← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

دين الله. انتهى. ولكن لا اعتبار بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الشرعي المأمور به المكتسب بالإرادة، والفعل، ألا ترى إلى قوله ﷺ : «فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه». فهو مع وجود الإيمان الفطري، فإنه محكوم له بحكم أبويه الكافرين. وحكي عن عبد الله بن المبارك-رحمه الله تعالى-: أنه قال: معنى الحديث: أن كل مولود يولد على فطرته؛ أي: خلقته التي خلقه الله عليها، في علمه تعالى من السعادة، والشقاوة، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه، وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين، أو نصرانيين، فيحملانه على اعتقاد دينهما. انتهى. أقول: وإذا كان الله قد قدر له السعادة، فيهديه إلى الإيمان، فيترك دين أبويه، ويؤمن بالله، ورسوله. وقيل: معناه: أن كل مولود في مبدأ الخلقة على الفطرة، أي على الجبلة السليمة، والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها؛ لاستمر على لزومها؛ لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول السليمة، والحجة المستقيمة، وإنما يعدل عنه من عدل إلى غيره؛ لأنه من آفات التقليد، ونحوه، فمن سلم من تلك الآفات، لم يعتقد غيره، فعرف الحق، وعرف دين الإسلام، وقد دل على صحة هذا المعنى قول النبي ﷺ : «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء». أي: كما تلد البهيمة بهيمة مستوية، لم يذهب من بدنها شيء. ولا بأس بهذا القول، وأن انحراف العبد عن الفطرة السليمة، يظهر بعد أن يدرك، ويعقل أمر الدنيا، وقد تأكدت حجة الله عليه بما نصب من الآيات الظاهرة من خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، واختلاف الليل والنهار، فلما عملت أهواؤه فيه؛ أتته الشياطين، فدعته إلى اليهودية، أو النصرانية، أو الوثنية فذهبت بأهوائه يمينا، وشمالا، وهو إن مات صغيرا فهو في الجنة، وأعني: جميع أطفال الكفار من يهود، ونصارى، ومجوس، بل ووثنيين؛ لأن الله لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صور الذر؛ أقروا له بالربوبية والوحدانية وهو فحوى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٧١] من سورة (الأعراف). ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية، وأنه الله لا إله غيره، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا، أو سعيدا على الكتاب الأول، فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمّر حتى يجري عليه القلم، فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمّر حتى يجري عليه القلم، فيصير سعيدا، ومن مات صغيرا من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة؛ لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم، ولم ينقضوا الميثاق. ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يجمع بين الأحاديث، ويكون معنى قوله ﷺ لما سئل عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» أي: لو بلغوا.

стр. 4657

وقد روي من حديث أنس-﵁-قال: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «لم تكن لهم حسنات فيجزوا بها، فيكونوا من ملوك الجنّة، ولم تكن لهم سيّئات فيعاقبوا عليها، فيكونوا من أهل النّار، فهم خدم لأهل الجنّة». ذكره يحيى بن سلام في التفسير له. وقال أبو بكر الوراق-رحمه الله تعالى-: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ هي الفقر، والفاقة، وهذا حسن فإنه منذ ولد إلى حين يموت فقير محتاج، نعم؛ وفي الآخرة؛ أي: أحوج إلى فضل الله تعالى. انتهى. قرطبي بتصرف. ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ أي: هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخالق، ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه، أي: لا يشقى من خلقه سعيدا، ولا يسعد من خلقه شقيا. وقال مجاهد: المعنى لا تبديل لدين الله، ويدل عليه ما بعده. وقاله قتادة، وابن جبير، والضحاك، وابن زيد، والنخعي، والزجاج، قالوا: هذا معناه في المعتقدات. وقال عكرمة: وروي عن ابن عباس، وعمر بن الخطاب-﵃ أجمعين-: أن المعنى لا تغيير لخلق الله من البهائم أن تخصى فحولها، فيكون معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان. ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: دين الإسلام هو الدين القيم المستقيم، فالإشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له، أو الفطرة؛ إن فسرت بالملة، أو الطريقة، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يتفكرون، فيعلمون: أن لهم خالقا معبودا، وإلها قديما سبق قضاؤه، ونفذ حكمه. وانظر الآية رقم [٦] تجد ما يسرك. هذا؛ والدين بكسر الدال اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. والدين أيضا: الملة، والشريعة. ومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. والدّين: الحساب، والجزاء، ومنه: يوم الدين، أي: يوم الجزاء، والحساب. ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس-﵄-قال: يوم الدّين: يوم حساب الخلائق يدينهم بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا فشرّ، إلا من عفى الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. هذا؛ والدّين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. أما ﴿الْقَيِّمُ﴾ فهو المستقيم، المعتدل، أي: لا إفراط فيه، ولا تفريط، وأصله: القيوم: فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، وهذا على القاعدة: «إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء»، وانظر سورة (يوسف) رقم [٤٠]. الإعراب: ﴿فَأَقِمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: الفصيحة، وهو ضعيف معنى. (أقم): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿وَجْهَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِلدِّينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَنِيفاً:﴾ حال من

стр. 4658

الفاعل المستتر، أو من: (الدين). ﴿فِطْرَتَ:﴾ مفعول به على الإغراء بفعل محذوف، تقديره: الزموا فطرة، أو: عليكم فطرة، أو: اتبعوا فطرة، وقدر بالجمع لقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ..﴾. إلخ في الآية التالية، وقال الطبري: ﴿فِطْرَتَ﴾ مصدر من معنى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ لأن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فطرة، وانظر إعراب: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ في الآية رقم [٨٨] من سورة (النمل). و ﴿فِطْرَتَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿فِطْرَتَ﴾. ﴿فَطَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿فَأَقِمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿تَبْدِيلَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِخَلْقِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا،﴾ و (خلق) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿لا تَبْدِيلَ..﴾. إلخ في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الكلام السابق مثل «أنت أخي حقا». ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الدِّينُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، أو نعت له. ﴿الْقَيِّمُ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت (الدين) خبر المبتدأ، و (القيم) صفته، فالمعنى لا يأباه، وانظر ما ذكرته في سورة (يوسف) رقم [٤٠] وانظر تتمة الإعراب في الآية رقم [٦]. ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاِتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ:﴾ راجعين إليه، من: أناب إذا رجع مرة بعد مرة. وقيل: منقطعين إليه، ومنه أخذ اسم الناب؛ لأنه قاطع، فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله بالطاعة، والمفرد: منيب، وأصله: «منيب» على وزن مفعل؛ لأنه من الرباعي كما ترى، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء إلى النون قبلها، بعد سلب سكونها، فصار «منيب» ومثله قل في إعلال «مبين» ونحوه. (اتقوه): خافوه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه. ﴿(أَقِيمُوا الصَّلاةَ)﴾: أدوها على الوجه الأكمل، وقد شرحت ذلك كثيرا. ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ بأي نوع من أنواع الشرك، فإن الشرك لا يكون مقصورا على عبادة الحجارة، أو عبادة الشمس، والقمر، أو عبادة فرد من الناس، لا؛ فإن الرياء بالعمل شرك، وإن من اعتقد: أن لمخلوق في هذا الكون تأثيرا في شيء من الأشياء؛ فقد أشرك، وإن من اعتقد: أن فلانا؛ ضره، أو نفعه، ولم يعز ذلك إلى الله؛ فقد أشرك، ومن يقول: إن فلانا سبب في النفع، أو الضر؛ فلا بأس به شرعا مع اعتقاده: أنه من الله.

стр. 4659

الإعراب: ﴿مُنِيبِينَ:﴾ حال من واو الجماعة ب: «الزموا» الذي رأيت تقديره في الآية السابقة، أو حال من فاعل (أقم) المستتر؛ لأن الأمر للنبي ﷺ أمر له، ولأمته. فالمعنى أقيموا وجوهكم. ويؤيده عطف: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ عليه، فهو منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿وَاتَّقُوهُ:﴾ الواو: حرف عطف: (اتقوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: «الزموا» التي رأيت تقديرها في الآية السابقة، أو هي معطوفة على جملة: (أقم...) إلخ التي رأيت تأويلها، وجملة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ معطوفة عليها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا،﴾ وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ:﴾ إن كان الضمير راجعا إلى كفار قريش، فيكون معنى التفريق راجعا إلى تفريق أهوائهم، واختلافهم فيما يعبدون من أوثان، وعبادة الملائكة، وغير ذلك من المعبودات الباطلة؛ التي كانت شائعة عند العرب في الجاهلية، ويؤيده قراءة حمزة، والكسائي: «(فارقوا)» أي: فارقوا دينهم الصحيح، وهو دين إبراهيم، وإسماعيل، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: هم أهل البدع من هذه الأمة. وقيل: هم اليهود والنصارى، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَكانُوا شِيَعاً﴾. هذا؛ وشيع: جمع: شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشيع، وهو التحزب، ومعنى الشيعة الجماعة الذين يتبع بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة هم الذين يتقوى بهم الإنسان، وفي القاموس المحيط: وشيعة الرجل بالكسر: أتباعه، وأنصاره؛ والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث. وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علي بن أبي طالب، وأهل بيته-﵃ أجمعين-، حتى صار اسما لهم خاصة، قال الكميت: [الطويل] وما لي إلاّ آل أحمد شيعة... وما لي إلاّ مذهب الحقّ مذهب ﴿كُلُّ حِزْبٍ:﴾ كل فريق، وملة. هذا؛ والحزب في اللغة: أصحاب الرجل الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه، يعني: أهمّه، والجمع: أحزاب. ﴿بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ:﴾ مسرورون معجبون به، معتقدون: أنه الحق.

