← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال. (لو): وصلية. وقيل: شرطية، ولا وجه له؛ لأنها لا جواب لها، وأيضا لا تجتمع الشرطية، والحالية. ﴿أَعْجَبَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿حُسْنُهُنَّ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَبَدَّلَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من: ﴿النِّساءُ،﴾ أو في محل نصب على الاستثناء، والأول هو المختار، وأجيز اعتباره مستثنى من (الأزواج)، أو في محل جر بدلا من لفظه، أو في محل نصب بدلا من: (هنّ) على المحل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: إلا الذي ملكته يمينك. هذا؛ وأجاز مكي اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب على الاستثناء، أو في محل رفع بدلا من النساء على حسب ما رأيت فيما تقدم. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَقِيباً﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿رَقِيباً:﴾ خبر: (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً (٥٣)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أي: إلا وقت أن يؤذن لكم، أو: إلا مأذونا لكم. ﴿إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ:﴾ غير منتظرين نضجه وإدراكه. ﴿وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ:﴾ إلى الطعام، وأذن لكم في الدخول؛ فادخلوا غير مؤاخذ عليكم. ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا:﴾ فاخرجوا، وتفرقوا، ولا تمكثوا. والآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ ، فيدخلون، ويقعدون منتظرين لإدراكه وهذا قبل أن تنزل آية الحجاب كما ستعرفه. ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: لحديث بعضكم بعضا، أو لحديث أهل البيت بالتسمع له، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون، فنهوا عن ذلك. ﴿إِنَّ ذلِكُمْ﴾ أي: القعود في البيت للتحدث بعد الطعام. ﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ:﴾ لتضييق المنزل عليه، وعلى أهله، واشتغاله فيما لا يعنيه. ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أي: أن يخرجكم. ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يستحيي من

стр. 4902

إخراجكم الذي هو الحق، ولا ينبغي أن يستحيا منه. ولما كان الحياء مما يمنع الحيي من بعض الأفعال؛ قيل: ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ،﴾ أي لا يمنع منه، ولا يتركه ترك الحيي منكم. هذا أدب أدب الله به الثقلاء، وعن عائشة-﵂-قالت: حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم، وقال: ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾. ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً:﴾ وإذا سألتم نساء النبي ﷺ شيئا مما ينتفع به. ﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ أي: من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء النبي ﷺ منتقبة كانت، أو غير منتقبة. هذا؛ وفيما تقدم المطابقة بين قوله: ادخلوا، وانتشروا، وبين الإيجاب والسلب في قوله تعالى: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ وهذا من المحسنات البديعية. ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ:﴾ من خواطر الشيطان، وعوارض الفتن، وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال، وكان عمر-﵁-يحب ضرب الحجاب عليهن، ويود أن ينزل فيه، وقال: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت. وذكر أن بعضهم قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة، فنزل قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ..﴾. إلخ. ﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً﴾ أي: ذنبا عظيما، وهذا من إعلام تعظيم الله لرسوله ﷺ ، وإيجاب حرمته حيا، وميتا، وإعلامه بذلك مما طيب نفسه، وسر قلبه، واستفرغ شكره، فإن من الناس من تفرط غيرته على حرمته حتى يتمنى لها الموت قبله لئلا تنكح غيره بعده، وانظر شرح: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ في الآية رقم [٣٦]. وإنما حرمن على غيره ﷺ ؛ لأنه حي في قبره، ورعاية لشرفه، ولأنهن أزواجه في الجنة، ولأنهن أمهات المؤمنين، ولأن المرأة في الجنة مع آخر أزواجها، ويرد على قوله: لأنه حي في قبره بقية الأنبياء، فإن أزواجهم يجوز لغيرهم من الأنبياء التزوج بهن مع أنهم أحياء في قبورهم، وكذا الشهداء يجوز لغيرهم التزوج بنسائهم مع أنهم أحياء، فالأولى الاقتصار على التعاليل اللاتي بعده، ونساء باقي الأنبياء يحرمن على غير الأنبياء. تنبيه: قال أكثر المفسرين: نزلت الآية الكريمة في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول الله ﷺ . روى الشيخان عن أنس بن مالك-﵁-قال: كنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما أنزل في بناء رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش حين أصبح النبي ﷺ بها عروسا، فدعا القوم، فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا، وبقي رهط عند النبي ﷺ ، فأطالوا المكث فقام رسول الله ﷺ فخرج، وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى ومشيت معه حتى جاء عتبة حجرة عائشة-﵂-ثم ظن: أنهم قد خرجوا، فرجع، ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب؛ فإذا هم جلوس، لم يقوموا، فرجع، ورجعت معه؛

стр. 4903

حتى إذا بلغ حجرة عائشة، وظن أنهم قد خرجوا، رجع، ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فدخل النبي ﷺ ، وأرخى بيني، وبينه الستر، وأنزل الله آية الحجاب. وروى الشيخان عن عائشة-﵂-أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المواضع الخالية لقضاء الحاجة من البول، والغائط، وكان عمر-﵁-يقول للنبي ﷺ : احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة! حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله تعالى آية الحجاب، وهذه الآية من جملة الآيات الأربع عشرة التي نزلت موافقة لرأي عمر ﵁، وقد بينتها في محالها. هذا؛ والقائل: أننهى أن نكلم بنات عمنا... إلخ هو طلحة بن عبيد الله التيمي قريب أبي بكر، ﵁ وليس هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فحاشاه من هذا القول، وإنما القائل غيره، وقد وافق الاسم الاسم، والنسبة النسبة، واسم الأب اسم الأب موافقة. قال عبد الله بن عباس ﵄: وندم هذا الرجل على ما حدّث به نفسه، فمشى إلى مكة على رجليه. وحمل على عشرة أفراس في سبيل الله، وأعتق رقيقا، فكفر الله عنه. انتهى. قرطبي. هذا؛ والحياء بالنسبة للإنسان: هو انقباض النفس من الشيء، وتركه خوفا من اللوم، وهو ملكة تمنع الإنسان من ارتكاب الرذائل، والحياء خير ما يتحلى به إنسان، فعن عبد الله بن عمر ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما، رفع الآخر». وإذا ذهب الحياء من الإنسان؛ فقد ذهب منه كل خير، كما قال القائل: [الوافر] إذا لم تخش عاقبة اللّيالي... ولم تستح فاصنع ما تشاء فلا وأبيك ما في العيش خير... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء هذا؛ والحياء في حق الله تعالى المراد منه: الترك اللازم للانقباض، كما ورد في قول النبي ﷺ : «إنّ الله حييّ كريم يستحيي إذا رفع الرجل يديه أن يردّهما صفرا خائبتين». رواه أبو داود، والترمذي عن سلمان الفارسي، ﵁. فالمراد منه: أنه سبحانه يعطي، ولا يمنع. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ ناهية، جازمة. ﴿تَدْخُلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بُيُوتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول

стр. 4904

به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: «دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام». و ﴿بُيُوتَ:﴾ مضاف، و ﴿النَّبِيِّ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿يُؤْذَنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل. ﴿إِلى طَعامٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأن والفعل المضارع في تأويل مصدر، وفيه أوجه: أحدها: أنه في محل نصب حال تقديره: إلا مأذونا لكم. الثاني: أنه على إسقاط باء السببية تقديره: إلا بسبب الإذن لكم، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، التقدير: إلا مصحوبين بإذن، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بسببه، الثالث: أنه منصوب على الظرفية؛ أي: إلا وقت الإذن لكم، وهذا يعني: أنه مستثنى من عموم الأحوال، أي: لا تدخلوا بيوت النبي في وقت من الأوقات إلا وقت الإذن لكم. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من الكاف، أو من الواو، و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿ناظِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِناهُ:﴾ مفعول به ل: ﴿ناظِرِينَ؛﴾ لأنه اسم فاعل منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وقرئ بجر (غير) صفة لطعام، فيكون جاريا على غير من هو له بلا إبراز الضمير، وهو غير جائز عند البصريين؛ إذ من حق ضمير ﴿غَيْرَ﴾ ما هو له عندهم أن يبرز إلى اللفظ، فيقال: إلى طعام غير ناظرين إناه أنتم، كقولك: هند زيد ضاربته هي، وجملة: ﴿لا تَدْخُلُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثل الجملة الندائية قبلها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿دُعِيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون. والتاء نائب فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿فَادْخُلُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (ادخلوا): فعل أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، وجملة: ﴿وَلكِنْ إِذا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ﴿فَإِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، وإعرابه مثله أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿مُسْتَأْنِسِينَ:﴾ معطوف على ﴿ناظِرِينَ﴾ فهو مجرور مثله، وأجيز اعتباره معطوفا على ﴿غَيْرَ﴾ فيكون منصوبا، كما أجيز اعتباره حالا مقدرة من محذوف، التقدير: لا تدخلوا، أو: لا تمكثوا مستأنسين، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِحَدِيثٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿أَنْ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض

стр. 4905

ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى اسم الإشارة. ﴿يُؤْذِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، منع من ظهورها الثقل، والفاعل يعود إلى اسم الإشارة. ﴿النَّبِيِّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنْ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ زائدة؛ فجملة: ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ تكون خبر: ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ ذلِكُمْ..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، لا محل لها. ﴿فَيَسْتَحْيِي:﴾ الفاء: حرف عطف. ﴿فَيَسْتَحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، وهو يقرأ بياء واحدة، وبياءين، ومثله ما بعده، والفاعل يعود إلى النبي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والرابط في الأولى رابط في الثانية. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما وهو على تقدير مضاف؛ إذ الأصل: فيستحيي من إخراجكم. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿فَيَسْتَحْيِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل يستحيي الأول، والرابط الضمير فقط. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿سَأَلْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به أول، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿مَتاعاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿فَسْئَلُوهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اسألوهن): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله الأول، والثاني محذوف، التقدير: فاسألوهن إياه، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها. ﴿مِنْ وَراءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿وَراءِ﴾ مضاف، و ﴿حِجابٍ﴾ مضاف إليه، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَطْهَرُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لِقُلُوبِكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَطْهَرُ﴾. (قلوبهن): معطوف على ما قبله، والكاف والهاء ضميران متصلان في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تُؤْذُوا﴾ في محل رفع اسمها مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿رَسُولَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَنْكِحُوا﴾ معطوف على سابقه، فهو في محل رفع مثله. ﴿أَزْواجَهُ:﴾ مفعول به.

