← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

صلة. ﴿شِرْكٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها أيضا، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لعظمته، وجلاله، وكبريائه، لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء؛ إلا بعد إذنه له في الشفاعة، كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ،﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى،﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. ولهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ -وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند الله تعالى-أنه حين يقوم المقام المحمود؛ ليشفع في الخلق كلهم، قال: «فأسجد لله تعالى، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ويفتح عليّ بمحامد لا أحصيها الآن، ثمّ يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفّع...». الحديث بتمامه موجود في كتاب: «الترغيب والترهيب». ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ﴾ وهذا أيضا مقام رفيع في العظمة، وهو: أنه تعالى إذا تكلم بالوحي، فسمع أهل السموات كلامه؛ أرعدوا؛ حتى يلحقهم مثل الغشي، قال ابن مسعود-﵁ ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: زال الفزع عنها. وقال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة-﵃-في قوله : ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ..﴾. إلخ يقول: خلّي عن قلوبهم الفزع، فإذا كان كذلك؛ سأل بعضهم بعضا: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم؛ حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا، ولهذا قال تعالى: ﴿قالُوا الْحَقَّ﴾ أي: أخبروا بما قال من غير زيادة، ولا نقصان ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. وقال آخرون: بل معنى قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: المشركين عند الاحتضار، ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا، قالوا: ماذا قال ربكم؟ فقيل لهم: الحق، وأخبروا بما كانوا عنه لاهين في الدنيا. قال مجاهد: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ:﴾ كشف عنها الغطاء يوم القيامة. وقال الحسن: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: ما

стр. 4972

فيها من الشك، والتكذيب. وقال ابن أسلم: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: ما فيها من الشك. قال: فزع الشيطان عن قلوبهم، وفارقهم، وأمانيهم، وما كان يضلهم. هذا؛ و (فزع عنه) بالبناء للمعلوم، وبالتشديد: أذهب عنه الفزع، و (الفزع) بفتحتين: الذعر، والمخافة، والإغاثة. وفي كتاب اللغة: وفزع عن قلبه: كشف عنه الفزع، فالتضعيف هنا للسلب، كما قال: قردت البعير؛ أي: أزلت عنه قراده. ﴿قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ قال: وهذا في بني آدم-هذا عند الموت- أقروا حين لا ينفعهم الإقرار. وقد اختار ابن جرير القول الأول: أن الضمير عائد على الملائكة، وهذا هو الحق، الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه، والآثار. قال البخاري عند تفسير هذه الآية الكريمة في صحيحه: عن سفيان، عن أبي هريرة ﵁: أن نبي الله ﷺ قال: «إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء؛ ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا﴾ للذي قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع، هكذا بعضه فوق بعض-ووصف سفيان بكفّه، فحرفها، ونشر بين أصابعه-فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر، أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا، وكذا: كذا، وكذا، فيصدّق بتلك الكلمة التي سمع من السماء». أخرجه البخاريّ، ورواه أبو داود، والترمذي. وعن النواس بن سمعان-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله ﵎ أن يوحي بأمره؛ تكلّم بالوحي، فإذا تكلّم؛ أخذت السموات منه رجفة، -أو قال: رعدة-شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات؛ صعقوا، وخرّوا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵊، فيكلّمه من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل-عليه الصلاة، والسّلام-على الملائكة، كلما مرّ بسماء يسأله ملائكتها: ماذا قال ربّنا يا جبريل! فيقول: قال الحقّ، وهو العلي الكبير. فيقولون كلّهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء، والأرض». أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن خزيمة عن النواس بن سمعان مرفوعا. انتهى. مختصر ابن كثير. ومثله في القرطبي، وزاد القرطبي ما يلي: وذكر البيهقي عن ابن عباس-﵄-في قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: كان لكل قبيلة من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي؛ سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصّفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا، فإذا فزع عن قلوبهم؛ قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير، ثم يقول: يكون العام كذا، ويكون كذا، فتسمعه الجنّ، فيخبرون به الكهنة، والكهنة الناس، يقولون: يكون العام كذا

стр. 4973

وكذا، فيجدونه كذلك، فلما بعث الله محمدا ﷺ دحروا بالشهب، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل صاحب الإبل ينحر كلّ يوم بعيرا، وصاحب البقر ينحر كلّ يوم بقرة، وصاحب الغنم ينحر كلّ يوم شاة، حتى أسرعوا في أموالهم، فقالت ثقيف، وكانت أعقل العرب: أيها الناس! أمسكوا على أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، وإن هذا ليس بانتثار، ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي، والشمس، والقمر، والليل، والنهار؟ قال فقال إبليس: لقد حدث اليوم في الأرض حدث، فائتوني من تربة كل أرض، فأتوه بها، فجعل يشمها، فلما شم تربة مكة؛ قال: من هاهنا جاء الحدث، فنصتوا، فإذا رسول الله ﷺ قد بعث. انتهى. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَنْفَعُ:﴾ مضارع. ﴿الشَّفاعَةُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف لفهمه من المقام. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿(لا تَنْفَعُ...)﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَنْفَعُ،﴾ أو ب: ﴿الشَّفاعَةُ﴾ قاله أبو البقاء. قال السمين: وفيه نظر؛ لأنه يلزم عليه أحد أمرين: إمّا زيادة اللام في المفعول في غير موضعها، وإما حذف مفعول ﴿تَنْفَعُ،﴾ وكلاهما خلاف الأصل. والوجه الثالث الذي اعتمده: أنه استثناء مفرغ من مفعول الشفاعة المقدر؛ أي: لا تنفع الشفاعة لأحد إلا لمن أذن له. انتهى. جمل. ﴿أَذِنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، ويقرأ الفعل بالبناء للمجهول، فيكون الجار والمجرور ﴿لَهُ﴾ في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفة لها، إن اعتبرتها نكرة موصوفة. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿فُزِّعَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. و (ذا) صلة، لا محل لها، ودليل ذلك نصب ﴿الْحَقَّ﴾ ب: ﴿قالُوا؛﴾ لأنه جواب للسؤال، وكذلك يجب أن يكون السؤال. هذا؛ وعلى قراءة: «(الحقّ)» بالرفع. ف: (ما): اسم استفهام مبتدأ؛ و (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول ب: ﴿قالُوا،﴾ وجملة: ﴿قالَ رَبُّكُمْ﴾ صلة: (ذا)، لا محل لها، والعائد محذوف، وتقدير الكلام: قالوا: ما الذي قاله ربكم؟ وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: قال الحق. وهذه الجملة في محل نصب

стр. 4974

مقول القول، وعلى قراءته بالرفع فهو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: قالوا: مقوله الحق. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿حَتّى﴾ في مثل هذه الآية جارة ل: ﴿إِذا﴾. ورده ابن هشام في المغني. وفحوى كلام الزمخشري يؤيد الأخفش هنا، فإنه قال: فإن قلت: بأي شيء اتصل قوله: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ؟﴾ وأي شيء وقعت ﴿حَتّى﴾ غاية له؟ قلت: بما فهم من هذا الكلام من أن ثم انتظارا، وتوقفا، وتمهلا، وفزعا من الراجين للشفاعة، والشفعاء: هل يؤذن لهم، أو لا يؤذن لهم؟ وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان، وطول من التربص. انتهى. جمل. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَلِيُّ:﴾ خبر أول. ﴿الْكَبِيرُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ أمره الله تعالى أن يسأل المشركين الذين يأكلون رزق الله، ويعبدون غيره؛ مع أنهم لا يملكون مثقال ذرة مما يقدر عليه الرب القادر القاهر؛ حيث قال: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ﴾ أي: من المطر، والشمس، والقمر، والنجوم، وما فيها من المنافع. و (الأرض) أي: الخارج من الأرض، كالماء والنبات. وهذا تقرير قوله تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿قُلِ اللهُ﴾ أي: فإن قالوا: لا ندري، أو إن لم يقولوا: إن رازقنا هو الله، فقل أنت: إن رازقكم هو الله؛ إذا لا جواب سواه. وفيه إشعار بأنهم إن سكتوا، أو تلعثموا في الجواب مخافة الإلزام؛ فهم مقرّون به في قلوبهم. ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ معناه: ما نحن، وأنتم على أمر واحد؛ بل أحد الفريقين مهتد؛ والآخر ضال، وهذا ليس على طريق الشك؛ بل على جهة الإلزام والإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وهو يعلم: أنه صادق، وصاحبه كاذب، فالنبي ﷺ وأصحابه على الهدى بلا شك، ومن خالفه في ضلال مبين، فكذبهم بأحسن من التصريح بالتكذيب، فالمستعار هنا حرف. ويقال في إجرائها: شبّه مطلق ارتباط بين مهدي، وهدى بمطلق ارتباط بين مستعل، ومستعلى عليه، بجامع التمكن في كلّ، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات، ثم استعيرت (على) من جزئي من جزئيات المشبه به لجزئي من جزئيات المشبه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (ن): ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وخذ قول الشاعر أيضا: [السريع]

стр. 4975

لسنا وإن أحسابنا كرمت... يوما على الأحساب نتّكل و «أو» عند البصريين على بابها، وليست للشك؛ لكنها على ما تستعمله العرب في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين، وهو عالم بالمعنى. وقال أبو عبيدة، والفراء: هي بمعنى الواو، وتقديره: وإنا على هدى، وأنتم في ضلال مبين. انظر شواهد: «أو» في كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. تنبيه: خولف بين حرفي الجر الداخلين على الهدى، والضلال؛ لأن صاحب الهدى متمكن منه، كأنه مستعل على فرس جواد، يركضه حيث شاء، والضال متخبط، كأنه ينغمس في ظلام لا يعرف أين توجه، ولا يهتدي إلى طريق السلامة. وفي الكلام استعارة تصريحية واضحة غير خافية. ومن هذه المشكاة قول حسان-﵁-يخاطب أبا سفيان قبل إسلامه: [الوافر] أتهجوه ولست له بكفء... فشرّكما لخيركما الفداء ولذلك لما سمعه الناس؛ قالوا: هذا أنصف بيت قالته العرب. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَرْزُقُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنَ السَّماواتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: الله يرزقكم. أو التقدير: قل: الله الخالق الرازق للعباد. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة (قل الله يرزقكم). مستأنفة، لا محل لها، وهي في المعنى والتقدير في محل جزم جواب الشرط، انظر الشرح. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿إِيّاكُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على اسم (إنّ). ﴿لَعَلى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (على هدى): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِيّاكُمْ،﴾ وخبر الأول محذوف لدلالة الثاني عليه، وهذا اختيار المبرد، وسيبويه يرى: أن ﴿لَعَلى هُدىً﴾ خبر للأول، وخبر الثاني محذوف، لدلالة الأول عليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ﴾. قال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: والكلام على المعنى غير الإعراب؛ لأن المعنى: إنا على هدى من غير شك، وأنتم على ضلال من غير شك، ولكن خلطه في اللفظ على عادتهم في نظائره، كقولهم: أخزى الله الكاذب مني، ومنك!