стр. 4660

هذا؛ و ﴿لَدَيْهِمْ﴾ ظرف مكان بمعنى: «عند» وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف على وإلى ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر: [الوافر] إلاكم يا خناعة، لا إلانا... عزا النّاس الضّراعة والهوانا فلو برأت عقولكمو بصرتم... بأنّ دواء دائكمو لدانا وذلكمو إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكمو علانا ثم اعلم: أن «عند» أمكن من: «لدى» من وجهين: أحدهما أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويمتنع ذلك في «لدى»، ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله جماعة. خاتمة: هذه الآية وأمثالها تنظر إلى قول النبي ﷺ : «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإنّ هذه الأمّة ستفترق إلى ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة». الحديث خرجه أبو داود، ورواه الترمذي وزاد فيه: قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». خرجه من حديث عبد الله بن عمرو ﵁، وهذا يبين أن الافتراق المحذّر منه في الآية، والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده؛ لأنه قد أطلق عليها مللا، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار، ومثل هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديد الملل، ولا عذاب النار. انتهى. قرطبي في غير هذا الموضع. أقول: وإنما يعني-رحمه الله تعالى-المذاهب الأربعة المختلفة في بعض الأحكام، فأهل هذه المذاهب يطلق عليهم اسم أهل السنة، والجماعة؛ لأنهم هم المتمسكون بسنة رسول الله ﷺ ، وسنة خلفائه الراشدين، وصحابته المهتدين، وعاضّون عليها بالنواجذ. والحمد لله رب العالمين. بعد هذا: فالفرح لذة في القلب، بإدراك المحبوب، ولذا أكثر ما يستعمل في اللذات البدنية، وقد ذم الله الفرح في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ،﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ولكنه مطلق، فإذا قيّد الفرح لم يكن ذمّا لقوله تعالى في حق الشهداء: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ،﴾ وقال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: برحمته، وقال تعالى: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾ هذا؛ وقد قال تعالى في

стр. 4661

سورة (غافر) رقم [٧٥]: ﴿ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يدل على أنه يكون في الحق وغيره، ثم قال تعالى في تتمة الآية: ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ فلم يستثن؛ لأن المرح لا يكون إلا في الشر كالبطر، والأشر. الإعراب: ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور بدل من قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بإعادة العامل. ﴿فَرَّقُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿دِينَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿شِيَعاً:﴾ خبر (كان) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿حِزْبٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَرِحُونَ﴾ بعدهما. ﴿لَدَيْهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء؛ لاتصاله بالهاء التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فَرِحُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿كُلُّ..﴾. إلخ مستأنفة أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها على الاعتبارين، وهي مقررة لما قبلها من تفريق دينهم، وكونهم شيعا. هذا؛ وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون: ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ منقطعا مما قبله، ومعناه: من المفارقين دينهم كل حزب فرحين بما لديهم، ولكنه رفع ﴿فَرِحُونَ﴾ على الوصف ل: ﴿كُلُّ﴾ وفحواه أنه يريد اعتبار ﴿كُلُّ﴾ مبتدأ مؤخرا، والجار والمجرور ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ متعلقين بمحذوف خبر مقدم، والمعنى لا يؤيده. تأمل. ﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ:﴾ أصابهم شدة من هزال، أو مرض، أو قحط، أو غير ذلك. ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ:﴾ لجئوا إلى الله بالدعاء، والتضرع. ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ:﴾ مقبلين عليه بقلوبهم، وجميع جوارحهم. ﴿ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً:﴾ صحة من مرض، وخصبا من قحط، ونعمة من نقمة. ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ:﴾ المراد: الكفار من الناس. ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يرجعون إلى عبادة الأصنام، وترك عبادة الملك العلام. ومعنى هذا الكلام التعجب: عجب الله نبيه ﷺ من المشركين في ترك الإنابة إليه تعالى، مع تتابع الحجج عليهم، ولكنهم إذا نزل بهم ضر؛ لجئوا إليه في كشف الضر عنهم، فإذا كشف

стр. 4662

عنهم؛ انقلبوا على أعقابهم خاسئين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة العنكبوت تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وانظر (الذوق) في الآية رقم [٥٥] منها أيضا. هذا؛ وأما ﴿دَعَوْا﴾ فأصله قبل دخول واو الجماعة: (دعو) فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فلما اتصلت به واو الجماعة، صار «دعاوا» فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على العين دليلا على الألف المحذوفة. ويقال في إعلاله أيضا: ردّت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار «دعوا» فقلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فصارت ألفا، فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة... إلخ، كما يقال أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار: «دعووا» فاستثقلت الضمة على الواو فحذفت، فالتقى ساكنان: واو العلة، وواو الجماعة، فحذفت واو العلة... إلخ، وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص، اتصل به واو الجماعة، مثل: نجا، ورمى، وسعى، ودعا، وغزا... إلخ تنبه لذلك واحفظه. هذا؛ وتحرك واو الجماعة بالضمة إذا التقى معها ساكن، مثل قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ وإنما حركت بالضمة دون غيرها ليفرق بين واو الجماعة، والواو الأصلية في نحو قولك: «لو اجتهدت لنجحت» وقيل: ضمت؛ لأن الضمة أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الواو المحذوفة. وقيل: غير ذلك. هذا؛ والفريق: الطائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، ومعشر... إلخ، وقد جمع الضمير في الثلاثة بعده مراعاة لمعناه. تأمل. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان... إلخ. ﴿مَسَّ:﴾ فعل ماض. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿ضُرٌّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿دَعَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة كما رأيت، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُنِيبِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل... إلخ. ﴿أَذاقَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿رَبَّهُمْ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها... إلخ. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف

стр. 4663

حال من: ﴿رَحْمَةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». (إذا): كلمة دالة على الفجاءة، وهي رابطة لجواب (إذا) الشرطية قبلها، وانظر الآية رقم [٢٥]. ﴿فَرِيقٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿بِرَبِّهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿يُشْرِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَرِيقٌ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ الشرطية، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، وفي الآية دليل واضح على أن «إذا» الشرطية لا تكون معمولة لجوابها؛ لأن ما بعد «إذا» الفجائية، لا يعمل فيما قبلها. هذا؛ ومثل هذه الآية في المعنى، والإعراب الآية رقم [٥٤] من سورة (النحل). ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ:﴾ اللام لام التعليل، ومتعلقة بما قبلها؛ إذ التقدير: فريق منهم بربهم يشركون؛ ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة، وجمع الضمير مراعاة لمعنى ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿فَتَمَتَّعُوا:﴾ لفظه أمر، ومعناه: التهديد، والوعيد، والمعنى: فاسرحوا في هذه الدنيا الفانية، وامرحوا إلى انتهاء آجالكم، وقرئ: «(وليتمتعوا)». وقيل: اللام فيه للأمر، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٦] من سورة (العنكبوت) ففيها الكفاية. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ سوء تدبيركم عند تدميركم، فهذا تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد. والالتفات من الغيبة إلى الخطاب واضح وظاهر، ويقرأ: (يعلمون) بالياء ليوافق: (ليتمتعوا) فتكون الآية قد وافقت آية (العنكبوت) رقم [٦٦] بحروفها، وعلى القراءة بالتاء فهي موافقة للآية رقم [٥٥] من سورة (النحل) بحروفها. هذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها، وكفر الشيء: ستره وغطاه. وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع: كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل: كافرا؛ لأنه يغطي، ويستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في معلقته البيت رقم [٦٥] وما بعده: [الطويل] وألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل رضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التّيّار في كلّ جدول

стр. 4664

هذا؛ والتمتع: التلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، والاسم: المتعة. فهنيئا لمن تمتع، واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام! هذا؛ والمتعة بكسر الميم وضمها اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام، ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق من نحو القميص، والإزار، والملحفة، قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. هذا؛ والمراد من الآية: الأمر للكفار بأن يتمتعوا بدنياهم قليلا، أو بعبادتهم الأوثان، أو باتباعهم الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها. وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدّد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدّد به. هذا؛ وذكرت لك: أن في الآية التفاتا من الغيبة إلى الخطاب، وللالتفات فوائد كثيرة: منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة. الإعراب: ﴿لِيَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: العاقبة. وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ على اعتبار اللام للتعليل، ومتعلقان بفعل محذوف على اعتبار اللام للعاقبة، والمآل، التقدير: آل أمرهم للكفر. وقيل: اللام لام الأمر، فالفعل مجزوم لا منصوب، فتكون الجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿آتَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة: (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ليكفروا بالذي، أو: بشيء آتيناهموه. ﴿فَتَمَتَّعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (تمتعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول محذوف، التقدير: فقل لهم يا محمد: تمتعوا، وهذه الجملة لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان هذا حالهم وعملهم؛ فقل لهم: (تمتعوا). ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وانظر الإعراب على قراءة الفعلين بالياء في الآية رقم [٦٦] من سورة (العنكبوت) ففيها فضل زيادة.

стр. 4665

﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ:﴾ على المشركين. ﴿سُلْطاناً:﴾ حجّة، وعذرا، وقال الضحاك وقتادة، والربيع بن أنس-﵃ أجمعين-: ﴿سُلْطاناً﴾ كتابا، وأضاف الكلام إليه توسعا، أو المراد: تكلم دلالة، كقوله تعالى: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. هذا؛ وفي الحقيقة قد نطق القرآن بكفرهم كثيرا، كما هو معلوم من الآيات الكثيرة، أو المراد بالكلام: الشهادة، كأنه قال: فهو يشهد بشركهم، كما يشهد بنبوة محمد ﷺ ، ويشهد بصحته: أنه منزل من عند الله، ولا تنس: أن (أم) بمعنى همزة الإنكار، فيكون المعنى: لا، لم ننزل عليهم سلطانا. وهو قول الكوفيين. ومذهب البصريين: أنها بمعنى بل، والهمزة، والمعنى: لا يصح إلا على هذا. تأمل. هذا؛ و (سلطان): تسلط وولاية، ومعناه هنا: الحجة، والبرهان، أو الكتاب، كما رأيت. قال بعض المفسرين المحققين: سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة له، كالسلطان يقهر غيره بقوته. وقال الزجاج: السلطان هو الحجة، وسمي السلطان سلطانا؛ لأنه حجة الله في أرضه. انتهى. ولا تنس ما قاله عثمان بن عفان-﵁: «إنّ الله ليزع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن». أي: يكف عن المعاصي ويردع، وجمعه بمعنى الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفراء: أن العرب تؤنث السلطان، تقول: قضت به عليك السلطان، أما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنه بمعنى الحجة. هذا؛ والسلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة، كما قال تعالى حكاية عن قول سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ الآية رقم [٢١] من سورة (النمل). هذا؛ والكلام بالنسبة للبشر، فهو يدل على أحد ثلاثة أمور: أولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا، تريد تكليمك إياه. وثانيها: ما يدور في النفس من هواجس، وخواطر، وكل ما يعبر عنه باللفظ لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك: كلاما في اللغة العربية، تأمل قول الأخطل التغلبي: [الكامل] لا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا وثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال. انظر إلى قول العرب: «القلم أحد اللّسانين» وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفّتي

стр. 4666

المصحف: «كلام الله»، ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾. وقال جل شأنه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ،﴾ وإلى كلمته جلت حكمته: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً،﴾ ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينيها القول، والكلام، وذلك في قوله: [الطويل] أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم فأيقنت أنّ الطّرف قد قال: مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم ثم انظر إلى قول نصيب بن رباح: [الطويل] فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب وانظر شرح القول في الآية رقم [٨٥] من سورة (النمل). الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل»؛ لأنها منقطعة. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سُلْطاناً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَكَلَّمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿سُلْطاناً،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وهي في المعنى صفة سلطانا، وإن اعتبرت الفاء زائدة؛ وضح المعنى. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب كونهم مشركين، ويضعفه وجود الضمير العائد عليها، والمصدرية لا يعود عليها الضمير، احفظه؛ فإنه جيد. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يُشْرِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها... إلخ. ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً:﴾ نعمة من صحة، وغنى، وخصب، ورخاء، وراحة بال، وهناءة ضمير. وانظر الذوق في الآية رقم [٥٥] من سورة (العنكبوت). ﴿فَرِحُوا بِها﴾ أي: فرحوا فرح

стр. 4667

بطر، وكبر. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ:﴾ شدة من مرض، وفقر، وقحط، وغير ذلك مما يسوءهم. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من الكفر، والظلم، والمعاصي. ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي؛ نسبت الأعمال كلها إلى الأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب، والأرجل، والعيون، والآذان تغليبا للأكثر على الأقل. ﴿إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ:﴾ ييأسون من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن، فإنه يشكر ربه عند النعمة، ويصبر، ويرجوه عند الشدة، وكان الأحرى بهؤلاء الكافرين أن يعلموا، ويوقنوا أن الله هو الباسط، والقابض، فيرجعوا إليه عند الشدة، ويتوبوا من المعاصي التي عوقبوا بسببها حتى يعيد إليهم نعمته التي سلبهم إياها. هذا؛ والفعل: قنط، يقنط يأتي من الباب الرابع، والثاني، وبهما قرئ في هذه الآية، وقرأ الأعمش أيضا: قنط، يقنط من الباب السادس أيضا. هذا؛ والآية صفة للكافر يقنط عند الشدة، ويبطر عند النعمة، كما قيل: [المديد] كحمار السّوء إن أشبعته... رمح النّاس وإن جاع نهق وكثير ممن لم يرسخ الإيمان في قلوبهم بهذه المثابة، وقد مضى هذا في غير موضع، قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان... إلخ، انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿أَذَقْنَا:﴾ فعل وفاعل. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول به. ثان، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَرِحُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تُصِبْهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿سَيِّئَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالياء. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء قدمته أيديهم. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة واقعة في جواب الشرط، انظر الآية رقم [٢٥] ففيها الكفاية. ﴿تُصِبْهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَقْنَطُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية واقعة في محل جزم جواب الشرط، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.

стр. 4668

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا:﴾ أولم ينظروا ويبصروا. ﴿أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ:﴾ يعطي الرزق، ويمنح المال، ويوسع في المعيشة لمن يشاء من عباده. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يضيق ويفقر من المال، وقال جل ذكره: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في البسط، والتضييق في الرزق. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات على قدرة الله، وكمال حكمته، وأنه هو الفاعل المختار يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ خصهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالتذكير، وفي كثير من الآيات ﴿لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ وهذه الآية مذكورة في سورة الزمر رقم [٥٢] بحروفها بإبدال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ب: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا،﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ والقوم اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل رهط ومعشر ونفر... إلخ، وهو يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري-وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟ وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن يوجهه رسول إلى قومه، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ،﴾ وقال جل شأنه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وفي المصباح: «القوم» يذكر، ويؤنث، فيقال: قام القوم، وقامت القوم، وكذا كل اسم جمع، لا واحد له من لفظه، نحو: رهط، ونفر... إلخ، فالتأنيث باعتبار معناه، وتأويله بالجماعة. والتذكير باعتبار لفظه. والآيتان المذكورتان دليل على التأنيث. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. وقيل: حرف عطف على محذوف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة بما يلي: ما بالهم لم يشكروا في السراء والضراء كالمؤمنين، ولم يروا... إلخ. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿يَبْسُطُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والمتعلق محذوف، تقديره: من عباده. والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط

стр. 4669

محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو: لشخص يشاؤه الله. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقدر): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ ومتعلقه محذوف، تقديره: له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿يَبْسُطُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل: ﴿يَرَوْا،﴾ وانظر مثل إعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ في الآية رقم [٢١]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾ الشرح: لما بين الله تعالى: أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر؛ أمر من وسع عليه في الرزق أن يوصل إلى الفقير كفايته ليمتحن شكر الغني، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد هو وأمته، وأمر بإيتاء ذي القربى لقرب رحمه، وخير الصدقة ما كان على القريب، وفيها صلة الرحم، وقد فضّل رسول الله ﷺ الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب، فقال لميمونة ﵂، وقد أعتقت وليدة: «أما إنّك لو أعطيتها أخوالك؛ كان أعظم لأجرك». ويظهر: أنّ أخوالها كانوا فقراء. وعن سلمان بن عامر-﵁-عن النبي ﷺ قال: «الصّدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرّحم ثنتان: صدقة وصلة» أخرجه النسائي، والترمذي. وعن عبد الله بن عمر ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّما رجل أتاه ابن عمّه يسأله من فضله، فمنعه؛ منعه الله فضله يوم القيامة». أخرجه الطبراني. وخذ قول زهير في معلقته: [الطويل] ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله... على قومه يستغن عنه ويذمم ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ:﴾ من صلة مادية كما ذكرت، ومن المودة: الزيارة، وحسن المعاشرة، والمعاونة في الضراء، والمؤالفة في السراء، والدعاء في ظهر الغيب، والمعاضدة، ونحو ذلك، ويدخل في ذي القربى جميع الأقارب من جهة الأب، ومن جهة الأم، ويطلق عليهم جميعا اسم ذوي الأرحام، وأبو حنيفة-رحمه الله تعالى-يلزم الموسر نفقة أقاربه المعسرين من أي جهة كانوا؛ لأنه يورث ذوي الأرحام بعضهم بعضا، استدلالا بقوله تعالى في آخر سورة (الأنفال): ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾ ويقول: الغنم بالغرم، وهذه الآيات يقول الشافعي -رحمه الله تعالى-فيها: إنها منسوخة بآية المواريث الموجودة في سورة (النساء)، فلا يرى توريث ذوي الأرحام، ولا يلزم الموسر النفقة إلا إلى الأصول، والفروع. والمسكين: هو الذي لا يقوم دخله بكفايته، وهو أحسن حالا من الفقير عند الشافعي، -رحمه الله تعالى-. والعكس عند أبي حنيفة، -رحمه الله تعالى-. وخذ تعريفه فيما يلي: فعن

стр. 4670

أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين الّذي تردّه اللّقمة، واللّقمتان، والتّمرة والتّمرتان، ولكن المسكين الّذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل النّاس». رواه البخاري، ومسلم. هذا؛ وقد كان النبي ﷺ يسأل المسكنة، ويتعوذ بالله من الفقر، فعن أنس-﵁، عن النبي ﷺ قال: «اللهمّ أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة». رواه الترمذي، ولو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير؛ لما تعوذ بالله من الفقر، وسأله المسكنة. وقد توسعت في شرح الفقير، والمسكين في الآية رقم [٦١] من سورة (التوبة). ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ أي: ابن الطريق المنقطع في سفره، ونفد ماله بأية وسيلة كانت، فقد أمر الله الموسرين بأن يعطوه ما يوصله بلده، ولو كان من أغنى الأغنياء في وطنه، وقد جعله الله أحد الأصناف الثمانية؛ الذين تصرف إليهم الزكاة في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة). هذا؛ وخص الله هؤلاء الثلاثة من بين الأصناف الثمانية بالذكر هنا؛ لأنه جلت قدرته أراد هاهنا بيان من يجب الإحسان إليه على كل من له مال، سواء أكان زكويا، أو لم يكن؟ وسواء أكان قبل الحول، أم لم يكن؟ لأن المقصود هنا الشفقة العامة، وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم، وإن لم يكن للإنسان مال زائد، وإن لم يكن مالكا للنصاب، والفقير داخل في المسكين؛ لأن من أوصى للمساكين بشيء يصرف إلى الفقراء أيضا. وإذا نظرت إلى الباقين من الأصناف رأيتهم، لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وجبت الزكاة عليهم. وقدم القريب؛ لأن دفع حاجته واجب، سواء أكان في مخمصة، أو لم يكن، فلذلك قدم على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في شدة، وأما المسكين فحاجته ليست مختصة بموضع فقدم على من حاجته مختصة بموضع دون موضع، وهو ابن السبيل. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. وينبغي أن تعلم: أن (ذا) بمعنى: صاحب، ويجمع جمع تكسير: «ذوين، وذوون» وتحذف نونهما للإضافة، ويجمع على غير لفظه: «أولون، وأولين» وهو كثير مثل: أولو الألباب، وهذا ذكر في الآية رقم [٢٦] من سورة (الإسراء). ﴿ذلِكَ﴾ أي: إنفاق المال إلى الفقراء والمساكين، ولا سيما الثلاثة المذكورون في هذه الآية. ﴿خَيْرٌ:﴾ أفضل درجة، وأعظم مكانة. ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ:﴾ ذاته، أو جهته، أي: يقصدون إياه بمعروفهم ويريدون رضاه، فهو كقوله تعالى في حق أبي بكر الصديق-﵁: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ فهم لا يريدون سمعة، ولا يقصدون ثناء، ولا شكورا من الناس. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الفائزون بمطلوبهم من الثواب في الآخرة، حيث بسط لهم من النعيم المقيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