стр. 4906

والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَزْواجَهُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة اسم: ﴿أَنْ﴾. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿كانَ﴾ ماض ناقص. واسمه يعود إلى ﴿ذلِكُمْ﴾. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿عَظِيماً﴾ بعده، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيماً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤)﴾ الشرح: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً:﴾ تظهروا، وتجهروا بشيء على ألسنتكم، كنكاح أزواج النبي ﷺ . ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في صدوركم، أي: لا تجهروا به. ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ﴾ وكائن وما يزال كائنا أبد الآبدين ﴿عَلِيماً﴾ بكل شيء. وفحواه: أن الله جلت قدرته، وتعالت حكمته عالم بما بدا، وما خفي، وما كان، وما لم يكن، لا يخفى عليه ماض تقضّى، ولا مستقبل يأتي. وهذا على العموم تمدح به، وهو أهل المدح، والحمد، والمراد به هنا: التوبيخ، والوعيد لمن تقدم التعريض به في الآية السابقة، ممّن أشير إليه بقوله: ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ومن أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ..﴾. إلخ فقيل لهم في هذه الآية: إن الله تعالى يعلم ما تخفونه من هذه المعتقدات والخواطر المكروهة، وما تبدونه منها، فيجازيكم عليها، ولا تنس المطابقة بين قوله: ﴿تُبْدُوا﴾ (وتخفوا) وهي من المحسنات البديعية. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُبْدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تُخْفُوهُ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والواو فاعله، والهاء مفعول به. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيماً﴾ بعدهما، و (كل): مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيماً:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، وجملة: (إن...) إلخ في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وعند التأمل يتبين لك أن جواب الشرط محذوف، التقدير: فهو يجازيكم به، وعليه فالجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ تعليلية لا محل لها، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.

стр. 4907

﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاِتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥)﴾ الشرح: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ﴾ أي: لا إثم، ولا حرج على أزواج الرسول ﷺ . ﴿فِي آبائِهِنَّ..﴾. إلخ: أي: في رؤية، وكلام آبائهن لهن... إلخ، فالكلام على حذف المضاف. روي: أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء، والأبناء، والإخوان: يا رسول الله! أو نكلمهن أيضا من وراء الحجاب؟ فنزل: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ﴾. هذا؛ وقد ذكر تعالى في هذه الآية من يحل للمرأة البروز له، ولم يذكر الأعمام، والأخوال مع كونهم من المحارم، وأولادهم ليسوا من المحارم باتفاق جميع المسلمين؛ لأن مناكحتهم صحيحة لا حرج فيها، لم يذكرهم الله؛ لأنهم يجرون مجرى الوالدين، في معنى الإخوان، أو لأن الأحوط أن يتسترن عنهم حذرا من أن يصفوهن لأولادهم. قال الزجاج: هذا؛ وقد ذكر الله في هذه الآية بعض المحارم وذكر الجميع في الآية رقم [٢٣] من سورة (النساء)، والآية رقم [٣١] من سورة (النور)، فهذه الآية توسطت بين الآيتين. ﴿وَلا نِسائِهِنَّ﴾ أي: المؤمنات من أهل دينهنّ، المراد أنه يجوز للمرأة المسلمة أن تنظر إلى بدن المرأة المسلمة ما عدا ما بين السرة والركبة، فلا يجوز للمرأة المؤمنة أن تتعرى من ثيابها عند الذمية، أو الوثنية؛ لأنها ليست من المؤمنات، ولأنها أجنبية في الدين، فكانت أبعد من الرجل الذي يحل نكاحه، وقد كتاب عمر-﵁-إلى أبي عبيدة بن الجراح-﵁-أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات، وذلك لئلا تصف الكافرة جسد المسلمة لزوجها الكافر، أو غيره من أقاربها. ولا يفوتني أن أذكر أنه تقدم الطبيبة الكافرة في معالجة المرأة المسلمة على الطبيب المسلم، ولو كان عدلا، ولكن المسلمين في هذه الأيام قد انحرفوا عن الصراط المستقيم، فتراهم يقدمون الطبيب الكافر على الطبيب المسلم؛ بل وعلى الطبيبة المسلمة، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ﴿وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ أي: من العبيد، والإماء، بمعنى: أنه يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف من بدنها ما عدا ما بين السرة والركبة لمن تملكه من العبيد، ولا أطيل الكلام في ذلك؛ لأن الرق لم يعد موجودا في الدنيا. وينبغي أن تعلم: أن هذه الأحكام ليست مقصورة على نساء النبي ﷺ ؛ بل تعم جميع المسلمات المؤمنات، ولذا عممته كما ترى. هذا؛ و (آباء) جمع: أب، وأصله: أبو، فجمعه آباء. و (أبناء) جمع: ابن، وأصله: بنو، فجمعه: أبناء. و (نساء) أصله: نساي، فقل في إعلال الثلاثة: تحركت الواو، والياء، وانفتح ما

стр. 4908

قبلهما، فقلبتا ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. هذا؛ ولقد سئلت عما يلي: همزة المصدر استغفار ونحوه همزة وصل، فإذا جمع استغفارات، ونحوه تبقى الهمزة همزة وصل وهمزة «ابن» همزة وصل، فلما جمع «أبناء» صارت همزة قطع فما الفرق بينهما؟ فالجواب: إن همزة المصدر أصلية، وأما همزة «ابن» فليست أصلية إذ أصله «بنو» كما رأيت، فالهمزة فيه بدل من حرف علة أصلي، فلما جمع على «أبناء» فهذه الهمزة همزة أفعال، وليست همزة: ابن، كما قد يتوهم. أما ﴿شَيْءٍ﴾ فهو في اللغة عبارة عن كل موجود، إما حسا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت: شيئا، وجمع الشيء: أشياء غير منصرف، واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-أن وزنه: شياء وزان: حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت: لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: آدر، وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا. تنبيه: وقعت «ما» على العبيد والإماء، وهم عاقلون، وهي لغير العاقل، كما هو معروف، وإنما وقعت عليهم؛ لأنهم كانوا يباعون، ويشترون كالبهائم، كما وقعت على النساء الحرائر في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣] من سورة (النساء) لأنهن ناقصات عقل، ولأنهن بسبب دفع المهر لهن يشبهن الإماء، وانظر (اتقى) في الآية رقم [٣٢]. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿جُناحَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا﴾. ﴿فِي آبائِهِنَّ:﴾ متعلقان ب: ﴿جُناحَ؛﴾ لأنه مصدر. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو غير وجيه. هذا؛ وإن علقت عليهن ب: ﴿جُناحَ﴾ فهما متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وما بعده معطوف عليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: والذي ملكته أيمانكم. ﴿وَاتَّقِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقين): فعل أمر مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فامتثلن ما أمرتن به، واتقين الله في أن يراكن غير هؤلاء. والفاء المقدرة يظهر: أنها الفصيحة، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا؛ فامتثلن... إلخ. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ..﴾. إلخ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة، وهي مستأنفة، أو معترضة، لا محل لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿لا جُناحَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 4909

﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦)﴾ الشرح: هذه الآية شرّف الله بها رسوله ﷺ في حياته، وبعد موته، وأظهر بها منزلته عنده تعالى، والصلاة من الله عليه ﷺ : رحمته ورضوانه، ومن الملائكة: الدعاء والاستغفار، ومن الأمة: الدعاء، والتعظيم لأمره. انتهى. قرطبي. فإن قيل: إذا صلّى الله، وملائكته عليه فأيّ حاجة به إلى صلاتنا؟ أجيب بأن الصلاة عليه ليست لحاجته إليها، وإلا فلا حاجة به إلى صلاة الملائكة أيضا، وإنما القصد بها تعظيمه ﷺ ، وعود فائدتها علينا بالثواب، والقرب منه ﷺ . انتهى. نقلا عن الخطيب. قال الإمام: ولم تؤكد الصلاة-أي: بمصدر-كما أكد السّلام؛ لأنها مؤكدة بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ..﴾. إلخ. وقيل: إنه من الاحتباك، فحذف (عليه) من أحدهما، والمصدر من الآخر. هذا؛ وتجوز الصلاة على غيره تبعا له، وتكره استقلالا؛ لأنه في العرف صار شعارا لذكر الرسل، ولذلك كره أن يقال: إن محمدا ، وإن كان عزيزا جليلا. هذا؛ وقد اختلف في الصلاة على النبي ﷺ : أواجبة، أو مندوبة؟ ومن قال في الوجوب اختلفوا في حال وجوبها، فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره، ومن قول النبي ﷺ : «ألا أخبركم بأبخل الناس؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ، فذلك أبخل الناس». رواه ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة عن أبي ذر الغفاريّ، ﵁. ومنهم من قال: تجب في العمر مرة. ومنهم من قال: تجب في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره، ومنهم من قال: تجب في كل صلاة في التشهد الأخير، وهو مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، ومن قول الشافعي، ﵁: [البسيط] يا آل بيت رسول الله حبكم... فرض من الله في القرآن أنزله يكفيكم من عظيم الفخر أنكم... من لم يصلّ عليكم لا صلاة له كما اختلف في صفة الصلاة عليه ﷺ . وخذ ما يلي: عن كعب بن عجرة-﵁ قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! هذا السّلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة؟ فقال: «قل: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد». وعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: إذا صليتم على رسول الله ﷺ ؛ فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قال، فقالوا له: فعلّمنا! قال: قولوا:

стр. 4910

«اللهم اجعل صلواتك، ورحمتك، وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون، والآخرون. اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». أما فضل الصلاة عليه ﷺ ، فهو مما لا ريب فيه، وقد ورد في بيانه أحاديث كثيرة، خذ منها ما يلي: فعن أبي بردة بن نيار-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى عليّ من أمتي صلاة مخلصا من قلبه؛ صلّى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتاب له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيّئات». رواه النسائي، والطبراني. وعن ابن مسعود ﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ لله ملائكة سيّاحين يبلّغوني عن أمّتي السّلام». رواه النسائي. وعن الحسن بن علي-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «حيثما كنتم فصلّوا عليّ، فإنّ صلاتكم تبلغني». رواه الطبراني. وعن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أولى النّاس بي يوم القيامة أكثرهم صلاة عليّ». رواه الترمذي. هذا؛ وقال سهل بن عبد الله: الصلاة على محمد ﷺ أفضل العبادات؛ لأن الله تعالى تولاها هو وملائكته، ثم أمر بها المؤمنين، وسائر العبادات ليس كذلك. وقال أبو سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم يسأل الله حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي ﷺ ، فإن الله تعالى يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يرد ما بينهما. وروى سعيد بن المسيب عن عمر-﵁-أنه قال: الدعاء يحجب دون السماء حتى يصلّى على النبي ﷺ ، فإذا جاءت الصلاة على النبي ﷺ رفع الدعاء. وقال النبي ﷺ : «من صلّى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة يصلّون عليه، ما دام اسمي في ذلك الكتاب». يا رب لك الحمد على نعمتك. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿وَمَلائِكَتَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يُصَلُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. وقيل: الجملة في محل رفع خبر: ﴿وَمَلائِكَتَهُ﴾ على رفعه، وخبر الجلالة محذوف لتغاير الصلاتين، فيكون التقدير: إن الله يصلي على النبي، وإن ملائكته يصلون على النبي. ويكون قد حذف متعلق أحد الفعلين. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [٥٣] والمحال عليها. ﴿صَلُّوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها مثل الجملة الندائية قبلها؛ لأنها مثلها ابتدائية، وجملة: ﴿وَسَلِّمُوا..﴾. إلخ معطوفة عليها،