стр. 4976

تنبيه: من حذف الأول لدلالة الثاني عليه قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٨٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] خليليّ، هل طبّ فإنّي وأنتما... وإن لم تبوحا بالهوى-دنفان ومن حذف الثاني لدلالة الأول عليه قول ضابئ بن الحارث البرجمي، وهو الشاهد رقم [٨٥٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] فمن يك أمسى بالمدينة رحله... فإنّي وقيّار بها لغريب ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا﴾ أي: اكتسبنا من الذنوب، والآثام، ولا تؤاخذون به. (لا تسئل عما تعملون) أي: ولا نؤاخذ، ولا نسأل عن عملكم. ومعنى الآية الكريمة: التبري من المشركين، وقطع وشائج القربى، والصلة معهم. فصار المعنى: لستم منا، ولا نحن منكم؛ بل ندعوكم إلى الله تعالى، وإلى توحيده، وإفراد العبادة له، فإن أجبتم؛ فأنتم منا، ونحن منكم، وإن كذبتم؛ فنحن براء منكم، وأنتم براء منا، كما قال تعالى في الآية رقم [٤١] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ففي الآيتين مهادنة، ومتاركة، وهما منسوختان بآية السيف. والخطاب بقوله: ﴿قُلْ﴾ للنبي ﷺ . الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُسْئَلُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: لا تسألون عن الذي، أو: عن شيء أجرمناه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: لا تسألون عن إجرامنا، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وما بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ أي: يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ﴾ أي: يحكم

стр. 4977

بيننا بالعدل، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ، وستعلمون يومئذ لمن العزة، والنصرة والسعادة الأبدية. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ الآية رقم [١٤] من سورة (الروم) انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَهُوَ الْفَتّاحُ:﴾ الحاكم العادل، الفيصل في القضايا المنغلقة بأن يدخل أهل الحق الجنة، وأهل الباطل، والظلم، والطغيان النار. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بحقائق الأمور، وخفاياها، وهذه الآية كسابقتها منسوخة بآية السيف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف. انظر الشرح. ﴿يَجْمَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿رَبُّنا:﴾ فاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَفْتَحُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّنا﴾. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْفَتّاحُ:﴾ خبر أول. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ خبر ثان. والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَفْتَحُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، والجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تنبيه: يقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع. ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا. هذا؛ وقال تعالى حكاية عن قول فرعون، وأشياعه: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾. ولا يقال: أجمع أعوانه، وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه، وأصدقاءه، وهذا مبني على قاعدة: «يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان، هذا هو الأكثر والمستعمل». وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر، قال تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾. انظرها برقم [٦٠] من سورة (طه) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، حيث تجدها مؤولة. وقال تعالى في سورة (يونس) حكاية عن قول نوح على نبينا، وحبيبنا، وعليه، وعلى يونس، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾ وهي مؤولة، فإن التقدير: فأجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم. تنبيه: قال ابن عباس-﵄: ما كنت أدري ما معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أفاتحك. تعني: أقاضيك، وهذا قول قتادة، والسدي وابن جريج، وجمهور المفسرين: أن الفاتح هو القاضي، والحاكم، سمي بذلك؛ لأنه يفتح أغلاق الإشكال بين الخصوم، ويفصلها.

стр. 4978

﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾ أي: عرفوني، واشرحوا لي هذه الأصنام، والأوثان؛ التي جعلتموها آلهة مع الله: هل شاركت في خلق شيء في هذا الكون، فبينوا ما هو؟ وبأي سبب ألحقتموهم بالله في استحقاق العبادة؟ وهو استفسار عن شبههم بعد إلزام الحجة عليهم، زيادة في تبكيتهم. ﴿كَلاّ:﴾ ردع لهم عن المشاركة بعد إبطال المقايسة. والمعنى: ليس له نظير، ولا شريك، ولا نديد، فارتدعوا عن ما تدعون، وارجعوا عن غيكم، وضلالكم. ﴿بَلْ هُوَ اللهُ﴾ أي: المنفرد بالإيجاد، والإعدام، والإحياء، والإماتة... إلخ. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ القوي، القادر، القاهر، الغالب على أمره. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في صنعه، وتدبير شئون خلقه، فلا شريك له في خلقه، تبارك، وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. هذا؛ ومعنى قوله: ﴿أَرُونِيَ﴾ وكان يراهم، أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وأن يطلعهم على حالة الإشراك به. هذا؛ وأطلق على الأصنام اسم الشركاء لأحد أمرين: أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس. وثانيهما: أنهم كانوا يشركونها في الأموال، والأنعام، والزروع. انظر الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأنعام) وما بعدها. أما القول في ﴿كَلاّ،﴾ فإني أنقله لك بحروفه من مغني اللبيب لابن هشام، طيب الله ثراه؛ لتكون على بصيرة من أمرك. قال-رحمه الله تعالى-: وهي عند سيبويه، والخليل، والزجاج، وأكثر البصريين حرف معناه الردع والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم يجيزون أبدا الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت: ﴿كَلاّ﴾ في سورة؛ فاحكم بأنها مكية؛ لأن فيها معنى التهديد، والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة؛ لأن أكثر العتو كان بها. وفيه نظر؛ لأن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتوّ بها، لا عن غلبته؛ ثم لا تمتنع الإشارة إلى عتو سابق، ثم لا يظهر معنى الزجر في ﴿كَلاّ﴾ المسبوقة بنحو قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ،﴾ وقوله جل شأنه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ وقوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾. وقولهم: المعنى: انته عن ترك الإيمان بالتصوير في أي صورة ما شاء الله، وبالبعث، وعن العجلة بالقرآن تعسّف؛ إذ لم يتقدم في الأوليين حكاية نفي ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين ﴿كَلاّ،﴾ وذكر العجلة، وأيضا فإن أول ما نزل خمس آيات من سورة (العلق)، ثم نزل قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى،﴾ فجاءت في افتتاح الكلام، والوارد منها في التنزيل ثلاثة وثلاثون موضعا، كلها في النصف الأخير، «وذلك في خمس عشرة سورة منه، وكلها مكية».

стр. 4979

ويرى الكسائي، وأبو حاتم، ومن وافقهما: أن معنى الردع، والزجر ليس مستمرا فيها، فزادوا فيها معنى ثانيا، يصح أن يوقف دونها، ويبتدأ بها، ثم اختلفوا في تعيين ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها للكسائي ومتابعيه، قالوا: تكون بمعنى: حقّا. والثاني لأبي حاتم، ومتابعيه، قالوا: تكون بمعنى: «ألا» الاستفتاحية. والثالث للنضر بن شميل، والفراء ومن وافقهما، قالوا: تكون حرف جواب بمنزلة: إي، ونعم، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ فقالوا: معناه: إي والقمر. وقول أبي حاتم عندي أولى من قولهما؛ لأنه أكثر اطرادا، فإن قول النضر لا يتأتى في آيتي: (المؤمنون) و (الشعراء) على ما سيأتي، وقول الكسائي لا يتأتّى في نحو قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ،﴾ وقوله: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ،﴾ وقوله جل شأنه: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ،﴾ لأن «إنّ» تكسر بعد ألا الاستفتاحية، ولا تكسر بعد: حقّا، ولا بعد ما كان بمعناها، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم. وأما قول مكي: إن ﴿كَلاّ﴾ على رأي الكسائي اسم؛ إذا كانت بمعنى: حقّا؛ فبعيد؛ لأن اشتراك اللفظ بين الاسمية والحرفية قليل، ومخالف للأصل، ومحوج لتكلف دعوى علة لبنائها، وإلاّ فلم لا نوّنت؟. وإذا صلح الموضع للردع، ولغيره جاز الوقف عليها، والابتداء بها على اختلاف التقديرين. والأرجح حملها على الردع؛ لأنه الغالب فيها، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ..﴾. إلخ، وقوله جل شأنه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ..﴾. إلخ. وقد تتعين للردع، أو الاستفتاح، نحو قوله جل شأنه: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ﴾ إلخ؛ لأنها لو كانت بمعنى: حقا؛ لما كسرت همزة (إنّ)، ولو كانت بمعنى: نعم لكانت للوعد بالرجوع؛ لأنها بعد الطلب، كما يقال: أكرم فلانا، فتقول: نعم، ونحو قوله جل ذكره: ﴿قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وذلك لكسر (إنّ) ولأن نعم بعد الخبر للتصديق، وقد يمتنع كونها للزجر، نحو قوله تعالى: ﴿وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ إذ ليس قبلها ما يصح رده. وقول الطبري، وجماعة: إنه لما نزل في عدد خزنة جهنم قوله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال بعضهم: اكفوني اثنين، وأنا أكفيكم سبعة عشر، فنزل: ﴿كَلاّ﴾ زاجرا له تعسف؛ لأن الآية لم تتضمن ذلك انتهى. أقول: ويتلخص من هذا: أن الأكثر في ﴿كَلاّ﴾ أن تكون حرف ردع، وزجر، وذلك إذا سبقها كلام يستدعي ذلك، ولا ردع في سورة (الانفطار)، ولا في سورة (العلق)، ولا في سورة (المطففين) وما جرى مجراهن، وإنما هي للتنبيه، والاستفتاح، وكم هو واضح! وتكون حرف جواب بمعنى: إي، كما في قوله تعالى: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ ولا تكون بمعنى: حقّا، كما بينه ابن