стр. 4671

الإعراب: ﴿فَآتِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (آت): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ذَا:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذَا﴾ مضاف، و ﴿الْقُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿حَقَّهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَآتِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الغنى والفقر من الله؛ فآت ذا... إلخ. ﴿وَالْمِسْكِينَ:﴾ معطوف على: ﴿ذَا الْقُرْبى،﴾ وحذف المفعول الثاني لدلالة ما قبله عليه. ﴿وَابْنَ:﴾ معطوف عليه أيضا، وحذف الثاني أيضا، فإن التقدير: وآت المسكين حقه. وآت ابن السبيل حقه، و (ابن) مضاف، و ﴿السَّبِيلِ﴾ مضاف إليه. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿وَجْهَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً:﴾ زيادة محرمة في المعاملة. ﴿لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ:﴾ ليزيد، ويكثر في أموالهم. ﴿فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ:﴾ فلا يزكو عند الله، ولا يبارك فيه، كيف لا؟ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٧٥]: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ،﴾ وقرئ: «(ما أتيتم)» بالقصر؛ المعنى: ما جئتم به من إعطاء الربا، كما قرئ: «(لتربوا)» أي: لتزيدوا، ولتصيروا ذوي ربا. ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ:﴾ صدقة تزكون بها أنفسكم. ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ تبتغون به وجهه والتوجه إليه بالإخلاص، وحسن النية. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ:﴾ ذوو الأضعاف من الثواب

стр. 4672

والحسنات، حيث يعطون الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعين، إلى سبعمائة... إلخ، وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة للتعظيم، كأنه خاطب به الملائكة، وخواص الخلق، تعريفا لحالهم، أو للتعميم كأنه قال: فمن فعل ذلك فأولئك هم المضعفون، هذا هو المتبادر للأذهان من فحوى هذه الآية. وقيل المراد: أن يهب الرجل للرجل، أو يهدي له؛ ليعوضه أكثر مما وهب، وأعطى، فليست تلك الزيادة بحرام ولكن المعوض لا يثاب على تلك الزيادة، وخذ ما ذكره الجمل ملخصا من القرطبي، رحمه الله تعالى. قال-رحمه الله تعالى-: الربا: الزيادة، وقد مضى في البقرة معناه، وهو هناك محرم، وهاهنا حلال، وثبت بهذا: أنه قسمان، منه حلال، ومنه حرام. قاله عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ﴾ قال: الربا نوعان: فربا حلال، وربا حرام، فأما الربا الحلال، فهو الذي يهدى يلتمس ما هو أفضل منه، وليس له فيه أجر، وليس عليه فيه إثم، ولذلك قال ابن عباس: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً﴾ يريد هدية الرجل التي يرجو أن يثاب عليها أفضل منها، فذلك الذي لا يربو عند الله، ولا يؤجر صاحبه، ولكن لا إثم عليه، وفي هذا المعنى نزلت الآية. قال ابن عباس، وابن جبير، وطاوس، ومجاهد: هذه الآية نزلت في هبة الثواب. قال ابن عطية: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه، وهو إن كان لا إثم فيه؛ فلا أجر فيه، ولا زيادة عند الله، وقاله القاضي أبو بكر بن العربي. قال المهلب: واختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب ثوابها، وقال: إنما أردت الثواب، فقال مالك: ينظر فيه، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له، فله ذلك، مثاله هبة الفقير للغني، وهبة الخادم لصاحبه، وهبة الرجل لأميره، ومن فوقه، وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط، وهو قول الشافعي الآخر، وعن علي-﵁-قال: المواهب ثلاثة: موهبة يراد بها وجه الله، وموهبة يراد بها ثناء الناس، وموهبة يراد بها الثواب، فموهبة الثواب يرجع فيها أي صاحبها إذا لم يثب عليها، بخلاف القسمين الآخرين، فلا يرجع فيهما صاحبهما. انتهى. بحروفه. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول مقدم، أو هي في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول الثاني محذوف على الوجه الأول في (ما)، والمفعولان محذوفان على الوجه الثاني فيها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على الوجه الأول في ما، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها مبتدأ. ﴿مِنْ رِباً:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: (ما)، أو من ضميرها المقدر، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿لِيَرْبُوَا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿رِباً،﴾ تقديره: «هو»، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة:

стр. 4673

﴿رِباً﴾. ﴿فِي أَمْوالِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و ﴿أَمْوالِ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿لِيَرْبُوَا:﴾ فعل مضارع مرفوع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى: ﴿رِباً﴾. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (ما)، على اعتبارها مبتدأ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي آتيتموه الناس... إلخ، وجملة: ﴿فَلا يَرْبُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء في خبرها؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ﴾ إعرابه مثل سابقه بلا فارق على جميع الوجوه المعتبرة فيه. وجملة: ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ في محل جر صفة (زكاة) ورابط الصفة محذوف؛ إذ التقدير: تريدون بها وجه الله، وإعراب: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ مثل إعراب ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ في الآية السابقة بلا فارق، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط على اعتبار (ما) شرطية، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها موصولة مبتدأ، والجملة على جميع الاعتبارات فيها معطوفة على ما قبلها. ومفعول ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ محذوف؛ إذ التقدير: المضعفون ثوابهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ:﴾ أنشأكم من العدم. ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ:﴾ ثم بعد خلقكم تكفل بأرزاقكم إلى أن تموتوا. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ:﴾ بقبض أرواحكم. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ:﴾ بإعادة أرواحكم إلى أجسادكم للبعث، والحساب، والجزاء، وهو المختص بهذه الأمور الأربعة: الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، لا يقدر عليها أحد غيره. ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ أي: أصنامكم التي زعمتم: أنهم شركاء الله. وقد أطلق الله اسم الشركاء على الأصنام المعبودة من دونه لأمرين: أحدهما أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس. وثانيهما: أنهم يشركونها معهم في الأموال، والأنعام، والزروع، كما رأيت في الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأنعام) وما بعدها. ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ:﴾ أثبت الله لنفسه لوازم الألوهية، ونفاها قطعا عما اتخذوه شركاء له من الأصنام، وغيرها مؤكدا بالإنكار على ما دل عليه البرهان، والعيان، ووقع عليه الوفاق، ثم نزه نفسه بالالتفات من الخطاب إلى الغيبة عن الأنداد، والأضداد، والصاحبة،

стр. 4674

والأولاد بقوله الحق: ﴿\سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تقديسا، وتنزيها عما يشركونه معه من الأضداد، والأصنام. هذا؛ و (سبحان) اسم مصدر. وقيل: هو مصدر مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل سبّح بتشديد الباء، والمصدر تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع] قد قلت لمّا جاءني فخره: ... سبحان من علقمة الفاخر! وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا به، وجملة القول فيه: هو اسم وضع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع، وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف والنون، ومعناه: التنزيه، والبراءة لله من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى، لا يصلح لغيره. وقد روي عن طلحة الخير بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة-﵃ أجمعين-: أنه قال للنبي ﷺ : ما معنى سبحان الله؟ فقال: «تنزيه الله من كلّ سوء». والعامل فيه عند سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزه الله تنزيها، فوقع سبحان الله، مكان قولك: تنزيها لله. والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿رَزَقَكُمْ﴾ معطوفة عليها. ﴿يُمِيتُكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الذي أيضا، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿يُحْيِيكُمْ﴾ معطوفة عليها، والتعبير بالماضي في الجملتين الأوليتين؛ لأن الخلق، والرزق كانا قد حصلا عند الخطاب، بخلاف الإماتة، والإحياء فإنهما لم يحصلا عند الخطاب، فلذا كان التعبير عنهما بالفعل المستقبل، وهو المضارع كما هو ظاهر. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام إنكاري توبيخي. ﴿مِنْ شُرَكائِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يَفْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»

стр. 4675

يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ ذلِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار الموصول صفة الجلالة، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو لفظ الجلالة، وهو غير مسلم؛ لأن كثيرا من النحويين لا يجيز وقوع الجملة الطلبية خبرا للمبتدإ، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر جملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَتَعالى:﴾ الواو: حرف عطف. (تعالى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تعالى عن الذي، أو عن شيء يشركون به مع الله، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: تعالى الله عن شركهم به. تأمل. ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ الشرح: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ:﴾ كالجدب، والموتان، وكثرة الحرق، والغرق، ومحق البركات بسبب شؤم العباد كي يتوبوا. قال النحاس: وهو أحسن ما قيل في الآية. هذا؛ وقيل: المراد ب: ﴿الْفَسادُ﴾ الظلم، وارتكاب المعاصي، فهذا هو الفساد على الحقيقة، ويكون المعنى ظهرت المعاصي في البر، والبحر، فحبس الله عنهم الغيث، وأغلى أسعارهم، ومحق البركة من بين أيديهم، وشدد على قلوبهم، وأكثر همومهم وغمومهم، والمراد بالبحر: قرى، ومدن السواحل، وجزر البحار، والبر: مدن وقرى الداخل البعيدة عن البحار. ﴿بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ﴾ أي: بسبب الذي اجترحته أيدي الناس من المعاصي، والمنكرات. والتعبير بالأيدي على مثال ما رأيت في الآية رقم [٣٦]. قال تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ﴾

стр. 4676

مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ. ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي: جزاء وعقوبة بعض الذي عملوا من السيئات، والمعاصي في الدنيا، والعذاب الأليم، والعقاب الشديد الذي سيلقونه في الآخرة، وانظر الاستعارة في الآية رقم [٥٥] من سورة (العنكبوت). ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:﴾ عن غيهم، وظلمهم، وارتكابهم المعاصي، واجتراحهم المنكرات، ولكن الناس في هذه الأيام لا يرجعون مع أن البلاء قد صب عليهم بجميع أنواعه، وألوانه، والشيء العجيب الغريب: أن كل واحد يرى الناس ضالين عاصين، ويتحدث بالحلال، والحرام، وينتقد الناس، وهو غارق في الضلال من الظلم وسوء الأعمال إلى فوق الأذقان، ورحم الله الكميت؛ إذ يقول: [الطويل] كلام النّبيّين الهداة كلامنا... وأفعال أهل الجاهليّة نفعل جاءني شخص يبكي على الإسلام؛ لأن شخصا آخر يضع مئونة سنوية عشرين تنكة من الخمر، والناس معروفون بمناصرة الباطل، ومحاربة الحق، وإنني أؤكد أن ما يضعه الشخص مئونة سنوية من الخمر أهون عند الله من كلمة يقولها إنسان بالباطل، وأهون عند الله من خطوة يخطوها مجرم أثيم لنصرة باطل، وإضاعة حق. هذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى، لا يحصل منه ترج ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. تنبيه: لقد كان أول فساد في الأرض قتل قابيل أخاه هابيل، فكانت الأرض قبل ذلك مونقة، نضرة مثمرة، لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها الثمر، وكان البحر عذبا، وكان السبع لا يصول على الغنم، ونحوها، فلما قتل قابيل هابيل؛ اقشعرت الأرض، ونبت الشوك في الأشجار، وصار ماء البحر ملحا، وتسلطت الحيوانات بعضها على بعض، ومن ذلك اليوم أخذ الكفر، والظلم، وارتكاب المعاصي ينتشر في الأرض، وكلما فسدت أمة يهلكها الله بسبب فسادها، وكل ذلك سجله القرآن الكريم. فاعتبروا يا أولي الأبصار، ولكن لا اعتبار، ولا استبصار!. الإعراب: ﴿ظَهَرَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْفَسادُ:﴾ فاعله. ﴿فِي الْبَرِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْفَسادُ﴾ التقدير: ظهر الفساد منتشرا في الأرض. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْبَحْرِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿ظَهَرَ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿أَيْدِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و ﴿أَيْدِي﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة: (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بسبب الذي، أو شيء كسبته أيدي الناس. وإن اعتبرت (ما) مصدرية؛ فالتقدير يكون: بكسبهم.

