.
وعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان فعاملها الفعل بعدها، فيكون التقدير: أنتم تخرجون وقت مفاجأتكم، أو في مكان مفاجأتكم العذاب. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَخْرُجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها معطوف على الجملة الاسمية السابقة على المعنى؛ إذ المعنى: ومن آياته قيام السموات والأرض بأمره، ثم خروجكم من القبور إذا دعاكم دعوة واحدة من الأرض، وانظر الآية رقم [٣٣] الآتية.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَلَهُ﴾ أي: لله. ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خلقا، وملكا، وعبيدا. ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ:﴾ روي عن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ : أنه قال: «كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة» ومطيعون طاعة انقياد، وإقرار بالعبودية، إما قولا، وعملا من المؤمنين، وإما دلالة من الكافرين، وما أحسن ما روي عن ابن عباس-﵄: أنه قال: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ:﴾ مطيعون في الحياة والبقاء، والموت، والبعث، وإن عصوا في العبادة».
الإعراب: ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وكذا إن اعتبرتها معطوفة على ما قبلها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، جوز الابتداء به الإضافة المقدرة؛ إذ التقدير: كلهم. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.
﴿قانِتُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وفيها معنى التأكيد لما قبلها.
стр. 4649
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ أي: يخلقهم ابتداء بعلوق كل واحد في الرحم قبل ولادته. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ:﴾ يحييه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث، فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلا على ما يخفى من إعادته.
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: والإعادة بعد الموت أسهل على الله تعالى من بدء الخلق، وإنشائه، وهذا بالنظر إلى ما عند المخاطبين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فهما عند الله تعالى سواء في السهولة. وهذا جواب لسؤال قد يرد، وهو أنه كيف قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ والأفعال كلها بالنسبة إلى قدرته تعالى متساوية في السهولة؟! وإيضاحه: أن الأمر مبني على ما ينقاس على أصولكم، ويقتضيه معقولكم من أن الإعادة للشيء أهون من ابتدائه؛ لأن من أعاد منكم صنعة شيء، كانت أسهل عليه، وأهون من إنشائها، فالإعادة محكوم عليها بزيادة السهولة. هذا وذكر الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ مع أنه عائد على الإعادة باعتبار كونها ردا، وإرجاعا، أو مراعاة للخبر، وهو ﴿أَهْوَنُ﴾ قال الجمل: وذكّر الضمير فيه مع أنه راجع إلى الإعادة المأخوذة من لفظ: ﴿يُعِيدُهُ﴾ نظرا إلى المعنى دون اللفظ، وهو رجعه، أو رده كما نظر إليه في قوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ أي: مكانا ميتا، أو تذكيره باعتبار الخبر. انتهى. نقلا عن كرخي.
وقيل: الضمير المجرور ب: (على) يعود إلى الخلق، فتكون الإعادة أهون على الخلق، وذلك؛ لأنهم يقومون بصيحة واحدة فيكون أهون عليهم من أن يكونوا نطفا، ثم علقا، ثم مضغا، إلى أن يصيروا رجالا، ونساء. وقيل: إن أهون بمعنى: هين وليس على بابه من التفضيل؛ لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء. قال أبو عبيدة: ومن جعل أهون يعبر عن تفضيل شيء على شيء، فقوله مردود بقوله تعالى: ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً،﴾ وبقوله: ﴿وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما﴾ والعرب تحمل «أفعل» على فاعل، ومنه قول الفرزدق: [الكامل] إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا... بيتا دعائمه أعزّ وأطول
أي: دعائمه عزيزة طويلة. وقال معن بن أوس: [الطويل] لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل
أراد: إني لوجل. ومن ذلك قول الشافعي ﵁: [الطويل] تمنّى رجال أن أموت، وإن أمت... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
стр. 4650
أي: لست فيها بواحد. هذا؛ وتذكير الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ﴾ مع أن المراد به الإعادة المفهومة من الفعل لأن المعنى: وأن يعيده أهون عليه، وأخّر الجار، والمجرور ﴿عَلَيْهِ﴾ عن ﴿أَهْوَنُ﴾ هنا، وقدّم في قوله تعالى: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ الآية رقم [٢٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام لقصد الاختصاص هناك، وأما هنا فلا معنى للاختصاص، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ أي: الوصف العجيب الشأن، كالقدرة العامة، والحكمة التامة، وليس لغيره ما يساويه، أو يدانيه في ذلك، وقد وصف به في السموات والأرض على ألسنة الخلائق، وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر، الذي لا يعجز عن شيء، من إنشاء، وإعادة، وغيرهما من المقدورات والممكنات، وعن مجاهد، وقتادة-﵄: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ قول: لا إله إلا الله؛ أي: الذي له الوصف الأرفع شأنا والأعلى مكانة؛ الذي هو الوصف بالوحدانية.
