← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

منهم: مجاهد، وقتادة، وغيرهم إلى أنهم: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين-﵃ أجمعين-. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ..﴾. إلخ ولو كان للنساء خاصة لقال: «عنكنّ، ويطهركنّ» إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على لفظ الأهل، كما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ أي: امرأتك، ونساؤك. فيقول: هم بخير، قال تعالى: ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. الآية رقم [٧٣] من سورة (هود). والذي يظهر من الآية: أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج، وغيرهم، وإنما قال: (يطهركم) لأن رسول الله ﷺ ، وعليا، وحسنا، وحسينا كانوا فيهم، وإذا اجتمع المذكر، والمؤنث؛ غلّب المذكر، فاقتضت الآية: أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن، والمخاطبة لهن، يدل عليه سياق الكلام. والله أعلم، وأجل، وأكرم. وخذ ما يلي: عن عائشة-﵂-قالت: خرج النبي ﷺ ذات غداة، وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجلس، فأتت فاطمة، فأدخلها فيه، ثم جاء عليّ فأدخله فيه، ثم جاء الحسن، فأدخله فيه، ثم جاء الحسين، فأدخله فيه، ثم قال: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾. أخرجه مسلم. المرط: الكساء، والمرحل: بالحاء المنقوش عليه صور الرحال، وبالجيم: المنقوش عليه صور الرجال. وعن أم سلمة-﵂-قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتي، فدعا رسول الله ﷺ عليا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا، فدخل معهم تحت كساء خيبري، وقال: «هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا». فقالت أم سلمة-﵂: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: «أنت على مكانك، أنت على خير، أنت من أزواج النبيّ». أخرجه الترمذي. هذا؛ وبعد وفاة أزواج النبي ﷺ ثبت لقب «أهل البيت» على أولاد فاطمة، ﵂. الإعراب: ﴿وَاذْكُرْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكرن): فعل أمر مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ لا محل لها. ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما﴾ و ﴿آياتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْحِكْمَةِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَاذْكُرْنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿لَطِيفاً:﴾ خبر أول. ﴿خَبِيراً:﴾ خبر ثان، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 4867

﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥)﴾ الشرح: روي: أن أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله! ذكر الله الرجال في القرآن، ولم يذكر النساء بخير، فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة! فأنزل الله هذه الآية. وروي أن أم عمارة الأنصارية-﵂-قالت: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: ما لي أرى كل شيء إلى الرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء؟! فنزلت الآية أخرجه الترمذي. وروي: أنه لما نزل في نساء النبي ﷺ الآيات السابقة قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء. فنزلت الآية، وهذا أولى بالاعتبار، فذكر الله لهن عشر مراتب مع الرجال، فمدحن بها معهم. الأولى: الإسلام، وهو: الاستسلام الظاهر لما أمر الله به، وحث عليه رسوله ﷺ ، وعرف من الدين بالضرورة. الثانية: الإيمان، وهو التصديق بما جاء به رسول الله ﷺ ، وعرف من الدين بالضرورة. فإن قلت: لم عطف الإيمان على الإسلام؛ مع أنهما متحدان شرعا؟ فالجواب: ليسا بمتحدين مطلقا؛ بل متحدان ما صدقا لا مفهوما، أخذا من الفرق بين الإسلام، والإيمان الشرعيين؛ إذ الإسلام الشرعي هو التلفظ بالشهادتين بشرط تصديق القلب بما جاء به النبي ﷺ ، والإيمان الشرعي عكس ذلك، ويكفي في العطف المقتضي للاختلاف اختلافهما مفهوما، وإن اتحدا ما صدقا، وفي اتحادهما يقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وبعبارة، أوضح: قد يوجد إسلام، ولا يوجد إيمان. ودليل هذا: أن الإسلام هو النطق بالشهادتين والانقياد الظاهري بالجوارح، وذلك يكون بأداء الصلاة، وغيرها من أعمال الإسلام، أما الإيمان فمحله القلب، وهو الاعتقاد الجازم بوجود أمور أجاب عنها الرسول ﷺ حينما سأله جبريل الأمين-﵇-عن الإيمان، فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر: خيره، وشره من الله تعالى». ولذا رد الله دعوى أقوام الإيمان بقوله: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٤] من سورة (الحجرات)، ثم بين حقيقة الإيمان، وحقيقة المؤمنين الصادقين في الآية التالية لها رقم [١٥] بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ وجملة القول: إن بينهما عموما،

стр. 4868

وخصوصا من وجه، فقد يوجد إسلام، ولا يوجد إيمان، وأما الإيمان فلا يمكن وجوده إلا بوجود الإسلام، فالإسلام قد يوجد عند المنافقين؛ الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأما الإيمان فلا يوجد إلا عند المسلمين المؤمنين الصادقين في إيمانهم؛ الذين قال الله فيهم: ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾. جعلنا الله منهم، ووفقنا للسير على طريقتهم. ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ:﴾ والمطيعين، والمطيعات. هذا؛ والقنوت: الطاعة، والخضوع، والدعاء، والتذلل بين يدي الله تعالى. ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ﴾ أي: في الأقوال، والأعمال، والنيات، وقد حث النبي ﷺ على الصدق، وحذر من الكذب، فقال: «عليكم بالصّدق، فإنّ الصدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرّى الصدق؛ حتى يكتب عند الله صدّيقا، وإيّاكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرّجل يكذب، ويتحرّى الكذب؛ حتّى يكتب عند الله كذّابا». رواه البخاري، ومسلم عن عبد الله بن مسعود، ﵁. واعتبر الكذب من علامات النفاق؛ فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاري، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلى، وصام، وحج، واعتمر. وقال: إني مسلم». ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ:﴾ على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى أنواع البلاء، كما رأيت في الآية رقم [٢٤] من سورة (السجدة). ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ﴾ أي: في الصلاة، فهو لبها، وجوهرها. وقال ابن عباس-﵄-في تفسير قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ أي: مخبتون أذلاء متواضعون. هذا؛ والخشوع في الصلاة يكون في القلب وفي الجوارح، أما خشوع القلب: فهو الخوف من الله، وحضوره معه حينما يقول: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وملاحظة: أنه بين يديه تعالى في جميع حركاته، وسكناته. وأما خشوع الجوارح؛ فعدم الالتفات في الصلاة، وعدم رفع البصر إلى السماء، وعدم العبث بشيء من جسده، وثيابه، فقد روي: أن النبي ﷺ أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا؛ لخشعت جوارحه». ذكره البغوي بغير سند، وانظر ما ذكرته في صدر سورة (المؤمنون) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ﴾ أي: المنافقين، والمنفقات المال فرضا، وتطوعا كلما دعاهم داع إلى بذل المال. ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾ أي: شهر رمضان، وما ندب الرسول ﷺ إلى صومه، كصوم الاثنين، والخميس من كل أسبوع، والعشر الأول من ذي الحجة، وغير ذلك مما ورد الترغيب في صومه.

стр. 4869

﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ:﴾ عما لا يحل، من الزنى، وغيره. ﴿وَالْحافِظاتِ:﴾ فروجهن عما لا يحل، من الزنى وغيره. ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ أي: الله كثيرا، وهذا يفيد: أن كل عبادة لها أول، ولها آخر إلا الذكر فإنه لا يقف عند حد، وخذ ما يلي: عن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذّهب، والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟!». قالوا: بلى. قال: «ذكر الله». قال معاذ بن جبل: ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله. رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم، والبيهقي. وعن ابن عباس-﵄-أن النبي ﷺ قال: «أربع من أعطيهنّ؛ فقد أعطي خيري الدنيا والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها، وماله». رواه الطبراني، وهذا قليل من كثير مما ورد في فضائل الذكر. وانظر الآيتين رقم [٤١ و ٤٢] الآتيتين. ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ:﴾ فيه تغليب الذكور على الإناث، وحذف مقابلة لدلالة الأول عليه، التقدير: أعد الله لهم ولهن. ﴿مَغْفِرَةً:﴾ لما اقترفوا من الذنوب الصغائر؛ لأن ما ذكر من الصفات يكفرها، أما الكبائر؛ فلا بد لغفرانها من التوبة النصوح المقترنة بشروطها. ﴿وَأَجْراً عَظِيماً:﴾ التنكير يدل على أن هذا الأجر لا يدرك كنهه أحد، ولا يحيط به علم مخلوق. فائدة: قال عطاء بن أبي رباح-﵁: من فوض أمره إلى الله؛ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾. ومن أقر بأن الله ربه، ومحمدا رسوله، ولم يخالف قلبه لسانه؛ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾. ومن أطاع الله في الفرض، والرسول في السنة، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ﴾. ومن صان قوله عن الكذب؛ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ﴾. ومن صبر على الطاعة، وعن المعصية، وعلى الرزية، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ﴾. ومن صلّى، فلم يعرف من على يمينه، ومن على شماله، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ﴾. ومن تصدّق في كل أسبوع بدرهم؛ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ﴾. ومن صام في كل شهر أيام البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾. ومن حفظ فرجه عما لا يحل فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ﴾. ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾. انتهى. خازن، ولا تنس: أن «ال» في هذه الأسماء بمعنى:

стр. 4870

«الذي» فإن التقدير: والذين يديمون التصدق، والذين يديمون الصيام، والذين يتصدقون، والذين يصومون، والذين يحافظون... إلخ. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُسْلِمِينَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْمُسْلِماتِ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وفاعله مستتر فيه، وما بعد هذين الاسمين معطوف عليهما، والإعراب مثلهما بلا فارق، وحذف متعلق بعض هذه الأسماء لدلالة المقام عليه. ﴿فُرُوجَهُمْ:﴾ مفعول به عامله ما قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وحذف مفعول (الحافظات) لدلالة الأول عليه. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم عامله ما قبله. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ذكرا كثيرا، وحذف ما بعد (الذاكرات) لدلالة ما قبله عليه. ﴿أَعَدَّ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهَ:﴾ فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَغْفِرَةً﴾ مفعول به. ﴿وَأَجْراً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَعَدَّ اللهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: ما صح، وهذا التعبير: ﴿وَما يَنْبَغِي﴾ ونحوهما معناه: الحظر والمنع، فتجيء لحظر الشيء، والحكم بأنه لا يجوز كما في هذه الآية، وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلا، كقوله تعالى في سورة (النّمل): ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ الآية رقم [٦٠]. وربما كان العلم بامتناعه شرعا، كقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٧٩]: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٥١]: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ وربما كان في المندوبات، كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك صلاة الصبح، والعشاء في الجماعة، ونحو ذلك. ﴿إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ أي: قضى رسول الله ﷺ ، وذكر الله لتعظيم أمره، والإشعار بأن قضاءه قضاء الله، فهو مثل قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾. ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ:﴾ أن يختاروا من أمرهم ما شاءوا؛ بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، واختيارهم تلوا لاختياره. هذا؛ والفعل ﴿يَكُونَ﴾ يقرأ بالياء، والتاء؛ لأن الخيرة مؤنث مجازي، يجوز فيه التذكير، والتأنيث، والخيرة من: التخير، كالطيرة من: التطير، يستعمل بمعنى المصدر. وهو التخير؛ وبمعنى المتخيّر، كقولهم: محمد خيرة الله من خلقه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٨] من سورة (القصص) تجد ما