стр. 4677

﴿لِيُذِيقَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، أو هي لام العاقبة، والمآل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ ويؤيده قراءة الفعل بالنون، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿بَعْضَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿بَعْضَ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: بعض الذي عملوه، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿ظَهَرَ،﴾ أو هما متعلقان بفعل محذوف، تقديره: عاقبهم بذلك؛ ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة يرجعون في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها من الإعراب. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿قُلْ سِيرُوا..﴾. إلخ: هذا أمر موجه للنبي ﷺ ؛ ليرشد قومه بالسير في الأرض، والنظر بما فعل الله بالأقوام الذين كذبوا رسلهم؛ حيث أهلكهم بتكذيبهم إياهم، وكيف خلت منهم مساكنهم، فهو أمر للكفرة لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة، وإهمال، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. وفيه تهديد، ووعيد لأهل مكة، ولكلّ المكذبين. ﴿كانَ أَكْثَرُهُمْ:﴾ أكثر الأمم السابقة. ﴿مُشْرِكِينَ:﴾ فيه بيان على أن سوء عاقبتهم كان لفشو الشرك فيهم، أو كان الشرك في أكثرهم، وما دونه من المعاصي كان في قليل منهم، ومع ذلك فقد أهلكوا جميعا. فاعتبروا يا أولي الألباب. تنبيه: قال الله تعالى هنا ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا،﴾ وقال في سورة (الأنعام) رقم [١١]: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ والفرق بينهما: أن النظر هنا جعل مسببا عن السير، فكأنه قال: سيروا؛ لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السير هناك إباحة السير للتجارة وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك ب: ﴿ثُمَّ﴾ التي للتراخي لتباعد ما بين الواجب، والمباح. انتهى. نسفي من سورة (الأنعام) بتصرف كبير. هذا؛ وعاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ومصيره، ومآله، ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث. أو لأن ﴿عَقِبِهِ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿سِيرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار

стр. 4678

ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة-والمعنى: لا يأباه-فيكون ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من عاقبة، والعامل ﴿كانَ،﴾ وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها، وجملة: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ اسمها، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُشْرِكِينَ:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾ منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠] ففيها الكفاية. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ:﴾ المراد به: يوم القيامة. ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ:﴾ لا يقدر أن يرده أحد من الخلق. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ في ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه، القريب أوانه. وانظر الآية رقم [٤]. ﴿يَصَّدَّعُونَ:﴾ أصله: يتصدعون، فقلبت التاء صادا، وأدغمت في الصاد الثانية، ومعناه: يتفرقون بعد الحساب: إما إلى الجنة، وإما إلى النار، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ ويدل على هذا التفريق الآية التالية، ويقال: تصدع القوم: إذا تفرقوا، قال متمم بن نويرة من قصيدته في رثاء أخيه مالك: [الطويل] وكنّا كندماني جذيمة حقبة... من الدّهر، حتّى قيل لن يتصدّعا جذيمة: هو الأبرش، وكان ملكا، ونديماه يقال لهما: مالك، وعقيل، ويضرب بهما المثل لطول ما نادماه، فقد نادماه أربعين سنة ما أعادا عليه حديثا. الإعراب: ﴿فَأَقِمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة. ولا وجه له. (أقم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿وَجْهَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِلدِّينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْقَيِّمِ:﴾ صفة (الدين). ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (أقم) أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا أراه قويا، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه، التقدير: من قبل إتيان يوم. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن».

стр. 4679

﴿مَرَدَّ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا﴾. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَأْتِيَ،﴾ أو هما متعلقان بفعل محذوف يدل عليه ﴿مَرَدَّ﴾ أي: لا يرده من الله أحد، ولا يجوز أن يتعلقا فيه؛ لأنه ينبغي أن ينون حينئذ؛ لأنه يصير شبيها بالمضاف، والجملة الاسمية: ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ في محل رفع صفة: ﴿يَوْمٌ﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و (إذ) ظرف زمان أيضا مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة؛ إذ التقدير: يوم إذ يأتي هذا اليوم. ﴿يَصَّدَّعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿يَوْمٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ﴾ والرابط على الاعتبارين محذوف؛ إذ التقدير: يصدعون فيه يومئذ. ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: فعليه وبال كفره، وهو النار المؤبدة، وانظر الآية رقم [٣٤]. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً﴾ أي: عملا صالحا، والعمل الصالح يتمثل بأداء ما أوجب الله، والقيام بما أمر رسول الله ﷺ به، والعمل السّيّئ يتمثل بكل عمل نهى الله، ورسوله عنه. ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: يوطئون، ويسوون لأنفسهم في الآخرة فراشا، ومسكنا، وقرارا بالعمل الصالح، الذي قدموه في الدنيا لآخرتهم. وقيل: يوطئون المضاجع، ويسوونها في القبر. ولا أراه قويا، وهذه الآية مفسرة لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ،﴾ وقال تعالى في آية أخرى ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ وهي رقم [١٤] في هذه السورة انظر شرحها هناك، فهو جيد. الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو» والمتعلق محذوف، تقديره: كفر بالله. ﴿فَعَلَيْهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عليه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿كُفْرُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا فهي مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرَ﴾ صلتها، والجملة الاسمية: (عليه كفره) في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة التالية مثلها في جميع ذلك، و ﴿صالِحاً﴾ صفة لمفعول به محذوف، التقدير: عمل عملا صالحا. (لأنفسهم): جار ومجرور متعلقان بالفعل

стр. 4680

بعدهما. ﴿يَمْهَدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ كَفَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والثانية معطوفة عليها كما هو ظاهر، وتقديم الظرف في الجملتين للدلالة على الاختصاص. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ،﴾ الاقتصار على بيان جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصود بالذات، والاكتفاء بفحوى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ فإن فيه إثبات البغض لهم، وإثبات المحبة للمؤمنين، وتأكيد اختصاص الصلاح بالمؤمنين، المفهوم من ترك ضميرهم إلى التصريح باسمهم تعليل له، وقوله جلت قدرته: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ دال على أن الإثابة تفضل محض، وتأويله بالعطاء، والزيادة على الثواب عدول عن الظاهر. انتهى. بيضاوي بتصرف. هذا؛ وعطف: «العمل الصالح» على: «الإيمان» دليل واضح على أن الإيمان وحده قد لا يجدي بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ : «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، ويسمى هذا في فن البديع احتراسا. هذا؛ وعدم محبة الله للكافرين كناية عن البغض، والسخط، والغضب، ومحبته للمؤمنين رضاه عنهم، وغفر ذنوبهم، وستر عيوبهم. هذا؛ والجزاء والمجازة المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾. ومن الثاني قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ فقد أراد جزاء الشر، والجزاء من جنس العمل، إن خيرا؛ فخير؛ وإن شرّا، فشرّ. هذا؛ والفعل جزى ينصب مفعولين، قال تعالى في سورة (النور): ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾. الإعراب: ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله تعالى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. (عملوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف؛ إذ التقدير: الأعمال الصالحات، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَصَّدَّعُونَ،﴾ أو بالفعل ﴿يَمْهَدُونَ﴾. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع،

стр. 4681

والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية، أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها من الإعراب على جميع الاعتبارات. ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: ومن علامات قدرته، ودلائل ربوبيته، ووحدانيته. ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ:﴾ على جميع حالاتها، وقد عدد الفوائد في إرسالها فيما يلي: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ أي: بالمطر، وقد كثر مثل هذا التعبير في القرآن الكريم، فقد قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٨]: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ،﴾ وقال في سورة (النمل) رقم [٦٣]: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: ولإذاقة الرحمة، وهي نزول المطر، وحصول الخصب؛ الذي يتبعه، أو الروح الذي هو مع هبوبها. هذا؛ وأطلق الله على المطر اسم الرحمة؛ لأن به حياة الأرض، التي بها حياة الإنسان، والحيوان، وكل شيء فيها، كما هو مشاهد، وانظر (الإذاقة) في الآية رقم [٥٥] من سورة (العنكبوت). ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: بقدرته، وإرادته، وتدبيره، أو بتكوينه كقوله تعالى: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ولتطلبوا رزقه الذي كتبه، وقدره لكم عن طريق التجارة في البحر، وركوب السفن فيه. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ هذه النعم المتسببة عن إرسال الرياح، وهي أربع هنا، وفوائدها أكثر من أن تعد وتحصى، وانظر (الشكر) في الآية رقم [١٢] من سورة (لقمان). هذا؛ وقرأ حمزة، والكسائي، وابن كثير: «(الريح)» على إرادة الجنس، والريح في الأصل: الهواء المسخر بين السماء والأرض، وهو جسم متحرك لطيف، ممتنع بلطفه من القبض عليه، يظهر للحس بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه، وهو حياة كل نام، من إنسان، وحيوان، ونبات مثل الماء، بل الحاجة إليه أشد، وأصله: الرّوح، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع: أرواح، ورياح، وأصل رياح: رواح، فعل فيه كما فعل بأصل ريح، والأكثر في الريح التأنيث، كما في قوله تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ وقد تذكر على معنى الهواء. والرياح الأصول أربع: إحداها: الشمال، وتأتي من ناحية الشمال، وهي شمال من استقبل مطلع الشمس، وهذه الريح حارة في الصيف، باردة في الشتاء. والثانية: الجنوب، وهي

