← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وفي صحيح البخاري، ومسلم عن عائشة-﵂: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهمّ ربّ جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وفي الدعاء المأثور: «اللهمّ أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا، فنضلّ، واجعلنا للمتّقين إماما». الإعراب: ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿النّاسُ:﴾ اسمها. ﴿أُمَّةً:﴾ خبرها. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَبَعَثَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وهناك جملة مقدرة قبلها، التقدير: فاختلفوا، فبعث. ﴿النَّبِيِّينَ:﴾ مفعول به. ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾ حال من النبيين. ﴿وَمُنْذِرِينَ:﴾ معطوف عليه، وعلامة النصب في الثلاثة الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنها جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. (﴿أَنْزَلَ﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿مَعَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾ أي: ملتبسا بالحق، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: هي في محل نصب حال، وهذا يحتاج إلى تقدير «قد» قبلها، لتقربها من الحال. ﴿لِيَحْكُمَ:﴾ مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: هو، انظر الشرح، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أنزل)، ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسُ﴾ مضاف إليه. ﴿فِيمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (يحكم) أيضا، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (في). ﴿وَمَا:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿اِخْتَلَفَ:﴾ فعل ماض. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب (في) والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن. ﴿أُوتُوهُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿اِخْتَلَفَ:﴾ ﴿مَا:﴾ مصدرية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبَيِّناتُ:﴾ فاعله، و ﴿مَا﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه؛ التقدير: من بعد مجيء البينات. ﴿بَغْياً:﴾ مفعول لأجله، وقيل: حال، ولا وجه له. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿بَغْياً﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة.

стр. 492

(هدى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (هدى)، (﴿وَمَا﴾) تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة: ﴿اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ صلة (ما) أو صفتها. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب (في) العائد بدوره على (﴿مَا﴾)، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بالفعل: (هدى) أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ التقدير: مأذونا لهم، وجملة: ﴿فَهَدَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والاستئناف ممكن. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يهدي الذي أو شخصا يشاؤه. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَهْدِي﴾. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿صِراطٍ﴾. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ الشرح: ﴿أَمْ:﴾ منقطعة هنا. انظر مبحثها في كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿حَسِبْتُمْ:﴾ ظننتم، فهو من باب: تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون السين في المضارع مع الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين، وكسرها من البابين: الرّابع، والسادس. والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا من باب: قتل، بمعنى: أحصيته عددا. ﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ،﴾ أي: ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم، فتصبروا كما صبروا، أو المعنى: ولما يصبكم مثل الذين أصاب الذين من قبلكم من البلاء، قال تعالى في أول سورة (العنكبوت): ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ:﴾ انظر شرح هذه الآيات هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿مَسَّتْهُمُ:﴾ أصابتهم. ﴿الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ:﴾ انظر الآية رقم [١٦٧]. ﴿وَزُلْزِلُوا:﴾ خوّفوا من الأعداء تخويفا شديدا، وامتحنوا امتحانا عظيما، كما جاء في الحديث عن خبّاب بن الأرت

стр. 493

-﵁-قال: قلنا: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرّجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشقّ باثنتين وما يصدّه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم، أو عصب، وما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر، حتى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذّئب على غنمه، ولكنّكم تستعجلون». رواه البخاري [٣٦١٢]. ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ أي: بلغ بهم الضجر، ولم يبق لهم صبر؛ حتى قالوا ذلك. ومعناه: طلب الصبر، وتمنيه، واستطالة زمان الشدة، بحيث تقطّعت حبال الصّبر عندهم، وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدّة، وتماديه في العظم؛ لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم، واصطبارهم، وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتّى ضجوا؛ كان ذلك الغاية في الشدّة؛ التي لا مطمع وراءها. ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ:﴾ هذا جواب من الله تعالى، ووعد لهم بالنصر، وفي ضمنه كلام آخر، التقدير: فاصبروا، كما صبروا؛ تظفروا بالنّصر، كما ظفروا. هذا؛ وقرئ: ﴿حَتّى يَقُولَ﴾ بالنصب على إضمار «أن» ومعنى الاستقبال؛ لأنّ «أن» تصرف الفعل المضارع له. وقرئ بالرّفع على أنه بمعنى الحال، كقولك: شربت الإبل حتى يجيء البعير بطنه، إلا أنها حال ماضية محكية. وانظر مبحث «حتّى» في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. تنبيه: قال قتادة، والسّدي، وأكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصابهم من الجهد والشدّة، والحرّ، والبرد، وسوء العيش، وأنواع الشدائد، وكان كما قال الله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ،﴾ وقيل: نزلت في حرب (أحد) نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ رقم [١٤٢]. وقالت جماعة أخرى: نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم، وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ﷺ ، وأسرّ قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله الآية الكريمة تطييبا لقلوبهم، وتفريجا لهمومهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل». ﴿حَسِبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَدْخُلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع: ﴿تَدْخُلُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿حَسِبْتُمْ﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨]. ﴿وَلَمّا:﴾ الواو:

стр. 494

واو الحال. (لمّا): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لمّا) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به. ﴿مَثَلُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة ﴿خَلَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله. وقدّر الجلال، والجمل محذوفا بين المتضايفين، فالجلال قدّر: مثل ما أتى الّذين. والجمل قدّر: مثل محنة المؤمنين الّذين. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصولة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مَسَّتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبَأْساءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها، وجوز اعتبارها مستأنفة. ﴿وَالضَّرّاءُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَزُلْزِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر. ﴿يَقُولَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الرَّسُولُ:﴾ فاعله. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿زُلْزِلُوا﴾) وعلى قراءة الفعل بالرّفع؛ فالجملة معطوفة على ما قبلها عطفا. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزّمانية متعلق بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نَصْرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَلا:﴾ حرف استفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿نَصْرُ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿قَرِيبٌ:﴾ خبر: ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ أي: قيل لهم ذلك، والقائل هو الله تعالى؛ الذي لا يخلف وعده. والقول، ومقوله كلام مستأنف لا محل له. وقال أبو البقاء-﵀: هو من مقول الرّسول. والأول أقوى. هذا؛ والجملة الاسمية فيها عدّة مؤكدات، تدل على تحقّق النصر: أولا: بدء الجملة بأداة الاستفتاح: ﴿أَلا﴾ التي تفيد التأكيد. ثانيا: ذكر ﴿أَنْ﴾ الدّالة على التوكيد أيضا. ثالثا: إيثار الجملة الاسمية على الفعلية، فلم يقل: «ستنصرون». والتعبير بالجملة الاسمية يفيد التأكيد. رابعا: إضافة النّصر لله ربّ العالمين القادر على كلّ شيء.

стр. 495

﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ الشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ انظر الكلام على: سأل، يسأل في الآية رقم [١٨٩] والخطاب للنبي ﷺ ، والسائل هو عمرو بن الجموح، ﵁، وكان شيخا كبيرا ذا مال جم، فسأل الرسول ﷺ عمّا ينفق، وعلى من ينفق. ﴿ماذا يُنْفِقُونَ﴾ أي: ما قدره، وما جنسه؟ والمراد: نفقة التطوع، لا الزكاة، فالآية محكمة لا منسوخة، فهي مبينة لمصارف صدقة الصّدقة، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الإسراء) وسورة (الروم): ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. هذا؛ ويعدّ علماء البلاغة هذه الآية من الأسلوب الحكيم؛ حيث قالوا: إن السائل سأل الرسول ﷺ عن حقيقة الإنفاق، وعن كمية المال الذي ينفق: الربع، أو الثلث، أو النصف مثلا، فأجيب ببيان طرق إنفاق المال تنبيها على أنّ هذا هو الأولى، والأجدر بالسّؤال عنه. ومثل هذه الآية في هذا الحكم الآية رقم [١٨٩]، فقد بني الكلام في هذه على ما هو الأهم، وهو بيان المصرف؛ لأنّ النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها، كما قال الشاعر الحكيم: [الكامل] إنّ الصّنيعة لا تكون صنيعة... حتّى يصاب بها طريق المصنع فإذا صنعت صنيعة فاعمد بها... لله أو لذوي القرائب أو دع ﴿قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ:﴾ من مال، وانظر الآية رقم [١٠٥]. ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ:﴾ فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين في قدر ما لهما من حاجة من طعام، وكسوة، وسكن يليق بهما، وعليه أن يزوج أباه إن كانت نفسه تتشرف إلى الزّواج؛ لأن إعفاف الأب مطلوب، بل هو أولى من الطّعام، والكسوة، وعليه نفقة امرأة أبيه إن تزوّج بعد موت أمّ أولاده امرأة أجنبية، ولا يجوز للولد أن يمنع أمّه من الزّواج؛ إن طلبت الزواج بعد موت أبيه؛ لأنّ إعفافها مطلوب أيضا، وعليه أن يخرج عنهما صدقة الفطر؛ لأنّها مستحقّة بالنفقة، والإسلام. أمّا ما يتعلق بالعبادات من الأموال، فليس على الولد أن يعطيهما ما يحجّان به، ولكن من باب البرّ الّذي أوصى الله به أن يبذل لهما من المال ما يحجّان به، ولا سيما الأم التي تعبت في تربيته، ولاقت العناء الشديد في حمله، ووضعه. ﴿وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وانظر الآية رقم [١٧٦] ففيها الكفاية. ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ:﴾ المراد به كلّ عمل صالح من إنفاق مال، وغيره. ﴿فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ:﴾ يجازي به الجزاء الأوفى. الإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (﴿ذا﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل

стр. 496

رفع خبره، وجملة: ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ صلته، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي ينفقونه؟. هذا، ويجوز اعتبار: ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مركبا، وفي إعرابه وجهان: اعتباره مفعولا متعدّيا للفعل بعده، واعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط محذوف، وهو مفعول الفعل المحذوف. وسواء أكانت الجملة اسمية، أم فعلية، فهي في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها. وجملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل شرطه. ﴿أَنْفَقْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ما،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (للوالدين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فمصرفه للوالدين. والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿ما﴾ اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذي أنفقتموه، ويكون: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ متعلقين بمحذوف حال من هذا المحذوف، ويكون: (للوالدين) متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، واقترن بالفاء؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، ورجّح الأول لمناسبة الجملة الثانية؛ إذ لا يصح فيها الاعتبار الثاني. تأمّل، وعلى كلّ فالجملة: ﴿ما أَنْفَقْتُمْ..﴾. إلخ سواء أكانت اسمية، أم فعلية، فهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هذه الأسماء معطوفة على (الوالدين) مجرورة مثله، وعلامة الجر في الأول الياء، وفي الثاني كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وفي الأخيرين الكسرة الظاهرة، و (﴿اِبْنِ﴾): مضاف، و ﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه، وإعراب الجملة: (﴿ما تَفْعَلُوا..﴾.) إلخ لا يخفى عليك بعد إعراب ما تقدّم، و (ما) لا يجوز فيها إلا الشرطية، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، و (ما) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، فهي في محل نصب مقول القول مثلهنّ، والجار والمجرور: ﴿بِهِ﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعده، تأمل، وتدبر، وربك أعظم، وأجل، وأكرم. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ الشرح: مناسبة الآية، والتي بعدها: لمّا ذكر الله تعالى في الآيات السابقة: أنّ النّاس فريقان: فريق يسعى في الأرض فسادا، ويضلّ الناس بخلابة لسانه، وقوّة بيانه، وحلاوة كلامه.