стр. 4980

هشام لعدم فتح همزة (إنّ) بعدها. ونقل الجمل عن السمين للنحويين فيها ستة مذاهب، والمعتمد ما لخصته لك، والوارد منها في القرآن الكريم ثلاثة وثلاثون موضعا، كلها في النصف الأخير، قال الديربي في تفسيره المنظوم: [الطويل] وما نزلت كلاّ بيثرب فاعلمن... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف. ﴿أَرُونِيَ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به ثان. ﴿أَلْحَقْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذين ألحقتموهم به. ﴿شُرَكاءَ:﴾ مفعول به ثالث، أو حال من الضمير المحذوف، العائد على: ﴿الَّذِينَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر، لا محل له. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ ثان. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ خبر أول. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، يقول الله تعالى: أرسلناك إلى جميع الخلائق من المكلفين، كقوله تعالى لنبيه ﷺ في الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأعراف): ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ قال محمد بن كعب القرظي: يعني إلى الناس عامة. وقال قتادة: أرسل الله محمدا ﷺ إلى العرب، والعجم، فأكرمهم على الله ﵎، أطواعهم لله . وقال ابن أبي حاتم عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس ﵄-يقول: إن الله فضل محمدا ﷺ على أهل السماء، وعلى الأنبياء. قالوا: يا بن عباس! فبم فضله على الأنبياء؟ قال-﵁: إن الله تعالى قال: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال للنبي ﷺ : ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ فأرسله الله تعالى إلى الجن، والإنس. وهذا كما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة؛ فليصلّ. وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى

стр. 4981

قومه خاصّة، وبعثت إلى الناس عامّة». وفي الصحيح أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت إلى الأحمر، والأسود». قال مجاهد: يعني: الجن، والإنس. وقال غيره: يعني العرب، والعجم. والكل صحيح. ﴿بَشِيراً﴾ أي: لمن آمن بالجنة. ﴿وَنَذِيراً﴾ أي: لمن كذب، وكفر بالنار. هذا؛ وبين ﴿بَشِيراً﴾ و (نذيرا) طباق، وهو من المحسنات البديعية. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٦] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. (الناس): اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل قوم ورهط... إلخ، واحده: إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ الآية رقم [٧١] من سورة (الإسراء). وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كَافَّةً:﴾ حال من الكاف، قال أبو البقاء: والهاء زائدة للمبالغة. ﴿لِلنّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَافَّةً﴾ أي: وما أرسلناك إلا كافا للناس عن الكفر، والمعاصي. وقيل: هو حال من الناس إلا أنه ضعيف عند الأكثرين؛ لأن صاحب الحال مجرور. ويضعف هنا من وجه آخر، وذلك: أن اللام على هذا تكون بمعنى: إلى؛ إذ المعنى: أرسلناك إلى الناس، ويجوز أن يكون التقدير: من أجل الناس. انتهى.، واعتبره الزمخشري في الكشاف صفة لمصدر محذوف، التقدير: إلا إرسالة كافة. وقد رده ابن هشام في المغني أقبح رد. هذا؛ وذكر الجمل الأقوال الثلاثة. ﴿بَشِيراً:﴾ حال من الكاف. ﴿وَنَذِيراً:﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية: ﴿أَرْسَلْناكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، و ﴿أَكْثَرَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا..﴾. إلخ: يقول الكافرون بطريق الاستهزاء، والسخرية: متى هذا الوعد؟! يعنون به المبشر به، والمنذر عنه، أو الموعود بقوله تعالى: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ﴾

стр. 4982

﴿يَفْتَحُ بَيْنَنا..﴾. إلخ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ في ما تبشرون، وفي ما تنذرون. يريدون بذلك النبي ﷺ والمؤمنين، وينبغي أن تعلم: أن هذه الآية تكررت بحروفها في كثير من السور، وفيها تسلية للنبي ﷺ أينما كانت. الإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقولون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿الْوَعْدُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة (ما) قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين؛ فمتى يتحقق صدقكم؟! والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الطالبين تعجيل العذاب. ﴿لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ..﴾. إلخ: أي: لكم ميعاد مؤجل، لا يزيد، ولا ينقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة، ولا يقدم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ أي: ولا يمكنكم التأخر عنه بالاستمهال، ولا التقدم إليه بالاستعجال. ووجه انطباق هذا الجواب على سؤالهم: أنهم سألوا عن ذلك؛ وهم منكرون له تعنتا، لا استرشادا، فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقا للسؤال على الإنكار، والتعنت، وأنهم مرصدون ليوم يفاجئهم، فلا يستطيعون تأخرا عنه، ولا تقدما عليه. انتهى. نسفي. هذا؛ وفي سورة (الأعراف) رقم [٣٤] ومثلها في (يونس) رقم [٤٩] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. هذا؛ وميعاد أصله: «موعاد» قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، وانظر شرح (الساعة) في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم) ولا تنس المقابلة، والطباق بين. ﴿تَسْتَأْخِرُونَ﴾ و ﴿تَسْتَقْدِمُونَ،﴾ وهو من المحسنات البديعية. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف، انظر الشرح. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿مِيعادُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر للمفعول فيه. هذا؛ وقرئ برفع «(يوم)» على أنه

стр. 4983

بدل مما قبله، وقرئ بنصبه منونا على أنه ظرف له، والجملة الاسمية: ﴿لَكُمْ مِيعادُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَسْتَأْخِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿مِيعادُ،﴾ أو هي في محل جر صفة ﴿يَوْمٍ﴾ وذلك على حسب عود الضمير. ﴿ساعَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أبو جهل الخبيث، ومن على شاكلته، قالوا للنبي ﷺ : ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ﴾ الذي ينزل عليك يا محمد. ﴿وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتاب السابقة: التوراة، والإنجيل، والزبور؛ بل نكفر بالجميع. وقيل: المراد بالذي بين يديه: يوم القيامة، وما يذكر فيه من الحساب، والجزاء. والمعتمد الأول، وليس للقرآن يدان، وإنما هو استعارة لما سبقه من الكتاب السماوية المنزلة من عند الله. وسبب ذلك: أن أهل الكتاب قالوا للمشركين: إن صفة محمد في كتبنا كذا، وكذا، فاسألوه! فلما سألوه أجاب بما قال أهل الكتاب موافقا لهم، فقال المشركون عندئذ: لا نؤمن بهذا القرآن، ولا بالذي بين يديه، وكانوا قبل ذلك يراجعون أهل الكتاب، ويستشيرونهم في أمر النبي ﷺ ، ويحتجون بقولهم، فظهر بذلك تناقضهم، وسفه عقولهم. ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ:﴾ محبوسون في موقف الحساب. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ:﴾ ينتظرون أمره تعالى فيهم، وهم ذليلون وجلون، لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء. والخطاب للنبي ﷺ ، ولكل من يتأتّى منه الرؤية. ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ:﴾ يتراجعون الكلام فيما بينهم، ويلوم بعضهم بعضا. ويوبخ بعضهم بعضا على ما اقترفوه من كفر، وهذا بعد أن كانوا في الدنيا متعاونين متناصرين. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أي: الذين كانوا فقراء مستضعفين، والذين تبعوا الرؤساء، وانقادوا لهم في الكفر، ومعاندة الحق، وهذا يكون في الآخرة حينما يعاينون العذاب، وغضب الواحد الجبار. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:﴾ وهم القادة والرؤساء. ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لولا أنتم تصدونا عن الإيمان؛ لكنا اتبعنا الرسول، وآمنا بما جاءنا به، ولكنكم أغويتمونا وأضللتمونا.

стр. 4984

الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نُؤْمِنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن. ﴿بِهذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور معطوفان على قوله: ﴿بِهذَا﴾ واسم الإشارة، والاسم الموصول كلاهما مبنيان على السكون في محل جر بحرف الجر. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى لفظا، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، التقدير: ولو ترى حال الظالمين وقت وقوفهم... إلخ. ﴿إِذِ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ:﴾ مبتدأ وخبر مرفوعان، وعلامة رفعهما الواو نيابة عن الضمة؛ لأنهما جمعا مذكر سالم، والنون فيهما عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذِ﴾ إليها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَوْقُوفُونَ،﴾ و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿تَرى إِذِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب: (لو) محذوف، التقدير: لرأيت أمرا هائلا وفظيعا، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿يَرْجِعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿مَوْقُوفُونَ،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿إِلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَرْجِعُ﴾. ﴿الْقَوْلَ:﴾ مفعول به ل: ﴿يَرْجِعُ﴾. ﴿يَقُولُ:﴾ هذا الفعل بدل من: ﴿يَرْجِعُ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله. وقيل: الجملة مفسرة لجملة: ﴿يَرْجِعُ..﴾. إلخ. ﴿اُسْتُضْعِفُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَقُولُ،﴾ وجملة: ﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ مع متعلقه المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف امتناع لوجود. ﴿أَنْتُمْ:﴾ مبتدأ، خبره محذوف وجوبا، التقدير: لولا أنتم صددتمونا عن الهدى. بدليل ما بعده. ﴿لَكُنّا:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْلا﴾. (كنا): فعل ماض ناقص،

стр. 4985

مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ جواب: ﴿لَوْلا﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْلا﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: عن الإيمان، وهم الرؤساء، والعظماء، والأشراف. ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أي: الأتباع، الذين تبعوهم، وقلدوهم في الكفر. ﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى﴾ أي: منعناكم من الإيمان واتباع الرسل؟! فالاستفهام إنكاري، توبيخي بمعنى النفي. ﴿بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ﴾ أي: الهدى والإيمان، وذلك بدعوة الرسل إليه، والترغيب فيه. ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ أي: بل أنتم كفرتم باختياركم بسبب أنكم كنتم مجرمين راسخين في الإجرام. تنبيه: الآية الكريمة والتي بعدها تتحدثان عن ما يقع من المحاورة بين الرؤساء والأتباع، وبين الأشراف، والضعفاء يوم القيامة، والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق وقوعه؛ لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان، ووجد؛ لتحققه، وهو كثير في القرآن الكريم، وهو فن بلاغي. تنبيه: المراد ب: ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ الكافرون، وكثيرا ما يعبر القرآن الكريم عن الكافرين بالظالمين والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعّدهم بالعقاب الشديد. وإننا نجد الكثير من المسلمين، يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، لا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب. هذا؛ وصد بمعنى: منع، وصرف، والمضارع: «يصد» بضم الصاد، ويأتي بمعنى: يعرض، ويميل، ومنه قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ويأتي المضارع بضم الصاد، وكسرها، كما يأتي بمعنى: يضجون فرحا، وهو بكسر الصاد كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ومصدر الأولين: صد، وصدود، ومصدر الأخير: صديد، وقد فك الإدغام هنا على القاعدة: «إذا اتصل بالمضعف ضمير رفع متحرك؛ فك الإدغام». أما ﴿كُنْتُمْ﴾ فأصله: «كونتم» فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «كانتم» فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: «كنتم» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: ﴿كُنْتُمْ،﴾ وهناك