стр. 4682

مقابلتها؛ أي: تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشمس، وهي الريح اليمانية. والثالثة: الصّبا، بفتح الصاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمى القبول أيضا. والرابعة: الدّبور، وتأتي من مغرب الشمس، وما أتى منها من بين تلك الجهات، يقال لها: النّكباء، ثم إن خرجت من بين الجنوب والشرق، قيل لها: أزيب، (بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وفتح الياء). وإن خرجت من بين الشمال والغرب، قيل لها: جربيا، (بكسر الجيم، وسكون الراء، وكسر الباء). وإن خرجت من بين الشمال، والشرق، قيل لها: صابية. وإن خرجت من بين الجنوب، والغرب، قيل لها: هيف (بفتح الهاء، وسكون الياء) وقد جمع الثمانية النواجي بقوله: [الطويل] صبا ودبور والجنوب وشمأل... بشرق وغرب والتّيمّن والضّدّ ومن بينها النّكباء أزيب جربيا... وصابية والهيف خاتمة العدّ هذا؛ وأضيف: أن ريح الصبا نصر الله بها نبينا ﷺ في غزوة الخندق، حيث فعلت بقريش العجائب، فارتدوا على أعقابهم خاسئين، كما ستقف عليه في سورة (الأحزاب) إن شاء الله تعالى، وأن ريح الدّبور أهلك الله بها قوم عاد، ونبيهم هود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كما رأيت في سورة (الأعراف)، وسورة (هود) وغيرهما. هذا؛ ولا تنس: أن الريح تفسر بالدولة، والقوة، قال تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: دولتكم وقوتكم، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح، وهبوبها، يقال: هبت رياح بني فلان: إذا دانت لهم الدولة، ونفذ أمرهم. وتقول: الريح لفلان: إذا كان غالبا في الأمر. قال الشاعر: [الوافر] إذا هبّت رياحك فاغتنمها... فإنّ لكلّ خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها... فما تدري السّكون متى يكون؟ فعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرّيح من روح الله تعالى، تأتي بالرّحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها؛ فلا تسبّوها، واسألوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها». رواه الشافعي بطوله، وأخرجه أبو داود في المسند عنه. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: «إنّ الرّياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي القاصف، والعاصف، والصّرصر، والعقيم. وأربع منها رحمة، وهي: النّاشرات، والمبشّرات، والمرسلات، والذّاريات». الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(مِنْ آياتِهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُرْسِلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله تعالى. ﴿الرِّياحَ:﴾ مفعول به. ﴿مُبَشِّراتٍ:﴾ حال من الرياح منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن

стр. 4683

الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿أَنْ يُرْسِلَ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (ليذيقكم): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الله تعالى، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على: معنى مبشرات؛ إذ التقدير: ليبشركم وليذيقكم، أو هما متعلقان بمحذوف، التقدير: وأرسلها (ليذيقكم). هذا؛ وأجيز اعتبار الواو صلة، فيتعلقان حينئذ بالفعل ﴿يُرْسِلَ﴾ والأول أقوى، وهو ما في «مغني اللبيب». ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وقوله تعالى: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق، وأيضا ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ مثله بلا فارق. ﴿وَلَعَلَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها من تعليل. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ: هذا الكلام تسلية لرسول الله ﷺ ، وهو اعتراض بين الكلامين المتصلين، أي في الآية السابقة، والآية اللاحقة. قال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: اعتراض جاء تسلية لرسول الله ﷺ ، وتأنيسا له، ووعدا بالنصر، ووعيدا لأهل الكفر، وحقيّة نصر المؤمنين على الله لا تختص بالدنيا، بل تعم الآخرة أيضا، فما في الآخرة من متناولات الآية. انتهى. جمل. ﴿فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الواضحات، والحجج الدامغات. ﴿فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أي: كفروا، وكذبوا، وقبلها جملة محذوفة؛ أي: فكفروا وكذبوا، فانتقمنا... إلخ. ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا..﴾. إلخ: فيه تعظيم للمؤمنين، ورفع لشأنهم، وتأهيل لكرامة سنية، وإظهار لفضل سابقة، ومزية؛ حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم تفضلا منه، مستوجبين عليه أن يظهرهم، ويظفرهم، تكرما منه. وفيه من التبشير للبشير النذير ﷺ بالظفر، والنصر على الأعداء. هذا؛ وقد عد محمد علي الصابوني-جزاه الله خيرا-في كتابه: «التبيان في علوم القرآن» من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم: الوفاء بالوعد في كل ما أخبر عنه، وفي كل ما وعد الله عباده به. قال: وهذا الوعد ينقسم إلى قسمين: وعد مطلق، ووعد مقيد، فالوعد المطلق كوعده بنصر رسوله، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه، ونصر المؤمنين على الكافرين، وقد

стр. 4684

تحقق ذلك كله، وذكر مطلع سورة الفتح، وسورة النصر بكاملها، والآية رقم [٥١] من سورة (غافر): ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا..﴾. إلخ ثم قال: ومن الوعد المطلق قوله جل ثناؤه: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقد تحقق نصر المؤمنين في مواطن عديدة: في بدر، والأحزاب، وحنين، وغير ذلك من المعارك العظيمة، التي شهدها تاريخ الإسلام، وذكر آيات من سورة (الأنفال) ثم قال: ومن الوعد المطلق قوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ الآية رقم [٥٥] من سورة (النور)، ومن الوعد المطلق أيضا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ..﴾. إلخ رقم [٣٣] من (التوبة) ورقم [٢٨] من سورة (الفتح)، ورقم [٩] من سورة (الصف). أما الوعد المقيد فهو ما كان فيه شرط، كشرط التقوى، أو شرط الصبر، أو شرط نصرة دين الله، وما شابه ذلك، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ رقم [٧] من سورة (محمد) ﷺ ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ رقم [٢ و ٣] من سورة الطلاق، وبعدها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً،﴾ وقد وعد المؤمنين بالنصر بشرط الصبر، كما قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٦٥]: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ..﴾. إلخ. انتهى. بتصرف كبير مني، وانظر شرح هذه الآيات في محالها. هذا؛ وإذا كان الواحد القهار قد تعهد بنصر المؤمنين الصادقين؛ فالواجب على المؤمنين أن ينصر بعضهم بعضا في جميع أنحاء الدنيا بما يقدر عليه، ولو بالتأييد باللسان في المؤتمرات العالمية، والدولية، ومن ذلك الدفاع عنه، ونصره في غيبته؛ إذا تعرض أحد للطعن في عرضه، وجرح كرامته. وخذ ما يلي: فعن أبي الدرداء-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من ردّ عن عرض أخيه؛ ردّ الله عن وجهه النّار يوم القيامة». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وفي رواية أخرى: «من ذبّ عن عرض أخيه ردّ الله عنه عذاب النّار يوم القيامة»، وتلا ﷺ قوله تعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وعن جابر بن أبي طلحة الأنصاري-﵃-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه؛ إلاّ خذله الله في موطن يحبّ فيه نصرته. وما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته؛ إلاّ نصره الله في موطن يحبّ فيه نصرته». رواه أبو داود. وينبغي أن تعلم: أن نصر الله إنما هو للمؤمنين الصادقين، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فوقفوا عند حدوده، فعملوا بأحكام كتابه، واهتدوا بهدي نبيه. وأكد هذا المعنى في الآية رقم [٥١] من سورة (غافر) حيث قال: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ وقد تجلى هذا النصر للمؤمنين الصادقين في عهد النبي ﷺ ، وفي عهد خلفائه الراشدين وما

стр. 4685

بعدهم، والتاريخ شاهد صادق على ذلك، أما بعد أن أهمل المسلمون العمل بكتابه تعالى، ونبذوا الاهتداء بهدي نبيه ﷺ ، وفسدوا، وفجروا، فقد رفع الله عنهم عونه، ولم ينصرهم في حربهم مع أعدائهم، قد يقول قائل: إن الأمة لا تخلو من مؤمنين صادقين، والجواب هو ما تضمنته الآية رقم [٢٥] من سورة (الأنفال): ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. فعن عبد الله بن عمر-﵄، قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنّ! لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ؛ حتّى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطّاعون، والأوجاع؛ الّتي لم تكن مضت في أسلافهم؛ الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال، والميزان؛ إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدة المئونة، وجور السّلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلاّ منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلاّ سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيّرون فيما أنزل الله؛ إلاّ جعل الله بأسهم بينهم». رواه ابن ماجة، ورواه الحاكم بنحوه من حديث بريدة وقال: صحيح على شرط مسلم. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رُسُلاً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿رُسُلاً:﴾ مفعول به. ﴿إِلى قَوْمِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿رُسُلاً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام معترض، لا محل له. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة). ﴿فَجاؤُهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (جاءوهم): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَانْتَقَمْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انتقمنا): فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وهناك جملة محذوفة، التقدير: فكذبوهم فانتقمنا... إلخ. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَجْرَمُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿حَقًّا:﴾ خبرها، تقدم على اسمها. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿حَقًّا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿نَصْرُ:﴾ اسم (كان) مؤخر، و (نصر) مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة... إلخ، هذا هو الإعراب الظاهر، والمتبادر، وهو المعتمد. هذا؛ وأجيز اعتبار اسم