стр. 497

وفريق باع نفسه للحقّ، يبتغي به وجه الله، ورضاه، ولا يرجو أحدا سواه. ولمّا كان لا بدّ للتنازع بين الخير والشر، ولا بدّ للحقّ من سيف مصلت إلى جانبه؛ لذا شرع الله للمؤمنين أن يحملوا السّيف مناضلين، وشرع الجهاد دفعا للعدوان، وردعا للظّلم، والطغيان. صفوة التفاسير. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ:﴾ فرض عليكم الجهاد في سبيل الله. قال عمر بن أبي ربيعة: [الخفيف] كتب القتل والقتال علينا... وعلى الغانيات جرّ الذّيول وقد ذكرت لك فيما مضى: أنّ الله جلّت قدرته لم يأذن للمسلمين بالقتال قبل الهجرة، فلمّا هاجر الرّسول ﷺ والمسلمون إلى المدينة؛ أذن لهم بالجهاد باللّسان، والسنان. والجهاد في بدء الإسلام كان فرض عين، فلمّا عزّ الإسلام، وانتشرت دعوته؛ صار فرض كفاية، إذا قام به البعض؛ سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام، كما في أيّامنا هذه، حيث احتل اليهود اللّؤماء أراضينا، فهو فرض عين على كل قادر على حمل السلاح. ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي: كره في الطّباع البشرية. قال ابن عرفة: الكره-بضم الكاف-: المشقة، وبالفتح: ما أكرهت عليه. هذا هو الاختيار، ويجوز الضم في معنى الفتح، فيكونان لغتين، وإنما كان الجهاد كرها؛ لأن فيه إخراج المال، ومفارقة الوطن، والأهل، والتعرض بالجسد للشّجاج، والجراح، وقطع الأطراف، وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. هذا؛ و ﴿كُرْهٌ﴾ مصدر وضع موضع اسم المفعول: «مكروه» للمبالغة. ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ:﴾ (﴿عَسى﴾) من الله واجبة في جميع القرآن، والمعنى: عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقّة؛ وهو خير لكم في أنّكم تغلبون، وتظفرون، وتغنون، وتؤجرون، ومن مات؛ مات شهيدا. ﴿وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا﴾ الدّعة، وترك القتال، ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ في أنّكم تغلبون، وتذلّون، ويذهب عزّكم، وتضعف شوكتكم. هذا؛ وبين الجملتين من المحسنات البديعية ما يسمّى بالمقابلة، فقد قابل بين الكراهية، والحب، وبين الخير، والشر. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: الله أعلم بعواقب الأمور منكم، وأدرى بما فيه صلاحكم في دنياكم، وآخرتكم، فبادروا إلى ما يأمركم به. وفي هذه الجملة طباق السّلب. هذا؛ وإن النفس تميل إلى الشر بسبب ميلها إلى الدّعة، والراحة، وإلى الشهوات الموجبة لهلاكها، وتنفر من الخير الّذي يتسبّب عن التكاليف الإلهية الموجبة لسعادتها، وإن كان في ظاهرها مشقة، وجهد، وعناء، فالآية الكريمة تحثّ على الجهاد، فلعلّ لكم فيه وإن كرهتموه خيرا؛ لأن فيه إمّا الظفر، والغنيمة، وحسن السّمعة، والثناء من الناس، أو الشهادة، والأجر؛ الذي أعدّه الله للمجاهدين؛ الذين يبذلون أرواحهم في سبيل إعلاء كلمة الله، مع أن في تركه شرّا؛ لأن فيه الذل، والفقر، والحرمان من الأجر. والمحروم من حرم الأجر، والثواب.

стр. 498

الإعراب: ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الْقِتالُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا ارتباط لها بما قبلها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كُرْهٌ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كُرْهٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو اسم مفعول، والجملة الاسمية في محل نصب حال من القتال، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَعَسى:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿عَسى﴾): فعل ماض جامد من أفعال الرجاء، مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو تام هنا. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد... غنى بأن يفعل عن ثان فقد ﴿أَنْ تَكْرَهُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ تَكْرَهُوا:﴾ في تأويل مصدر في محل رفع فاعل (﴿عَسى﴾)، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُتِبَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في محل نصب حال من: ﴿شَيْئاً﴾ وهو نكرة، وكان الواجب أن تكون صفة على القاعدة: «الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال»، والمعارض في ذلك الواو، فإنها لا تعترض بين الصفة، والموصوف، خلافا للزمخشري، وأبي البقاء، وإنّما توسّطت الواو في رأي الزمخشري؛ لتأكيد لصوق الصّفة بالموصوف. هذا الذي أجازه أبو البقاء هنا، والزمخشري في الآية الكريمة: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ الآية رقم [٤] من سورة (الحجر)، وهو رأي ابن خيران، وسائر النّحويين يخالفونه. انتهى. جمل نقلا عن السّمين. أقول: ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [٢٥٩]: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾. والشاهد على هذه المسألة في مغني اللبيب قول قيس بن ذريح، وهو الشاهد رقم [٧٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] مضى زمن، والنّاس يستشفعون بي... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع؟ وإعراب: ﴿وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا..﴾. إلخ لا يخفى عليك بعد هذا، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) ومفعوله محذوف، التقدير: يعلم ما هو خير لكم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف المجرورة محلاّ باللام، والرابط: الواو، والضمير في الجملة الثانية المعطوفة عليها؛ لأن الجملتين المتعاطفتين كالجملة الواحدة. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل

стр. 499

مضارع، وفاعله، ومفعوله محذوف تقديره: لا تعلمون ذلك، وهذه الجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧)﴾ الشرح: فقد روى أبو اليسار عن جندب بن عبد الله: أنّ النبي ﷺ بعث رهطا في جمادى الآخرة قبل وقعة بدر بشهرين، وقيل: في شهر رجب، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الحارث، فلمّا ذهب لينطلق؛ بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ ، فبعث مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، وأمره ألا يقرأ الكتاب؛ حتى يبلغ مكان كذا، وكذا، وقال: لا تكرهنّ أصحابك على المسير معك. فلمّا بلغ المكان؛ قرأ الكتاب، فاسترجع، وقال: سمعا، وطاعة لله، ولرسوله. قال: فرجع رجلان، ومضى بقيّتهم معه، فلقوا ابن الحضرمي، فقتلوه، وأسروا رجلين كانا معه، هما عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت منهم نوفل بن عبد الله، وأخذوا ما كان معهم من عير، ثمّ قدموا بالعير، والأسيرين على رسول الله ﷺ ، وقال عبد الله بن جحش-﵁: اعزلوا ممّا غنمنا الخمس لرسول الله ﷺ ، ففعلوا، فكان أول خمس في الإسلام، ثمّ نزلت الآية في سورة (الأنفال) رقم [٤١] تؤيّد ذلك-وكانت تلك الحادثة قد وقعت في أوّل ليلة من شهر رجب، أو في آخر ليلة منه، والأول أشهر-فعيّر المشركون المسلمين بانتهاك حرمة الشّهر الحرام، والرّسول ﷺ لامهم على ذلك، فخاف المسلمون من ذلك، فنزلت الآية الكريمة تؤيّد ما فعله عبد الله، وأصحابه بالمشركين. واختلف العلماء في نسخ هذه الآية، فالجمهور على نسخها، وأنّ قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٣]. واختلف في ناسخ هذه الآية، وقد قال عبد الله بن جحش-﵁-لمّا عيّرهم المشركون بقتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام ما يلي: [الطويل] تعدّون قتلا في الحرام عظيمة... وأعظم منه لو يرى الرّشد راشد صدودكم عمّا يقول محمّد... وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله... لئلاّ يرى لله في البيت ساجد

стр. 500

فإنّا وإن عيّرتمونا بقتله... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرميّ رماحنا... بنخلة لمّا أوقد الحرب واقد دما وابن عبد الله عثمان بيننا... ينازعه غلّ من القدّ عاند ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ:﴾ تقدّم الكلام على هذا فيما مضى. ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ المعنى: يسألك أصحابك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام، أيحل لهم القتال فيه؟ فقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ يدل على الاستفهام، كما قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٨١]: [الطويل] أصاح ترى برقا أريك وميضه... كلمع اليدين في حبيّ مكلّل ﴿قُلْ﴾ لهم: القتال فيه أمره كبير، ووزره عظيم، ولكن هناك ما هو أعظم، وأخطر، وهو (﴿صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾) أي: الإعراض عن دين الله. هذا، و (﴿صَدٌّ﴾) مصدر: صد، يصد من باب: قتل، وله مصدر آخر: صدود. قال تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ رقم [٦١] من سورة (النّساء) ومضارعه: يصدّ. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ:﴾ بالله. ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي: ومنع، وصدّ عن بيت الله، كما فعل كفار قريش مع المسلمين. ﴿وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ..﴾. إلخ، أي: إخراج الرّسول ﷺ ، وأصحابه من المسجد الحرام ﴿أَكْبَرُ﴾ وأعظم عند الله ممّا فعلته سريّة عبد الله بن جحش، وأصحابه-﵁. من قتل ابن الحضرمي، وأسر رفيقيه... إلخ وكان ذلك على سبيل الخطأ، وعدم التحقّق من الشّهر الحرام، ولا تنس تعذيب المشركين للمستضعفين المسلمين، فإنّه أشدّ قبحا، وأشنع فعلا من قتل واحد في الشّهر الحرام. والعندية هنا مجاز؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يحيط به. ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ:﴾ والشرك أكبر، وأعظم من قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام. ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ..﴾. إلخ؛ أي: هم مستمرون على عداوتكم، وقتالكم إلى أن يردّوكم إلى الشّرك؛ إن قدروا على ذلك، ولن يقدروا بتوفيق الله لكم، وحفظه، ورعايته لكم. والخطاب للمسلمين، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، كما يكون الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ومن المفرد إلى الجمع، وبالعكس. وانظر الآية رقم [١٣١]. ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ﴾ قيّد الردّة بالموت عليها بعد أن يستتاب، فإذا لم يرجع؛ يقتل. قال الرسول ﷺ : «من بدّل دينه؛ فاقتلوه». والمعنى: من خرج من الإسلام إلى الكفر؛ فاقتلوه، وأما من خرج من كفر إلى كفر؛ فلا سلطان عليه لأحد. والكلام على المرتد وعلى مآله طويل في كتب الفقه، وإذا أخذنا بأحكام الشريعة في هذه الأيام؛ نجد الألوف بل الملايين من أبناء المسلمين مرتدّين، ولا حول ولا قوّة إلا بالله! هذا؛ وقرئ الفعل: ﴿يَرْتَدَّ﴾ في سورة (المائدة) رقم [٥٤] بالفك، والإدغام.

стр. 501

﴿فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ والمراد: الأعمال النافعة بطل ثوابها، وأجرها. هذا؛ وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط من باب: تعب، حبطا بالسكون، وحبوطا: فسد، وهدر. وحبط، يحبط من باب ضرب لغة، وقرئ بها في الشواذ. وحبط دم فلان من باب: تعب: هدر. وأحبطت العمل والدم بالألف: أهدرته. وفي المختار: والحبط بفتحتين: أن تأكل الماشية، فتكثر؛ حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها. وقيل: هو أن ينتفخ بطنها من أكل الذرق، وهو الحندقوق. وفي الحديث: «إنّ ممّا ينبت الرّبيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ». انتهى. واسم هذا الدّاء: حباط. والفعل حبط: لازم، ويتعدّى بالهمزة، كما في قوله تعالى: في كثير من الآيات: ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ﴾. وباقي الكلام تقدّم مثله كثيرا. الإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول. ﴿عَنِ الشَّهْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة الشهر. ﴿قِتالٍ﴾ بدل اشتمال من الشهر؛ لأن القتال يقع فيه، وهو مشتمل عليه، وقد يقع بدل الاشتمال في إبدال الظاهر من ضمير الغيبة، كما في قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ وقوله تعالى في سورة (مريم) على نبينا، وعليها، وعلى ولدها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ،﴾ ومن إبدال الظاهر من ضمير التكلم قول عدي بن زيد العبادي: [الوافر] ذريني إنّ أمرك لن يطاعا... وما ألفيتني حلمي مضاعا وأيضا، كقول النابغة الجعدي-﵁ وهو الشاهد رقم [٥١٠] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل] بلغنا السّماء مجدنا وسناؤنا... وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿قِتالٍ﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وقال الكسائي: هو مخفوض على التكرير، تقديره عنده: عن الشهر، عن قتال فيه. وقال الفراء: هو مخفوض بإضمار «عن». وقال أبو عبيدة: هو مخفوض على الجوار. والمعتمد الأول بلا شك. وجملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله أنت. ﴿قِتالٍ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان ب ﴿قِتالٍ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿كَبِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَصَدٌّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿صَدٌّ﴾): مبتدأ، ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان ب (﴿صَدٌّ﴾)، أو بمحذوف صفة له، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَكُفْرٌ﴾ معطوف على (﴿صَدٌّ﴾). ﴿بِهِ:﴾ متعلقان ب (﴿كُفْرٌ﴾) أو بمحذوف صفة له.

