Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
سورة سبإ
سورة (سبأ) مكية بالإجماع، وهي أربع وخمسون آية، وثمانمائة، وثلاث وثلاثون كلمة، وألف وخمسمائة واثنا عشر حرفا. انتهى. خازن. وسميت سورة (سبأ) لأن الله تعالى ذكر فيها قصة سبأ، كما ستعرفه مفصلا بعونه تعالى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾
الشرح: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معناه: أن كل نعمة، فهو الحقيق بأن يحمد، ويثنى عليه من أجلها. ولما قال: الحمد لله؛ وصف ملكه، فقال: ﴿الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ملكا، وخلقا، وعبيدا. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: كما له الحمد في الدنيا؛ إذ النعم في الدارين منه جلت قدرته؛ غير أن الحمد في الدنيا واجب؛ لأنها دار تكليف، وفي الآخرة غير واجب لعدم التكليف، لذا فإن في الكلام حذفا، التقدير: وله الحمد في الدنيا. وهذا الحذف لدلالة الآخرة عليها، وإنما يحمده أهل الجنة سرورا بالنعيم، وتلذذا بما نالوا من الأجر العظيم؛ حيث يقولون بعد دخولهم الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ..﴾. إلخ الآية رقم [٧٤] من سورة (الزمر)، ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الآية رقم [٣٤] من سورة (فاطر). هذا؛ والآخرة: الحياة الثانية الأبدية، التي تكون بعد الموت، ثم البعث، والنشور، والحساب، والجزاء، وهي في الجنة لمن آمن وعمل صالحا، أو في النار لمن كفر، وعمل سيئا. ورحم الله من يقول: [البسيط]
الموت باب وكلّ النّاس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟
ورحم الله من أجابه بقوله: [البسيط]
الدّار جنّة عدن إن عملت بما... يرضي الإله، وإن خالفت فالنّار
هما محلاّن ما للناس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار؟
стр. 4937
﴿الْحَكِيمُ:﴾ بتدبير ما في السماء والأرض، والحكيم في أمره، وتدبير شئون عباده؛ وهو الحكيم في جميع أفعاله. ﴿الْخَبِيرُ:﴾ بكل ما كان، وما يكون، والخبير بشئون عباده، وما ببواطنهم، وأسرارهم، وأحوالهم. وفي الآية دليل واضح على أنه سبحانه يحب الحمد والمدح لنفسه؛ لأنه حمد نفسه في هذه الآية، وفي غيرها كثير. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه، ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، وأن يكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو أمدح. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.
﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: له الذي يوجد في السموات، والجملة الاسمية هذه صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله عطف مفرد على مفرد وإعرابه مثله، وإن قدرت: وله ما في الأرض؛ فالعطف يكون عطف جملة اسمية على مثلها. ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالحمد؛ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه على رأي من يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، واعتبارها حالا من الضمير المجرور محلا باللام غير مستبعد، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾
الشرح: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يدخل في الأرض من المطر، والكنوز، والأموات، والدفائن. ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ أي: من النبات، والشجر، والعيون، والمعادن، والأموات؛ إذا بعثوا يوم القيامة. ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ أي: من المطر، والثلج، والبرد، والصواعق والأرزاق، والمقادير، والبركات، والملائكة، والكتاب؛ التي أنزلها على الرسل. ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ أي: صعد في السماء من الملائكة، وأعمال العباد، والأبخرة، والأدخنة، والغبار، وغير ذلك. ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ:﴾ بعباده حيث خلق من الأرض، أو أنزل من السماء ما يحتاجون إليه في معاشهم، وتأمين حاجياتهم. ﴿الْغَفُورُ:﴾ للمذنبين، والمقصرين في شكر نعمته مع كثرتها، أو: هو يغفر لهم ذنوبهم في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائتة للحصر، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾.
стр. 4938
هذا؛ و ﴿يَلِجُ﴾ أصله: يولج، وماضيه: ولج، فحذفت الواو من مضارعه لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة في مضارع الغائب، وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه، والمصدر: الولوج، وانظر شرح ﴿السَّماءِ﴾ وإعلاله في الآية رقم [٢٤] من سورة (الروم). والفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، فلذا اكتفى بمفعول واحد، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (الروم) أيضا، وينبغي أن تعلم: أن ﴿ما﴾ في هذه الآية وسابقتها واقعة على العاقل، وغيره، وأصل استعمالها لغير العاقل، ففي استعمالها في الآيتين تغليب غير العاقل على العاقل.
الإعراب: ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَلِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، أو هي في محل رفع خبر ثالث ل: (هو) في الآية السابقة، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق، وأيضا: ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ معطوفة على ما قبله، وأيضا ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ معطوف على ما قبله، وإعراب ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ مثل إعراب ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ إفرادا، وجملا.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ المراد: أهل مكة. وقال مقاتل: قال أبو سفيان لكفار مكة:
واللات، والعزّى! لا تأتينا الساعة أبدا، ولا نبعث. وقيل: استبطئوا ما وعدوه من قيام الساعة على سبيل اللهو، والاستهزاء، والسخرية. ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ فهذا رد لكلامهم، وإثبات لما نفوه من إتيان الساعة. وهذه الآية هي الآية الثالثة التي أمر الله بها رسوله ﷺ أن يقسم بربه على وقوع المعاد، والأولى في سورة (يونس) رقم [٥٣]: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ،﴾ والثانية في سورة (التغابن) رقم [٧]: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾. ﴿عالِمِ الْغَيْبِ:﴾ لا يفوت علمه شيء من الخفيات، وإذا كان كذلك؛ دخل في علمه وقت قيام الساعة، وهي واقعة لا محالة. هذا؛ ويقرأ بجر ﴿عالِمِ﴾ ورفعه. هذا؛ و ﴿الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه، قال الشاعر: [الطويل]
وبالغيب آمنّا، وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد
стр. 4939
﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ:﴾ لا يغيب عن علمه، ويقرأ بضم الزاي، وكسرها. ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ:﴾ وزن ذرة، وهي النملة الصغيرة، وتقال لكل جزء من أجزاء الهباء المنتشر في الفضاء، وهي لا ترى إلا في ضوء الشمس الداخل إلى مكان مظلم. ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ﴾ أي: من مثقال ذرة. ﴿وَلا أَكْبَرُ﴾ أي: أكبر منها. ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ أي: في اللوح المحفوظ. ﴿مُبِينٍ﴾ أي: واضح، لا خفاء فيه، وإعلاله مثل إعلال ﴿مُهِينٌ﴾ في الآية رقم [٦] من سورة (لقمان)، وانظر شرح ﴿السّاعَةُ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم)، وشرح ﴿السَّماواتِ﴾ في الآية رقم [٢٢] منها.
أما ﴿بَلى؛﴾ فهي إثبات لما نفوه من إتيان الساعة قطعا، و ﴿بَلى:﴾ حرف جواب، كنعم، وجير، وأجل، وإي، إلا أنّ ﴿بَلى﴾ جواب لنفي متقدم؛ أي: إبطال، ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام، أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد، فتقول: بلى.
أي: قد قام. وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول: بلى؛ أي: هو قائم. قال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس-﵄: لو قالوا: نعم لكفروا. وخذ ما يلي:
قال محمد علي الصابوني: ظل الاعتقاد السائد حتى القرن التاسع عشر: أن الذرة هي أصغر جزء يمكن أن يوجد في عنصر من العناصر، وأنها غير قابلة للتجزئة؛ لأنها الجزء الذي لا يتجزأ، وقد مضت قرون على هذا الاعتقاد، ومنذ عشرات السنين الماضية حول العلماء اهتمامهم إلى مشكلة الذرة، فأمكنهم تجزئتها، وتقسيمها، وقد وجدوا أنها تحتوي على الدقائق الآتية: البروتون، النيترون الإلكترون، وبواسطة هذه التجزئة اخترعوا القنبلة الذرية، والقنبلة الهيدروجينية، ونعوذ بالله من قيام الساعة، ومن شر إبليس اللعين، استمع إلى قوله تعالى عند الإخبار عن الذرة: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ..﴾. إلخ.
فكلمة: ﴿أَصْغَرُ﴾ من الذرة في الآية القرآنية تصريح جلي بإمكان تجزئتها. وفي قوله:
﴿وَلا فِي السَّماءِ﴾ بيان بأن خواص الذرات في الأرض هي نفس خواص الذرات الموجودة في الشمس، والنجوم، والكواكب فهل درس محمد ﷺ خواصّ الذرة، وأمكنه تجزئتها، والوقوف على خواصها في الأرض، والسماء، إنها لدليل قوي على أن القرآن وحي إلهي.
الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَأْتِينَا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول. ﴿وَرَبِّي:﴾
الواو: حرف قسم وجر. (ربي): مقسم به مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء
стр. 4940
المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بربي. ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (تأتينكم):
مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿السّاعَةُ﴾ تقديره: «هي»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿عالِمِ:﴾ بالجر صفة: (ربي)، أو بدل منه، ويقرأ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو عالم. أو: هو مبتدأ، خبره الجملة بعده، فعلى هذا يوقف على: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ،﴾ وعلى قراءة الجر لا يوقف، و ﴿عالِمِ﴾ مضاف، و ﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْزُبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان به. ﴿مِثْقالُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿عالِمِ﴾ وهذا على قراءته بالجر، وهي في محل رفع خبره على قراءته بالرفع، واعتباره مبتدأ، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر فيه، واعتباره خبرا لمبتدإ محذوف. و ﴿مِثْقالُ﴾ مضاف، و ﴿ذَرَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذَرَّةٍ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال ولا وجه له. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لا:﴾ صلة لتأكيد النفي ﴿الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي أيضا. ﴿أَصْغَرُ:﴾ بالرفع عطفا على:
﴿مِثْقالُ،﴾ وبالجر عطفا على ﴿ذَرَّةٍ،﴾ ولم يرتض هذا البيضاوي تبعا للزمخشري؛ بل قال: هو مبتدأ على رفعه، واسم (لا) على اعتبارها نافية للجنس على نصبه. وقال البيضاوي: ولا يجوز عطف المرفوع على ﴿مِثْقالُ﴾ والمفتوح على ﴿ذَرَّةٍ﴾ بأنه فتح في موضع الجر، لامتناع الصرف؛ لأن الاستثناء يمنعه، اللهم إلا أن يجعل الضمير في ﴿عَنْهُ﴾ للغيب، وجعل المثبت في اللوح خارجا عنه لظهوره على المطالعين له، فيكون المعنى لا ينفصل عن الغيب شيء إلا مسطورا في اللوح. هذا؛ ونقل الجمل عن السمين تجويز ما قاله أبو البقاء، وما قاله البيضاوي.
﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَصْغَرُ﴾ على جميع الوجوه المتقدمة في الإعراب، إلا إذا اعتبرناه مبتدأ، أو اسما ل: (لا) فالجار والمجرور يتعلقان بمحذوف خبر للمبتدإ، أو ل: (لا)، وذلك على قول البيضاوي الأول، وحذف مثلها بعد: ﴿أَكْبَرُ﴾. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَكْبَرُ:﴾ معطوف على ﴿أَصْغَرُ﴾ على القراءتين. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَصْغَرُ﴾ و ﴿أَكْبَرُ﴾ على اعتبارهما مبتدأ.
وهما في محل نصب حال على اعتبار ﴿أَصْغَرُ﴾ و ﴿أَكْبَرُ﴾ معطوفين على ما قبلهما.
﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿كِتابٍ﴾.
стр. 4941
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾
الشرح: المعنى: إن الساعة آتية لا ريب فيها؛ ليثيب المؤمنين الصادقين، ويجزي الصالحين على أعمالهم التي عملوها في الدنيا. ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة ل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: لذنوبهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ:﴾ في الجنة، وانظر الآية رقم [٣١] من سورة (الأحزاب) ولا تنس الاحتراس، وانظره في الآية رقم [١٥] من سورة (الروم).