ويعضده ما يلي في الآية التالية.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي القاهر الغالب لكل مقدور. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ الذي يجري كل فعل على حسب حكمته، وعلمه، ومقتضى قضائه، وقدره، وإرادته، ومشيئته.
الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يَبْدَؤُا:﴾
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْخَلْقَ:﴾ مفعول به. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُعِيدُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿أَهْوَنُ:﴾
خبر المبتدأ. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَهْوَنُ﴾ على جميع الاعتبارات فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَثَلُ:﴾
مبتدأ مؤخر. ﴿الْأَعْلى:﴾ صفة المثل مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿الْأَعْلى﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو غير وجيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية:
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.
стр. 4651
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً..﴾. إلخ: قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: نزلت هذه الآية في كفار قريش، كانوا يقولون في التلبية: لبيك لا شريك لك؛ إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: هذا مثل ضربه الله للمشركين، والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله، ونفسه مثله؟! فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم، فكيف جعلتم لله شركاء؟.
هذا؛ وقال بعض العلماء: هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض، ونفيها عن الله سبحانه، وذلك: أن الله لما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً..﴾. إلخ فيجب أن يقولوا: ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا. فيقال لهم: فكيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم، وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي؟! فهذا حكم فاسد، وقلة نظر، وعمى قلب، فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم، فيما يملكه السادة، والخلق كلهم عبيد الله، فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله، فلم يبق إلا أنه يستحيل أن يكون له شريك؛ إذ الشركة تقتضي المعاونة، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضا بالمال، والعمل، والقديم الأزلي منزه عن ذلك. وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه؛ لأن جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهم ذلك. انتهى. قرطبي.
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ..﴾. إلخ: منتزعا من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم. ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ من عبيدكم، ومماليككم. ﴿مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ﴾ أي: من الأموال، وغيرها. ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم، فتكونون أنتم وهم فيه شرك يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم، وأن أموالكم معارة لكم؟.
﴿تَخافُونَهُمْ﴾ أي: تخافون معاشر السادة عبيدكم فيها، فلا تمضون فيها حكما دون إذنهم خوفا من لائمة تلحقكم من جهتهم. ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: كما يخاف بعض الأحرار بعضا، فيما هو مشترك بينهم. فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم؛ فكيف ترضون لرب الأرباب، ومالك الأحرار، والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء. ﴿كَذلِكَ﴾ أي: مثل هذا التفصيل. ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ:﴾
نبينها؛ لأن التمثيل مما يكشف المعاني، ويوضحها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:﴾ يفهمون، وإذا فهموا؛ تدبروا، وإذا تدبروا؛ اتعظوا وتذكروا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا ووحدوا، وإذا آمنوا؛ عبدوا الله.
فاستعمال العقل يؤدي إلى كل خير، وعدم استعماله يجعل الإنسان في عداد البهائم.