стр. 4686

(كان) ضميرا مستترا، التقدير: وكان الانتقام حقا، ومن أجاز هذا يجيز الوقف على: ﴿حَقًّا﴾. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿نَصْرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليل للانتقام، كما أجيز اعتبار اسم (كان) ضميرا، و: ﴿حَقًّا﴾ مفعولا مطلقا، والجملة الاسمية: ﴿عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وتكون الجملة المؤلفة من حقا وفعله المحذوف معترضة بين اسم (كان) المستتر وخبرها، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ:﴾ على جميع حالاتها، وانظر الآية رقم [٤٦] وقرئ في الآيتين بالإفراد، والجمع. قال أبو عمرو: كل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحد. ﴿فَتُثِيرُ سَحاباً:﴾ تحركه وتهيجه، قال تعالى في سورة (النور) رقم [٤٣]: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً﴾ أي: يسوق، ويجري إلى حيث يشاء، والسحاب: الغيوم التي تراها العيون في السماء، وهو واحد في اللفظ، ولكن معناه جمع. وقيل: السحاب اسم جنس، واحده سحابة، فلذلك وصف بالجمع، وهو: (الثقال) في آية الرعد، وتجمع السحابة على: سحاب، وسحائب، وسحب. وهو غربال الماء، قاله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. هذا؛ وقيل: السحاب: الغيم فيه ماء، أو لم يكن فيه ماء، ولهذا قيل: سحاب جهام، وهو الخالي من الماء. وأصل السّحب: الجر، وسمي السحاب سحابا إما لجر الريح له، أو لجره الماء، أو لانجراره في سيره، ووصفه الله بالثقال في الآية رقم [١٢] من سورة (الرعد) فقال جل ذكره: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ لثقله بالماء الذي يحمله إلى حيث شاء الله الخلاق العظيم. ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ:﴾ ينشره متصلا بعضه ببعض، أي: ينشره كمال الانتشار، وإلا فأصل الانتشار موجود في السحاب دائما، والمراد بالسماء: جهتها، أي: جهة العلو، وليس المراد حقيقة السماء المعروفة. ﴿كَيْفَ يَشاءُ:﴾ من قلة وكثرة، ومن سير تارة، ووقوف أخرى، مطبق، وغير مطبق، متراكم، وغير متراكم، من جهة دون جهة، وغير ذلك. ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً:﴾ قطعا متفرقة، ويقرأ بفتح السين، وسكونها، فهو جمع: كسفة، وفي القاموس: الكسفة بالكسر: القطعة من الشيء، والجمع كسف، وكسف، وجمع الجمع: أكساف، وكسوف، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٧] من سورة (الشعراء) فإنه جيد. ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ أي: من وسطه، وهو مخارج القطر، ولولا السحاب حين ينزل المطر من السماء؛ لأفسد ما يقع عليه من الأرض، وهذا يفيد: أن المطر ينزل من خزائن الله

стр. 4687

تعالى، وينفي أن يكون من البحر كما يقول الدهريون والعصريون في هذا الزمن، وفي ﴿الْوَدْقَ﴾ قولان: أحدهما: أنه البرق، قاله الأشهب العقيلي، ومنه قول الشاعر: [الوافر] أثرن عجاجة وخرجن منها... خروج الودق من خلل السّحاب الثاني: أنه المطر، قاله الجمهور، قال امرؤ القيس: [الطويل] فدمعهما ودق وسحّ وديمة... وسكب وتوكاف وتنهملان وقال عامر بن جوين الطائي: [المتقارب] فلا مزنة ودقت ودقها... ولا أرض أبقل إبقالها ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر. ﴿مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ يعني: بلادهم، وأراضيهم، وزروعهم. ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ:﴾ بنزول المطر، فيفرحون، ويؤملون الخصب بسببه. ﴿اللهُ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم؛ الذي إذا دعي به؛ أجاب، وإذا سئل به؛ أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل أحد تسمى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا. «ترى» ماضيه: رأى، وقياس المضارع ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته كما في قول سراقة بن مرداس البارقي، وهو الشاهد رقم [٥٠٤] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الوافر] أري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات وربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ و ﴿إِذا رَأَيْتَ:﴾ «(أرأيتكم)» «(أرأيت)» بدون همز وقال الشاعر: [الخفيف] صاح هل ريت أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟ وإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال ترى: أصله: ترأي قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف. ﴿أَصابَ:﴾ يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم، يصيب: لم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه: أتى بالصواب، وأصاب فلانا البلاء، يصيبه: وقع عليه، وأصابهم المطر في هذه الآية: نزل عليهم. هذا؛ وأصاب: قصد، وأراد، قال تعالى في سورة (ص)

стр. 4688

رقم [٣٦]: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ قاله مجاهد. والعرب تقول: أصاب الصواب وأخطأ الجواب. قاله ابن الأعرابي، وقال الشاعر: [المتقارب] أصاب الكلام فلم يستطع... فأخطا الجواب لدى المفصل أي: أراد الكلام، والمضارع: يصيب، وإعلاله مثل: يقيمون في الآية رقم [٣] من سورة (النمل). هذا؛ ويشاء: ماضيه: شاء فلم يرد له أمر، ولا ل: أراد فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل شاء: شئ على فعل بكسر العين، بدليل: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول: أراد؛ حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل] فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو» وليس كذلك. الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يُرْسِلُ:﴾ فعل مضارع والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الرِّياحَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَتُثِيرُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تثير): فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى الرياح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿سَحاباً:﴾ مفعول به. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله تعالى، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: كيف يشاء بسطه. والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، التقدير: فيبسطه في السماء في الحالة التي يشاؤها، وجملة: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ معطوفة على جملة: (يبسطه...) إلخ لا محل لها أيضا. ﴿فَتَرَى:﴾ الفاء: حرف عطف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْوَدْقَ:﴾ مفعول به. ﴿يَخْرُجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الودق. ﴿مِنْ خِلالِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الودق، والجملة الفعلية: ﴿فَتَرَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. ﴿فَإِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان... إلخ. ﴿أَصابَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، الجملة الفعلية بعدها

стр. 4689

صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذين، أو: ناسا يشاؤهم. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مِنْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَصابَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿فَإِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَإِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة، وهي رابطة لجواب (إذا) الشرطية قبلها، وانظر الآية رقم [٢٥]. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وهو أولى من عطفه على ما قبله. تنبيه: جاء في مغني اللبيب ما نصه: وتستعمل كيف على وجهين: أحدهما: أن تكون شرطا، فيقتضي فعلين متفقي اللفظ، والمعنى: غير مجزومين، نحو: كيف تصنع أصنع، ولا يجوز كيف تجلس أذهب باتفاق، ولا كيف تجلس أجلس بالجزم عند البصريين إلا قطربا لمخالفتها لأدوات الشرط بوجوب موافقة جوابها لشرطها كما مرّ. وقيل: يجوز مطلقا، وإليه ذهب قطرب، والكوفيون. وقيل: يجوز بشرط اقترانها ب: «ما» قالوا: ومن ورودها شرطا: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾. ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾. ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ وجوابها في ذلك كله محذوف لدلالة ما قبلها، وهذا يشكل على إطلاقهم: أن جوابها يجب مماثلته لشرطها. وقد استدرك بعض المعلقين على المغني، فقال: أجاب بعضهم بأنه يمكن أن يقدر الجواب موافقا للشرط بأن يقدر الجواب فعل مشيئة متعلق بالفعل السابق، وهو دال عليه؛ لأن الفعل الاختياري، يستلزم المشيئة، والأصل: كيف يشاء أمرا يشاء التصوير في الأرحام، كيف يشاء أمرا يشاء الإنفاق. كيف يشاء أمرا يشاء بسطه. غاية الأمر: أن متعلق الفعلين مختلف، وهذا جواب بعيد؛ لأنهم قالوا: لدلالة ما قبلها؛ لأن المتبادر: أنه دال على الجواب، وعلى دفع الإشكال، فيكون ما قبلها دالا على متعلق جوابها، لا على نفس جوابها، وقد علمت دفع هذا بأن الفعل الاختياري، وهو الفعل الواقع قبلها يستلزم المشيئة، وهو الجواب المحذوف. ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: المطر. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ من قبل نزول المطر، وهذا من باب التكرير، والتوكيد لما قبلهما، ومعنى التوكيد فيهما: الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول، وبعد، فاستحكم بأسهم، وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اهتمامهم بذلك. وقيل: الضمير للمطر أو للسّحاب، أو الإرسال، والمعتمد الأول. ﴿لَمُبْلِسِينَ:﴾ لآيسين من رحمة الله تعالى مكتئبين، قد ظهر الحزن عليهم، لاحتباس المطر عنهم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢].

стр. 4690

الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. وفسرها الجلال تبعا للبغوي ب: «قد» ولا وجه له، ويدل للأول اللام في: ﴿لَمُبْلِسِينَ،﴾ فإنها الفارقة. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللام إذا ما تهمل ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ جار ومجرور، متعلقان ب: (مبلسين): ﴿أَنْ يُنَزَّلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿إِنْ،﴾ وهما في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المطر المفهوم من ﴿الْوَدْقَ﴾. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ توكيد لما قبلهما هذا على اعتبار الضمير عائدا على المطر. وقيل: عائد على السحاب، أو على الريح، أو على الكسف، فيكونان متعلقين بالفعل: ﴿يُنَزَّلَ﴾ على هذه الاعتبارات، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَمُبْلِسِينَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي، والإثبات، أي: اعتبار (إن) مخففة كما رأيت. (مبلسين): خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: (إن كانوا...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿فَانْظُرْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ويعم كل إنسان يعقل من بني آدم، فيكون المعنى: انظروا نظر استبصار، واستدلال، لا نظر عمى، وإهمال. أي: انظروا على أن من قدر على ذلك قادر على إحيائكم وبعثكم بعد موتكم. ﴿إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ أي: أثر المطر المعبر عنه بالرحمة كيف يتسبب عنه النبات، والأشجار، وأنواع الثمار. وهذا ما يسمى بالمجاز المرسل علاقته الحالية. هذا؛ ويقرأ: «(أثر)» بالإفراد وبالجمع أيضا. ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي: يبسها، وجدبها؛ إذ موتها حين تكون يابسة لا نبات فيها شبيهة بالميت، وإحياؤها يكون بنزول المطر عليها، والفاعل يعود إلى (الله)، ويقرأ الفعل بالتاء على عود الفاعل إلى رحمة الله. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ أي: القادر على إحياء الأرض بعد موتها. ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتى:﴾ لقادر على إحياء الأموات من البشر يوم القيامة، فإنه إحداث لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى، كما أن إحياء الأرض إحداث لمثل ما كان فيها من القوى النباتية. هذا؛ ومن المحتمل أن يكون من الكائنات الراهنة ما يكون من مواد ما تفتت، وتبددت من جنسها في بعض الأعوام السالفة انتهى. بيضاوي. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ لا يعجزه شيء؛ لأن نسبة قدرته إلى جميع الممكنات على سواء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 4691