الإعراب: ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (ربي)، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: (اللام)، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: ما يستحقون من مثوبة وأجر. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره:
آمنوا بالله... إلخ، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ صفة لمفعول محذوف، التقدير: عملوا الأعمال الصالحات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَرِزْقٌ:﴾ معطوف على ﴿مَغْفِرَةٌ،﴾ ﴿كَرِيمٌ﴾ صفة: (رزق).
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا﴾ أي: عملوا جاهدين في إبطال أدلتنا، والتكذيب بآياتنا، وتزهيد الناس فيها. ﴿مُعاجِزِينَ:﴾ مسابقين، يحسبون: أنهم يفوتوننا، وأننا لا نقدر على بعثهم في الآخرة للحساب، والجزاء، وظنوا: أنا نهملهم. وقرئ: «(معجزين)» وفسر بمثبطين عن الإيمان من أراده. هذا؛ وعاجزه: سابقه؛ إذا كان واحد منهما يسعى في طلب إعجاز الآخر عن اللّحاق به، فإذا سبقه قيل: أعجزه، وعجّزه؛ ويقرأ «(معجّزين)» بتشديد الجيم، ومعنى: ﴿سَعَوْا:﴾
اجتهدوا، وعملوا بجد، واجتهاد. ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى: ﴿(الَّذِينَ سَعَوْا...)﴾ إلخ. ﴿لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ:﴾ الرجز: سوء العذاب، وقد قال تعالى في أنواع العذاب الذي حل بفرعون، وقومه: ﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ..﴾. إلخ الآية رقم [١٣٤] من سورة (الأعراف). وانظر مقابلة الإيمان بالكفر في الآية رقم [٣٨] الآتية.
стр. 4942
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على مثله في الآية السابقة.
﴿سَعَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي آياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿مُعاجِزِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. وفاعله مستتر فيه، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: عقابا شديدا، وذلك ليقابل المحذوف في الآية السابقة. ﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ﴾. ﴿مِنْ رِجْزٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عَذابٌ﴾. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة: ﴿عَذابٌ،﴾ ويقرأ بالجر على أنه صفة ﴿رِجْزٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾
الشرح: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: يعلم، ويعتقد أولو العلم من الصحابة، ومن تبعهم، وسار على طريقتهم من الأمة، وأيضا من أسلم من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: القرآن الكريم. ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ أي:
إنه من عند الله. ﴿وَيَهْدِي:﴾ يدل، ويقود. ﴿إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي: إلى دين الإسلام؛ الذي هو دين الله. هذا؛ والصراط في الأصل: الطريق، استعير لدين الإسلام في كثير من الآيات، وهو يذكر، ويؤنث، والأول أكثر. و ﴿الْعَزِيزِ:﴾ القوي الغالب؛ الذي لا يغلب.
و ﴿الْحَمِيدِ:﴾ المحمود بكل لسان، والممجد في كل مكان على كل حال.
الإعراب: ﴿وَيَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف، والفعل: (يرى) مرفوع. وقيل: بل هو منصوب بالعطف على (يجزي) وعلامة رفعه، أو نصبه ضمة، أو فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة على الاعتبار الأول، لا محل لها، وهي في تأويل مصدر على عطف الفعل على سابقه. ﴿أُوتُوا:﴾
فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الَّذِي:﴾
اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول للفعل: (يرى). ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى (الذي) وهو العائد. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور
стр. 4943
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به ثان. هذا؛ ويقرأ برفعه، فيكون الضمير مبتدأ، و ﴿الْحَقَّ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان للفعل (يرى)، والجملة الفعلية: ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَيَهْدِي:﴾ الواو: حرف عطف. (يهدي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ ومفعوله محذوف، التقدير: ويهدي الناس، والجملة الفعلية معطوفة على ﴿الْحَقَّ،﴾ أو على الجملة الاسمية: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ فهي في محل نصب على الاعتبارين. وقيل: هي مستأنفة. وقيل: هي في محل نصب حال من: ﴿الَّذِي﴾ على تقدير: وهو يهدي. ﴿إِلى صِراطِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿صِراطِ﴾ مضاف، و ﴿الْعَزِيزِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَمِيدِ:﴾ بدل من: ﴿الْعَزِيزِ﴾.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفار قريش، قال بعضهم لبعض. ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ﴾ أي: هل نرشدكم إلى رجل يخبركم ويقول لكم: إنكم تبعثون بعد البلى في القبور، وتمزيق لحومكم، وتفريق شعوركم، وتقطيع أوصالكم، يريدون بالرجل: رسول الله ﷺ ، وهو-﵊-علم مشهور في قريش، وكان إخباره بالبعث شائعا عندهم، ولكنهم نكّروه بقولهم: ﴿رَجُلٍ﴾ استهزاء، وسخرية، فأخرجوه مخرج التحلّي ببعض الأحاجي، التي يتحاجى بها للضحك، والتلهّي، متجاهلين به، وبأمره. قاتلهم الله أنى يؤفكون! ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي:
إنكم تخرجون من قبوركم، وتنشئون خلقا جديدا بعد أن تمزّق أجسادكم كل تمزيق، وتفرق عظامكم وأوصالكم كل تفريق، بحيث تصير ترابا، ورفاتا. هذا؛ و ﴿جَدِيدٍ﴾ فعيل بمعنى: فاعل عند البصريين، وبمعنى: مفعول عند الكوفيين، من: جددته، أي قطعته. وعلى الأول يقال: جد الشيء، فهو جاد، وجديد. هذا؛ وانظر شرح الكفر في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم).
الإعراب: (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَقالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿هَلْ:﴾
حرف استفهام. ﴿نَدُلُّكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به.
﴿عَلى رَجُلٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿يُنَبِّئُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٍ﴾ تقديره: «هو»، والكاف مفعول به
стр. 4944
أول، والمفعول الثاني المجرور بالحرف محذوف، التقدير: بأنكم تبعثون إذا مزقتم... إلخ، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿رَجُلٍ﴾.
﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: «تبعثون» الذي تراه مقدرا. ﴿مُزِّقْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. ﴿كُلَّ:﴾
نائب مفعول مطلق، وأجاز الزمخشري اعتباره ظرف مكان، التقدير: كل مكان تمزيق من القبور، وبطون الوحش، والطير، فهو متعلق بالفعل قبله. و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿مُمَزَّقٍ﴾ مضاف إليه، و «أنّ» المقدرة، واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني.
﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في خلق):
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿جَدِيدٍ:﴾ صفة ﴿خَلْقٍ،﴾ والجملة الاسمية:
﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ فيها معنى التأكيد لما قدرته محذوفا، أو هي بدل منه، وكسرت الهمزة بسبب لام الابتداء، التي زحلقت إلى الخبر. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿إِذا﴾ شرطية، وجوابها محذوف، التقدير: إذا مزقتم كل ممزق؛ بعثتم. وعليه فالجملة الشرطية يحتمل أن تكون معمولة ل: ﴿يُنَبِّئُكُمْ؛﴾ لأنه في معنى يقول لكم إذا مزقتم كل ممزق؛ تبعثون، ثم أكد ذلك بقوله:
﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. ويحتمل أن يكون: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ معلقا ل: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ سادا مسد المفعولين، ولولا اللام؛ لفتحت (إنّ) وعلى هذا فجملة الشرط اعتراض. وعلى جميع الاعتبارات؛ فجملة: ﴿مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.
﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾
الشرح: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ:﴾ يحتمل أن يكون هذا من تمام قول الكافرين أولا، أي من كلام القائلين: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ..﴾. إلخ، ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ كأن القائل لما قال له: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ أجابه، فقال: هو يفتري على الله كذبا... إلخ، و ﴿جِنَّةٌ﴾ بمعنى: جنون؛ أي: خبل، وذهاب عقل. وهو أيضا جمع: جني قال تعالى في سورة (الناس): ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وهو بفتح الجيم: الحديقة، ذات الأشجار، وجمعها: جنات، وهو بضم الجيم: كل ما استترت به، وكل ما وقيت به نفسك من السلاح، والرماح، ومنه: المجن، والمجنة بكسر الميم فيهما، وهو الترس؛ الذي كان يتخذ للوقاية من ضربات السيوف، والرماح، وخذ قوله تعالى في سورة (المجادلة) وسورة (المنافقون) وهو من باب الاستعارة:
﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾.
стр. 4945
﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ: هذا جواب عن ترديدهم الوارد على طريقة الاستفهام بالإضراب عن شقيه، وإبطالهما، وإثبات قسم ثالث كاشف عن حقيقة الحال، مناد عليهم بسوء حالهم، وبطلان ما قالوا في حقه. كأنه قيل: ليس الأمر كما زعموا؛ بل هم في كمال اختلال العقل، وغاية الضلال عن الفهم، والإدراك؛ الذي هو الجنون حقيقة، وفيما يؤدي إليه ذلك من العذاب، ولذلك يقولون ما يقولون. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود.
هذا؛ والضلال: مصدر: ضل الثلاثي، ومصدر الرباعي: الإضلال، فهو مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضلالا، أو هو مجاز عقلي على حد: جد جده؛ لأن البعيد في الحقيقة إنما هو الضال؛ لأنه هو الذي يتباعد الطريق، فوصف به فعله، وانظر الآية رقم [١١] من سورة (لقمان).
وأخيرا فالهمزة بقوله: ﴿أَفْتَرى﴾ همزة الاستفهام، واستغنى بها عن همزة الوصل، فحذفتها، والأصل «أافترى» فحذفت الألف الثانية؛ لأنها ألف الوصل. فإن قيل: فهلا أتوا بمدة بعد الألف، فقالوا: آفترى، كقوله تعالى: ﴿آللهُ خَيْرٌ،﴾ وقوله جل ذكره: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ..﴾. إلخ قيل له: كان الأصل في هذا «أالله؟» «أالذّكرين» فأبدلوا من الألف الثانية مدة؛ ليفرقوا بين الاستفهام، والخبر، وذلك أنهم لو قالوا: «الله خير؟» بلا مدّ لالتبس الاستفهام بالخبر. ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله: ﴿أَفْتَرى﴾. ﴿أَطَّلَعَ﴾ لأن ألف الاستفهام مفتوحة، وألف الخبر مكسورة، وذلك: أنك تقول في الاستفهام «أطّلع؟ أفترى؟ أصطفى؟ أستغفرت؟» بفتح الألف، وتقول في الخبر: «اطلع، افترى، اصطفى، استغفرت لهم» بالكسر، فجعلوا الفرق بالفتح والكسر ولم يحتاجوا إلى فرق آخر. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿أَفْتَرى:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (افترى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى ﴿رَجُلٍ﴾. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَذِباً:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿أَفْتَرى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول؛ إن كان من تمام قول الكافرين، ومستأنفة؛ إن كانت من كلام السامع. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جِنَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿بَلِ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿الَّذِينَ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. (الضلال):
معطوف على ما قبله. ﴿الْبَعِيدِ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿بَلِ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح.
стр. 4946
﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾
الشرح: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ: أعلم الله تعالى الكفار: أن الذي قدر على خلق السموات، والأرض، وما فيهن قادر على البعث، وعلى تعجيل العقوبة لهم، فاستدل بقدرته عليهم، وأن السموات والأرض ملكه، وأنهما محيطتان بهم من كل جانب؛ فكيف يأمنون الخسف، والكسف، كما فعل بقارون، وأصحاب الأيكة قوم شعيب، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والمعنى: أعموا، فلم ينظروا إلى السماء والأرض، وأنهما حيثما كانوا، وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم، لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما، وأن يخرجوا عما هم فيه من ملكوت الله ، ولم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفا؛ لتكذيبهم الآيات، وكفرهم بالرسول ﷺ ، وبما جاء به، كما فعل بقارون، وأصحاب الأيكة؟
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: النظر إلى السماء، والأرض، والتفكر فيهما، وما تدلان عليه من قدرة الله تعالى. ﴿لَآيَةً:﴾ لدلالة، وعلامة. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي: راجع إلى ربه، مطيع له؛ إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله على أنه قادر على كل شيء من البعث، والحساب، ومن عقاب من يكفر به. وخص المنيب بالذكر؛ لأنه هو الذي ينتفع بالتفكر في حجج الله، وآياته.