стр. 502

﴿وَالْمَسْجِدِ:﴾ معطوفة على ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة (﴿الْمَسْجِدِ﴾)، والتقدير: وصد عن المسجد. وقال أبو البقاء: متعلق بمحذوف، دل عليه: (﴿صَدٌّ﴾) والتقدير: ويصدّون عن المسجد الحرام، وقال الفراء: ﴿وَكُفْرٌ:﴾ عطف على: ﴿كَبِيرٌ،﴾ ﴿وَالْمَسْجِدِ:﴾ عطف على الهاء في: ﴿بِهِ﴾ فيكون الكلام نسقا متصلا غير منقطع، قال ابن عطية: وذلك خطأ؛ لأن المعنى يسوق إلى أن قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: بالله عطف أيضا على ﴿كَبِيرٌ﴾ ويجيء من ذلك: أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله، وهذا بيّن فساده. وصحّح ابن هشام في المغني: أن خفض (المسجد) بباء محذوفة لدلالة ما قبلها عليها، لا بالعطف، ورجوع الجار والمجرور على: (به) لأنه لا يعطف على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض. ﴿وَإِخْراجُ:﴾ معطوف على: (صدّ)، وهو مضاف، و ﴿أَهْلِهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. التقدير: وإخراجكم أهله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر (إخراج). ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ (صدّ) وما عطف عليه، وساغ ذلك؛ لأنه أفعل تفضيل، وهو يستوي فيه الواحد، والأكثر، والمذكر، والمؤنث، إذا كان مجردا من ال، والإضافة، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] وإن لمنكور يضف أو جرّدا... ألزم تذكيرا وأن يوحّدا ﴿عِنْدَ﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿أَكْبَرُ﴾. و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وتمييز ﴿أَكْبَرُ﴾ محذوف، التقدير: أكبر وزرا عند الله، وجملة: ﴿وَصَدٌّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا الجملة الاسمية: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ معطوفة على ما قبلها، وهي في محل نصب مقول القول مثلها، واعتبار هذه الجمل في محل نصب حال صحيح معنى. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا) نافية. ﴿يَزالُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص مرفوع، والواو اسمه. ﴿يُقاتِلُونَكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (يزال) وجملة: ﴿وَلا يَزالُونَ... :﴾ معطوفة على الجمل الاسمية قبلها، وفيه ضعف من جهة المعنى، والأولى عطفها على جملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ،﴾ كما يجوز اعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة. فتلخص من ذلك: أن الكلام من قوله: ﴿وَصَدٌّ﴾ إلى قوله: ﴿الْقَتْلِ﴾ يجوز اعتباره معطوفا على جملة: ﴿قِتالٍ فِيهِ..﴾. إلخ فهو في محل نصب مقول القول، ويجوز اعتباره في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿كَبِيرٌ﴾ والرابط: الواو فقط، وأن جملة: ﴿وَلا يَزالُونَ..﴾. إلخ يجوز فيها ثلاثة أوجه: العطف على جملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ، والحالية من واو الجماعة، والاستئناف. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَرُدُّوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَنِ﴾

стр. 503

﴿دِينِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿اِسْتَطاعُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن استطاعوا أن يردّوكم؛ فليردوكم. (﴿مِنَ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ﴿يَرْتَدِدْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مِنَ﴾). ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَرْتَدِدْ﴾ المستتر، و (﴿مِنَ﴾) بيان لما أبهم في (من). ﴿عَنْ دِينِهِ:﴾ متعلقان بالفعل يرتدد، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَيَمُتْ:﴾ الفاء: حرف عطف. يمت: معطوف على: ﴿يَرْتَدِدْ﴾ مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (﴿مِنَ﴾) أيضا. ﴿وَهُوَ كافِرٌ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (يمت) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿حَبِطَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (أولئك..) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، والمرجح: أنه جملتا الشرط والجواب، كما رأيته فيما سبق، والجملة الاسمية: (﴿مِنَ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي الدُّنْيا﴾ متعلقان بالفعل: ﴿حَبِطَتْ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَالْآخِرَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾ تقدّم مثل هذه الجملة كثيرا، ويأتي مثلها، وفي محل الجملة الاسمية وجهان: عطفها على جملة جواب الشرط، واستئنافها. تأمل، وتدبّر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ الشرح: قال جندب بن عبد الله، وعروة بن الزبير-﵄: لمّا قتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام؛ توقّف رسول الله ﷺ عن أخذ خمسه؛ الّذي وفّق في فرضه له عبد الله بن جحش، وفي الأسيرين، فعنّف المسلمون عبد الله بن جحش، وأصحابه؛ حتّى شقّ ذلك عليهم، فتلافاهم الله- -بهذه الآية في الشهر الحرام، وفرّج عنهم، وأخبر: أنّ لهم ثواب من هاجر، وغزا. وقال بعض المسلمين: إن سلموا من الإثم؛ فليس لهم أجر، فردّ الله عليهم بهذه الآية. فالإشارة إليهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم هي باقية في كلّ من فعل ما ذكره الله .

стр. 504

﴿هاجَرُوا:﴾ الهجرة معناها: الانتقال من موضع إلى موضع، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني، والهجر ضدّ الوصل، وهو بفتح الهاء، والهجر بضم الهاء: الفحش في القول. (﴿جاهَدُوا﴾): قاتلوا. ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ من أجل نصر دين الله. ﴿أُولئِكَ:﴾ المؤمنون المهاجرون المجاهدون. ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ:﴾ يطلبون رحمة الله بما فيها من خير عميم، وفضل عظيم. وإنّما قال جلّ ذكره: ﴿يَرْجُونَ﴾ وقد مدحهم، وأثنى عليهم بالإيمان والهجرة والجهاد؛ لأنّه لا يعلم أحد في هذه الدنيا: أنه صائر إلى الجنة، ولو بلغ في طاعة الله كلّ مبلغ؛ لأمرين: أحدهما: لا يدري بما يختم له، والثاني: لئلا يتّكل على عمله. هذا؛ والرجاء: الطّمع، والأمل في الشيء، والرّجاء معه خوف لا بدّ، كما أنّ الخوف معه رجاء، والرّجاء من الطّمع، والأمل (ممدود)، والرّجا بالقصر: ناحية الشيء، وطرفه، والعوام من الناس يخطئون في قولهم: يا عظيم الرجا، ويقال: ترجيته، وارتجيته، ورجيته، كله بمعنى: رجوته، قال بشر يخاطب ابنته: [الوافر] فرجّي الخير وانتظري إيابي... إذا ما القارظ العنزيّ آبا والرجاء بمعنى الأمل، والطّماعية في الشّيء، ومنه قول الشاعر: [الوافر] أترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب والرّجاء يأتي بمعنى عدم المبالاة إذا كان منفيّا، قال خبيب بن عدي ﵁: [الطويل] لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما... على أيّ جنب كان في الله مصرعي وقد يأتي الرجاء بمعنى الخوف، وبه فسر كثير من المفسرين الآية الأخيرة من سورة (الكهف) وغيرها، وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال، وهو الذي يقطف عسل النحل: [الطويل] إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عوامل وقال بعض العلماء: لا يقع الرّجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد؛ أي: النّفي، كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كلّ موضع دلّ عليه المعنى، وهو المعتمد. هذا، والدّبر: النحل، والنّوب بضم النون أيضا: النّحل، واحدة: نوب. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لما فعله أهل سرية عبد الله خطأ، وقلّة احتياط. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بهم، فهو يجزل لهم الأجر، والمثوبة، وهما صيغتا مبالغة. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق

стр. 505

المحذوف: صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على جملة الصّلة، لا محل مثلها، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿يَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، ﴿رَحْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مبتدأة، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه، والاستئناف ممكن. ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ المناسبة: لمّا ذكر الله تعالى في الآية السابقة أحكام الجهاد، وبيّن الهدف السامي من مشروعيته، وهو نصرة الحق، وإعزاز الدّين، وحماية الأمة من أن يلتهمها العدو الخارجيّ؛ ذكر بعدها ما يتعلق بإصلاح المجتمع الداخلي على أسس من الفضيلة والخلق الكريم، ولا بدّ للدولة من الإصلاح الداخلي، والخارجي؛ لتقوم دعائمها على أسس متينة، وتبقى صرحا شامخا، لا تؤثر فيه الأعاصير. الشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فقد روى جماعة عن ابن عبّاس-﵄-قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمّد ﷺ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة، كلّهن في القرآن: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ،﴾ ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ،﴾ ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى..﴾. إلخ ما كانوا يسألون إلا عمّا ينفعهم. قال ابن عبد البر: ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث. أقول: يناقض هذا قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٠١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وعن المغيرة بن شعبة-﵁، عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله حرّم عليكم، عقوق الأمّهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم: قيل، وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال». أخرجه البخاريّ، وغيره. فهذا يدلّ على أنّهم كانوا يكثرون السؤال.

стр. 506

﴿عَنِ الْخَمْرِ:﴾ ﴿الْخَمْرِ:﴾ مأخوذ من خمر: إذا ستر، ومنه: خمار المرأة. وكلّ شيء غطّى شيئا فقد خمره. ومنه قول النّبي ﷺ : «خمّروا آنيتكم». فالخمر تخمر العقل، أي: تغطيه، وتستره، ومن ذلك الشّجر الكثير الملتف يقال له: الخمر بفتح الميم؛ لأنه يغطّي ما تحته، ويستره، يقال منه: أخمرت الأرض: كثر خمرها، قال الشاعر: [الوافر] ألا يا زيد والضّحّاك سيرا... فقد جاوزتما خمر الطّريق أي: سيرا مدلّين فقد جاوزتما الوهدة الّتي يستتر بها الذّئب، وغيره. وهو على حذف مضاف؛ إذا التقدير: يسألونك عن شرب الخمر. ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ أي: وعن تعاطي الميسر: وهو قمار العرب بالأزلام، واشتقاقه من اليسر؛ لأنّه أخذ المال بسهولة من غير تعب، قال ابن عباس ﵄: كان الرّجل في الجاهلية يقامر الرّجل على أهله، وماله، فأيّهما قمر صاحبه؛ ذهب بماله، وأهله. والأزلام هي: سهام الميسر، وهي أحد عشر سهما، منها سبعة لها حظوظ، وفيها فروض على عدد الحظوظ، وهي: الفذّ، وفيه علامة واحدة، وله نصيب، وعليه نصيب إن خاب. الثاني: التوأم، وفيه علامتان، وله نصيبان وعليه نصيبان. الثالث: الرّقيب، وفيه ثلاث علامات على ما ذكرنا. الرابع: الحلس، وله أربع. الخامس: النّافر، أو النافس أيضا، وله خمس. السّادس: المسبل، وله ست. السّابع: المعلّى، وله سبع، فذلك ثمانية، وعشرون فرضا، وأنصباء الجزور كذلك في قول الأصمعي، وبقي من السّهام أربعة، وهي الأغفال، لا فروض لها، ولا أنصباء، وهي: المصدّر، والمضعّف، والمنيح، والسّفيح. وقيل: الباقية الأغفال الثلاثة: السّفيح، والمنيح، والوغد. قال بعضهم: [مجزوء الرمل] لي في الدّنيا سهام... ليس فيهنّ ربيح إنمّا سهمي وغد... ومنيح وسفيح تزاد هذه الثلاثة لتكثر السّهام على الّذي يجيلها، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا. وكانت عادة العرب أن تضرب الجزور بهذه السّهام في الشدّة، وضيق الوقت، وكلب البرد على الفقراء، يشترى الجزور، ويضمن الأيسار ثمنها، ويرضى صاحبها من حقّه، وكانوا يفتخرون بذلك، ويذمّون من لم يفعل ذلك منهم، ويسمونه البرم؛ أي: البخيل. قال متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك، ومدحه: [الطويل] ولا برما تهدي النّساء لعرسه... إذا القشع من برد الشّتاء تقعقعا وكانوا لا يأكلون منه شيئا، ويدعونه للفقراء، ويكتفون بمدح الناس لهم، والثّناء عليهم. تنبيه: نزل في الخمر أربع آيات، نزل في مكّة قوله تعالى في سورة (النّحل): ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فهذه الآية في معرض الامتنان على الناس جميعا، فكان المسلمون يشربونها، وهم في مكّة، وهي حلال لهم، وبعد