стр. 4871

يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وجمع الضمير في ﴿لَهُمُ﴾ وإن كان حقه أن يوحد، أو يثنى؛ لأن المذكورين وقعا تحت النفي، فعمّا كل مؤمن، ومؤمنة، فرجع الضمير إلى المعنى، لا إلى اللفظ. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ يخالف، أوامرهما فيما أمرا به، أو يخالف نهيهما عما نهيا عنه. ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً:﴾ فإن كان العصيان عصيان رد، وامتناع عن القبول؛ فهو ضلال، وكفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر، واعتقاد الوجوب؛ فهو ضلال خطأ، وفسق. وانظر شرح: ﴿ضَلَّ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (لقمان). تنبيه: نزلت الآية الكريمة في زينب بنت جحش الأسدية، وأخيها عبد الله بن جحش، وأمهما أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وذلك: أن النبي ﷺ خطبها لمولاه زيد بن حارثة-﵁-الذي حدثتك عنه في الآية رقم [٤] وكانت قد ظنت: أن النبي ﷺ خطبها لنفسه، فرضيت، فلما علمت: أنه يخطبها لزيد بن حارثة؛ أبت، وقالت: أنا ابنة عمتك يا رسول الله! فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة، وفيها حدة، وكذلك كره أخوها ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ يعني: عبد الله بن جحش ﴿وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني: أخته زينب ﴿إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ يعني: نكاح زيد لزينب. فلما سمعت زينب بذلك وأخوها؛ رضيا، وسلّما، وجعلت أمرها بيد رسول الله ﷺ ، فأنكحها زيدا، ودخل بها، وساق إليها رسول الله ﷺ عشرة دنانير، وستين درهما، وخمارا، ودرعا، وملحفة، وخمسين مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر. انتهى. خازن. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية دليل؛ بل نص في أن الكفاءة لا تعتبر في الأحساب، وإنما تعتبر في الأديان، خلافا لمالك، والشافعي، والمغيرة، وسحنون، وذلك: أن الموالي تزوجت في قريش، تزوج زيد زينب بنت جحش، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير، وزوج أبو حذيفة سالما من فاطمة بنت الوليد بن عتبة، وتزوج بلال أخت عبد الرحمن بن عوف. انتهى. والمعتمد: أن الكفاءة تعتبر في الأحساب أيضا؛ لأن المرأة إذا تزوجت دونها في الحسب، فإنها تترفع على الزوج، ولا تخضع لأوامره، ولا تستجيب لمطالبه، والآية التالية توضح ذلك، أما الزوج إذا تزوج دونه في الحسب برضاه، فلا غضاضة، ولكن الأفضل أن يتزوج مثله لأن الولد يفتخر بأخواله، كما هو معلوم لدى كل إنسان. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِمُؤْمِنٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿مُؤْمِنَةٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرط، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، التقدير: وما كان مستقرا لمؤمن ولا مؤمنة وقت قضاء الله كونه خيرة له في أمره. ويجوز أن

стр. 4872

تكون: ﴿إِذا﴾ شرطية، ويكون جوابها محذوفا مدلولا عليه بالنفي المتقدم. ﴿قَضَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَرَسُولُهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَمْراً:﴾ مفعول به. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: ﴿كانَ﴾. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْخِيَرَةُ:﴾ اسم يكون مؤخر. ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الخيرة، و ﴿أَنْ يَكُونَ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل رفع اسم (كان) مؤخر، وجملة: (ما كان...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْصِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (من). ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولُهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (رسوله): معطوف على ما قبله. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿ضَلالاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿مُبِيناً:﴾ صفة له، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٣٠]. ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٣٧)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ تَقُولُ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ . ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ:﴾ المراد بضمير الغيبة: زيد بن حارثة-﵁-أنعم الله عليه بالإسلام الذي هو أجل النعم. ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أي: بالإعتاق والتبني، فهو متقلب بنعمة الله ونعمة رسوله. ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ:﴾ زينب، ولا تطلقها، وذلك حين أتى النبي ﷺ ، وقال له: إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال له: «ما لك؟ أرابك منها شيء؟». قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعاظم عليّ بشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ:﴾ فلا تطلقها. ﴿وَاتَّقِ اللهَ:﴾ فلا تذمها بنسبتها إلى الكبر، وأذى الزوج. ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ أي: تخفي في نفسك نكاح زينب إن طلقها زيد، وهو الذي يريد الله إظهاره للناس لحكمة يعلمها جلت قدرته ظهرت فيما بعد، وهي إبطال عادة التبني التي كانت شائعة في الجاهلية وصدر الإسلام. ﴿وَتَخْشَى النّاسَ﴾ أي: تخاف من لوم الناس وعلى الأخص

стр. 4873

المنافقين، وتعييرهم، حيث يقولون: تزوج محمد امرأة ابنه زيد. ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ أي: تخافه وتستحيي منه، فهو أحق بالخوف، والحياء منه. فعن عائشة-﵂-قالت: لو كتم رسول الله ﷺ شيئا ممّا أوحي إليه؛ لكتم هذه الآية. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً﴾ أي: حاجته منها، ولم يبق له فيها أرب وتقاصرت همته عنها، وطابت نفسه منها، وطلقها، وانقضت عدتها. وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبني تحل بعد الدخول بها. ﴿زَوَّجْناكَها:﴾ وقرئ: «(زوجتكها)». تنبيه: قال الله تعالى هنا مخاطبا نبيه ﷺ : ﴿وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ،﴾ وقال في الآية رقم [١٣] من سورة (التوبة) مخاطبا المؤمنين: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ،﴾ وقال في الآية رقم [٤٤] من سورة (المائدة): ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن الكريم. هذا؛ والماضي خشي، والمصدر: خشية، والرجل خشيان والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك، أي: أشد خوفا. هذا؛ وقد يأتي الفعل: «خشي» بمعنى: «علم» القلبية، قال الشاعر: [الكامل] ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد قالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. روي: أنها لما اعتدت، قال رسول الله ﷺ لزيد: «ما أجد أحدا، أوثق في نفسي منك! اخطب عليّ زينب». قال زيد-﵁: فانطلقت، وقلت: يا زينب! أبشري! إن رسول الله ﷺ يخطبك، ففرحت، وتزوجها، ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة، وأطعم الناس الخبز، واللحم حتى امتد النهار. وقال أنس ﵁: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي ﷺ ، تقول: زوجكن آباؤكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وقال الشعبي: كانت زينب تقول للنبي ﷺ : إني لأدلّ عليك بثلاث، ما من امرأة من نسائك تدلّ بهن: جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله في السماء، وإن السفير جبريل ﵇، لذا فإن النبي ﷺ ، لما قرأ عليه جبريل ﵇: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ قال: قبلت، فلم يحتج ﵊ إلى وليّ من جهة زينب يتولى إيجاب العقد، ولم يحضر شهودا على ذلك. ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ:﴾ إثم ومؤاخذة. ﴿فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ:﴾ جمع دعي، وهو الابن المتبنى. ﴿إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً:﴾ قضاء الوطر: إدراك الحاجة، وبلوغ المراد منه. ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ:﴾ أمره الذي يريده. ﴿مَفْعُولاً﴾ أي: ماضيا ونافذا، كالذي أراده من زواج النبي ﷺ بزينب، ﵂، والحكمة كانت إبطال عادة التبني؛ التي كانت شائعة في الجاهلية.

стр. 4874

تنبيه: قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي-﵁: كان يقال: زيد بن محمد؛ حتى نزل قوله تعالى: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ فقال زيد: أنا زيد بن حارثة، وحرم عليه أن يقول: أنا زيد بن محمد. فلما نزع عنه هذا الشرف، وهذا الفخر، وعلم الله وحشته من ذلك، شرفه بخصوصية لم يكن يخص بها أحدا من أصحاب النبي ﷺ ، وهي أنه سماه في القرآن، فقال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً﴾ يعني: من زينب، ومن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم؛ حتى صار قرآنا يتلى في المحاريب؛ نوّه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له، وعوض من الفخر بأبوة محمد ﷺ له. ألا ترى إلى قول أبي بن كعب-﵁-حين قال له النبي ﷺ : إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا، فبكى، وقال: أو ذكرت هنالك؟ وكان بكاؤه من الفرح حين أخبر: أن الله تعالى ذكره، فكيف بمن صار اسمه قرآنا يتلى مخلدا لا يبيد، يتلوه أهل الدنيا إذا قرءوا القرآن، وأهل الجنة كذلك أبدا، لا يزال على ألسنة المؤمنين، كما لم يزل مذكورا على الخصوص عند رب العالمين؛ إذ القرآن كلام الله القديم، وهو باق لا يبيد؟! فاسم زيد في هذه الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة، تذكره في التلاوة السفرة الكرام البررة، وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا لنبي من الأنبياء، ولزيد بن حارثة تعويضا من الله تعالى مما نزع منه، وزاد في الآية أن قال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ أي: بالإيمان؛ فدل على أنه من أهل الجنة، علم ذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلة أخرى. انتهى. قرطبي. تنبيه: وهنا يحلو لبعض ضعفاء الإيمان الذين في قلوبهم مرض أن يثيروا الشبهات حول زواج النبي ﷺ بزينب-﵂-فقد زعموا: أن النبي ﷺ رأى زينب، فأحبها ثم كتم هذا الحب، ثم بعد ذلك أظهره، ورغب في زواجها، فطلقها زيد، وتزوجها رسول الله ﷺ . وزعموا: أن العتاب في الآية كان لكتمان حبه لها. وكذبوا، وافتروا: أن النبي ﷺ مر ببيت زيد، وهو غائب، فرأى زينب، فوقع منها في قلبه شيء، فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت زينب تلك التسبيحة، فنقلتها إلى زيد، فوقع في قلبه أن يطلقها؛ حتى يتزوجها الرسول إلى غير ذلك من المزاعم الباطلة التي تلقفها المستشرقون ومن على شاكلتهم من المسلمين المزيفين، وخذ ما يلي: روي عن علي بن الحسين-﵃ أجمعين-: أنه قال: أعلم الله نبيه ﷺ : أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ﴾ عاتبه الله، وقال له: أخبرتك: أني مزوجكها. ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ،﴾ فالذي أخفاه الرسول ليس هو الحب، وإنما أخفى ما أوحى الله إليه من أمر الزواج بها لحكمة عظيمة، هي إبطال عادة التبني. ومحمد ﷺ كان يعرف زينب من الصغر؛ لأنها ابنة عمه،

стр. 4875

وهي لا تحتجب عنه فمن كان يمنعه منها، وكيف يقدّم إنسان امرأة لشخص وهي بكر حتى إذا تزوجها وصارت ثيبا؛ رغب فيها. انتهى. ولكن الحق: أن هذا الزواج كان امتحانا في أوله لزينب وأخيها؛ حيث أكرها على قبول زيد، وفي النهاية كان امتحانا قاسيا للنبي ﷺ حيث يؤمر به، ويعلم نهايته، وزينب تحت مولاه زيد. والحكمة هي ما ذكرته من إبطال عادة التبني، وهكذا تبطل مزاعم المفترين على عصمة الرسول ﷺ . والله ولي التوفيق. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. وقيل: حرف عطف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت... إلخ، وأجيز اعتباره ظرفا لهذا المقدر. ﴿تَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿لِلَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْعَمَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (أنعمت): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَمْسِكْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: أنت. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: في تعليق الجار والمجرور في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ الآية رقم [٢٦٠] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ الآية رقم [٢٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وهذا كله يتخرج على التعلق بمحذوف، كما قيل في اللام في سقيا لك، وإما على حذف مضاف، التقدير: أمسك على نفسك زوجك، وذلك؛ لأنه لا يتعدى فعل المضمر المستتر إلى ضميره المتصل إلا في باب: «ظن». وانظر ما ذكرته في الشاهد رقم [٢٥٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وجملة: ﴿أَمْسِكْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿تَقُولُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: اذكر وقت... إلخ المقدرة مستأنفة، لا محل لها. ﴿زَوْجَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَاتَّقِ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتق): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَتُخْفِي:﴾ الواو: واو الحال. (تخفي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي نَفْسِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مَا:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿مُبْدِيهِ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه،