стр. 4911

وإعرابها مثلها، وانظر ما ذكرته في الشرح من الاحتباك، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو مستأنفة. هذا؛ ويقرأ برفع: «(ملائكته)»: فالكسائي يعطفه على اسم: ﴿إِنَّ﴾ باعتباره مبتدأ قبل دخولها عليه، والجمهور على أنه مبتدأ خبره محذوف، أو خبره المذكور بعده، وخبر: ﴿إِنَّ﴾ هو المحذوف، وجملة المبتدأ، والخبر معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ﴾ واسمها، وخبرها، وبعض البصريين يقول بقول الكسائي؛ لأنهم لم يشترطوا المحرز، وهو قول الكوفيين عامة الذين لا يشترطون المحرز أيضا، ولكن شرط الفراء لصحة الرفع قبل مجيء الخبر خفاء إعراب الاسم لئلا يتنافر اللفظ، ولم يشترطه الكسائي. وقول الجمهور هو المعتمد، وهو أن خبر: ﴿إِنَّ﴾ محذوف، وجملة: ﴿يُصَلُّونَ﴾ خبر: (ملائكته). ولا يصح أن تكون خبر: ﴿إِنَّ﴾ لعدم الموافقة بالإفراد، والجمع، ومثل الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل] خليليّ هل طبّ فإنّي وأنتما... وإن لم تبوحا بالهوى دنفان وهو الشاهد رقم [٨٥٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٩] من سورة (المائدة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧)﴾ الشرح: اختلف العلماء في إذاية الله تعالى بماذا تكون؟ فقال الجمهور من العلماء: معناه بالكفر ونسبة الصاحبة، والولد، والشريك إليه، ووصفه بما لا يليق به، كقول اليهود لعنهم الله: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (المائدة)، وكقول النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾. وقول المشركين: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه. فقد أخرج البخاري -رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : كذّبني ابن آدم، ولم يكن له، وشتمني، ولم يكن له ذلك؛ فأمّا تكذيبه إيّاي؛ فقوله: لن يعيدني؛ كما بدأني! وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته. وأمّا شتمه إيّاي؛ فقوله: اتّخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد». وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: قال الله : «يؤذيني ابن آدم، يسب الدّهر، وأنا الدّهر، بيدي الأمر، أقلّب اللّيل والنّهار». معنى هذا الحديث: أنه كان من عادة العرب في الجاهلية أن يذموا الدهر، ويسبوه عند النوازل، لاعتقادهم: أن الذي يصيبهم من أفعال الدهر، فقال الله تعالى: «أنا الدهر» أي: أنا

стр. 4912

الذي أحل بهم النوازل، وأنا فاعل لذلك الذي تنسبونه إلى الدهر في زعمكم. وقيل: معنى يؤذون الله: يلحدون في أسمائه، وصفاته. وقيل: هم أصحاب التصاوير. وقد قال رسول الله ﷺ : «لعن الله المصوّرين». وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله : ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرّة، أو ليخلقوا حبة، أو شعيرة». متفق عليه. وقيل: هو على حذف مضاف، التقدير: يؤذون أولياء الله. كما روي عن النبي ﷺ ، قال: قال الله تعالى: «من آذى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب». وقال تعالى: «من أهان لي وليا؛ فقد بارزني بالمحاربة». ومعنى الأذى هو مخالفة أمر الله تعالى، وارتكاب معاصيه، ذكر ذلك على ما يتعارفه الناس بينهم؛ لأن الله تعالى منزه عن أن يلحقه أذى من أحد. وأما إذاية رسول الله ﷺ ، فهي كل ما يؤذيه من الأقوال، والأفعال أيضا، أما قولهم: فساحر، شاعر، كاهن، مجنون. وأما فعلهم: فكسر رباعيته، وشجّ وجهه يوم أحد، وهذا ما كان منهم في المدينة، وأما فعلهم بمكة؛ فكثير، منه: إلقاء السلى على ظهره ﷺ وهو ساجد، إلى غير ذلك. وفي هذه الأيام كل من يدعي محبة الرسول، ولا يهتدي بهديه، ولا يعمل بسنته؛ فهو مؤذ للرسول ﷺ . الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب اسمها. ﴿يُؤْذُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَنَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الوجهين. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْآخِرَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. وجملة: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً﴾ معطوفة على جملة: ﴿لَعَنَهُمُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨)﴾ الشرح: قيل: إن الآية الكريمة نزلت في علي-﵁، وكرم الله وجهه-كان بعض المنافقين يؤذونه، ويسمعونه كلاما يؤذيه. وقيل: نزلت في شأن عائشة، ﵂. وقيل: نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء؛ إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيتبعون المرأة، فإن سكتت تبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء، ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة؛ لأن زيّ الكل كان واحدا، تخرج الحرة

стр. 4913

والأمة في درع، وخمار، فشكين ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية، ثم نهى الرسول ﷺ الحرائر أن يتشبهن بالإماء، وهو ما في الآية التالية. وقد ميز الله تعالى بين أذاه، وأذى الرسول، وأذى المؤمنين، فجعل الأول كفرا، والثاني كبيرة، وأطلق إيذاء الله ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات؛ لأن إيذاء الله، ورسوله لا يكون إلا بغير حق أبدا، وأما إيذاء المؤمنين والمؤمنات، فمنه بحق ومنه بغير حق، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١١٢]: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته. ﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَا:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بإضافة: (غير) إليها، واعتبارها موصولة، أو مصدرية فيه ضعف، والجملة الفعلية بعدها صفتها، والرابط: محذوف؛ إذ التقدير: بغير شيء اكتسبوه. ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِحْتَمَلُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بُهْتاناً:﴾ مفعول به. ﴿وَإِثْماً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُبِيناً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: (الذين...) إلخ معطوفة على الجملة الاسمية (إن...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿قُلْ لِأَزْواجِكَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿وَبَناتِكَ:﴾ الأربع، وكلهن من خديجة، ﵂. وهن: زينب، ﵂، وهي أكبر بناته ﷺ تزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، واسمه: لقيط. وقيل: هاشم. وتوفيت سنة ثمان من الهجرة. ورقية خطبها قبل النبوة عتبة بن أبي لهب، فلما بعث رسول الله ﷺ ، وأنزل الله عليه: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ..﴾. إلخ أمره أبوه بالإعراض عنها، فتزوجها عثمان، ﵁، وهاجرت معه إلى الحبشة الهجرتين، وولدت منه غلاما، سماه: عبد الله وبه يكنى، وتوفيت ورسول الله ﷺ كان في غزوة بدر، فلم يشهد دفنها. والثالثة أم كلثوم، ﵂، خطبها قبل النبوة عتيبة أخو عتبة بن أبي لهب، ثم أمره أبوه أن يعرض عنها للسبب

стр. 4914

المذكور في أمر رقية، ﵂، فتزوجها عثمان ﵁، بعد وفاة رقية، ﵂. وبذلك سمّي ذا النورين، وتوفيت في حياة أبيها ﷺ في شعبان سنة تسع من الهجرة، والرابعة فاطمة الزهراء ﵂، ولدت؛ وقريش تبني الكعبة قبل النبوة بخمس سنين. ﴿وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ هذا تعميم بعد تخصيص. ﴿يُدْنِينَ:﴾ يرخين، ويغطين وجوههن وأبدانهن. ﴿عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ:﴾ جمع: جلباب، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع، والخمار. وقيل: هو الملحفة، وكل ما يستتر به من كساء وغيره. ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ أي: أولى وأجدر بأن يعرفن، فلا يتعرض لهنّ. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً:﴾ لما سلف منهن من التفريط. ﴿رَحِيماً:﴾ بتعليمهن آداب الإسلام. تنبيه: أشارت الآية الكريمة إلى لطيفة دقيقة، وهي أن الدعوة لا تثمر إلا إذا بدأ الداعي بها في نفسه، وأهله، وهذا هو السر في البدء بالحجاب الشرعي بنساء الرسول ﷺ وبناته، قال أبو الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-من قصيدة مشهورة: [الكامل] يا أيّها الرجل المعلّم غيره... هلاّ لنفسك كان ذا التّعليم ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم وقد أجمعت الأمة على أن المراد بما في الآية الكريمة أن تغطي النساء وجوههن، وأبدانهنّ؛ لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه وحده، ولأن الوجه هو موضع الفتنة كما هو معروف لدى كل عاقل. ولا تنس: أن البيئة تختلف بين الريف، والبدو، والمدينة، فلكلّ اعتباره. ولما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن، كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، أمر الله رسوله ﷺ أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن؛ إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكن يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف، فإذا لبسن الجلابيب؛ وقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف عن معارضتهن من كان عزبا، أو شابا، وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية، تتبرز للحاجة، فيتعرض لها بعض الفجار يظن: أنها أمة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ، ونزلت الآية بسبب ذلك، وهذه الآية تسمى: آية الحجاب. في الآية الكريمة أمر الله سبحانه جميع النساء بالستر، وأن ذلك لا يكون إلا بما لا يصف جلدها إلا إذا كانت مع زوجها، فلها أن تلبس ما شاءت؛ لأن له أن يستمتع بها كيف شاء. ثبت: أن النبي ﷺ استيقظ ليلة، فقال: سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا فتح من الخزائن من يوقظ صواحب الحجر؟ ربّ كاسية في الدنيا، عارية في الآخرة.

стр. 4915

وذكر أبو هريرة-﵁-رقة الثياب للنساء، فقال: «الكاسيات العاريات المتنعّمات الشّقيّات». ودخل نسوة من بني تميم على عائشة-﵂-عليهن ثياب رقاق، فقالت: إن كنتنّ مؤمنات؛ فليس هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتنّ غير مؤمنات فتمتعن به. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات، عاريات، مميلات، مائلات، رءوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنّة، ولا يجدن ريحها، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». رواه مسلم وغيره. وعن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر-﵂-دخلت على رسول الله ﷺ ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها، وقال: «يا أسماء! إنّ المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه، وكفّيه». رواه أبو داود. وعن أبي موسى-﵁-عن النبي ﷺ قال: «كلّ عين زانية، والمرأة إذا استعطرت، فمرّت بالمجلس كذا وكذا يعني زانية». رواه أبو داود، والترمذي. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿لِأَزْواجِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَبَناتِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَنِساءِ:﴾ معطوف أيضا، وهو مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿يُدْنِينَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، ومحله الجزم من ثلاثة أوجه: أحدها هو جواب ﴿قُلْ﴾ وتقدير الكلام: إن تقل لهن يدنين، قاله الأخفش، ورده قوم، فقالوا: لأن قول الرسول لهن لا يوجب أن يدنين، وهذا عندي لا يبطل قوله؛ لأنه لم يرد أمر الكافرات؛ بل المؤمنات، كما هو واضح، وإذا قال الرسول ﷺ لهن: ادنين عليكن من جلابيبكن، أدنينها؛ لأنهنّ مأمورات بامتثال أمره، واجتناب نهيه، استجابة لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. والوجه الثاني حكي عن المبرد-رحمه الله تعالى-وهو: أنّ التقدير: قل لهن: ادنين، يدنين. ف: ﴿يُدْنِينَ﴾ المصرح به جواب ادنين المحذوف. حكاه جماعة، ولم يتعرضوا لإفساده، وهو فاسد لوجهين: أحدهما: أن جواب الشرط يخالف الشرط، إما في الفعل، وإما في الفاعل، أو فيهما معا، فأما إذا كان مثله في الفعل، والفاعل؛ فهو خطأ، كقولك: قم تقم، والتقدير: على ما ذكر في هذا الوجه: إن يدنين يدنين، والوجه الثاني: أن الأمر المقدر للمواجهة، و ﴿يُدْنِينَ﴾ على لفظ الغيبة، وهو خطأ؛ إذا كان الفاعل واحدا.