стр. 4986

إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: «كون» فلما اتصل بضمير رفع متحرك، نقل إلى باب: فعل، فصار: «كونت» ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار: «كونت» فالتقى ساكنان: العين المعتلة، ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائها ساكنة مع النون، فصار: «كنت» وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قلت، وقمنا، وقمن... إلخ. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ مع متعلقه المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿قالَ﴾. ﴿اُسْتُضْعِفُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنَحْنُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿صَدَدْناكُمْ:﴾ فعل ماض، و (نا): فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿عَنِ الْهُدى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿صَدَدْناكُمْ﴾. وقيل: متعلق بمحذوف حال. و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و: ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وإنما وقعت ﴿إِذْ﴾ مضافا إليها، وإن كانت من الظروف الملازمة للظرفية؛ لأنه يتوسع في الزمان ما لا يتوسع في غيره، فأضيف إليه الزمان. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿إِذْ﴾ مصدرية بمعنى «أن»، وعليه فتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدَ﴾ إليه. ﴿جاءَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الْهُدى،﴾ تقديره: هو، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ. وجملة: ﴿كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. هذا؛ ومجرمين صفة لموصوف محذوف، التقدير: بل كنتم قوما مجرمين، بدليل التصريح به في كثير من الآيات، وجملة: ﴿قالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَقالَ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:﴾ جاء بالعاطف هنا، ولم يأت به في الآية السابقة لأن الذين استضعفوا ذكر أول كلامهم في الآية رقم [٣١] فجيء بالجواب محذوف

стр. 4987

العاطف على طريق الاستئناف، ثم جيء في هذه الآية بكلام آخر للمستضعفين، فعطف على كلامهم الأول. هذا؛ ولا تنس المقابلة، والمطابقة بين ﴿اُسْتُضْعِفُوا﴾ و ﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ في هذه الآية، وفي الآيتين السابقتين، وهي من المحسنات البديعية، التي تزيد الكلام حسنا، وجمالا، وروعة، وجلالا. ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ:﴾ المكر أصله في لسان العرب: الاحتيال، والخديعة، وقد مكر به، يمكر فهو ماكر، ومكّار، قال الشاعر: [الطويل] قهرت العدا لا مستعينا بعصبة... ولكن بأنواع الخديعة والمكر وقال زياد بن يسار: [الطويل] تعلّم شفاء النّفس قهر عدوّها... فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر وهذا هو الشاهد رقم [١٠٢١] من كتابنا فتح القريب المجيب. قال الأخفش: هو على تقدير: هذا مكر الليل، والنهار. قال النحاس: والمعنى: -والله أعلم-: بل مكركم في الليل، والنهار. قال قتادة: بل مكركم بالليل والنهار صدنا. فأضيف المكر إلى الليل، والنهار لوقوعه فيهما، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ فأضاف الأجل إلى نفسه، وهذا من قبيل قولك: ليله قائم ونهاره صائم، وقال المبرد مثله، وأنشد لجرير: [الطويل] لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى... ونمت وما ليل المطيّ بنائم ونظيره قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ إذ المعنى: مبصرا فيه بالضوء؛ لأن النهار لا يبصر؛ بل يبصر فيه. هذا؛ وقرئ: «(بل مكر الليل والنهار)» بالتنوين ونصب الظرفين، وقرئ: «(بل مكر الليل والنهار)» بنصب (مكر) ورفعه، وتشديد الراء، فهي قراءات ثلاث. وانظر الإعراب لإيضاح المعنى، وروي عن سعيد بن جبير-﵄: أنه قال: المعنى مرّ الليل، والنهار عليهم، فغفلوا. وقيل: طول السلامة فيهما، كقوله تعالى: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾. ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً﴾ أي: أشباها، وأمثالا، قال محمد بن يزيد: فلان ند فلان؛ أي: مثله، ويقال: نديد، وأنشد: [الوافر] أيا من تجعلون إليّ ندّا... وما أنتم لذي حسب نديد والمعنى: أن المستكبرين لما أنكروا بقولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى﴾ بأن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين، وأثبتوا ذلك بقولهم: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ:﴾ أن ذلك بكسبهم، واختيارهم؛ كرّ عليهم المستضعفون بقولهم: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم، كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا؛ بل من جهة مكركم لنا دائبا ليلا، ونهارا، وحملكم إيانا على الشرك، واتخاذ الأنداد.

стр. 4988

﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ:﴾ أخفوها فيما بينهم، والمراد: الظالمون المحبوسون يوم القيامة، يندم المستكبرون على ضلالهم، وإضلالهم، ويندم المستضعفون على ضلالهم، واتباعهم المضلين. هذا؛ ويفسر (أسروا) بأظهروا الندامة، وجهروا بها، فهو من الأضداد يكون بمعنى الإخفاء، والإبداء، قال امرؤ القيس: [الطويل] تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي وقيل: المعنى: تبينات الندامة في أسرار وجوههم. وقيل: الندامة لا تظهر، وإنما تكون في القلب، والذي يظهر ما يتولد عنها. هذا؛ والندم: ضرب من الغم، وهو أن تغتم على ما وقع منك، تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام ولزام؛ لأنه كلما تذكر المتندّم عليه، راجعه. من: الندام، وهو لزام الشريب، ودوام صحبته. ومن مقلوباته: أدمن الأمر: أدامه، ومدن بالمكان: أقام به. ومنه: المدينة. وقد تراهم يجعلون الهم صاحبا، ونجيا، وسميرا، وضجيعا، وموصوفا بأنه لا يفارق صاحبه انتهى. كشاف. ﴿لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ:﴾ لما عاينوا عذاب النار. هذا؛ وإعلال ﴿رَأَوُا﴾ مثل إعلال: ﴿دَعَوْا﴾ في الآية رقم [٣٣] من سورة (الروم). ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ:﴾ جمع: غلّ. يقال: في رقبته غل من حديد. ومنه قيل للمرأة السيئة الخلق: غل قمل، وأصله أن الغل كان يتخذ من جلد، وعليه شعر فيقمل. والغل، والغلة: حرارة العطش، وكل ذلك بضم الغين، وهو بكسرها بمعنى الحقد، ورحم الله من قال: [البسيط] يا طالب العيش في أمن وفي دعة... رغدا بلا قتر صفوا بلا رنق خلّص فؤادك من غلّ ومن حسد... الغلّ في القلب مثل الغلّ في العنق ﴿فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وضعت الأغلال في أعناق الكافرين التابعين والمتبوعين، المستضعفين، والمستكبرين. وانظر شرح الكفر في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم). هذا؛ وإنما صرح ب: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكان مقتضى القياس أن يقول «في أعناقهم» تنويها بذمهم، وإشعارا بموجب إغلالهم. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يجزون إلا بأعمالهم، كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع عذاب بحسبهم. هذا؛ وقال التيمي: لو أن غلاّ من أغلال جهنم وضع على جبل؛ لوهصه حتى يبلغ الماء الأسود. الإعراب: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿مَكْرُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، وإضافة المكر إليه، وخبره محذوف، التقدير: بل مكركم سبب ذلك. أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: بل سبب ذلك مكركم. وقيل: هو فاعل بفعل محذوف: التقدير: بل صدنا مكركم بنا في الليل والنهار،

стр. 4989

وهذه الأقوال الثلاثة تجري في حالة رفع ﴿مَكْرُ،﴾ منونا، وغير منون، وعلى قراءة التنوين يكون ﴿اللَّيْلِ﴾ ظرفا متعلقا ب: ﴿مَكْرُ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلى قراءة: «(مكر)» بالنصب، فهو مفعول به لفعل محذوف، أو هو مفعول مطلق لهذا المحذوف، التقدير: تمكرون الإغواء مكر الليل، والنهار. وقيل: هو مصدر مضاف لمرفوعه، ولا وجه له، والجملة على جميع الاعتبارات في محل نصب مقول القول. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿مَكْرُ﴾ على اعتباره مصدرا ميميا. ﴿تَأْمُرُونَنا:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، و (نا): مفعوله الأول. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿نَكْفُرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر، تقديره: «نحن»، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان، أو هو منصوب بنزع الخافض، على اعتبار الفعل يتعدى إلى الثاني بحرف الجر. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَنَجْعَلَ:﴾ معطوف على ما قبله، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿أَنْداداً:﴾ مفعول به أول. ﴿وَأَسَرُّوا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أسروا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿النَّدامَةَ:﴾ مفعول به. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿رَأَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، وحركت الواو بالضمة دون غيرها ليفرق بين واو الجماعة، والواو الأصلية في نحو قولك: لو اجتهدت؛ لنجحت. وقيل: ضمت لأن الضمة أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الواو المحذوفة. وقيل: غير ذلك. والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: (أسروا...) إلخ مستأنفة، أو في محل نصب حال من: ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ و: (الذين استكبروا) والرابط: الواو، والضمير، وعلى الاستئناف لا محل لها. ﴿وَجَعَلْنَا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿الْأَغْلالَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي أَعْناقِ:﴾ متعلقان بمحذوف مفعول ثان، أو بمحذوف حال من ﴿الْأَغْلالَ،﴾ و ﴿أَعْناقِ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَجَعَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (أسروا...) إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام بمعنى النفي. ﴿يُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لَمّا:﴾ تحتمل