هذا؛ والتعبير عن الأمام، والخلف بقوله تعالى: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ كثير في القرآن الكريم، وإن اختص كل موضع بتفسير حسب مقتضيات الأحوال، واختلافها، فمثلا قوله تعالى:
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء) يفسر بغير ما في هذه الآية، وكذلك الآية رقم [١١٠] من سورة (طه) وكلتاهما تخالفان معنى قوله تعالى: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
وهكذا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وليعلم: أن الأفعال «نشأ، نخسف، نسقط» تقرأ بالنون، والياء، و ﴿كِسَفاً﴾ يقرأ بفتح السين، وسكونها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٨] من سورة (الروم).
الإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لم):
حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والفعل بصري، فلذا اكتفى بالجار والمجرور بعده. ﴿إِلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جرّ ب: ﴿إِلى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محلّ نصب مفعوله. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف
стр. 4947
مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما):
معطوف على ما قبله، وهو في محل جر أيضا. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: (ما)، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ﴿السَّماءِ،﴾ وجملة: ﴿أَفَلَمْ..﴾. إلخ معطوفة على محذوف، التقدير: أعموا، فلم ينظروا على رأي الزمخشري، ومستأنفة على رأي غيره.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿نَشَأْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر، تقديره:
«نحن»، أو تقديره: «هو» يعود إلى الله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿نَخْسِفْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، وفاعله تقديره: «نحن»، أو «هو»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿بِهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَرْضِ:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نُسْقِطْ:﴾ معطوف على ما قبله. وفاعله مستتر أيضا، تقديره: «نحن» أو: «هو».
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كِسَفاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿كِسَفاً،﴾ والجملة الشرطية: ﴿إِنْ نَشَأْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾
حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنْ،﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (آية): اسم ﴿إِنْ﴾ مؤخر. ﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آية)، وكل مضاف، و ﴿عَبْدٍ﴾ مضاف إليه.
﴿مُنِيبٍ:﴾ صفة ﴿عَبْدٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً﴾ أي: مزية على سائر الأنبياء، وهو ما ذكر في هاتين الآيتين، أو مزية على سائر الناس، فيدخل فيه النبوة، والزبور، والملك، والصوت الحسن. فقد كان ﵊ ذا صوت حسن، ووجه حسن، وقد أعطي من حسن الصوت ما يتزاحم الوحوش من الجبال على حسن صوته، وكان الماء الجاري ينقطع عن الجري، وقوفا لصوته. وحسن الصوت هبة من الله تعالى، وتفضل منه. وقال النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري ﵁: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود». قال العلماء: المزمار والمزمور:
الصوت الحسن، وبه سميت آلة الزمر مزمارا. ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: سبحي معه. قال أبو ميسرة: هو التسبيح بلسان الحبشة، ومعنى تسبيح الجبال: هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحا، كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح معجزة لداود، على
стр. 4948
نبينا، وعليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم. وقيل: المعنى سيري معه حيث شاء، من: التأويب الذي هو سير النهار أجمع، وينزل الليل، قال ابن مقبل: [الطويل]
لحقنا بحيّ أوّبوا السّير بعد ما... دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح
وقرأ الحسن، وقتادة وغيرهما: (أوبي معه) أي: ارجعي معه، من آب، يؤوب: إذا رجع، أوبا، وأوبة، وإيابا. وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف عليه داود بالنهار، فكان إذا قرأ الزبور صوتت معه الجبال، وأصغت إليه الطير، فكأنها فعلت ما فعل. وقال وهب بن منبه:
المعنى: نوحي معه، والطير تساعده على ذلك، فكان إذا نادى بالنياحة؛ أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه. وصريح قوله تعالى في الآية رقم [٧٩] من سورة (الأنبياء): ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ،﴾ وصريح قوله تعالى في الآية رقم [١٨] من سورة (ص): ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ يؤيد التسبيح لا غيره. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ أي: كانت تسبح معه، ﵊. قيل: كان إذا وجد فترة في الذكر؛ أمر الجبال، والطير، فسبحت؛ حتى ينشط؛ ويشتاق للتسبيح. وفيه ما فيه من الفخامة، والدلالة على عظم شأنه، وكبرياء سلطانه؛ حيث جعل الله الجبال، والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها. ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ:﴾ أي جعلناه له ليّنا، كالطين والعجين، والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء، من غير نار، ولا ضرب بمطرقة.
هذا؛ وداود: هو ابن إيشا، وكان في عسكر طالوت، وهو من سبط الملوك، وهو سبط يهوذا بن يعقوب. أما سبط النبوة فهو سبط لاوي بن يعقوب. وقد بارز جالوت، وقتله، كما رأيت في الآية رقم [٢٥١] من سورة (البقرة). فلما قتل جالوت زوجه طالوت بنته، وأشركه معه في الحكم، وقد دام ملك طالوت أربعين سنة، فلما استقل داود بالحكم، وأعطاه الله النبوة، كما قال تعالى: ﴿وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وذلك بعد موت النبي شمويل، وبعد موت طالوت، ولم يجتمع الملك، والنبوة لغير داود، وابنه سليمان، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وكانت مدة ملك داود بعد طالوت سبع سنين، وفي عهد داود وقعت حادثة أهل السبت، التي رأيت تفصيلها في الآية رقم [١٦٣] وما بعدها من سورة (الأعراف) وعاش داود مائة سنة، وبينه وبين موسى خمسمائة وتسع وستون سنة. وقيل: وتسع وسبعون، وعاش سليمان تسعا وخمسين سنة، وبينه وبين مولد نبينا، وحبيبنا عليه، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام نحو ألف وسبعمائة سنة. انتهى. جمل. نقلا من التحبير للسيوطي.
هذا؛ وقيل: إنه عاش ثلاثا وخمسين سنة، وملك؛ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فبقي في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع سنين من ملكه.
تنبيه: روي: أن سبب ذلك: أن داود ﵇ لما ملك بني إسرائيل لقي ملكا، وداود يظنه إنسانا، وداود متنكر خرج يسأل الناس عن نفسه، وسيرته في بني إسرائيل في خفاء، فقال
стр. 4949
داود لذلك الشخص الذي تمثل له: ما قولك في هذا الملك داود؟ فقال له الملك: نعم العبد لولا خلة فيه! قال داود: وما هي؟ قال: يرتزق من بيت المال، ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله، فرجع، فدعا الله تعالى أن يعلمه صنعة، ويسهلها عليه، فعلمه صنعة الدروع، كما قال تعالى في الآية رقم [٨٠] من سورة (الأنبياء): ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ..﴾. إلخ فألان له الحديد، فصنع الدروع، فكان يصنع الدرع فيما بين يومه، وليلته يساوي ألف درهم؛ حتى ادّخر منها كثيرا، وتوسعت معيشة أهل بيته، وكان يتصدق على الفقراء والمساكين، وكان ينفق ثلث المال في مصالح قومه، وهو أول من اتخذ الدروع، وصنعها، وكانت قبل ذلك صفائح.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم، وفضائلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخليّ عن الامتنان، إلا للواحد المنان، وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إنّ خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبيّ الله داود كان يأكل من عمل يده». انتهى. هذا؛ وخذه من الترغيب والترهيب، كما يلي: عن المقدام بن معد يكرب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبيّ الله داود-عليه الصلاة، والسّلام-كان يأكل من عمل يده». رواه البخاري وغيره.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة). ﴿داوُدَ:﴾ مفعول به أول.
﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿فَضْلاً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها؛ صار حالا». ﴿فَضْلاً:﴾ مفعول به ثان، والكلام: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو.
(جبال): منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿أَوِّبِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، وياء المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية والجملة الندائية بدل من: ﴿آتَيْنا﴾ التقدير: قلنا: يا جبال، أوبي، أو بدل من: ﴿فَضْلاً﴾ التقدير: قلنا: يا جبال، أوبي، انتهى.
من الكشاف. وهذا يعني: أن الجملتين في محل نصب مقول القول المقدر، فعلى الأول هو فعل، وعلى الثاني المقدر مصدر، وأرى أن اعتبار الجملتين تفسيرا ل: ﴿فَضْلاً﴾ جيد، ولا بأس به. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَالطَّيْرَ:﴾ يقرأ بالنصب، والرفع، فالنصب فيه أربعة أوجه: الأول: هو معطوف على موضع (جبال). والثاني: هو مفعول معه، والواو واو المعية. والثالث: هو معطوف على
стр. 4950
﴿فَضْلاً﴾ على معنى: وآتيناه تسبيح الطير. قاله الكسائي. والرابع: هو منصوب بفعل محذوف، التقدير: وسخرنا له الطير. وأما الرفع؛ ففيه وجهان: أحدهما هو معطوف على لفظ (جبال).
والثاني: هو معطوف على ياء المخاطبة في ﴿أَوِّبِي،﴾ وأغنت (مع) عن توكيد الضمير المتصل بضمير الرفع المنفصل. ﴿وَأَلَنّا:﴾ والواو: حرف عطف. (ألنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْحَدِيدَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ معطوفة على جملة ﴿آتَيْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.
﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاِعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾
الشرح: ﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أي: أمرناه بأن اصنع دروعا سابغات؛ أي: كاملات، واسعات طوالا، تسحب في الأرض. هذا؛ ويقرأ: «(صابغات)» بالصاد، ورأيت في الآية السابقة: أنه هو أول من اتخذ الدروع بهذا الشكل. ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: وقدر في نسجها بحيث يتناسب حلقها.
وقال ابن عباس-﵄: التقدير الذي أمر به هو في المسمار؛ أي: لا تجعل مسمار الدرع رقيقا فيقلق، أي لا يستقر في مكانه، ولا غليظا فيفصم الحلق. أو المعنى: اجعل الدرع متوسطة، لا ثقيلة تتعب حاملها، ولا رقيقة خفيفة لا ترد عن صاحبها ضربات السيوف. هذا؛ والسرد: نسج حلق الدروع، ومنه قيل لصانع حلق الدروع: السّراد، والزرّاد بإبدال السين زايا، والسرد: الخرز، ويقال: سرد الحديث، والصوم؛ أي: أتى بهما ولاء في نسق واحد، ومنه: سرد الكلام. قالت عائشة-﵂: لم يكن النبي ﷺ يسرد الحديث كسردكم، وكان يحدّث الحديث لو أراد العادّ أن يعدّه؛ لأحصاه. ﴿وَاعْمَلُوا صالِحاً:﴾ هذا أمر لداود، وأهل بيته. ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: فأجازيكم به، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا فشر. وفي الكلام التفات من خطاب الواحد إلى خطاب الجماعة، كما هو ظاهر.