стр. 507

الهجرة إلى المدينة المنورة جاء عمر، ومعاذ، ونفر من الصّحابة رضوان الله عليهم إلى النبي ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! أفتنا في الخمر، فإنّها مذهبة للعقل، مسلبة للمال. فنزلت الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، فشربها قوم، وتركها آخرون تورّعا، وترجيحا لمضرّتها على منفعتها، الّتي ذكرتها، ثم إن عبد الرحمن بن عوف-﵁-دعا جماعة من الصحابة إلى بيته، فشربوا، وسكروا، فلمّا حضرت صلاة المغرب، قدّموا أحدهم يصلّي بهم، فقرأ سورة (الكافرون): ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ إلخ، وحذف (لا) النافية، فأنزل الله تعالى قوله في سورة (النساء): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى..﴾. إلخ، فتركها الأكثرون، وقلّ من يشربها، وعمر بن الخطاب-﵁-كان يقول دائما: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. ثم إنّ عتبان بن مالك الأنصاري-﵁-دعا جماعة من الصّحابة فيهم سعد بن أبي وقاص-﵃ أجمعين-، فأكلوا، وشربوا، حتّى أخذت منهم الخمر، فافتخروا عند ذلك، وانتسبوا، وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد-﵁-قصيدة فيها فخر بقومه، وهجاء الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لحي بعير، فضرب به رأس سعد، فشجّه موضحة، فانطلق سعد إلى رسول الله ﷺ ، وشكا إليه الأنصاريّ، فقال الفاروق-﵁: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا! ويروى: أن الحمزة-﵁-شرب الخمرة يوما، وخرج، فلقي رجلا من الأنصار، وبيده ناضح ناقة له، والأنصاريّ يتمثّل ببيتين لكعب بن مالك-﵁، يمدح بهما قومه، وهما: [الطويل] جمعنا مع الإيواء نصرا وهجرة... فلم ير حيّ مثلنا في المعاشر فأحياؤنا من خير أحياء من مضى... وأمواتنا من خير أهل المقابر فقال الحمزة-﵁: أولئك المهاجرون، وقال الأنصاريّ: بل نحن الأنصار، فجرد الحمزة سيفه، وعدا على الأنصاريّ، فهرب الأنصاريّ، وترك ناضحه، فقطعه الحمزة بسيفه، فجاء الأنصاريّ شاكيا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره بفعل الحمزة، فغرم له رسول الله ﷺ ناقة، فقال الفاروق-﵁: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا! فأنزل الله تعالى آية (المائدة) قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ..﴾. إلخ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال الفاروق-﵁: انتهينا يا رب! فكانت الآيات مما وافق رأي عمر-﵁-وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيّام. هذا؛ والحكمة في وقوع التّحريم على هذا التّرتيب: أنّ الله تعالى علم: أنّ القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فعلم أنّه لو منعهم من الخمر دفعة واحدة؛ لشقّ ذلك عليهم، فلا جرم استعمل هذا التّدريج، وهذا الرّفق. قال أنس ﵁: حرّمت

стр. 508

الخمر، ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها، وما حرّم عليهم شيء أشدّ من الخمر. انتهى. ما تقدّم من الخازن، والبيضاوي، والنّسفي، والجمل، والكشّاف بتصرّف كبير. أما بالنسبة لتحريم الخمر، فقد روى أنس-﵁-قال: لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: «عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشترى له». رواه الترمذيّ. وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله حرّم الخمر، وثمنها، وحرّم الميتة، وثمنها، وحرّم الخنزير، وثمنه». رواه أبو داود، وغيره. وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «من زنى، أو شرب الخمر؛ نزع الله منه الإيمان، كما يخلع الإنسان القميص من رأسه». رواه الحاكم. وعن خباب بن الأرتّ-﵁-عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إيّاك والخمرة؛ فإنّ خطيئتها تفرع الخطايا، كما أنّ شجرتها تفرع الشّجر». رواه ابن ماجة. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا الخمر؛ فإنّها مفتاح كلّ شرّ». رواه الحاكم. وعن عثمان بن عفان-﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اجتنبوا أمّ الخبائث.. إلخ» الحديث. رواه ابن حبّان، والبيهقيّ، والأحاديث في ذلك كثيرة. وروي عن عليّ-﵁-قال: لو وقعت قطرة خمر في بئر، فبنيت مكانها منارة؛ لم أؤذّن عليها، ولو وقعت في بحر، ثم جفّ، ونبت فيه الكلأ؛ لم أرعه. ثمّ إنّ الشّارب يصير ضحكة للعقلاء، فيلعب ببوله، وعذرته، وربما يمسح وجهه به؛ حتّى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله، ويقول: اللهم اجعلني من التّوابين، واجعلني من المتطهّرين. ورؤي بعضهم؛ والكلب يلحس وجهه، وهو يقول له: أكرمك الله؛ كما أكرمتني. وأمّا القمار؛ فإنه يورث العداوة، والبغضاء؛ لأنه أكل مال الغير بالباطل، والحكم في الآية يعمّ جميع أنواع القمار فكلّ شيء فيه مقامرة؛ فهو من الميسر، وكلّ شيء فيه رهن فهو منه، حتى لعب الصبيان بالجوز، والكعاب، والطاولة. وأما النّرد (الورق) فيحرم اللعب به، ولو بغير رهن، ويدلّ على تحريمه ما روي عن بريدة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من لعب بالنّرد شير؛ فكأنما صبغ يده في دم خنزير». رواه مسلم. وعن أبي موسى الأشعريّ-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لعب بالنّرد؛ فقد عصى الله ورسوله». أخرجه أبو داود، وغيره، وقد أخرج البيهقيّ كما في الزّواجر عن يحيى بن كثير؛ قال: مرّ رسول الله ﷺ على قوم يلعبون بالنّرد، فقال: «قلوب لاهية، وأيد عاملة، وألسنة لاغية». وعن عليّ-﵁: قال: النّرد، والشّطرنج من الميسر. واختلفوا في الشّطرنج، فمذهب أبي حنيفة: أنه يحرم اللعب به، سواء كان برهن، أو بغير رهن. ومذهب الشافعي: أنّه

стр. 509

مباح بشروط، ذكرها الشّافعي، فقال: إذا خلا الشطرنج عن الرّهان، واللّسان عن الهذيان، والصلاة عن النسيان؛ لم يكن حراما، وهو خارج عن الميسر؛ لأنّ الميسر ما يوجب دفع مال، وأخذ مال، وهذا ليس كذلك. انتهى خازن. أقول: ولعلّ السبب في عدم تحريمه عند الشّافعي -رحمه الله تعالى-: أنّه قائم على النظر، والفكر. ومثله ما يسمّى اليوم ب «الضّاما». ﴿قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أي: وزر عظيم، والسّبب في ذلك ما قدّمته من ذكر المفاسد؛ التي تنتج من تعاطيهما، فالخمرة عدو للعقل، فإذا غلبت على عقل الإنسان؛ ارتكب كلّ قبيح، ففي ذلك آثام كبيرة، منها: إقدامه على شرب المحرّم، ومنها: فعله ما لا يحلّ فعله. وأما الإثم الكبير في الميسر؛ فهو أكل المال الحرام بالباطل، وما يجري بين المتقامرين من المشاتمة، والمخاصمة، والمعاداة، وكلّ ذلك فيه آثار كثيرة، وخطيرة. هذا؛ وقرأ حمزة والكسائي: («كثير») وحجتهما: أن النبي ﷺ لعن الخمرة، ولعن معها عشرة، كما رأيت فيما تقدّم، وأيضا جمع المنافع يحسن معه جمع الآثام. وقرأ الباقون: ﴿كَبِيرٌ﴾ وحجّتهم: أنّ الذنب في القمار، وشرب الخمر من الكبائر، فوصفه بالكبير أليق. هذا؛ وقد فسر الإثم في آية (الأعراف) رقم [٣٣] بالخمرة، واستدلوا بقول الشاعر: [الوافر] شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ:﴾ ربح الخمر بالتجارة، فقد كانوا يجلبونها من الشّام برخص، فيبيعونها في الحجاز بربح كبير، فهذا أصحّ ما قيل في منفعتها، وقيل: من منافعها: أنّها تهضم الطعام، وتقوي الضّعيف، وتعين على الباه، وتسخّي البخيل، وتشجع الجبان، وتصفّي اللون إلى غير ذلك من اللّذة بها، وقد قال حسان-﵁-قبل إسلامه: [الوافر] ونشربها فتتركنا ملوكا... وأسدا ما ينهنهنا اللّقاء وأما منفعة القمار، فهي مصير الشّيء إلى الإنسان في القمار بغير كدّ، ولا تعب. ﴿وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما:﴾ أعلم الله- : أن الإثم، والضّرر أكبر من النّفع، وأعود بالضّرر في الدنيا والآخرة، فالإثم الكبير بعد التّحريم، والمنافع قبل التحريم؛ فقد سلبهما الله جميع المنافع بعد التّحريم تحريما قاطعا، ومن ظنّ: أن فيهما منفعة بعد التحريم فهو ناقص العقل، والإيمان، دخل الرسول ﷺ على زوجه أمّ سلمة-﵂-وهي تسقي بنتا لها مريضة شيئا من النّبيذ، فقال لها: ما هذا؟ قالت: إنّها مريضة، وإنّي أداوي بها علّتها. فقال لها ﷺ : «إنّ الله لم يجعل شفاء أمّتي فيما حرّم عليها، إنّها داء، وليست بدواء». ورحم الله من يقوله: [السريع] من جعل الخرم شفاء له... فلا شفاه الله من علّته وإنّ الخمر المحرّمة هي ما خامرت العقل، وغطّته، فمناط الحكم في التّحريم الإسكار، لقول الرسول ﷺ : «كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام». فكلّ ما أسكر تحت أيّ اسم، وفي أيّ

стр. 510

لون، ومن أيّ مادّة؛ كانت فهو حرام. وخاب الفسقة، والفجرة الّذين يقولون: إنّ الله لم يحرم الخمر تحريما قاطعا؛ لأنه لم يذكر مادة: «حرّم» في تحريمها، وقد قال تعالى في تحريم الشّرك: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقال في تحريم الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ فالاجتناب للشرك كالاجتناب للخمر، فاعتبروا يا أولي الأبصار. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ:﴾ السائل هو عمرو بن الجموح-﵁-سأل في الآية رقم [٢١٥] عن مصرف الزّكاة، وفي هذه الآية سأل عن قدر الإنفاق، فإنه قال-﵁: كم أنفق؟ ﴿قُلِ الْعَفْوَ،﴾ أي الفضل، أي: ما فضل عن الحاجة، وتيسّر، ومنه قول أسماء بن خارجة الفزاري يخاطب زوجته حين بنى بها: [الطويل] خذي العفو منّي تستديمي مودّتي... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الصّدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السّفلى، وابدأ بمن تعول». أخرجه مسلم. وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ لرجل قال: يا رسول الله! عندي دينار، قال: «أنفقه على نفسك». قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على أهلك» قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على ولدك». قال: عندي آخر، قال: «فأنت أبصر به». رواه ابن جرير، وأخرجه مسلم بنحوه. قال الكلبيّ: كان الرّجل بعد نزول هذه الآية؛ إذا كان له مال من ذهب، أو فضة، أو زرع، أو ضرع؛ نظر إلى ما يكفيه، وعياله لنفقة سنة، أمسكه، وتصدّق بسائره، وإن كان ممّن يعمل بيده؛ أمسك ما يكفيه، وعياله يوما، وتصدّق بالباقي؛ حتى نزلت آية الزّكاة المفروضة، فنسخت هذه الآية، وكلّ صدقة أمروا بها. ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: كما فصّل لكم هذه الأحكام وبيّنها، كذلك يبيّن لكم سائر الآيات في أحكامه، ووعده، ووعيده. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس-﵄: يعني في زوال الدّنيا، وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها. وقال الحسن-رحمه الله تعالى-: هي والله لمن تفكّر فيها، ليعلم: أن الدنيا دار بلاء، ثم دار فناء، وليعلم: أن الآخرة دار جزاء، ثمّ دار بقاء. وانظر التفكر في آل عمران رقم [١٩١]. الإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ:﴾ الإعراب مثل الآية [٢١٧] إفرادا، وجملة. ﴿وَالْمَيْسِرِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، والفاعل تقديره: أنت. ﴿فِيهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِثْمٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿كَبِيرٌ:﴾ صفة: ﴿إِثْمٌ﴾. ﴿وَمَنافِعُ:﴾ معطوفة على: ﴿إِثْمٌ﴾ عطف مفرد على