стр. 4876

والجملة الاسمية صلة: ﴿مَا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالإضافة، وجملة: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وأنت تخفي... إلخ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من فاعل: ﴿تَقُولُ﴾ المستتر، والرابط: الواو. هذا؛ وإنما قدرت مبتدأ محذوفا قبل جملة: ﴿وَتُخْفِي..﴾. إلخ لأن الجملة المضارعية الواقعة حالا، لا تقترن بالواو. قال ابن مالك: [الرجز] وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا، ومن الواو خلت وذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا ﴿وَتَخْشَى:﴾ الواو: حرف عطف. (تخشى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿أَحَقُّ:﴾ خبره. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَخْشاهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أحق بخشيتك، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَحَقُّ﴾. هذا؛ وجوز اعتبار المصدر المؤول في محل رفع بدل اشتمال من المبتدأ، كما جوز اعتباره مبتدأ ثانيا مؤخرا، و ﴿أَحَقُّ﴾ خبره مقدما، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ أَحَقُّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، أو هي حال من فاعل: (تخشى)، فتكون حالا متداخلة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فسلت مفندا. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٢٢]. ﴿قَضى:﴾ فعل ماض، مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿زَيْدٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَطَراً﴾ كان صفة له، فلمّا قدم عليه؛ صار حالا، وجملة: ﴿قَضى..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿زَوَّجْناكَها:﴾ فعل ماض مبني على السكون، و (نا): فاعله، والكاف مفعوله الأول، و (ها): مفعوله الثاني، والجملة الفعلية جواب: (لما)، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لِكَيْ:﴾ اللام: حرف تعليل وجر. (كي): حرف مصدري، ونصب. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: (كي). ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُونَ﴾ مقدم. ﴿حَرَجٌ:﴾ اسم: ﴿يَكُونَ﴾ مؤخر. ﴿فِي أَزْواجِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حَرَجٌ،﴾ و ﴿أَزْواجِ﴾ مضاف، و ﴿أَدْعِيائِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون

стр. 4877

في محل نصب متعلق بالفعل ﴿يَكُونَ﴾. ﴿قَضَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَطَراً﴾ على نحو ما رأيت آنفا، والنون حرف دال على جماعة الإناث، و (كي) والفعل ﴿يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿أَمْرُ:﴾ اسم: (كان)، وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مَفْعُولاً:﴾ خبر: (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقال الزمخشري: معترضة في آخر الكلام، ولا محل لها أيضا. ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨)﴾ الشرح: ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ:﴾ محمد ﷺ . ﴿مِنْ حَرَجٍ:﴾ من إثم، ومؤاخذة. ﴿فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ:﴾ في الذي أحله الله له من زواجه بزينب، ﵂، وغيرها من النساء اللاتي مر ذكرهن، وعددهن. ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ:﴾ هذا رد لكل معترض على النبي ﷺ فيما أحل الله له، وهو إعلام بأن النكاح، ونحوه من المباحات سنة قديمة في الأنبياء، أن ينالوا ما أحله الله لهم، فقد كان لداود مائة امرأة حرة، وثلاثمائة سريّة، ولسليمان ثلاثمائة امرأة حرة وسبعمائة سريّة، و ﴿سُنَّةَ﴾ هنا بمعنى: الطريقة، والعادة المتبعة، والمراد بالذين خلوا: الأنبياء الذين مضوا قبل نبينا، عليه، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ أي: قضاء مقضيا، وحكما مبتوتا: أن لا حرج على أحد فيما أحل له. هذا؛ ولقد أحسن الدكتور محمد علي الصابوني جزاه الله خيرا الرد على من انتقد الرسول ﷺ فيما أحل الله له من التزوج بالنساء في رسالته: «شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات الرسول ﷺ » وبين: أن زواجه بكل واحدة كان لحكمة سامية. وأضيف: أن زواجه بأكثر من أربع نسوة، وجمعهن عنده هو من خصوصياته ﷺ ، فقد اختصه الله بأمور فيها ترفيه له، واختصه الله بأمور فيها تشديد عليه لرفع مقامه، وتكثير ثوابه، وعلو درجاته، انظر الآية رقم [٥٠] الآتية. هذا؛ ومن أهم ما يدحض انتقاد المستشرقين، والملحدين في كل زمان، ومكان زواج الرسول ﷺ بأكثر من أربع أمران: أولهما: أن الرسول ﷺ لم يتزوج أكثر من أربع إلا بعد بلوغه سن الشيخوخة؛ أي بعد أن جاوز الخمسين من عمره؛ وثانيهما: أن جميع زوجاته الطاهرات ثيبات ما عدا السيدة عائشة، ﵂، فهي الوحيدة التي تزوجها في حالة الصبا، والبكارة.

стр. 4878

الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَى النَّبِيِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿حَرَجٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حَرَجٍ،﴾ وجملة: ﴿فَرَضَ اللهُ لَهُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد: الضمير المجرور محلا باللام، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سُنَّةَ:﴾ مفعول مطلق مؤكد للكلام قبله، كأنه قيل: سن الله ذلك سنة في الأنبياء الماضين، كقولهم: ترابا، وجندلا. و ﴿سُنَّةَ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سُنَّةَ اللهِ﴾. ﴿خَلَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، ونية معناه. ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية السابقة. إفرادا، وجملة، مع ملاحظة: أن ﴿مَقْدُوراً﴾ صفة: ﴿قَدَراً﴾ مراد به التأكيد، كظل ظليل، وليل أليل. ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً (٣٩)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾ أي: يبلغون فرائض الله، وسننه، وأوامره، ونواهيه إلى من أرسلوا إليهم. هذا؛ وقرئ «رسالته» بالإفراد. ﴿وَيَخْشَوْنَهُ:﴾ ويخافونه. ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً:﴾ ولا يخافون أحدا من الناس ﴿إِلاَّ اللهَ﴾ تعالى. ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً:﴾ محاسبا لأعمال خلقه، وحافظا لأعمالهم صغيرها، وكبيرها، سرها، وجهرها. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة، أو بدل من: ﴿الَّذِينَ﴾ في الآية السابقة، أو في محل نصب على المدح بفعل محذوف، تقديره: أمدح، أو أعني ونحو ذلك، أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين. ﴿يُبَلِّغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رِسالاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿رِسالاتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً:﴾ وهذه الجملة معطوفة أيضا على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة حصر. ﴿اللهِ:﴾ بدل من: ﴿أَحَداً،﴾ والاستثناء ضعيف. ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ في الآية رقم [٣] بلا فارق بينهما.

стр. 4879

﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠)﴾ الشرح: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ أي: على الحقيقة، فيثبت بينه وبين الرسول ﷺ ما بين الوالد وولده من حرمة المصاهرة، وغيرها، والمراد: ﴿مِنْ رِجالِكُمْ﴾ البالغين، والحسن والحسين لم يكونا بالغين حينئذ، وأولاده ﷺ القاسم، وهو أول أولاده، وبه يكنى، وعبد الله، وكان يلقب ب: الطيب، والطاهر. وقيل: الطيب، والطاهر غير عبد الله المذكور، ولدا في بطن واحدة قبل البعثة. وإبراهيم ماتوا قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، ولو بلغوا كانوا رجاله، لا رجال أصحابه. ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ:﴾ وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير، والتعظيم له عليهم، ووجوب الشفقة، والنصيحة لهم عليه، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء، والأبناء، وزيد بن حارثة واحد من رجالكم، الذين ليسوا بأولاده حقيقة، فكان حكمه حكمكم، والادعاء، والتبني من باب الاختصاص، والتقريب لا غير. ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ:﴾ بفتح التاء وهي قراءة عاصم وحده بمعنى: أنهم به ختموا، فهو كالخاتم، والطابع لهم، وقرأ الجمهور بكسر التاء بمعنى: أنه ختمهم، أي: جاء آخرهم. وقيل: الخاتم، والخاتم لغتان، مثل: طابع، وطابع، ودانق ودانق، وطابق من اللحم، وطابق هذا؛ وقال بعضهم: هو فعل مثل: قاتل بمعنى: ختمهم. تنبيه: قال ابن عطية-رحمه الله تعالى-: هذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة، خلفا، وسلفا، متلقاة على العموم التام، مقتضية نصا: أنه لا نبي بعده ﷺ ، وما ذكره القاضي أبو الطيب في كتابه المسمى ب: «الهداية» من تجويز الاحتمال في ألفاظ هذه الآية ضعيف، وما ذكره الغزالي في هذه الآية، وهذا المعنى في كتابه الذي سماه ب: «الاقتصاد» إلحاد عندي، وتطرق خبيث إلى تشويش عقيدة المسلمين في ختم محمد ﷺ النبوة، فالحذر الحذر منه، والله الهادي برحمته. انتهى. قرطبي. أقول: وقد ادعى خبيث النبوة في عصرنا الحديث في باكستان، ولا تزال جماعة تقول بنبوته. هدانا الله وإياهم طريق الحق، والصواب. قال ابن عباس-﵄: يريد: لو لم أختم به النبيين؛ لجعلت له ابنا يكون بعده نبيا. وعنه-﵄-قال: إن الله لما حكم أن لا نبي بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا. انتهى. خازن ويعجبني في هذا المقام قول حسان-﵁-مخاطبا النبي ﷺ حين توفي إبراهيم ابنه معزيا له: [الطويل] مضى وهو محمود العواقب لم يشب... بعيب ولم يذمم بقول ولا فعل رأى أنّه إن عاش ساواك للعلا... فآثر أن تبقى وحيدا بلا مثل

стр. 4880

وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه، وأجمله، إلاّ موضع لبنة في زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويتعجبون له، ويقولون: هلاّ وضعت هذه اللّبنة، فأنا اللّبنة، وأنا خاتم النبيين». متفق عليه. وعن جابر-﵁-نحوه. وقد خرجه له مسلم. وعن جبير بن مطعم-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي؛ الّذي يمحو الله الكفر بي، وأنا الحاشر؛ الّذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب؛ الّذي لا نبيّ بعدي». متفق عليه. بقي أن تعلم: أن عيسى ﵇ ينزل في آخر الزمان، وهو نبي مرسل، كما هو مشهور ومعلوم، ولكنه حين ينزل يكون عاملا بشريعة محمد ﷺ ، ومصليا إلى قبلته، كأنه بعض أمته، فلا يجيء بشريعة جديدة. وينبغي أن تعلم: أن الآية نزلت حين تزوج الرسول زينب، وقال الناس: تزوج محمد امرأة ابنه زيد. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿مُحَمَّدٌ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿أَبا:﴾ خبرها منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿أَبا﴾ مضاف، و ﴿أَحَدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ رِجالِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك، مخفف من الثقيلة، مهمل لا عمل له. ﴿رَسُولَ:﴾ خبر ل: «كان» محذوفة، التقدير: ولكن كان رسول الله. هذا؛ ويقرأ بتشديد النون على أنها عاملة، و ﴿رَسُولَ﴾ اسمها، وخبرها محذوف، التقدير: من عرفتموه. كما يقرأ برفع «(رسول)» على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ولكن هو رسول الله، و ﴿رَسُولَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَخاتَمَ:﴾ معطوف على ﴿رَسُولَ﴾ على رفعه، ونصبه، وعلى اعتباره فعلا؛ ففاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿رَسُولَ اللهِ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: «كان» المقدرة، و (خاتم) مضاف، و ﴿النَّبِيِّينَ﴾ مضاف إليه، وجملة: «وكان رسول الله...» إلخ المقدرة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها على جميع الاعتبارات فيها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيماً﴾ بعدهما، و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيماً:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١)﴾ الشرح: أمر الله في هذه الآية عباده المؤمنين بأن يذكروه، ويشكروه، ويكثروا من ذلك على