الإعراب: ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفاء الفصيحة إن أردت اتصال الكلام بسابقة؛ (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فانظر... إلخ، والكلام لا محل له على الاعتبارين. ﴿إِلى آثارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿آثارِ﴾ مضاف، و ﴿رَحْمَتِ﴾ مضاف إليه، و ﴿رَحْمَتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿يُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، أو إلى المطر المفهوم مما تقدم، أو تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿رَحْمَتِ اللهِ،﴾ انظر الشرح. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَيْفَ يُحْيِ..﴾. إلخ في محل نصب حال، التقدير: ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ محيية للأرض بعد موتها، أو هي في محل نصب مفعول به ل: (انظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. هذا؛ ويجوز اعتبار الجملة في محل جر بدل من: ﴿آثارِ رَحْمَتِ اللهِ،﴾ فيكون التقدير: فانظر إلى آثار رحمة الله كيفية إحياء الأرض بعد موتها، ومثله ما نسب للفرزدق: [الطويل] إلى الله أشكو بالمدينة حاجة... وبالشّام أخرى كيف يلتقيان؟! وهذا هو الشاهد رقم [٣٧٣] من كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَمُحْيِ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (محيي): خبر: ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهو مضاف، و ﴿الْمَوْتى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة أيضا لا محل لها. ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾ الشرح: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً﴾ أي: الدبور العقيم. ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا:﴾ فرأوا أثر رحمة الله؛ لأن رحمة الله هي الغيث، وأثرها النبات، فالضمير المنصوب يعود إلى النبات. وقيل: يعود إلى الريح، والريح تذكر كما رأيت في الآية رقم [٤٦] واصفرارها عقمها. وقيل: يعود إلى السحاب، وإذا كان مصفرا لا يمطر. والأول هو المعتمد.

стр. 4692

﴿لَظَلُّوا﴾ أي: ليظلّنّ، وحسن وقوع الماضي في موضع المستقبل؛ لما في الكلام من معنى المجازاة، والمجازاة لا تكون إلا في المستقبل. قاله الخليل، وغيره، ومعنى: (ظلوا) بقوا، وثبتوا على كفرهم، فليس المراد التوقيت في النهار، بل المراد من الفعل الاستمرار، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وهو يفيد: أنه بمعنى المستقبل، وهو مفاد كلام ابن هشام في المغني. هذا؛ وظلوا: أصله ظللوا، فسكنت اللام الأولى بعد إسقاط حركتها، وأدغمت في الثانية، وذلك كراهة أن يجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد في كلمة واحدة، وهذا يطّرد في كل مضعف، مثل: مدّوا، وشدّوا، فإذا اتصل به ضمير متحرك؛ وجب الفك، مثل قولك: ظللت ومددنا، وشددن، وتقول: ظللت أفعل ذلك، وظللت أفعله، وظلت أفعل ذلك وظلت أفعله: إذا كنت تفعله نهارا، وقد قرئ قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ بقراءات ثلاث. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وهذه الآيات ناعية على الكفار بقلة تثبتهم، وعدم تدبرهم، وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم، وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله، ويلتجئوا إليه بالاستغفار؛ إذا احتبس القطر عنهم، ولا ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر، والاستدامة بالطاعة؛ إذا أصابهم برحمته، ولم يفرطوا في الاستبشار، وأن يصبروا على بلائه؛ إذا ضرب زروعهم بالاصفرار، ولا يكفروا نعمه. انتهى. ولكنهم عكسوا الأمر، وأبوا ما يجديهم، وأتوا ما يرديهم. الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا): فاعله. ﴿رِيحاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَرَأَوْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (رأوه): فعل ماض، مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مُصْفَرًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَظَلُّوا:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (ظلوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (ظلوا)، وجملة: ﴿لَظَلُّوا..﴾. إلخ جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم والقسم، وجوابه، والشرط أيضا كله كلام مستأنف لا محل له.

стр. 4693

﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى..﴾. إلخ: أي: وضحت الحجج يا محمد! لكنهم لإلفهم تقليد الأسلاف في الكفر ماتت عقولهم، وعميت بصائرهم، فلا يتهيأ لك إسماعهم، وهدايتهم، وهذا رد على القدرية. انتهى. قرطبي. وقال الجمل: تعليل لمحذوف، أي: لا تجزع، ولا تحزن على عدم إيمانهم، فإنهم موتى صم عمي، ومن كان كذلك لا يهتدي. انتهى. وأقول: الخطاب للنبي ﷺ ، ويعم كل عاقل من بني آدم، والمعنى: لما كان الكفار لا يفهمون ما يسمعون، ولا به ينتفعون؛ شبهوا بالموتى، وهم أحياء صحاح الحواس، وبالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون، وبالعمي حيث يضلون الطريق، ولا يقدر أحد أن ينتزع ذلك عنهم، ويجعلهم هداة بصراء إلا الله تعالى، ثم أكد حال الصم بقوله: ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ؛﴾ لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبرا؛ كان أبعد عن إدراك صوته، وإذا كان مقبلا، وإن لم يسمع الكلام؛ تفطن منه بواسطة الحركات شيئا. هذا؛ وأقول أيضا: إن الله تعالى قال عن الكافرين في سورة (البقرة): ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وهم لم يكونوا في الحقيقة كذلك، ولكن المعنى: هم صم عن سماع الحق، وهم خرس عن النطق بالحق، وهم عمي عن طريق الحق، فلا يهتدون. وهذا تكرر في القرآن الكريم، وآية (الأعراف) رقم [١٧٨] ذكرت: أن لهم قلوبا؛ ولكن لا يفقهون بها، وأن لهم أعينا؛ ولكن لا يبصرون بها طريق الخير، والهدى، وأن لهم آذانا؛ ولكن لا يسمعون بها الحق سماع قبول، وتدبر. هذا؛ والموتى جمع ميت، ويجمع على: أموات أيضا، وكلاهما جمع تكسير، ويجمع جمع سلامة أيضا: ميتون، قال تعالى لحبيبه وصفيه محمد ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وانظر الآية رقم [١٩] تجد ما يسرك. الإعراب: ﴿فَإِنَّكَ:﴾ الفاء: حرف تعليل، وتفريع. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: «الدعاء»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: (إنك...) إلخ تعليل لمحذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿تُسْمِعُ﴾. ﴿وَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿مُدْبِرِينَ:﴾ حال من واو

стр. 4694

الجماعة، وهي حال مؤكدة منصوبة، علامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، واعتبار ﴿إِذا﴾ شرطية بعيد، ولا يؤيده المعنى، وينبغي أن تعلم: أنّ الآية الكريمة قد ذكرت بحروفها كاملة في الآية رقم [٨٠] من سورة (النمل). ﴿وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿وَما أَنْتَ:﴾ يا محمد. ﴿بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أي: عمى البصيرة، لا عمى البصر، والمعنى: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى، وأعمى قلبه عن الإيمان. سماهم الله عميا؛ لفقدهم المقصود الحقيقي من الإبصار. ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا:﴾ لا تسمع سماع قبول وتدبر إلا من يؤمن، ويصدق بالقرآن: أنه منزل من عند الله تعالى. ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ:﴾ مخلصون. من قوله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ أي: جعله خالصا سالما لله تعالى؛ أي: لا رياء فيه، ولا حب محمدة، وسمعة، وقد راعى معنى ﴿مَنْ﴾ حيث جمع الضمير، وراعى لفظها بفاعل يؤمن. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِهادِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (هادي): خبر (ما)، مجرور لفظا منصوب محلا، وهو مضاف، و ﴿الْعُمْيِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (هادي)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿تُسْمِعُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف بمعنى «ما». ﴿تُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والمفعول الأول محذوف، التقدير: ما تسمع الدعاء إلا من. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ لا محل لها. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ تُسْمِعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها كاملة برقم [٨١] من سورة (النمل).

стр. 4695

﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ الشرح: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ أي: بدأكم، وأنشأكم من ضعف، كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾. وقيل: من ماء ذي ضعف، وهو النطفة، والمعبر عنها بكثير من الآيات: ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ وقيل: هو إشارة إلى أحوال الإنسان المختلفة، كان جنينا، ثم طفلا مولودا، ومفطوما، فهذه أحوال غاية الضعف. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ أي: حال الشباب، وبلوغ الأشد. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ أي: بياض الشعر الأسود، ويحصل أوله في الغالب في السنة الثالثة والأربعين، وهو أول سن الاكتهال، والأخذ في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين، وهو أول سن الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ ومثله في الآية رقم [٧٠] من سورة (النحل). ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ:﴾ من ضعف، وقوة، وشيبة، وشبيبة. ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ:﴾ بتدبيره أمور خلقه. ﴿الْقَدِيرُ:﴾ القادر المقتدر على تغيير أحوال خلقه، وهذا الترديد في الأحوال أبين دليل على الصانع العليم القدير، وخذ هذين البيتين رحم الله قائلهما: [البسيط] ما أنت إلاّ كزرع عند خضرته... لكلّ شيء من الآفات مقصود فإن سلمت من الآفات أجمعها... فأنت من بعد ذا لا بدّ محصود هذا؛ ويقرأ بفتح الضاد في جميعها، وقرئ بالضم، وهو أقوى. قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. قال عبد الله بن عمر-﵄: قرأتها على رسول الله ﷺ ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ فأقرأني «(من ضعف)» وهما لغتان كالعقر، والعقر. وقيل: الضعف بالفتح في الرأي، وبالضم في الجسد، ومنه الحديث في الرجل الذي كان يخدع في البيوع: «أنه يبتاع وفي عقدته ضعف» أي: في رأيه، ونظره في مصالح نفسه. هذا؛ والشيبة، والشيب: بياض الشعر، والمشيب: عبارة عن الحيوان في زمان تكون قوته فيه غير غريزية، أما الشباب فهو الزمن الذي تكون فيه حرارة الحيوان الغريزية مشبوبة؛ أي: قوية مشتعلة. هذا قول الأصمعي، وقال الجوهري: الشيب، والمشيب بمعنى واحد. الإعراب: ﴿اللهُ الَّذِي:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ ضَعْفٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان
следующие страницы →