стр. 4990

الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: لا يجزون إلا جزاء الذي، أو: جزاء شيء كانوا يعملونه. وعلى اعتبار: ﴿لَمّا﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: لا يجزون إلا جزاء عملهم، ولا بد من تقدير مضاف محذوف. وفيه ضعف كما ترى. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال. وهو ضعيف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ..﴾. إلخ: هذا شروع في تسلية النبي ﷺ وبيان له بأن الله تعالى لم يبعث رسولا في قرية؛ إلا كذبه أغنياؤها، وعظماؤها، واتبعه الفقراء، والمستضعفون؛ سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنته تحويلا، فقد حكى القرآن عن قوم نوح قولهم: ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ سورة (الأنعام) رقم [١٢٣]. ﴿إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها:﴾ هم أولو النعمة، والثروة، والرئاسة. وقال قتادة: هم جبابرتهم، وقادتهم، ورؤساؤهم في الشر. وترف، يترف: تنعم، وترفعه في دنياه، وتمتّع بملاذها. قال تعالى في سورة (الواقعة) في حق أصحاب الشمال: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ﴾. ﴿إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي: لا نؤمن به، ولا نتبعه. وقد افتخر المترفون بكثرة الأموال، والأولاد. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِي قَرْيَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَذِيرٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿مُتْرَفُوها:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و (ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿قَرْيَةٍ،﴾ وهي على تقدير «قد» قبلها، وساغ مجيء الحال من النكرة لتقدم النفي عليها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كافِرُونَ،﴾ و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿أُرْسِلْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر (إنّ)

стр. 4991

مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا بِما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً﴾ أي: قال المترفون للرسل، ولأتباعهم الفقراء المستضعفين: فضلنا عليكم بالأموال، والأولاد، ولو لم يكن ربكم راضيا بما نحن فيه من الدين، والفضل؛ لم يخولنا ذلك. أرادوا: أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم، نظرا إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم الله الأموال، والأولاد، والجاه العظيم، والمقام الكريم، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه؛ لما حرمهم متاع الدنيا، ومنعهم من التلذذ بنعيمها، فأبطل الله ظنهم بأن الرزق من فضل الله تعالى يقسمه كيف يشاء، فربما وسّع على العاصي، وضيّق على المطيع، وربما عكس، وربما وسع عليهما، أو ضيق عليهما، فلا ينقاس عليهما أمر الثواب في الآخرة. وفي حديث ابن مسعود-﵄-عن النبي ﷺ قال: «إن الله يعطي الدنيا من يحبّ ومن لا يحبّ، ولا يعطي الدين إلاّ لمن أحبّ، فمن أعطاه الدين؛ فقد أحبّه». رواه الإمام أحمد، وعن أبي سعيد الخدري-﵁: أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله ليحمي عبده المؤمن من الدّنيا، وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام، والشراب». رواه الحاكم. وما درى هؤلاء الكافرون، والفاسدون، والمجرمون أن ما يعطيهم الله من نعيم الدنيا إنما هو على سبيل الاستدراج. قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. وقال جل ذكره: ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾. وقال جل شأنه، وتعالت حكمته: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ من سورة (المؤمنون)، والأولى من سورة (الأعراف)، والثانية من سورة (مريم)، انظر شرح هذه الآيات في محالها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ:﴾ لأن من أحسن الله إليه في الدنيا فلا يعذبه في الآخرة، وهذا على فرض، وتقدير الآخرة منهم؛ لأنهم ما كانوا يعتقدون بالبعث، والحساب، والجزاء. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَمْوالاً:﴾ تمييز. ﴿وَأَوْلاداً:﴾ معطوف عليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿نَحْنُ:﴾ اسمها. ﴿بِمُعَذَّبِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (معذبين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وجملة: (قالوا...) إلخ معطوفة على جملة ﴿قالَ مُتْرَفُوها﴾ فهي في محل نصب حال مثلها.

стр. 4992

﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المتفاخرين بكثرة أموالهم، وأولادهم. ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ:﴾ يغني، ويوسع الرزق، ويعطي المال. ﴿لِمَنْ يَشاءُ:﴾ التوسيع عليه. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ يضيق الرزق، ويقلله على من يشاء من عباده، وله الحكمة التامة البالغة، والحجة القاطعة الدامغة، ولذا قال جل شأنه في الآية رقم [٣٠] من سورة (الإسراء): ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ أي: ذو خبرة بعباده، وبمن يصلحه التوسيع في الرزق، ومن يفسده ذلك، وبمن يصلحه الضيق، والإقتار في الرزق، ومن يهلكه ذلك، وهو ذو بصر، ومعرفة بتدبير عباده، وسياستهم، فمن العباد من لا يصلح له إلا الغنى، ولو أفقره الله؛ لفسد، ومنهم من لا يصلح له إلا الفقر، ولو أغناه؛ لفسد. هذا؛ وبين: ﴿يَبْسُطُ﴾ و (يقدر) مقابلة، ومطابقة وهي من المحسنات البديعية. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٦] من سورة (الروم)، ففيها بحث قيم. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَبْسُطُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَبْسُطُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: يبسط الرزق للذي، أو: لشخص يشاؤه. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقدر): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ ومتعلقه محذوف، تقديره: له. والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ..﴾. إلخ، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسم: (لكن)، و ﴿أَكْثَرَ:﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إِنَّ رَبِّي..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له، فهو ضعيف. وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 4993

﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾ أي: تقربكم عندنا قربى، وترفع مكانتكم عندنا لا في الدنيا، ولا في الآخرة، والزلفى: القربى. والزلفة: القربة. ومعنى الآية: لا تزيدكم الأموال، والأولاد عندنا رفعة، ودرجة، ولا تقربكم تقريبا. هذا؛ وأخبر ب: (التي) عن الأموال، والأولاد؛ لأن الجمع المكسر عقلاؤه، وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث، والإفراد، والجمع. وقرئ: «(بالذي)». ويجوز في غير القرآن أن تقول: باللتين، وباللاتي، وباللواتي، وباللّذين، وبالذين للأولاد خاصة. هذا؛ وقدم الله ذكر الأموال على الأولاد؛ لأنها أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب. ﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً:﴾ قال سعيد بن جبير-﵄: المعنى: إلا من آمن وعمل صالحا، فلن يضره ماله، وولده في الدنيا. وروى ليث عن طاوس: أنه كان يقول: اللهم ارزقني الإيمان، والعمل، وجنبني المال، والولد، فإني سمعت فيما أوحيت: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ..﴾. إلخ. ومعنى قول طاوس هذا؛ -والله أعلم-: اللهم جنبني المال، والولد المطغيين، أو: اللذين لا خير فيهما. فأما المال الصالح، والولد الصالح للرجل الصالح، فنعم هذا، وقد قال رسول الله ﷺ لعمرو بن العاص: «نعم المال الصالح للرجل الصّالح». واعتبر الرسول ﷺ الولد الصالح من النعم العظيمة، ومن أسباب الخير للإنسان بعد موته وتكثير حسناته بسبب دعاء الولد الصالح له. هذا؛ وفي عطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة وغيرها إيحاء بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ : «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، وهذا يسمى في علم البديع احتراسا، وينبغي أن تعلم: أن الأموال لا تقرب أحدا إلى الله إلا المؤمن الصالح، الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرب أحدا، ولا تنفعه إلا من علمهم الخير، وفقههم في الدين، ودربهم على الصلاح وطاعة الله . ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا:﴾ فالضعف: الزيادة، أي لهم جزاء التضعيف، أي يضعف الله لهم حسناتهم، فيجزي بالحسنة الواحدة عشرا، إلى سبعين، إلى سبعمائة، وانظر الضعف، والتضعيف في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأحزاب). ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ أي: من عذاب الله، وسخطه، وانتقامه، و ﴿الْغُرُفاتِ﴾ جمع: غرفة، ويقرأ بفتح الراء، وضمها، وسكونها، وتجمع غرفة على: غرف أيضا، انظر الآية رقم [٥٨] من سورة (العنكبوت) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. وانظر شرح «المال» في الآية رقم [٢٧] من سورة (الأحزاب). ولا تنس

стр. 4994

الالتفات من الغيبة في الآية السابقة، إلى الخطاب في هذه الآية، انظر الالتفات، وفوائده في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم). هذا؛ ولا تنس مراعاة لفظ ﴿مَنْ﴾ بإرجاع الفاعل إليها، ومراعاة معناها باسم الإشارة، وما بعده. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس»، أو: هي مهملة لا عمل لها. ﴿أَمْوالُكُمْ:﴾ اسم (ما)، أو مبتدأ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿أَوْلادُكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِالَّتِي:﴾ الباء: حرف جر صلة. (التي): اسم موصول مبني على السكون في محل جر لفظا، وفي محل نصب محلا على أنه خبر (ما)، أو على أنه خبر المبتدأ على إهمال (ما). هذا؛ وقال الفراء -وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج-: المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني، وأنشد الفراء قول قيس بن الخطيم الأوسي وهو الشاهد رقم [١٠٥٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المنسرح] نحن بما عندنا وأنت بما... عندك راض والرّأي مختلف ﴿تُقَرِّبُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى التي، وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عِنْدَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال. ولا وجه له، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿زُلْفى:﴾ مفعول مطلق، عامله من غير لفظه، وهو قوله: ﴿تُقَرِّبُكُمْ﴾. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من كاف الخطاب، وقال الزجاج: بدل منه. وهو غير معتمد. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. وجملة: ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء حرف تفريع، واستئناف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَزاءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿جَزاءُ﴾ مضاف، و ﴿الضِّعْفِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: (أولئك). هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ خبر، (أولئك)، فالجار والمجرور يكونان متعلقين ب: ﴿جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ بعدهما، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ لا محل لها؛ لأنها مفرعة ومستأنفة، وهذا الإعراب يجعل هذه غير مرتبطة بما قبلها، لذا فالوجه اعتبار: ﴿مَنْ﴾ شرطا جازما، و: ﴿آمَنَ﴾ فعل شرطه، وجوابه جملة: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ، وخبره: جملتا الشرط، والجواب على المعتمد عند المعاصرين. وهذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا مبتدأ؛ فالجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وتكون الفاء زائدة في خبر الموصول؛ لأنه يشبه الشرط في العموم، وعلى الوجهين،