стр. 511

مفرد. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب: (﴿مَنافِعُ﴾)، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له. ﴿وَإِثْمُهُما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِثْمُهُما﴾): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله؛ لأنّ الخمر، والميسر هما اللذان يؤثمان، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب (في) العائد على الخمر، والميسر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مِنْ نَفْعِهِما:﴾ متعلقان ب ﴿أَكْبَرُ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ:﴾ انظر الإعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٢١٥] والجملة الفعلية معطوفة على أول الآية، لا محل لها مثلها. ﴿الْعَفْوَ﴾ يقرأ بالنصب، والرفع، فالنصب على تقدير فعل، تقديره: أنفقوا العفو، وهذا إن جعلت: ﴿ماذا﴾ اسما واحدا مركبا في محل نصب مفعول به مقدّم للفعل بعده، والرفع على أنّه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: قل: المنفق العفو، وهذا، إن جعلت (﴿ماذا﴾) مبتدأ، وخبرا؛ لأن (﴿الْعَفْوَ﴾) جواب، وإعراب الجواب كإعراب السّؤال، وحكى النّحويون: ماذا تعلّمت: أنحوا أم شعرا؟ بالنّصب، والرّفع على أنّهما جيدان حسنان؛ إلا أنّ التفسير في الآية على النّصب. والجملة سواء أكانت اسمية، أم فعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿كَذلِكَ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، عامله الفعل الّذي بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿يُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْآياتِ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وتقدير الكلام: يبين الله لكم الآيات تبيينا مثل هذا التبيين، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَتَفَكَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل للتبيين. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ معطوف على الدّنيا. ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى:﴾ روى أبو داود، والنّسائي عن ابن عباس-﵄-قال: لما أنزل الله تعالى قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله: ﴿إِنْ﴾

стр. 512

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، واعتزل الأوصياء اليتامى، ومخالطتهم، والاهتمام بشئونهم تحرّجا من الإثم، فشقّ ذلك على الأوصياء، واليتامى، فذكروا ذلك للنّبيّ ﷺ فنزلت هذه الآية، فخلطوا طعامهم بطعام اليتامى، وشرابهم بشرابهم. ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ : ﴿إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: مخالطتهم، ومداخلتهم لإصلاح أحوالهم، وإصلاح أموالهم بالحفظ، والتنمية خير من مجانبتهم. ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾ أي: إذا خلطتم أموالهم بأموالكم على وجه المصلحة لهم؛ فهم إخوانكم في الدين، وأخوّة الدين أقوى من أخوة النّسب، ومن حقوق هذه الأخوة المخالطة بالإصلاح، والنفع. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ:﴾ وعد، ووعيد، فالوعيد لمن يفسد في مال اليتيم، ويضرّ بمصالحه، والوعد لمن يقوم بتربية اليتيم، وحفظ ماله، والاهتمام بشأنه. والعلم يقتضي المجازاة على الإفساد، والإصلاح. وبالجملة: الله تعالى أعلم وأدرى بمن يقصد بمخالطتهم الخيانة، والإفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإصلاح، فيجازي كلاّ بعمله. وبين المفسد، والمصلح طباق، وهو من المحسّنات البديعية. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ:﴾ أي: لو شاء تعالى لأوقعكم في الحرج، والمشقّة، وشدّد عليكم، ولكنّه يسّر عليكم الدّين، وسهّله رحمة بكم. والعنت هنا: المشقة، والتضييق. ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ:﴾ غالب على أمره، قويّ لا يقهره أحد. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في صنعه يضع الأمور مواضعها لحكمة يعلمها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لا يحسن مكانه غفور رحيم. وانظر الآية رقم [٢٠٩]. الإعراب: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ:﴾ تقدّم إعراب مثل هذه الكلمات إفرادا، وجملة. ﴿إِصْلاحٌ:﴾ مبتدأ، وهو نكرة سوغ الابتداء به وصفه بالجار والمجرور: ﴿لَهُمْ،﴾ أو بعمله فيهما؛ إن علقتهما به؛ لأنه مصدر. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ إِصْلاحٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تُخالِطُوهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِخْوانُكُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إخوانكم): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهم إخوانكم، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول مثله.

стр. 513

﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود على (الله)، ﴿الْمُفْسِدَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (إخوانكم) والرابط: الواو، وضمير مقدر؛ إذا التقدير: المفسد لأموالهم، والمصلح لأموالهم. والاستئناف ممكن. ﴿مِنَ الْمُصْلِحِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْمُفْسِدَ﴾ وذلك على اعتبار (ال) للتعريف. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَعْنَتَكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾)، (أعنتكم): فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾)، لا محل لها، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، واعتباره في محل نصب مقول القول غير بعيد. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ:﴾ مفيدة للتعليل، لا محل لها. ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَنْكِحُوا:﴾ لا تتزوّجوا، فهو من الثلاثي المتعدي لواحد، وهو بفتح تاء المضارعة، بخلاف الآتي؛ فإنّه بضمّها؛ لأنه من الرّباعي وهو حقيقة في العقد، مجاز في الوطء على الأصحّ عند الشافعي، ﵁، والعكس عند غيره. ﴿الْمُشْرِكاتِ:﴾ جمع: مشركة، وهي الوثنية، مثل: مشركي العرب في الجاهلية، والمجوس، وكل من يدين بدين غير سماوي. هذا؛ و ﴿الْمُشْرِكاتِ﴾ تعمّ الكتابيات؛ لأنّ أهل الكتاب مشركون، لقوله تعالى في سورة (التوبة): ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ وكان ابن عمر-﵄-يقول: حرّم الله المشركات على المؤمنين، ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربّها عيسى، وهو عبد من عباد الله، ومع ذلك فقد خصّت هذه الآية بقوله تعالى في سورة (المائدة): ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ..﴾. إلخ. ﴿حَتّى يُؤْمِنَّ:﴾ فإن آمنت المشركة؛ فأحر بها أن تكون زوجة، ويحصل أجر، وثواب لمن يكون سببا في إيمانها. هذا؛ ويجوز عند غير الشافعي زواج الكتابية، وتركها على دينها بدون شروط، وعند الشّافعي يجوز زواجها مع بقائها على دينها بشرطين: الأول أن يكون نسبها عائدا إلى يعقوب، على نبينا، وعليه

стр. 514

ألف صلاة، وألف سلام، والثاني: أن يعلم عدم دخول أحد آبائها في اليهودية، أو النّصرانية بعد بعثة محمّد ﷺ . ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ بحسنها، وجمالها، وقدّها، واعتدالها. وقد نهى الرسول ﷺ وحذّر من التزوّج لذلك، فقال: «لا تزوّجوا النّساء لحسنهنّ، فعسى حسنهنّ أن يرديهنّ، ولا تزوّجوهنّ لأموالهنّ؛ فعسى أموالهنّ أن تطغيهنّ، ولكن تزوّجوهنّ على الدّين، والخلق، ولأمة خرماء سوداء، ذات دين أفضل» رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو ﵄. هذا؛ وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية الكريمة في مرثد بن أبي مرثد الغنوي، واسمه كنّاز بن حصين الغنوي، بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة سرّا ليخرج رجلا من أصحابه، وكانت له بمكّة امرأة يحبّها في الجاهلية، يقال لها: عناق، فجاءته، فقال لها: إنّ الإسلام حرّم ما كان بينهما في الجاهلية، قالت: فتزوجني، قال: حتّى أستأذن رسول الله ﷺ فأتى النبي ﷺ ، فاستأذن، فنهاه عن التزوّج بها؛ لأنّه كان مسلما، وهي مشركة، وانظر مثل هذا في رقم [٣] من سورة (النور). هذا؛ وقال السّدّيّ، وغيره: كان لعبد الله بن رواحة-﵁-أمة سوداء، فلطمها في غضب، ثمّ ندم، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فقال: «يا عبد الله! ما هي؟». فقال: تصوم، وتصلّي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «هذه مؤمنة». فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنّها، ولأتزوجنّها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. وقال الطبري، وغيره: نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان-﵁-فقال لها حذيفة: يا خنساء! قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك، ودمامتك، وأنزل الله ذكرك في كتابه. هذا، وقال ابن حبيب من المالكية: ونكاح اليهودية، والنصرانية؛ وإن كان الله قد أحلّه مستثقل مذموم. أقول: والسبب في ذلك هو الخوف على الأولاد والّذين تنجبهم من أن يتأثّروا بديانتها، وهذا كله متوقف على شخصية الزّوج، ورجوليته؛ لأنّنا رأينا، وسمعنا: أن رجالا مسلمين تزوجوا نصرانيات، فلمّا كانوا مستقيمين بيّنوا لهن محاسن الإسلام، وأخذوهن باللطف، والمعروف، والدّعوة الحسنة حتّى آمنّ، وصرن أعبد منهم. طرفة: تزوج رجل مسلم اسما من عائلة كان لها مجد غابر نصرانيّة بإذن أهلها، فأنجبت منه بنتين، فكانت تصحبهما معها إلى الكنيسة؟! والزوج متهتّك ذو شخصية هزليّة، فقلت لقريبه: كيف يسمح لها أن تصحب البنتين إلى الكنيسة، فقال لي: هي أحسن منه، هي تعرف: أنّها لها دين، وهو لا يعرف: أنّه له دين يدين به، فكانت خيرا منه، فأيّدته.

стр. 515

﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: ولا تزوجوا المشركين بناتكم، فقد أجمعت الأمّة على أنّ المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه، لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام من وجوه: الأول: لأن الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه، والزواج فيه علوّ، وتسلّط للرّجل على المرأة، وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان. الثاني: جاز أن يتزوج المسلم الكتابية، ولا يجوز أن يتزوج الكتابيّ المسلمة؛ لأنّ المسلم يقدّس ما تقدّسه الكتابية في دينها، من تعظيم مريم، وتقديس عيسى، على نبينا، وعليهما ألف صلاة وألف سلام، فلا يؤذيها بسب ما تعظّمه في دينها، بخلاف الكافر إذا تزوج مسلمة؛ فلا يعظّم ما تعظمه في دينها، فقد يؤذيها بسبّ، وشتم ما تقدّسه في دينها، وهذا لا يحتاج إلى إيضاح. هذا؛ وفي الآية الكريمة دليل بالنّصّ على أن لا نكاح إلى بوليّ، قال محمد بن علي بن الحسين الشهير بالباقر: النّكاح بوليّ في كتاب الله، ثمّ قرأ: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ..﴾. إلخ قال ابن المنذر: ثبت: أن رسول الله ﷺ قال: «لا نكاح إلاّ بوليّ» وقد اختلف أهل العلم في النكاح بغير ولي، فقال كثير من أهل العلم: «لا نكاح إلا بولي». روي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب، وعليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، وأبي هريرة-﵁، وبه قال من التابعين سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن المبارك، والشّافعي، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيدة، ومالك، وأبو ثور، والطّبريّ ﵃ أجمعين. ويعضد ما تقدّم قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ رقم [٢٣٢] الآتية، وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٩]: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فلولا أنّ الولي له حقّ في الإنكاح؛ ما نهي عن العضل، وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٢٥]: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ وقال تعالى في سورة (النور) رقم [٣٢]: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ وقال تعالى عن قول شعيب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (القصص) رقم [٢٧]: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٣٤]: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ فقد تعاضد الكتاب، والسنة على أنه لا نكاح إلا بوليّ، ولا تنس الخطاب للأولياء في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا﴾. وروى الدّارقطنيّ عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزوّج المرأة المرأة، ولا تزوّج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها». وروى أبو داود من حديث سفيان عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة-﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها، فنكاحها باطل-ثلاث مرّات- فإن دخل بها؛ فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا؛ فالسّلطان وليّ من لا وليّ له». وأما قول الرسول ﷺ : «الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها» فإن المعنى في أنه لا يعقد عليها إلا برضاها،