الإعراب: ﴿أَنِ:﴾ مفسرة، أو مصدرية. ﴿اِعْمَلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره:
«أنت». ﴿سابِغاتٍ:﴾ صفة لمفعول به محذوف، فهو منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية: ﴿أَنِ اعْمَلْ..﴾. إلخ مفسرة للفعل المقدر ب: أمرنا. وعلى اعتبار ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أمرناه بعمل سابغات. ﴿وَقَدِّرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قدر): فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿فِي السَّرْدِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها. (اعملوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿صالِحاً:﴾
مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: اعملوا عملا صالحا، لذا قيل: صفة لمفعول مطلق محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
стр. 4951
﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (يا) المتكلم اسمه. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَصِيرٌ﴾ بعدهما، و: (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:
﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾
الشرح: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح. ويقرأ برفع الريح. ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ أي: جريها بالغداة، أي في الصباح مسيرة شهر، وجريها بالعشي مسيرة شهر آخر، فكانت تسير به في كل يوم واحد مسيرة شهرين. قيل: كان يغدو من دمشق، فيقيل بإصطخر، وبينهما مسيرة شهر، ثم يروح من إصطخر، فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأنبياء) الآية رقم [٨١]: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ..﴾. إلخ وقال في سورة (ص) الآية رقم [٣٦]: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾.
قال وهب بن منبه: كان سليمان ﵇؛ إذا خرج إلى مجلسه؛ حلقت عليه الطير، وقام له الإنس، والجن؛ حتى يجلس على سريره، وكان امرءا غزاء قلّما يقعد عن الغزو، ولا يسمع بناحية من الأرض بملك إلا أتاه؛ حتى يذله. وكان فيما يزعمون: أنه إذا أراد الغزو؛ أمر بخشب فمدت، ورفع عليها الناس والدواب، وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد؛ أمر العاصف من الريح، فمرت تحت الخشب، فاحتملته حتى إذا استقلت به؛ أمر الرخاء، فمرت به شهرا في روحته، وشهرا في غدوته إلى حيث أراد. انتهى. وهذا يعني: أن العاصف للإقلاع، والرخاء للسير بهدوء؛ لئلا يضطرب الناس الذين هم على بساط الريح. قال أحمد محشي الكشاف: وهذا كما ورد وصف عصا موسى تارة بأنها جان، وتارة بأنها ثعبان، والجان الرقيق من الحيات، والثعبان العظيم الجافي منها، ووجه ذلك: أنها جمعت الوصفين، فكانت في خفتها، وفي سرعة حركتها كالجان، وكانت في عظم خلقها كالثعبان، ففي كل واحد من الريح، والعصا على هذا التقرير معجزتان. والله سبحانه، وتعالى أعلم.
﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ:﴾ ﴿الْقِطْرِ:﴾ النحاس، فعن ابن عباس، وغيره: أسيلت له مسيرة ثلاثة أيام كما يسيل الماء، وكانت بأرض اليمن، ولم يذب النحاس فيما روي لأحد قبله، وكان لا يذوب، ومن وقته ذاب، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله تعالى لسليمان. قال قتادة:
стр. 4952
أسال له الله عينا يستعملها فيما يريد، وقد أسال الله لسليمان النحاس، وأجراه له، كما ألان الحديد لوالده داود، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: كان يسيل في الشهر ثلاثة أيام، وسبب ذوبانه-والله أعلم-أن الأرض التي فتحت فيها العين مصطهرة بالنار فالنحاس المختلط بصخور تلك الأرض يصهر، ويقذف من فوهة تلك العين سائلا، فيأتي عمّال سليمان، ويأخذونه للانتفاع به في الصناعات، ونحوها مما يحتاج إليه سليمان.
﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: بأمر ربه. وقال ابن عباس-﵄: سخر الله الجن لسليمان، ﵊، وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به. ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا:﴾ ومن يعدل ويخالف الذي أمرناه به من طاعة سليمان. ﴿نُذِقْهُ:﴾ من عذاب السعير: قيل: هذا في الآخرة. وقيل: في الدنيا، وذلك: أن الله تعالى وكل بهم ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان ضربه بذلك السوط ضربة أحرقته.
هذا؛ وقد ذكر في سفر الملوك الأول العمائر التي قام بعملها سليمان، منها: سور أورشليم، وحاصور، ومجد، وجازر، وبيت حوران السفلى، وبعله، وتدمر في البرية، كل ذلك عدا المخازن، ومدن المركبات، ومدن الفرسان، وما بناه في لبنان، وغيرها من سائر مملكته، ومن نظر إلى هذه الأعمال، وفخامتها، وضخامة أحجارها؛ لم يستبعد أن يكون للجن عمل عظيم في ذلك، وخاصة تدمر، وبعض آثارها ماثل إلى اليوم، وقد ذكر النابغة الذبياني تسخير الجن لسليمان في شعره الذي يعتذر به إلى النعمان؛ إذ يقول: [البسيط]
ولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه... ولا أحاشي من الأقوام من أحد
إلاّ سليمان إذ قال الإله له... قم في البريّة فاحددها عن الفند
وخيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهم... يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد
هذا من قصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-باختصار. وهذه الأبيات من معلقة النابغة رقم [٢١] وما بعد. انظرها بشرحنا، وإعرابنا لها.
الإعراب: ﴿وَلِسُلَيْمانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لسليمان): جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وسخرنا لسليمان، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. ﴿الرِّيحَ:﴾ مفعول به للفعل المحذوف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿آتَيْنا داوُدَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وعلى قراءة «(الريح)» بالرفع فهو مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿غُدُوُّها:﴾ مبتدأ، والتقدير: مسير غدوها شهر، ومسير رواحها شهر. و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿شَهْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من:
стр. 4953
﴿الرِّيحَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَأَسَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أسلنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَيْنَ:﴾ مفعول به، و ﴿عَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِطْرِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(مِنَ الْجِنِّ)﴾: متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وسخرنا له من الجن. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به للفعل المقدر. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور ﴿(مِنَ الْجِنِّ)﴾ متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و ﴿مِنَ:﴾ مبتدأ مؤخر على مثال: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿يَعْمَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِإِذْنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَعْمَلُ،﴾ و (إذن) مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿يَعْمَلُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها.
﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَزِغْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله مستتر فيه، يعود إلى: (من)، تقديره: «هو».
﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَزِغْ﴾ المستتر. و (من) بيان لما أبهم في (من).
﴿عَنْ أَمْرِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿نُذِقْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، وفاعله مستتر، تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿عَذابِ:﴾ مضاف، و ﴿السَّعِيرِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾
الشرح: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ﴾ أي: مساجد. وقيل: هي الأبنية المرتفعة، والقصور، والمجالس الشريفة، المصونة عن الابتذال، سميت بذلك؛ لأنها يذب عنها، ويحارب عليها، وكان مما عملوا له بيت المقدس، وذلك: أن داود-﵇-ابتدأه، ورفعه قامة رجل، فأوحى الله إليه: لم أقض ذلك على يدك، ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان، أقضي إتمامه على يديه، فلما توفي داود؛ استخلف سليمان، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، فأراد سليمان إتمام بناء
стр. 4954
بيت المقدس، فجمع الجن، والشياطين، وقسم عليهم الأعمال، وخص كل طائفة منهم بعمل، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والبلور من معادنهما، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفائح، وجعلها اثني عشر ربضا، وأنزل على كل ربض سبطا من الأسباط.
فلما فرغ من بناء المدينة؛ أخذ في بناء المسجد، فوجه الشياطين فرقا منهم من يستخرج الذهب والفضة من معادنهما، ومنهم من يستخرج الجواهر، واليواقيت، والدر الصافي من أماكنها، ومنهم من يأتيه بالمسك، والعنبر، والطيب من أماكنها، فأتي بشيء كثير، لا يحصيه إلا الله تعالى، ثم أحضر الصناع، وأمرهم بنحت تلك الأحجار، وتصييرها ألواحا، وإصلاح تلك الجواهر، وثقب اليواقيت، واللآلي، فبني المسجد بالرخام الأبيض، والأصفر، والأخضر، وعمده بأساطين البلور الصافي، وسقفه بأنواع الجواهر الثمينة، وقصص سقوفه، وحيطانه باللآلئ واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن على وجه الأرض يومئذ أبهى، ولا أنور من ذلك المسجد، فكان يضيء بالظلمة، كالقمر ليلة البدر.
قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٨٢]: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ،﴾ وقال في سورة (ص): ﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾.
فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل، وأعلمهم: أنه بناه لله تعالى، وأن كل شيء فيه خالص له، واتخذ ذلك اليوم عيدا، فعن عبد الله بن عمرو-﵁-عن رسول الله ﷺ : «أنّ سليمان بن داود لمّا بنى بيت المقدس سأل الله حكما يوافق حكمه، فأوتيه، وسأل الله تعالى ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد، لا ينهزه إلا الصلاة فيه، إلا أخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمّه». أخرجه النسائي.
وعن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الصّلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة بمسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة».
رواه الطبراني وبقي بيت المقدس على ما بناه سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-حتى غزاه بختنصر، فخرب المدينة، وهدم المسجد، وأخذ ما فيه من الذهب والفضة وسائر أنواع الجواهر، وحمله إلى دار ملكه بالعراق. انظر ذلك مفصلا في الآية رقم [٤] وما بعدها من سورة (الإسراء) تجد أن ذلك كان بسبب فساد بني إسرائيل، وفسقهم، وخروجهم عن طاعة ربهم. و: (تماثيل) جمع: تمثال، قال امرؤ القيس: [الطويل]
ويا ربّ يوم قد لهوت وليلة... بآنسة كأنّها خطّ تمثال
والتماثيل: صور للملائكة، والأنبياء على ما اعتادوا من العبادات ليراها الناس، فيعبدوا نحو عبادتهم. وقيل: كانوا يصورون السباع، والطيور، وغيرها. وقيل: كانوا يصورون صور الملائكة، والأنبياء، والصالحين في المساجد ليراها الناس، فيزدادوا عبادة، ويصورون ما ذكر
стр. 4955
من نحاس، ورخام، وزجاج. روي: أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط له الأسدان ذراعيهما، وإذا قعد؛ أظله النسران بأجنحتهما، وكان التصوير مباحا يومئذ؛ أما في شريعتنا؛ فالتصوير حرام. وخذ ما يلي: عن عمر-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الذين يصنعون هذه الصّور يعذّبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم». رواه البخاري. وعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون». رواه البخاري، ومسلم، وعن أبي هريرة ﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: «ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرّة، وليخلقوا حبّة، وليخلقوا شعيرة». رواه البخاري، ومسلم.
كما حرم الإسلام اقتناء الصور، فعن ابن عمر-﵄-قال: واعد رسول الله ﷺ جبريل أن يأتيه، فراث عليه حتّى اشتدّ على رسول الله ﷺ ، فخرج فلقيه جبريل ﵇، فشكا إليه، فقال: «إنّا لا ندخل بيتا فيه كلب، ولا صورة». رواه البخاري. وعن علي-﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: قال جبريل: «إنّا لا ندخل بيتا فيه كلب، ولا صورة». رواه البخاري.
﴿وَجِفانٍ:﴾ جمع: جفنة، وهي القصعة؛ التي يوضع فيها الطعام. ﴿كَالْجَوابِ:﴾ جمع:
جابية، وهي حفيرة، كالحوض، وقال مجاهد: كحياض الإبل، وكان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل. قال الأعشى: [الطويل]
تروح على آل المحلّق جفنة... كجابية الشّيخ العراقيّ تفهق
هذا ﴿وَجِفانٍ﴾ جمع كثرة، وجمع القلة: جفنات، ولذا عيب على حسان-﵁ قوله: [الطويل]
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ويروى: أن الخنساء-﵂-قالت: قللت جفناتك، ولو قلت: الجفان؛ لكان أولى. وقلت: الغر، ولو قلت: البيض؛ لكان أولى. وقلت: يلمعن، ولو قلت: يشرقن؛ لكان أولى، وقلت: بالضحى، ولو قلت: بالدجى؛ لكان أولى، وقلت: أسيافنا، ولو قلت: سيوفنا؛ لكان أولى، وقلت: يقطرن، ولو قلت: يسلن؛ لكان أولى، وقلت: دما؛ ولو قلت: دماء لكان أولى.