стр. 4995

فمضمون الجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء من مضمون الكلام السابق. هذا؛ وقرئ برفع الاسمين على أن ﴿الضِّعْفِ﴾ بدل من ﴿جَزاءُ﴾ كما قرئ: «(جزاء الضعف)» على اعتبار (جزاء) حالا، من الضمير المستتر في الخبر المحذوف وهو متعلق: ﴿لَهُمْ﴾ و (الضّعف) مبتدأ، و ﴿لَهُمْ﴾ الخبر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أولئك). ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءُ؛﴾ لأنه مصدر، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء عملوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿فِي الْغُرُفاتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿آمِنُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معطوفة على ما قبلها. ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا:﴾ في إبطال أدلتنا، وحجتنا، وكتابنا، وذلك بالرد، والطعن فيها. ﴿مُعاجِزِينَ:﴾ معاندين، يظنون: أنهم يفوتوننا بأنفسهم، وأننا لا نقدر عليهم، ولا على بعثهم في الآخرة للحساب والجزاء، أو ظنوا أنا نهملهم. ﴿أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في جهنم تحضرهم الزبانية فيها، لا يفلتون منها أبدا. تنبيه: لما ذكر الله تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما أعد لهم من النعيم المقيم، والخير العميم؛ ذكر الذين كفروا، وما أعد لهم من العذاب الأليم، والعقاب الشديد، وتلك سنة الله في كتابه الكريم، حيث اقتضت حكمته ورحمته، فلا يذكر التصديق من المؤمنين؛ إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، راجيا خائفا. والمراد بعمل الصالحات: الأعمال الصالحات على اختلافها، وتفاوت درجاتها، ومراتبها. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبتدأ. ﴿يَسْعَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي آياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مُعاجِزِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب... إلخ، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة

стр. 4996

رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ والكثير اقتران مثل هذه الجملة بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وقد مر معنا كثير منه، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ:﴾ تقدم هذا في الآية [٣٦] مستوفى ولكن ما في هذه الآية في شخص واحد باعتبار وقتين، وما سبق في حق شخصين، فلا تكرير، ولا تكرار. وقيل: بل هو توكيد. وقيل: كررت الآية لاختلاف القصد؛ فإن القصد بالأول الكفار، والقصد هنا ترغيب المؤمنين في الإنفاق. ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم الله به؛ فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، وفي الآخرة بحسن المثوبة وعظم الجزاء، وكريم الثواب، وما في الدنيا يكون عاجلا، أو آجلا، كما ثبت في الحديث القدسي عن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: قال الله تعالى: «يا عبدي أنفق أنفق عليك». وقال النبي ﷺ : «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحّاء بالليل، والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما بيده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض، ويرفع». رواه البخاري ومسلم. وعن أسماء بنت أبي بكر-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا توكي فيوكى عليك». وفي رواية: «أنفقي، أو انفحي، أو انضحي، ولا تحصي، فيحصي الله عليك، ولا توعي، فيوعي الله عليك». رواه البخاري، ومسلم. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا». أخرجه مسلم. فهذه أحاديث صحيحة صريحة، ترغب في إنفاق المال في وجوه الخير، وخذ ما يلي: روى الدارقطني، وأبو أحمد بن عدي عن عبد الحميد الهلالي: عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «كلّ معروف صدقة، ما أنفق الرجل على نفسه، وأهله؛ كتاب له صدقة، وما وقى به الرجل عرضه؛ فهو له صدقة، وما أنفق الرجل من نفقة؛ فعلى الله خلفها، إلا ما كان من نفقة في بنيان، أو معصية». قال عبد الحميد: قلت لابن المنكدر: ما وقى الرجل به عرضه؟ قال: يعطي الشاعر وذا اللسان.

стр. 4997

قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أما ما أنفق في معصية؛ فلا خلاف: أنه غير مثاب عليه، ولا مخلوف له. وأما البنيان فما كان منه ضروريا، يكنّ الإنسان، ويحفظه؛ فذلك مخلوف عليه، ومأجور ببنيانه، وكذلك حفظ أسرته، وستر عورته، قال النبي ﷺ : «ليس لابن آدم حقّ في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء». انتهى. قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: من كان عنده من هذا المال؛ فليقتصد، فإن الرزق مقسوم، ولعل ما قسم له قليل، وهو ينفق نفقة الموسع عليه، فينفق جميع ما في يده، ثم يبقى طول عمره في فقر، ولا يتأولنّ ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ فإن هذا في الآخرة، ومعنى الآية: ما كان من خلف؛ فهو منه. انتهى. خازن. أقول: المعيار، والميزان القسط قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ الآية رقم [٢٩] من سورة (الإسراء)، وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ الآية رقم [٦٧] من سورة (الفرقان). ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أي: خير من يعطي، ويرزق؛ لأن كل ما رزق غيره: من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق مملوكه، أو رجل يرزق عياله، فهو من رزق الله، أجراه الله على أيدي هؤلاء، وهو الرزاق الحقيقي، الذي لا رازق سواه، وهو خالق الأسباب التي ينتفع بها المرزوق بالرزق. وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني، وجعلني ممن يشتهي، فكم من مشته لا يجد، وواجد لا يشتهي، فسبحان من خزائنه لا تفنى، ولا تتناهى. ومن أخرج من عدم إلى الوجود؛ فهو الرازق حقيقة، كما قال جل ذكره: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وينبغي أن تعلم: أنّ (الرّزّاق) صيغة مبالغة لم يسم به أحد غيره تعالى، وأما الرازق؛ فقد يطلق على غيره من العباد مجازا؛ كما قدمت آنفا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٣٦] ما عدا قوله: ﴿مِنْ عِبادِهِ﴾ فهما جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من مفعول: ﴿يَشاءُ﴾ المحذوف. و (من) بيان لما أيهم في: (من) وما عدا قوله: ﴿لَهُ﴾ فهما جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يقدر)، وجملة: ﴿قُلْ إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَنْفَقْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: (ما)، و ﴿لِمَنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُخْلِفُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «هو»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول:

стр. 4998

لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي أنفقتموه، ويكون الجار والمجرور: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ متعلقين بمحذوف حال من الضمير المحذوف، والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ:﴾ في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على خبر الموصول؛ لأنه يشبه الشرط في العموم، والجملة: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ..﴾. إلخ على جميع الاعتبارات مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و: ﴿الرّازِقِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿يُخْلِفُهُ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. وقيل: معطوفة على ما قبلها. وهو ضعيف جدا. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ أي: المستضعفين، والمستكبرين. ويقرأ الفعل بالياء، والنون. والحشر: الجمع، والمراد: بعثهم للحساب، والجزاء. ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ..﴾. إلخ: هذا السؤال للملائكة مضمونه التقريع، والتوبيخ للكفار، وارد على المثل السائر: «إياك أعني، واسمعي يا جارة». ونحوه قوله تعالى في الآية رقم [١١٦] من سورة (المائدة): ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. تنبيه: قال الزمخشري، -رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فالله قد سبق في علمه المسئول عنه، فما فائدة هذا السؤال؟ قلت: فائدته: أن يجيبوا بما أجابوا به؛ حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم، فيبهتوا، ويتخذلوا، وتزيد حسرة الكافرين العابدين للملائكة، وغيرهم في الدنيا، ويكون ذلك نوعا مما يلحقهم من غضب الله وعقابه، ويغتبط المؤمنون، ويفرحوا بحالهم، وإيمانهم، ونجاتهم من فضيحة أولئك، وليكون حكاية ذلك في القرآن لطفا للمكلفين، وفيه كسر بيّن لقول من يزعم: أنه يضل عباده على الحقيقة، حيث يقول للمعبودين من دونه: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ بأنفسهم، فيتبرءون من إضلالهم، ويستعيذون بالله أن يكونوا مضلين، ويقولون: أنت تفضلت على هؤلاء وآبائهم من غير سابقة تفضّل جواد كريم، فجعلوا النعمة-التي حقها أن تكون سبب الشكر-سبب الكفر، ونسيان الذكر، وكان ذلك سبب هلاكهم، فإذا برأت الملائكة، والرسل أنفسهم من نسبة الإضلال؛ الذي هو عمل الشياطين إليهم، واستعاذوا منه، فهم لربهم الغني العدل أشدّ تبرئة، وتنزيها منه، ولقد نزهوه حين أضافوا إليه التفضل بالنعمة، والتمتيع بها، وأسندوا نسيان الذكر، والتسبب به للبوار إلى الكفرة، فشرحوا الإضلال المجازي الذي أسنده الله إلى ذاته في قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ ولو كان هو المضل على الحقيقة؛ لكان الجواب العتيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم. انتهى. كشاف

стр. 4999

في سورة (الفرقان) رقم [١٧] وهذا مبني على مذهبه في الاعتزال، وهو أن العبد يخلق أفعال نفسه، وأما مذهب أهل السنة، فإن الله خالق للعبد، ولعمله، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨] من سورة (فاطر). الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف زمان متعلق به. ﴿يَحْشُرُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى (الله) أو تقديره: «نحن» على قراءته بالنون، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من الضمير المنصوب، وفيها معنى التوكيد. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله تقديره: «هو»، أو: «نحن». ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَهؤُلاءِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿إِيّاكُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وفيه دليل على جواز تقديم خبر (كان) عليها؛ لأن تقديم معمول الخبر يؤذن بصحة تقديم الخبر. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْبُدُونَ﴾ مع مفعوله المقدم في محل نصب خبر (كان)، وجملة: «كانوا يعبدون إياكم» في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَهؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وجملة: «اذكر يوم...» إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال الملائكة. ﴿سُبْحانَكَ﴾ أي: تعاليت، وتقدست، وتنزهت عن أن يكون معك إله. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: نحن نتولاك بالعبادة، والتقديس، ولا نتولاهم، فبينوا بإثبات موالاة الله، ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم. ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي: الشياطين؛ حيث أطاعوهم في عبادة غير الله. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي التفاسير أن حيّا يقال لهم: «بنو مليح» من خزاعة كانوا يعبدون الجن، ويزعمون: أن الجن تتراءى لهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات الله، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً..﴾. إلخ الآية رقم [١٥٨] من سورة (الصافات) انظر شرحها هناك. ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ:﴾ الضمير الأول للإنس، أو للمشركين، والأكثر بمعنى الكل، والثاني للجن. قال الخازن: فإن قلت: قد عبدوا الملائكة، فكيف وجه قوله: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ قلت: أراد أن الشياطين زينوا لهم عبادة الملائكة، فأطاعوهم في ذلك، فكانت طاعتهم