стр. 516

لا أنها أحقّ بنفسها في أن تعقد عقد النكاح على نفسها دون وليّها، ولو كانت ثيبا، أو بنت خمسين سنة، وعن عائشة-﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «لا نكاح إلاّ بولي، وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك؛ فهو باطل، فإن تشاجروا؛ فالسلطان وليّ من لا وليّ له». في هذا الحديث زيادة «شاهدي عدل» وبه أخذ الشّافعيّ ﵁. هذا؛ وقد كان الزّهري، والشعبيّ يقولان: إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين، فذلك نكاح جائز، وبقولهما أخذ أبو حنيفة، ﵁. وقال أيضا: إن زوجت نفسها غير كفؤ؛ فالنّكاح جائز، وللأولياء أن يفرّقوا بينهما. قال ابن المنذر-رحمه الله تعالى-: وأما ما قاله النعمان؛ فمخالف للسنة، خارج عن قول أكثر أهل العلم. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يجوز النكاح إلا بوليّ. فإن سلّم الولي جاز، وإن أبى والزوج كفؤ؛ أجازه القاضي. وهو قول محمد بن الحسن، ولا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه: أنه إذا أذن لها وليها، فعقدت النّكاح بنفسها جاز، وحمل القائلون بمذهب الزّهري قول النبي ﷺ : «لا نكاح إلاّ بوليّ» على الكمال، لا على الوجوب، واستدلّوا على هذا بقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية رقم [٢٣٢] الآتية، وأيضا رقم [٢٣٩]، وبما روى الدّارقطني عن سماك بن حرب، قال: جاء رجل إلى عليّ-﵁ فقال: امرأة أنا وليّها، تزوّجت بغير إذني، فقال عليّ-كرم الله وجهه-: ينظر فيما صنعت، فإن كانت تزوّجت كفؤا؛ أجزنا ذلك لها، وإن كانت تزوجت غير كفؤ لها؛ جعلنا ذلك إليك. وفي الموطأ: أنّ عائشة-﵂-زوّجت بنت أخيها عبد الرحمن؛ وهو غائب، ولكن ثبت: أنّ عائشة قرّرت المهر، وأحوال النكاح، وتولّى العقد أحد عصبتها، ونسب العقد إلى عائشة لمّا كان تقريره إليها. واختلف في الأولياء، فالأرجح: أنّهم العصبات على ترتيب الإرث. ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ أي: مملوك. ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي: بحسنه، وماله، وحسبه، ومنصبه. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: المشركون من رجال، ونساء. ﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ أي: إلى الأعمال الموجبة إلى النار، فإن صحبتهم، ومخالطتهم، ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النّسل. ﴿وَاللهُ يَدْعُوا﴾ أي: المؤمنين إلى العمل المؤدي على غفران الذنوب، ثمّ إلى دخول الجنة. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ بتوفيقه للطاعات، وإرادته للخيرات. وبين الجملتين مقابلة، وهي من المحسّنات البديعيّة. ﴿وَيُبَيِّنُ آياتِهِ:﴾ أحكام شريعته. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:﴾ يتعظون، فيعملون بأحكامه، ومواعظه. انتهى كلّه من القرطبي بتصرف كبير. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾) ناهية جازمة. ﴿تَنْكِحُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف في الجمع للتفريق. ﴿الْمُشْرِكاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه

стр. 517

جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يُؤْمِنَّ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، وهو في محل نصب ب «أن» المضمرة، ونون النسوة فاعله، ومتعلقه محذوف، التقدير: يؤمنّ بالله ورسوله، و «أن» المضمرة، والفعل ﴿يُؤْمِنَّ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلَأَمَةٌ:﴾ الواو: واو الاعتراض. اللام: لام الابتداء. (أمة): مبتدأ. ﴿مُؤْمِنَةٌ:﴾ صفة لها. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِنْ مُشْرِكَةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ؛﴾ لأنه أفعل تفضيل، والجملة الاسمية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. وقال البيضاويّ، والجمل-رحمهما الله تعالى-: تعليل للنّهي. ولا أرى له وجها؛ لأن الواو لا تفيد التعليل، ولو قالا: هي في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من نون النسوة؛ لكان وجها مقبولا. والرابط: الواو فقط. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَوْ﴾): وصلية. ﴿أَعْجَبَتْكُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿مُشْرِكَةٍ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الموصوف ب ﴿مُشْرِكَةٍ،﴾ التقدير: امرأة مشركة، وهو أولى من اعتبارها حالا من: ﴿مُشْرِكَةٍ،﴾ والرابط: الواو والضمير، وتكون الحال متداخلة على وجه مرّ ذكره، أو هي مكررة. ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه، مع ملاحظة حذف المفعول الأول للفعل: (﴿لا تَنْكِحُوا﴾)، إذ التقدير: لا تنكحوا بناتكم المشركين. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، يكون فيه تغليب الذكور على الإناث. هذا؛ وإن اعتبرت الفعل مبنيا على السكون، ونون النسوة فاعله؛ يكون فيه تغليب الإناث على الذّكور، والأول أولى لشرف الذكور، وعلى الوجهين فالجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية، لا محلّ لها على الاعتبارين. (﴿اللهُ﴾) مبتدأ. ﴿يَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿إِلَى الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿وَالْمَغْفِرَةِ:﴾ معطوفة على ما قبله. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَدْعُوا﴾ المستتر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يَدْعُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، (﴿يُبَيِّنُ﴾) فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿آياتِهِ﴾ التقدير: واضحات للناس، وجملة: ﴿وَيُبَيِّنُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَدْعُوا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها وجملة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ مفيدة للتعليل، لا محل لها.

стр. 518

﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ الشرح: كان أهل الجاهلية لا يساكنون الحيّض من النّساء، ولا يؤاكلونهنّ، كفعل اليهود والمجوس، واستمرّ ذلك إلى أن سأل ثابت بن الدّحداح-﵁-مع نفر من الصّحابة رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت الآية الكريمة، وقال الرسول ﷺ : «اصنعوا كلّ شيء إلاّ النّكاح». فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئا من أمرنا؛ إلا خالفنا فيه! وإذا علمت: أنّ النّصارى كانوا لا يتحاشون شيئا حتى الجماع؛ تبيّن لك: أن شريعتنا الغرّاء وسط بين التّفريط، والإفراط. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ:﴾ أي: يسألك المسلمون عن المحيض. هذا؛ وقد جاء هذا الفعل ثلاث مرات مقرونا بواو العطف، وجاء أربع مرات غير مقرون بواو العطف، كما رأيت فيما مضى ذكره في هذه السورة الكريمة. والجواب: أن السؤالات الأواخر وقعت في وقت واحد، فجمع بينها بواو العطف المفيدة لمطلق الجمع، وأما السؤالات الأولى، فوقعت في أوقات متفرقة، فلذلك استؤنفت كلّ جملة منها، وجيء بها وحدها. انتهى. جمل بتصرف كبير. ﴿الْمَحِيضِ:﴾ الحيض، وهو مصدر، يقال: حاضت المرأة حيضا، ومحاضا، ومحيضا، فهي حائض بدون تاء، كطالق، وعاقر؛ لأنها أوصاف خاصّة بالنساء، وروي: حائضة عن الفرّاء، وأنشد: [الطويل] كحائضة يزنى بها غير طاهر هذا؛ وللحيض أسماء كثيرة؛ منها: الطّمث، ومنها: ضاحك، كما في سورة هود رقم [٧١] قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ،﴾ ومنها: كابر، كما في سورة يوسف رقم [٣١] ﴿فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. والحيض: خلقة في النّساء، وطبع معتاد معروف منهنّ، تترك المرأة الصّوم، والصلاة في أيام حيضها، وفي أيام نفاسها وجوبا، ويحرم عليها قراءة القرآن، ودخول المسجد، والطواف في المسجد الحرام، وتمكين زوجها منها، ولكنّها تقضي الصّوم، ولا تقضي الصلاة لكثرتها، وتراكمها في كلّ شهر بخلاف الصّوم. فقد روى البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى، أو فطر إلى المصلّى، فمرّ على النساء، فقال: «يا معشر النّساء! تصدّقن، فإنّي أريتكنّ أكثر أهل النّار». فقلن: وبم يا رسول الله؟! قال: «تكثرن اللّعن، وتكفرن

стр. 519

العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرّجل الحازم من إحداكنّ». قلن: وما نقصان عقلنا، وديننا يا رسول الله؟! قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرّجل؟» قلن: بلى! قال: «فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصم؟» قلن: بلى يا رسول الله! قال: «فذلك من نقصان دينها». هذا؛ وأمّا نكران العشير؛ فقد فسّر في حديث آخر بأنّ الرجل مهما صنع مع المرأة من معروف، ثم رأت ما يغيّر خاطرها؛ تقول: ما رأيت منك خيرا قط! وهذا واقع، وكثير في هذا الزمن. ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ أي: هو شيء تتأذّى به المرأة، وغيرها، وهو كناية عن القذر، ويطلق أيضا على القول المكروه، ومنه قوله تعالى في الآية رقم [٢٦٤]: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ وقوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٨]: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ وفي حديث شعب الإيمان: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أي: في زمن الحيض، أو في محلّه، فظهر بذلك: أنّ المحيض يطلق على الحيض نفسه إذا كان مصدرا، وعلى زمانه، وعلى مكانه، وهذا مقرّر في القواعد النحوية، مثل قوله تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول فرعون الطاغية لموسى-﵇: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ﴾ ف ﴿مَوْعِداً﴾ يحتمل اسم الزمان، واسم المكان. أمّا كيفية اعتزال الرجل المرأة في أيام حيضها، ونفاسها أيضا؛ فقد روي في ذلك حديثان: الأول: قال الرسول ﷺ ، لمن سأله: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «شدّ عليها إزارها، ثمّ شأنك بأعلاها». ومثله قوله ﷺ لعائشة-﵂: «شدّي عليك إزارك، ثمّ عودي إلى مضجعك». وقال ﷺ : «اصنعوا كلّ شيء إلاّ النّكاح». والأول أحوط؛ لأنّ من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ:﴾ هو كناية عن جماعهنّ، وهو أبلغ في النهي عن التعبير بالجماع. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٦]. هذا؛ ويقرأ الفعل بتسكين الطاء، وتشديدها على أن أصله: يتطهّرن، فعل به ما فعل بقوله تعالى: ﴿يَطَّوَّفَ﴾ في الآية رقم [١٥٨]. ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن بالماء، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد ﵄. وقال أبو حنيفة، وصاحباه-﵃: إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشرة؛ لم يجز حتى تغتسل، أو يدخل عليها وقت صلاة، واختلف في الزوجة الكتابية، هل تجبر على الاغتسال، من الحيض، والنفاس، أو لا تجبر؟ لا شكّ إن امتنع عنها مدّة؛ فإنها تخضع، وتغتسل بدون إكراه لها، وهو أفضل له. ﴿فَأْتُوهُنَّ:﴾ جامعوهن، وهو كناية أيضا، وهذا شأن الله-جلّ الله، وتعالى شأنه-في كتابه من استعمال الكنايات في الألفاظ غير الحسنة. ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ:﴾ ﴿مِنْ﴾ بمعنى «في»

стр. 520

أي: فأتوهنّ في المحل الذي أمر الله بالإتيان فيه. وهو معروف. والأمر للإباحة. هذا؛ وأقل الحيض عند الشّافعي، وأحمد، ومالك يوم، وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما، وأقلّه عند أبي حنيفة ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وما نقص عن الأقل، وزاد على الأكثر؛ فهو استحاضة عند الجميع. والمستحاضة لا تمنع من عبادة من العبادات، لكنّها تتحفّظ بعد دخول وقت الصلاة، وتتوضّأ، وتبادر للصّلاة. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ من الذنوب، فهو صيغة مبالغة، وانظر الآية رقم [٣٧]: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي: من الأقذار، والفواحش، ومن إتيان المرأة في أيام الحيض. هذا؛ ومعنى محبة الله للعبد: رضاه عنه، ورحمته، ورضوانه، وبغضه له هو العكس. هذا؛ والنهي للتّحريم، وهي بمعنى: إلى أن، ويجب على من وطئ الحائض في أوّله أن يتصدق بدينار مع التّوبة، وعلى من وطئ في آخره أن يتصدّق بنصف دينار. وقدّم الله بالذّكر التائبين من الوطء بالحيض، والتائبين من غيره على من لم يذنب؛ لئلا يقنط التائب من الرحمة، ولا يعجب المتطهر بنفسه، كما قال تعالى في الآية رقم [٣٢] من سورة (فاطر): ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ﴾. الإعراب: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ﴾ هذه الكلمات تقدّم إعراب مثلها فيما تقدّم جملة، وإفرادا، ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَذىً:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاعْتَزِلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر، (اعتزلوا): فعل أمر مبني على حذف النّون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْمَحِيضِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿النِّساءَ﴾ وهو أولى من تعليقهما بالفعل قبلهما؛ إذا المعنى: متلبسات في الحيض. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان الحيض أذى كما ذكر؛ فاعتزلوا... إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، (لا) ناهية جازمة. ﴿تَقْرَبُوهُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَطْهُرْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون في محل نصب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ ونون النسوة فاعله، والمتعلق محذوف، و «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ ونون النسوة فاعله، والمتعلق محذوف، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السّكون في محل نصب. ﴿تَطَهَّرْنَ:﴾ فعل، وفاعل،