стр. 4652
هذا؛ وأما النفس، فإنها تجمع في القلة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس، والنفس تؤنث باعتبار الروح، وتذكر باعتبار الشخص؛ أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا؛ أم أنثى، فعلى الأول قيل: إنها جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرطب، فتكون سارية في جميع البدن.
قال الجنيد-رحمه الله تعالى-: الروح: شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود، قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ وقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية، لا يعلمها إلا الله تعالى فمن حيث تفكرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمى:
روحا، ومن حيث شهوتها تسمى: نفسا، فالثلاثة متحدة بالذات، مختلفة بالاعتبار، وهذا ما تدل عليه الآثار الصحاح، انظر رقم [٤٢] من سورة (الزمر).
هذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم: أن للنفس خمس مراتب: الأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضيّة، ويزاد: الملهمة، والكاملة، فالأمارة بالسوء هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشهوات. وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق؛ لكن بقي فيها ميل للشهوات؛ سميت لوامة. وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها، إلى عالم القدس، وتلقت الإلهامات؛ سميت ملهمة. فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس، الشهوانية حكم أصلا؛ سميت مطمئنة. فإن ترقت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها؛ سميت راضية. فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحق، وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم، وتكميلهم؛ سميت كاملة، فالنفس سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت، وقدمت.
وأخيرا خذ ما ذكره القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي الخبر عن النبي ﷺ : أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعمتموه، وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شرّ غاية. وإن أهنتموه، وأعريتموه، وأجعتموه؛ أفضى بكم إلى خير غاية؟». قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب! قال: «فو الّذي نفسي بيده، إنّها لنفوسكم التي بين جنوبكم!».
الإعراب: ﴿ضَرَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (الله). ﴿لَكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: في محل مفعول ثان تقدم على الأول. ﴿مَثَلاً:﴾
مفعول به. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَثَلاً،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام توبيخي إنكاري. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجار
стр. 4653
والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿شُرَكاءَ﴾ كان نعتا له... إلخ، وبعضهم لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿مَلَكَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة:
﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو: من شيء ملكته أيمانكم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شُرَكاءَ:﴾ مبتدأ مؤخر مجرور لفظا، مرفوع محلا، والجر اللفظي لم يظهر؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، والجملة الاسمية مفسرة ل: ﴿مَثَلاً﴾. ﴿فِي ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شُرَكاءَ،﴾ و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من شركاء كائنين في الذي، أو: في شيء رزقناكموه.
﴿فَأَنْتُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿سَواءٌ﴾ لأنه بمعنى: مستوون، أو: متساوون.
﴿سَواءٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وقال أبو البقاء: الجملة في موضع نصب جواب الاستفهام، أي: هل لكم، فتستووا. ﴿تَخافُونَهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وقال أبو البقاء: في محل نصب حال من الضمير المستتر في: (سواء). ﴿كَخِيفَتِكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف؛ إذ التقدير: تخافونهم خيفة كائنة مثل خيفتكم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿أَنْفُسِكُمْ:﴾
مفعول به للمصدر: (خيفة)، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نفصل الآيات تفصيلا كائنا مثل ذلك التفصيل. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نُفَصِّلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر وجوبا، تقديره: «نحن». ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:
﴿يَعْقِلُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم)، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿بَلِ اِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا بالله غيره، وأطلق على الشرك لفظ الظلم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وفيه الإضراب مع الالتفات، وأقيم الظاهر مقام
стр. 4654
الضمير للتسجيل عليهم بوصف الظلم. ﴿أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: اتبعوا أهواءهم جاهلين؛ لأن العالم إذا ركب هواه؛ ربما ردعه علمه، وكفه، وأما الجاهل، فإنه يهيم على وجهه كالبهيمة، لا يكفه شيء عن غيه، وضلاله. هذا؛ ولما قامت عليهم الحجة ذكر الله تعالى: أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم، وتقليد الأسلاف في عبادتها، بدون سند يعتمدون عليه.
﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ أي: لا هادي لمن أضله الله تعالى، وفي هذا رد على القدرية، وغيرهم. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:﴾ يخلصونهم من الضلالة، ويحفظونهم من آفاتها، وأضرارها في الدنيا والآخرة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من سورة (الفرقان) من إضلال الكافرين؛ وانظر شرح (الهوى) في الآية رقم [٤٣] منها أيضا، وفيه مراعاة المعنى.
الإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب انتقالي. ﴿اِتَّبَعَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (غير) مضاف، و ﴿عِلْمٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿اِتَّبَعَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: هي الفصيحة، ولا وجه له. (من): اسم استفهام توبيخي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: (من). ﴿فَمَنْ:﴾
اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلة: ﴿فَمَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير الذي، أو شخصا أضله الله، والجملة الفعلية: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿فَمَنْ يَهْدِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية.
﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فَمَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ناصِرِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء؛ التي جلبها حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً:﴾ هذا خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، ويدخل في هذا الخطاب أمته باتفاق من أهل التأويل. وإقامة الوجه معناها: تقويم المقصد، والقوة على
стр. 4655
الجد في أعمال الدين، فإن من اهتم بشيء محسوس بالبصر؛ عقد عليه طرفه، ومد إليه نظره، وقوم له وجهه، مقبلا عليه؛ أي: فقوم وجهك له غير ملتفت يمينا، ولا شمالا. و ﴿حَنِيفاً﴾ مائلا عن كل دين باطل إلى دين الحق. قال الشاعر: [الوافر] ولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين
ولقد تكرر الكلام على إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بأنه كان حنيفا، وفسر بما ذكرته. هذا؛ والحنف: الميل في القدمين. وقد قال القرطبي-رحمه الله تعالى- في غير هذا الموضع: ولفظة: حنيفا، وحنفاء من الأضداد، تقع على الاستقامة، وتقع على الميل. انتهى. وهذا يكون على المعنى المأخوذ منه، وهو الميل، وقد ذكرت لك فيما مضى:
أن الفعل: «مال» يتغير معناه بتغير الجار، تقول: ملت إليه، وملت عنه، وهو ظاهر.
﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ أي: الزموا فطرة الله، والفطرة: الخلقة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ فالمعنى: أنه خلقهم قابلين للتوحيد، والإسلام، غير نائين عنه، ولا منكرين له، لكونه مجاوبا للعقل، ومساوقا للنظر الصحيح، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الجن، والإنس، ومنه قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه : «كلّ عبادي خلقت حنفاء، فاجتالتهم الشّياطين عن دينهم، وأمروهم أن يشركوا بي غيري».
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، وينصّرانه، ويمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء». ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾. وفي رواية: «حتّى تكونوا أنتم تجدعونها». قالوا: يا رسول الله! أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». رواه مسلم. ومعنى: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء» أي سالمة من العيوب، كاملة الخلق، ومعنى: «هل تحسّون فيها من جدعاء». أي:
مقطوعة الأذن. فمثّل قلوب بني آدم بالبهائم؛ لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها، فيقال: هذه بحائر، وهذه سوائب. يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم، ليس فيها كفر، ولا إيمان، ولا معرفة، ولا إنكار كالبهائم السائمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين، فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم.
وقال الزجاج-رحمه الله تعالى-: معناه: أن الله تعالى فطر الخلق على الإيمان به على ما جاء في الحديث: أن الله أخرج من صلب آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم، بأنه خالقهم، فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٧٢] من سورة (الأعراف) وكل مولود هو من تلك الذرية؛ التي شهدت بأن الله تعالى خالقها. فمعنى فطرة الله:
стр. 4656
دين الله. انتهى. ولكن لا اعتبار بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الشرعي المأمور به المكتسب بالإرادة، والفعل، ألا ترى إلى قوله ﷺ : «فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه». فهو مع وجود الإيمان الفطري، فإنه محكوم له بحكم أبويه الكافرين.