стр. 4881

ما أنعم الله به عليهم، وجعل تعالى ذلك دون حد؛ لسهولته على العبد. قال ابن عباس-﵄: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإنه لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه، إلا مغلبا على عقله، وأمرهم به في الأحوال كلها، فقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ يعني: بالليل، والنهار، في البر، والبحر، في الصحة، والمرض، في السر، والعلانية. وقيل: الذكر الكثير: هو أن لا ينساه أبدا، وخذ ما يلي: عن أبي سعيد الخدري-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «أكثروا ذكر الله حتّى يقولوا: مجنون». رواه أحمد، والحاكم، وغيرهما. وعن أبي موسى الأشعري-﵁ قال: قال النبي ﷺ : «مثل الّذي يذكر ربّه؛ والّذي لا يذكر ربّه مثل الحيّ، والميّت». رواه البخاري، ومسلم، وعن أنس-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ الشّيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله؛ خنس، وإن نسي؛ التقم قلبه». رواه البيهقي، وغيره. والأحاديث المرغبة في الذكر أكثر من أن تحصى، وانظر الآية رقم [٣٥]. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١]. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والمتعلق محذوف. ﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿ذِكْراً:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة له. ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وَسَبِّحُوهُ:﴾ معناه: إذا ذكرتموه ينبغي أن يكون ذكركم إياه على وجه التعظيم والتقديس، والتنزيه عن كل سوء. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي: أول النهار، وآخره، وخصّا بالذكر؛ لأن ملائكة الليل، وملائكة النهار يجتمعون في هذين الوقتين، وإنما اختص التسبيح بالذكر من بين أنواع الذكر؛ لبيان فضله على سائر الأذكار، كما اختص جبريل، وميكائيل بالذكر من بين الملائكة لبيان فضلهما؛ لأن معنى التسبيح: تنزيه ذاته تعالى عما لا يجوز عليه من الصفات. وجاز أن يراد بالذكر، والتسبيح وإكثارهما تكثير الطاعات، والعبادات فإنها من جملة الذكر، ثم خص من ذلك التسبيح ﴿بُكْرَةً،﴾ وهي صلاة الفجر. ﴿وَأَصِيلاً،﴾ وهي صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء لمزيد الاهتمام بشأن الصلاة. تنبيه: جاء لفظ التسبيح في القرآن الكريم بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى، استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع:

стр. 4882

المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر، وهذا الفعل بألفاظه الأربعة، قد عدّي باللام تارة، مثل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ وقوله جلت حكمته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ..﴾. إلخ وبنفسه أخرى، مثل قوله تعالى شأنه: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً،﴾ وقوله جلت قدرته: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى سبّحته: بعدته من السوء، منقول من: سبح: إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل: نصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له، وإما أن يراد ب: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا. هذا؛ وقد حثنا الرسول ﷺ على الإكثار من التسبيح، وغيره من أنواع الذكر. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا». قلت: يا رسول الله! ما رياض الجنّة؟ قال: «المساجد». قلت: وما الرّتع؟ قال: «سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». رواه الترمذي. وعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسري بي، فقال: يا محمد! أقرئ أمّتك منّي السّلام، وأخبرهم: أنّ الجنّة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأنّ غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر». رواه الترمذي، والطبراني، وهذه الكلمات يقولهن الطاهر، والمحدث، والجنب، والحائض، والنفساء، وينبغي أن لا يلفظهن في الأماكن القذرة، وفي حالة كشف العورة. هذا؛ والتسبيح يأتي بمعنى الدعاء، قال جرير: [الطويل] فلا تنس تسبيح الضّحى إنّ يوسفا... دعا ربّه فاختاره حين سبّحا وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من سورة (الروم)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥]. ولا تنس: أن الله تعالى قال في الآية رقم [٤٤] من سورة (الإسراء): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾. هذا؛ وقد قابل الله بين الأصيل، والبكرة هنا، وأيضا في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان) وقابل بينه وبين الغدو في الآية رقم [٣٦] من سورة (النور)، وفي (الرعد) رقم [١٥]، وأيضا في الآية رقم [٢٠٥] من سورة (الأعراف) وقابل العشي بالإبكار في الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران) وقابله بالغداة في الآية رقم [٥٢] من سورة (الأنعام) وأيضا في الآية رقم [٢٨] من سورة (الكهف) وقابل الغدو بالعشي في الآية رقم [٤٦] من سورة (غافر). هذا؛ والبكرة، والغداة، والغدو: النصف الأول من النهار، والأصيل، والعشي: النصف الآخر من النهار، مع الاختلاف في تحديد كل منهما. والأصيل: الوقت بين العصر، والمغرب على الراجح، ويجمع على: آصال، وعلى: أصائل، وأصل، وأصلان. وقيل: الآصال جمع أصل، والأصل جمع: أصيل، ثم أصائل جمع الجمع، قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]

стр. 4883

لعمري لأنت البيت أكرم أهله... وأقعد في أفيائه بالأصائل هذا؛ ويطلق الأصيل على الشعاع الممتدّ من الشمس إلى الماء مثل الحبال، ويشبه لون أشعته في الماء لون الذهب. هذا؛ وإنما خص هذين الوقتين بالذكر؛ لأن الإنسان يقوم بالغداة من النوم الذي هو أخو الموت، فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم، وهو وقت الحياة من موت النوم بالذكر؛ ليكون أول أعماله ذكر الله ، وأما وقت الأصيل، وهو أخر النهار، فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم، الذي هو أخو الموت، فيستحب له أن يستقبله بالذكر؛ لأنه حالة تشبه الموت، ولعله لا يقوم من تلك النومة، فيكون موته على ذكر الله . فعن جويرية أم المؤمنين-﵄-أن النبي ﷺ خرج من عندها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟». قالت: نعم، قال النبي ﷺ : «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم، لوزنتهنّ سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضاء نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته». أخرجه مسلم، ويروى بروايات كثيرة أيضا. وقد اختلفت في إعراب: «عدد، رضاء، زنة، مداد» فقال السيوطي: هي منصوبة على الظرف بتقدير: قدر عدد، قدر رضاء... إلخ، وقد نص سيبويه-رحمه الله تعالى-على أن من المصادر التي تنصب على الظرف قولهم: زنة الجبال... إلخ. وقيل: تعرب على المفعولية المطلقة لفعل محذوف. وقيل: منصوبة بنزع الخافض، التقدير: كعدد خلقه، ومثل رضاء نفسه، ومثل زنة عرشه، ومثل مداد كلماته. الإعراب: ﴿وَسَبِّحُوهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (سبحوه): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله. ﴿بُكْرَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿وَأَصِيلاً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها؛ لا محل لها مثلها. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣)﴾ الشرح: قال ابن عباس-﵄: لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ رقم [٥٦] الآتية؛ قال المهاجرون، والأنصار: هذا لك يا محمد يا رسول الله، وليس لنا فيه شيء، فأنزل الله هذه الآية. انتهى. وهذه النعمة من أجل النعم على هذه الأمة، ودليل على فضيلتها على سائر الأمم، وقد قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ..﴾. إلخ الآية رقم [١١٠] من سورة (آل عمران). والصلاة من الله على العبد هي رحمته له، وبركته لديه، وصلاة الملائكة دعاؤهم للمؤمنين، واستغفارهم لهم، كما قال تعالى في الآية رقم [٧] من سورة (غافر).

стр. 4884

﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أي: ظلمات الكفر. ﴿إِلَى النُّورِ﴾ أي: نور الإيمان. هذا؛ والظلمات جمع: ظلمة، وهي الكفر، والنفاق، والجهل، ونحو ذلك. وأيضا جمعت لتعدد فنون الضلال، والمعاصي، ولم يجمع النور؛ لأن الإيمان واحد لا يتعدد. هذا؛ وإن في الكلام استعارة، حيث استعير لفظ الظلمات للكفر، وما يلحق به، والجامع فيهما عدم الاهتداء. واستعير لفظ النور للإيمان بجامع الاهتداء في كل منهما. ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً:﴾ فهو اعتناء بصلاح أمرهم، وظهور شرفهم، وبشارة لجميع المؤمنين، وإشارة إلى أن قوله: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ غير مختص بالسامعين وقت نزول الوحي؛ بل هو عام لجميع المؤمنين. هذا؛ والملائكة أجسام نورانية، لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة حسنة، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا ينامون، ولا يموتون، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يلهمون التسبيح، كما يلهمون النفس، ولا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثة كفر، وهم كثيرون، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، حيث قال جل ذكره: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال. ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار، عليهم ألف صلاة، وألف سلام، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١] من سورة (فاطر). الإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يُصَلِّي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة فيها معنى التعليل للكلام السابق. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَمَلائِكَتُهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ملائكته): معطوف على فاعل ﴿يُصَلِّي﴾ المستتر، وجاز ذلك للفصل بالجار والمجرور، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُخْرِجَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُصَلِّي﴾ أيضا. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل: (يخرج). ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص، واسمه مستتر يعود إلى (الله) أيضا. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿رَحِيماً:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، وقال الجمل نقلا عن أبي السعود: اعتراض مقرر لمضمون ما قبله، أي: كان بكافة المؤمنين الذين أنتم من زمرتهم رحيما.

стр. 4885

﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤)﴾ الشرح: ﴿تَحِيَّتُهُمْ:﴾ تحية المؤمنين بعضهم لبعض، أو هذه التحية من الله لهم، أو هي من الملائكة لهم، كما قال تعالى في سورة (الرعد): ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ..﴾. إلخ. ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أي: يوم يلقون الله عند الموت، أو عند الخروج من القبر، أو عند دخول الجنة. وقيل: يوم يلقون ملك الموت، وقد ورد: أنه لا يقبض روح مؤمن، ومؤمنة إلا سلم عليه، وعليها. روي عن البراء بن عازب-﵁-قال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ فيسلم ملك الموت على المؤمن عند قبض روحه، لا يقبض روحه حتى يسلم عليه. ﴿سَلامٌ﴾ أي: يقولون: سلامة لنا ولكم من عذاب الله، أو يقول الله أو الملائكة لهم حسبما رأيت، و ﴿سَلامٌ﴾ اسم مصدر مثل (عذاب) في الآية رقم [٧] من سورة (لقمان). ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ هو الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨] من سورة (يس). هذا؛ والتحية: مصدر «حيّاه» الله بتشديد الياء، وأصل معناه: الدعاء له بالحياة، ثم عم في كل كلام يلقيه بعض الناس على بعض بقصد الدعاء، كقولهم: أبيت اللعن، و: أنعموا صباحا، أو مساء، أو نحو ذلك، ثم خصته الشريعة الإسلامية بكلام معين، وهو قول القائل: السّلام عليكم. الإعراب: ﴿تَحِيَّتُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله، حسبما رأيت في الشرح. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالمصدر (تحية). وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿يَلْقَوْنَهُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿سَلامٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في المؤمنين، والرابط: الضمير فقط، والأول أقوى. ﴿وَأَعَدَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أعد): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به. ﴿كَرِيماً:﴾ صفة: ﴿أَجْراً،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَأَعَدَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير: «قد» قبلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً:﴾ على من بعثت إليهم بتصديقهم، وتكذيبهم، ونجاتهم وضلالهم؛ لتترقب أحوالهم، وتشاهد أعمالهم، وتتحمل الشهادة على ما صدر عنهم،