стр. 4916

والوجه الثالث من الأوجه الأولى: أنه مجزوم بلام محذوفة، تقديره: ليدنين، فهو أمر مستأنف، وجاز حذف اللام لدلالة ﴿قُلْ﴾ على الأمر. وهذا الإعراب هو الموافق لما ذكرته في الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، بالمقايسة بين ما هنا وهناك، فإن التعبير في الآيتين واحد، ولم يذكر أحد شيئا في إعراب الآية هنا، وما هناك منقول عن أبي البقاء العكبري، وعن مكي بن أبي طالب القيسي، مع الإشارة إلى ما ذكره ابن هشام في مغنيه، رحم الله الجميع رحمة واسعة، وشملنا ببره وإحسانه. ومثل هذه الآية رقم [٣١] من سورة (النور) بلا فارق، والله ولي التوفيق. ﴿عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له البتة. والهاء في الثاني ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون فيهما حرف دال على جماعة الإناث، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَدْنى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُعْرَفْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مبني على السكون، ونون النسوة نائب فاعله، وهو في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ ومتعلقه محذوف، التقدير: أن يعرفن بأنهن حرائر، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَدْنى؛﴾ إذ المعنى: فأقرب إلى معرفتهن. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (لا): نافية. ﴿يُؤْذَيْنَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، وتأويله بمصدر؛ إذ التقدير: فعدم إيذائهن بالتعرض لهن، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً (٦٠)﴾ الشرح: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ:﴾ عن نفاقهم. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ ضعف إيمان، وقلة ثبات عليه، أو في قلوبهم حب الفجور، والفسوق. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ:﴾ هم أناس كانوا يرجفون بأخبار السوء عن سرايا رسول الله ﷺ ؛ الذين كان يرسلهم إلى محاربة الكفار، فيقولون: هزموا، أو قتلوا، وجرى عليهم كذا، وكذا، فيكسرون قلوب المؤمنين. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ:﴾ لنسلطنك عليهم، أو لنأمرنك بقتالهم. ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أي: في المدينة، بمعنى: لا يقيمون فيها. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي: زمانا قصيرا.

стр. 4917

تنبيه: يرى أهل التفسير: أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد، يعني أنهم جمعوا هذه الأوصاف الثلاثة، فالواو مقحمة، كما قال الشاعر: [المتقارب] إلى الملك القرم وابن الهمام... وليث الكتيبة في المزدحم أراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة. وقيل: الموصوف متغاير، ومتعدد، فكان من المنافقين قوم يرجفون، وقوم يتبعون النساء للريبة، وقوم يشككون المسلمين. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: الإرجاف: التماس الفتنة، والإرجاف: إشاعة الكذب، والباطل للاغتمام به. وقيل: تحريك القلوب. يقال: رجفت الأرض: أي تحركت وتزلزلت، والرجفان: الاضطراب الشديد. قال عنترة من قصيدة يتوعد فيها الربيع بن زياد العبسي: وهذا هو الشاهد رقم [١٥٢] من كتابنا فتح رب البرية. [الوافر] متى ما تلقني فردين ترجف... روانف أليتيك وتستطارا والإرجاف: واحد أراجيف الأخبار. وقد أرجفوا في الشيء: أي: خاضوا فيه. قال العين المنقري يهجو به العجاج، أو رؤبة ابنه: [البسيط] أبا الأراجيف يا ابن اللؤم توعدني؟ ... وفي الأراجيف خلت اللؤم والخور هذا؛ والتعبير ب: ﴿ثُمَّ﴾ -وهي للتراخي-يفيد: أن الجلاء عن الأوطان، كان أعظم عليهم من كل ما أصيبوا به، فتراخت حاله عن حال المعطوف عليه، انتهى. كشاف. وفي الآية دليل على أن من كان معك ساكنا بالمدينة، فهو جار لك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر شرح (المنافق) في الآية رقم [١٢] وشرح: ﴿ثُمَّ﴾ في [١١] من سورة (الروم). الإعراب: ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَنْتَهِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وهو في محل جزم فعل الشرط. ﴿الْمُنافِقُونَ:﴾ فاعله مرفوع... إلخ، ومتعلقه محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع، معطوف على ما قبله، أو هو صفة له. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف صلة الموصول، فيكون ﴿مَرَضٌ﴾ فاعلا بالجار والمجرور؛ أي: بمتعلقه. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ:﴾ معطوف على ما قبله، أو هو صفة ثانية حسبما رأيت في الشرح حيث قيل بزيادة الواو. ﴿فِي الْمَدِينَةِ:﴾ متعلقان ب: (المرجفون). ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (نغرينك): فعل

стр. 4918

مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به. ﴿قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، لا محل لها، وجواب الشرط محذوف على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت، فهو ملتزم ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُجاوِرُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم، لا محل لها مثله. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له قطعا. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق، أو صفة زمان محذوف، التقدير: إلا جوارا قليلا، أو إلا زمانا قليلا. وقال مكي: حال من الواو، أي: لا يجاورونك إلا في حال قلتهم، وذلتهم. ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١)﴾ الشرح: ﴿مَلْعُونِينَ:﴾ مطرودين من رحمة الله تعالى. ﴿أَيْنَما ثُقِفُوا:﴾ وجدوا، قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. هذا؛ و (الثقف) في الأصل: الحذق في إدراك شيء علما كان، أو عملا، فهو يتضمن معنى الغلبة. ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً:﴾ هذا خبر، ومعناه الأمر، أي: خذوهم، واقتلوهم حيث وجدتموهم؛ إذا كانوا مصرين على النفاق، والإرجاف، قال القرطبي -رحمه الله تعالى-: وقد فعل بهم الطرد، واللعن، فإنه لما نزلت (براءة) جمعوا، فقال النبي ﷺ : يا فلان قم فاخرج، فإنك منافق! يا فلان قم... إلخ، فقام إخوانهم من المسلمين، فأخرجوهم، وطردوهم من المسجد. الإعراب: ﴿مَلْعُونِينَ:﴾ منصوب على الذم بفعل محذوف. وقيل: هو حال من واو الجماعة، وهو قول مكي، وأبي البقاء. ورده ابن هشام في المغني بقوله: لأن الصحيح: أنه لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان. وقال الجمل: حال من مقدر حذف هو وعامله، التقدير: ثم يخرجون ملعونين، ثم قال: وفي السمين قوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ قاله ابن عطية، والزمخشري، وأبو البقاء. قال ابن عطية: لأنه بمعنى: ينفون منها ملعونين، وقال الزمخشري: دخل حرف الاستثناء على الحال والظرف معا، كما مر في قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ وجوز الزمخشري أن ينتصب على الذم، وجوز ابن عطية أن يكون بدلا من ﴿قَلِيلاً﴾ على أنه حال كما تقدم تقريره؛ أي: لا يجاورك منهم أحد إلا قليلا ملعونا. ويجوز أن يكون منصوبا ب: ﴿أُخِذُوا﴾ الذي هو جواب الشرط. وهذا عند الكسائي، والفراء، فإنهما يجيزان تقديم معمول الجواب على أداة الشرط، نحو: خيرا إن تأتني

стр. 4919

تصب انتهى. ورده ابن هشام بقوله: ويرده: أن الشرط له الصدر. ﴿أَيْنَما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بفعل شرطه على المعتمد، وبعضهم يعلقه بجوابه. وقيل: (ما) زائدة، فيكون مبنيا على الفتح. ﴿ثُقِفُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على تعليق الشرط به، وفي محل جر بإضافة ﴿أَيْنَما﴾ إليها على اعتبار الشرط متعلقا بجوابه. ﴿أُخِذُوا:﴾ جواب الشرط، وإعرابه مثل إعراب سابقه، وجملته لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿وَقُتِّلُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه ومحله. ﴿تَقْتِيلاً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٦٢)﴾ الشرح: ﴿سُنَّةَ اللهِ..﴾. إلخ: أي سن الله ذلك في الأمم الماضية، وهو أن يقتل الذين نافقوا الأنبياء، حيث وسعوا في وهنهم وإضعافهم بالإرجاف، ونحوه، أينما وجدوا، وأينما حلوا. وعن مقاتل: يعني كما قتل أهل بدر وأسروا. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً:﴾ لأنه لا يبدلها، أو لا يقدر أحد أن يبدلها، وذلك لابتنائها على أساس الحكمة التي يدور عليها فلك التشريع، ومثل هذه الآية في معناها ومغزاها قوله تعالى في الآية رقم [٧٧] من سورة الإسراء، وهاكها: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً،﴾ ومثلها الآية رقم [٤٣] من سورة (فاطر) انظرها فالبحث فيها جيد جدا. قال القرطبي: وفي الآية دليل على جواز ترك إنفاذ الوعيد، والدليل على ذلك بقاء المنافقين معه ﷺ حتى مات، والمعروف من أهل الفضل إتمام وعدهم، وتأخير وعيدهم. انتهى. وقد بينات ذلك كثيرا. هذا؛ والسنة: الشريعة، والطريقة، وهي تكون حسنة إن كانت في الخير، مثل صلاة التراويح عشرين ركعة. وتكون سيئة إن كانت في الشر. وما أكثر السنن السيئة التي ابتدعها الناس في هذا الزمن. وخذ ما يلي: فعن حذيفة بن اليمان-﵁-قال: سأل رجل على عهد رسول الله ﷺ ، فأمسك القوم، ثم إنّ رجلا أعطاه، فأعطى القوم، فقال رسول الله ﷺ : «من سنّ خيرا فاستنّ به، كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا. ومن سنّ شرّا، فاستنّ به، كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». رواه أحمد، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ورواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁. وعن عمرو بن عوف-﵁: أن رسول الله ﷺ قال لبلال بن الحارث يوما: «اعلم يا بلال! قال: ما أعلم يا رسول الله؟! قال: اعلم أنّ من أحيا سنّة من سنتي قد أميتت بعدي؛