стр. 521

والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَأْتُوهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ائتوهنّ): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والنون حرف دالّ على جماعة الإناث، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، وهو (إذا)، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و ﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جرّ. ﴿أَمَرَكُمُ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة: ﴿حَيْثُ﴾ إليها، ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية، تعليل للأمر، لا محلّ لها. ﴿التَّوّابِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ إعراب هذه المفردات واضح إن شاء الله، والجملة الفعلية معطوفة على خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ الشرح: روى الأئمّة، واللّفظ لمسلم-رحمه الله تعالى-عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرّجل امرأته من دبرها في قبلها؛ جاء الولد أحول، فنزلت الآية: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ أي: مقبلات، ومدبرات، قائمات، وقاعدات، مستلقيات، ومجبّيات... إلخ، لكن في الفرج فقط، وفي الحديث: «أقبل، وأدبر، واتّق الدّبر، والحيضة». أخرجه الترمذيّ. هذا؛ والحرث: مصدر، أخبر به عن الجمع، مثل: رجل صوم، وقوم صوم، والحرث: بمعنى المحترث، وهو على حذف مضاف؛ أي: موضع حرث، أو على سبيل التشبيه، فالمرأة كالأرض، والنطفة من الرّجل كالبذر، والولد كالنبات الخارج من الأرض. وأنشد ثعلب: [مجزوء الرمل] إنّما الأرحام أرضون لنا محترثات... فعلينا الزّرع فيها وعلى الله النّبات قال الزّمخشري-رحمه الله تعالى-: وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ،﴾ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ،﴾ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ هو من الكنايات اللطيفة، والتعريضات المستحسنة، وهذه، وأمثالها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلّموها، ويتأدّبوا بها. ويتكلّفوا مثلها في محاوراتهم، ومكاتباتهم، وخذ ما يلي: عن ابن عباس-﵄-قال: إن ابن عمر-والله يغفر له-أوهم، إنّما كان هذا الحيّ من الأنصار-وهم أهل وثن-مع هذا الحيّ من يهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم

стр. 522

فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب، ألا يأتوا النّساء إلا على حرف (على جنب)، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحيّ من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النّساء شرحا منكرا، ويتلذّذون منهنّ مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة؛ تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنّما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ذلك، وإلا؛ فاجتنبني، حتّى شري أمرهما، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ ، فأنزل الله- : ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ؛﴾ أي: مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد. أخرجه أبو داود. ومعنى قوله: (أوهم) ابن عمر، فإنه قال: يأتيها في قبلها، وسكت، ولم يزد على ذلك. ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: الأعمال الصّالحات، وما ينفعكم غدا، فحذف المفعول، وقيل: هو طلب الولد الصّالح، وقيل: التسمية قبل الوطء، وفيه الترغيب من النبي ﷺ ، حيث قال: «لو أنّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله؛ قال: بسم الله، اللهمّ جنّبنا الشّيطان، وجنّب الشّيطان ما رزقتنا، فإنّه إن يقدّر بينهما ولد في ذلك؛ لم يضرّه شيطان أبدا». أخرجه البخاريّ، ومسلم عن ابن عبّاس-﵄-واللفظ لمسلم. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ تحذير، ووعيد. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ:﴾ صائرون إلى الله، وذلك بالبعث، والحشر بعد الموت فاستعدّوا للقائه بالعمل الصّالح، وترك العمل السّيّئ. وعن عبد الله بن عباس-﵄-قال سمعت رسول الله ﷺ ، وهو يخطب يقول: «إنكم ملاقوا الله حفاة، عراة، مشاة، غرلا» ثمّ تلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ..﴾. إلخ. أخرجه مسلم بمعناه. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ المستوجبين للمدح، والتعظيم بترك القبائح، وفعل الأعمال الصّالحات، ولا تنس الالتفات من خطاب الجماعة إلى خطاب المفرد. بعد هذا؛ فقد رأيت: أنّه لا يجوز للرّجل أن يأتي امرأته في أيّام حيضها، ونفاسها، كما لا يجوز له أن يأتيها في دبرها. وخذ ما يلي من قول سيد الخلق، وحبيب الحقّ ﷺ ، فعن عبد الله ابن عمرو-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «هي اللّوطيّة الصّغرى، يعني: الرّجل يأتي امرأته في دبرها». رواه أحمد، والبزّار. وعن خزيمة بن ثابت-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لا يستحيي من الحقّ-ثلاث مرات-لا تأتوا النّساء في أدبارهنّ». رواه ابن ماجة، والنّسائي. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أتى النّساء في أعجازهنّ؛ فقد كفر». رواه الطّبرانيّ في الأوسط. وعنه: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ملعون من أتى امرأة في دبرها». رواه أحمد، وأبو داود، وعنه أيضا: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا، فصدّقه؛ كفر بما أنزل الله على محمّد ﷺ ». رواه خمسة غير البخاريّ، ومسلم.

стр. 523

الإعراب: ﴿نِساؤُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَرْثٌ﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿حَرْثٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدّر. (ائتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿حَرْثَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشّرط المقدر ب «إذا» التقدير: وإذا كان نساؤكم حرثا لكم؛ فأتوا حرثكم. ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال تقدم على عامله، وقيل: هو في محل نصب على الظرفية متعلّق بالفعل بعده. ﴿شِئْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها. هذا؛ والجملة الشرطية التي رأيت تقديرها معطوفة على الجملة الاسمية، لا محل لها مثلها. ﴿وَقَدِّمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿قَدِّمُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشّرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿مُلاقُوهُ:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنّه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: (اعلموا). ﴿وَبَشِّرِ:﴾ الواو: حرف استئناف، (بشر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً:﴾ العرضة: فعلة بمعنى: مفعول، كالقبضة بمعنى المقبوض، وهي اسم ما تعرضه دون الشيء، من عرض العود على الإناء، فيعترض دونه، ويصير حاجزا، ومانعا منه، تقول: فلان عرضة دون الخير. والعرضة أيضا: المعرض للأمر؛ بمعنى المعدّ، والمهيّأ، قال الشاعر أبو تمّام: [الطويل] دعوني أنح وجدا كنوح الحمائم... ولا تجعلوني عرضة للّوائم وفلان عرضة للنّاس: لا يزالون يقعون فيه، والعرضة: الهمّة، والقدرة، قال حسّان-﵁: [الوافر] وقال الله قد أعددت جندا... هم الأنصار عرضتها اللّقاء

стр. 524

﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ أي: في أن تفعلوا الخير، والمعروف، والإحسان. ﴿وَتَتَّقُوا:﴾ الله. ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ:﴾ والمعنى: لا تمنعنّكم الأيمان بالله من فعل الخير، وتقوى الله، والإصلاح بين الناس؛ إذا كانوا متنازعين متخاصمين. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم، وأيمانكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيّاتكم، وأحوالكم، وأفعالكم، فهما صيغتا مبالغة. هذا؛ والإصلاح بين النّاس مقامه عظيم، وأجره كبير، وخذ ما يلي: فعن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّيام، والصّلاة، والصّدقة؟» قالوا: بلى! قال: «إصلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة». رواه أبو داود، والتّرمذيّ، وقال الترمذي أيضا: ويروى عن النّبيّ ﷺ : أنه قال: «هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشّعر، ولكن تحلق الدّين». هذا؛ وقد أباح الرّسول ﷺ الكذب لإصلاح ذات البين، كما إذا غيّر الكلام القبيح من أحد المتخاصمين بكلام حسن. وخذ ما يلي: فعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط-﵂: أنّ النبي ﷺ قال: «لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح». وفي رواية أخرى: «ليس بالكاذب من أصلح بين النّاس، فقال خيرا، أو نمى خيرا». رواه أبو داود. تنبيه: نزلت الآية الكريمة في أبي بكر الصديق-﵁-حين حلف: أنّه لا ينفق على مسطح ابن خالته لافترائه على عائشة، ﵂. والقصّة مذكورة بكاملها في سورة (النّور) وقيل: نزلت في عبد الله بن رواحة-﵁-حين حلف: أنّه لا يكلّم ختنه-أي: صهره- بشير بن النعمان، ولا يصلح بينه، وبين أخته عمرة، وهي زوجة بشير-﵃-أجمعين. والمعنى: لا تمتنعوا من فعل الخير؛ إذا حلفتم عليه، بل ائتوه، وكفروا، كقوله ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها؛ فائت الّذي هو خير، وكفّر عن يمينك». رواه البخاريّ، ومسلم. وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها؛ فليكفّر عن يمينه، وليفعل الّذي هو خير». رواه مسلم، وعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها؛ إلاّ أتيت الّذي هو خير، وتحلّلتها». رواه البخاريّ، ومسلم. وقيل: معنى الآية الكريمة: لا تكثروا الحلف بالله؛ وإن كنتم بارّين متّقين مصلحين، فإن كثرة الحلف بالله ضرب من الجراءة على الله، وقد نهى الله عن كثرة الحلف، كما نهى عن تصديق من يكثر الحلف. فقال تعالى في سورة (القلم): ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف، (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَجْعَلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النّون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف

стр. 525

للتّفريق فيه وفيما بعده. ﴿اللهَ عُرْضَةً:﴾ مفعولان للفعل: ﴿تَجْعَلُوا،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِأَيْمانِكُمْ﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عُرْضَةً﴾ وأجيز تعليقهما بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ تَبَرُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب على نزع الخافض، التقدير: في أن تبروا. وهذا على قول الخليل، والكسائي، رحمهما الله تعالى. وقال الزمخشريّ، وتبعه البيضاويّ، والنّسفيّ، والجمل: عطف بيان ل (أيمانكم) أي: للأمور المحلوف عليها، الّتي هي البرّ، والتقوى، والإصلاح بين الناس. وقيل: المصدر المؤول في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: البرّ، والتّقوى، والإصلاح أولى، وأمثل، مثل قوله تعالى: ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾. وهو قول الزّجاج، والنّحاس، وهو يفيد: أنّ الجملة الاسمية تعليل للنّهي، وقال الزّجاج أيضا: محل المصدر النّصب بفعل محذوف، التّقدير: لا تمنعنّكم اليمين بالله- عن البر، والتقوى، والإصلاح. وإذا رجعنا إلى قول البصريين، والكوفيين في مثل ذلك، فالبصريون يعتبرون المصدر في محل جر بإضافة مفعول لأجله محذوف، التقدير: مخافة أو كراهة بركم، والكوفيون يقدّرون: لئلا تبروا، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ الآية رقم [١٧٦] من سورة (النساء). ﴿وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا:﴾ هذان الفعلان معطوفان على: ﴿تَبَرُّوا﴾ وهما مثله في الإعراب، والتأويل، والتقدير. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾ معترضة في آخر الكلام، وهي متضمّنة معنى الوعيد، والتهديد، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ الشرح: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ:﴾ اللغو: هو السّاقط من الكلام؛ الذي لا يعتدّ به، ولغو اليمين ما لا عقد معه، قال الفرزدق: [الطويل] ولست بمأخوذ بلغو تقوله... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم وقال ابن عباس-﵄: هو قول الرّجل في درج كلامه، واستعجاله في المحاورة: لا والله، وبلى والله، وإي والله، وكلاّ والله لمجرد التّوكيد لقوله، فهذا لا إثم فيه، ولا كفارة. وعليه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٨٩]: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾. وعن عروة بن الزبير: أنّ خالته الصّدّيقة بنت الصّدّيق-﵃، قالت: أيمان اللغو ما كانت في المراء، والهزل، والمزاحة، والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب. وقيل: اللّغو: أن يحلف الرجل على شيء يرى أنّه صادق، ثم يتبيّن له خلاف ذلك. وبه قال أبو حنيفة، ومالك. والأول هو مذهب الشافعي، ولا كفارة على مذهبه، ولا كفارة على مذهب مالك، وأبي حنيفة،