стр. 4886

تؤديها يوم القيامة أداء مقبولا فيما لهم، وفيما عليهم، والآية الكريمة رقم [٤١] من سورة (النساء): ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ توضح هذا المعنى. ﴿وَمُبَشِّراً﴾ أي: للمؤمنين برحمة الله، وبالجنة. ﴿وَنَذِيراً﴾ أي: مخوفا للعصاة، والمكذبين، والفاسقين، والظالمين من النار، وعذاب الخلد فيها. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ انظر الآية رقم [١] ففيها الكفاية. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿شاهِداً:﴾ مفعول به ثان. وقيل: هي حال من الكاف، وهي حال مقارنة؛ إن كان المراد مراقبة أحوالهم في الدنيا، واعتبرها بعضهم مقدرة منتظرة بأن حمل الشهادة على شهادته عليهم في الآخرة؛ بأن يشهد عليهم بما حصل منهم في الدنيا من تصديق، وتكذيب، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم لهم، والحال المقدرة مثل قولك: مررت برجل معه صقر صائدا به؛ أي: مقدرا به الصيد غدا. ﴿وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦)﴾ الشرح: قال ابن عباس-﵄: لما نزلت هذه الآية؛ دعا رسول الله ﷺ عليا ومعاذا-﵄-فبعثهما إلى اليمن، وقال: «اذهبا فبشّرا، ولا تنفّرا، ويسّرا، ولا تعسّرا، فإنه قد أنزل الله عليّ». وقرأ الآية. ﴿وَداعِياً إِلَى اللهِ﴾ أي: إلى دين الله، وتوحيده، ومحاربة الكفر، وأهله. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ بأمره. قال الزمخشري: لم يرد حقيقة الإذن، وإنما جعل الإذن مستعارا للتسهيل، والتيسير؛ لأن الدخول في حق المالك متعذر، فإذا صودف الإذن تسهل، وتيسر، فلما كان الإذن تسهيلا لما تعذر من ذلك؛ وضع موضعه، وذلك: أن دعاء أهل الشرك، والجاهلية إلى التوحيد والشرائع أمر في غاية الصعوبة، والتعذر، فقيل: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ للإيذان بأن الأمر صعب، لا يتأتى ولا يستطاع؛ إلا إذا سهله الله، ويسره، ومنه قولهم في الشحيح: إنه غير مأذون له في الإنفاق؛ أي غير مسهل له الإنفاق، لكونه شاقا عليه داخلا في حكم التعذر. انتهى. كشاف. ﴿وَسِراجاً مُنِيراً:﴾ هذا استعارة للنور الذي يتضمنه شرع محمد ﷺ . وقيل: ﴿وَسِراجاً﴾ أي: هاديا من ظلم الضلالة، ووصفه بالإنارة؛ لأن من السّرج ما لا يضيء إذا قلّ زيته، ودقت فتيلته. وفي كلام بعضهم: ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظر لها من يجيء. وسماه الله: سراجا، ولم يسمه: شمسا مع أن الشمس أشد إضاءة من السراج وأنور؛ لأنه لا يمكن أن يؤخذ من نور الشمس شيء بخلاف نور السراج، فإنه يؤخذ منه أنوار كثيرة. وما

стр. 4887

أحسن قول النسفي-رحمه الله تعالى-: أو المعنى: ﴿شاهِداً﴾ بوحدانيتنا، ﴿وَمُبَشِّراً﴾ برحمتنا، ﴿وَنَذِيراً﴾ بنقمتنا، ﴿وَداعِياً﴾ إلى عبادتنا، ﴿وَسِراجاً﴾ وحجة ظاهرة لحضرتنا. الإعراب: ﴿وَداعِياً:﴾ معطوف على ما قبله، وفي الكل ضمير مستتر هو فاعله. ﴿إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ:﴾ كلاهما متعلقان ب: (داعيا)، وقيل: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ متعلقان بمحذوف حال من لفظ الجلالة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَسِراجاً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُنِيراً:﴾ صفة له. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧)﴾ الشرح: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ ، وهو معطوف على محذوف، التقدير: فراقب أحوال أمتك، وبشر... إلخ. ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً:﴾ ثوابا عظيما، قال ابن عطية: قال لنا أبيّ ﵁: هذه من أرجى آية عندي في كتاب الله تعالى؛ لأن الله قد أمر نبيه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده فضلا كبيرا، وقد بين الله تعالى الفضل الكبير في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ فالآية في هذه السورة خبر، والتي في (الشورى) رقم [٢٢] تفسير لها. الإعراب: ﴿وَبَشِّرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (بشر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت». ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (أنّ) تقدم على اسمها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَجْراً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿فَضْلاً:﴾ اسم: (أنّ) مؤخر. ﴿كَبِيراً:﴾ صفة له: و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَبَشِّرِ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة التي رأيت تقديرها. ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٤٨)﴾ الشرح: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ أي: لا تطعهم فيما يشيرون عليك من المداهنة في الدين، ولا تمالئهم، والمراد بالكافرين: أبو سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبو الأعور السلمي، فقد قالوا: يا محمد! لا تذكر آلهتنا بسوء؛ نتبعك. والمراد بالمنافقين: عبد الله بن

стр. 4888

أبيّ، وعبد الله بن سعد، وطعمة بن أبيرق، حثّوا النبي ﷺ على إجابة المشركين فيما طلبوا بحجّة المصالحة، والموادعة، وهذا كان بعد غزوة أحد، انظر الآية رقم [٦٨] الآتية. ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ أي: أعرض عن إيذائهم مجازاة على إذايتهم إياك، فأمره الله-تبارك، وتعالى-بترك معاقبتهم، والصفح عن زللهم. فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول، ونسخ من الآية على هذا التأويل ما يخص الكافرين، وناسخه آية السيف. أو المعنى: أعرض عن أقوالهم، وما يؤذونك، ولا تشتغل به: فالمصدر على هذا التأويل مضاف إلى الفاعل. وهذا تأويل مجاهد، والآية منسوخة بآية السيف. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً:﴾ انظر الآية رقم [٣] ففيها الكفاية. أما (دع)، فهو بمعنى: أعرض، واترك، والمستعمل من هذه المادة المضارع، والأمر فقط، ومثله «ذر» ومضارعه: يذر، فكلا المادتين ناقص التصرف، وهما بمعنى الترك، والإعراض، وقد سمع سماعا نادرا الماضي منهما، فقالوا: ودع ووذر بوزن وضع، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال؛ لأن العرب كلهم إلا قليلا منهم أميت هذا الماضي من لغاتهم، وليس المعنى أنهم لم يتكلموا به البتة؛ بل تكلموا به دهرا، ثم أماتوه بإهمالهم استعماله، فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب؛ وجدوه مماتا إلا ما سمع منه سماعا نادرا، فقد قرئ قوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ بالتخفيف، وقال الرسول ﷺ : «دعوا الحبشة ما ودعوكم». وسمع منه المصدر في قوله ﵊: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو لأحرقنّ عليهم بيوتهم». أي: عن تركهم إياها. وسمع منه: اسم الفاعل، واسم المفعول في أبيات من الشعر، قال خفاف بن ندبة: [الطويل] إذا ما استحمّت أرضه من سمائه... جرى وهو مودوع ووادع مصدق هذا رأي أكثر النحاة، وقال محب الدين الخطيب، شارح شواهد الكشاف: فقد رويت هذه الكلمة، أي: (دع) عن أفصح العرب، يقصد النبي ﷺ ، ونقلت عن طريق القراء، فكيف تكون إماتة؟ وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله، فيجوز القول بقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإمانة، وأضيف: أن كثيرا من النحاة يقولون في ماضي: «عم ويعم» ما قيل في ماضي «دع، وذر». الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُطِعِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْمُنافِقِينَ﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَدَعْ:﴾ الواو: حرف عطف. (دع): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».

стр. 4889

﴿أَذاهُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله حسبما رأيت في الشرح. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ..﴾. إلخ. انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٣] إفرادا وجملا. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ:﴾ تزوجتموهن. هذا؛ والنكاح لغة: الضم، وشرعا: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ: إنكاح، أو تزويج، وهو حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الأصح عندنا معاشر الشافعية، وهو عند السادة الحنفية في الأصل الوطء، وتسمية العقد نكاحا لملابسته له؛ من حيث إنه طريق إليه، كتسمية الخمر إثما؛ لأنها سببه. قال الشاعر: [الوافر] شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول قالوا: ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد؛ لأنه في معنى الوطء من باب التصريح به، ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة، والمماسة، والقربان، والتغشي والإتيان. ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: تجامعوهن. والخلوة الصحيحة مثل الجماع عند الحنفية لها كل أحكامه. وفي الآية دليل على أن الطلاق قبل النكاح غير واقع لأن الله رتب الطلاق على النكاح، حتى لو قال لامرأة أجنبية: إذا نكحتك؛ فأنت طالق. أو قال: كل امرأة أنكحها فهي طالق. فنكح لا يقع الطلاق، وهو المعتمد. هذا؛ وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات، مع أن الحكم عام فيهن تنبيه على أن من شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة يتخيرها لنطفته، وأن يبتعد عن نكاح الكافرات، والفاسقات، والفاجرات، وأن يستنكف أن يدخل تحت لحاف واحد غير الصالحة، والعفيفة، وما ذكر في سورة (المائدة) رقم [٥] فائدته بيان ما هو جائز غير محرم من نكاح المحصنات من أهل الكتاب. ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ أي: فلا يجب لكم عليهن عدة إذا وقع الطلاق قبل الدخول بهن. وانظر العدد في سورة (الطلاق). هذا؛ وإسناد الفاعل إلى الذكور يدل على أن العدة حق للأزواج على النساء، سواء أكانت بالأقراء، أو بالأشهر. هذا؛ ويقرأ الفعل: ﴿تَعْتَدُّونَها﴾ بتخفيف الدال، وفسر على أنه من الاعتداء، وهو بتشديد الدال بمعنى: تستوفونها وتحسبونها. ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: أعطوهن المتعة، وهذه المتعة واجبة على المطلق؛ إذا لم يكن قد سمى لها مهرا، وهي سنة إذا سمى لها مهرا، ولها نصف المهر، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] بشأن القدر المالي الذي يعطى للمطلقة. ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ أي: أخرجوهن من بيوتكم من

стр. 4890

غير إضرار بهن، ولا منع حق لهن، قال تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا﴾ وانظر الآية رقم [٢٨] علما بأن طلاق غير المدخول بها، لا يوصف بسني، ولا ببدعي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من لفظ (أيها) وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١]، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿نَكَحْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْمُؤْمِناتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية ابتدائية هنا لا محل لها، لاقتران جواب ﴿إِذا﴾ بالفاء، ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو ما ذكره ابن هشام في المغني. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جمع الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تَمَسُّوهُنَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون علامة جمع الإناث، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (ما): نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿عِدَّةٍ،﴾ ولا يجيز سيبويه مجيء الحال من المبتدأ، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عِدَّةٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، وجملة: ﴿تَعْتَدُّونَها﴾ صفة ﴿عِدَّةٍ،﴾ و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف مثل الجملة الندائية، لا محل له. ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (متعوهن): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، وما بعدها معطوفة عليها. ﴿سَراحاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿جَمِيلاً:﴾ صفة له.

стр. 4891

﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَاِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠)﴾ الشرح: روى السدي عن أبي صالح، عن أم هانئ بنت أبي طالب-﵂ قالت: خطبني رسول الله ﷺ ، فاعتذرت إليه، فعذرني، ثم أنزل الله تعالى: ﴿إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ..﴾. إلخ ثم قالت: فلم أكن أحل له؛ لأني لم أهاجر، كنت من الطلقاء. خرجه أبو عيسى الترمذي. وقال القرطبي: لما خير رسول الله ﷺ نساءه فاخترنه، حرم عليه التزوج بغيرهن، والاستبدال بهن، مكافأة لهن على فعلهن، وأنزل الآية بعد التالية، ثم نسخ هذا التحريم، فأباح له أن يتزوج بمن شاء من النساء عليهن، وأنزل هذه الآية، وهي وإن كانت متقدمة في التلاوة، فهي متأخرة النزول. ويدل على صحته ما خرجه الترمذي عن عطاء قال: قالت عائشة-﵂: ما مات رسول الله ﷺ ، حتى أحل الله تعالى له النساء. قال: هذا حديث حسن صحيح. ﴿اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ:﴾ مهورهن؛ لأن المهر مقابل للانتفاع بالبضع بشرط إجراء العقد بين الزوجين بشروطه، وتوفر أركانه. ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أي: من السراري. ﴿مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ أي: رده الله عليك من الكفار من النساء بالمأخوذ على وجه القهر، والغلبة، مثل صفية، وريحانة؛ اللتين كانتا من اليهود. ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ:﴾ فهذا شرط لحل قريباته له ﷺ بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾. ولا تنس أن الله جلت قدرته قد ذكر العم فردا والعمات جمعا. وكذلك الخال، والخالات؛ لأن العم، والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر، والراجز، وليس كذلك العمة، والخالة، فجاء الكلام بغاية البيان لرفع الإشكال، وهذا معنى دقيق، فتأملوه، قاله ابن العربي. انتهى. قرطبي بتصرف كبير مني. وقال الجمل-رحمه الله تعالى-: وقد سئل كثير عن حكمة إفراد العم، والخال دون العمة، والخالة، حتى إن السبكي صنف جزءا فيه، سماه: بذل الهمة في إفراد العم، وجمع العمة. وقد رأيت لهم فيه كلمات كلها ضعيفة، كقول الرازي: إن العم والخال على زنة المصدر، والمصدر يستوي فيه المفرد، والجمع، بخلاف العمة، والخالة. وقيل: إنهما يعمان إذا أضيفا، والعمة والخالة لا يعمان لتاء الوحدة انتهى. نقلا من الشهاب.