هذا؛ وقال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها، تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المئكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل. هذا؛ وحذفت الياء من الجوابي تخفيفا، وبعضهم يقرأ بإثباتها. ﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ أي: ثابتات على أثافيها لا تحمل ولا تحرّك عن أماكنها لعظمها، وكان يصعد إليها بالسلالم، وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان التيمي في الجاهلية.
стр. 4956
﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ أي: اعملوا بطاعة الله شكرا على نعمه. روي: أن داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قال: يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك، وإلهامي، وقدرتي على شكرك نعمة لك؟! فقال: يا داود الآن عرفتني. هذا؛ وحقيقة الشكر: الاعتراف بالنعمة للمنعم، واستعمالها في طاعته. والكفران استعمالها في المعصية، وقليل من يفعل ذلك؛ لأن الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية بحسب سابق التقدير. قال ثابت البناني: كان داود نبي الله-على نبينا، وعليه الصلاة والسّلام-: قد جزأ ساعات الليل، والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من ليل، أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. وقد ثبت عن النبي ﷺ : أن داود كان يصوم يوما، ويفطر يوما. ومن المؤكد: أن الصلاة، والصيام، والعبادات كلها هي في نفسها الشكر؛ إذ سدت مسده، ويبين هذا قوله تعالى في الآية رقم [٢٤] من سورة (ص): ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ وهو المراد بقوله الآتي: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وظاهر القرآن، والسنة: أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان.
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أي: الموفق على أداء الشكر بقلبه، ولسانه، وجوارحه في أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يوفي حقه؛ لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرا آخر، إلى ما لا نهاية له، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر. وسمع الفاروق-﵁-رجلا يقول: «اللهم اجعلني من القليل»، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ فقال عمر-﵁: كل الناس أعلم منك يا عمر! وانظر مثله في الآية رقم [٢٤] من سورة (ص)، وانظر ما ذكرته بشأن الحمد والشكر في الآية [١٥] من سورة (النمل).
الإعراب: ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعملون له الذي، أو: شيئا يشاؤه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من ﴿الْجِنِّ،﴾ والرابط: الضمير فقط، أو هي مفسرة لجملة (يعمل)، أو هي بدل منها اعتبارات أربعة. ﴿مِنْ مَحارِيبَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع. ﴿وَتَماثِيلَ:﴾ معطوف عليه، وهو مجرور مثله... إلخ. ﴿وَجِفانٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كَالْجَوابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (جفان)، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة، أو الثابتة على القراءة
стр. 4957
الثانية. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما، فهي صفة جفان، وتكون مضافة، و (الجواب) مضاف إليه، ﴿وَقُدُورٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿راسِياتٍ:﴾ صفة (قدور).
﴿اِعْمَلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آلَ:﴾
منادى حذفت منه أداة النداء، أو هو مفعول بفعل محذوف، التقدير: أعني آل، و ﴿آلَ﴾ مضاف، و ﴿داوُدَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿شُكْراً:﴾ مفعول لأجله، أو هو صفة لمفعول مطلق، التقدير:
اعملوا آل داود عملا شكرا، أو اشكروا شكرا. وقيل: هو حال بمعنى: شاكرين، والكلام:
﴿اِعْمَلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقلنا: يا آل داود اعملوا... إلخ. والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة: ﴿يَعْمَلُونَ..﴾. إلخ. وقيل: جملة:
﴿اِعْمَلُوا..﴾. إلخ مستأنفة، والأول أولى. ﴿وَقَلِيلٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قليل): خبر مقدم.
﴿مِنْ عِبادِيَ:﴾ متعلقان ب: (قليل) لأنه صفة مشبهة. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة (قليل) وليس بشيء، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿الشَّكُورُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من: ﴿آلَ داوُدَ﴾ فالرابط الواو فقط.
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ:﴾ حكمنا عليه بالموت. قال العلماء: كان سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يتجرد للعبادة في بيت المقدس السنة، والسنتين، والشهر، والشهرين، فيدخل فيه، ومعه طعامه وشرابه، فدخله المرة التي مات فيها، فأعلمه الله بوقت موته، فقال: اللهم أخف عن الجن موتي؛ حتى تعلم الإنس: أن الجن لا يعلمون الغيب. وكانت الجن تخبر الإنس بأنهم يعلمونه، فقام في المحراب على عادته يصلي، متكئا على عصاه قائما، وكان للمحراب طاقات من بين يديه، ومن خلفه، فكان الجن ينظرون إليه، ويحسبون أنه حي، ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطوله منه قبل ذلك، فمكثوا يعملون حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصاه، فخر ميتا، فعلموا بموته. قال ابن عباس-﵄: فشكرت الجن الأرضة، فهم يأتونها بالماء، والطين في جوف الخشب، وقالوا لها: لو كنت تأكلين الطعام والشراب؛ لأتيناك بهما. انتهى. خازن بتصرف. ومثله في الكشاف، والقرطبي، فذلك قوله تعالى:
﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ﴾ أي: ما دل الجن، أو ما دل آل سليمان على موته. ﴿إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ أي: الأرضة، وهي دويبة، يقال لها: سرفة، والأرض فعلها، فأضيفت إليه، يقال: أرضت
стр. 4958
الخشبة أرضا: إذا أكلتها. ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ:﴾ يقرأ بتسكين الهمزة تخفيفا، قال الشاعر في ترك الهمزة: [البسيط]
إذا دببت على المنساة من كبر... فقد تباعد عنك اللهو والغزل
وقال آخر، فهمز، وفتح: [المتقارب]
ضربنا بمنسأة وجهه... فصار بذاك مهينا ذليلا
هذا؛ والمنسأة: العصا، من: نسأت البعير: إذا طردته؛ لأنه يطرد بها، فهو اسم آلة، كالمكنسة والمكسحة. ﴿فَلَمّا خَرَّ:﴾ سقط على الأرض ميتا لا حراك به. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ:﴾ علمت الجن بعد التباس الأمر عليهم، وجلى لهم، وظهر، وانكشف.
﴿أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ أي: لو أنهم كانوا يعلمون الغيب كما يزعمون؛ لعلموا موت سليمان حيثما وقع ما أقاموا بعد موته حولا في تسخيرهم بالأعمال الشاقة، وذلك: أن الله أعلمه بقرب أجله، فأراد أن يعمي على الجن موته، فدعاهم، فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس فيه باب، فقام يصلي متكئا على عصاه، فقبض روحه، وهو متكئ عليها، فبقي عليها حتى أكلتها الأرضة، فخر، ثم فتحوا عنه، وأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت يوما وليلة مقدارا، فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿قَضَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار: (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿فَلَمّا:﴾ نافية. ﴿دَلَّهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به.
﴿عَلى مَوْتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿دَابَّةُ:﴾ فاعل: ﴿دَلَّهُمْ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لما)، لا محل لها، و ﴿دَابَّةُ﴾ مضاف، و ﴿الْأَرْضِ﴾ مضاف إليه. ﴿تَأْكُلُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى:
﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ،﴾ تقديره: «هي». ﴿مِنْسَأَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ في محل نصب حال من ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ،﴾ والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وأجيز اعتبارها مستأنفة، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): مثل سابقتها. ﴿خَرَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود على (سليمان)، والجملة الفعلية يقال فيها ما قيل بسابقتها. ﴿تَبَيَّنَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء
стр. 4959
للتأنيث. ﴿الْجِنُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب: (لما)، لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.
﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿الْغَيْبَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾.
إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلَمّا:﴾ نافية. ﴿لَبِثُوا:﴾
ماض، وفاعله. ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ متعلقان به. ﴿الْمُهِينِ:﴾ صفة: ﴿الْعَذابِ،﴾ وجملة: ﴿ما لَبِثُوا..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ و ﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع بدلا من: ﴿الْجِنُّ،﴾ وقدر أبو البقاء مضافا محذوفا، وقال: لأن المعنى تبينات الإنس جهل الجن، وقال: ويجوز أن يكون في موضع نصب، أي تبينات الجن جهلها، وزاد مكي قوله: وقيل: هي في موضع نصب على حذف اللام:
أي لأن، والمعتمد الأول. والله أعلم، وأجل، وأكرم. و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له أيضا.
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾
الشرح: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ أي: علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن لهم خالقا خلقهم، ثم فسر الآية فقال تعالى: ﴿جَنَّتانِ﴾ أي: بستانان. ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ﴾ أي: عن يمين الوادي، وعن شماله، والمراد مجموعتان من البساتين كل واحدة منهما في تقاربها، وتضامها كأنها جنة واحدة، أو المراد: بستانا كل منهم عن يمين مسكنه، وعن شماله. ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أي: من ثمار الجنتين. وقيل: كانت المرأة تحمل مكتلها على رأسها، وتمر بالجنتين، فيمتلئ المكتل من أنواع الفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا. وهذا الأمر للإباحة، وليس للوجوب. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ أي: أرض مأرب، وهي سبأ بلدة طيبة فسيحة، ليست بسبخة، قيل: لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا حية، ولا عقرب، ولا قملة، ولا غيرها من الهوام، وكان الرجل يمر ببلدتهم، وفي ثيابه القمل، فيموت القمل من طيب الهواء، وقد فسر عبد الرحمن بن زيد-رحمه الله تعالى-الآية التي في مسكنهم بذلك، والجنتان بعض هذه النعم.
﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ:﴾ قال وهب: أي وربكم إن شكرتم على ما رزقكم غفور لمن شكره.
هذا؛ ويقرأ: «(مساكنهم)» بالجمع، وهي قراءة العامة؛ لأن لهم مساكن كثيرة، وليس بمسكن واحد، وقرأ حفص موحدا، إلا أنه فتح الكاف. وقرأه يحيى، والأعمش، والكسائي موحدا
стр. 4960
كذلك، إلا أنهم كسروا الكاف. قال النحاس: و (مساكن) في هذا أبين؛ لأنه يجمع اللفظ، والمعنى، و (مسكن) بكسر الكاف خارج عن القياس، مثل مسجد، ولا يوجد مثله إلا سماعا.
أما (سبأ) فقد قرأه الجمهور بالصرف، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتح الهمزة، ومنع الصرف، فالأول على أنه اسم رجل، نسب إليه قوم، وعليه قول الشاعر: [البسيط]
الواردون وتيم في ذرا سبأ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس
المعنى: الواردون هم، وتيم في ذرا أرض سبأ مغلولين بأغلال من جلد الجواميس، بحيث يعض أعناقهم. ومن لم يصرفه اعتبره اسما للقبيلة، أو للمدينة، وأنشد للنابغة الجعدي: [المنسرح] من سبأ الحاضرين مأرب إذ... يبنون من دون سيله العرما
فهو يمدح رجلا، ويقول: هو من قبيلة سبأ الحاضرين مدينة مأرب؛ الذين بنوا السد دون السيل، فالعرم: هو السد، ومأرب: اسم المدينة. وقيل: اسم قصر. هذا؛ وسبأ: اسم رجل، وهو سبأ بن يشجب، بن يعرب، بن قحطان أخي عدنان. فعن فروة بن مسيك المرادي قال: لما أنزل الله في سبأ ما أنزل، قال رجل: يا رسول الله! وما سبأ؟ أرض، أو امرأة؟ قال: «ليس بأرض، ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة. وأما الذين تيامنوا فالأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار». فقال رجل: يا رسول الله! وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثعم، وبجيلة». أخرجه الترمذي.