стр. 5000

للشياطين عبادة لهم. وقيل: صوروا لهم صورا، وقالوا لهم: هذه صور الملائكة، فاعبدوها، فعبدوها. وقيل: كانوا يدخلون في أجواف الأصنام، فيعبدون بعبادتها. انتهى. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله فيكون الفاعل محذوفا. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿وَلِيُّنا:﴾ خبر المبتدأ، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ دُونِهِمْ:﴾ متعلقان ب: (ولي) وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملتان ﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وانتقال. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُؤْمِنُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها بدلا من جملة: ﴿يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ فلست مفندا، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر. ﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ أي: ففي يوم الحساب، والجزاء. ﴿لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا:﴾ لا ينفع العابدون، ولا المعبودون بعضهم بعضا بشفاعة، ولا بنجاة، ولا بدفع هلاك، وعذاب؛ إذ الأمر كله لله الواحد القهار؛ لأن الدار دار جزاء، وهو المجازي وحده. قال أبو السعود في تفسيره: يخاطبون بذلك على رءوس الأشهاد إظهارا لعجزهم، وقصورهم عن نفع عابديهم، وإظهارا لخيبة رجائهم بالكلية. ونسبة عدم النفع، والضر إلى البعض للمبالغة في المقصود، كأن نفع الملائكة لعبدتهم في الاستحالة، كنفع العبدة لهم. انتهى. ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر، فأدخلوها العذاب الأليم، وسببوا لها العقاب الشديد. ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ:﴾ قال الجمل: وقع الموصول هنا وصفا للمضاف إليه، وفي (السجدة) رقم [٢٠] وقع وصفا للمضاف، فقيل: لأنهم ثمة كانوا ملابسين للعذاب، كما صرح به في النظم، فوصف لهم ما لابسوه، وما هنا عند رؤية النار عقب الحشر، فوصف لهم ما عاينوه. وكونه هنا وصفا للمضاف على أن تأنيثه مكتسب تكلف. انتهى. نقلا من الشهاب. وانظر ما ذكرته في آية (السجدة).

стр. 5001

الإعراب: ﴿فَالْيَوْمَ:﴾ الفاء: حرف عطف لترتيب الأخبار. (اليوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، ولو رفع لكان مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما ب: ﴿نَفْعاً﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر. ﴿نَفْعاً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿ضَرًّا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، ولا تنس الالتفات من الغيبة في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية. ﴿وَنَقُولُ:﴾ الواو: حرف عطف. (نقول): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ذُوقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿ذُوقُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَنَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿لا يَمْلِكُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿النّارِ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ:﴾ وإذا قرئ القرآن على كفار قريش، وتليت آياته واضحات المعاني، بينات الإعجاز، وسمعوها غضة طرية من لسان رسولنا محمد ﷺ ﴿قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ﴾ يريدون النبي ﷺ . ﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ أي: يريد أن يصرفكم عن معبودات آبائكم التي هي الحجارة، والأوثان، فاحذروه، وتمسكوا بتلك المعبودات، وعضوا عليها بالنواجذ. ﴿وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً:﴾ فهم يريدون أن ما يقرؤه النبي ﷺ من آيات الله البينات، إنما هو مختلق اختلقه النبي من تلقاء نفسه. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ:﴾ المراد بالحق: نور الإسلام، أو نور القرآن، أو هو نور محمد سيد الأنام. ﴿إِنْ هذا﴾ أي: الحق الذي جاءهم. ﴿إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ:﴾ فقد تحيروا، فتارة قالوا: سحر، وتارة قالوا: إفك، ويحتمل أن

стр. 5002

يكون منهم من قال: شعر، ومنهم من قال: إفك، وفي تكرير الفعل: (قالوا) والتصريح بذكر الكفرة، وما في اللامين من الإشارة إلى القائلين، والمقول فيه، وما في ﴿لَمّا﴾ من المبادهة إلى البت بهذا القول إنكار عظيم له، وتعجيب بليغ منه، وانظر شرح (السحر) في الآية رقم [٣٤] من سورة (الشعراء). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٢٣]. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعل، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿تُتْلى..﴾. إلخ في محل جر بالإضافة: (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رَجُلٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَصُدَّكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ،﴾ والكاف مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿يَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿آباؤُكُمْ:﴾ تنازعه الفعلان قبله، فالأول يطلبه اسما له، والثاني يطلبه فاعلا، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، وعلى المذهبين يضمر في أحدهما، والظاهر للآخر، وجملة: ﴿يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ في محل نصب خبر: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها على الاعتبارين الأولين فيها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو: عن شيء كان يعبده آباؤكم، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: يصدكم عن عبادة آبائكم. وجملة: ﴿(قالُوا: ما هذا...)﴾ إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض وفاعله. والألف للتفريق، والجملة الاسمية: ﴿ما هذا إِلاّ إِفْكٌ﴾ في محل نصب مقول القول، وإعرابها مثل إعراب سابقتها. ﴿مُفْتَرىً:﴾ صفة: ﴿إِفْكٌ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثلها. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾

стр. 5003

مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِلْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (قال). ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى حين مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: (قال)، أو هو متعلق بمحذوف حال من (الحق) والمعنى: لا يأباه. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الحق، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿أَنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿هذا:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾ حرف حصر. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وكذا إن اعتبرتها معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ أي: وما أعطيناهم كتبا يقرءونها فيها برهان على صحة معتقداتهم، وعبادتهم الحجارة، والأوثان، ولا أرسلنا إليهم قبلك يا محمد نذيرا ينذرهم بالعقاب؛ إن لم يشركوا، كما قال الله : ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ الآية رقم [٣٥] من سورة (الروم)، أو وصفهم الله بأنهم قوم أميون أهل جاهلية، لا ملة لهم، ولا عهد لهم بإنزال كتاب، ولا بعثة رسول، كما قال جل ذكره: ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ الآية رقم [٢١] من سورة (الزخرف) فليس لتكذيبهم وجه، ولا متشبث؛ ولا شبهة يتعلقون بها، كما يقول أهل الكتاب، وإن كانوا مبطلين: نحن أهل كتاب وشرائع، ومستندون إلى رسول من رسل الله. قال الطبري: أي ما أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد ﷺ ، أي: فكيف يحق لهم معاداته؟ وانظر ما ذكرته في سورة (يس) رقم [٦] تجد ما يسرك. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿آتَيْناهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿كُتُبٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿يَدْرُسُونَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، و (ها): مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿كُتُبٍ﴾ على اللفظ، والجملة الفعلية: ﴿وَما آتَيْناهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، وهو وجه ضعيف. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قَبْلَكَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بما بعده، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَذِيرٍ:﴾ مفعول به منصوب مثل: ﴿كُتُبٍ﴾. وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

стр. 5004

﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كذب قبل أهل مكة أقوام، كانوا أشد من هؤلاء بطشا، وأكثر أموالا، وأولادا، وأوسع عيشا، فأهلكتهم، كقوم فرعون، والنمرود، وكثمود، وعاد، فما أغنى عنهم قوتهم، ولا أموالهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ الآية رقم [٨] من سورة (الزخرف). ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ أي: ما بلغ كفار قريش عشر ما أوتي جبابرة الأمم السابقة من القوة، وعلو المكانة في الدنيا، والنعمة، وطول الأعمار. و (المعشار) كالمرباع، وهما: العشر، والربع. ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي:﴾ وإنما قال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ وهو مستغنى عنه بقوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ لأنه لما كان معنى قوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ وفعل الذين من قبلهم التكذيب، وأقدموا عليه؛ جعل تكذيب الرسل مسببا عنه، وهو كقول القائل: أقدم فلان على الكفر، فكفر بمحمد ﷺ . ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي: عقابي للمكذبين الأولين، فليحذر كفار قريش من مثله! أي: فحين كذبوا رسلهم؛ جاءهم إنكاري بالتدمير، والإهلاك، والاستئصال، ولم تغن عنهم قوتهم، ولا أموالهم، ولا أولادهم شيئا، فما لكفار قريش لا يهتدون، ولا يرتدعون عما هم عليه من الكفر، والعصيان، والطغيان؟! هذا؛ والاستفهام معناه التعجب، ومفاده: التغيير؛ أي: فانظر كيف كان تغييري ما كانوا فيه من النعيم، والرخاء بالعذاب، والهلاك، فكذلك أفعل بالمكذبين من قريش. قال الجوهري: النكير، والإنكار: تغيير المنكر، ولا معنى له هنا. والكلام فيه تهديد، ووعيد. الإعراب: ﴿وَكَذَّبَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كذب): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَكَذَّبَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿بَلَغُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مِعْشارَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿آتَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير: معشار الذي، أو: شيء آتيناهموه. ﴿فَكَذَّبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (كذبوا): فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رُسُلِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة،

стр. 5005

والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر: ﴿كانَ،﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ومفاد الاستفهام الإنكار، والتعجب معا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿نَكِيرِ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فأهلكتهم، فكيف كان نكيري؟! وقدر البيضاوي المحذوف بقوله: فحين كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير، فكيف كان نكيري؟! ﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ:﴾ أرشدكم، وأنصح لكم بخصلة واحدة، وأحذركم سوء عاقبة ما أنتم عليه. والخصلة الواحدة هي قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى:﴾ ليس المراد بالقيام حقيقته، الذي هو الانتصاب على القدمين؛ بل المراد به النهوض بالهمة، والاعتناء، والاشتغال بالتفكر في أمر محمد ﷺ ، وما جاء به، وطلب القرآن من كفار قريش أن يتفكروا في أمره ﷺ مثنى، وفرادى، ففيهما طباق بديع؛ لأن الاثنين يتفكران، ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه لينظر فيه، وأما الواحد فيفكر في نفسه أيضا بعدل ونصفة، فيقول: هل رأينا في هذا الرجل جنونا، أو جربنا عليه كذبا قط؟ وقد علمتم أن محمدا ﷺ ما به من جنون؛ بل علمتموه أرجح قريش عقلا، وأرزنهم حلما، وأحدّهم ذهنا، وأرضاهم رأيا، وأصدقهم قولا، وأزكاهم نفسا، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال، ويمدحون به، وإذا علمتم بذلك؛ كفاكم أن تطالبوه بآية، وإذا جاء بها؛ تبين أنه نبي صادق فيما جاء به. انتهى. خازن. وهذا فحوى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ والتعبير ب: (صاحبكم) للإيماء إلى أن حال النبي ﷺ مشهور بينهم؛ لأنه تربى في أحضانهم، وترعرع فيما بينهم، ويعرفون خلقه، وصدقه، وأمانته وعفته... إلخ، ولذلك سماه قومه: الأمين، وانظر شرح: ﴿جِنَّةٍ﴾ في الآية رقم [٨]. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ..﴾. إلخ: عن ابن عباس-﵄: أنه قال: صعد النبي ﷺ الصفا ذات يوم، فقال: يا صباحاه! فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك؟ فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم: أن العدو يصبحكم، أو يمسيكم، أما كنتم تصدقوني؟!». قالوا: بلى! قال ﷺ : «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تبا لك! ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله : ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. رواه البخاري. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٤] من سورة (الحجر) و (الشعراء) [٢١٤].