стр. 4920

كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة، لا يرضاها الله، ورسوله؛ كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا». رواه الترمذي وابن ماجة. الإعراب: ﴿سُنَّةَ:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، أي: سن الله ذلك سنة، و ﴿سُنَّةَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل المقدر، أو بسنة. ﴿خَلَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. وقيل: واو الحال، ولا وجه له قطعا؛ لأنها تناقض معنى (لن). (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَجِدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِسُنَّةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿تَبْدِيلاً،﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و (سنة) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿تَبْدِيلاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلَنْ تَجِدَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣)﴾ الشرح: ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ..﴾. إلخ: كان المشركون يسألون رسول الله ﷺ عن وقت قيام الساعة، استعجالا على سبيل الهزء، واليهود يسألونه امتحانا؛ لأن الله تعالى عمّى وقتها في التوراة، وفي كل كتاب، فأمر رسول الله ﷺ بأن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به لم يطلع عليه ملكا، ولا نبيا، ثم بين لرسوله ﷺ : أنها قريبة الوقوع تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للممتحنين، وهذا السؤال تكرر من المشركين، ومن اليهود، وقوله تعالى في كثير من السور: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ برهان قاطع على ذلك، وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ (النازعات) رقم [٤٢]. ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ:﴾ لا يطلع عليه ملكا، ولا نبيا؛ لأنه تعالى استأثر به. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٧] ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم)، والآية رقم [٢٤] من سورة (لقمان) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَما يُدْرِيكَ:﴾ وما يعلمك. ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ أي: في زمان قريب، وقال ﷺ : «بعثت أنا والسّاعة كهاتين». وأشار إلى السبابة، والوسطى. خرجه أصحاب الصحيح. هذا؛

стр. 4921

ولم يؤنث: ﴿قَرِيباً﴾ مع كونه راجعا إلى ﴿السّاعَةِ﴾ وذلك على تأويلها باليوم، كما قيل في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٥٦]: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ذكّر ﴿قَرِيبٌ﴾ على تأويل الرحمة بالعفو. وذكر الفراء: أنهم التزموا التذكير في: ﴿قَرِيبٌ﴾ إذا لم يرد قرب النّسب قصدا للفرق، أي بين المراد بها النّسب، والمراد بها غيره. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٢] من سورة (سبأ) عن قرب الساعة، وبعدها عن الماضي. تنبيه: قال المحققون من العلماء: سبب إخفاء علم الساعة، ووقت قيامها عن العباد؛ ليكونوا دائما على خوف، وحذر منها؛ لأنهم إذا لم يعلموا متى يكون ذلك الوقت؛ كانوا على وجل، وخوف منها، فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة، والمسارعة إلى التوبة، وأزجر لهم عن المعصية. فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لتقومنّ الساعة، وقد نشر الرّجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه. ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرّجل بلبن لقحته فلا يطعمه. ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها». متفق عليه. هذا؛ وقد أخفى الله أمورا أخرى مثل ليلة القدر في شهر رمضان، وساعة الإجابة يوم الجمعة؛ ليجتهد المؤمن، والمؤمنة في ليالي شهر رمضان في العبادة، وليكونا مجتهدين في الدعاء كل يوم الجمعة، وليلته. هذا؛ والسؤال في هذه الآية سؤال استفتاء، أو هو سؤال تعنت فيما يظهر و «سأل» تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسئول، فيتعدى ب: ﴿عَنِ،﴾ كهذه الآية، وقد يكون لاقتضاء مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين نحو سألت زيدا مالا. هذا؛ و ﴿يُدْرِيكَ﴾ ماضيه «درى» بمعنى: علم، فهو من أفعال اليقين، فينصب مفعولين كقول الشاعر: وهذا هو الشاهد رقم [٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] دريت الوفيّ العهد يا عمرو فاغتبط... فإنّ اغتباطا بالوفاء حميد وهو قليل؛ إذ الكثير المستعمل فيه أن يتعدى إلى واحد بالباء، نحو دريت بكذا، فإن دخلت همزة النقل؛ تعدى إلى واحد بنفسه، وإلى واحد بالباء، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾. قال شيخ الإسلام: ومحل ذلك إذا لم يدخل على الفعل استفهام، وإلا تعدى إلى ثلاثة مفاعيل، نحو قوله تعالى في سورة (القارعة): ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ فالكاف مفعول به أول والجملة الاسمية بعده سدت مسد المفعولين. انتهى. والذي في الهمع، والمغني-قيل: وهو الأوجه-: أن الجملة الاسمية سدت مسد المفعول الثاني المتعدى إليه بالحرف، فتكون في محل نصب بإسقاط الجار، كما في: فكرت: أهذا

стр. 4922

صحيح، أم لا؟ أي: فكرت بما ذكر. انتهى. جرجاوي. وينبغي أن تعلم: أن الفعل أدري هنا معلق عن العمل لفظا بوقوع: ﴿لَعَلَّ﴾ بعده، والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق؛ إلا أن النحويين لم يعدّوا لعلّ من المعلقات، والحق مع الكوفيين، وهو ظاهر في هذه الآية، وكقوله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ من سورة (عبس)، وقوله جل شأنه: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (الشورى). فإن كان درى بمعنى: ختل، أي: خدع، كان متعديا إلى واحد بنفسه، مثل: دريت الصيد، أي: ختلته، وخدعته، أي: لا أختل، وإن كانت بمعنى: حكّ، مثل: درى رأسه بالمدرى، أي: حك رأسه بالمشط؛ فهي كذلك. الإعراب: ﴿يَسْئَلُكَ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به. ﴿النّاسُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَنِ السّاعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿عِلْمُها:﴾ مبتدأ، و (ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ. و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُدْرِيكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى: (ما)، تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَعَلَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السّاعَةِ:﴾ اسم: ﴿لَعَلَّ﴾. ﴿تَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه يعود إلى ﴿السّاعَةِ﴾ تقديره: «هي». ﴿قَرِيباً:﴾ خبر (تكون)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) وجملة: ﴿لَعَلَّ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني للفعل: ﴿يُدْرِيكَ﴾. ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤)﴾ الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾ اسمها. ﴿لَعَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَعَدَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أعد): فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سَعِيراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.

стр. 4923

﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥)﴾ الشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي: في السعير، وأنث الضمير؛ لأن السعير بمعنى: النار. ﴿لا يَجِدُونَ وَلِيًّا:﴾ يحفظهم من عذاب السعير. ﴿وَلا نَصِيراً:﴾ يدفع عنهم العذاب. وفي الآية الكريمة رد على مذهب الجهمية الذين يزعمون: أن الجنة، والنار تفنيان. ومعنى: ﴿خالِدِينَ﴾ مقيمين، لا يخرجون منها. والأبد: الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك؛ أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر. تنبيه: قال الإمام الرازي-رحمه الله تعالى-: قال قوم: إن عذاب الله للكافرين منقطع وله نهاية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً،﴾ وبأن معصية الظالم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم. والجواب: أن قوله تعالى: ﴿أَحْقاباً﴾ لا يقتضي: أن له نهاية؛ لأن العرب يعبرون به، وبنحوه عن الدوام، ولا ظلم في ذلك؛ لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيا، فعوقب دائما، ولم يعاقب بالدائم إلا على دائم، فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا. انتهى. جمل. في سورة (هود) [١٠٨]. الإعراب: ﴿خالِدِينَ:﴾ حال مقدرة من الكافرين منصوب... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ متعلقان به. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿خالِدِينَ﴾ أيضا. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَجِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو هي صلة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيراً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من الكافرين، أو هي حال من الضمير المستتر ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ فتكون حالا متداخلة. هذا؛ والحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. وحال محكية، وهي الماضية، نحو جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة للصفة بعدها، بمعنى أن المقصود الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ منه قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. والحال تنقسم إلى قسمين: إما مؤسسة، وإما مؤكدة، فالأولى: هي التي لا يستفاد معناها بدونها، نحو جاء زيد راكبا، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع، والمؤكدة هي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهي ثلاثة أنواع: ١ - ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأول: نحو قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها﴾. ومنه قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾.

стр. 4924

٢ - ما يؤتى به لتوكيد صاحبها كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ رقم [٩٩] من سورة (يونس). ٣ - ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو «هو الحقّ بيّنا، أو: صريحا» وقول سالم بن دارة اليربوعي، وهذا هو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط] أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟! وهناك الحال اللازمة في قراءة من قرأ قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٩]: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ لأن البركة لا تفارقه. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ:﴾ تصرف من جهة إلى جهة كاللحم يشوى بالنار، أو: من حال إلى حال، وهذا التقليب تغيير ألوانها بلفح النار، فتسود مرة، وتخضر أخرى، وخصت الوجوه بالذكر؛ لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده، ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن جسم الكافر كله. هذا؛ وقراءة الجمهور ﴿تُقَلَّبُ﴾ بالبناء للمجهول، وقرئ: «(نقلّب)» بنون، وكسر اللام، ونصب «(وجوههم)» وقرئ: «(تقلّب)» بالبناء للمعلوم على اعتبار الفاعل عائدا إلى السعير، وقرأ بعضهم: ﴿(تُقَلَّبُ)﴾ على معنى: تتقلب، أي بحذف إحدى التاءين، أما ﴿النّارِ﴾ فأصلها النّور، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ويكنى بها عن جهنم؛ التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين من أبناء المسلمين، والفعل: نار ينور، يستعمل لازما، ومتعديا؛ إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون. ﴿يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا:﴾ يقولون هذا حين تقلب وجوههم في النار، فهم يتمنون: أنهم لم يكفروا، فينجون كما نجا المؤمنون، ولكن لا ينفعهم هذا التمني فتيلا. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَقُولُونَ،﴾ أو هو متعلق بالفعل: ﴿يَجِدُونَ،﴾ أو ب: ﴿نَصِيراً،﴾ أو هو متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. ﴿تُقَلَّبُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿وُجُوهُهُمْ:﴾ نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، وعلى قراءة الفعل: «(تقلّب)» بالبناء للمعلوم ف: ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ فاعله، وعلى قراءته بالنون؛ فالفاعل تقديره: «نحن»، وعلى قراءته «(تقلّب)» فالفاعل يعود إلى السعير، وعلى هذين الوجهين فوجوههم مفعول به، وعلى جميع الاعتبارات فالجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وُجُوهُهُمْ﴾. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع

стр. 4925

مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهذا على اعتبار الظرف متعلقا به، وهي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، أو من ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ على الأوجه الأخرى في تعليق الظرف. (يا): حرف تنبيه، واعتبارها أداة نداء؛ والمنادى محذوف ضعيف جدا. (ليتنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَطَعْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (ليت)، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿يا لَيْتَنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: الضعفاء الذين اتبعوا الأقوياء، وهو معطوف على: ﴿يَقُولُونَ،﴾ والعدول إلى الماضي، للإشعار بأن قولهم هذا ليس مستمرا، كقولهم السابق؛ بل هو ضرب اعتذار، أرادوا به ضربا من التشفي بمضاعفة عذاب الذين ألقوهم في تلك الورطة. ﴿رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا:﴾ يعنون بهم: الذين لقنوهم الكفر، والتعبير عنهم بعنوان السيادة، والكبراء؛ لتقوية الاعتذار، وإلا فهم في مقام التحقير، والإهانة. هذا؛ و (سادة) جمع: سيد، أو: سائد على غير قياس، وقرئ: «(ساداتنا)» على أنه جمع الجمع، وهو غير مقيس. أما (السبيل) فهو الطريق يذكر ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً،﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين وقد تسكن الباء، كما في: رسل، وعسر، ويسر. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: رحم، وحلم، وأسد. فائدة: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن، وعلة ذلك: أن حذف (يا) من نداء الرب تعالى فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك؛ لأن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد! فمعناه: تعال زيد! أدعوك يا زيد! فحذفت (يا) من نداء «الرب» ليزول معنى الأمر وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن، والكلام في نداء الرب لذلك المعنى. انتهى. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها،