تنبيه: قال الليث: البلد: كل موضع من الأرض، عامر، أو غير عامر، خال، أو مسكون، والطائفة منه: بلدة، والجمع: بلاد، زاد غيره: والمفازة تسمى بلدة؛ لكونها مسكن الوحش، والجن، قال الأعشى: [البسيط]
وبلدة مثل ظهر التّرس موحشة... للجنّ بالليل في حافاتها زجل
وقال جران العود: [الرجز]
وبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس
الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير:
والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِسَبَإٍ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ،﴾ تقدم على اسمها. ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يعلقهما بمحذوف حال من ﴿آيَةٌ﴾ ولا وجه له؛ لأن الحال تبين هيئة فاعل، أو مفعول. وقال الجمل: في محل نصب حال من (سبأ) ولا بأس به؛ لأنه علم كما
стр. 4961
رأيت، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿آيَةٌ:﴾ اسم (كان) مؤخر، وجملة: ﴿لَقَدْ كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو جواب القسم المقدر. ﴿جَنَّتانِ:﴾ بدل من ﴿آيَةٌ،﴾ أو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الآية جنتان، والجملة الاسمية مفسرة ل: ﴿آيَةٌ،﴾ أو هي مستأنفة، لا محل لها، ويقرأ بالنصب: (جنتين) على المدح بفعل محذوف. ﴿عَنْ يَمِينٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿جَنَّتانِ﴾. ﴿وَشِمالٍ:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿كُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف للتعميم، التقدير: كلوا ما تشاءون. ﴿مِنْ رِزْقِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيه، و ﴿رِزْقِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكُمْ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أي: قيل لهم بلسان الحال، أو بلسان المقال من نبي لهم، أو من ملك، وجملة: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْدَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:
البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة. (رب): خبر لمبتدإ محذوف أيضا، التقدير: وربكم رب ﴿غَفُورٌ:﴾ صفة (رب)، والجملتان الاسميتان مستأنفتان، لا محل لهما.
﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)﴾
الشرح: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أي: عن الإيمان، وعن طاعة الله تعالى. قال وهب-رحمه الله تعالى-: أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا، فدعوهم إلى الله تعالى، وذكروهم نعمه عليهم، وأنذروهم عقابه، فكذبوهم، وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة، فقولوا لربكم: فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع. فذلك إعراضهم. انتهى. خازن. وقال القشيري: وكان لهم رئيس يلقب بالحمار، وكانوا في الفترة بين عيسى ومحمد صلّى الله عليهما وسلم. وقيل: كان له ولد، فمات، فرفع رأسه إلى السماء، فبزق، وكفر؛ ولهذا يقال: أكفر من حمار. انتهى. قرطبي.
﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ:﴾ العرم: الذي لا يطاق. قيل: كان ماء أحمر، أرسله الله تعالى عليهم من حيث شاء. وقيل: العرم: السكر الذي يحبس الماء. وقيل: العرم: الوادي. قال ابن عباس ووهب وغيرهما: كان لهم سد بنته لهم بلقيس، وذلك: أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بواديهم، فسد بالصخر والقار بين الجبلين، وجعلت لهم ثلاثة أبواب، بعضها فوق بعض، وبنت دونه بركة عظيمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة أنهارهم، يفتحونها، إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا عنها؛ سدوها، فإذا جاءهم المطر، اجتمع إليهم
стр. 4962
ماء أودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد، فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه إلى البركة، فكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الثاني، ثم من الثالث الأسفل، فلا ينفذ الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك.
فبقوا بعدها مدة، فلما طغوا، وكفروا؛ سلط الله عليهم جرذا يسمى الخلد، فنقب السد من أسفله، فأغرق الله جنانهم، وأخرب أرضهم. وقال وهب: رأوا فيما يزعمون، ويجدون في علمهم: أن الذي يخرب سدهم فأرة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمان ما أراد الله تعالى بهم من التفريق، أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرر، فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة، التي كانت عندها، فتوغلت في السد، وحفرت حتى أوهنت المسيل، وهم لا يعلمون بذلك، فلما جاء السيل وجد خللا، فدخل منه حتى اقتلع السد، وفاض الماء حتى علا أموالهم، فأغرقها، ودفن بيوتهم الرمل، فغرقوا، ومزقوا كل ممزق حتى صاروا مثلا عند العرب، يقولون: ذهبوا أيدي سبأ.
وتفرقوا أيادي سبأ. قال كثير عزة: [الطويل]
أيادي سبا-يا عزّ-ما كنت بعدكم... فلن يحل للعينين بعدك منظر
وهذا هو الشاهد رقم [٥٢١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وخذ قول محمد اليمني الملقب بنجم الدين. [الطويل]
ولا تحتقر كيد الضعيف فربّما... تموت الأفاعي من سموم العقارب
وقد هدّ قدما عرش بلقيس هدهد... وخرّب حفر الفأر سدّ مأرب
﴿وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ:﴾ المذكورتين. ﴿جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ:﴾ قيل: هو شجر الأراك، وثمره البرير. وقيل: كل نبت أخذ طعما من المرارة، حتى لا يمكن أكله فهو خمط. وقيل: هو ثمر شجر، يقال له: فسوة الضبع على صورة الخشخاش يتفرك، ولا ينتفع به. ﴿وَأَثْلٍ:﴾ قيل:
هو الطرفاء. وقيل: هو شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه طولا، ومنه اتخذ منبر النّبي ﷺ ، وللأثل أصول غليظة، يتخذ منه الأبواب، وورقه كورق الطرفاء، الواحدة: أثلة، والجمع أثلات. وقيل: هو شجر السّمر.
﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ:﴾ هو شجر معروف ينتفع بورقه في الغسل، وثمره النبق، ولم يكن السدر الذي بدلوه مما ينتفع به؛ بل كان سدرا بريا لا يصلح لشيء. قيل: كان شجرهم من خير الشجر، فصيره الله من شر الشجر بسبب سوء أعمالهم.
هذا؛ وما أبدلهم الله به من الجنتين لا يسمى جنة، وبستانا، ولكن لما وقعت الثانية في مقابلة الأولى أطلق عليهما لفظ الجنة للمشاكلة، وازدواج الكلام كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وقد مر معنا كثير من ذلك، وقد نبهت عليه في محاله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 4963
الإعراب: ﴿فَأَعْرَضُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أعرضوا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَرْسَلْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أرسلنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَيْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْعَرِمِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (بدلناهم): ماض، وفاعله، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية معطوفة أيضا على ما قبلها، لا محل لها. ﴿بِجَنَّتَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جَنَّتَيْنِ:﴾
مفعول به. ﴿ذَواتَيْ:﴾ صفة له، وعلامة النصب فيهما الياء... إلخ، وحذفت النون من الثاني للإضافة، و ﴿ذَواتَيْ﴾ مضاف، و ﴿أُكُلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿خَمْطٍ:﴾ صفة له، وقرئ بالإضافة، وعدم التنوين. ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ:﴾ معطوفان على ﴿أُكُلٍ﴾. ﴿مِنْ سِدْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (شيء). ﴿قَلِيلٍ:﴾ صفة: ﴿سِدْرٍ،﴾ أو هو صفة ثانية ل: ﴿سِدْرٍ،﴾ وإن علقت الجار والمجرور ب: ﴿قَلِيلٍ﴾ فالمعنى يؤيده، ولا يأباه. وقرئ بنصب: «(أثل وشيء)» عطفا على جنتين.
﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا﴾ أي: فعلنا بهم ما ذكر من تبديل النعمة بنقمة بسبب كفرهم. ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ:﴾ المعنى لا نجازي مثل الجزاء المتقدم إلا من كفر النعمة، ولم يشكرها، وهذا جار مجرى المثل، وهو ما يسمى في علم البلاغة فن التذييل. هذا؛ وقرئ «(وهل يجازى)» بالبناء للمجهول، ورفع «(الكفور)»، وقرئ: «(هل يجزي)»، وقرئ: «(هل يجزي)».
وانظر شرح الكفر في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم).
تنبيه: في هذه الآية سؤال ليس في هذه السورة أشد منه، وهو أن يقال: لم خص الله تعالى المجازاة بالكفور، ولم يذكر أصحاب المعاصي؟ فتكلم العلماء في ذلك، فقال قوم: ليس يجازى بهذا الجزاء الذي هو الإهلاك والاستئصال إلا من كفر. وقال مجاهد: ﴿نُجازِي﴾ بمعنى نعاقب، وذلك: أن المؤمن يكفّر الله عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل سوء عمله، فالمؤمن يجزى، ولا يجازى؛ لأنه يثاب. وقال طاوس: هو المناقشة في الحساب، وأما المؤمن فلا يناقش الحساب. وقال قطرب: خلاف هذا، فجعلها في أهل المعاصي غير الكفار، وقال:
المعنى على من كفر بالنعم، وعمل بالمعاصي والكبائر. قال النحاس: وأولى ما قيل في هذه الآية، وأجلّ ما روي فيها أن الحسن قال: مثلا بمثل. انتهى. قرطبي باختصار.
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان مقدم. أي:
جزيناهم ذلك التبديل لا غيره. ﴿جَزَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول أول. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف
стр. 4964
جر. (ما): مصدرية. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهَلْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (هل): حرف استفهام بمعنى النفي. ﴿نُجازِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْكَفُورَ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، ومثله قراءة «(نجزي إلا الكفور)»، وأما قراءة «(يجازى)» أو «(يجزى)» فهو مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و «(الكفور)» نائب فاعله، وعلى قراءة: «(يجزي إلا الكفور)» فالفاعل يعود إلى: (الله) و (الكفور) مفعول به، والجملة على جميع القراءات لا محل لها، سواء عطفتها، أو استأنفتها.
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّاماً آمِنِينَ (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها:﴾ المراد بها قرى بلاد الشام وأرضها، والبركة حصلت فيها من كثرة الأنبياء؛ الذين بعثوا فيها، فانتشرت في العالمين شرائعهم، التي هي مبدأ الكمالات، والخيرات الدينية، والدنيوية. وقيل: مباركة لكثرة خصبها، وثمارها، وأنهارها، ولأنها معادن الأنبياء. والبركة: ثبوت الخير، ومنه: برك البعير: إذا لزم مكانه، فلم يبرح. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وهناك أحاديث كثيرة في فضل بلاد الشام، والترغيب في سكناها موجودة في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري-رحمه الله تعالى-.
﴿قُرىً ظاهِرَةً﴾ أي: متواصلة تظهر الثانية من الأولى لقربها منها، قيل: كان متجرهم من اليمن إلى الشام، فكانوا يبيتون بقرية، ويقيلون بأخرى، وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد وماء من اليمن إلى الشام. وقيل: كانت القرى أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام.
﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي: جعلنا السير بين قراهم وبين القرى التي باركنا فيها سيرا مقدرا من منزل إلى منزل، فكان سيرهم في الغدو، والرواح على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه، وأشجار. ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّاماً آمِنِينَ﴾ أي: وقلنا لهم:
سيروا... إلخ: أي لا تخافون جوعا ولا عطشا، ولا عدوا، فبطروا النعمة، وسئموا الراحة، وطغوا، ولم يشكروا على العافية، فقالوا: لو كانت حياتنا أبعد مما هي لكان أجدر أن نشتهيها، وطلبوا الكد، والتعب في الأسفار، وهو ما في الآية التالية.
стр. 4965
هذا؛ وقال الجمل: مجموع ما في الآية والتي بعدها معطوف على مجموع ما قبله عطف قصة على قصة، فذكر أولا ما أنعم به عليهم من الجنتين، ثم تبديلهما بما مر، ثم ذكر هنا ما كان أنعم به عليهم أيضا قبل هلاكهم بالسيل من جعل بلادهم متواصلة، ثم عاقبهم بجعلها متفاصلة. انتهى. نقلا من الشهاب. هذا؛ وانظر شرح (بين) في الآية رقم [٣٨] من سورة (الفرقان) وشرح القرية في الآية رقم [٥٦] من سورة (النمل).
الإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعله. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. وقيل: متعلق بمحذوف مفعول به ثان ل: (جعلنا) وهو ضعيف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ معطوف على ما قبله، و (بين) مضاف، و ﴿الْقُرَى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿الْقُرَى﴾. ﴿بارَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْقُرَى:﴾ مفعول به ل: (جعلنا) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها.
﴿ظاهِرَةً:﴾ صفة: ﴿الْقُرَى،﴾ وجملة: (جعلنا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وجملة: ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها، لا محل لها. ﴿سِيرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَيالِيَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿وَأَيّاماً:﴾ معطوف عليه. ﴿آمِنِينَ:﴾ حال منصوب... إلخ، وجملة: ﴿سِيرُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير:
وقلنا لهم: سيروا... إلخ، وهذه معطوفة على ما قبلها.
﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾
الشرح: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا:﴾ أشروا النعمة، وملوا العافية، كبني إسرائيل، فطلبوا الكد، والتعب، كما طلب بنو إسرائيل الثوم، والبصل مكان المن، والسلوى، وقالوا: لو كان جنى جناننا أبعد كان أجدر أن نشتهيه، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز، ليركبوا الرواحل فيها، ويتزودوا الأزواد، فجعل الله لهم الإجابة. هذا؛ ويقرأ الفعل: ﴿باعِدْ﴾ بقراءات كثيرة. ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بكفرهم، وبطرهم، وطغيانهم.
﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ أي: عبرة لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم، وشأنهم تعجبا من أحوالهم، ويقولون: ذهبوا أيدي سبأ، انظر الآية رقم [١٦]. ﴿وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي: لمّا لحقهم ما
стр. 4966
لحقهم من الوبال؛ تفرقوا، وتمزقوا. قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام، والأزد بعمان، وخزاعة بتهامة. انتهى. وكان الذي قدم المدينة عمرو بن عامر، وهو جد الأوس والخزرج، ولحق آل خزيمة بالعراق. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما ذكر من قصة سيل العرم.
﴿لَآياتٍ﴾ أي: لعبر، ودلالات، وعظات. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ:﴾ عن المعاصي. فهو صيغة مبالغة.
﴿شَكُورٍ:﴾ لله على نعمه، فالمؤمن صابر على البلاء، شاكر للنعماء؛ لأن الإيمان نصفان: نصفه صبر، ونصفه شكر، والمؤمن إذا ابتلي؛ صبر، وإذا أعطي؛ شكر. هذا؛ وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٢٨] من سورة (الروم)، و ﴿أَحادِيثَ﴾ مفرده: حديث، انظر ما ذكرته في شرح (الباطل) في الآية رقم [٥٢] من سورة (العنكبوت). فهو مثله.
الإعراب: ﴿فَقالُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قالوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق.
﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿باعِدْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت».
﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَسْفارِنا﴾ مضاف إليه. و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملتان ﴿رَبَّنا باعِدْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة:
﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَظَلَمُوا:﴾ الواو: حرف عطف.
(ظلموا): ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿فَجَعَلْناهُمْ:﴾ الفاء:
حرف عطف. (جعلناهم): ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿أَحادِيثَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَمَزَّقْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿كُلَّ:﴾ نائب مفعول مطلق، و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿مُمَزَّقٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مُمَزَّقٍ﴾ اسم مكان، فيكون: ﴿كُلَّ﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِكُلِّ:﴾
متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، و (كل) مضاف، و ﴿صَبّارٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَكُورٍ:﴾ صفة ثانية لموصوف محذوف، والصفة الأولى ﴿صَبّارٍ﴾ إذ التقدير: لكل شخص، أو لكل إنسان صبار شكور، وهو يشمل الذكر، والأنثى بإذن الله تعالى. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وانظر مثل هذه الجملة في الآية رقم [٣١] من سورة (لقمان) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
стр. 4967
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ:﴾ فيه أربع قراءات بتخفيف الدال، ورفع ﴿إِبْلِيسُ،﴾ ونصب ﴿ظَنَّهُ،﴾ وقرئ كذلك مع تشديد الدال، وقرئ بتخفيف الدال، ونصب ﴿إِبْلِيسُ،﴾ ورفع «(ظنّه)»، وقرئ بتخفيف الدال ورفع: ﴿إِبْلِيسُ﴾ و «(ظنّه)»، على أن يكون: «(ظنّه)» بدلا من ﴿إِبْلِيسُ﴾ بدل الاشتمال. ثم قيل: إن هذا في أهل سبأ خاصة؛ أي: كفروا، وغيروا، وبدلوا بعد أن كانوا مسلمين، إلا قوما منهم آمنوا برسلهم. وقيل: هذا عام في بني آدم قاطبة؛ أي: صدق إبليس ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله تعالى، وذلك ما نطق به اللعين حين أبى أن يسجد لآدم، حيث قال: ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٦] من سورة (الأعراف) وما بعدها، وقال: ﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٩] من سورة (الحجر) وما بعدها. وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الآية رقم [٨٢] من سورة (ص) والآية التي بعدها. وقال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً..﴾. إلخ الآية رقم [١١٨] من سورة (النساء).
وقيل: إنه ظن ذلك عند إخبار الله تعالى الملائكة: أنه يجعل فيها من يفسد، ويسفك الدماء، أو سمع من الملائكة ذلك، حيث قالوا ذلك حينما أخبرهم ربهم بقوله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. ﴿إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهؤلاء هم المؤمنون الذين لم يتبعوه، أو المعنى: إلا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان وهم المخلصون، وهذا يعني: أن المراد بعض المؤمنين؛ لأن كثيرا من المؤمنين من يذنب، وينقاد لإبليس في بعض المعاصي.
هذا؛ و ﴿إِبْلِيسُ:﴾ اسم مأخوذ من: أبلس، يبلس؛ إبلاسا، بمعنى: سكت غما، وأيس من رحمة الله، وخاب، وخسر. وهو من الملائكة؛ كذا قال علي، وابن عباس، وابن مسعود ﵃ أجمعين-. ولأن الأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ،﴾ وقال تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ،﴾ وقال:
﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ أي صار من المغرقين. وقيل: الاستثناء منقطع؛ لأنه لم يكن من الملائكة؛ بل كان من الجن بالنص، وهو قول الحسن وقتادة، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأنه أبى وعصى، واستكبر، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ولا يستكبرون عن عبادته، ولأنه قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ولا نسل للملائكة. وعن الجاحظ: إن الجن، والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم؛ فهو ملك، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، ومن كان بين بين؛ فهو جني. انتهى. وقول الجاحظ مردود بما قاله الحسن، وقتادة، ﵄.
стр. 4968
هذا؛ وقال ابن كثير وغيره: لما ذكر الله قصة سبأ، وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى، والشيطان؛ أخبر عنهم، وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس، والهوى، وخالف الرشاد، والهدى، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٠] فعلى قراءة التشديد ف: ﴿إِبْلِيسُ﴾ فاعل ﴿صَدَّقَ،﴾ و ﴿ظَنَّهُ﴾ مفعول به، وعلى قراءة التخفيف ف: ﴿ظَنَّهُ﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: صدق إبليس في ظنه، وعلى قراءتهما بالرفع ف ﴿إِبْلِيسُ﴾ فاعل، و: (ظنّه) بدل اشتمال منه. ﴿فَاتَّبَعُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿فَرِيقاً:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿فَرِيقاً﴾.
﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾
الشرح: ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الذين اتبعوه. ﴿مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي: من قوة، وتسلط، وحجة، وبرهان، وإنما كان له الوسوسة، والتزيين. قال الحسن-رحمه الله تعالى-:
إنه لم يسلّ عليهم سيفا، ولا ضربهم بسوط، وإنما وعدهم، ومنّاهم، فاغتروا. انتهى. وهو صريح قول اللعين لأتباعه يوم القيامة ما أخبرنا به الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ الآية رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وانظر شرح ﴿سُلْطانٍ﴾ في الآية رقم [٣٥] من سورة (الروم).
﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لنرى، ونميز المؤمن من الكافر، والمراد: علم الوقوع، والظهور؛ لأن كل شيء معلوم عند الله تعالى، فهو عالم الغيب، والشهادة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾.
﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ﴾ أي: يشك بيوم القيامة، وما فيه من الحساب، والجزاء، والجنة، والنار.
﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ:﴾ رقيب، وحافظ لأعمال العباد صغيرها، وكبيرها، سرها، وعلانيتها.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وقيل: المعنى: ومع حفظه ضل من ضل من أتباع إبليس، وبحفظه، وكلاءته سلم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها.
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال
стр. 4969
من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ:﴾ اسم كان مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿كانَ﴾ زائدة، فتكون الجملة اسمية، والجملة سواء أكانت فعلية، أو اسمية معطوفة على جواب القسم، أو مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر. ﴿لِنَعْلَمَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن»، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، يدل عليه الكلام السابق، التقدير: إنما سلطناه عليهم؛ ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة، والحساب، والجزاء فيحسن عبادة ربه في الدنيا ممن هو منها في شك. أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب على الاستثناء؛ إذ المعنى: وما كان له عليهم من سلطان إلا امتحانا للناس، وابتلاء؛ لنعلم. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر يعود إلى: ﴿مِنْ،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (نعلم).
﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَكٍّ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». ﴿فِي شَكٍّ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في: ﴿مِنْها﴾ أي: من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ..﴾. إلخ صلة ﴿مِنْ،﴾ لا محل لها، والعائد: الضمير.
هذا؛ وأجاز أبو البقاء اعتبار ﴿مِنْ﴾ اسم استفهام، وجملة: ﴿يُؤْمِنُ..﴾. إلخ في محل رفع خبره. وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب مفعول به للفعل (نعلم) الذي علق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وهو غير مسلم له. ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ربك): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى كُلِّ:﴾
متعلقان بحفيظ بعدهما. و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿حَفِيظٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿قُلِ﴾ أي: قل يا محمد للمشركين. ﴿اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: ادعوا الذين ادعيتم: أنهم آلهة ليكشفوا عنكم ضرا، أو ليجلبوا لكم نفعا؛ لعلهم يستجيبون لكم؛ إن
стр. 4970
صحت دعواكم: أنهم آلهة من دون الله. ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ:﴾ من خير، أو شر، أو نفع، أو ضر، وانظر الآية رقم [٣]. ﴿فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في أمر ما... وذكرهما للعموم العرفي؛ لأنهما يشملان ما في الدنيا، أو لأن آلهتهم بعضها سماوية، كالملائكة، والكواكب. وبعضها أرضية، كالأصنام. أو لأن الأسباب القريبة للخير، والشر، سماوية، وأرضية. انتهى. بيضاوي. ﴿وَما لَهُمْ﴾ أي: للأصنام، وغيرها من المعبودات الباطلة. ﴿فِيهِما:﴾
في السموات، والأرض. ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾ أي: من شركة لهم مع الله، لا خلقا، ولا ملكا، ولا تدبيرا؛ بل هو المنفرد بالإيجاد، والتدبير، والإحياء، والإماتة، فهو الذي يستحق العبادة، وهو الجدير بالتقديس، والتعظيم. ﴿وَما لَهُ﴾ أي: لله. ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من المعبودات الباطلة.
﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي: معين يعينه على تدبير أمر السموات، والأرض، وتدبير شئون الخلق.
هذا؛ وإنما جمع الأصنام، والمعبودات الباطلة جمع المذكر السالم؛ لأن الكفار كانوا يخاطبونها مخاطبة العقلاء، فنزلت منزلتهم في الكلام. وهذا كثير في القرآن الكريم، وقد ذكرته في محاله كثيرا. والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل؛ إذا عاملوه معاملته، وأنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل.