стр. 526

كلّ فيما ذهب إليه، ومذهب الشّافعي هو قول عائشة، والشعبي، وعكرمة، ومذهب مالك، وأبي حنيفة هو قول ابن عبّاس، والحسن، ومجاهد، والنخعي، وغيرهم. ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: لكن يؤاخذكم بما عزمتم عليه، وقصدتم له، كما قال تعالى في آية (المائدة): ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾. وكسب القلب هو العقد، والعزم، والنية. و ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لعباده فيما هو لغو من أيمانهم، والتي أخبر أنه لا يؤاخذهم عليها، ولو شاء لآخذهم، وألزمهم الكفارة في العاجل، والعقوبة عليها في الآجل. ﴿حَلِيمٌ﴾ في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة. قال الحليمي-رحمه الله تعالى-في معنى: الحليم: إنّه الّذي لا يحبس إنعامه، وإفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكنّه يرزق العاصي، كما يرزق المطيع، ويقيه؛ وهو منهمك في معاصيه، كما يقي البرّ المتّقي، وقد يقيه الآفات، والبلايا، وهو غافل لا يذكره فضلا عن أن يدعوه، كما يقيها الناسك الذي يدعوه، ويسأله. وقال أبو سليمان الخطّابي: الحليم: ذو الصفح، والأناة الذي لا يستفزّه غضب، ولا يستخفّه جهل جاهل، ولا عصيان عاص، ولا يستحقّ الصّافح من العجز اسم الحليم، إنما الحليم الصفوح مع القدرة على الانتقام، المتأنّي؛ الذي لا يعجّل بالعقوبة. تنبيه: لا يجوز الحلف إلا باسم من أسماء الله الحسنى، أو بصفة من صفاته تعالى؛ مثل قولك: وقدرة الله، وعزة الله... إلخ. أما كفارة اليمين؛ فقد ذكرت في آية المائدة مخيرة ابتداء مرتبة انتهاء، وقد أنكرت على من يفتي بإعطاء عشرة مساكين خمسة كيلوات من القمح كفارة اليمين، وأما اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار، فهي التي يقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حقّ. وخذ ما يلي: عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي-﵁: أنّ رسول الله ﷺ : قال: «من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه؛ فقد أوجب الله له النّار، وحرّم عليه الجنّة». قالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئا يسيرا؟ فقال: «وإن كان قضيبا من أراك». رواه مسلم والنّسائيّ وابن ماجة. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس شيء ممّا عصي الله به هو أعجل عقابا من البغي، وما من شيء أطيع الله فيه أسرع ثوابا من الصّلة، واليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع». رواه البيهقيّ. ولا تنس: أنّ حقّ الكافر أعظم جرما من حقّ المسلم. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤاخِذُكُمُ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِاللَّغْوِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي أَيْمانِكُمْ﴾ متعلقان ب: (اللغو)؛ لأنه مصدر، كما يجوز تعليقهما بمحذوف حال من (اللغو) على اعتبار (ال) فيه للتعريف، أي: اللغو كائنا في أيمانكم، وبمحذوف صفة له على اعتبار (ال) فيه للجنس، التّقدير: اللغو الكائن في أيمانكم. والكاف ضمير متصل في محلّ جرّ بالإضافة.

стр. 527

﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿يُؤاخِذُكُمُ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعوله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، ﴿قُلُوبُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالّذي، أو بشيء كسبته قلوبكم، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسب قلوبكم، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ معترضة في آخر الكلام، الغاية منها تأكيد الغفران، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل: ﴿يُؤاخِذُكُمُ﴾ المستتر؛ فلست مفنّدا. والرابط: الواو، والضمير. ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ الشرح: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ:﴾ يحلفون، والمصدر: إيلاء، وأليّة، فالإيلاء في اللغة: الحلف، قال الشاعر: [الطويل] فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدة... تكون وإيّاها بها مثلا بعدي وفي الشرع: اليمين على ترك وطء الزّوجة. وقال ابن دريد في مقصورته: [الرجز] أليّة باليعملات يرتمي... بها النّجاء بين أجواز الفلا وجمع ألية: ألايا، قال الشّاعر: [الطويل] قليل الألايا حافظ ليمينه... وإن سبقت منه الأليّة برّت قال ابن عباس-﵄: كان إيلاء الجاهلية السّنة، والسّنتين، وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقّت الله للمسلمين أربعة أشهر، فمن آلى بأقلّ من ذلك، فليس بإيلاء حكميّ. ولا تنس: أنّ النبيّ ﷺ آلى على نسائه كما ستراه في سورة الأحزاب حينما سألته زيادة النّفقة، وكذلك آلى من زينب-﵂-حيث ردت هديّته. ذكره ابن ماجة. هذا؛ ويقال: آلى، يؤلي، وتألّى تألّيا، وائتلى ائتلاء؛ أي: حلف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ..﴾. إلخ [النور: ٢٢]. ﴿مِنْ نِسائِهِمْ﴾ أي: يحلفون على نسائهم ألا يجامعوهن. والإيلاء: الحلف، وحقّه أن يعدّى ب «على» ولكن لمّا ضمن هذا القسم معنى البعد عدّي ب «من». ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي: انتظار، وتمهل، وترقّب، وتأخّر، ومنه قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ،﴾ وقال الشاعر: [الطويل] تربّص بها ريب المنون لعلّها... تطلّق يوما أو يموت حليلها

стр. 528

والحكم في ذلك: أنّ الزوج إذا حلف لا يطأ زوجته مدّة أقل من أربعة أشهر؛ فليس لها حق المطالبة بذلك، وإذا حلف مدّة أربعة أشهر؛ فلها الحقّ أن ترفع دعواها إلى الحاكم، كما سيأتي. وجعل الله للزوج مدّة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر، لقوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [٣٤]: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ﴾. وقد آلى النبي ﷺ من أزواجه شهرا تأديبا لهنّ، وقد قيل: إنّ الأربعة الأشهر، هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها. وقد روي: أن الفاروق-﵁-كان يطوف ليلة بالمدينة، فسمع امرأة تنشد: [الطويل] تطاول هذا اللّيل واسودّ جانبه... وأرّقني أن لا حليل ألاعبه فو الله لولا الله أنّي أراقبه... لحرّك من هذا السّرير جوانبه مخافة ربّي والحياء يصدّني... وأكرم بعلي أن تنال مراتبه فسأل عمر-﵁-عن المرأة، فقيل له: إنّ زوجها مع المجاهدين في العراق، فاستدعى نساء، فسألهنّ: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويقلّ صبرها في ثلاثة، وينفد صبرها في أربعة، فجعل عمر-﵁-مدّة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت استردّ الغازين، ووجّه آخرين. وهذا-والله أعلم-يقوي اختصاص مدّة الإيلاء بأربعة أشهر. ﴿فَإِنْ فاؤُ:﴾ رجعوا في المدة، أو بعدها عن اليمين إلى الوطء، ويحنث في يمينه، فيكفّر عنها، يقال: فاء، يفيء، فيئة، وفيوءا، وإنّه لسريع الفيئة، يعني: الرجوع. قال الشاعر: [الطويل] ففاءت، ولم تقض الّذي أقبلت له... ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ أي: لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف. ﴿رَحِيمٌ:﴾ أي: بهم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة. الإعراب: ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿يُؤْلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ نِسائِهِمْ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿تَرَبُّصُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، و ﴿تَرَبُّصُ﴾ مضاف، و ﴿أَرْبَعَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لظرفه، و ﴿أَرْبَعَةِ﴾ مضاف، و ﴿أَشْهُرٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء حرف تفريع، وعطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿فاؤُ:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خبران ل (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، و (إنّ) ومدخولها كلام مفرّع عمّا قبله، لا محلّ له.

стр. 529

﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ الشرح: ﴿عَزَمُوا الطَّلاقَ:﴾ العزم، والعزيمة: ما عقدت عليه نفسك من أمر: أنّك فاعله. و ﴿الطَّلاقَ:﴾ حل عقدة النكاح، وأصل معناه: التّخلية. يقال: نعجة طالق، وناقة طالق؛ أي: مهملة، قد تركت في المرعى، لا قيد لها، ولا راعي. ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال المولين. ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم، وجميع تصرفاتهم. ملخص الإيلاء: أن يحلف الرّجل أن لا يطأ امرأته مدّة تزيد على أربعة أشهر، فتنتظره الزّوجة مدّة أربعة أشهر، فإن وطئها؛ فبها، ونعمت، ويكون قد حنث في يمينه، وعليه الكفارة، وإن لم يطأها؛ وقعت الفرقة، والطّلاق بمضيّ تلك المدة عند أبي حنيفة، وعند الشّافعي، وأحمد ومالك: ترفع أمرها للقاضي، فيأمره إمّا بالفيئة، أو الطّلاق، فإن أبى عنهما؛ طلّق عليه الحاكم طلقة رجعيّة. هذا هو خلاصة حكم الإيلاء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ..﴾. إلخ: إعراب هذه الآية مثل إعراب سابقتها بلا فارق. وقيل: ﴿الطَّلاقَ﴾ منصوب على نزع الخافض، التقدير: على الطلاق. وقيل: إنّ جواب الشرط محذوف، التقدير: فليوقعوه، وعليه تكون الجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل. ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ الشرح: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ:﴾ جمع: مطلقة بصيغة مفعول. لمّا ذكر الله الإيلاء، وأنّ الطلاق قد يقع فيه؛ بيّن تعالى حكم المرأة بعد التّطليق. ولفظ (﴿الْمُطَلَّقاتُ﴾) عموم، والمراد به الخصوص في المدخول بهنّ، وخرجت المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٩]: ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها،﴾ وخرجت الحامل بقوله تعالى في سورة (الطلاق) رقم [٤]: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ:﴾ ينتظرن، ويتمهّلن عن النّكاح، والأزواج، وهو بمعنى الأمر؛ إذ المعنى: لينتظرن، وتغيير العبارة للتّأكيد، والإشعار بأنه ممّا يجب أن يسارع إلى امتثاله، وهو كقولك في الدعاء: ﵀. أخرج مخرج الخبر ثقة بالاستجابة، كأنّما وجدت الرّحمة، فهو يخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ مما يزيده فضل تأكيد؛ لأن الجملة الاسمية تدلّ على الثبات، والدّوام بخلاف الفعلية. وفي ذكر الأنفس بعث لهن على التربّص؛ لأن أنفس النساء طوامح إلى الرّجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهن، ويغلبنها على الطّموح، ويجبرنها على التربّص. وانظر شرح (النّفس) في الآية رقم [٩].

стр. 530

﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ:﴾ جمع: قرء، بفتح القاف، وضمّها، ولكن جمع الأول: قروء، وأقرؤ، وجمع الثاني: أقراء، وقروء جمع كثرة، والموضع موضع قلّة، فكان الوجه: ثلاثة أقراء. واختلف في تأويله، فقيل: ووضع جمع الكثرة في موضع جمع القلة. وقيل: لمّا جمع المطلقات؛ أتى بلفظ جمع الكثرة؛ لأن كل مطلقة تتربص ثلاثة قروء. وقيل: التقدير: ثلاثة أقراء، من: قرء. انتهى. عكبري. واختلف في الأقراء، فقال أبو حنيفة، وأحمد-رحمهما الله تعالى-: القرء: الحيض، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم من التابعين. ودليلهم ما جاء في الحديث عن فاطمة بنت أبي حبيش: أن رسول الله ﷺ قال لها: «دعي الصّلاة أيّام أقرائك». فهذا لو صحّ؛ لكان صريحا في أنّ القرء هو الحيض. مختصر ابن كثير. وقال أهل الحجاز: هي الأطهار. وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وهو مذهب الشّافعي، ومالك، واستشهد أبو عبيدة وغيره بقول الأعشى: [الطويل] أفي كلّ عام أنت جاشم غزوة... تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا مورّثة مالا وفي الحيّ رفعة... لما ضاع فيها من قروء نسائكا أراد: أنه كان يخرج للغزو، ولم يغش النّساء، فتضيع أقراؤهن زمان الطّهر، لا زمان الحيض. وأصل القرء: الانتقال من الطّهر إلى الحيض، وهو المراد به في الآية؛ لأنّه الدال على براءة الرّحم، لا الحيض. وقال آخر في الحيض: [الرجز] يا ربّ ذي ضغن عليّ فارض... له قروء كقروء الحائض يعني: أنّه طعنه، فكان له دم كدم الحائض. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة-﵂-في أنّ الأقراء هي الأطهار، وفي أيامنا تعطي المحاكم الشّرعية مدة ثلاثة أشهر للمطلقة المدخول بها، سواء أكانت من ذوات الحيض، أم لا؟ وهو جيّد، وفيه زيادة احتياط لبيان براءة الرّحم، وحفظ الفروج. ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ﴾ أي: يخفين ما في أرحامهن من الولد، أو الحيض استعجالا في العدّة، أو إبطالا لحقّ الزوج في الرجعة، وزيادة النفقة عليه. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرّحم بحقيقة ما فيه. وليس مفهوم الشّرط في الإيمان على أنّه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم؛ لأن ذلك لا يحل لمن لا يؤمن أيضا، فهو كقوله تعالى في سورة (النور): ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ رقم [٣٣]. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في زمن التربّص، وهو العدّة الواجب مراعاتها. والبعولة جمع: بعل، وهو الزّوج، سمّي بعلا؛ لعلوه على الزّوجة بما قد ملكه من زوجيتها. ومنه قوله:
следующие страницы →