стр. 4926

حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَطَعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿سادَتَنا:﴾ مفعول به، وعلى القراءة الثانية فعلامة النصب الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَكُبَراءَنا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَأَضَلُّونَا:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿السَّبِيلا:﴾ منصوب بنزع الخافض؛ إذ الأصل: عن السبيل، فلما حذف الجار؛ وصل الفعل إليه، فنصبه. والإضلال لا يتعدى إلى مفعولين من غير توسط حرف الجر كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ،﴾ والألف فيه وفي: ﴿الرَّسُولا﴾ للإطلاق. هذا؛ والآية: ﴿رَبَّنا..﴾. إلخ كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَاِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨)﴾ الشرح: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾ أي: مثلي ما أوتينا منه؛ لأنهم ضلوا، وأضلوا. وقال قتادة: عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة. ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً:﴾ هذا؛ ويقرأ: (كثيرا) بالثاء، واختاره أبو حاتم، وأبو عبيد، والنحاس، لقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ ففيه معنى التكثير. قال محمد بن أبي السري: رأيت في المنام كأني في مسجد عسقلان، وكأن رجلا يناظرني، فيمن يبغض أصحاب محمد ﷺ ، فقال: «والعنهم لعنا كثيرا»، ثم كررها حتى غاب عني، لا يقولها إلا بالثاء، وقراءة الباء ترجع في المعنى، إلى الثاء؛ لأن ما كبر كان كثيرا عظيم المقدار. هذا؛ وانظر يضاعف في الآية رقم [٣٠]، وانظر كيف يلعن الكفار بعضهم بعضا في الآية رقم [٢٥] من سورة (العنكبوت). هذا؛ واللعن: الطرد من رحمة الله تعالى، ولقد كرر الله لعن الكافرين في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة) كما لعن الظالمين، والكاذبين، والناقضين للعهد، والميثاق في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره، فقد استحق اللعن من الله، والملائكة، والناس أجمعين، وأما الأحياء من الكفار، فقد قال العلماء: لا يجوز لعن كافر معين؛ لأن حاله عند الوفاة لا تعلم، فلعله يؤمن، ويموت على الإيمان؛ وقد قيد الله في آية البقرة إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشحوم، فجمّلوها، وباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله، وهو الصحيح؛ كيف لا؟ وقد لعن حسان بن ثابت-﵁-أبا سفيان وزوجه هندا قبل أن يسلما في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ، خذ قوله: [الكامل]

стр. 4927

لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر وقد لعن الفاروق-﵁-أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، وغيرهم الذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ : ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك، فشق ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق، فقال الفاروق: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم. فقال: «إني قد أعطيتهم الأمان». فقال الفاروق ﵁: اخرجوا في لعنة الله، وغضبه، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك. كيف لا؟ وآية (النور) رقم [٧] تأمر المسلم أن يلعن نفسه؛ إن كان من الكاذبين. وأما العصاة من المسلمين فلا يجوز لعن واحد منهم على التعيين قطعا، وأما على الإطلاق فيجوز كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات، والفاسدين، والفاسدات... إلخ، لما روي: أن النبي ﷺ ، قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة، والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ : «الواشمة، والمستوشمة وآكل الرّبا، ولعن من غير منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك». وكل هذا في الصحيح من الأحاديث، والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ انظر مثله في الآية السابقة. ﴿آتِهِمْ:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿ضِعْفَيْنِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾. ﴿وَالْعَنْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (العنهم): فعل دعاء أيضا، والهاء مفعول به. ﴿لَعْناً:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَبِيراً:﴾ صفة له، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً (٦٩)﴾ الشرح: لما ذكر الله المنافقين والكفار الذين آذوا رسول الله ﷺ والمؤمنين؛ حذر المؤمنين من التعرض للإيذاء، ونهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في إذايتهم نبيهم موسى. واختلف الناس فيما أوذي به محمد ﷺ ، وموسى ﵇، واذكر ما يلي: فبنو إسرائيل آذوا موسى كثيرا، وكثيرا، منها: قولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً،﴾ وقولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ،﴾ وقولهم: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ،﴾ وقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾.

стр. 4928

ومن إيذائهم له: أنهم اتهموه بقتل أخيه هارون لما مات في التيه، فأمر الله تعالى الملائكة أن تحمله، حتى مروا به على بني إسرائيل، فعرفوا أنه لم يقتله. ومن إيذائهم له أن قارون استأجر بغيا؛ لتقذفه بنفسها على رأس الملأ، فعصمها الله، وبرأ موسى من ذلك، وأهلك قارون. انظر تفصيله في الآية رقم [٨١] من سورة (القصص). ومن إيذائهم له ما رواه أبو هريرة ﵁: أن رسول ﷺ قال: «كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى ﵇ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، قال: فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففرّ الحجر بثوبه، قال: فجمح موسى بأثره، يقول: ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فنظروا إليه، وهو من أحسنهم خلقا، وأعدلهم صورة وليس به الذي قالوا، فأخذ ثوبه، فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فو الله إن بالحجر لندبا من أثر الضرب، ثلاثا، أو أربعا، أو خمسا». أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم مع اختلاف بينهما في ألفاظه. أما إيذاء المؤمنين لنبيهم ﷺ : منه ما ذكرته لك في الآية رقم [٥٣]، ومنه ما رواه عبد الله بن مسعود-﵁-قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب، وآثرهم في القسمة، فقال رجل من الأنصار: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله! فقلت: والله لأخبرنّ رسول الله ﷺ ، قال: فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه ﷺ حتى كان كالصّرف، ثم قال: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟!». ثم قال: «يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر». متفق عليه. ويجدر بي أن أذكر: أن كثيرا من المسلمين يؤذون النبي ﷺ في هذه الأيام وهو في قبره حي طري، فالذين لا يأخذون بتعاليمه، ولا يتأدبون بآدابه، ولا يتخلقون بأخلاقه، ولا يتمسكون بسنته؛ بل الذين لا يعرفون شيئا من ذلك، وهم أبعد ما يكونون عن سنته، فلعمري لا أدري هل نقول عنهم: إنهم منافقون، أم فاسقون، أم فاسدون، أم كافرون؟ فلا ريب أن الذين لا يأخذون بشرعه، ولا يعملون بالكتاب الذي أنزل عليه هم الكافرون. ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً:﴾ ذا قربة، ووجاهة عند الله. والوجيه عند العرب: العظيم القدر، الرفيع المنزلة. ويروى: أنه كان إذا سأل الله شيئا أعطاه إياه، فقد كان مستجاب الدعوة. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمها، والألف للتفريق. ﴿كَالَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فهي الخبر، وتكون مضافة، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول

стр. 4929

مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿آذَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدرة على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مُوسى﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية: ﴿لا تَكُونُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. (برأه الله): فعل ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء قالوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من) التقدير: فبرأه الله من قولهم. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كان): فعل ماض ناقص، واسمه مستتر يعود إلى: ﴿مُوسى﴾. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿وَجِيهاً﴾ بعده، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿وَجِيهاً:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، وراقبوه في كل أعمالكم، وأقوالكم، وحركاتكم، وسكناتكم. ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً:﴾ قاصدا إلى الحق. والسداد: القصد إلى الحق، والقول بالعدل، يقال: سدد السهم نحو الرّميّة: إذا لم يعدل عن سمتها، كما قالوا: سهم قاصد، وهذا بفتح السين. وهو بكسر السين لكل شيء سددت به شيئا، وذلك مثل سداد القارورة، وسداد الثغر. قال العرجي: [الوافر] أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا... ليوم كريهة وسداد ثغر وهو على هذا اسم آلة. وهو بضم السين داء في الأنف يمنع تنشم الريح. كذا في القاموس. وقد نظم بعضهم الثلاثة بقوله: [الرجز] والاستقامة هي السّداد... وبلغة من عيش السّداد وجمع سدّة أتى سداد... وهي زكام مانع للنّشر والمراد نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد في القول؛ لأن حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله، والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة من تقبل حسناتكم، والإثابة عليها، ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها. وخذ هذه النبذة من أحاديث سيد الأنام في حفظ اللسان:

стр. 4930

فعن عقبة بن عامر-﵁-قال: قلت: يا رسول الله: ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك». رواه أبو داود، والترمذي، وعن سهل بن سعد-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنّة». رواه البخاري وغيره. وعن أنس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة رجل لا يأمن جاره بوائقه». رواه الإمام أحمد. وعن أنس-﵁-قال: لقي رسول الله ﷺ أبا ذر، فقال: «يا أبا ذرّ! ألا أدلّك على خصلتين هما خفيفتان على الظّهر، وأثقل في الميزان من غيرهما؟». قال: بلى يا رسول الله! قال: «عليك بحسن الخلق، وطول الصّمت، فو الّذي نفسي بيده، ما عمل الخلائق بمثلهما!». رواه الطبراني، وغيره. وعن أبي هريرة ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة ما يتبيّن فيها يزلّ بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». رواه الستة إلا أبا داود. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإنّ أبعد النّاس من الله تعالى القلب القاسي». رواه الترمذي والبيهقي، وخذ قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١١٤]: ﴿*لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾. هذا؛ وآفات اللسان تزيد عن العشرين: الكلام فيما لا يعني، فضول الكلام، الخوض في الباطل، المراء، والجدال، التقعر في الكلام، الفحش، السب، اللعن، الغناء المشتمل على الفحش، الشعر المذموم، المزاح الممزوج بالكذب، السخرية بالناس، التنبيه على العيوب، إفشاء السر، الوعد الكاذب، اليمين الفاجرة، الغيبة، النميمة، التكلم بلسانين. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم؛ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿قَوْلاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿سَدِيداً:﴾ صفة له. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١)﴾ الشرح: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ أي: يوفقكم للأعمال الصالحة، أو يصلحها بالقبول، والإثابة عليها. وقيل: إصلاح الأعمال: التوفيق في المجيء بها صالحة مرضية. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: يجعلها مكفرة، وممحاة بسبب استقامتكم في القول، والعمل. قال الزمخشري: وهذه الآية

стр. 4931

مقررة للتي قبلها، بنيت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله ﷺ ، وهذه على الأمر باتقاء الله تعالى في حفظ اللسان؛ ليترادف عليها النهي والأمر، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى ﵇، واتباع الأمر الوعد البليغ، فيقوى الصارف عن الأذى، والداعي إلى تركه. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما أمرا به، وفيما نهيا عنه. ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً:﴾ يعش في الدنيا حميدا، وفي الآخرة سعيدا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] من سورة (النور) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿يُصْلِحْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تقولوا قولا سديدا يصلح، فلذا الوقف على ﴿سَدِيداً﴾ غير جيد؛ بل الأحسن الوصل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَعْمالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين فيها، وجملة: ﴿(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها، والفاعل بالفعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُطِعِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. (رسوله): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فازَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿فَوْزاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ فازَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٣٠]، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢)﴾ الشرح: قال عبد الله بن عباس-﵄: أراد بالأمانة: الطاعة والفرائض؛ التي فرضها الله تعالى على عباده، عرضها على السموات، والأرض، والجبال على أنهم إن أدوها؛ أثابهم، وإن ضيعوها؛ عذبهم. وقال عبد الله بن مسعود-﵁: الأمانة أداء الصلوات، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وصدق الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكيال. وأشد من هذا كله الودائع. وقيل: هي جميع ما أمروا به، ونهوا عنه. وقيل: هي الصوم، وغسل الجنابة، وما يخفى من الشرائع.