الإعراب: ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت». ﴿اُدْعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، لاتصاله بواو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿زَعَمْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون؛ والتاء فاعله، ومفعولاه محذوفان: حذف الأول لطول الموصول بصلته، والثاني لقيام صفته مقامه، التقدير: زعمتموهم آلهة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: «آلهة» الذي رأيت تقديره، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿اُدْعُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِثْقالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿ذَرَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿ذَرَّةٍ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿لا يَمْلِكُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها حالا، وهو ضعيف. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف.
(ما): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجيز بعضهم تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿شِرْكٍ﴾. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر
стр. 4971
صلة. ﴿شِرْكٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها أيضا، وإعرابها مثلها بلا فارق.
﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لعظمته، وجلاله، وكبريائه، لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء؛ إلا بعد إذنه له في الشفاعة، كما قال :
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ،﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى،﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.
ولهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ -وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند الله تعالى-أنه حين يقوم المقام المحمود؛ ليشفع في الخلق كلهم، قال: «فأسجد لله تعالى، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ويفتح عليّ بمحامد لا أحصيها الآن، ثمّ يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفّع...». الحديث بتمامه موجود في كتاب:
«الترغيب والترهيب».
﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ﴾ وهذا أيضا مقام رفيع في العظمة، وهو: أنه تعالى إذا تكلم بالوحي، فسمع أهل السموات كلامه؛ أرعدوا؛ حتى يلحقهم مثل الغشي، قال ابن مسعود-﵁ ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: زال الفزع عنها. وقال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة-﵃-في قوله : ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ..﴾. إلخ يقول: خلّي عن قلوبهم الفزع، فإذا كان كذلك؛ سأل بعضهم بعضا: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم؛ حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا، ولهذا قال تعالى: ﴿قالُوا الْحَقَّ﴾ أي: أخبروا بما قال من غير زيادة، ولا نقصان ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
وقال آخرون: بل معنى قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: المشركين عند الاحتضار، ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا، قالوا: ماذا قال ربكم؟ فقيل لهم: الحق، وأخبروا بما كانوا عنه لاهين في الدنيا. قال مجاهد: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ:﴾ كشف عنها الغطاء يوم القيامة. وقال الحسن: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: ما
стр. 4972
فيها من الشك، والتكذيب. وقال ابن أسلم: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: ما فيها من الشك. قال: فزع الشيطان عن قلوبهم، وفارقهم، وأمانيهم، وما كان يضلهم. هذا؛ و (فزع عنه) بالبناء للمعلوم، وبالتشديد: أذهب عنه الفزع، و (الفزع) بفتحتين: الذعر، والمخافة، والإغاثة.
وفي كتاب اللغة: وفزع عن قلبه: كشف عنه الفزع، فالتضعيف هنا للسلب، كما قال: قردت البعير؛ أي: أزلت عنه قراده.
﴿قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ قال: وهذا في بني آدم-هذا عند الموت- أقروا حين لا ينفعهم الإقرار. وقد اختار ابن جرير القول الأول: أن الضمير عائد على الملائكة، وهذا هو الحق، الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه، والآثار.
قال البخاري عند تفسير هذه الآية الكريمة في صحيحه: عن سفيان، عن أبي هريرة ﵁: أن نبي الله ﷺ قال: «إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء؛ ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا﴾ للذي قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع، هكذا بعضه فوق بعض-ووصف سفيان بكفّه، فحرفها، ونشر بين أصابعه-فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر، أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا، وكذا: كذا، وكذا، فيصدّق بتلك الكلمة التي سمع من السماء». أخرجه البخاريّ، ورواه أبو داود، والترمذي. وعن النواس بن سمعان-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله ﵎ أن يوحي بأمره؛ تكلّم بالوحي، فإذا تكلّم؛ أخذت السموات منه رجفة، -أو قال: رعدة-شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات؛ صعقوا، وخرّوا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵊، فيكلّمه من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل-عليه الصلاة، والسّلام-على الملائكة، كلما مرّ بسماء يسأله ملائكتها: ماذا قال ربّنا يا جبريل! فيقول: قال الحقّ، وهو العلي الكبير. فيقولون كلّهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء، والأرض». أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن خزيمة عن النواس بن سمعان مرفوعا. انتهى. مختصر ابن كثير. ومثله في القرطبي، وزاد القرطبي ما يلي:
وذكر البيهقي عن ابن عباس-﵄-في قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: كان لكل قبيلة من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي؛ سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصّفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا، فإذا فزع عن قلوبهم؛ قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير، ثم يقول: يكون العام كذا، ويكون كذا، فتسمعه الجنّ، فيخبرون به الكهنة، والكهنة الناس، يقولون: يكون العام كذا
стр. 4973
وكذا، فيجدونه كذلك، فلما بعث الله محمدا ﷺ دحروا بالشهب، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل صاحب الإبل ينحر كلّ يوم بعيرا، وصاحب البقر ينحر كلّ يوم بقرة، وصاحب الغنم ينحر كلّ يوم شاة، حتى أسرعوا في أموالهم، فقالت ثقيف، وكانت أعقل العرب: أيها الناس! أمسكوا على أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، وإن هذا ليس بانتثار، ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي، والشمس، والقمر، والليل، والنهار؟ قال فقال إبليس: لقد حدث اليوم في الأرض حدث، فائتوني من تربة كل أرض، فأتوه بها، فجعل يشمها، فلما شم تربة مكة؛ قال: من هاهنا جاء الحدث، فنصتوا، فإذا رسول الله ﷺ قد بعث. انتهى.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَنْفَعُ:﴾ مضارع. ﴿الشَّفاعَةُ:﴾
فاعله، ومفعوله محذوف لفهمه من المقام. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿(لا تَنْفَعُ...)﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَنْفَعُ،﴾ أو ب: ﴿الشَّفاعَةُ﴾ قاله أبو البقاء. قال السمين: وفيه نظر؛ لأنه يلزم عليه أحد أمرين: إمّا زيادة اللام في المفعول في غير موضعها، وإما حذف مفعول ﴿تَنْفَعُ،﴾ وكلاهما خلاف الأصل. والوجه الثالث الذي اعتمده: أنه استثناء مفرغ من مفعول الشفاعة المقدر؛ أي: لا تنفع الشفاعة لأحد إلا لمن أذن له. انتهى. جمل. ﴿أَذِنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، ويقرأ الفعل بالبناء للمجهول، فيكون الجار والمجرور ﴿لَهُ﴾ في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفة لها، إن اعتبرتها نكرة موصوفة. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب.
﴿فُزِّعَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.
﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. و (ذا) صلة، لا محل لها، ودليل ذلك نصب ﴿الْحَقَّ﴾ ب: ﴿قالُوا؛﴾ لأنه جواب للسؤال، وكذلك يجب أن يكون السؤال. هذا؛ وعلى قراءة: «(الحقّ)» بالرفع. ف: (ما): اسم استفهام مبتدأ؛ و (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول ب: ﴿قالُوا،﴾ وجملة: ﴿قالَ رَبُّكُمْ﴾ صلة:
(ذا)، لا محل لها، والعائد محذوف، وتقدير الكلام: قالوا: ما الذي قاله ربكم؟ وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: قال الحق. وهذه الجملة في محل نصب
стр. 4974
مقول القول، وعلى قراءته بالرفع فهو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: قالوا: مقوله الحق.
والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿حَتّى﴾ في مثل هذه الآية جارة ل: ﴿إِذا﴾. ورده ابن هشام في المغني. وفحوى كلام الزمخشري يؤيد الأخفش هنا، فإنه قال: فإن قلت: بأي شيء اتصل قوله: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ؟﴾ وأي شيء وقعت ﴿حَتّى﴾ غاية له؟ قلت: بما فهم من هذا الكلام من أن ثم انتظارا، وتوقفا، وتمهلا، وفزعا من الراجين للشفاعة، والشفعاء: هل يؤذن لهم، أو لا يؤذن لهم؟ وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان، وطول من التربص. انتهى.
جمل. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَلِيُّ:﴾ خبر أول. ﴿الْكَبِيرُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ أمره الله تعالى أن يسأل المشركين الذين يأكلون رزق الله، ويعبدون غيره؛ مع أنهم لا يملكون مثقال ذرة مما يقدر عليه الرب القادر القاهر؛ حيث قال: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ﴾ أي: من المطر، والشمس، والقمر، والنجوم، وما فيها من المنافع. و (الأرض) أي: الخارج من الأرض، كالماء والنبات. وهذا تقرير قوله تعالى:
﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾.
﴿قُلِ اللهُ﴾ أي: فإن قالوا: لا ندري، أو إن لم يقولوا: إن رازقنا هو الله، فقل أنت: إن رازقكم هو الله؛ إذا لا جواب سواه. وفيه إشعار بأنهم إن سكتوا، أو تلعثموا في الجواب مخافة الإلزام؛ فهم مقرّون به في قلوبهم.
﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ معناه: ما نحن، وأنتم على أمر واحد؛ بل أحد الفريقين مهتد؛ والآخر ضال، وهذا ليس على طريق الشك؛ بل على جهة الإلزام والإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وهو يعلم: أنه صادق، وصاحبه كاذب، فالنبي ﷺ وأصحابه على الهدى بلا شك، ومن خالفه في ضلال مبين، فكذبهم بأحسن من التصريح بالتكذيب، فالمستعار هنا حرف. ويقال في إجرائها: شبّه مطلق ارتباط بين مهدي، وهدى بمطلق ارتباط بين مستعل، ومستعلى عليه، بجامع التمكن في كلّ، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات، ثم استعيرت (على) من جزئي من جزئيات المشبه به لجزئي من جزئيات المشبه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (ن): ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وخذ قول الشاعر أيضا: [السريع]
стр. 4975
لسنا وإن أحسابنا كرمت... يوما على الأحساب نتّكل
و «أو» عند البصريين على بابها، وليست للشك؛ لكنها على ما تستعمله العرب في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين، وهو عالم بالمعنى. وقال أبو عبيدة، والفراء: هي بمعنى الواو، وتقديره: وإنا على هدى، وأنتم في ضلال مبين. انظر شواهد: «أو» في كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
تنبيه: خولف بين حرفي الجر الداخلين على الهدى، والضلال؛ لأن صاحب الهدى متمكن منه، كأنه مستعل على فرس جواد، يركضه حيث شاء، والضال متخبط، كأنه ينغمس في ظلام لا يعرف أين توجه، ولا يهتدي إلى طريق السلامة. وفي الكلام استعارة تصريحية واضحة غير خافية. ومن هذه المشكاة قول حسان-﵁-يخاطب أبا سفيان قبل إسلامه: [الوافر] أتهجوه ولست له بكفء... فشرّكما لخيركما الفداء
ولذلك لما سمعه الناس؛ قالوا: هذا أنصف بيت قالته العرب.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَرْزُقُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ تقديره:
«هو»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنَ السَّماواتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿قُلْ:﴾
فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: الله يرزقكم. أو التقدير: قل: الله الخالق الرازق للعباد. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة (قل الله يرزقكم). مستأنفة، لا محل لها، وهي في المعنى والتقدير في محل جزم جواب الشرط، انظر الشرح. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا):
اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿إِيّاكُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على اسم (إنّ). ﴿لَعَلى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (على هدى): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِيّاكُمْ،﴾ وخبر الأول محذوف لدلالة الثاني عليه، وهذا اختيار المبرد، وسيبويه يرى: أن ﴿لَعَلى هُدىً﴾ خبر للأول، وخبر الثاني محذوف، لدلالة الأول عليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ﴾.
قال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: والكلام على المعنى غير الإعراب؛ لأن المعنى: إنا على هدى من غير شك، وأنتم على ضلال من غير شك، ولكن خلطه في اللفظ على عادتهم في نظائره، كقولهم: أخزى الله الكاذب مني، ومنك!
следующие страницы →