وحكي عن عبد الله بن المبارك-رحمه الله تعالى-: أنه قال: معنى الحديث: أن كل مولود يولد على فطرته؛ أي: خلقته التي خلقه الله عليها، في علمه تعالى من السعادة، والشقاوة، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه، وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين، أو نصرانيين، فيحملانه على اعتقاد دينهما. انتهى. أقول:
وإذا كان الله قد قدر له السعادة، فيهديه إلى الإيمان، فيترك دين أبويه، ويؤمن بالله، ورسوله.
وقيل: معناه: أن كل مولود في مبدأ الخلقة على الفطرة، أي على الجبلة السليمة، والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها؛ لاستمر على لزومها؛ لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول السليمة، والحجة المستقيمة، وإنما يعدل عنه من عدل إلى غيره؛ لأنه من آفات التقليد، ونحوه، فمن سلم من تلك الآفات، لم يعتقد غيره، فعرف الحق، وعرف دين الإسلام، وقد دل على صحة هذا المعنى قول النبي ﷺ : «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء». أي: كما تلد البهيمة بهيمة مستوية، لم يذهب من بدنها شيء.
ولا بأس بهذا القول، وأن انحراف العبد عن الفطرة السليمة، يظهر بعد أن يدرك، ويعقل أمر الدنيا، وقد تأكدت حجة الله عليه بما نصب من الآيات الظاهرة من خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، واختلاف الليل والنهار، فلما عملت أهواؤه فيه؛ أتته الشياطين، فدعته إلى اليهودية، أو النصرانية، أو الوثنية فذهبت بأهوائه يمينا، وشمالا، وهو إن مات صغيرا فهو في الجنة، وأعني: جميع أطفال الكفار من يهود، ونصارى، ومجوس، بل ووثنيين؛ لأن الله لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صور الذر؛ أقروا له بالربوبية والوحدانية وهو فحوى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٧١] من سورة (الأعراف).
ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية، وأنه الله لا إله غيره، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا، أو سعيدا على الكتاب الأول، فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمّر حتى يجري عليه القلم، فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمّر حتى يجري عليه القلم، فيصير سعيدا، ومن مات صغيرا من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة؛ لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم، ولم ينقضوا الميثاق. ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يجمع بين الأحاديث، ويكون معنى قوله ﷺ لما سئل عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» أي: لو بلغوا.
стр. 4657
وقد روي من حديث أنس-﵁-قال: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «لم تكن لهم حسنات فيجزوا بها، فيكونوا من ملوك الجنّة، ولم تكن لهم سيّئات فيعاقبوا عليها، فيكونوا من أهل النّار، فهم خدم لأهل الجنّة». ذكره يحيى بن سلام في التفسير له.
وقال أبو بكر الوراق-رحمه الله تعالى-: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ هي الفقر، والفاقة، وهذا حسن فإنه منذ ولد إلى حين يموت فقير محتاج، نعم؛ وفي الآخرة؛ أي: أحوج إلى فضل الله تعالى. انتهى. قرطبي بتصرف.
﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ أي: هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخالق، ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه، أي: لا يشقى من خلقه سعيدا، ولا يسعد من خلقه شقيا. وقال مجاهد:
المعنى لا تبديل لدين الله، ويدل عليه ما بعده. وقاله قتادة، وابن جبير، والضحاك، وابن زيد، والنخعي، والزجاج، قالوا: هذا معناه في المعتقدات. وقال عكرمة: وروي عن ابن عباس، وعمر بن الخطاب-﵃ أجمعين-: أن المعنى لا تغيير لخلق الله من البهائم أن تخصى فحولها، فيكون معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان.
﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: دين الإسلام هو الدين القيم المستقيم، فالإشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له، أو الفطرة؛ إن فسرت بالملة، أو الطريقة، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يتفكرون، فيعلمون: أن لهم خالقا معبودا، وإلها قديما سبق قضاؤه، ونفذ حكمه. وانظر الآية رقم [٦] تجد ما يسرك.