стр. 4892

﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ:﴾ ولقد اختلف في اسم الواهبة نفسها، فقيل: هي أم شريك الأنصارية، اسمها غزيّة. وقيل: غزيّلة. وقيل: ليلى بنت حكيم. وقيل: هي ميمونة بنت الحارث الهلالية حين خطبها رسول الله ﷺ ، فجاءها الخاطب، وهي على بعيرها، فقالت: البعير وما عليه لرسول الله ﷺ . وقيل: هي أم شريك العامرية. وقيل: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين. وقيل: هي خولة بنت حكيم. والله تعالى أعلم. هذا؛ وتقييد الواهبة نفسها بمؤمنة دليل واضح على أن الكافرة لا تحل له، وبهذا يتميز النبي ﷺ علينا، حيث لا يحل له نكاح الكافرة، ويحل لنا؛ لأن ما كان من جانب الفضائل، والكرامة فحظه فيه أوفر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر. انتهى. قرطبي عن إمام الحرمين بتصرف مني. ﴿إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها:﴾ يطلب نكاحها، ويرغب فيه. وقيل: نكح، واستنكح بمعنى واحد، مثل: أجاب، واستجاب، وعجل، واستعجل. قال النابغة: [الطويل] وهم قتلوا الطائيّ بالحجر عنوة... أبا جابر واستنكحوا أمّ جابر وأعاد لفظ (النبي)، فأظهر في مقام الإضمار تفخيما له، وتقريرا لاستحقاقه الكرامة لرسالته. ﴿خالِصَةً لَكَ:﴾ بمعنى خلوصا فهو مصدر مثل: العافية، والعاقبة، والكاذبة، واستعمال الفاعل، والفاعلة في المصادر كثير، ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إيذان بأن الهبة في النكاح من خصوصيات النبي ﷺ ، ولا يصح بلفظ الهبة لغيره من أمته، وعليه مذهب الشافعي. ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ:﴾ حين إجراء العقد بين الزوجين من شروط، ووجوب المهر بالوطء؛ حيث لم يسم، والقسم بين الزوجات، ووجوب المعاشرة بالمعروف... إلخ. ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ:﴾ من الإيماء، والسراري؛ حيث وسع الله الأمر فيهن. ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أي: ضيق في دينك؛ حيث اختصصناك بالتنزيه، واختيار ما هو أولى وأفضل، وفي دنياك حيث أحللنا لك أجناس المنكوحات، وزدنا لك الواهبة نفسها. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً:﴾ لما يعسر التحرز عنه. ﴿رَحِيماً:﴾ بالتوسعة في مظان الحرج، وتفسير الحرج بالضيق هنا، وقد فسرته بالمؤاخذة، والإثم في الآية رقم [٣٨] والأول ذكرته في تفسير قوله تعالى في الآية رقم [٧٨] من سورة (الحج): ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. تنبيه: خص الله تعالى رسوله ﷺ في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد في باب الفرض، والتحريم، والتحليل مزية على الأمة، وهبت له، ومرتبة خص بها، ففرضت عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرمت عليه أفعال لم تحرم على غيره، وحللت له أشياء لم تحلل لأحد من أمته، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه.

стр. 4893

فأما ما فرض عليه فتسعة: الأول: التهجد في الليل، والمنصوص: أنه كان واجبا عليه، ثم نسخ كما رأيت في الآية رقم [٧٩] من سورة (الإسراء). الثاني: صلاة الضحى. الثالث: صلاة الأضحى. الرابع: الوتر. الخامس: السواك. السادس: قضاء دين من مات معسرا من المسلمين. السابع: مشاورة ذوي الأحلام في غير الشرائع. الثامن: تخيير النساء. التاسع: إذا عمل عملا؛ أثبته، وكان يجب عليه إذا رأى منكرا؛ أنكره وأظهره؛ لأن إقراره لغيره على ذلك يدل على جوازه. وأما ما حرم الله عليه ﷺ فجملته عشرة: الأول: تحريم الزكاة عليه، وعلى آله. الثاني: صدقة التطوع عليه، وفي آله تفصيل باختلاف. الثالث: خائنة الأعين، وهو أن يظهر خلاف ما يضمر. الرابع: حرم الله عليه إذا لبس لأمته أن يخلعها عنه، أو يحكم الله بينه وبين محاربه، الخامس: الأكل متكئا. السادس: أكل الأطعمة الكريهة الرائحة، مثل: البصل، وغيره. السابع: التبدل بأزواجه، كما ستعرفه في الآية التالية. الثامن: نكاح امرأة تكره صحبته. التاسع: نكاح الحرة الكتابية. العاشر: نكاح الأمة، ولو مسلمة. وأما ما أحل له ﷺ فجملته ستة عشر: الأول: صفي المغنم. الثاني: الاستبداد بخمس الخمس، أو الخمس. الثالث: الوصال في الصوم. الرابع: الزيادة على أربع نسوة. الخامس: النكاح بلفظ الهبة. السادس: النكاح بغير ولي. السابع: النكاح بغير صداق. الثامن: نكاحه في حالة الإحرام. التاسع: سقوط القسم عنه بين الزوجات. وسيأتي في الآية التالية. العاشر: إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها، وحل له نكاحها «وهذا ضعيف غير مسلم». الحادي عشر: أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها. الثاني عشر: دخوله مكة بغير إحرام. الثالث عشر: القتال بمكة. الرابع عشر: أنه لا يورث. وإنما ذكر هذا في قسم التحليل؛ لأن الرجل إذا قارب الموت بالمرض، زال عنه أكثر ملكه، ولم يبق له إلا الثلث خالصا، وبقي ملك النبي ﷺ على ما تقرر بيانه في سورة (مريم). الخامس عشر: بقاء زوجيته من بعد موته. السادس عشر: إذا طلق امرأة تبقى حرمته عليها، فلا تنكح، وأبيح له عليه الصلاة، والسّلام أخذ الطعام، والشراب من الجائع، والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف الهلاك على نفسه، لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وعلى كل أحد من المسلمين أن يقي النبي ﷺ بنفسه. وأبيح له أن يحمي لنفسه، وأكرمه الله بتحليل الغنائم، وجعلت الأرض له مسجدا، وطهورا، وكان من الأنبياء من لا تصح صلاتهم إلا في المسجد، ونصر بالرعب، فكان العدو يخافه من مسيرة شهر، وبعث إلى الخلق كافة، وجعلت معجزاته كمعجزات الأنبياء قبله، وزيادة. انتهى. قرطبي. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَحْلَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ). ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَزْواجَكَ:﴾ مفعول به، والكاف

стр. 4894

ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا أَحْلَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿اللاّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة أزواجك. ﴿آتَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أُجُورَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وجملة: ﴿آتَيْتَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ﴿أَزْواجَكَ﴾. ﴿مَلَكَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث لا محل لها. ﴿يَمِينُكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: والتي ملكتها يمينك. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و (من): بيان لما أبهم في (ما)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: من الذي أفاءه الله عليك. ﴿وَبَناتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (بنات): معطوف على أزواجك منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، و (بنات) مضاف، و ﴿عَمِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ﴾ كل هذا معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿اللاّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿خالاتِكَ﴾. ﴿هاجَرْنَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والنون فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَامْرَأَتَ:﴾ معطوف على ﴿أَزْواجَكَ﴾ أيضا. ﴿مُؤْمِنَةً:﴾ صفة: (امرأة). هذا؛ وقيل: إن (امرأة) مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ونحل لك امرأة لأن الكلام بمعنى المستقبل بخلاف الأول. ﴿إِنْ وَهَبَتْ..﴾. إلخ: توالى شرطان، ولم يذكر جواب لأحدهما، ومثلها الآية رقم [٣٤] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهي ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ..﴾. إلخ وخذ ما قاله أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: حكم الشرط إذا دخل على الشرط أن يكون الشرط الثاني والجواب جوابا للشرط الأول، كقولك: إن أتيتني، إن كلّمتني أكرمتك. فقولك: إن كلمتني أكرمتك جواب إن أتيتني، وإذا كان كذلك صار الشرط الأول في الذكر مؤخرا في المعنى، حتى لو أتاه، ثم كلمه لم يجب الإكرام، ولكن إن كلمه ثم أتاه؛ وجب إكرامه، وعلة ذلك: أن الجواب صار معوقا للشرط الثاني، وقد جاء في القرآن منه قوله تعالى: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها..﴾. إلخ. وأضيف ما قاله سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: وإن زاد على شرطين «أي: حكمه حكم الشرطين» وعلى هذا يترتب الحكم، مثاله: أن يقول لعبده: إن كلمت زيدا، إن دخلت الدار، إن أكلت الخبز، فأنت حرّ، فجواب الثالث: «أنت حرّ» والثالث، وجوابه جواب للثاني،

стр. 4895

والثاني، وجوابه جواب للأول. فإن كلم، ثم دخل، ثمّ أكل؛ لم يعتق، لكن إن أكل، ثم دخل، ثم كلم؛ عتق لما ذكر. انتهى. أما ابن هشام فقد قال في المغني: ذكروا: أنه إذا اعترض شرط على آخر، نحو «إن أكلت، إن شربت فأنت طالق» فإن الجواب المذكور للسابق منهما، وجواب الثاني مدلول عليه بالشرط الأول، وجوابه، كما قالوا في الجواب المتأخر عن الشرط، والقسم، ولهذا قال محققو الفقهاء في المثال المذكور: إنها لا تطلق حتى تقدم المؤخر وتؤخر المقدم، وذلك لأن التقدير حينئذ: إن شربت، فإن أكلت فأنت طالق. وقد أشار إلى ذلك ابن الوردي-رحمه الله تعالى-في البهجة بقوله: [الرجز] وطالق إن كلّمت إن دخلت... إن أوّلا بعد أخير فعلت وهذا كله حسن، لكنهم جعلوا منه قوله تعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي..﴾. إلخ وفيه نظر؛ إذ لم يتوال شرطان وبعدهما جواب كما في المثال، وكما في قول الشاعر: وهو الشاهد رقم [١٠٤١] من كتابنا فتح القريب المجيب: [البسيط] إن تستغيثوا بنا إن تذعروا؛ تجدوا... منّا معاقل عزّ زانها كرم وقول ابن دريد في مقصورته: وهو الشاهد رقم [١٠٤٢] من كتابنا المذكور: [الرجز] فإن عثرت بعدها إن وألت... نفسي من هاتا فقولا لا لعا إذ الآية الكريمة لم يذكر فيها جواب، وإنما تقدم على الشرطين ما هو جواب في المعنى للشرط الأول، فينبغي أن يقدر إلى جانبه، ويكون الأصل: إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم، وأما أن يقدر الجواب بعدهما، ثم يقدر بعد ذلك مقدما إلى جانب الشرط الأول؛ فلا وجه له. والله أعلم. انتهى. أقول: ما قاله أبو البقاء وما قاله ابن هشام مؤداه واحد، وإن اختلف التعبير بينهما. وأخيرا أذكر أنه قرئ بفتح همزة: «(أن وهبت)» وخذ الإعراب على القراءتين. (أن): حرف مصدري، ونصب. ﴿وَهَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفعل يعود إلى امرأة مؤمنة. ﴿نَفْسَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿لِلنَّبِيِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (أن) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب بدلا من ﴿(امْرَأَةً مُؤْمِنَةً)﴾. وقيل: في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أحللنا لك امرأة مؤمنة لهبتها نفسها لك، وأما على كسر همزة: ﴿إِنْ﴾ فهي حرف شرط جازم. ﴿وَهَبَتْ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن وهبت... فهي حل له، والجملة الشرطية في محل نصب صفة ثانية ل: (امرأة) وإعراب ما بعدها مثلها، التقدير: إن أراد النبي أن يستنكحها؛ فهي خالصة له، والجملة الشرطية هذه في محل نصب حال؛ لأن الحال قيد، كما أن الشرط