стр. 4932

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁: أول ما خلق الله من الإنسان الفرج، وقال: هذه الأمانة أستودعكها. فالفرج أمانة، والأذنان أمانة، والعين أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. وفي رواية عن ابن عباس-﵄: هي أمانات الناس، والوفاء بالعهود، فحق على كل مؤمن ألا يغش مؤمنا، ولا معاهدا في شيء، لا في قليل، ولا في كثير. فعرض الله هذه الأمانة على أعيان السموات، والأرض، والجبال. وهذا قول جماعة من التابعين، وأكثر السلف، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتنّ؛ جوزيتنّ، وإن عصيتنّ؛ عوقبتن. قلن: لا يا رب نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابا، ولا عقابا. وقلن: ذلك خوفا، وخشية، وتعظيما لدين الله تعالى؛ لئلا يقوموا بها، لا معصية، ولا مخالفة لأمره. وكان العرض عليهن تخييرا، لا إلزاما، ولو ألزمهنّ؛ لم يمتنعن من حملها، والجمادات كلها خاضعة لله تعالى، مطيعة لأمره، ساجدة له. قال بعض أهل العلم: ركب الله فيهن العقل، والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن الخطاب، وأجبن بما أجبن، كما حكى الله عنهن قولهن: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ الآية رقم [١١] من سورة (فصلت). وقيل: المراد من العرض على السموات، والأرض، والجبال: هو العرض على أهلها من الملائكة دون أعيانها. والقول الأول هو الأصح، وهو قول العلماء. ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها﴾ أي: خفن من الأمانة ألا يؤدينها، فيلحقهن العقاب. ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ يعني: آدم، قال الله لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال، فلم تطقها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت؛ جوزيت خيرا، وإن أسأت عوقبت، فحملها آدم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- وقال: بين أذني، وعاتقي، قال الله تعالى: أما إذا تحملت، فسأعينك، وأجعل لبصرك حجابا، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل؛ فأرخ عليه حجابه (المراد به: الجفنان) وأجعل للسانك لحيين، وغلافا، فإذا خشيت؛ فأغلقه عليه، وأجعل لفرجك لباسا، فلا تكشفه على ما حرمت عليك. قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر إلى العصر. هذا؛ وفي الآية استعارة تمثيلية، مثل للأمانة في ضخامتها، وعظمها، وتفخيم شأنها بأنها من الثقل لو عرضت على السموات، والأرض، والجبال-وهي من القوة، والشدة بأعلى المنازل والمراتب-لأبت عن حملها، وأشفقت منها، وهو تمثيل رائع لتهويل شأن الأمانة. هذا؛ والأمانة مصدر، وحق المصادر أن لا تجمع؛ لأنها كالفعل يدل على القليل والكثير من جنسه، ولكن لما اختلف أنواع الأمانة لوقوعها على الصلاة، والزكاة، والتطهر، والحج، وغير ذلك من العبادات؛ جاز جمعها؛ لأنها لما اختلفت أنواعها؛ شابهت المفعول به، فجمعت كما

стр. 4933

يجمع المفعول به، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ،﴾ وقال جل ذكره: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾. ﴿إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً:﴾ قال ابن عباس-﵄: ﴿ظَلُوماً﴾ لنفسه. ﴿جَهُولاً﴾ بأمر ربه، وما تحمل من الأمانة. وقيل: ﴿ظَلُوماً﴾ حين عصى ربه. ﴿جَهُولاً﴾ لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة؟ وقيل: ﴿ظَلُوماً جَهُولاً﴾ حيث حمل الأمانة، ولم يف بها، وضمنها، ولم يف بضمانها. انتهى. خازن. هذا؛ و (جهول) وصف للجنس باعتبار الأغلب، وكون الإنسان ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة الغضبية، والشهوية الحيوانية. وخذ ما يلي: فعن حذيفة بن اليمان-﵁-قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: أنّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرّجال، ثمّ نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السّنّة. ثم حدّثنا عن رفع الأمانة، فقال: ينام الرّجل النّومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك، فنفط، فتراه منتبرا، وليس فيه شيء (ثمّ أخذ حصاة فدحرجها على رجله) فيصبح النّاس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدّي الأمانة حتّى يقال: إنّ في بني فلان رجلا أمينا، حتّى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان، ولقد أتى عليّ زمان، وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما؛ ليردّنّه على دينه، ولئن كان نصرانيا، أو يهوديا؛ ليردّنّه على ساعيه. وأمّا اليوم فما كنت لأبايع منكم إلاّ فلانا وفلانا. متفق عليه. انتهى. خازن. وروى البخاري عن أبي هريرة-﵁-قال: «بينما رسول الله ﷺ في مجلس يحدّث القوم، فجاء أعرابيّ، فقال: متى السّاعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدّث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال. وقال بعضهم: لم يسمع. حتّى إذا قضى حديثه، قال: «أين السّائل عن السّاعة؟». قال: ها أنا يا رسول الله، قال: «إذا ضيّعت الأمانة فانتظر السّاعة». قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: «إذا وسّد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السّاعة». وعن علي-﵁ وكرم الله وجهه-عن النبي ﷺ قال: «كنّا جلوسا مع رسول الله ﷺ ، فطلع علينا رجل من أهل العالية، فقال: يا رسول الله! أخبرني بأشدّ شيء في هذا الدّين، وألينه؟ فقال: «ألينه: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمدا عبده ورسوله. وأشدّه يا أخا العالية! الأمانة، إنّه لا دين لمن لا أمانة له، ولا صلاة له، ولا زكاة له». رواه البزار. هذا؛ و (جهول): صيغة مبالغة اسم الفاعل: جاهل، وهو من يجهل ما يتعلق به من المكروه، والمضرة. ومن حق الحكيم ألاّ يقدم على شيء حتى يعلم كيفيته، وحاله، ولا يشتري الحلم بالجهل، ولا الأناة بالطيش، ولا الرفق بالخرق، كما قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]

стр. 4934

فإن تزعميني كنت أجهل فيكمو... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل وإن لم يكن كذلك؛ يصدق عليه: أنه من أكبر الجهال، والحمار أفضل منه، كما قال الشاعر الحكيم: [البسيط] فضل الحمار على الجهول بخلّة... معروفة عند الّذي يدريها إنّ الحمار إذا توهّم لم يسر... وتعاود الجهّال ما يؤذيها حقا إن الحمار أفضل بكثير من الفاسقين الجاهلين: المقامرين، والظالمين، وشاربي الخمر... إلخ، ودليل ذلك: أنك لو وضعت الخمر للحمار، والبغل، ونحوهما لا يشربه، بل ينفر منه، ومع ذلك تجد المئات بل الألوف من البشر يشربونها ليلا، ونهارا. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿عَرَضْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْأَمانَةَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلَى السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ:﴾ معطوفان على ﴿السَّماواتِ،﴾ وجملة: ﴿عَرَضْنَا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَأَبَيْنَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أبين): فعل ماض مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَحْمِلْنَها:﴾ فعل مضارع مبني على السكون وهو في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ ونون النسوة فاعله. و (ها): مفعوله، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها﴾ معطوفة على جملة: ﴿عَرَضْنَا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، والرابط في الأولى رابط في الثانية، وجملة: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْها﴾ معطوفة عليها أيضا، وجملة: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: «ولكن عرضناها على الإنسان، فحملها... إلخ» وهذا الكلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿الْأَمانَةَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾. ﴿ظَلُوماً:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿جَهُولاً:﴾ خبر ثان، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ تعليل لحمل الإنسان للأمانة. ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣)﴾ الشرح: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ..﴾. إلخ: تعليل لحمل الأمانة، المعنى: عرضنا الأمانة على جميع المخلوقات، ثم قلدناها الإنسان؛ ليظهر شرك المشرك، ونفاق المنافق؛ ليعذبهم الله نتيجة سوء

стр. 4935

أعمالهم، ومعتقداتهم، ويظهر إيمان المؤمن، فيثيبه الله. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً:﴾ للتائبين من ذنوبهم. ﴿رَحِيماً:﴾ بهم؛ حيث لم يعاجلهم بالعقوبة. وانظر شرح (كان) في الآية رقم [١]. هذا؛ وفي الآية الكريمة من المحسنات البديعية: المقابلة، والطباق بين: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾. وفي ختم السورة الكريمة بهذه الآية من المحسنات البديعية ما يسميه علماء البديع: رد العجز على الصدر؛ لأن السورة الكريمة بدئت في ذم المنافقين، وختمت ببيان سوء عاقبتهم، فحسن الكلام في البدء، والختام. وإنما قدم المنافقين على المشركين هنا وفي سورة (الفتح) رقم [٦] لأن المنافقين كانوا أشد على المؤمنين من المشركين؛ ولأن المشرك يمكن أي يحترز منه، ويجاهد؛ لأنه عدو مبين، والمنافق لا يمكن أن يحترز منه، ولا يجاهد، فلهذا كان شره أكثر من شر المشرك، فكان تقديم المنافق أولى. ومن المعلوم: أن المنافقين، والمنافقات كانوا في المدينة، وأن المشركين، والمشركات هم من أهل مكة. الإعراب: ﴿لِيُعَذِّبَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْمُنافِقاتِ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما منصوبان مثلهما، و «أن» المضمرة والفعل: (يعذب) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (حملها). وقيل: متعلقان بالفعل: ﴿عَرَضْنَا﴾. ﴿وَيَتُوبَ:﴾ معطوف على يعذب منصوب مثله. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يتوب). ﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ معطوف على ما قبله. وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ مستأنفة، وفيها معنى التوكيد لفحوى الكلام السابق. هذا؛ ويجوز في: ﴿رَحِيماً﴾ أن يكون خبرا ثانيا ل: (كان)، وأجاز مكي اعتباره حالا من الضمير المستتر في ﴿غَفُوراً،﴾ وأجاز اعتباره نعتا له، وهذا غير مسلم له؛ لأنهما اسمان من أسماء الله الحسنى على المعتمد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الأحزاب)، شرحا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه. والحمد لله ربّ العالمين