هذا؛ والدين بكسر الدال اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. والدين أيضا: الملة، والشريعة.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. والدّين: الحساب، والجزاء، ومنه:
يوم الدين، أي: يوم الجزاء، والحساب. ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس-﵄-قال: يوم الدّين: يوم حساب الخلائق يدينهم بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا فشرّ، إلا من عفى الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. هذا؛ والدّين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.
أما ﴿الْقَيِّمُ﴾ فهو المستقيم، المعتدل، أي: لا إفراط فيه، ولا تفريط، وأصله: القيوم:
فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، وهذا على القاعدة: «إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء»، وانظر سورة (يوسف) رقم [٤٠].
الإعراب: ﴿فَأَقِمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: الفصيحة، وهو ضعيف معنى. (أقم):
فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿وَجْهَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِلدِّينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَنِيفاً:﴾ حال من
стр. 4658
الفاعل المستتر، أو من: (الدين). ﴿فِطْرَتَ:﴾ مفعول به على الإغراء بفعل محذوف، تقديره:
الزموا فطرة، أو: عليكم فطرة، أو: اتبعوا فطرة، وقدر بالجمع لقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ..﴾. إلخ في الآية التالية، وقال الطبري: ﴿فِطْرَتَ﴾ مصدر من معنى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ لأن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فطرة، وانظر إعراب: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ في الآية رقم [٨٨] من سورة (النمل).
و ﴿فِطْرَتَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿فِطْرَتَ﴾. ﴿فَطَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿فَأَقِمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿تَبْدِيلَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِخَلْقِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا،﴾ و (خلق) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿لا تَبْدِيلَ..﴾. إلخ في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الكلام السابق مثل «أنت أخي حقا». ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.
﴿الدِّينُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، أو نعت له. ﴿الْقَيِّمُ:﴾ خبر المبتدأ.
هذا؛ وإن اعتبرت (الدين) خبر المبتدأ، و (القيم) صفته، فالمعنى لا يأباه، وانظر ما ذكرته في سورة (يوسف) رقم [٤٠] وانظر تتمة الإعراب في الآية رقم [٦].
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاِتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ:﴾ راجعين إليه، من: أناب إذا رجع مرة بعد مرة. وقيل: منقطعين إليه، ومنه أخذ اسم الناب؛ لأنه قاطع، فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله بالطاعة، والمفرد: منيب، وأصله: «منيب» على وزن مفعل؛ لأنه من الرباعي كما ترى، فقل في إعلاله:
اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء إلى النون قبلها، بعد سلب سكونها، فصار «منيب» ومثله قل في إعلال «مبين» ونحوه. (اتقوه): خافوه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه. ﴿(أَقِيمُوا الصَّلاةَ)﴾:
أدوها على الوجه الأكمل، وقد شرحت ذلك كثيرا. ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ بأي نوع من أنواع الشرك، فإن الشرك لا يكون مقصورا على عبادة الحجارة، أو عبادة الشمس، والقمر، أو عبادة فرد من الناس، لا؛ فإن الرياء بالعمل شرك، وإن من اعتقد: أن لمخلوق في هذا الكون تأثيرا في شيء من الأشياء؛ فقد أشرك، وإن من اعتقد: أن فلانا؛ ضره، أو نفعه، ولم يعز ذلك إلى الله؛ فقد أشرك، ومن يقول: إن فلانا سبب في النفع، أو الضر؛ فلا بأس به شرعا مع اعتقاده: أنه من الله.
стр. 4659
الإعراب: ﴿مُنِيبِينَ:﴾ حال من واو الجماعة ب: «الزموا» الذي رأيت تقديره في الآية السابقة، أو حال من فاعل (أقم) المستتر؛ لأن الأمر للنبي ﷺ أمر له، ولأمته. فالمعنى أقيموا وجوهكم.