стр. 4896

الثاني قيد للأول؛ أي: فكأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها؛ وأنت تريد أن تستنكحها؛ لأن إرادته هي قبول الهبة، وما به تتم. ﴿خالِصَةً:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: خلصت لك خالصة، ومجيء المصدر على هذه الزنة وارد، كالعاقبة، والكاذبة. وفاعله محذوف، التقدير: خالصا لك نكاحها؛ وفي السمين: وفيه أوجه: أحدها: أنه منصوب على الحال من فاعل: ﴿وَهَبَتْ﴾ المستتر؛ أي: حال كونها خالصة لك دون غيرك. الثاني: أنها حال من امرأة؛ لأنها وصفت، فخصصت، وهو بمعنى الأول، وإليه ذهب الزجاج. الثالث: أنها نعت مصدر مقدر، أي: هبة خالصة، فنصبها ب: ﴿وَهَبَتْ﴾. الرابع: أنها مصدر مؤكد كوعد الله. انتهى. جمل. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِصَةً﴾. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بها أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة. ﴿فَرَضْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: قد علمنا الذي، أو: شيئا فرضناه. ﴿عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: ﴿فِي أَزْواجِهِمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿أَزْواجِهِمْ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: وفي الذي ملكته أيمانهم. وجملة: ﴿قَدْ عَلِمْنا..﴾. إلخ معترضة بين ﴿خالِصَةً﴾ وما يتعلق بها، وهي مقررة لمضمون ما قبلها من خلوص الإحلال له، ببيان أنه قد فرض عليهم من شرائط العقد وحقوقه ما لم يفرض عليه، تكرمة له، وتوسعا عليه ﷺ . ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٣٧]، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿خالِصَةً﴾. وقيل: متعلقان ب: ﴿أَحْلَلْنا﴾. وقيل: متعلقان ب: ﴿فَرَضْنا﴾ والمعتمد الأول، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ اِبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١)﴾ الشرح: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ:﴾ تؤخر. يقرأ بالهمزة وبدونه. ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ:﴾ تضم. فالمعنى: أنت يا محمد مخير بشأن نسائك، تترك مضاجعة من تشاء منهن، وتضاجع من

стр. 4897

تشاء، أو تطلق من تشاء، وتمسك من تشاء منهن، أو لا تقسم لأيتهن شئت، وتقسم لمن شئت، أو تترك تزوج من شئت من نساء أمتك، وتتزوج من شئت. وعن الحسن-﵁: كان النبي ﷺ إذا خطب امرأة؛ لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها، وهذا قسمة جامعة لما هو الغرض؛ لأنه إما أن يطلق، وإما أن يمسك، فإذا أمسك ضاجع، أو ترك، وقسم، أو لم يقسم، وإذا طلق، وعزل، فإما أن يخلي المعزولة، لا يبتغيها، أو يبتغيها. روي: أنه أرجى منهن سودة، وجويرية، وصفية، وميمونة، وأم حبيبة، فكان يقسم لهن ما شاء، كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب ﵅. أرجى خمسا وآوى أربعا، وكان ﷺ مع أن الله قد أطلق له الحرية في معاملة أزواجه، كان يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن تطييبا لقلوبهن. وكان يقول: اللهم هذه قدرتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك، ولا أملك، يعني: قلبه؛ لأنه كان يميل إلى عائشة أكثر من غيرها. وروي: أن سودة-﵂-حين أحست بميله إلى عائشة، وضعف رغبته فيها؛ فإنها وهبت ليلتها لعائشة، وقالت له: أمسكني، ولا تطلقني؛ حتى أحشر في زمرة نسائك. ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ أي: طلبتها للمبيت معك. ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي: هجرتها، وابتعدت عنها مدة. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ أي: لا إثم، ولا مؤاخذة عليك في طلبها، ورجوعك عليها. ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ﴾ أي: ذلك التفويض إلى مشيئتك أقرب إلى رضاهن، وأطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن إذا علمن: أن ذلك من الله تعالى. ﴿وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي: بما أعطيتهن من تقريب، وإرجاء، وعزل، وإيواء؛ لأنه حكم كلهن فيه سواء، ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا، وتكرما منك، وإن رجحت بعضهن على بعض علمن: أنه بحكم الله، لا اعتراض لواحدة منهن عليك، فتطمئن نفوسهن، ويهدأ بالهن. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: من الميل لبعضهن. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً:﴾ بما في ضمائركم. ﴿حَلِيماً:﴾ لا يعاجل بالعقوبة. هذا؛ وانظر شرح: (شاء) في الآية رقم [٤٨] من سورة (الروم)، وشرح: (العين) في الآية رقم [١٧] من سورة (السجدة)، وشرح: ﴿قُرَّةِ﴾ في الآية رقم [١٧] منها. هذا؛ والفعل: ﴿يَحْزَنَّ﴾ في هذه الآية من باب: فرح، وطرب فهو لازم، ويأتي من باب: دخل، وقتل، فيكون متعديا. كما يكون متعديا إذا أتى من الرباعي. الإعراب: ﴿تُرْجِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، أو ظاهرة على الهمزة، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة ﴿تَشاءُ:﴾ صلته، والعائد محذوف، التقدير: التي تشاؤها. ﴿مِنْهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و (من) بيان لما أبهم في (من) والنون علامة جمع الإناث، وإعراب الجملة التالية مثلها، والعائد والمتعلق

стр. 4898

محذوفان، التقدير: وتؤوي إليك التي تشاؤها منهن. والجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿وَمَنِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط مبني على السكون في محل نصب مفعول به للفعل بعده، أو هو في محل رفع مبتدأ. ﴿اِبْتَغَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، أو من (من)، و (من) بيان لما أبهم في (من). ﴿عَزَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: من التي عزلتها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿جُناحَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٠]. هذا؛ وإن اعتبرت: (من) موصولة؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، والجملة الاسمية: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ في محل رفع خبره؛ وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَدْنى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْ تَقَرَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ ويقرأ بالبناء للمعلوم، وللمجهول. ﴿أَعْيُنُهُنَّ:﴾ فاعل، أو نائب فاعل، ويقرأ: «(تقرّ)» ونصب «(أعينهن)» على أنه مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، و ﴿أَنْ تَقَرَّ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: إلى إقرار أعينهن، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَدْنى﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَحْزَنَّ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والفعل معطوف على ما قبله، فهو منصوب محلا، و (يرضين): مثله محلا، وإعرابا، لذا فالتقدير: ذلك أقرب إلى إقرار أعينهن، وأقرب إلى قلة حزنهن، وأقرب إلى رضاهن جميعا. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿آتَيْتَهُنَّ:﴾ فعل، وفاعل ومفعوله الأول، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة: (ما)، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني، التقدير: ويرضين بالذي آتيتهن إياه. ﴿كُلُّهُنَّ:﴾ توكيد لنون النسوة بقوله: (يرضين)، وقرئ شاذا بنصبه على أنه توكيد ل: (هنّ) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿بِما:﴾ اسم موصول مبني على السكون

стр. 4899

في محل نصب مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢)﴾ الشرح: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ:﴾ يقرأ الفعل بالياء، والتاء؛ لأنه جمع تكسير، يجوز تذكيره، وتأنيثه، وإذا جاز بغير فصل في قوله تعالى: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ كان مع الفصل أجوز. ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد التسع اللاتي اخترنك المذكورات في الآية رقم [٢٩]. ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ﴾ أي: بأن تطلق إحداهن، وتتزوج بدلها، أو تطلقهن جميعا، وتتزوج غيرهن، وهذا تكريم لهن، ومكافأة على اختيارهن الله، ورسوله، كما رأيت في الآية رقم [٢٩] أيضا. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ أي: حسن المبتدلات الجدد. أي: فليس لك أن تطلق أحدا من نسائك، وتنكح بدلها أخرى، ولو أعجبك جمالها. قال ابن عباس-﵄: يعني: أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب-﵁-لما استشهد بمؤتة، أراد رسول الله ﷺ أن يخطبها، فنهي عن ذلك. وقيل: هذا الحجر عليه ﷺ حتى لو ماتت واحدة منهن؛ لا يحل له نكاح أخرى. ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ:﴾ فهي استثناء ممن حرم عليه من النساء بعد اللاتي اخترن الله، ورسوله، والدار الآخرة. قال ابن عباس-﵄: ملك مارية القبطية ﵂-بعد نزول هذه الآية، وكانت قد أهداها له المقوقس ملك مصر، وذلك حين بعث إليه الرسول ﷺ حاطب بن أبي بلتعة-﵁-بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، صورته: «بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم القبط». و ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٦٤] من سورة (آل عمران)، فلما وصل إليه الكتاب قرأه، ثم جعله في حق من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، ثم كتاب جوابه في كتاب صورته: «إلى محمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد: فقد قرأت كتابك، وفهمت ما فيه، وما تدعو إليه، وعلمت: أن نبيا قد بقي، وما كنت أظن أنه يخرج إلا بالشام، وقد أكرمت رسولك (أي: فإنه قد دفع لحاطب مائة دينار، وخمسة أثواب) وبعثت لك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم (أي: وهما مارية، وسيرين-﵄) وبغلة للركوب، وثياب، كذا

стр. 4900

وكذا». ولم يسلم، وأهدى إليه جارية ثالثة، وخصيّا، يقال له: مابور، والبغلة هي الدلدل، وكانت شهباء، وفرسا هو: اللزاز، فأسرج، وألجم، وهو فرسه الميمون، وأهدى إليه عسلا من عسل بنها. انتهى. من الجمل نقلا عن السيرة الحلبية بتصرف مني كبير. والمشهور: أنه بعث إليه طبيبا أيضا، ولما وصل إليه الطبيب، قال النبي ﷺ : «لا حاجة لنا به، نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع». وقد ولدت مارية-﵂ إبراهيم ﵇، وقد توفي قبل تمام حولين له، وأما سيرين فقد زوجها لأحد أصحابه، فولدت له محمد بن سيرين، وهو من كبار التابعين، وأخيرا: فقد كان كتاب النبي ﷺ إلى المقوقس في السنة السادسة للهجرة، وهي السنة التي راسل فيها الملوك؛ الذين كانوا في حياته ﷺ . والله أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ أي: حافظا مهيمنا، فتحفظوا جهدكم، ولا تتخطوا ما حد لكم. وهو تهديد، وتحذير عن مجاوزة حدود الله، وتخطي حلاله إلى حرامه. وبقي أن تعرف هل نسخ هذا الحجر على رسول الله ﷺ ، أو بقي إلى آخر حياته؟ فقيل: بقي، والأصح: أنه نسخ، فعن عائشة-﵂-قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء، وروى الطحاوي عن أم سلمة ﵂، قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء من شاء، إلا ذات محرم، وذلك قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ..﴾. إلخ الآية السابقة. قال النحاس: وهذا؛ -والله أعلم-أولى ما قيل في الآية، وهو وقول عائشة واحد في النسخ، وقد عارض بعض فقهاء الكوفة، فقال: محال أن تنسخ الآية السابقة هذه الآية، وهي قبلها في المصحف الذي أجمع عليه المسلمون. ورجح قول من قال: نسخت بالسّنّة. قال النحاس: وهذه المعارضة لا تلزم، وقائلها غالط؛ لأن القرآن بمنزلة سورة واحدة، ويبين لك أن اعتراض هذا المعترض لا يلزم؛ لأن الآية رقم [٢٤٠] من سورة (البقرة) قد نسخت بالآية رقم [٢٣٤] وهي بعدها، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَحِلُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿النِّساءُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿مِنْ بَعْدُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿النِّساءُ﴾ وهو أولى، وبني ﴿بَعْدُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا نية. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أَنْ تَبَدَّلَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والمصدر المؤول في محل رفع معطوف على ﴿النِّساءُ﴾ التقدير: ولا يحل لك التبدل. ﴿بِهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَزْواجٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.