стр. 4936

سورة سبإ سورة (سبأ) مكية بالإجماع، وهي أربع وخمسون آية، وثمانمائة، وثلاث وثلاثون كلمة، وألف وخمسمائة واثنا عشر حرفا. انتهى. خازن. وسميت سورة (سبأ) لأن الله تعالى ذكر فيها قصة سبأ، كما ستعرفه مفصلا بعونه تعالى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ الشرح: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معناه: أن كل نعمة، فهو الحقيق بأن يحمد، ويثنى عليه من أجلها. ولما قال: الحمد لله؛ وصف ملكه، فقال: ﴿الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ملكا، وخلقا، وعبيدا. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: كما له الحمد في الدنيا؛ إذ النعم في الدارين منه جلت قدرته؛ غير أن الحمد في الدنيا واجب؛ لأنها دار تكليف، وفي الآخرة غير واجب لعدم التكليف، لذا فإن في الكلام حذفا، التقدير: وله الحمد في الدنيا. وهذا الحذف لدلالة الآخرة عليها، وإنما يحمده أهل الجنة سرورا بالنعيم، وتلذذا بما نالوا من الأجر العظيم؛ حيث يقولون بعد دخولهم الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ..﴾. إلخ الآية رقم [٧٤] من سورة (الزمر)، ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الآية رقم [٣٤] من سورة (فاطر). هذا؛ والآخرة: الحياة الثانية الأبدية، التي تكون بعد الموت، ثم البعث، والنشور، والحساب، والجزاء، وهي في الجنة لمن آمن وعمل صالحا، أو في النار لمن كفر، وعمل سيئا. ورحم الله من يقول: [البسيط] الموت باب وكلّ النّاس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟ ورحم الله من أجابه بقوله: [البسيط] الدّار جنّة عدن إن عملت بما... يرضي الإله، وإن خالفت فالنّار هما محلاّن ما للناس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار؟

стр. 4937

﴿الْحَكِيمُ:﴾ بتدبير ما في السماء والأرض، والحكيم في أمره، وتدبير شئون عباده؛ وهو الحكيم في جميع أفعاله. ﴿الْخَبِيرُ:﴾ بكل ما كان، وما يكون، والخبير بشئون عباده، وما ببواطنهم، وأسرارهم، وأحوالهم. وفي الآية دليل واضح على أنه سبحانه يحب الحمد والمدح لنفسه؛ لأنه حمد نفسه في هذه الآية، وفي غيرها كثير. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه، ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، وأن يكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو أمدح. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: له الذي يوجد في السموات، والجملة الاسمية هذه صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله عطف مفرد على مفرد وإعرابه مثله، وإن قدرت: وله ما في الأرض؛ فالعطف يكون عطف جملة اسمية على مثلها. ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالحمد؛ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه على رأي من يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، واعتبارها حالا من الضمير المجرور محلا باللام غير مستبعد، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾ الشرح: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يدخل في الأرض من المطر، والكنوز، والأموات، والدفائن. ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ أي: من النبات، والشجر، والعيون، والمعادن، والأموات؛ إذا بعثوا يوم القيامة. ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ أي: من المطر، والثلج، والبرد، والصواعق والأرزاق، والمقادير، والبركات، والملائكة، والكتاب؛ التي أنزلها على الرسل. ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ أي: صعد في السماء من الملائكة، وأعمال العباد، والأبخرة، والأدخنة، والغبار، وغير ذلك. ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ:﴾ بعباده حيث خلق من الأرض، أو أنزل من السماء ما يحتاجون إليه في معاشهم، وتأمين حاجياتهم. ﴿الْغَفُورُ:﴾ للمذنبين، والمقصرين في شكر نعمته مع كثرتها، أو: هو يغفر لهم ذنوبهم في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائتة للحصر، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾.

стр. 4938

هذا؛ و ﴿يَلِجُ﴾ أصله: يولج، وماضيه: ولج، فحذفت الواو من مضارعه لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة في مضارع الغائب، وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه، والمصدر: الولوج، وانظر شرح ﴿السَّماءِ﴾ وإعلاله في الآية رقم [٢٤] من سورة (الروم). والفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، فلذا اكتفى بمفعول واحد، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (الروم) أيضا، وينبغي أن تعلم: أن ﴿ما﴾ في هذه الآية وسابقتها واقعة على العاقل، وغيره، وأصل استعمالها لغير العاقل، ففي استعمالها في الآيتين تغليب غير العاقل على العاقل. الإعراب: ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَلِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، أو هي في محل رفع خبر ثالث ل: (هو) في الآية السابقة، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق، وأيضا: ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ معطوفة على ما قبله، وأيضا ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ معطوف على ما قبله، وإعراب ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ مثل إعراب ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ إفرادا، وجملا. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ المراد: أهل مكة. وقال مقاتل: قال أبو سفيان لكفار مكة: واللات، والعزّى! لا تأتينا الساعة أبدا، ولا نبعث. وقيل: استبطئوا ما وعدوه من قيام الساعة على سبيل اللهو، والاستهزاء، والسخرية. ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ فهذا رد لكلامهم، وإثبات لما نفوه من إتيان الساعة. وهذه الآية هي الآية الثالثة التي أمر الله بها رسوله ﷺ أن يقسم بربه على وقوع المعاد، والأولى في سورة (يونس) رقم [٥٣]: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ،﴾ والثانية في سورة (التغابن) رقم [٧]: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾. ﴿عالِمِ الْغَيْبِ:﴾ لا يفوت علمه شيء من الخفيات، وإذا كان كذلك؛ دخل في علمه وقت قيام الساعة، وهي واقعة لا محالة. هذا؛ ويقرأ بجر ﴿عالِمِ﴾ ورفعه. هذا؛ و ﴿الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه، قال الشاعر: [الطويل] وبالغيب آمنّا، وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد

стр. 4939

﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ:﴾ لا يغيب عن علمه، ويقرأ بضم الزاي، وكسرها. ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ:﴾ وزن ذرة، وهي النملة الصغيرة، وتقال لكل جزء من أجزاء الهباء المنتشر في الفضاء، وهي لا ترى إلا في ضوء الشمس الداخل إلى مكان مظلم. ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ﴾ أي: من مثقال ذرة. ﴿وَلا أَكْبَرُ﴾ أي: أكبر منها. ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ أي: في اللوح المحفوظ. ﴿مُبِينٍ﴾ أي: واضح، لا خفاء فيه، وإعلاله مثل إعلال ﴿مُهِينٌ﴾ في الآية رقم [٦] من سورة (لقمان)، وانظر شرح ﴿السّاعَةُ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم)، وشرح ﴿السَّماواتِ﴾ في الآية رقم [٢٢] منها. أما ﴿بَلى؛﴾ فهي إثبات لما نفوه من إتيان الساعة قطعا، و ﴿بَلى:﴾ حرف جواب، كنعم، وجير، وأجل، وإي، إلا أنّ ﴿بَلى﴾ جواب لنفي متقدم؛ أي: إبطال، ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام، أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد، فتقول: بلى. أي: قد قام. وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول: بلى؛ أي: هو قائم. قال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس-﵄: لو قالوا: نعم لكفروا. وخذ ما يلي: قال محمد علي الصابوني: ظل الاعتقاد السائد حتى القرن التاسع عشر: أن الذرة هي أصغر جزء يمكن أن يوجد في عنصر من العناصر، وأنها غير قابلة للتجزئة؛ لأنها الجزء الذي لا يتجزأ، وقد مضت قرون على هذا الاعتقاد، ومنذ عشرات السنين الماضية حول العلماء اهتمامهم إلى مشكلة الذرة، فأمكنهم تجزئتها، وتقسيمها، وقد وجدوا أنها تحتوي على الدقائق الآتية: البروتون، النيترون الإلكترون، وبواسطة هذه التجزئة اخترعوا القنبلة الذرية، والقنبلة الهيدروجينية، ونعوذ بالله من قيام الساعة، ومن شر إبليس اللعين، استمع إلى قوله تعالى عند الإخبار عن الذرة: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ..﴾. إلخ. فكلمة: ﴿أَصْغَرُ﴾ من الذرة في الآية القرآنية تصريح جلي بإمكان تجزئتها. وفي قوله: ﴿وَلا فِي السَّماءِ﴾ بيان بأن خواص الذرات في الأرض هي نفس خواص الذرات الموجودة في الشمس، والنجوم، والكواكب فهل درس محمد ﷺ خواصّ الذرة، وأمكنه تجزئتها، والوقوف على خواصها في الأرض، والسماء، إنها لدليل قوي على أن القرآن وحي إلهي. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَأْتِينَا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول. ﴿وَرَبِّي:﴾ الواو: حرف قسم وجر. (ربي): مقسم به مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء

стр. 4940

المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بربي. ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (تأتينكم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿السّاعَةُ﴾ تقديره: «هي»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿عالِمِ:﴾ بالجر صفة: (ربي)، أو بدل منه، ويقرأ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو عالم. أو: هو مبتدأ، خبره الجملة بعده، فعلى هذا يوقف على: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ،﴾ وعلى قراءة الجر لا يوقف، و ﴿عالِمِ﴾ مضاف، و ﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْزُبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان به. ﴿مِثْقالُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿عالِمِ﴾ وهذا على قراءته بالجر، وهي في محل رفع خبره على قراءته بالرفع، واعتباره مبتدأ، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر فيه، واعتباره خبرا لمبتدإ محذوف. و ﴿مِثْقالُ﴾ مضاف، و ﴿ذَرَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذَرَّةٍ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال ولا وجه له. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لا:﴾ صلة لتأكيد النفي ﴿الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي أيضا. ﴿أَصْغَرُ:﴾ بالرفع عطفا على: ﴿مِثْقالُ،﴾ وبالجر عطفا على ﴿ذَرَّةٍ،﴾ ولم يرتض هذا البيضاوي تبعا للزمخشري؛ بل قال: هو مبتدأ على رفعه، واسم (لا) على اعتبارها نافية للجنس على نصبه. وقال البيضاوي: ولا يجوز عطف المرفوع على ﴿مِثْقالُ﴾ والمفتوح على ﴿ذَرَّةٍ﴾ بأنه فتح في موضع الجر، لامتناع الصرف؛ لأن الاستثناء يمنعه، اللهم إلا أن يجعل الضمير في ﴿عَنْهُ﴾ للغيب، وجعل المثبت في اللوح خارجا عنه لظهوره على المطالعين له، فيكون المعنى لا ينفصل عن الغيب شيء إلا مسطورا في اللوح. هذا؛ ونقل الجمل عن السمين تجويز ما قاله أبو البقاء، وما قاله البيضاوي. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَصْغَرُ﴾ على جميع الوجوه المتقدمة في الإعراب، إلا إذا اعتبرناه مبتدأ، أو اسما ل: (لا) فالجار والمجرور يتعلقان بمحذوف خبر للمبتدإ، أو ل: (لا)، وذلك على قول البيضاوي الأول، وحذف مثلها بعد: ﴿أَكْبَرُ﴾. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَكْبَرُ:﴾ معطوف على ﴿أَصْغَرُ﴾ على القراءتين. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَصْغَرُ﴾ و ﴿أَكْبَرُ﴾ على اعتبارهما مبتدأ. وهما في محل نصب حال على اعتبار ﴿أَصْغَرُ﴾ و ﴿أَكْبَرُ﴾ معطوفين على ما قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿كِتابٍ﴾.
следующие страницы →