ويؤيده عطف: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ عليه، فهو منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿وَاتَّقُوهُ:﴾ الواو: حرف عطف: (اتقوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: «الزموا» التي رأيت تقديرها في الآية السابقة، أو هي معطوفة على جملة: (أقم...) إلخ التي رأيت تأويلها، وجملة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ معطوفة عليها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا،﴾ وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها.
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ:﴾ إن كان الضمير راجعا إلى كفار قريش، فيكون معنى التفريق راجعا إلى تفريق أهوائهم، واختلافهم فيما يعبدون من أوثان، وعبادة الملائكة، وغير ذلك من المعبودات الباطلة؛ التي كانت شائعة عند العرب في الجاهلية، ويؤيده قراءة حمزة، والكسائي: «(فارقوا)» أي: فارقوا دينهم الصحيح، وهو دين إبراهيم، وإسماعيل، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: هم أهل البدع من هذه الأمة. وقيل: هم اليهود والنصارى، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَكانُوا شِيَعاً﴾.
هذا؛ وشيع: جمع: شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشيع، وهو التحزب، ومعنى الشيعة الجماعة الذين يتبع بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة هم الذين يتقوى بهم الإنسان، وفي القاموس المحيط: وشيعة الرجل بالكسر: أتباعه، وأنصاره؛ والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث. وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علي بن أبي طالب، وأهل بيته-﵃ أجمعين-، حتى صار اسما لهم خاصة، قال الكميت: [الطويل] وما لي إلاّ آل أحمد شيعة... وما لي إلاّ مذهب الحقّ مذهب
﴿كُلُّ حِزْبٍ:﴾ كل فريق، وملة. هذا؛ والحزب في اللغة: أصحاب الرجل الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه، يعني: أهمّه، والجمع: أحزاب.
﴿بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ:﴾ مسرورون معجبون به، معتقدون: أنه الحق.
стр. 4660
هذا؛ و ﴿لَدَيْهِمْ﴾ ظرف مكان بمعنى: «عند» وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف على وإلى ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر: [الوافر] إلاكم يا خناعة، لا إلانا... عزا النّاس الضّراعة والهوانا
فلو برأت عقولكمو بصرتم... بأنّ دواء دائكمو لدانا
وذلكمو إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكمو علانا
ثم اعلم: أن «عند» أمكن من: «لدى» من وجهين: أحدهما أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويمتنع ذلك في «لدى»، ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله جماعة.
خاتمة: هذه الآية وأمثالها تنظر إلى قول النبي ﷺ : «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإنّ هذه الأمّة ستفترق إلى ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة». الحديث خرجه أبو داود، ورواه الترمذي وزاد فيه:
قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». خرجه من حديث عبد الله بن عمرو ﵁، وهذا يبين أن الافتراق المحذّر منه في الآية، والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده؛ لأنه قد أطلق عليها مللا، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار، ومثل هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديد الملل، ولا عذاب النار. انتهى.
قرطبي في غير هذا الموضع.
أقول: وإنما يعني-رحمه الله تعالى-المذاهب الأربعة المختلفة في بعض الأحكام، فأهل هذه المذاهب يطلق عليهم اسم أهل السنة، والجماعة؛ لأنهم هم المتمسكون بسنة رسول الله ﷺ ، وسنة خلفائه الراشدين، وصحابته المهتدين، وعاضّون عليها بالنواجذ. والحمد لله رب العالمين.
بعد هذا: فالفرح لذة في القلب، بإدراك المحبوب، ولذا أكثر ما يستعمل في اللذات البدنية، وقد ذم الله الفرح في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ،﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ولكنه مطلق، فإذا قيّد الفرح لم يكن ذمّا لقوله تعالى في حق الشهداء: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ،﴾ وقال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: برحمته، وقال تعالى: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾ هذا؛ وقد قال تعالى في
следующие страницы →