стр. 5006

وقال الإمام أحمد عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه-﵁-قال: «خرج إلينا رسول الله ﷺ يوما، فنادى ثلاث مرات، فقال: «أيها الناس تدرون ما مثلي ومثلكم؟». قالوا: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ : «إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم، فبعثوا رجلا يتراءى لهم، فبينما هو كذلك؛ أبصر العدوّ، فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدوّ قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه، أيّها الناس! أوتيتم. أيها الناس! أوتيتم». ثلاث مرات. هذا؛ وفي قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ..﴾. إلخ استعارة، حيث استعير لفظ اليدين لما يكون من الأهوال، والشدائد أمام الإنسان يوم القيامة، وفي قوله: ﴿مَثْنى وَفُرادى﴾ مقابلة، ومطابقة بينهما، وهذا من المحسنات البديعية. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿أَعِظُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِواحِدَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُومُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بدلا من: (واحدة)، أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي قيامكم، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني قيامكم. ومذهب الزجاج: في محل نصب على نزع الخافض. وأقواها أولها، وقال الزمخشري: عطف بيان على: (واحدة) ورده ابن هشام في المغني بقوله: البيان لا يخالف متبوعه في تعريفه، وتنكيره. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَثْنى وَفُرادى:﴾ حالان من واو الجماعة منصوبان، وعلامة نصبهما فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَتَفَكَّرُوا:﴾ معطوف على: ﴿تَقُومُوا﴾ منصوب مثله. ﴿إِنَّما:﴾ نافية، معلقة للفعل: ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾ عن العمل. ﴿بِصاحِبِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿جِنَّةٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، علامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل: تتفكروا، وقال أبو حاتم: الوقف على ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: ﴿إِنَّما﴾ استفهامية، والمعنى: ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون، وعليه فالجار والمجرور: ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (صاحبكم)، وهو ضعيف معنى، وتركيبا كما ترى. ﴿أَنْ:﴾ حرف نفي. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَذِيرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿نَذِيرٌ،﴾ أو صفة أخرى له، أو هو متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿لَكُمْ﴾.

стр. 5007

و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى صورة، وحذفت النون للإضافة، و ﴿يَدَيْ﴾ مضاف، و ﴿عَذابٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة: ﴿عَذابٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هُوَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ:﴾ أيّ شيء سألتكم من أجر على تبليغ الرسالة ﴿فَهُوَ لَكُمْ:﴾ والمراد: نفي السؤال عنه فإنه جعل التنبي مستلزما لأحد الأمرين: إما الجنون، وإما توقع نفع دنيوي عليه؛ لأنه إما أن يكون لغرض، أو لغيره، وأيا ما كان يلزم أحدهما، ثم نفى كلا منهما. وقيل: ﴿ما﴾ موصولة مراد بها: ما سألهم بقوله: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً،﴾ وقوله تعالى: ﴿لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ واتخاذ السبيل ينفعهم، وقرباه قرباهم. انتهى. بيضاوي. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ أي: ما ثوابي، وأجري إلا على الله فهو الذي يثيبني، ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ:﴾ حفيظ مهيمن يعلم: أني لا أطلب الأجر على نصيحتكم، ودعائكم إليه إلا منه، ولا أطمع منكم في شيء. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان مقدم. ﴿سَأَلْتُكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿مِنْ أَجْرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ما،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو) مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها. هذا؛ وعلى اعتبار ﴿ما﴾ موصولة، فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي سألتكموه. و ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، والجملة الاسمية: (هو لكم) في محل رفع خبر المبتدأ، ودخلت الفاء عليه لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى (ما). ﴿أَجْرِيَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة

стр. 5008

الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ:﴾ القذف، والرمي تصويب السهم، ونحوه بدفع، واعتماد، وقوة، ويستعاران من حقيقتهما لمعنى الإلقاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ،﴾ وقوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾. ومعنى ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ:﴾ يلقيه، وينزله إلى أنبيائه، أو يرمي به الباطل فيدفعه، ويزهقه، كقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ وهو قول ابن عباس. أو: يرمي به إلى أقطار الآفاق، فيكون وعدا بإظهار الإسلام، وإفشائه. وانظر شرح الحق في الآية رقم [٣٠] من سورة (لقمان)، وانظر شرح ﴿يَقْذِفُ﴾ في الآية رقم [٥٣]. ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ:﴾ صيغة مبالغة: عالم. و ﴿الْغُيُوبِ:﴾ الأمر الذي غاب، وخفي جدا، وهو يقرأ بتثليث الغين، فالضم، كالشعور، والفتح، كالصبور، والكسر، كالبيوت (بكسر الباء). الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَقْذِفُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، التقدير: يقذف الباطل بالحق، أي: يدفعه. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أي: ملتبسا بالحق، وأجيز اعتبار الباء زائدة، والحق مفعوله، أو الفعل يضمن معنى: يقضي، ويحكم، فيكون لازما. ﴿عَلاّمُ:﴾ بدل من محل اسم: ﴿إِنَّ،﴾ أو صفة له، أو هو بدل من الضمير المستكن بالفعل: ﴿يَقْذِفُ،﴾ أو هو خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف. وقرئ بالنصب على أنه صفة ل: ﴿رَبِّي،﴾ أو بدل منه، أو هو على إضمار: أعني، و ﴿عَلاّمُ﴾ مضاف، و ﴿الْغُيُوبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿يَقْذِفُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ﴾ أي: الإسلام، والقرآن، وذهب الباطل، واضمحل، ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة؛ جعل

стр. 5009

يطعن الصنم منها بعود كان في يده، ويقرأ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء). ويقرأ: ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾. أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي عن ابن مسعود ﵁. أي: لم يبق للباطل مقالة، ولا رئاسة، ولا كلمة. وزعم قتادة، والسدي: أن المراد بالباطل هنا: إبليس؛ أي: إنه لا يخلق أحدا، ولا يعيده على ذلك. وهذا؛ وإن كان حقا، ولكن ليس هو المراد هاهنا، والله أعلم. انتهى. مختصر ابن كثير. وانظر شرح: ﴿الْباطِلُ﴾ في العنكبوت [٥٢]. وفي البيضاوي تبعا للزمخشري: ﴿الْباطِلُ:﴾ الشرك ذهب بحيث لم يبق له أثر، مأخوذ من هلاك الحي، فإنه إذا هلك لم يبق إبداء ولا إعادة أي: فإنه كناية عن هلاكه، وذهابه، وفي ﴿يُبْدِئُ﴾ و ﴿يُعِيدُ﴾ طباق أيضا. ومنه قول عبيد بن الأبرص: [الرجز] أأقفر من أهله عبيد... فاليوم لا يبدي ولا يعيد الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿جاءَ الْحَقُّ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يُبْدِئُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْباطِلُ﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: ما يبدئ الباطل لأهله خيرا. ﴿وَما يُعِيدُ:﴾ مثله في حذف المفعول، والفاعل يعود إلى ﴿الْباطِلُ،﴾ التقدير: وما يعيد لأهله خيرا. وقيل: الفعلان منزلان منزلة اللازم، والجملة الفعلية: ﴿وَما يُبْدِئُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿الْحَقُّ﴾ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط الواو فقط. هذا؛ وقيل: (ما) استفهامية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، التقدير: وأي شيء يبدئ الباطل؟! وهو غير واضح معنى. ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿إِنْ ضَلَلْتُ﴾ أي: عن الحق. ﴿فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ أي: وبال ضلالي عليها، فإنه بسببها؛ إذ هي الجاهلة بالذات، والأمارة بالسوء. وذلك: أن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ : تركت دين آبائك، فضللت. وقراءة الجمهور: ﴿ضَلَلْتُ﴾ بفتح اللام، وقرأ يحيى بن وثاب، وغيره بكسر اللام، وفتح الضاد من: «أضلّ». والضلال، والضلالة: ضد الرشاد. وقد ضللت بفتح اللام، أضل بكسرها، وهي قراءة حفص في هذه الآية، فهذه لغة نجد، وهي الفصيحة، وأهل العالية يقولون: «ضللت، أضل» بكسر الضاد

стр. 5010

فيهما، وانظر شرح (الضلال) في الآية رقم [١١] من سورة (لقمان)، و (السجدة) رقم [١٠]. ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾ أي: إلى الحق، والصواب. ﴿فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي:﴾ من القرآن والحكمة، وإن الاهتداء بهدايته، وتوفيقه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها..﴾. إلخ الآية رقم [١٣] من سورة (السجدة). وكان قياس التقابل أن يقال: وإن اهتدت، فإنما أهتدي لها، كقوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء) ولكن هما متقابلان معنى؛ لأن النفس كل ما هو وبال عليها، وضار لها، فهو بها، وبسببها؛ لأنها الأمارة بالسوء، وما لها مما ينفعها؛ فبهداية ربها، وتوفيقه، وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة قدره، وسداد طريقته، كان غيره أولى به. انتهى. نسفي. وانظر ما ذكرته في سورة (الشعراء) رقم [٨٠]. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ:﴾ يسمع قول كل ضال، ومهتد. ﴿قَرِيبٌ:﴾ مني، ومنكم يجازيني بعملي، ويجازيكم بأعمالكم. هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله عليهم وسلم أجمعين، والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك. وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٨] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿ضَلَلْتُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿أَضِلُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «أنا». ﴿عَلى نَفْسِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة: ﴿فَإِنَّما أَضِلُّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تحل محل المفرد عند الدسوقي، وهي في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. و (إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول. و (إن) الثانية ومدخولها كلام معطوف عليه فهو في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَبِما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (بما): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فاهتدائي بما. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فبسبب الذي، أو: شيء يوحيه... إلخ، وعلى اعتبارها مصدرية، تؤول مع ما بعدها
следующие страницы →