стр. 4901

﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال. (لو): وصلية. وقيل: شرطية، ولا وجه له؛ لأنها لا جواب لها، وأيضا لا تجتمع الشرطية، والحالية. ﴿أَعْجَبَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿حُسْنُهُنَّ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَبَدَّلَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من: ﴿النِّساءُ،﴾ أو في محل نصب على الاستثناء، والأول هو المختار، وأجيز اعتباره مستثنى من (الأزواج)، أو في محل جر بدلا من لفظه، أو في محل نصب بدلا من: (هنّ) على المحل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: إلا الذي ملكته يمينك. هذا؛ وأجاز مكي اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب على الاستثناء، أو في محل رفع بدلا من النساء على حسب ما رأيت فيما تقدم. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَقِيباً﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿رَقِيباً:﴾ خبر: (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً (٥٣)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أي: إلا وقت أن يؤذن لكم، أو: إلا مأذونا لكم. ﴿إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ:﴾ غير منتظرين نضجه وإدراكه. ﴿وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ:﴾ إلى الطعام، وأذن لكم في الدخول؛ فادخلوا غير مؤاخذ عليكم. ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا:﴾ فاخرجوا، وتفرقوا، ولا تمكثوا. والآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ ، فيدخلون، ويقعدون منتظرين لإدراكه وهذا قبل أن تنزل آية الحجاب كما ستعرفه. ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: لحديث بعضكم بعضا، أو لحديث أهل البيت بالتسمع له، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون، فنهوا عن ذلك. ﴿إِنَّ ذلِكُمْ﴾ أي: القعود في البيت للتحدث بعد الطعام. ﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ:﴾ لتضييق المنزل عليه، وعلى أهله، واشتغاله فيما لا يعنيه. ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أي: أن يخرجكم. ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يستحيي من

стр. 4902

إخراجكم الذي هو الحق، ولا ينبغي أن يستحيا منه. ولما كان الحياء مما يمنع الحيي من بعض الأفعال؛ قيل: ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ،﴾ أي لا يمنع منه، ولا يتركه ترك الحيي منكم. هذا أدب أدب الله به الثقلاء، وعن عائشة-﵂-قالت: حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم، وقال: ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾. ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً:﴾ وإذا سألتم نساء النبي ﷺ شيئا مما ينتفع به. ﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ أي: من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء النبي ﷺ منتقبة كانت، أو غير منتقبة. هذا؛ وفيما تقدم المطابقة بين قوله: ادخلوا، وانتشروا، وبين الإيجاب والسلب في قوله تعالى: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ وهذا من المحسنات البديعية. ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ:﴾ من خواطر الشيطان، وعوارض الفتن، وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال، وكان عمر-﵁-يحب ضرب الحجاب عليهن، ويود أن ينزل فيه، وقال: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت. وذكر أن بعضهم قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة، فنزل قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ..﴾. إلخ. ﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً﴾ أي: ذنبا عظيما، وهذا من إعلام تعظيم الله لرسوله ﷺ ، وإيجاب حرمته حيا، وميتا، وإعلامه بذلك مما طيب نفسه، وسر قلبه، واستفرغ شكره، فإن من الناس من تفرط غيرته على حرمته حتى يتمنى لها الموت قبله لئلا تنكح غيره بعده، وانظر شرح: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ في الآية رقم [٣٦]. وإنما حرمن على غيره ﷺ ؛ لأنه حي في قبره، ورعاية لشرفه، ولأنهن أزواجه في الجنة، ولأنهن أمهات المؤمنين، ولأن المرأة في الجنة مع آخر أزواجها، ويرد على قوله: لأنه حي في قبره بقية الأنبياء، فإن أزواجهم يجوز لغيرهم من الأنبياء التزوج بهن مع أنهم أحياء في قبورهم، وكذا الشهداء يجوز لغيرهم التزوج بنسائهم مع أنهم أحياء، فالأولى الاقتصار على التعاليل اللاتي بعده، ونساء باقي الأنبياء يحرمن على غير الأنبياء. تنبيه: قال أكثر المفسرين: نزلت الآية الكريمة في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول الله ﷺ . روى الشيخان عن أنس بن مالك-﵁-قال: كنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما أنزل في بناء رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش حين أصبح النبي ﷺ بها عروسا، فدعا القوم، فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا، وبقي رهط عند النبي ﷺ ، فأطالوا المكث فقام رسول الله ﷺ فخرج، وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى ومشيت معه حتى جاء عتبة حجرة عائشة-﵂-ثم ظن: أنهم قد خرجوا، فرجع، ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب؛ فإذا هم جلوس، لم يقوموا، فرجع، ورجعت معه؛

стр. 4903

حتى إذا بلغ حجرة عائشة، وظن أنهم قد خرجوا، رجع، ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فدخل النبي ﷺ ، وأرخى بيني، وبينه الستر، وأنزل الله آية الحجاب. وروى الشيخان عن عائشة-﵂-أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المواضع الخالية لقضاء الحاجة من البول، والغائط، وكان عمر-﵁-يقول للنبي ﷺ : احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة! حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله تعالى آية الحجاب، وهذه الآية من جملة الآيات الأربع عشرة التي نزلت موافقة لرأي عمر ﵁، وقد بينتها في محالها. هذا؛ والقائل: أننهى أن نكلم بنات عمنا... إلخ هو طلحة بن عبيد الله التيمي قريب أبي بكر، ﵁ وليس هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فحاشاه من هذا القول، وإنما القائل غيره، وقد وافق الاسم الاسم، والنسبة النسبة، واسم الأب اسم الأب موافقة. قال عبد الله بن عباس ﵄: وندم هذا الرجل على ما حدّث به نفسه، فمشى إلى مكة على رجليه. وحمل على عشرة أفراس في سبيل الله، وأعتق رقيقا، فكفر الله عنه. انتهى. قرطبي. هذا؛ والحياء بالنسبة للإنسان: هو انقباض النفس من الشيء، وتركه خوفا من اللوم، وهو ملكة تمنع الإنسان من ارتكاب الرذائل، والحياء خير ما يتحلى به إنسان، فعن عبد الله بن عمر ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما، رفع الآخر». وإذا ذهب الحياء من الإنسان؛ فقد ذهب منه كل خير، كما قال القائل: [الوافر] إذا لم تخش عاقبة اللّيالي... ولم تستح فاصنع ما تشاء فلا وأبيك ما في العيش خير... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء هذا؛ والحياء في حق الله تعالى المراد منه: الترك اللازم للانقباض، كما ورد في قول النبي ﷺ : «إنّ الله حييّ كريم يستحيي إذا رفع الرجل يديه أن يردّهما صفرا خائبتين». رواه أبو داود، والترمذي عن سلمان الفارسي، ﵁. فالمراد منه: أنه سبحانه يعطي، ولا يمنع. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ ناهية، جازمة. ﴿تَدْخُلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بُيُوتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول

стр. 4904

به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: «دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام». و ﴿بُيُوتَ:﴾ مضاف، و ﴿النَّبِيِّ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿يُؤْذَنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل. ﴿إِلى طَعامٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأن والفعل المضارع في تأويل مصدر، وفيه أوجه: أحدها: أنه في محل نصب حال تقديره: إلا مأذونا لكم. الثاني: أنه على إسقاط باء السببية تقديره: إلا بسبب الإذن لكم، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، التقدير: إلا مصحوبين بإذن، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بسببه، الثالث: أنه منصوب على الظرفية؛ أي: إلا وقت الإذن لكم، وهذا يعني: أنه مستثنى من عموم الأحوال، أي: لا تدخلوا بيوت النبي في وقت من الأوقات إلا وقت الإذن لكم. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من الكاف، أو من الواو، و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿ناظِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِناهُ:﴾ مفعول به ل: ﴿ناظِرِينَ؛﴾ لأنه اسم فاعل منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وقرئ بجر (غير) صفة لطعام، فيكون جاريا على غير من هو له بلا إبراز الضمير، وهو غير جائز عند البصريين؛ إذ من حق ضمير ﴿غَيْرَ﴾ ما هو له عندهم أن يبرز إلى اللفظ، فيقال: إلى طعام غير ناظرين إناه أنتم، كقولك: هند زيد ضاربته هي، وجملة: ﴿لا تَدْخُلُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثل الجملة الندائية قبلها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿دُعِيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون. والتاء نائب فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿فَادْخُلُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (ادخلوا): فعل أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، وجملة: ﴿وَلكِنْ إِذا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ﴿فَإِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، وإعرابه مثله أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿مُسْتَأْنِسِينَ:﴾ معطوف على ﴿ناظِرِينَ﴾ فهو مجرور مثله، وأجيز اعتباره معطوفا على ﴿غَيْرَ﴾ فيكون منصوبا، كما أجيز اعتباره حالا مقدرة من محذوف، التقدير: لا تدخلوا، أو: لا تمكثوا مستأنسين، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِحَدِيثٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿أَنْ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض

стр. 4905

ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى اسم الإشارة. ﴿يُؤْذِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، منع من ظهورها الثقل، والفاعل يعود إلى اسم الإشارة. ﴿النَّبِيِّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنْ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ زائدة؛ فجملة: ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ تكون خبر: ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ ذلِكُمْ..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، لا محل لها. ﴿فَيَسْتَحْيِي:﴾ الفاء: حرف عطف. ﴿فَيَسْتَحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، وهو يقرأ بياء واحدة، وبياءين، ومثله ما بعده، والفاعل يعود إلى النبي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والرابط في الأولى رابط في الثانية. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما وهو على تقدير مضاف؛ إذ الأصل: فيستحيي من إخراجكم. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿فَيَسْتَحْيِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل يستحيي الأول، والرابط الضمير فقط. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿سَأَلْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به أول، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿مَتاعاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿فَسْئَلُوهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اسألوهن): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله الأول، والثاني محذوف، التقدير: فاسألوهن إياه، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها. ﴿مِنْ وَراءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿وَراءِ﴾ مضاف، و ﴿حِجابٍ﴾ مضاف إليه، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَطْهَرُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لِقُلُوبِكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَطْهَرُ﴾. (قلوبهن): معطوف على ما قبله، والكاف والهاء ضميران متصلان في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تُؤْذُوا﴾ في محل رفع اسمها مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿رَسُولَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَنْكِحُوا﴾ معطوف على سابقه، فهو في محل رفع مثله. ﴿أَزْواجَهُ:﴾ مفعول به.
следующие страницы →